الديات جمع دية.
والهاء في دية عوض من الواو.
تقول: وَدَيْتُ القتيل أدِيهِ دية.
ونحوه العِدَة في قولك: وَعَدَهُ يَعِدُهُ عِدَةً.
والأصل في وجوب الدية في الجملة الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن قَتل مؤمنًا خطئا فتحريرُ رقبةٍ مؤمنة وديةٌ مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدقوا﴾ [النساء: 92].
وأما السنة؛ فقول النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم: «وأن في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» 1. وفي الباب غير ذلك يأتي ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع فأجمع أهل الإسلام على وجوب الدية في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (كل من أتلف إنساناً أو جزءاً منه بمباشرة أو سبب فعليه ديته.
فإن كان عمداً محضاً فهي في مال الجاني حالّة، وإن كان شبه عمد أو خطأ أو ما أجري مجراه فعلى عاقلته).
أما كون كل من أتلف إنساناً بمباشرة عليه ديته؛ فلما تقدم من الآية والخبر.
وأما كون من أتلف جزءاً منه بمباشرة عليه ديته؛ فلأنه أتلفه بمباشرة فوجبت فيه ديته؛ كما تجب دية النفس إذا تلفت بالمباشرة.
وأما كون من أتلف ذلك بسبب عليه ديته؛ فلأن السبب مؤد إلى تلفه.
أشبه المباشرة.
ولأن السبب لو لم يترتب عليه وجوب الدية لاتخذه الناس وسيلة إلى الإتلاف، وفيه ضرر عظيم.
فينتفي بقوله عليه السلام: «لا ضَرَرَ ولا إضرَار» 2.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف عمداً محضاً في مال الجاني؛ فلأن القياس يقتضي وجوب الضمان على المتلِف؛ لأن التلف أثر فعله.
فيجب أن
يختص به، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجني جان إلا على نفسه» 1. تُرك العمل به في غير العمد المحض لأمر يختص به يأتي بيانه إن شاء الله تعالى فيبقى في العمد المحض على مقتضاه.
وأما كون الدية حالّة؛ فلأنها موجب عمد محض.
فوجب كونها حالّة؛ كالقصاص.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان الإتلاف شبه عمد على العاقلة؛ فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل فرمتْ إحداهُما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها.
فقضَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بديةِ المرأةِ على عاقِلَتِها» 2. متفق عليه.
ولأن شبه العمد نوعُ قتل لا يوجب قصاصاً.
فأوجب الدية على العاقلة؛ كالخطأ.
وأما كون الدية فيما ذكر إذا كان خطأً على العاقلة؛ فلأنه قد ثبت في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة» 3.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا -يعني على تحمل العاقلة دية الخطأ- كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ولأن في إيجاب دية شبه العمد عليها تنبيهاً على إيجاب دية الخطأ عليها 4.
فإن قيل: ما المعنى في تحمل العاقلة ذلك؟
قيل: لأن جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كبيرة فإيجابها على الجاني في ماله تجحف به.
فاقتضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفاً عنه.
وأما كونها فيما أجري مجرى الخطأ على العاقلة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يعطى حكمه والخطأ على العاقلة.
فكذلك 1 ما أُجري مجراه.
قال: (ولو ألقى على إنسان أفعى، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلب إنساناً بسيف مجرد فهرب منه فوقع في شيء تلف به.
بصيراً كان أو ضريراً، أو حفر بئراً في فنائه، أو وضع حجراً، أو صب ماء في طريق، أو بالت فيها دابته ويده عليها، أو رمى قشر بطيخ عليها فتلف به إنسان 2: وجبت عليه ديته).
أما كون من ألقى على إنسان أفعى أو ألقاه عليها فقتلته تجب عليه ديته؛ فلأنه عمد إلى قتله بما لا يقتل غالباً.
فوجب عليه ديته؛ كما لو غرزه بإبرة فمات.
وأما كون من طلبه بسيف مجرد -أي مشهور- فهرب منه فوقع في شيء فتلف تجب عليه ديته؛ فلأنه هلك بسبب عدوانه.
فوجب أن يضمنه؛ كما لو حفر له بئراً أو نصب له سكيناً أو سم طعامه ووضعه في منزله.
وأما كون ذلك كذلك بصيراً كان المتلف أو ضريراً؛ فلاستوائهما في السبب المهلك.
وأما كون من حفر بئراً في فنائه فتلفَ به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن ذلك مروي عن علي.
وقضى به شريح.
ولأنه تلف بعدوانه.
أشبه ما لو تلف بجنايته.
وقول المصنف رحمه الله: [في فنائه] 3؛ مشعر بأن الضمان لا يجب إذا حفرها في ملكه.
وهو صحيح لأنه إذا حفرها في ملكه لا يعد متعدياً.
وأما كون من فعل ذلك في الصور الباقية فتلف به إنسان تجب عليه ديته؛ فلأن التلف بسبب وضع الحجر وصب الماء وبول الدابة التي عليها يده ورمي القشر وكل ذلك منسوب إلى فاعله.
فوجب الدية عليه؛ كالمتسبب إلى القتل بغير ذلك.
