الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 663-694

وأما كون شهادة الولد لوالده تُقبل وشهادة الوالد لولده لا تُقبل على روايةٍ؛ فلأن شهادة الوالد لولده فيها تهمة من حيث إن مال الابن في حكم ماله؛ لأن له أن يتملكه فشهادته له شهادته لنفسه.
بخلاف شهادة الولد لوالده؛ فلأن التهمة المذكورة منتفية فيها.
قال: (وتُقبل شهادة بعضهم على بعض في أصح الروايتين).
[أما كون شهادة بعضهم على بعض تقبل في رواية] 1؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: 135]. ولو لم تكن شهادة الولد مقبولة على الوالد لما أمر الله تعالى بها.
ولأن شهادة كل واحدٍ منهما على الآخر لا تهمة فيها.
ولأن التهمة في الشهادة له لا في الشهادة عليه.
وأما كونها لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما لا تُقبل شهادته للآخر.
فوجب أن لا تُقبل عليه قياساً لإحدى الشهادتين على الأخرى.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين الشهادة له والشهادة عليه: التهمة في الشهادة له وانتفائها في الشهادة عليه.
قال: (ولا تُقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه في إحدى الروايتين).
أما كون شهادة كل واحدٍ من الزوجين للآخر لا تُقبل في روايةٍ؛ فلأن كل واحدٍ منهما يرث صاحبه من غير حجب، ويتبسط في ماله عادة، وذلك يوجب التهمة في شهادته، والتهمة تمنع من القبول.
وأما كونها تُقبل في روايةٍ؛ فلأن النكاح عقد على منفعة.
فلا يتضمن رد الشهادة؛ كالإجارة.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن يسار الرجل يزيد نفقة امرأته، ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها.
فكأن كل واحدٍ منهما يجر لنفسه نفعاً، ولذلك قال الله تعالى: {وقرن

في بيوتكن} [الأحزاب: 33]، وقال: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ [الأحزاب: 53] فأضاف البيوت إليهن تارة وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى.
و«قال ابن مسعود للذي قال له: غُلامي سرقَ مرآة لزوجتي.
قال له: مالُكم سرقَ مالكم» 1. وأما القياس على الإجارة فلا يصح؛ لما بينهما من الفرق وهو وجود التهمة بين المتناكحين، وانتفاؤها بين المؤجر والمؤجرة.
قال: (ولا تُقبل شهادة السيد لعبده ولا العبد لسيده.
وتُقبل شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب، والصديق لصديقه، والمولى لعتيقه).
أما كون شهادة السيد لعبده لا تُقبل؛ فلأن مال العبد لسيده فشهادة السيد له شهادة لنفسه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باعَ عبداً وله مالٌ فمالهُ للبائع إلا أن يشترطهُ المبتاع» 2. وأما كون شهادة العبد لسيده لا تُقبل؛ فلأن العبد متهم؛ لأنه يتبسط في مال سيده، ولا يقطع بسرقته.
فلا تُقبل شهادته له؛ كالأب مع ابنه.
وأما كون شهادة الأخ لأخيه تُقبل؛ فلأنه من عدول المسلمين فيدخل في قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282] وغير ذلك من الآيات.
ولأن الأخ عدل غير متهم.
فوجب قبول شهادته؛ كالأجنبي.
وأما كون شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه.
فلأن تُقبل شهادة الأقارب بعضهم لبعض بطريق الأولى.
وأما كون شهادة الصديق لصديقه تُقبل؛ فلعموم النصوص المتقدم ذكرها.
ولأن الصديق إذا كان عدلاً لم يكن متهماً في شهادة صديقه.
وأما كون شهادة المولى لمعتقه تُقبل؛ فلأنه إذا قُبلت شهادة الأخ لأخيه.
فلأن تقبل شهادة المولى لمعتقه بطريق الأولى.

فصل [المانع الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ كشهادة السيد لمكاتبه، والوارث لموروثه بالجرح قبل الاندمال، والوصي للميت، والوكيل لموكله بما هو وكيل فيه، والشريك لشريكه، والغرماء للمفلس بالمال، وأحد الشفيعين بعفو الآخر عن شفعته).
أما كون الثاني مما يمنع قبول الشهادة: أن يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله متهم في الشهادة، والتهمة تمنع من قبول الشهادة.
وأما كون ذلك كشهادة السيد لمكاتبه... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ منهم يجرّ إلى نفسه نفعاً بشهادته.
وبيان النفع في كل صورة مما ذكر ظاهر.

فصل [المانع الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ كشهادة العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، والغرماء بجرح شهود الدَّيْن على المفلس، والسيد بجرح من شهد على مكاتبه أو عبده بدين، والوصي بجرح الشاهد على الأيتام، والشريك بجرح الشاهد على شريكه، وسائر من لا تُقبل شهادته لإنسان إذا شهد بجرح الشاهد عليه).
أما كون الثالث مما يمنع قبول الشهادة: أن يدفع عن نفسه ضرراً؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون ذلك يمنع ذلك؛ فلأن فاعله أيضاً متهم، والتهمة تمنع قبول الشهادة.
وأما كون ذلك كشهادة العاقلة... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ يدفع عن نفسه ضرراً بشهادته.
وبيان الضرر في كل صورة مما ذكر ظاهر.

فصل [المانع الرابع] قال رحمه الله: (الرابع: العداوة؛ كشهادة المقذوف على قاذفه، والمقطوع عليه الطريق على قاطعه، والزوج بالزنا على امرأته).
أما كون الرابع مما يمنع قبول الشهادة: العداوة؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما كون العداوة تمنع ذلك؛ فلأن في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غِمْرٍ على أخيه» 1. رواه أبو داود.
والغمر: الحقد.
ولأن العداوة تورث التهمة.
فوجب أن تمنع الشهادة؛ كالقرابة القريبة.
وأما كون العداوة كشهادة المقذوف على قاذفه... إلى آخره؛ فلأن كل واحدٍ من الشهود عدو للمشهود عليه.
وبيان العدواة في كل صورة مما ذكر ظاهر.

فصل [المانع الخامس] قال المصنف رحمه الله: (الخامس: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها فإنها لا تُقبل للتهمة.
ولو لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً قُبلت.
ولو شهد كافرٌ أو صبيٌ أو عبدٌ فرُدت شهادتهم ثم أعادوها بعد زوال الكفر والرق والصبى قُبلت).
أما كون الخامس مما يمنع قبول الشهادة: أن يشهد الفاسق بشهادة فترد ثم يتوب ويعيدها؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون ذلك يمنع ذلك فلأن فاعله متهم بأدائها؛ لأنه يُعيّر بردها وتلحقه غضاضة.
فإذا أعادها كان متهماً.
وأما كون شهادته تُقبل إذا لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلاً؛ فلأن التهمة إنما كانت من أجل العار الذي يلحقه في الرد، وذلك منتفٍ فيما ذكر.
وأما كون شهادة الكافر والصبي والعبد إذا شهدوا في حال الكفر والصبى والرق ثم أعادوها بعد الإسلام والبلوغ والعتق تُقبل؛ فلأن رد الشهادة في الأحوال المذكورة لا غضاضة فيه فلا تقع تهمة في الإعادة.
وبذلك يظهر الفرق بين رد الشهادة بالفسق وبين ردها بالكفر والصبى والرق.
قال: (وإن شهد لمكاتبه أو لموروثه بجرح قبل برئه فردت ثم أعادها بعد عتق المكاتب وبرء الجريح ففي ردها وجهان.
وإن شهد الشفيع بعفو شريكه في الشفعة عنها فرُدت ثم عفي الشاهد عن شفعته وأعاد تلك الشهادة لم تُقبل.
ذكره القاضي.
ويحتمل أن تُقبل).
أما كون شهادة المكاتب لمكاتبه إذا ردت ثم أعادها بعد عتقه، وشهادة الوارث لموروثه بجرح قبل برئه إذا ردت ثم أعادها بعد برء الجريح: لا تُرد في

