الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 735-774

ولأنها لو كانت لازمة لم تجز بغير تقدير مدة.
ولأنه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزاً كالمضاربة.
وأما كونها عقداً لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة.
ولأنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال الفسخ إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل وذلك إضرار به.
وأما كونها لا تفتقر إلى ذكر مدة على القول بأنها عقد جائز؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر لأهل خيبر مدة حين عاملهم.
ولأنها عقد جائز فلم تفتقر إلى ذكر المدة؛ كسائر العقود الجائزة.
وأما كون كل واحد من المتعاقدين له فسخها على ذلك؛ فلأن ذلك شأن كل عقد جائز.
وأما كون الثمرة بينهما إذا حصل الفسخ بعد ظهورها؛ فلأنها ظهرت على ملكهما.
وأما كون العامل إذا فسخ قبل ظهورها لا شيء له؛ فلأنه رضي بإسقاط حقه.
أشبه المضارب إذا فسخ قبل ظهور الربح.
وأما كون رب المال عليه للعامل أجرة عمله إذا فسخ؛ فلأنه منعه من إتمام عمله الذي استحق به العوض.
أشبه الجاعل إذا فسخ الجعالة.
وأما كونه يفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها على القول بأنها 1 عقد لازم؛ فلأنها مشبهة بالإجارة فلم يكن بد من ضرب مدة يكمل فيها المقصود؛ كالإجارة.
قال: (فإن جعلا مدة لا تكمل فيها لم تصح.
وهل للعامل أجرة؟ على وجهين).
أما كون المساقاة فيما ذكر لا تصح 2؛ فلأن المقصود الاشتراك في الثمرة وذلك لا يوجد في تلك المدة.

وأما كون العامل لا أجرة له 1 على وجهٍ؛ فلأنه رضي بالعمل بغير عوض فهو كالمتطوع.
وأما كونه له الأجرة على وجهٍ؛ فلأن المساقاة تقتضي العوض فلا تسقط بالرضى بتركه كالوطء في النكاح.
قال: (وإن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد لا تكمل فهل تصح؟ على وجهين.
فإن قلنا لا تصح فهل للعامل أجرة؟ على وجهين).
أما كون المساقاة فيما ذكر تصح على وجهٍ؛ فلأن الشجر يجوز أن يحمل وأن لا يحمل.
أشبه ما يحمل غالباً.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم يصح كالسَّلَم.
وأما كون العامل له أجرة مثله إذا قيل بعدم الصحة ففيه وجهان وجههما 2 ما تقدم.
وقال المصنف رحمه الله في المغني بعد ذكر هذه المسألة: إن قلنا هو فاسد استحق أجرة المثل سواء حمل أو لم يحمل؛ لأنه لم يرض بغير عوض ولم يسلم له العوض فكان له العوض وجهاً واحداً.
بخلاف ما لو جعل الأجل إلى مدة لا يحمل في مثلها غالباً وهذا متجه؛ لأن تعليل أحد الوجهين فيما إذا كانت الشجرة لا تحمل في مدة المساقاة أنه رضي بغير عوض وهذا لا يتجه هنا.
قال: (وإن مات العامل تمم الوارث، فإن أبى استؤجر على العمل من تركته، فإن تعذر فلرب المال الفسخ).
أما كون وارث العامل يتمم عمل موروثه؛ فلأنه يقوم مقامه في ما له فكذا فيما عليه.

وأما كونه يستأجر على العمل من تركته إذا أبى الوارث ذلك؛ فلأن العمل كان عليه فوجب أن يتعلق بتركته؛ كسائر ما عليه.
وأما كون رب المال له الفسخ إذا تعذر العمل من التركة؛ فلأن تعذر المعوض في المعاملات يُثبت سَلْطَنَةَ الفسخ.
دليله البيع.
قال: (فإن فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما.
وإن فسخ قبله فهل للعامل أجرة؟ على وجهين.
وكذلك إن هرب العامل فلم يوجد له ما ينفق عليها).
أما كون الثمرة بين العامل ورب المال إذا فسخ بعد ظهور الثمرة؛ فلأن الثمرة حدثت على ملكهما.
وأما كون العامل له أجرة إذا فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة على وجهٍ؛ فلأن مطلق العقد يقتضي العوض المسمى.
فإذا تعذر وجب الرجوع بما يقوم مقامه.
وأما كونه لا شيء له على وجهٍ؛ فلأن الفسخ بسبب من جهته.
أشبه ما لو فسخ هو.
وأما كون حكم العامل إذا هرب فلم يوجد له ما ينفق على الثمرة حكم ما إذا مات؛ فلأنهما اشتركا في تعذر العمل وتضرر رب المال بتعذر الفسخ فوجب اشتراكهما فيما ذكر؛ لأن الاشتراك معنى يوجب الاشتراك حكماً.
قال: (وإن عمل فيها رب المال بإذن حاكم أو إشهاد رجع به، وإلا فلا).
أما كون رب المال يرجع بما عمله بإذن حاكم؛ فلأن الحاكم نائب عن الغائب.
وأما كونه يرجع بما عمله بإشهادٍ فينظر فيه فإن كان ذلك عند تعذر استئذان الحاكم رجع به؛ لأنه معذور لعدم القدرة على الاستئذان، وليس بمتبرع بدليل الإشهاد، وإن كان ذلك عند القدرة على الاستئذان ففيه وجهان مبنيان على من قضى دين الغير بغير إذنه.
وأما كونه لا يرجع إذا لم يوجد إذن ولا إشهاد؛ فلأنه متبرع ظاهراً.

فصل [فيما يلزم العامل ورب المال] قال المصنف رحمه الله: (ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة، وزيادتها من السقي، والحرث، والزبار، والتلقيح، والتشميس، وإصلاح طرق الماء، وموضع التشميس، ونحوه.
وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل: من سد الحيطان، وإجراء الأنهار، وحفر البئر، والدولاب، وما يديره.
وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا فلا).
أما كون العامل يلزمه جميع ما ذكره المصنف مفصلاً على المذهب؛ فلأن العامل إنما يراد لأجل الثمرة فاقتضى أن يكون عليه ما يؤدي إلى صلاحها وزيادتها، وجميع ما ذكر يؤدي إلى ذلك.
وأما كون ما يتكرر كل عام عليه في قول؛ فلأنه يتعلق بعمله فكان عليه كالحرث.
وظاهر ما ذكر أن الذي يلقح به على العامل لأنه مما يتكرر.
وقال المصنف في المغني: وقيل ما يتكرر كل عام على العامل إلا ما يلقح به فإنه على المالك وإن تكرر لأنه ليس بعمل.
فيجب حمل كلامه هنا عليه لئلا يتناقض، ولما ذكر من الدليل.
وأما كون رب المال عليه ما فيه حفظ الأصل لا غير على المذهب: أما كونه عليه ذلك؛ فلأن الأصل له فكان ما يراد لحفظه عليه.
وأما كونه ليس عليه غير ذلك؛ فلعدم العلة المذكورة.
وأما كونه عليه ما لا يتكرر كل عام في قولٍ؛ فلأن ذلك لا تعلق للعمل به.
أشبه ما فيه حفظ الأصل.
وأما قول المصنف: من سد الحيطان... إلى آخره فتعداد لصور فيها حفظ الأصل، وبيان لها.
وكل ذلك على رب المال لما تقدم ذكره.