قال: (وإن حفر بئراً ووضع آخر حجراً فعثر به إنسان فوقع في البئر فالضمان على واضع الحجر).
أما كون الضمان على واضع الحجر؛ فلأن الحجر كالدافع، وإذا اجتمع الدافع والحافر فالضمان على الدافع وحده.
وأما كون الحافر لا ضمان عليه؛ فلأن المباشر قطع تسببه.
قال: (وإن غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته 1 صاعقة ففيه الدية.
وإن مات بمرض فعلى وجهين).
أما كون الدية فيما إذا غصب صغيراً فنهشته حية أو أصابته صاعقة على غاصبه؛ فلأن فعل 2 غاصبه جاز أن يكون له أثر في تلفه بذلك.
فكان ضمانه على غاصبه؛ كما لو غصب مالاً فتلف بسبب غصبه.
وأما كونها فيما إذا غصبه 3 فمات بمرض على غاصبه على وجه؛ فلأنه تلف في يده.
أشبه ما لو أصابته صاعقة عنده.
وأما كونها ليست في ذلك عليه على وجه؛ فلأنه لا أثر للغاصب في ذلك.
أشبه ما لو كان كبيراً.
قال: (وإن اصطدم نفسان 4 فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر.
وإن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر.
وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر ضمان الواقف ودابته؛ إلا أن يكون في طريق ضيّق قاعداً أو واقفاً فلا ضمان فيه وعليه ضمان ما تلف به).
أما كون عاقلة كل واحد من النفسين المتصادمين عليها 5 دية الآخر إذا ماتا أي بذلك؛ فلأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه، وذلك قتل خطأ.
فكانت دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لما تقدم من أن العاقلة تحمل قتل الخطأ.
وأما كون كل واحد من الراكبين السائرين عليه قيمة دابة الآخر إذا ماتتا أي بذلك؛ فلأن تلف دابة كل واحد منهما حصل بصدمة الآخر.
فوجب ضمان الدابة على متلفها؛ كما لو أتلفها بغير المصادمة.
وأما كون السائر على عاقلته ضمان الواقف وعليه ضمان دابته إذا كان أحدهما يسير والآخر واقفاً ولم يكن في طريق ضيق؛ فلأنهما تلفا بصدمة السائر من غير تعد في الوقوف، وضمان النفس على العاقلة لأنه قتل خطأ وضمان المال على المتلف لأن العاقلة لا تحمل ذلك.
فإن قيل: كلام المصنف يقتضي أن يكون ضمان الكل على السائر فإنه قال: فعلى 1 السائر ضمان الواقف ودابته.
قيل: ليس الحكم كذلك صرح به صاحب النهاية وغيره.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن دم السائر هدر لأنه لم يوجبه على أحد بل جعل ضمان الواقف عليه لتعد به.
وهو صحيح صرح به صاحب النهاية فيها وغيره.
وأما كون القاعد أو الواقف في الطريق الضيق لا ضمان فيه؛ فلأن السائر لم يتعد عليه بل القاعد أو الواقف 2 هو المتعدي عليه، ولذلك يجب عليه ضمان ما أتلف من السائر وماله.
لكن يكون ضمان النفس على عاقلة القاعد أو الواقف، وضمان المال على المتلف لما تقدم.
ولا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد لأنه إذا كان مملوكاً له 3 لم يكن متعدياً بوقوفه بل السائر هو المتعدي لسلوكه ملك غيره بغير إذنه.
قال: (وإن أركب 1 صبيين لا ولاية له عليهما فاصطدما فماتا فعلى عاقلته ديتهما).
أما كون دية الصبيين المذكورين على عاقلة من أركبهما؛ فلأن من أركبهما تعدى بإركابه من لا ولاية له عليه وتصادمهما وركوبهما وهما مما لا يعتبر فعلهما.
فوجب إضافة القتل إلى من أركبهما وهو خطأ فلزم كون ديتهما على عاقلة من أركبهما؛ كما لو قتل خطأ.
وأما كون ما ذكر يشترط فيه أن يكون الراكبان صبيين، وأن يكون من 2 أركبهما لا ولاية له عليهما؛ فلأنه لو أركب صبيين له عليهما ولاية لم يضمنهما هو ولا عاقلته لأنه إركاب مأذون فيه.
فلم يترتب عليه ما يترتب على المتعدي.
قال: (وإن رمى ثلاثة بمنجنيق فقتل الحجر إنساناً فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته.
وإن قتل أحدهم ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يُلغى فعل نفسه وعلى عاقلة صاحبيه ثلثا الدية.
والثاني: عليهما كمال الدية.
والثالث: على عاقلته ثلث الدية لورثته وثلثاها على عاقلة الآخرين.
وإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالّة في أموالهم).
أما كون ثلث دية الإنسان المقتول بالحجر على عاقلة كل واحد ممن ذكر؛ فلأن قتله حصل بفعل الثلاثة.
فوجب تثليث الدية على العاقلة.
وأما كون أحدهم إذا قتله الحجر يلغي فعل نفسه في وجهٍ فقياس على المتصادمين وقد تقدم ذكره.
فعلى هذا يجب كمال الدية على عاقلة صاحبيه.