وجه؛ فلأن زوال المانع من قبول الشهادة هنا ليس من فعل الشاهد.
فلم يمنع ذلك من قبول شهادته المعادة؛ كزوال الصبَى بالبلوغ.
ولأن رد الشهادة هنا السببُ لا عار فيه فلا يتهم في قصد نفي العار بإعادتها.
وأما كونها تُرد في وجه؛ فلأن الحاكم رد شهادة من ذكر باجتهاده فلا ينقض ذلك باجتهاده.
والأول أصح.
ذكره المصنف في المغني وعلله بأن الأصل قبول شهادة العدل.
وقياس الشاهد هنا على المردود الشهادة بالفسق لا يصح؛ لوجود التهمة في حق الفاسق وانتفائها.
وأما نقض الاجتهاد بالاجتهاد فهو جائز بالنسبة إلى المستقبل غير جائز بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قضى عمر رضي الله عنه في قضية بقضايا مختلفة قال: «ذلك على ما قضينَا وهذا على ما نقضي» 1. وقبول الشهادة هنا من النقض في المستقبل لا في الماضي.
وأما كون شهادة الشفيع بعفو شريكه في الشُفعة إذا أعادها بعد ردها لا تُقبل؛ فلأنه متهم في الشهادة؛ كالفاسق إذا أعاد شهادته المردودة لفسقه.

باب أقسام المشهود به

قال المصنف رحمه الله: (والمشهود به ينقسم خمسة أقسام: أحدها: الزنا وما يوجب حده.
فلا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة رجال أحرار.
وهل يثبت الإقرار بالزنا بشاهدين أو لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين).
أما كون المشهود به ينقسم خمسة أقسام؛ فلأنه تارة يكون الزنا وما يوجب حده، وتارة القصاص وسائر الحدود، وتارة ما ليس بمال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص، وتارة المال وما يقصد به المال، وتارة ما لا يطلع عليه الرجال.
وأما كون أحدها: الزنا وما يوجب حده؛ فظاهر.
وأما كون ذلك لا تُقبل فيه إلا شهادة أربعة؛ فلأن الله تعالى قال ذلك في آياتٍ من كتابه: منه قوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: 13].
وأما كونهم رجالاً؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل، قليلة الأمانة.
فيكون ذلك شُبهة، والحد يدرأ بالشبهة.
وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في قبول شهادة العبيد خلافاً بين العلماء فيكون ذلك شبهة مانعة من قبول شهادتهم فيما يدرأ بالشبهة، وقد تقدم في شهادة العبيد أنها تُقبل في الحدود في رواية 1. والأول أصح؛ لما ذكر.
فإن قيل: لم يذكر المصنف رحمه الله أن يكونوا عدولاً؟

قيل: اكتفى باشتراط ذلك في الأموال؛ لأنه نبَّه على تأكيد الشهادة على الزنا بالأمور المذكورة فيعلم المتفَقِّه أن اشتراط العدالة فيها أولى.
وكذلك عدم ذكره لباقي الشروط الآتي ذكرها.
والعدالة المعتبرة ظاهراً وباطناً وجهاً واحداً وإن اختلف في ذلك في الأموال لتأكيد الزنا واشتراط ما ذكر.
وأما كون الإقرار بالزنا هل يثبت بشاهدين أم لا يثبت إلا بأربعة؟ على روايتين؛ فلأن قياسه على سائر الأقارير يقتضي ثبوته بشاهدين، وقياسه على الفعل يقتضي أن لا يثبت إلا بأربعة.
ولا بد أن يلحظ في الروايتين المذكورتين: أن تكون الشهادة على إقرارٍ تكرر أربعاً.
فلو كانت الشهادة على الإقرار مرتين أو ثلاثاً لم يحد حد الزنا.
وقد ذكر ذلك في الفصل الثالث من باب حد الزنا 1. قال: (الثاني: القصاص وسائر الحدود.
فلا يُقبل فيه إلا رجلان حران).
أما كون ما ذكر لا يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة غالباً، وذلك يقتضي أن الثقة بقولها فيما عداهما على مقتضاه.
وأما كونهما حرين؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً في الجملة.
فلم يثبت القصاص وسائر الحدود بشهادتهم؛ كالشهادة على الزنا.
فإن قيل: القتل أعظم من الزنا فإذا اشترط في الزنا أربعة.
فلأن يشترط في القتل الأربعة بطريق الأولى.
قيل: القتل فيه حق آدمي وفي اشتراط الأربعة إسقاط له بخلاف الزنا.
قال: (الثالث: ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص؛ كالطلاق والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصيةُ إليه وما أشبه ذلك: فلا يُقبل فيه إلا رجلان.
وعنه في النكاح والرجعة والعتق: أنه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين.
وعنه في العتق: أنه يُقبل فيه شاهدٌ ويمين المدعي.
وقال القاضي: النكاحُ وحقوقه من الطلاق والخلع

والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تُخَرَّج على روايتين.
قال أحمد رحمه الله في الرجل يُوكل وكيلاً ويشهد على نفسه رجلاً وامرأتين: إن كانت في المطالبة بدين فأما غير ذلك فلا).
أما كون ما ليس بمال ولا يُقصد به المال ويَطَّلعُ عليه الرجال في غالب الأحوال؛ كالطلاق لا يُقبل فيه إلا رجلان رواية واحدة؛ فلأن الشرع متشوفٌ إلى عدمه.
وأما كون النكاح والرجعة والعتق لا يُقبل فيهما إلا ذلك على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كونهما يقبل فيهما شهادة رجلٍ وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنهما لا يسقطان بالشبهة.
والأول أصح؛ لأن إلحاق النكاح بالطلاق أولى من إلحاقه بالمال، ولذلك قال القاضي: لا يثبتان إلا بشهادة رجلين رواية واحدة.
وأما كون العتق لا يُقبل فيه إلا رجلان على روايةٍ؛ فلأنه إزالة ملكٍ لا على وجه المعاوضة.
فلم يقبل فيه إلا ذلك؛ كالنكاح.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأن العبد مالٌ.
فقبل في عتقه شهادة رجل وامرأتين؛ كسائر الأموال.
وأما كونه يُقبل فيه شهادة واحد ويمين العبد على روايةٍ؛ فلأن في الشرع تشوفاً إلى العتق، وفي قبول شاهد ويمين المعتق توسعة في ثبوت المعتق.
وأما كون ما عدا ذلك من الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله وما في معناها لا يُقبل فيه إلا رجلان على المذهب؛ فبالقياس على الطلاق.
وأما كون النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبتُ إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة ونحوها تخرج على روايتين على قول القاضي؛ فلأن النكاح وحقوقه يحتاط له.
بخلاف بقية ما ذكر.
قال: (الرابع: المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض والرهن والوصية له، وجناية الخطأ: يُقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وشاهد ويمين المدعي.
وهل تُقبل

في جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة شهادة رجل وامرأتين؟ على روايتين).
أما كون المال يُقبل فيه شهادة رجلٍ وامرأتين؛ فبالكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين... -إلى أن قال-: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان﴾ [البقرة: 282]. وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال.
وأما كون ما يقصد منه المال كالصور التي ذكرها المصنف رحمه الله يُقبل فيها شهادة رجل وامرأتين؛ فلأن المقصود منها المال.
أشبهت الشهادة بنفس المال.
وأما كون المال يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استشرتُ جبريلَ في القضاء باليمين مع الشاهد فأشار عليّ بذلك في الأموال لا تعدو ذلك».
رواه أحمد بإسناده.
وعن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه قضَى بالشاهدِ واليمين.
قال عمرو: في الأموال» 1. وعن أبي هريرة قال: «قضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم باليمينِ مع الشاهدِ الواحد» 2. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
ولأن اليمين يشرع في حق من ظهر صدقه، ولذلك شرعت في حق صاحب اليد وفي حق المنكر، والمدعي هاهنا ظهر صدقه بشاهده.
فوجب أن يشرع اليمين في حقه.
وأما كون ما يقصد منه المال يُقبل فيه ذلك؛ فلأن ذلك كالمال نفسه في شهادة المرأتين.
فكذلك في القضاء باليمين مع الشاهد.

وأما كون جناية العمد الموجبة للمال دون القصاص؛ كالهاشمة والمنقلة على روايتين؛ فلأن النظر إلى أن موجبها المال تشبه الجناية خطأ وهي تثبت برجل وامرأتين، والنظر إلى أنها جناية عمد تشبه القتل وهو لا يثبت إلا برجلين.
والأول المذهب.
قاله صاحب المغني فيه.
قال: (الخامس: ما لا يطلع عليه الرجالُ؛ كعيوب النساء تحت الثياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه: فيُقبل فيه شهادة امرأة واحدة.
وعنه: لا يُقبل فيه أقل من امرأتين.
وإن شهد به الرجل كان أولى بثبوته).
أما كون ما لا يَطَّلع عليه الرجال من كل المواضع المذكورة ونحوها يُقبل فيها شهادة امرأة واحدة على المذهب؛ فلأن شهادتها مقبولة في بعضها؛ لما تقدم من حديث عقبة بن الحارث «لما تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب.
فقالت الأمة السوداء: قد أرضعتكُما.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وكيفَ وقد زعمتْ أن قد أرضعتكما» 1. فتقبل في باقي الصور بالقياس على ذلك.
وعن علي رضي الله عنه «أنه أجازَ شهادةَ القابلةِ وحدها في الاستهلال» 2. رواه الإمام أحمد.
وأما كونه لا يُقبل فيه أقل من امرأتين على روايةٍ؛ فلأن كل جنسٍ لم يثبت الحق فيه لم يثبت إلا باثنين.
دليله الرجال.
ولأن الرجل أكمل من المرأة، والحق في غير هذه الصورة لا يثبت به وحده.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون الرجل إذا شهد بذلك في المواضع المذكورة ونحوها أولى بثبوته؛ فلأن الرجل أكمل من المرأة.
فإذا ثبت ذلك في المواضع المذكورة بشهادة النساء فالرجال أولى.

فصل [في شهادة الرجل والمرأتين] قال المصنف رحمه الله: (وإذا شهد بقتل العمد رجل وامرأتان لم يثبت قصاص ولا دية.
وإن شهدوا بالسرقة ثبت المال دون القطع).
أما كون القصاص لا يثبت بما ذكر؛ فلأن من شرط ثبوته: أن يشهد به رجلان ولم يوجد.
وأما كون الدية لا تثبت؛ فلأن الواجب بقتل العمد إما القصاص عيناً، وإما أحد الأمرين، وعلى التقديرين لا ينبغي أن تجب الدية: أما إذا قيل: الواجب القصاص عيناً؛ فلأن الدية حينئذ بدل عنه، وإذا لم يثبت المبدل لا يثبت البدل.
وأما إذا قيل: الواجب أحد الأمرين؛ فلأن تعين أحدهما لا يثبت إلا بالاختيار أو التعذر بعد الثبوت، وكلاهما منتفٍ هنا.
وأما كون المال في مسألة السرقة يثبت دون القطع؛ فلأن الشهادة بالسرقة توجب المال والقطع فيها وشرط ثبوت المال موجود؛ لأنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وشرط القطع منتفٍ؛ لأنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين.
قال: (وإن ادعى رجل الخلع قُبل فيه رجل وامرأتان.
وإن ادعته المرأة لم يُقبل فيه إلا رجلان).
أما كون الرجل إذا ادعى الخلع يُقبل فيه رجل وامرأتان؛ فلأنه مدعٍ بالمال معترف بالبينونة، والمال يثبت بالرجل والمرأتين.
وأما كون المرأة إذا ادعته لم يُقبل فيه إلا رجلان؛ فلأنها مدعية البينونة معترفة بالمال، والبينونة لا تثبت إلا برجلين.

قال: (وإذا شهد رجل وامرأتان لرجلٍ بجارية أنها أم ولده وولدها منه قُضي له بالجارية أم ولد.
وهل تثبت حرية الولد ونسبه من مدعيه؟ على روايتين).
أما كون المشهود له بها؛ فلأنه يدعي ملكها، وقد أقام بذلك بينة كافية فيه.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه حصل بقول البينة.
قيل: ليس مراده ذلك بل مراده الحكم بأنها أم ولده مع قطع النظر عن علة ذلك، وعلته أن المدعي مقر بأن وطئها كان في ملكه.
وأما كون الولد تثبت حريته ونسبه من مدعيه على روايةٍ؛ فلأن من يثبت له عين يثبت له نماؤها، والولد من نمائها، وإذا ثبت أنه له ثبتت حريته ونسبه لإقراره بذلك.
وأما كونه لا تثبت حريته ولا نسبه من مدعيه على روايةٍ؛ فلأن بينته لا تصلح لإثبات ذلك.
فعلى هذا يبقى الولد في يد المنكر مملوكاً له.