فعلى هذا ما يدير الدولاب من بقر ونحوه على رب المال لأنه مما ذكر، وبذلك صرح أصحابنا.
وقال المصنف في المغني: ذلك على العامل لأنه يراد للعمل كبقر الحرث.
ولأن سقي الماء عليه إذا لم يحتج إلى دابة فكذا هاهنا.
وهذا اختياره لا نقل عن غيره.
قال: (وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد.
وإن ثبتت خيانته ضم إليه من يشارفه.
فإن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل).
أما كون حكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد؛ فلأن العامل في المساقاة أمين رب المال فوجب أن يكون حكمه حكم المضارب فيما ذكر لاشتراكهما في كونهما أميني رب المال.
وأما كونه يضم أمين إلى العامل يشارفه إذا ثبتت خيانته؛ فلأنه أمكن دفع الضرر عن رب المال بذلك مع إمضاء العامل على عمله.
وأما كونه يستأجر من يعمل العمل من مال العامل إذا لم يمكن حفظه؛ فلأنه تعذر استيفاء العمل منه فاستوفي بغيره كما لو هرب.
قال: (وإذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع.
وإن سقى بكلفة فله النصف.
وإن زرعها شعيراً فله الربع.
وإن زرعها حنطة فله النصف لم يصح في أحد الوجهين.
وإن قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه.
أو ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع لم يصح وجهاً واحداً).
أما كون المساقاة لا تصح فيما إذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع، وإن سقى بكلفة فله النصف.
وإن زرعها شعيراً فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف في وجهٍ؛ فلأن العمل مجهول.
ولأنه في معنى بيعتين في بيعه وهو قوله: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ.

وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه في معنى إن خطته رومياً فلك كذا، وإن خطته فارسياً فلك كذا، وقد صح هناك في روايةٍ فليكن هنا مثله 1. وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه؛ فلأن ما يزرعه من كل واحد من الصنفين مجهول القدر فجرى مجرى ما لو شرط في المساقاة ثلث هذا النوع ونصف النوع الآخر وهو جاهل بما فيه منهما.
وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع؛ فلأنه شرط عقداً في عقد فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا بكذا على أن أبيعك هذا بكذا.

فصل في المزارعة قال المصنف رحمه الله: (وتجوز المزارعة بجزء معلوم يُجعل للعامل من الزرع.
فإن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح.
ولا يشترط كون البذر من رب الأرض، وظاهر المذهب اشتراطه).
أما كون المزارعة تجوز؛ فلما تقدم من «أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» 1 متفق عليه.
قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينةِ أهلُ بيتٍ إلا ويزرعونَ على الثلثِ والربع 2. وعنه قال: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم».
وأما كون المزارعة والمساقاة تصح فيما إذا كان في الأرض شجر فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر؛ فلأن كل واحد منهما عقد لو انفرد لصح فإذا اجتمعا وجب أن يصحا كحالة الانفراد.
وأما ما يشترط لصحة المزارعة فأمور: منها: كون نصيب العامل مشاعاً معلوماً.
وقد تقدم ذكر دليله في الشركة ومساواة حكم المزارعة لحكم المساقاة فيما ذكر 3. وثانيها: كون البذر من رب الأرض في ظاهر المذهب؛ لأن المزارعة عقد يشترك العامل ورب الأرض في نمائه.
فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما

كالمساقاة والمضاربة.
وروي عن الإمام أحمد أنه لا يشترط ذلك.
وهو اختيار المصنف لأن ابن عمر قال: «دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم شطر ثمرها» 1. وفي لفظ: «على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها» 2 أخرجهما البخاري.
فجعل عملها 3 من أموالهم وزرعها عليهم، ولم يذكر شيئاً آخر.
وظاهره كون البذر من أهل خيبر.
وروى البخاري «أن عمر رضي الله عنه عاملَ الناسَ على أنه إن جاءَ بالبذرِ من عندهِ فلهُ الشطرُ وإن جاؤا بالبذرِ فلهمْ كذَا» 4. وهذه الرواية هي أصح دليلاً لأن دليل المذهب قياس في مقابلة النص.
ثم هو منتقض بما إذا اشترك مالان وبدن صاحب أحدهما.
قال: (وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما 5 الباقي، أو شرط لأحدهما قفزاناً معلومة، أو دراهم معلومة 6، أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة.
ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر وعليه أجرة صاحبه.
وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا).
أما كون المزارعة والمساقاة تفسد بكل واحد من الشروط المذكورة؛ فلأن كل واحد منها غير جائز.
فوجب أن يفسد عقده؛ كما لو باعه شيئاً وشرط عليه أن لا يبيعه.
بيان عدم جواز كل واحد مما ذكر.
أما شرط أخذ رب الأرض مثل بذره؛ فلأن ذلك بمنزلة ما لو شرطه له.

وأما شرط قفزان معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض مثل ذلك فيؤدي إلى ضرر المعطي للزائد.
وأما شرط دراهم معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض ما يساوي ذلك فيؤدي إلى الضرر المذكور قبل.
وأما شرط زرع ناحية معينة؛ فلأن ذلك منهي عنه في الحديث.
وأما كون الزرع لصاحب البذر مع فساد المزارعة؛ فلأنه نماء بذره.
وأما كون أجرة صاحبه عليه؛ فلأنه دخل على أنه يأخذ مما سمي له.
فإذا فات رجع إلى بدله.
ولأنه لم يرض بالعمل مجاناً.
وأما كون حكم المزارعة حكم المساقاة فيما تقدم ذكره من الجواز واللزوم وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (والحصاد على العامل.
نص عليه.
وكذلك الجذاذ.
وعنه: أن الجذاذ عليهما).
أما كون الحصاد على العامل على منصوص الإمام أحمد؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى يهود خيبر على أن يعملوها من أموالهم» 1. وهذا من العمل الذي لا يستغني عنه الزرع.
وأما كون الجذاذ كذلك على المذهب فلما ذكر في الحصاد.
وأما كونه عليه وعلى رب الشجر على روايةٍ؛ فلأنه يوجد بعد تكامل النماء.
والأول أولى لما ذكر.
ودليل الثانية: ينتقض بالتشميس.