صرح بذلك المصنف رحمه الله في المغني ولم يرتب المصنف رحمه الله على إلغاء فعل نفسه كمال الدية بل رتب عليه وجوب ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه.
[ولا أعلم له وجهاً بل وجه إيجاب
ثلثي الدية على عاقلة صاحبيه] 1 أن يجعل ما قابل فعل المقتول ساقطاً لا يضمنه أحد لأنه شارك في إتلاف نفسه.
فلم يضمن ما قابل فعله؛ كما لو شارك في قتل بهيمته أو عبده.
وهذا صرح به المصنف رحمه الله في المغني ونسبه إلى القاضي.
وأما كون كمال الدية على عاقلة صاحبيه في وجهٍ؛ فلما مر.
وأما كون ثلث دية المقتول على عاقلته لورثته، وثلثيها على عاقلة الآخرين في وجهٍ: أما الأول فمبني على أن من قتل نفسه خطأ تجب الدية على عاقلته لورثته.
وأما الثاني؛ فلأن العاقلة إذا تحملت ثلث الدية بقي ثلثاها على عاقلة الآخرين.
فإن قيل: ما الصحيح من الوجوه الثلاثة؟
قيل: قال أبو الخطاب: قياس المذهب الأول.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ما ذكر القاضي أحسن وأصح وقد روي عن علي نحوه في مسألة القارصة والقامصة والواقصة.
قال الشعبي: «وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فارين فركبت إحداهن على عنق الأخرى.
وقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فوقصت عنقها فماتت.
فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن» 2. وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها وهذه شبيهة بمسألتنا.
ولأن المقتول مشارك في القتل.
فلم تكمل الدية على شريكيه؛ كما لو قتلوا واحداً من غيرهم.
هذا كله نص المصنف رحمه الله في المغني.
وأما كون الدية حالّة في أموالهم إذا كانوا أكثر من ثلاثة: أما كونها حالّة؛ فلأنها متى وجبت على القاتل كانت حالّة لما تقدم في باب العفو عن القصاص 3.
وأما كونها في أموالهم؛ فلأن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث لما يأتي 4 إن شاء الله تعالى 5.
واعلم أن الدية على الرماة صحيح على الوجه الثاني والثالث: أما على الوجه الأول الذي قررته قبل فلا؛ لأن الرمي لو كان من أربعة وجعل فعل المقتول هدراً بقيت الدية على الثلاثة الباقية وكان على عاقلة كل واحد ثلث الدية فلا يلزم أن تحمل العاقلة ما دون الثلث.
قال: (وإن جنى إنسان على نفسه أو طرفه خطأ فلا دية له.
وعنه: على عاقلته ديته لورثته ودية طرفه لنفسه).
أما كون جناية الإنسان على نفسه أو طرفه خطأ لا دية له بها على المذهب؛ فـ «لأن عامر بن الأكوع بارزَ مرحباً يوم خيبر فرجعَ سيفه على نفسه فمات» 1. ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجب لبينه صلى الله عليه وسلم.
ولأنه جنى على نفسه.
فلم يضمنه لغيره؛ كالعمد.
ولأن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني وتخفيفاً عنه وليس على الجاني هنا شيء يحتاج فيه إلى الإعانة والمواساة.
فلا وجه للإيجاب.
وأما كون دية جنايته على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي «أن رجلاً ساقَ حماراً ضربه بعصاً كانت معه.
فطارت منها شظية فأصابت عينه ففقأتها.
فجعل عمر رضي الله عنه ديته على عاقلته.
وقال: هي يد من أيدي المسلمين لم يصبها اعتداء على أحد».
ولم يعرف له مخالف في عصره.
ولأنها جناية خطأ.
فكان عقلها على العاقلة؛ كما لو قتل غيره.
فعلى هذه الرواية إن كانت الجناية قتلاً نظرت فإن كانت العاقلة غير الورثة وجبت دية النفس عليهم لورثة الجاني، وإن كانوا هم الورثة فلا شيء عليهم لأنه لا يجب على الإنسان شيء لنفسه وإن كانت الجناية على غير النفس وجبت الدية على العاقلة للجاني.
فإن قيل: ما الصحيح من ذلك؟
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الرواية الأولى أصح.
وصرح به في المغني لأن عدم إيجاب النبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة ابن الأكوع شيئاً يدل عليه لا سيما وقد اعتضد بأن العلة المقتضية للإيجاب على العاقلة منتفية.
وقال القاضي: أظهرهما -يعني أظهر الروايتين- الوجوب على العاقلة لقضاء عمر لا سيما ولم يعرف له مخالف 1 فيكون إجماعاً.
قال: (وإن نزل رجل بئراً فخر عليه آخر فمات الأول من سقطته فعلى عاقلته ديته.
وإن سقط ثالث فمات الثاني به فعلى عاقلته ديته.
وإن مات الأول من سقطتهما فديته على عاقلتهما).
أما كون دية الأول على عاقلة الثاني؛ فلأن الأول مات من سقوط الثاني فيكون هو قاتله.
فوجبت الدية على عاقلته؛ كما لو باشره بالقتل خطأ.