باب الشهادة على الشهادة

والرجوع عن الشهادة الأصل في الشهادة على الشهادة في الجملة الإجماع والمعنى: أما الإجماع؛ فقال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال.
وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إليها فإنها لو لم تقبل لبطلت الشهادة بالوقوف، وما تأخر إثباته عند الحكام لو ماتت شهوده.
وفي ذلك ضرر عظيم ومشقة شديدة.
قال المصنف رحمه الله: (تُقبل الشهادة على الشهادة فيما يُقبل فيه كتاب القاضي، وترد فيما يرد فيه.
ولا تُقبل إلا أن تتعذر شهادة شهود الأصل بموتٍ أو مرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر.
وقيل: لا تُقبل إلا بعد موتهم).
أما كون الشهادة على الشهادة تُقبل فيما يُقبل فيه كتاب القاضي وترد فيما يرد فيه؛ فلأنها في معناه؛ لاشتراكهما في كونهما فرعاً لأصل.
وأما كونها لا تُقبل إلا أن يتعذر فيها شهود الأصل؛ فلأنه إذا أمكن سماع الحاكم شهادة شهود الأصل يكون قادراً على سماع الأصل.
فلم يجز العدول عنه؛ كسائر الأصول مع فروعها.
ولأن قدرة القاضي على سماع شهود الأصل يقتضي البحث عن عدالة شاهدي الفرع، ويمكنه العلم بشهادة شهود الأصل.
فلم يجز له العدول إلى ظن شهادتهم بشهادة شاهدي الفرع.
وأما كون التعذر بموتٍ فلا خلاف فيه؛ لتحققه معه.
وأما كونه بمرضٍ أو غيبةٍ إلى مسافة القصر على المذهب؛ فلأن الشهادة يتعذر معهما.
أشبها الموت.

وأما كون الشهادة المذكورة لا تُقبل إلا بعد موت شهود الأصل على قول؛ فلأن المريض ترجى عافيته والغائب يرجى قدومه.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن انتظار صحة المريض وقدوم الغائب يؤدي إلى ضرر صاحب الحق وتأخير حقه لأمر يحتمل أن يصير ويحتمل أن لا يصير.
فعلى هذا يتعدى الأمر إلى المحبوس والخائف من سلطان أو غيره أو نحو ذلك؛ لأن جميع ذلك تتعذر معه الشهادة من شهود الأصل.
أشبها المريض والغائب.
قال: (ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان ابن فلان وقد عرفتُه بعينه واسمه ونسبه أقرّ عندي وأشهدني على نفسه طوعاً بكذا، أو شهدتُ عليه أو أقرّ عندي بكذا).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز له أن يشهد إذا لم يسترعيه شاهد الأصل؛ فلأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، والنيابة بغير إذن لا يجوز.
فإن قيل: إذا كان استرعاء شاهد الأصل معتبراً في شهادة الفرع فهل يعتبر أن يسترعيه بعينه أم يجوز لم لم يسترع أن يشهد على شهادته؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: يعتبر أن يسترعيه بعينه.
وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا؛ لأنه ذكر هاهنا شاهد الفرع.
ثم قال: يسترعيه فأعاد الضمير إليه ثم أتبعه بقوله فيقول: اشهد على شهادتي.
والثاني: لا يعتبر أن يسترعيه بعينه بل إذا سمع رجلاً يسترعي رجلاً جاز للسامع أن يشهد وإن لم يسترعه وهو الذي رجحه المصنف رحمه الله في المغني وعلله بحصول الاسترعاء.
وأما كونه يجوز له ذلك إذا استرعاه شاهد الأصل؛ فلأن المانع منه عدم إذنه له، وذلك مفقود مع ذلك.
وأما كون الاسترعاء كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأنه محصل للغرض.

قال: (وإن سمعه يقول: أشهد على فلان بكذا لم يجز أن يشهد؛ إلا أن يسمعه يشهد عند الحاكم أو يشهد بحقٍ يعزيه إلى سببٍ من بيعٍ أو إجارةٍ أو قرضٍ فهل يشهد به؟ على وجهين).
أما كون شاهد الفرع لا يجوز أن يشهد إذا سمع شاهد الأصل يقول: أشهد على فلان بكذا من غير ذكر سبب ولا شهادة عند الحاكم؛ فلأن شاهد الأصل لم يسترعه الشهادة.
ولأن شاهد الأصل يجوز أن يريد بالشهادة العلم ولو قال: أعلم لم يجز للفرع أن يشهد على شهادته.
وأما كون من سمع من يشهد عند الحاكم أو يعزي شهادته إلى سبب يجوز له أن يشهد على شهادته على وجه؛ فلأن بشهادته عند الحاكم وعزوه الاستحقاق إلى سبب يزول الاحتمال ويرتفع الإشكال.
وأما كونه لا يجوز له ذلك على وجه؛ فلأنه لم يسترعه للشهادة عليه.
قال: (وتثبت شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان عليهما سواء شهدا على كل واحدٍ منهما أو شهد على كل واحدٍ منهما شاهد من شهود الفرع.
وقال أبو عبدالله بن بطة: لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل شاهد أصل شاهدا فرع).
أما كون شهادة شاهدي الأصل تثبت بشهادة شاهدين يشهدان عليهما على المذهب؛ فلأن شهود الفرع بدل عن شهود الأصل، وشاهدا الأصل اثنان فكذا الأصل 1. فعلى هذا لا فرق في الشاهدين بين أن يشهد كل واحدٍ على واحدٍ وبين أن يشهدا على كل واحدٍ منهما؛ لأن الغرض مشابهة الفرع الأصل وبالأول تحصل المشابهة وبالثاني تتأكد القضية والمطلوب حصول المشابهة لا تأكد القضية.
وأما كونها لا تثبت حتى يشهد أربعة على كل أصلٍ فرعان على قول ابن بطة؛ فلأن شاهدي الفرع يُثبتان شهادة شاهدي الأصل.
فلا تثبت شهادة كل

واحدٍ منهما بواحدٍ؛ كما لا يثبت إقرار مقرين بشهادة اثنين يشهد كل واحدٍ منهما على واحد.
قال: (ولا مدخل للنساء في شهادة الفرع.
وعنه: لهن مدخلٌ فيشهد رجلان على رجل وامرأتين، أو رجل وامرأتان على رجل وامرأتين.
وقال القاضي: لا تجوز شهادة رجلين على رجل وامرأتين نص عليه أحمد.
قال أبو الخطاب: وفي هذه الرواية سهو من ناقلها).
أما كون النساء لا مدخل لهن في شهادة الفرع على المذهب؛ فلأنهن يثبتن بشهادتهن شهادة الأصل، وليست بمال ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال في غالب الأحوال.
أشبه القصاص والحد.
وأما كونهن لهن مدخلٌ فيها على روايةٍ؛ فلأن المقصود من شهادتهن إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل.
فكان لهن في ذلك مدخل؛ كالبيع.
فعلى الأول لا يشهد رجلان على رجل وامرأتين، وعلى الثاني يشهد رجلان على رجل وامرأتين.
وأما كون شهادة رجلين على رجل وامرأتين لا يجوز على قول القاضي أنه منصوص الإمام أحمد؛ فلأن في الشهادة على الشهادة ضعفاً وفي شهادة النساء ضعف فلا يضم ضعف إلى ضعف.
وأما كون هذه الرواية سهواً من ناقلها على قول أبي الخطاب؛ فلأنه إذا قُبل شهادة امرأة على شهادة امرأة.
فلأن تقبل شهادة رجل على شهادة امرأة بطريق الأولى؛ لأن الرجل أحسن حالاً من المرأة.
ولأن ناقل هذه الرواية قال فيها: أقبل فيها شهادة رجل على شهادة رجلين وذلك مما لا وجه له؛ لأن رجلاً واحداً لو كان أصلاً فشهد في القتل العمد ومعه ألف امرأة لا يُقبل فإذا شهد بها وحده وهو فرع كيف يقبل ويحكم بها؟.
قال: (ولا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالتهما وعدالة شاهدي الأصل).
أما كون الحاكم لا يجوز له أن يحكم بشهادة شاهدي الفرع حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الفرع؛ فلأن الحق يترتب على قولهما ويثبت به.