قال: (وإذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي، وتسقيها بمائك، والزرع بيننا فهل يصح؟ على روايتين.
وإن زارع شريكه في نصيبه صح).
أما كون المساقاة فيما إذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك لا تصح على روايةٍ وهي اختيار القاضي؛ فلأن العوض الذي في مقابلته الماء مجهول.
وأما كونها تصح على روايةٍ وهي اختيار أبي بكر؛ فلأنه لما جاز أن يؤجر الأرض ببعض الخارج منها وهو مجهول جاز أن يجعل عوض الماء كذلك.
قال المصنف في المغني: الأولى أصح وأقيس لأنها لا تتحقق مزارعة، ولا يجوز أن يستأجر الماء ولا أن يبتاع بعوض معلوم فكيف إذا كان مجهولاً.
وأجاب عن إجارة الأرض ببعض الخارج بالمنع وبتقدير التسليم يطلب الجامع.
وأما كون مزارعة الشريك لشريكه في نصيبه تصح؛ فلأن ذلك بمنزلة شراء الشريك نصيب شريكه وذلك جائز فكذا هذا.

باب الإجارة

الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وقوله تعالى: ﴿قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: 26]، وقوله: ﴿إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ [القصص: 27].
وأما السنة فثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرَا رجلاً من بني الدِّيلِ هَادِياً خِرِّيتاً» 1. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقولُ اللهُ تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمَّ غَدرْ، ورجلٌ باعَ حُراً وأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّهِ أجرَهُ» 2. والأخبار في هذا كثير.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جواز الإجارة في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: عقد على المنافع.
تنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما.
وفي لفظ البيع وجهان).
أما قوله رحمه الله: وهي عقد على المنافع فبيان لمعنى الإجارة ليحصل به معرفة حقيقتها وتمييزها عن الأعيان.
وأما كونها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ فلأنهما موضوعان لذلك.
وأما كونها تنعقد بلفظ البيع في وجه؛ فلأنها حقيقة فانعقدت بلفظه كسائر أنواعه.

وأما كونها لا تنعقد به في وجه؛ فلأن فيها معنى خاصاً فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى.
ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف البيع إليها إضافة واحدة فاحتيج لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة.
ولأنها تخالف البيع في الاسم والحكم.
أشبهت النكاح.

[فصل في شروط الإجارة] قال: (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها: معرفة المنفعة: إما بالعرف كسكنى الدار شهراً أو خدمة العبد سنة، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم).
أما كون الإجارة لا تصح إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يأتي في مواضعها.
وأما كون أحد شروط صحة الإجارة: معرفة المنفعة؛ فلأن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا بمعرفة المبيع.
وأما طريق المعرفة فأمران: أحدهما: العرف.
وثانيهما: الوصف؛ لأن كل واحد منهما تتميز به المنفعة.
وذلك هو المطلوب.
وأما قول المصنف رحمه الله: "كسكنى الدار شهراً وخدمة العبد سنة"؛ فتمثيل لحصول معرفة المنفعة.
وقوله: "كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط... إلى قوله: وآلته"؛ فتمثيل لحصول المنفعة بالوصف.
وإنما اشترط الوزن والمسافة في الزبرة، وذكر الطول والعرض والسمك والآلة في بناء الحائط لأن المعرفة لا تحصل إلا بذلك.
ولأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فلم يكن بُدٌّ من ذكره.
وأما قوله: "وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم" فبيان لأن إجارة الأرض تارة تكون لزرع وتارة لغرس وتارة لبناء.
وفيه تنبيه على اشتراط ما ذكر لأن الغرض يختلف باختلافه فاشترط ذكره؛ كالصفات التي يختلف الثمن بسببها في السلم.

قال: (وإذا استأجر للركوب: ذكر المركوب فرساً أو بعيراً ونحوه 1. فإن كان للحمل لم يحتج إلى ذكره).
أما كون المستأجر يذكر المركوب إذا كانت الإجارة للركوب؛ فلأن غرض الراكب يختلف فلم يكن بد من ذكره نفياً للنزاع.
وأما كونه لا يحتاج إلى ذلك إذا كانت الإجارة للحمل؛ فلأن الغرض في ذلك لا يختلف.

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (والثاني: معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن.
إلا أنه يصح أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، وكذلك الظِّئْر.
ويستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً).
أما كون الثاني من شروط صحة الإجارة 1: معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن غير المستثناة؛ فلأن الأجرة أحد العوضين فاشترط معرفتها بما ذكر؛ كالعوض في البيع.
وأما كون إجارة الأجير بطعامه وكسوته تصح؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحمَ اللهُ أخي موسى آجرَ نفسهُ ثمانيَ سنينَ على طعامَ بَطنْه 2 وعِفّةِ فَرْجِه» 3 رواه ابن ماجة.
ولأن العادة جارية به من غير نكير.
أشبه الإجماع.
وأما كون إجارة الظِّئْر وهي المرضعة كذلك؛ فلأنها في معنى الأجير بل أولى لأن الحاجة تدعو إلى الرضاع أكثر من غيره.
وأما كونها يستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً؛ فلما روي «أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يذهبُ عَني مَذمّةَ 4 الرضَاعِ؟ قال: الغرةُ: العبدُ أوِ الأمَة» 5 رواه أبو داود.

ولأن في ذلك إبقاء لحياته فاستحب جعل الجزاء رقبة للتناسب.
قال: (وإن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك وإن لم يعقدا عقد إجارة.
وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح).
أما كونه يصح أن يدفع الثوب إلى من ذكر كما ذكر إذا كان للمدفوع إليه عادة بأخذ الأجرة وكونه له الأجرة المعروفة؛ فلأن العرف يجري مجرى الشرط.
دليله ما لو باع شيئاً وأطلق الثمن وللبلد نقد واحد معروف.
ولأن 1 شاهد الحال يقتضي أخذ الأجرة.
أشبه ما لو عرّض له فقال: خذه وأنا أعلم أنك إنما تعمل بالأجرة.
وأما كون دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح كذلك؛ فلاشتراك الجميع في العرف الجاري مجرى الشرط.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أن أحد هؤلاء متى لم تكن له عادة بأخذ الأجرة لا يستحق شيئاً 2 إلا أن يَشْرِط له.
وصرح المصنف بذلك في الخياط والقصار فقال في المغني بعد ذكر المسألة: فإن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا الأجرة إلا بالعقد أو شرط العوض أو تعريض به لأنه لم يجر بذلك عرف يقوم مقام العقد.
قال: (وتجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة) 3. أما كون إجارة دار تجوز بسكنى دار وخدمة عبد؛ فلأن كل واحد منهما يجوز في مقابلته بالعوض فجاز أن يكون 4 عوضاً في الإجارة كالدراهم والدنانير.
ولأن ذلك يكون عوضاً في البيع، والإجارة مثله لأنها بيع المنافع.
وأما كونها تجوز بتزويج امرأة؛ فلأن ما ذكر قبل يجري فيه فوجب أن يلحق به.