وأما كون دية الثاني على عاقلة الثالث؛ فلأن فعل الثالث بالثاني كفعل الثاني بالأول، وقد وجبت دية الأول على عاقلة الثاني فكذا تجب دية الثاني على عاقلة الثالث.
وأما كون دية الأول على عاقلتي الثاني والثالث إذا مات من سقطتهما؛ فلأن موت الأول حصل بفعلهما القاتل خطأ.
فوجب توزيع ديته على عاقلتهما.
قال: (فإن كان الأول جذب الثاني وجذب الثاني الثالث فلا شيء على الثالث وديته على الثاني في أحد الوجهين، وفي الثاني على الأول والثاني نصفين ودية الثاني على الأول).
أما كون الثالث لا شيء عليه؛ فلأن وقوعه حصل بجذب الثاني فلا أثر له في قتل أحد.
وأما كون ديته على الثاني في وجهٍ؛ فلأنه جذبه وباشره، والمباشرة تقطع حكم السبب؛ كالحافر مع الدافع.
وأما كونها على الأول والثاني نصفين في وجهٍ؛ فلأن الأول جذب الثاني الجاذب للثالث فصار مشاركاً للثاني في إتلاف الثالث.
وأما كون دية الثاني على الأول؛ فلأنه جذبه من غير مشارك له في ذلك.
فإن قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أن الدية على من ذكر لا على عاقلتهم، وصرح في المغني أن دية الثالث على عاقلة الثاني أو على عاقلته وعاقلة الأول نصفين وأن دية الثاني على عاقلة الأول.
قيل: قال صاحب النهاية فيها بعد ذكره المسألة: هذا عمد خطأ.
وهل يجب في مال الجاني أو على العاقلة؟ فيه خلاف بين الأصحاب.
فلعل المصنف رحمه الله ذكر أحد الوجهين هنا والآخر في المغني.
قال: (وإن كان الأول هلك من وقعة الثالث احتمل أن يكون ضمانه على الثاني، واحتمل أن يكون نصفها على الثاني وفي نصفها الآخر وجهان).
أما كون ضمان الأول المذكور يحتمل أن يكون على الثاني؛ فلأن هلاكه حصل بجذبه وجذب الثاني وفعله ملغى كالمتصادمين فتعين إضافة التلف إلى الثاني.
وأما كون نصف الدية يحتمل أن تكون على الثاني؛ فلأن الهلاك حصل بفعله وفعل غيره.
وأما كون نصف الدية فيه وجهان؛ فلأنه متسبب عن 1 جنايته على نفسه وقد تقدم في جناية الإنسان على نفسه الروايتان المتقدم ذكرهما في موضعه.
قال: (وإن خر رجل في زبية أسد فجذب آخر وجذب الثاني ثالثاً وجذب الثالث رابعاً فقتلهم الأسد: فالقياس أن دم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثاني وعلى عاقلة الثاني دية الثالث وعلى عاقلة الثالث دية الرابع.
وفيه وجه آخر: أن دية الثالث على عاقلة الأول والثاني نصفين ودية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً.
وروي عن علي أنه قضى للأول بربع الدية وللثاني بثلثها وللثالث بنصفها
وللرابع بكمالها على من حضرهم ثم رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجاز قضاءه فذهب الإمام أحمد إليه توقيفاً).
أما كون القياس أن دم الأول هدر وأن دية الثاني على عاقلة الأول ودية الثالث على عاقلة الثاني ودية الرابع على عاقلة الثالث؛ فلأن الأول تلف بسبب جذبه غيره.
أشبه ما لو قتل نفسه، والثالث تلف بسبب جذب الثاني فتكون ديته على عاقلته، والرابع تلف بسبب جذب الثالث فتكون ديته على عاقلته.
وأما كون دية الثالث على عاقلة الثاني والأول نصفين على الوجه الآخر؛ فلأن جذبهما سبب لهلاكه.
فوجب كون ديته على عاقلتهما نصفين؛ كما لو قتلاه خطأ.
وأما كون دية الرابع على عاقلة الثلاثة أثلاثاً؛ فلأن جذب الثلاثة سبب لتلافه، وذلك يقتضي كون الدية 1 بين العاقلة أثلاثاً.
وأما كون الإمام أحمد ذهب إلى ما روي عن علي رضي الله عنه توقيفاً؛ فلأنه صحابي لا سيما وقد اعتضد بما روي من رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإجازته قضاءه.
فإن قيل: كيف روي عن علي رضي الله عنه؟
قيل: روى حنش الصنعاني «أن قوماً من أهل اليمن حفروا زُبْية للأسد.
فاجتمعَ الناسُ على رأسها.
فهوى فيها واحدٌ، فجذبَ ثانياً، فجذبَ الثاني ثالثاً، ثم جذبَ الثالثُ رابعاً، فقتلهم الأسد.
فرُفعَ ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال: للأول ربعُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه ثلاثة، وللثاني ثلثُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه اثنان، وللثالث نصفُ الدية؛ لأنه هلكَ فوقه واحد، وللرابع كمالُ الدية.
وقال: فإني أجعلُ الديةَ على من حضرَ رأس البئر.
فرُفعَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هو كما قال» 2. رواه سعيد بن منصور.
قال: (ومن اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس به مثل ضرورته فمنعه حتى مات ضمنه نص عليه.