وأما كونه لا يجوز له ذلك حتى يثبت عنده عدالة شاهدي الأصل؛ فلأنهما أصلان.
فلأن تعتبر عدالتهما بطريق الأولى.
قال: (وإن شهدا عنده فلم يحكم حتى حضر شهود الأصل وُقف الأمر على سماع شهادتهم.
وإن حدث منهم ما يمنع قبول الشهادة لم يجز الحكم).
أما كون الأمر يُوقف على سماع شهادة شهود الأصل إذا حضروا قبل الحكم بشهادة شاهدي الفرع؛ فلأن الحاكم قدر على الأصل قبل العمل بالبدل.
فلم يجز العمل؛ كما لو تيمم ثم قدر على الماء قبل الصلاة.
ولأن حضورهما لو وجد في ابتداء الشهادة منع.
فإذا طرأ قبل الحكم منع؛ كالفسق.
وأما كون الحكم لا يجوز إذا حدث من شهود الفرع ما يمنع قبول الشهادة كفسق بعضهم؛ فلأن ما كان شرطاً في قبول الشهادة كان استمراره إلى حين الحكم شرطاً في جوازه.
دليله: عدالة الأصل بعد أدائه.
قال: (وإن حكم بشهادتهما ثم رجع شهود الفرع لزمهم الضمان.
وإن رجع شهود الأصل لم يضمنوا.
ويحتمل أن يضمنوا).
أما كون شهود الفرع إذا رجعوا لزمهم الضمان فيما ذكر؛ فلأنهم بشهادتهم حالوا بين صاحب الحق وبين حقه على وجهٍ لا يمكن استدراكه وذلك يوجب الضمان.
دليله: ما لو شهد شاهدان بمال لزيدٍ فحكم الحاكم له ثم رجعا.
وسيأتي ذكر ذلك ودليله 1. وأما كون شهود الأصل إذا رجعوا لا يضمنون على المذهب؛ فلأن شهادتهم ما ألجأت القاضي إلى الحكم.
وأما كونهم يحتمل أن يضمنوا؛ فلأن شاهدي الفرع نائبا شاهدي الأصل لما حصل الإلجاء بشهادة شاهدي الفرع.

فصل [إذا رجع الشهود] قال المصنف رحمه الله: (ومتى رجع شهود المال بعد الحكم لزمهم الضمان، ولم ينقض الحكم سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً).
أما كون شهود المال إذا رجعوا بعد الحكم يلزمهم الضمان؛ فلأنهم حالوا بين المالك وماله بشهادتهم الثابت كونها باطلة بقولهم.
فلزمهم الضمان؛ كما لو غصب غاصبٌ العبد وهرّبه.
وأما كون الحكم لا ينقض؛ فلأن حق المشهود له وجب بالحكم.
فلا يسقط بعد وجوبه بقول الشهود واعترافهم بالكذب؛ لأنه يحتمل كذبهم فيه.
ولأن رجوعهم ليس بشهادة، والحق الثابت بشهادة أو إقرار لا يزيله إلا شهادة على صاحبه أو إقرار منه.
وأما كون ذلك كذلك سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المال قائماً أو تالفاً؛ فلأن وجوب الحق متعلق بالحكم وهو موجود في الأمور المذكورة على حدٍ سواء.
قال: (وإن رجع شهود العتق غرموا القيمة.
وإن رجع شهود الطلاق قبل الدخول غرموا نصف المسمى.
وإن كان بعده لم يغرموا شيئاً.
وإن رجع شهود القصاص أو الحد قبل الاستيفاء لم يستوف.
وإن كان بعده وقالوا: أخطأنا فعليهم دية ما تلف).
أما كون شهود العتق يغرمون القيمة إذا رجعوا؛ فلأنهم حالوا بين مالك العبد وملكه بشهادتهم بعتقه وقد اعترفوا بكذبهم.
فلزمهم قيمته؛ كما لو غصب عبداً فهرَّبه.
وأما كون شهود الطلاق يغرمون نصف المسمى إذا رجعوا قبل الدخول؛ فلأنهم فوَّتوا ذلك على الزوج حيث أوجبوه عليه بشهادتهم التي تبيَّن كذبها.

وأما كونهم لا يغرمون شيئاً إذا رجعوا بعد الدخول؛ فلأن المنفعة التي قابلت المهر استوفاها بدخوله بالزوجة المشهود بطلاقها وإذا كان كذلك لم يفوت الشهود على المشهود عليه شيئاً لم يستوف نفعه.
وأما كون شهود القصاص والحد لا يستوفى ما شهدوا به إذا رجعوا قبل الاستيفاء؛ فلأن رجوعهم شبهة، والحد يسقط بالشبهة، والقصاص عقوبة.
فوجب أن يساويه في حكمه.
وأما كونهم عليهم الدية إذا رجعوا بعد الاستيفاء وقالوا: أخطأنا؛ فلأن بإقراره تمّ تبين أن التلف حصل بسببهم لكن على طريق الخطأ.
فلزمتهم الدية؛ كما لو قتل شخصٌ شخصاً خطأ.
قال: (ويتقسّط الغرم على عددهم.
فإن رجع أحدهم وحده غَرم بقسطه).
أما كون الغرم يتقسّط على عدد الشهود؛ فلأن التفويت حصل منهم كلهم.
فوجب تقسيط الغرامة عليهم كلهم؛ كما لو اتفق جماعة وأتلفوا ملكاً لإنسان.
وأما كون الواحد يغرم بقسطه؛ فلأن الإتلاف حصل بشهادتهم.
فوجب أن يغرم الراجع بقسطه؛ كما لو رجع الجميع.
ولأن ما يضمنه كل واحدٍ مع اتفاقهم على الرجوع يجب أن يضمنه الراجع إذا انفرد؛ كما لو كانوا أربعة.
قال: (وإذا شهد عليه ستة بالزنا فرُجم ثم رجعَ منهم اثنان غرُما ثلثَ الدية.
وإن رجع الكل لزمتهم الدية أسداساً).
أما كون الشاهدين الراجعين يغرمان ثلث الدية؛ فلأنهم اثنان من ستة.
وأما كون الدية تلزم الكل أسداساً إذا رجعوا؛ فلأنهم ستة، والغرامة تقسط عليهم.