قال: (وتجوز إجارة الحلي بأجرة من جنسه.
وقيل: لا تصح).
أما كون إجارة الحلي تجوز بأجرة من جنسه على المذهب والمراد به صحتها؛ فلأن الحلي عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها.
أشبهت الدور والأراضي.
وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنها تحتك بالاستعمال فيذهب منها أجزاء وإن كانت يسيرة، وتحصل الأجرة التي من جنسها في مقابلة ذلك الانتفاع 1 فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر، أو فضة بفضة وشيء آخر.
والأول أولى؛ لما ذكر.
والأجرة في مقابلة الانتفاع لا غير فيزول الإشكال.
قال: (وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته 2 غداً فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين).
أما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأن في ذلك غرضاً صحيحاً تدعو الحاجة إليه فوجب أن يصح تحصيلاً لتلك الحاجة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه عقد واحد اختلف عوضه بالتقديم والتأخير فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ.
قال: (وإن قال: إن خطته رومياً فلك درهم، وإن خطته فارسياً فلك نصف درهم فعلى وجهين).
أما الخلاف المذكور من الوجهين فمخرج على الخلاف المتقدم من الروايتين.
وأما معنى الرومي...، وأما معنى الفارسي... 3. قال: (وإن أكراه دابة وقال: إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة، وإن رددتها غداً فكراؤها عشرة.
فقال أحمد: لا بأس به.
وقال القاضي: يصح في اليوم الأول دون الثاني).
أما كون ما ذكر لا بأس به على ما قال الإمام أحمد؛ فلأنه لا يؤدي إلى التنازع.

وأما كونه يصح في اليوم الأول دون الثاني على قول القاضي؛ فلأن المؤجر في اليوم الأول معلوم دون الثاني.
قال: (وإن أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال أحمد: هو جائز.
وقال القاضي: يصح في العشرة وحدها).
أما كون ذلك جائزاً على قول الإمام أحمد فلما يأتي من حديث علي رضي الله عنه.
وأما كونه يصح في العشرة وحدها على قول القاضي؛ فلأن المؤجر الذي يقابله العشرة معلوم دون ما بعده.
قال: (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته.
وإن سمى لكل يوم شيئاً معلوماً فجائز).
أما كونه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته على المنصوص؛ فلأن ذلك مجهول.
وأما كونه يجوز أن يسمي لكل يوم شيئاً معلوماً؛ فـ «لأن علياً آجر نفسه كل دلو بتمرة» 1. ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا في معناه.
ولأن ما يقابل كل يوم من المدة معلوم الأجرة.
أشبه ما لو قال: أجرتكها سنة كل يوم بدرهم، أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصبرة كل قفيزٍ منها بدرهم.
قال: (وإن أَكراهُ كل شهرٍ بدرهم، أو كل دلوٍ بتمرة، فالمنصوص أنه يصح، وكلما دخل شهر 2 لزمهما حكم الإجارة.
ولكل واحدٍ الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر.
وقال أبو بكر وابن حامد: لا يصح).
أما كون ما ذكر يصح على المنصوص؛ فلما تقدم من حديث علي 3، وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما كونه لا يصح ويلزمهما حكم الإجارة كلما دخل شهر 1؛ فلأن دخوله بمنزلة إيقاع العقد على عينه ابتداء.
وأما كون كل واحدٍ منهما له الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر؛ فلأن اللزوم إنما كان لأجل الدخول المنزّل منزلة إيقاع العقد ابتداء ولم يوجد بعد.
وأما كون ما تقدم ذكره لا يصح على قول أبي بكر وابن حامد؛ فلأن مدة الإجارة مجهولة.

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا تجوز الإجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر).
أما كون الثالث من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة؛ فلأن المنفعة المحرمة مطلوبة العدم، وصحة الإجارة تنافيها لأنها تقضي كثرة إيقاعها.
ولأن المنفعة المحرمة لا يجوز مُقابَلَتُها بالعوض في البيع فكذا في الإجارة.
ولأن ما لا يقصد لا يقابل بالعوض.
وأما كون الإجارة لا تجوز على الزنا ولا على الزمر ولا على الغناء؛ فلأن جميع ذلك محرم.
وأما كون إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر لا يجوز؛ فلأن في ذلك إعانة على المعصية.
أشبه الإجارة للزنا.
قال: (ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر.
وعنه: يصح ويكره أكل أجرته).
أما كون الاستئجار على حمل ما ذكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه استئجار لفعل محرم فلم يصح؛ كغيره من المحرمات.
وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الفعل لا يتعين عليه.
ولأنه يجوز حمله 1 لإراقته فكذا حمله لغيره.
وأما كونه يكره أكل أجرته؛ فللاختلاف في حرمته.

فصل [في أنواع الإجارة] قال المصنف رحمه الله: (والإجارة على ضربين: أحدهما: إجارة عين، فيجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فيجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوان ليصيد به إلا الكلب، واستئجار كتاب ليقرأ فيه إلا المصحف في أحد الوجهين، واستئجار النقد للتحلي والوزن لا غير.
فإن أطلق الإجارة لم تصح في أحد الوجهين وتصح في الآخر، وينتفع بها في ذلك).
أما كون [الإجارة على ضربين؛ فلأنها تارة تكون على العين، وتارة تكون على عمل في الذمة.
وأما كون] 1 إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها يجوز؛ فلأن الشروط المعتبرة مجتمعة فيها.
فعلى هذا يجوز استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه؛ لأن الحائط عين يمكن استيفاء المنفعة منها مع بقائها، واستئجار حيوان غير كلب له ليصيد به لما ذكر.
وإنما لم يجز في الكلب لأن إجارته كبيعه وبيعه غير جائز فكذا إجارته، واستئجار كتاب غير مصحف ليقرأ فيه لما تقدم.
وأما إجارة المصحف ففيها وجهان مخرجان على بيعه.
واستئجار النقد للتحلي والوزن لما تقدم ولا يجوز لغير ذلك من إنفاق وغيره لأن فيه إذهاباً لعينه، وبقاؤها شرط.
فعلى هذا إذا أطلق الإجارة فهل تصح؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يصح ويكون قرضاً.
ذكره القاضي لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع بالدراهم والدنانير المعتاد إنما هو بأعيانهما فإذا أطلق الانتفاع حمل على العرف.
وثانيهما: يصح.
ذكره أبو الخطاب لأن المنفعة المستوفاة منهما بالإجارة المنفعة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن يحمل الإطلاق عليهما؛ كاستئجار الدار مطلقاً فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها.
فعلى هذا ينتفع بهما في الوزن والتحلي لأنهما اللذان حمل العقد عليهما.
قال: (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته).
أما كون استئجار الولد لخدمة والده يجوز؛ فلأنه يجوز أن يؤجره من الأجنبي فجاز من نفسه بالقياس عليه.
وأما كون استئجار امرأته لرضاع ولده يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ترضع لكم الحمقاء» 1 فدل بمفهومه على جواز استرضاع غيرها.
ولأن كل عقد صح مع غير الزوج صح معه؛ كالبيع.
ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها على ذلك.
قال صاحب النهاية فيها: النهي في الحديث نهي شفقة لأن الحمق مرض والمرض يضر بالولد.
وقال: الحضانة تربية الولد ودهنه ومعاهدته بالكحل والغسل لأقذاره وأوساخه وإصلاح طعامه.