وخرّج عليه أبو الخطاب كل من أمكنه إنجاء إنسان من هلكة فلم يفعل.
وليس ذلك مثله).
أما كون من اضطر إلى طعام إنسان أو شرابه وليس بمالكه مثل ضرورته فمنعه منه حتى مات يضمنه على المنصوص؛ فلأن عمرَ رضي الله عنه قضى بذلك.
ولأنه إذا اضطر إليه صار المضطر أحق من مالكه وله 1 أخذه منه قهراً.
فإذا منعه منه فقد تسبب إلى هلاكه بمنعه ما يستحقه.
فلزمه ضمانه؛ كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأشياء:
أحدها: أن الضمان يجب على المانع؛ لأنه أضاف الضمان إليه.
وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ذكره المصنف رحمه الله في المغني وعلله بأنه تعمد الفعل الذي يقتل مثله غالباً.
وقال القاضي: هو على عاقلته؛ لأنه قتلٌ لا يوجب القصاص فيكون شبهَ العمد.
وثانيها: أن يطلب المضطر ذلك من مالكه لأن قوله: فمنعه يدل عليه.
فإن لم يطلبه من مالكه فمات لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به إلى هلاكه.
وثالثها: أن لا يكون بمالكه مثل ضرورته.
فإن كان به مثل ضرورته فطلبه منه فمنعه فمات لم يضمنه؛ لأنه لا يجب عليه بذل طعامه في تلك الحال.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدَأ بنفسكَ ثم بمن تعُول» 2: تنبيهٌ على ذلك.
وأما كون كل من قدر على إنجاء شخص من هَلَكة فلم يفعل حتى مات يخرج على ذلك على قول أبي الخطاب؛ فلاشتراكهما في القدرة على سلامته وخلاصه من الموت.
وأما كون ذلك ليس مثله على اختيار المصنف رحمه الله؛ فلأن الهلاك هنا لم يكن بسبب منه.
فلم يضمنه؛ كما لو لم يعلم حاله.
والمعني بذلك: أن التخريج يقتضي المساواة ولا مساواة بينهما؛ لأنه في مسألة الطعام منعه منعاً كان سبباً في هلاكه.
بخلاف مسألة القدرة على إنجائه؛ لأنه لم يفعل شيئاً هو سبب لهلاكه.
قال: (ومن أفزع إنساناً فأحدث بغائط فعليه ثلث ديته.
وعنه: لا شيء عليه).
أما كون من أفزع إنساناً فأحدث بغائط عليه ثلث ديته على المذهب فلأنه يروى عن عثمان رضي الله عنه.
قال الإمام أحمد: لا أعرف شيئاً يدفعه.
وأما كونه لا شيء عليه على روايةٍ؛ فلأن الدية إنما تجب لإتلاف منفعة أو عضو أو إزالة جَمَال، وليس هاهنا شيء من ذلك.
والأول أصح لقضاء عثمان رضي الله عنه.
لا سيما وذلك في مظنة الشهرة ولم ينقل خلافه فيكون إجماعاً، وأن قضاء الصحابي بما يخالف القياس يدل على أنه توقيف.
وحكم من أفزع إنساناً فأحدث ببول أو ريح حكم من أفزع إنساناً فأحدث بغائط؛ لأنه يروى عن عثمان أيضاً ويدل عليه دليل الرواية الثانية.
وحكم من ضرب إنساناً فأحدث بغائط أو بول أو ريح حكم من أفزعه فأحدث بما ذكر؛ لأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يكون حكماً 1.
فصل [فيمن أدب ولده فتلف]
قال المصنف رحمه الله: (ومن أدّب ولده، أو امرأته في النشوز، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فأفضى إلى تلفه: لم يضمنه.
ويتخرج وجوب الضمان على ما قاله فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى عاقلته الدية).
أما كون من أدّب ولده، أو امرأته، أو المعلم صبيه، أو السلطان رعيته ولم يسرف فتلف: لم يضمنه على المذهب؛ فلأن كل واحد منهم فعل ما يُشرع له فعله.
فلم يضمن ما تولد منه؛ كقطع يد السارق إذا سرى إلى نفسه.
وأما كون وجوب الضمان يتخرج على 1 ما قاله الإمام أحمد فيما إذا أرسل السلطان إلى امرأة ليحضرها فأجهضت جنينها أو ماتت فعلى العاقلة الدية؛ فلأنه في معناه.
وكلام المصنف رحمه الله متضمن بيان الحكم في المخرج عليه.
والأصل في ضمان الجنين والأم: أما الجنين؛ فما روي «أن عمر رضي الله عنه بعث إلى امرأة مُغيّبةٍ كان يُدخل عليها.
فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر.
فبينا هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين ثم مات.
فاستشار عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدب.
وصمتَ علي.
فأقبل عليه عمر.
وقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحُوا لك.
إن ديَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقتْه.
فقال عمر: أقسمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» 2.
وأما الأم؛ فلأنها هلكت بإرسال السلطان إليها فضمنها كجنينها.
أو يقال: نفس هلكت بسببه.
فوجب أن يضمن؛ كما لو ضربها فماتت.