قال: (وإن شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان فرُجم ثم رجع الجميع لزمتهم الدية أسداساً في أحد الوجهين، وفي الآخر على شهود الزنا النصف، وعلى شهود الإحصان النصف).
أما كون الدية تلزم من ذكر أسداساً؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة، والغُرم يقسط على عدد الشهود.
وأما كونها تلزمهم نصفين؛ فلأن بينة الإحصان غير بينة الزنا.
فيجب أن تنقسم عليهما.
قال: (وإن شهد أربعة بالزنا وشهد اثنان منهم بالإحصان صحت الشهادة.
فإن رُجم ثم رجعوا عن الشهادة فعلى من شهد بالإحصان ثلُثا الدية على الوجه الأول، وعلى الثاني تلزمهم ثلاثة أرباعها).
أما كون الشهادة المذكورة تصح؛ فلأنها لا مانع من صحتها.
وأما كون شهود الإحصان عليهم ثلُثا الدية على الوجه الأول؛ فلأن الرجم مستند إلى شهادة ستة معنى؛ لأن شهود الإحصان من حيث الإحصان اثنان، ومن حيث الزنا اثنان والآخران تكملة بينة الزنا، وإذا كان كذلك فعلى شهود الإحصان من حيث الإحصان ثلث الدية؛ لأنهما ثلث البينة، ومن حيث الزنا ثلثها؛ لأنهما ثلث الستة.
وأما كونهم يلزمهم ثلاثة أرباع الدية على الوجه الثاني؛ فلأن الدية تقسط على بينتي الزنا والإحصان نصفين.
فلزم بينة الإحصان النصف من حيث إنهما بينة إحصان، ويلزمهما الربع من حيث إنهما نصف بينة الزنا، ومجموع ذلك ثلاثة أرباع الدية.
قال: (وإن حكم بشاهدٍ ويمينٍ فرجع الشاهد غرُم المال كله.
ويتخرج أن يغرم النصف).
أما كون الشاهد المذكور يغرُم المال كله؛ فلأن قول الخصم ليس بحجةٍ على خصمه.
وإنما هو شرط الحكم.
فجرى مجرى مطالبته للحاكم بالقضاء له.
وأما كونه يتخرج أن يغرم النصف؛ فلأن اليمين أحد حُجتي الدعوى.
فلم يكن على الشاهد أكثر من النصف؛ كما لو كان معه شاهد آخر.

قال: (وإن بانَ بعد الحكم أن الشاهدين كانا كافرين أو فاسقين نقض ويرجع بالمال أو ببدله على المحكوم له.
وإن كان المحكوم به إتلافاً فالضمان على المزكين، فإن لم يكن ثَمَّ تزكية فعلى الحاكم.
وعنه: لا ينقض إذا كانا فاسقين).
أما كون الحكم ينقض إذا بانَ الشاهدان كافرين؛ فلأن شرط الحكم كون الشاهد مسلماً ولم يوجد.
وأما كونه ينقض إذا بانَ الشاهدان فاسقين على المذهب؛ فلما ذكر في الكافر.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن شرط الحكم أن لا يظهر للقاضي فسق الشهود وذلك موجود.
والفرق بين الكفر والفسق: أن الكفر لا يخفى غالباً.
بخلاف الفسق فإنه يخفى غالباً فلذلك كان المعتبر في الكفر عدمه وفي الفسق عدم ظهوره.
وأما كون المال يرجع به أو ببدله على المحكوم له؛ فلأن الحكم قد نقض.
فيجب أن يرجع الحق إلى مستحقه.
فإذا كان ذلك موجوداً لزم رده بعينه، وإن كان تالفاً لزم رد بدله.
وأما كون الضمان على المزكين إذا كان المحكوم به إتلافاً؛ كالقتل والقطع وما أشبههما؛ فلأن المحكوم به تعذر رده، وشهود التزكية ألجؤا الحاكم إلى الفعل المذكور.
فلزمهم ضمانه؛ كما لو شهد عدلان بحقٍ ثم حكم الحاكم ثم رجعا.
وأما كونه على الحاكم إذا لم يكن تزكية؛ فلأن التلف حصل بفعله أو بأمره.
فلزمه ضمانه: أما فيما إذا حصل بفعله مثل: أن يقتل أو يقطع أو ما أشبه ذلك بنفسه؛ فظاهر.
وأما فيما إذا أمر بذلك؛ فلأن الحاكم سلّطه على ذلك ومكّنه منه.
فإن قيل: إذا أمر الحاكم الولي بالاستيفاء ينبغي أن يكون الضمان عليه؛ كما لو حكم له بمال فقبضه ثم بان فسقُ الشهود فإن الضمان على المستوفي دون الحاكم فكذا هاهنا.

قيل: ثَمَّ حصل في يد المستوفي مال المحكوم عليه بغير حقٍ.
فوجب عليه رده وضمانه إن تلف وهاهنا لم يحصل في يده شيء، وإنما أتلف شيئًا بخطأ الإمام وتسليطه عليه فافترقا.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: في محل الضمان روايتان: إحداهما: في بيت المال؛ لأن الحاكم نائب المسلمين ووكيلهم، وخطأ الوكيل في حق موكله عليه.
ولأن خطأ الحاكم يكثر؛ لكثرة تصرفاته وحكوماته.
فإيجاب ضمان ما يخطئ فيه على عاقلته إجحاف بهم.
والرواية الثانية: هي على عاقلته مخفّفة مؤجلة؛ لما روي «أن امرأة ذُكرت عند عمر بسوء فأنفذَ إليها فأجهضت.
فبلغَ ذلك عمر فشاورَ الصحابة.
فقال بعضهم: لا شيءَ عليكَ.
وقال علي: أرى عليك الدية.
فقال عمر: عزمتُ عليك أن لا تبْرح حتى تقسمها على قومك» 1. يعني قريشاً؛ لأنهم عاقلة عمر، ولو كان خطؤه واجباً في بيت المال لم يوجب الدية على عاقلته.
ولأن تلف المحكوم به حصل بخطئه فكان على عاقلته كخطئه في غير الحكم.
فعلى هذه الرواية إن كان المتلفُ يبلغ ثلث الدية فصاعداً تحملته العاقلة والكفارة تجب في ماله؛ لأن العاقلة في قتل الخطأ تحمل الثلث فصاعداً دون الكفارة فكذلك هاهنا، وإن كان المتلف أقل من الثلث فذلك في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل أقل من الثلث، وعلى الرواية الأولى الكفارة والقليل والكثير من الدية في بيت المال؛ لأن جعل ذلك في بيت المال لعلة أنه نائب عنهم وخطأ النائب على من استنابه وهذا يدخل فيه القليل والكثير.
ولأنه يكثر خطؤه فجعل الضمان في ماله يجحف به وإن قل لكثرته بتكرره.