قال: (ولا تصح إلا بشرط خمسة: أحدها: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه.
إلا في الظئر، ونقع البئر يدخل تبعاً).
أما كون إجارة العين لا تصح إلا بالشروط الخمسة المذكورة فلما يأتي ذكره في كل واحد منها.
وأما كون أحد الشروط المذكورة: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها فيما عدا المستثنى؛ فلأن الإجارة عقد على المنافع فإذا وقع على الأجزاء لم تكن إجارة.
فعلى هذا لا تصح إجارة شيء مما ذكر المصنف كما ذكره لأنها إجارة على جزء لا على عين 1. وأما كون إجارة الظئر وهي المرضعة تصح؛ فلما تقدم من قوله: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: 6].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع ولده إبراهيم».
ولأن الحاجة تدعو إليه.
أشبه سائر المنافع.
وأما كون إجارة نقع البئر يصح؛ فلأن الحاجة تدعو إليه.
أشبه لبن الظئر.
وأما قول المصنف رحمه الله: يدخل تبعاً فيحتمل أنه عائد إلى نقع البئر لأنه أفرد الضمير، ويحتمل أنه عائد إلى الظئر ونقع البئر.
وبه صرح غيره فقال: إلا في الظئر ونقع البئر فإنهما يدخلان تبعا.
فعلى هذا يكون في الكلام إشعار بأن المعقود عليه في الظئر غير اللبن.
واختلف الأصحاب في ذلك: فمنهم من قال: هو الخدمة، واللبن تبعاً؛ كالصبغ في إجارة الصباغ لأن اللبن لو كان معقوداً عليه لاستحق بالإجارة عين من الأعيان.
ومنهم من قال: هو اللبن.
قال القاضي: هو أشبه لأنه لو كان الخدمة لما وجب على الظئر سقي الولد 2 اللبن فيكون استحقاق العين بالإجارة.
وخصه لموضع الحاجة لأن غيره لا يقوم مقامه ولهذا

جاز في الآدمي دون غيره من الحيوان لأن الحاجة تدعو إلى حفظه وإبقائه بخلاف غيره.
ولقائل أن يقول: استثناء لبن الظئر مما لا تجوز إجارته لكونه لا ينتفع به إلا بذهاب عينه مع القول بأنه يدخل تبعاً لا يصح؛ لأن المعقود عليه إن كان الخدمة فلا يصح استثناؤها مما ذكر لكونها ليست من جنس المستثنى منه لأن خدمة المرضعة نفع مع بقاء العين، وإن كان اللبن فلا يصح قوله: يدخل تبعاً لأنه معقود عليه فهو أصل لا تبع.
والأولى أن يحمل كلام المصنف على نقع البئر خاصة ليخلص من هذا الإشكال.
وأما نقع البئر فإنه يدخل تبعاً لأن هواء البئر وعمقه فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه.
قال: (الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين، وتصح في الآخر بدونه.
وللمستأجر خيار الرؤية).
أما كون الثاني من شروط صحة إجارة العين: معرفة العين المستأجرة برؤية أو صفة في أحد الوجهين؛ فلأن الإجارة بيع المنافع فوجب أن لا تصح إلا بذلك كالبيع.
فعلى هذا لو استأجر ما لم يره ولم يوصف له لم تصح الإجارة لفقدان الشرط.
وأما كونها تصح بدون ذلك في وجه؛ فلأن البيع يصح بدون ذلك في رواية.
وأما كون المستأجر له خيار الرؤية على الوجه المذكور؛ فلأن من اشترى ما لم يره ولم يوصف له: له الخيار المذكور فكذا المستأجر لذلك.
قال: (الثالث: القدرة على التسليم، فلا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب 1 ممن لا يقدر على أخذه).
أما كون الثالث من شروط صحة 2 إجارة العين: القدرة على التسليم؛ فلأنها بيع.
أشبهت بيع الأعيان.
وأما كونه لا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه فلعدم القدرة المشترطة.

قال: (ولا تجوز إجارة المشاع مفرداً لغير شريكه.
وعنه: ما يدل على جوازه).
أما كون إجارة المشاع لا تجوز مفرداً لغير شريك المؤجر على المذهب؛ فلأنه لا يقدر على تسليمه فلم تجز إجارته.
وإنما قلنا لا يقدر على تسليمه لأنه لا يقدر على ذلك إلا بتسليم نصيب شريكه.
وأما كونها تجوز على روايةٍ؛ فلأنه يجوز بيعه فجاز إجارته كالمفرد.
وأما قول المصنف: مفرداً لغير شريكه فمشعر بأمرين: أحدهما: جواز إجارته مع نصيب شريكه؛ مثل: أن يوكلا شخصاً في إجارة ذلك أو يوكل أحدهما صاحبه.
وثانيهما: جواز إجارته لشريكه.
وصرح به المصنف في المغني لأن المانع من الصحة تعذر التسليم وهو منتف في الموضعين المذكورين.
قال: (الرابع: اشتمال العين على المنفعة.
فلا تجوز إجارة بهيمة زَمِنَةٍ للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع).
أما كون الرابع من شروط صحة إجارة العين: اشتمال العين المستأجرة على المنفعة؛ فلأن الإجارة عقد معاوضة فاشترط اشتماله على المنفعة؛ كالبيع.
وأما كونه لا تجوز إجارة بهيمة زمنة للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع فلعدم اشتمالها على المنفعة المشترطة.
قال: (الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذوناً له فيها.
فيجوز للمستأجر إجارة العين لمن يقوم مقامه، ويجوز للمؤجر وغيره بمثل الأجرة وزيادة.
وعنه: لا يجوز بزيادة.
وعنه: إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا.
وللمستعير إجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها).
أما كون الخامس من شروط صحة إجارة العين: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها؛ فلأنها بيع المنافع فاشترط فيها ذلك؛ كالبيع.
وأما كون المستأجر يجوز له إجارة العين المستأجرة لمن يقوم مقامه؛ فلأن المنفعة مملوكة له فجاز له بيعها كبيع المشتري للمبيع.
وإنما اشترط كون المستأجر ثانياً ممن يقوم