قال: (وإن سلم ولده إلى السابح ليعلمه فغرق لم يضمنه.
ويحتمل أن تضمنه العاقلة).
أما كون السابح لا يضمن الولد بما ذكر على المذهب؛ فلأنه فَعَل ما جرت العادة به لمصلحته.
فلم يَضمن ما تلف به؛ كما لو ضرب المعلم الصبي ضرباً معتاداً فتلف.
وأما كونه يحتمل أن تضمنه العاقلة؛ فلأن الوالد سلم ولده إليه ليحتاط في حفظه فإذا غرق نسب إلى التفريط.
فوجب أن تضمنه عاقلته؛ لأنه قتل خطأ.
قال: (وإن أمر عاقلاً ينزل بئراً أو يصعد شجرة فهلك بذلك لم يضمنه؛ إلا أن يكون الآمر السلطان فهل يضمنه؟ على وجهين.
وإن وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لم يضمنه).
أما كون الآمر 1 لمن ذكر لا يضمنه إذا لم يكن السلطان؛ فلأن الهالك هلك بفعل نفسه.
فلم يضمنه الآمر؛ كما لو قال له: اقتل نفسك.
وأما كون الآمر 2 لا يضمنه أيضاً إذا كان السلطان على وجه؛ فلذلك.
وأما كونه يضمنه على وجه؛ فلأن من أمره السلطان لا يقدر على الامتناع فصار كالمكره على ذلك، والمكره يجب ضمان فعله على المكره.
وأما كون من وضع جرة على سطحه فرمتها الريح على إنسان فتلف لا يضمنه؛ فلأن التلف لم يكن من فعل الواضع، والوضع 3 كان في ملكه.
فلم يكن متعدياً.
باب مقادير ديات النفس
قال المصنف رحمه الله: (دية الحر المسلم مائةٌ من الإبل، أو مائتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألفُ مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم.
فهذه الخمس أصولٌ في الدية.
إذا أَحضر من عليه الدية شيئاً منها لزم قبوله.
وفي الحُلَل روايتان: إحداهما: ليست أصلاً في الدية، وفي الأخرى: أنها أصل وقدرها مائتا حلة من حلل اليمن كل حلة بردان.
وعنه: أن الإبل هي الأصل خاصة وهذه أبدال عنها فإن قدر على الإبل وإلا انتقل إليها).
أما كون الخمس المذكورة أصولاً في الدية؛ فلأن عمرو بن حزم روى في كتابه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبَ إلى أهل اليمن: وأن في النفسِ المؤمنةِ مائة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار» 1. رواه النسائي.
وفي حديث ابن عباس «أن رجلاً من بني عدي قُتل.
فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ديتَهُ اثني عشرَ ألفاً» 2. رواه أبو داود [وابن ماجة.
وفي الحديث أن عمر قال: «على أهل الذهبِ ألفُ دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشرَ ألفاً، وعلى أهل البقرِ مائتا بقرة، وعلى أهل الشاةِ ألفَا شاة» 3. رواه أبو داود] 4.
وأما كون الحلل ليست أصلاً في روايةٍ؛ فلأنها تختلف ولا تنضبط.
وأما كونها أصلاً في روايةٍ؛ فلأن في حديث عمر: «وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتا حُلَّة» 1. رواه أبو داود.
فعلى هذا تكون السّتُ أصولاً.
وأما كون قدرها مائتي حلة؛ فلما ذكر في الحديث المذكور.
وأما كون الحلل من حلل اليمن؛ فلأنها تنسب إليه.
وأما كون كل حلة بردين؛ فلأن ذلك هو المتعارف.
وأما كون الإبل هي الأصل خاصة على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا! إن في قتيلِ العصَا والسوطِ مائةٌ من الإبل» 2.
ولأنه 3 فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ بعضها وخفف بعضها ولا يتحقق هذا في غير الإبل.
فعلى هذه بقية ما ذكر أبدال عنها؛ لأن ذلك أقل ما تحمل الأحاديث عليه.
وأما كون من 4 عليه الدية إذا أحضر شيئاً من الخمس المذكورة على الرواية الأولى يلزم مستحق الدية قبوله؛ فلأن من عليه الدية قد أحضر أصلاً فلزم قبوله كما لو أحضر الإبل.
وعلى هذا إذا أحضر من عليه الدية إحدى الست المذكورة على روايةِ كون الحلل أصلاً يلزم مستحقها قبوله لما ذكر في الخمس.
وأما كون من قدر على الإبل على روايةِ كونها هي الأصل خاصة تلزمه 5؛ فلأن الحق متعين.
فتعينت؛ كالمثل في المثليات.
فعلى هذا إذا أحضر غيرها لم يلزم مستحقها قبوله؛ لأنه غير ما وجب له.
وأما كون من لم يقدر على الإبل ينتقل إلى أحد الأبدال عنها؛ فلأنه بدل عنها.
أشبه التيمم إذا عدم الماء.
فإن قيل: ما الصحيح من هاتين الروايتين؟
قيل: هذه الرواية هي الصحيحة من حيث الدليل.
وهي التي ذكرها الخرقي وإن كانت الأولى هي الصحيحة في المذهب.