قال: (وإن شهدوا عند الحاكم بحقٍّ ثم ماتوا حكم بشهادتهم إذا ثبتت عدالتهم).
أما كون الشهود إذا ماتوا بعد أن شهدوا عند الحاكم بحقٍ يحكم بشهادتهم؛ فلأن الموت لا يؤثر في الشهادة ولا يدل على الكذب فيها ولا يحتمل أن يكون موجوداً حال أداء الشهادة.
بخلاف الفسق فإنه يحتمل ذلك.
وأما كون ثبوت عدالتهم شرطاً؛ فبالقياس على الحياة.
وفي قول المصنف رحمه الله: إذا ثبتت عدالتهم؛ تنبيه على أن الموت لا يُسقط اعتبار العدالة في حق الشهود.
وهو صحيح؛ لأن العدالة إنما اعتبرت بحصول الثقة للقاضي بقول الشاهد، وذلك موجود مع الموت كالحياة.
قال: (وإذا علم الحاكم بشاهد الزور عزّره وطاف به في المواضع التي يشتهر فيها فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه).
أما كون الحاكم إذا علم بشاهد الزور يعزره؛ فلأن ذلك قول عمر رضي الله عنه ولم يعرف له مخالف.
ولأن قول الزور معصية لا حد فيه.
فوجب فيه التعزير؛ كالشتم.
وأما كونه يطوف به في المواضع المذكورة؛ فليشتهر أمره ليجْتنب.
وأما كون الطائف به يقول كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن الشهرة بمفردها لا يحصل بها إعلام الناس به.
فلم يكن بد من القول المذكور أو ما أشبهه.
قال: (ولا تُقبل الشهادة إلا بلفظ الشهادة، فإن قال: أعلم أو أُحق لم يُحكم به).
أما كون الشهادة لا تُقبل إلا بلفظ الشهادة؛ فلأنا قد تعبدنا بذلك.
فلا يقوم غيره مقامه؛ كالصلاة.
وأما كون الشاهد إذا قال: أعلم أو أُحِق لا يُحكم به؛ فلأن الحكم يعتمد لفظ الشهادة؛ لما ذكر ولم يوجد.

باب اليمين في الدعاوى

قال المصنف: (وهي مشروعةٌ في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي.
قال أبو بكر: إلا في النكاح والطلاق.
وقال أبو الخطاب: إلا في تسعة أشياء: النكاح والرجعة والطلاق والرق والولاء والاستيلاد والنسب والقذف والقصاص.
وقال القاضي: في الطلاق والقصاص والقذف روايتان، وسائر التسعة لا يستحلف فيه 1 رواية واحدة.
وقال الخرقي: لا يحلف في القصاص، ولا المرأة إذا أنكرت النكاح، وتحلف إذا ادعت انقضاء عدتها، وإذا أنكر المولي مضي الأربعة الأشهر حلف، وإذا أقام العبد شاهداً بعتقه حلف معه).
أما كون اليمين مشروعة في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي وهو احتمال في المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى قومٌ دماءَ رجال وأموالهم.
ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 2. جعل اليمين على المدعى عليه بعد ذكر الدماء، وذلك ظاهر في أن الدعوى بالدم يشرع فيها اليمين، وسائر الحقوق إما مثله أو دونه.
فوجب مشروعية اليمين في ذلك كله؛ لما ذكر ولعموم النص سواه.
وظاهر المذهب أنها لا تشرع في كل حقٍّ لآدمي؛ لأنها لا تشرع في بعض حقوقه؛ لما يأتي ذكره في موضعه.
وأما كونها مشروعة في غير الأشياء المستثناة؛ فلأنه إما مالٌ أو المقصود منه المال، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعية اليمين في ذلك إذا لم يكن للمدعي

بينة.
والأصل فيه قضية الحضرمي والكندي المتقدم ذكرها غير مرة 1، وعموم قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدعَى عليه» 2. وأما كونها لا تشرع في النكاح والطلاق على قول أبي بكر؛ فلأن النكاح لا مدخل للبدل فيه والطلاق يتبعه.
ولأن أمرهما أشد من غيرهما.
فوجب تخصيصهما بذلك.
وأما كونها لا تشرع في الأشياء التسعة المذكورة على قول أبي الخطاب؛ فلأن منها: النكاح والطلاق وباقيها يساويها في كونها ليست مالاً.
ولأن ذلك لا يثبت إلا بشاهدين.
فلا يشرع فيه اليمين؛ كالحدود.
وأما كونها لا تشرع في الطلاق والقصاص والقذف في روايةٍ وتشرع في روايةٍ؛ فلأن النظر إلى تأكدها يقتضي أن لا يشرع اليمين فيها والنظر إلى أنها حق آدمي يقتضي أن يشرع فيها.
وأما كون سائر التسعة لا يستحلف فيه رواية واحدة؛ فلتأكدها وعدم مساواة غيرها لها.
وأما كون القصاص لا يحلف فيه ولا المرأة إذا أنكرت النكاح على قول الخرقي؛ فلأن القصاص حد يدرأ بالشبهة، والمرأة لا يصح بدلها.
وأما كونها تحلف إذا ادعت انقضاء عدتها على قوله؛ فلما فيه من الاحتياط لبضعها.
وأما كون المُولي إذا أنكر مضي الأربعة الأشهر يحلف على قوله؛ فلأنه إذا لم يحلف يؤدي إلى ضرر المرأة وذلك منتفٍ.
وأما كون العبد إذا أقام شاهداً يحلف معه على قوله؛ فلأن عتقه نقل ملك.
أشبه البيع.
قال: (ولا يستحلف في حقوق الله تعالى؛ كالحدود والعبادات).
أما كون حقوق الله تعالى لا يستحلف فيها؛ فلأنها تسقط بالشبهة.
فلأن تسقط بالنكول بطريق الأولى.

وأما كون حقوق الله تعالى كالعبادات كالزكاة وما أشبه ذلك لا يستحلف فيها؛ فلأنها حقٌ لله تعالى.
أشبهت الحد.
قال: (ويجوز الحكم في المال وما يقصد به المال بشاهد ويمين المدعي.
ولا تُقبل فيه شهادة امرأتين ويمين.
ويحتمل أن تُقبل.
ولا يقبل في النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه شاهد ويمين).
أما كون الحكم في المال وما يقصد به المال يجوز بشاهد ويمين؛ فلما تقدم في باب المشهود به في قوله: الرابع المال وما يقصد به المال؛ كالبيع والقرض 1. وأما كونه لا تُقبل فيه شهادة امرأتين ويمين على المذهب؛ فلأنها بينة خلت من رجل.
فلم تقبل؛ كما لو شهد بالمال أربعة نسوة.
ولأن قول المرأتين ضعيف يقوى بالرجل، واليمين ضعيفة تقوّت بالرجل، وفي هذه الصورة ضعف انضم إلى ضعيف.
فلم يحصل مع شيء منها تقوية.
وأما كون ذلك يحتمل أن يُقبل؛ فلأن المرأتين بمنزلة رجلٍ، والشاهد مع اليمين يثبت المال.
فكذلك مع ما هو بمنزلته.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ودليل الثانية منقوض بما إذا شهد بالمال أربع نسوة فإنه لو قام كل امرأتين مقام رجل لقبلت شهادة الأربع؛ لمقامهم مقام الرجلين.
وأما كون النكاح والرجعة وسائر ما لا يستحلف فيه لا يقبل فيه شاهد ويمين؛ فلما تقدم في باب أقسام المشهود به في قوله: الثالث ما ليس بمال ولا يقصد به المال 2. قال: (ومن حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه حلف على البتِّ.
ومن حلف على فعل غيره أو دعوى عليه في الإثبات حلف على البتّ.
وإن حلف على النفي حلف على نفي علمه).
أما كون من حلف على فعل نفسه أو دعوى عليه؛ مثل: أن يدعي مائة مثلاً ويقيم بذلك شاهداً، ويريد أن يحلف معه، أو يدعي عليه مائة فيقول: ما يستحق