مقام المستأجر أوّلاً ليكون انتفاعه كانتفاعه؛ لأنه إذا زاد عليه كان فيه إضرار وذلك منتفٍ شرعاً.
وأما كون إجارة العين المستأجرة تجوز للمؤجر؛ فلأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد دليله البيع.
وأما كونها تجوز لغيره بمثل الأجرة فلا شبهة فيه.
وأما كونها تجوز بزيادة على المذهب؛ فلأنه عقد يجوز برأس المال فيجوز بالزيادة؛ كبيع المبيع.
وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن» 1. والمنفعة في الإجارة غير مضمونة.
وأما كونه إن جدد فيها عمارة جاز على روايةٍ؛ فلأن الربح يقع في مقابلة ذلك، وإن لم يجدد لم يجز للحديث المذكور.
وذكر المصنف في المغني رواية أخرى أنه إن أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز.
وأما كون المستعير له إجارة المستعار إذا أذن له المعير مدة بعينها؛ فلأن شرط المنفعة كونها مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها وذلك موجود هاهنا.
قال: (وتجوز إجارة الوقف.
فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة في أحد الوجهين، وللثاني حصته من الأجرة).
أما كون إجارة الوقف تجوز؛ فلأن المنافع مملوكة للمؤجر.
وأما كونها لا تنفسخ بموت المؤجر الآجر في وجه؛ فلأنه آجر ملكه في زمن ولايته فلم تنفسخ كما لو أجّر ملكه الطلق.
وأما كونها تنفسخ فيما بقي في وجه؛ فلأنه تبين أنه آجر ملكه وملك غيره فصح كما في ملكه، وتبين البطلان في ملك غيره لأن المنافع بعد موته حق لغيره فلا ينفذ عقده عليه من غير ولاية.
وفارق الطلق من حيث إن الوارث يملك من جهة موروثه بخلاف البطن الثاني في الوقف فإنه يملك من جهة الواقف.
فعلى القول بأنها لا تنفسخ:

للثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول.
فإن كان الأول قبضها رجع من انتقل إليه الوقف بحصته في تركة المؤجر؛ لأنه تبين عدم استحقاقه له، وعلى القول بأنها تنفسخ يرجع من انتقل إليه الوقف في عين المنفعة ويرجع المستأجر على تركة المؤجر بحصة الباقي من الأجرة.
قال: (وإن أجر الولي اليتيم أو العبد ثم بلغ الصبي وعتق العبد لم تنفسخ الإجارة، ويحتمل أن تنفسخ).
أما كون إجارة اليتيم لا تنفسخ ببلوغه، والعبد بعتقه على المذهب؛ فلأن الإجارة عقد لازم، عُقِد بحق الولاية في اليتيم والملك في العبد.
فلم تنفسخ ببلوغ اليتيم؛ كما لو 1 باع داره أو زوّجه، ولا يعتق العبد؛ كما لو زوج أمته ثم باعها.
وأما كونه يحتمل أن تنفسخ؛ فلما ذكر في إجارة الوقف.

فصل [في الأجير الخاص] قال المصنف رحمه الله: (وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن تكون على مدة؛ كإجارة الدار شهراً، والأرض عاماً، والعبد للخدمة، أو للرعي مدة معلومة.
ويسمى الأجير فيها: الأجير الخاص).
أما كون إجارة العين تنقسم قسمين؛ فلأنها تارة تنضبط بالمدة كما مثّل المصنف رحمه الله، وتارة بالعمل كما يأتي في القسم الثاني.
وكلاهما صحيح.
أما الأول؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن 1 استئجار المنازل والدواب جائز، وقد «ثبت أن موسى عليه السلام أجر نفسه للرعي مدة معلومة» 2. وأما الثاني فيأتي ذكره في موضعه.
وأما كون الأجير فيما ذكر يسمى الأجير الخاص؛ فلأن المستأجِر يختص بالمنفعة في تلك المدة دون سائر الناس.
قال: (ويشترط كون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت.
ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح سواء كانت العين 3 مشغولة وقت العقد أو لم تكن).
أما كونه يشترط كون المدة معلومة كشهر وسنة؛ فلأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة؛ كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل.

وأما كونه يشترط كون المدة يغلب على الظن بقاء العين فيها؛ فلأن العين إذا كانت كذلك يتمكن المستأجر من استيفاء المقصود من الإجارة غالباً.
بخلاف ما إذا لم تكن كذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وإن طالت ففيه تنبيه على أن الإجارة في المدة الطويلة صحيحة إذا كانت العين يغلب على الظن بقاؤها فيها كالمدة القصيرة لأن المصحح في القصيرة الغلبة المذكورة وهي موجودة في الطويلة فوجبت الصحة عملاً بالعلة.
وأما كونه لا يشترط أن تلي المدة العقد؛ فلأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها منفردة كالتي تلي العقد.
فعلى هذا يصح أن يستأجر سنة خمس في أربع لأن 1 غاية ما يقدر في ذلك أنها مدة تلي لا تلي العقد وذلك غير شرط.
وأما كونه يصح فيما ذكر سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن؛ فلأن التسليم في الحال لا يجب فلا يضر الشغل.
قال: (وإذا آجره 2 في أثناء شهر سنة استوفى شهراً بالعدد وسائرها بالأهلة.
وعنه: يستوفي الجميع بالعدد.
وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر؛ كعدة الوفاة، وشهرَيْ صيام الكفارة).
أما كون المستأجر يستوفي الشهر الأول بالعدد، وسائر السنة بالأهلة على المذهب؛ فلأن الشهر الأول تعذر إتمامه بالهلال فوجب إتمامه بالعدد، وما عداه لا يتعذر فوجب اعتباره بالأهلة لأنها الأصل.
وأما كونه يستوفي الجميع بالعدد على روايةٍ؛ فلأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها بالعدد؛ كما لو كانت المدة شهراً واحداً.
ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده.

وأما كون الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر كما مّثل المصنف كالحكم فيما ذكر؛ فلأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم؛ كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار عبد ليدله على طريق، أو رحى لطحن قفزان معلومة.
فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف).
أما كون الإجارة كما ذكر تصح؛ فلأن المنفعة معلومة.
أشبهت إجارة الدار.
وقد جاء «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أُريقِط هَادِياً خِرِّيتاً» 1. أي ماهراً بالهداية فدلهما على طريق المدينة.
وأما كونه يشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف؛ فلأن العمل إذا لم يكن معروفاً مضبوطاً بما ذكر يكون مجهولاً فلا تصح الإجارة معه.
ولأن العمل هو المعقود عليه فاشترط معرفته وضبطه بما ذكر؛ كالمبيع 2.