ذكره أبو الخطاب في هدايته، وذلك لأن الإبل هي المذكورة في كتاب عمرو بن حزم وهو كتاب ثابت مشهور وغيرها: منه ما لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم كالبقر والشياه والحلل، ومنه ما ذكره وهو الذهب والورق ولا يلزم من ذكره كونه أصلاً لجواز كونه بدلاً، ويعضد ذلك أن في حديث عمر أنه قام خطيباً فقال: «ألا إنَّ الإبلَ قد غَلَتْ فقوّم على أهل الذهبِ... وذكره إلى آخره» 1؛ لأنه يدل على أن ذلك كله بدل على الإبل.
قال: (فإن كان القتل عمداً أو شبه عمد وجبت أرباعاً: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
وعنه: أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
وهل يعتبر كونها ثنايا؟ على وجهين.
وإن كان خطأ وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ويؤخذ في البقر النصف مسنات والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة.
ولا تعتبر القيمة في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب.
وقال أبو الخطاب: يعتبر أن يكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهماً.
فظاهر هذا أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان.
والأول أولى).
أما كون دية العمد وشبهه أرباعاً كما ذكر المصنف رحمه الله على الأول؛ فلما روي عن السائب بن يزيد 2 قال: «كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض».
ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان.
فلا يعتبر فيه الحمل؛ كالزكاة والأضحية.
وأما كونها أثلاثاً على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «منْ قَتَلَ متعمداً دُفع إلى أولياءِ المقتول فإن شاؤا قتَلُوا وإن شاؤا أخذوا الدية.
وهيَ: ثلاثونَ حقةً وثلاثونَ جذعةً وأربعونَ خَلِفَةً.
وما صُولحوا عليه فهوَ لهم، وذلك لتشديدِ العَقْل» 1. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وروى عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إنّ في قتلِ عمدِ الخطإِ قتيلَ السوطِ والعصا: مائةٌ من الإبل منها أربعون خَلِفَةً في بُطونِها أولادُها» 2. رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وأما كون الخلفات لا يعتبر كونها ثنايا وهن 3 ما لهن ست سنين على وجه؛ فلأن الشارع نص على الخلفة وهي موجودة بدون ذلك.
وأما كونها يعتبر كونها ثنايا على وجه؛ فلأن في الحديث: «ما بينَ ثنيةٍ إلى بَازِل» 4.
ولأن جميع الأنواع مقدرة بالسن فكذا الخلفات.
وأما كون دية الخطأ أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة؛ فلما روى عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في ديةِ الخطإِ عشرونَ حِقَّة، وعِشرونَ جذعَةً، وعشرونَ بنتَ مخاضٍ، وعشرونَ بنتَ لبونٍ، وعشرونَ بني مخَاض» 5. رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
وأما كون البقر يؤخذ فيها النصف مسنات والنصف أتبعة، والغنم النصف ثنايا والنصف أجذعة؛ فلأن 1 في أخذه تسوية وعدم جور لأنه لو أخذ الكل مسنات والكل ثنايا لكان ذلك تحاملاً على الجاني ولو أخذ الكل أتبعة والكل أجذعة لكان ذلك تحاملاً على المجني عليه.
وأما كون القيمة لا تعتبر في شيء من ذلك بعد أن يكون سليماً من العيوب على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب من نفس المؤمن مائة من الإبل مطلقاً من غير اعتبار القيمة.
فتقييده بالقيمة يخالف الإطلاق.
فلم يجز إلا بدليل.
وأما كون كل بعير يعتبر أن تكون قيمته 2 مائة وعشرين درهماً على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن عمر رضي الله عنه قوّم الإبل على أهل الإبل باثني عشر ألفاً» 3، وذلك يدل على أن ذلك قيمتها.
ولأن جميع أنواع الدية بدل على محل واحد.
فوجب أن تتساوى في القيمة؛ كالمثل والقيمة في بدل القرض والمتلف في المتلفات.
وأما كون ظاهر هذا -أي اعتبار كون قيمة 4 كل بعير مائة وعشرين- أنه يعتبر في الأصول كلها أن تبلغ دية من الأثمان وهو تخريجٌ من المصنف رحمه الله على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنه إذا اعتبرت القيمة في الإبل وهي أصل رواية واحدة؛ فلأن تعتبر القيمة في غيرها من أنواع الدية بطريق الأولى.
وأما كون الأول أولى.
ومعناه: أن الأصح أنه لا تعتبر القيمة في الإبل ولا في غيرها؛ فلما تقدم من الدليل.
وأما تقويم عمر رضي الله عنه 5؛ فلأجل أخذ الدراهم عوضاً عن الإبل ولا نزاع 6 فيه؛ لأن الإبل كانت تؤخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيمتها ثمانية آلاف ثم قومها عمر لغلائها باثني عشر ألفاً، وذلك يدل على أنها في حال رخصها أقل
قيمة 1 من ذلك.
فكانت تؤخذ في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرٍ من ولاية عمر مع رخصها 2 وقلة قيمتها ونقصها عن مائة وعشرين.
وإذا لم تعتبر القيمة في الإبل لا تعتبر في البقر والشياه قياساً لهما عليها.