عليّ شيئاً يحلف على البتّ؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلاً فقال قل: واللهِ الذي لا إله إلا هوَ ما لي عليكَ حق» 1. وأما كون من حلف على فعل غيره؛ مثل: أن يدعي أن غيره غصب داره أو ما أشبه ذلك يحلف على 2 البتّ؛ فلأن اليمين هنا قائمة مقام الشهادة ولو شهد الشاهد بذلك لكانت شهادته على البتّ فكذلك اليمين القائمة مقامها.
وأما كون من حلف على دعوى على غيره في الإثبات مثل: أن يدعي 3. وأما كون من حلف على دعوى على غيره في النفي يحلف على نفي العلم؛ فلأن فعل الغير لا يمكن القطع فيه، ولذلك «أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحضرمي حين قال للكندي وقد أنكرَ أن أباه غصب أرضه: أُحَلِّفُه [واللهِ] ما يَعلمُ أنها أرضي اغتصبها أبوه» 4. رواه أبو داود بمعناه.
قال: (ومن توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة لهم فرضَوا جاز.
وإن أبوا حلف لكل واحد يميناً).
أما كون من توجهت عليه يمين لجماعة فقال: أحلف يميناً واحدة لهم فرضوا يجوز؛ فلأنهم لو رضوا بلا يمين لجاز.
فلأن يجوز إذا رضوا بيمين واحدة بطريق الأولى.
وأما كونه يحلف لكل واحد يميناً إذا أبوْا ذلك؛ فلأنه لو انفرد كل واحدٍ وحده لملك تحليفه يميناً.
فإذا اجتمعوا ملكوا ذلك.

فصل [في صفة اليمين] قال المصنف رحمه الله: (واليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه.
وإن رأى الحاكمُ تغليظها بلفظٍ أو زمنٍ أو مكانٍ جاز ففي اللفظ يقول: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الطالبُ، الغالبُ، الضارُّ، النافعُ، الذي يعلم خائنةَ الأعينِ وما تُخفي الصدور).
أما كون اليمين المشروعة هي اليمين بالله تعالى اسمه؛ فبالكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: 107]، وقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [النحل: 38].
وأما السنة؛ فما روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّف ركانة في الطلاق.
فقال: آلله! ما أردتَ إلا واحدة.
فقال: آلله ما أردتُ إلا واحدة» 1. وفي حديث الحضرمي والكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألكَ بينة؟ قال: لا.
ولكن أُحلفُه والله ما يَعلمُ أنها أرضي اغتصبها أبوه» 2. رواه أبو داود.
وقال عثمان لابن عمر: «تحلفُ باللهِ لقد بعتهُ وما به داءٌ تعلمُه» 3. وأما كون الحاكم إذا رأى التغليظ بما ذكر يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم استحلف رجلاً.
فقال قل: واللهِ الذي لا إله إلا هوَ ما له عندي شيء» 4. رواه أبو داود.

وأما كون التغليظ كما ذكر المصنف رحمه الله فلأن اللفظ قد دلّ على اعتباره استحلافه في الحديث المذكور بزيادة: «الذي لا إله إلا هو».
وغيره من الأيمان والمكان سيأتي ذكرهما بعد إن شاء الله تعالى.
قال: (واليهودي يقول: والله الذي أنزل التوراة على موسى، وفلق له البحر، وأنجاه من فرعون وملائه.
والنصراني يقول: والله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعله يحيي الموتى، ويبرئُ الأكمه والأبرص.
والمجوسي يقول: والله الذي خلقني وصوّرني ورزقني).
أما كون اليهودي يقول ما ذكر؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لليهود: «نشدتكم باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدونَ في التوراة على من زنى؟ » 1. رواه أبو داود.
وأما كون النصراني يقول ما ذكر؛ فلأنه لفظ يتأكد به يمينه.
أشبه اليهودي.
وعندي في تغليظ يمين النصراني بما ذكر نظر؛ لأن أكثرهم لا يعتقدون أن عيسى رسولٌ إنما يعتقدونه ابناً لله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فتغليظ اليمين بما ذكر يؤدي إلى خروج اليمين عن أن تكون يميناً فضلاً أن تكون مغلظة.
وأما كون المجوسي يقول ما ذكر؛ فلأنه يعظّم خالقه ورازقه.
أشبه كلمة التوحيد في حق المسلم، وإنزال التوراة في حق اليهودي.
قال: (والزمان يحلفه بعد العصر أو بين الأذانين.
والمكان يحلفه بمكة بين الركن والمقام، وفي الصخرة ببيت المقدس، وفي سائر البُلدان عند المنبر.
ويحلف أهل الذمة في المواضع التي يعظّمونها).
أما كون التغليظ بالزمان تحليفه بعد العصر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ [المائدة: 106]. قيل: المراد بعد العصر.
وأما كون التغليظ بين الأذانين أي بين الأذان والإقامة؛ فلأنه وقت تُرجى فيه إجابة الدعوة.
فيُرجى فيه معاجلة الكاذب بالعقوبة.

وأما كون التغليظ بالمكان؛ فلأن في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «منْ حلفَ على منبري هذا بيمين آثمةٍ فليتبوَأْ مقعدَهُ من النار» 1. فعلى هذا التغليظ بالمكان بمكة بين الركن والمقام؛ لأنه موضع شريف زائد على غيره في الفضيلة، وفي المدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس في الصخرة، وفي سائر البُلدان عند المنبر؛ كالمدينة.
وأما كون أهل الذمة يحلفون في المواضع التي يعظّمونها؛ فلأن اليمين تغلظ في حقهم زماناً فكذلك مكاناً.
وعن الشعبي: «أنه قال لنصراني: اذهب إلى البيعة».
و «قال كعب بن سور في نصراني: اذهبوا إلى المذبح».
قال: (ولا تغلّظُ اليمين إلا فيما له خطرٌ؛ كالجنايات والعتاق والطلاق، وما تجب فيه الزكاة من المال، وقيل: ما يُقطع به السارق.
وإن رأى الحاكم ترك التغليظ فتركه كان مصيباً).
أما كون اليمين لا تغلّظ إلا فيما له خطرٌ كما ذكر المصنف رحمه الله على المذهب؛ فلأن التغليظ للتأكيد، وما لا خطر فيه لا يحتاج إلى تأكيد.
وأما كونه ما يُقطع فيه السارق على قولٍ؛ فلأن قطعه به يدل على الاهتمام به والتأكيد يناسبه.
وأما كون الحاكم إذا رأى ترك التغليظ فتركه كان مصيباً؛ فلأنه مجتهد.
فإذا رأى تركه كان مصيباً؛ كما لو رأى أن الحُكم كذَا.

جارٍ التحميل