فصل [في الأجير المشترك] قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: عقد على منفعة في الذمة، مضبوطة بصفاتٍ كالسلم؛ كخياطة ثوب، وبناء حائط، أو حمل إلى موضع معين.
ولا يكون الأجير فيها إلا آدمياًّ جائز التصرف.
ويسمى الأجير المشترك).
أما كون الإجارة على منفعة في الذمة تصح؛ فلأن الإجارة بيع فصح عقدها في الذمة كالسلم.
وأما كونها يشترط ضبطها بصفاتٍ كالسلم؛ فلأن الإجارة في الذمة منوطة بالسلم جوازاً فيجب أن تكون منوطة به اشتراطاً.
وأما كونها لا يكون الأجير فيها إلا آدمياً؛ فلأنها متعلقة بالذمة ولا ذمة لغير آدمي.
وأما كونه لا يكون إلا جائز التصرف؛ فلأن الإجارة بيع فلم تصح من غير جائز التصرف؛ كبيع الأعيان.
وأما كونه يسمى الأجير المشترك؛ فلأنه يتقبل أعمالاً كثيرة من ناس كثير في وقت واحد فيشتركون في استحقاق منفعته.
قال: (ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل؛ كقوله: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم.
ويحتمل أن يصح).
أما كونه لا 1 يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كما مثل المصنف رحمه الله على المذهب؛ فلأنه قد يفرغ من خياطته في بعض اليوم.
فإن طولب بالعمل في بقيته كان زيادة على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تركاً للعمل في بعض المدة التي وقع العقد عليها وقد لا يفرغ من خياطته في اليوم فيفضي أيضاً إلى مثل ما ذكرناه.
وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الإجارة معقودة على العمل، والمدة مذكورة للتعجيل فلا يُفسد ذلك العقد.
وحكى المصنف في المغني أن في كلام أحمد ما يدل على صحة ذلك.

قال: (ولا تصح الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة 1؛ كالحج والأذان ونحوهما.
وعنه: تصح).
أما كون الإجارة على ما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها؛ كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه الجمعة والتراويح.
وأما كونها تصح على روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج رجلاً بما معه من القرآن» 2 متفق عليه.
وإذا صح كون تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر صح أخذ الأجرة عليه في الإجارة.
وثبت «أن أبا سعيد رقَى رجلاً بفاتحة الكتابِ على جُعل فبرَأ، وأخذَ الصحابةُ الجعلَ، وأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وسألوه.
فقال: لَعمرِي! لَمنْ أكلَ برقيةٍ باطلٍ.
لقدْ أكلتَ برقيةٍ حقٍ.
كلوا واضربوا لي معكمْ بِسهم» 3. ولأنه يصح أخذ الرزق عليه من بيت المال فصح أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر.
والأول أصح؛ لما روى عثمان بن أبي العاص قال: «آخرُ ما عهدَ إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتخذْ مُؤذناً لا 4 يأخذُ على أذانِهِ أَجْراً» 5 قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وروى عبادة بن الصامت قال: «علّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّةِ القرآنَ والكتابةَ.
فأهدَى إليّ رجلٌ منهم قَوساً.
فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال 1: إن سَرَّكَ أن يُقلدَكَ اللهُ قَوساً من نارٍ فاقبلها» 2. وعن أبي بن كعب «أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً.
فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوباً من نار» 3. وعن عبدالرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرأوا القرآنَ ولا تَغْلُوا فيهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَأكلُوا بهِ ولا تَسْتَكْثِرُوا بِه» 4. روى هذه الأحاديث كلها الأثرم في سننه.
وأما الأخذ على الرقية فإن الإمام أحمد اختار جوازه.
وأما جعل التعليم صداقاً فعن أحمد فيه خلاف، وذكر الخبر ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق إنما قال: «زوجتكها على ما معك من القرآن» 5 فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكراماً له لما معه من القرآن.
ونُقِل عنه جوازه.
والفرق بينه وبين الأجرة أن الصداق ليس عوضاً محضاً وإنما وجب وصلة ونحلة.
ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده.
بخلاف الأجرة في غيره.
قال: (وإن استأجره ليحجمه صح.
ويكره للحر أكل أجرته ويُطعمه الرقيق والبهائم.
وقال القاضي: لا يصح).
أما كون الاستئجار على الحجامة تصح على قول غير القاضي فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه أجرة» 6 متفق عليه.

قال ابن عباس: ولو كان حراماً ما أعطاه أجرة 1. وأما كونه يكره للحر أكل أجرة الحجامة فللحديث الآتي ذكره.
ولأن أسوأ أحوال الأجرة في الحديث أن تكون مكروهة.
وأما كونه يطعم الأجرة رقيقه وبهائمه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أطعمهُ ناضِحكَ ورقِيقَك» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسب الحجام خبيث» 3 متفق عليه.
والأول اختيار المصنف رحمه الله وأبي الخطاب.
وذكر القاضي أن الإمام أحمد نص على عدم الإجارة عليها في مواضع.
قال المصنف في المغني: تسميته خبيثاً لا يلزم منه الحرام؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الثوم والبصل خبيثين» 4. وهما مباحان.

فصل [في استيفاء المنفعة] قال المصنف رحمه الله: (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله.
ولا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه، ولا بمن يخالف ضرَرُه ضرَرَه).
أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة بنفسه؛ فلأن أصل العقد يراد للعاقد.
وأما كونه له استيفاؤها بمثله؛ فلما تقدم في قوله: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه 1. وأما كونه لا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه؛ فلأنه يضر بالمؤجر.
ولأن المستأجر الثاني ينبغي أن يكون له ما للأول فإذا كان الأول ضرره قليل وجب أن يكون الثاني مثله.
قال: (وله أن يستوفي المنفعة وما دونها في الضرر من جنسها.
فإذا اكترى لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه، وليس له زرع الدخن ونحوه.
ولا يملك الغرس ولا البناء، وإن اكتراها لأحدهما لم يملك الآخر، وإن اكتراها للغرس 2 ملك الزارع).
أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة المعقود عليها من زرع وبناء وغير ذلك؛ فلأن ذلك هو المقصود من الإجارة والمعقود من أجله.
وأما كونه له استيفاء [ما دون] 3 المنفعة المعقود عليها في الضرر مع اتحاد الجنس؛ فلأنه إذا كان له استيفاء نفس المنفعة المعقود عليها فما دونها أولى.
فعلى هذا إذا اكترى أرضاً لزرع حنطة فله زرعها بها لأنها المعقود عليها، وله زرع الشعير لأنه دونها في الضرر، وليس له زرع الدَّخَن ونحوه.
ولا يملك الغرس ولا البناء

لأن كل واحد من ذلك فوق الحنطة في الضرر.
وإن اكتراها للغرس لم يملك الآخر لأن ضرر كل واحد يخالف ضرر الآخر.
وإن اكتراها للغرس ملك الزرع لأنه أقل ضرراً.
قال: (وإن اكترى دابة للركوب أو للحمل لم يملك 1 الآخر.
وإن اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك حمل الآخر.
فإن فعل فعليه أجرة المثل).
أما كون المستأجر لا يملك الحمل إذا اكترى للركوب؛ فلأن الراكب يعين الظهر بحركته.
وأما كونه لا يملك الركوب إذا اكترى للحمل؛ فلأن الراكب أشد على الظهر لأنه يقعد في موضع واحد والمتاع يتفرق على جنبيه.
وأما كونه لا يملك حمل القطن إذا اكترى الدابة لحمل الحديد؛ فلأنه أضر منه لكونه يتجافى، وتهب فيه الريح فيتعب الظهر.
وأما كونه لا يملك حمل الحديد إذا اكترى لحمل القطن؛ فلأنه أضر منه لاجتماعه وثقله.
وأما كونه عليه أجرة المثل إذا فعل غير ما استأجره؛ فلأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره.
أشبه ما لو استأجر أرضاً فزرع أخرى.
قال: (وإن اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه، أو إلى موضع فجاوزه فعليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد.
ذكره الخرقي.
وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع.
وإن تلفت ضَمِن قيمتها إلا أن تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين).
أما كون المستأجر عليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد إذا زاد على ما استأجر أو جاوز مكانه على قول الخرقي: أما الأجرة المذكورة؛ فلأنه استوفى المعقود عليه، وأما أجرة المثل للزائد؛ فلأنه حمله على ملك غيره بغير إذنه ولا تقدير عوضه فلزمه أجرة مثله.

وأما كونه عليه أجرة المثل للجميع على قول أبي بكر؛ فلأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره.
أشبه ما لو فعل ذلك من غير إجارة.
وأما كونه يضمن قيمة الدابة إن تلفت في زمان التعدي ولم يكن في يد صاحبها؛ فلأنه متعد في فعله.
أشبه ما لو غصبها فتلفت.
وأما كونه يضمنها إذا كانت في يد صاحبها في وجه؛ فلأنها تلفت بجنايته عليها، وسكوت صاحبها لا يسقط الضمان؛ كمن جلس إلى إنسان فخرق ثوبه وهو ساكت.
وأما كونه يضمن نصف قيمتها في وجه؛ فلأنها تلفت بفعل مضمون وغير مضمون.
أشبه ما إذا جرح أجنبي شخصاً جرح نفسه فمات فإن الأجنبي يلزمه نصف الدية.
وقال صاحب النهاية فيها: والمذهب الأول؛ لأن رجلاً لو ألقى حجراً في سفينة مملوءة بالأمتعة فغرقت وجب عليه ضمان السفينة وما 1 فيها، وإن كان مثل الحجر لا تغرق به السفينة تغليباً للفعل المضمون، وإضافة للحكم إلى السبب الأخير.
فكذلك هاهنا.
ومثل ذلك إذا زاد الجلاد في الحد سوطاً فمات المحدود فإنه يلزمه كمال الدية على المذهب.

فصل [فيما يلزم المؤجر والمستأجر] قال المصنف رحمه الله: (ويلزم المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل، ورحله، وحزامه، والشد عليه، وشد الأحمال، والمحامل، والرفع، والحط، ولزوم البعير لينزل لصلاة الفرض، ومفاتيح الدار، وعمارتها، وما جرت عادته به.
فأما تفريغ البالوعة والكنف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة).
أما كون المؤجر يلزمه ما ذكر... إلى التفريغ؛ فلأن ذلك بفعل عادة فحمل مطلق العقد عليه.
ولأن 1 التمكين واجب عليه، ولا يتم بدون ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.
وأما كون المستأجر يلزمه تفريغ البالوعة والكُنُف إذا تسلمها فارغة؛ فلأن ذلك حصل بفعله فكان تنظيفه عليه؛ كما لو طرح فيها قماشاً.
وفي تقييد اللزوم بتسليمها فارغة دليل على أنه إذا تسلمها ملئى يكون تفريغها على المؤجر وصرح به في المغني لأنه لا يمكن الانتفاع إلا بذلك.

فصل [الإجارة عقد لازم] قال المصنف رحمه الله: (والإجارة عقد لازم من الطرفين ليس لأحدهما فسخها.
وإن بدا له قبل تَقَضِّي المدة فعليه الأجرة.
وإن حوله المالك قبل تقضيها لم يكن له أجرة لما سكن.
نص عليه.
ويحتمل أنّ له من الأجرة بقسطه).
أما كون الإجارة عقد لازم من طرفي المؤجر والمستأجر؛ فلأنها عقد معاوضة.
أشبهت البيع.
ولأنها نوع من البيع.
وإنما اختصت باسم كما اختص الصرف والسلم.
وأما كون المتعاقدين ليس لأحدهما فسخها؛ فلأن هذا شأن العقود اللازمة من الطرفين.
وأما كون الأجرة على من بدا له قبل تَقَضِّي المدة؛ فلأن الإجارة عقد لازم يقتضي أن يملك المالك الأجرة، والمستأجر المنافع، وقد وجدت فوجب أن يلزم المستأجر الأجرة عملاً بمقتضاها.
وأما كون المالك لا أجرة له لما سكن المستأجر إذا حوّله قبل تَقَضِّي المدة على منصوص الإمام أحمد؛ فلأنه لم يُسَلِّم إليه ما عقد عليه في الإجارة لغير عذر فلم يستحق شيئاً؛ كما لو استأجره ليحمل له كتاباً إلى الكوفة فحمله بعض الطريق، أو كما لو استأجر حفاراً ليحفر له بئراً طولها عشرون ذراعاً فحفر له منها عشرة وامتنع من حفر الباقي.
وأما كونه يحتمل أن له من الأجرة بقسطه؛ فلأن المستأجر استوفى بعض المعقود عليه فلزمه بقدر ما استوفاه؛ كما لو اشترى مكيلاً فسلم إليه البائع بعضه ومنع باقيه.

قال: (وإن هرب الأجير حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة.
وإن كانت على عمل خُيِّر المستأجر بين الفسخ والصبر).
أما كون الإجارة تنفسخ إذا هرب الأجير حتى انقضت المدة؛ فلأن المعقود عليه يفوت بانقضائها.
أشبه تلف العين.
وفي قول المصنف رحمه الله: حتى انقضت المدة دليل على أنها لا تنفسخ قبل انقضائها.
وصرح به في المغني لأن المدة إذا لم تنقض لم يفت المعقود عليه.
وأما كون المستأجر يخير بين الفسخ والصبر إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة؛ فلأن ذلك عمل 1 في الذمة ليس له مدة يفوت بفواتها.
أشبه الأجير قبل انقضاء مدة إجارته.
قال: (وإن هرب الجمّال وتَرَك الجِمال أنفق عليها الحاكم من مال الجمّال، أو أذن للمستأجر في النفقة.
فإذا انقضت الإجارة باعها الحاكم، ووفى المنفق، وحفظ باقي ثمنها لصاحبه).
أما كون الحاكم ينفق على ذلك؛ فلأن نفقة الحيوان واجبة على المالك وهو غائب، والحاكم نائب عن الغائب.
وأما كونه يأذن للمستأجر في النفقة؛ فلأن إقامة أمين غير المستأجر يشق ويتعذر مباشرته في كل لحظة.
وأما كونه يبيع ذلك إذا انقضت الإجارة ويوفي المنفق؛ فلأن في ذلك تخليصاً لذمة صاحب الجِمال، وإيفاءً لحق صاحب النفقة.
[وأما كونه] 2 يحفظ باقي الثمن لصاحبه؛ فلأن الحاكم يلزمه حفظ مال الغائب.

جارٍ التحميل