قال: (ويؤخذ في الحلل المتعارف فإن تنازعا فيها جعلت قيمة كل واحد ستين درهماً).
[أما كون الحلل يؤخذ فيها المتعارف؛ فلأن ما لم يرد الشرع فيه بحدّ محدود يرجع فيه إلى العرف.
دليله القبض والحِرز.
وأما كون قيمة كل حلة تجعل ستين درهماً إذا تنازعا فيها] 3؛ فلأن الأصل تساوي الأبدال والأخذ المذكور يحصل به التساوي بين الحلل وبين اثني عشر ألف درهم.
فصل [في دية المرأة]
قال المصنف رحمه الله: (ودية المرأة نصف دية الرجل.
ويساوي جراحها جراحه إلى ثلث الدية.
فإذا زادت صارت على النصف).
أما كون دية المرأة نصف دية الرجل؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم: «ديةُ المرأةِ على النصفِ من ديةِ الرجل» 1.
فإن قيل: قوله عليه السلام: «في النفسِ المؤمنة مائة من الإبل» 2 عام فيجب أن يشمل المرأة.
قيل: ما ذكر خاص فيجب تقديمه على العموم لا سيما وهما في كتاب واحد.
وأما كون جراحها يساوي جراحه إلى ثلث الدية؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عقلُ المرأةِ مثلُ عقلِ الرجلِ حتى يبلغَ الثلثَ [من ديّتِها» 3. رواه النسائي.
وأما كونها تصير على النصف من جراحه إذا زادت على الثلث] 4؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث غاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها.
وإذا وجبت المخالفة تعين كونها على النصف كدية نفسها.
[وعن ربيعة] 5 قال: «قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبعِ المرأةِ؟ قال: عشرٌ.
قال: قلت: ففي إصبعَين.
قال: عشرون.
قلت: ففي ثلاثِ أصابع.
قال: ثلاثون.
قلت: ففي أربع.
قال: عشرون.
قال: قلت لما عظُمَتْ
مُصيبَتُها قَلَّ عقلُها.
قال: هكذا السنةُ يا ابن أخي» 1. وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه سعيد بن منصور.
فإن قلت: إذا بلغت جراح المرأة الثلث ما حكمه؟
قيل: ظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه مساو لجراح الرجل؛ لأنه قال: فإذا زادت صارت على النصف.
فاشترط في صيرورتها على النصف الزيادة والمتساوي ليس زائداً.
وفي ذلك روايتان:
إحداهما: أنها مساوية؛ لأن الثلث لم يعتبر حد القلة ولذلك صحت الوصية به.
والرواية الثانية: أنها على النصف.
قاله المصنف رحمه الله في المغني.
وهو الصحيح؛ لقوله عليه السلام: «حتى يبلُغَ الثلث» 2 و"حتى" للغاية.
فيجب أن تكون مخالفة لما قبلها؛ لقوله تعالى 3: ﴿حتى يُعطوا الجزية﴾ [التوبة: 29].
ولأن الثلث في حد الكثرة؛ لقوله عليه السلام: «والثُّلُثُ كثير» 4.
قال: (ودية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى.
وكذلك أرش جراحه).
أما كون دية الخنثى المشكل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى؛ فلأن ميراثه كذلك.
فكذلك ديته.
وأما كون أرش جراحه كذلك؛ فلأن الجراح كالتابع للقتل.
فإذا وجب في القتل نصف دية ذكر ونصف دية أنثى.
فلأن تجب في أرش الجراح كذلك بطريق الأولى.
فصل [في دية الكتابي]
قال المصنف رحمه الله: (ودية الكتابي نصف دية المسلم.
وعنه: ثلث ديته.
وكذلك جراحهم.
ونساؤهم على النصف من دياتهم).
أما كون دية الكتابي نصف دية المسلم على المذهب؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ المسلم» 1.
وفي لفظ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقلَ أهل الكتابِ نصفُ عقلِ المسلمين» 2. رواه الإمام أحمد.
وأما كونها ثلث ديته على روايةٍ؛ فلما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ديةُ اليهودي والنصراني أربعةُ آلاف [أربعةُ آلاف] (3»).
وروي «أن عمر جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف» 4.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما حديث عبادة فلم يذكره أصحاب السنن، والظاهر أنه ليس بصحيح.
وأما جعل عمر فإنما كان ذلك حين كانت الدية ثمانية ألاف 5 فأوجب نصفها أربعة آلاف، ودليل ذلك [ما روى] 6 عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده3
قال: «كانت قيمةُ الديةِ على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينارٍ أو ثمانيةَ 1 آلافِ درهم 2 وديةُ أهلِ الكتابِ يومئذٍ النصفُ» 3. فهذا 4 بيان وشرح يزيل الإشكال، وفيه جمع بين 5 الأحاديث، ولو لم يكن كذلك فقول النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فعل عمر وغيره.
فإن قيل: فقد ذكر الله تعالى دية الكتابي ودية المسلم ولم يفرّق بينهما، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ديةُ اليهودي والنصراني مثلُ ديةِ المسلم».
قيل: أما عدم الفرق بين دية المسلم والكتابي في كتاب الله تعالى فتقيد بالحديث المتقدم ذكره.
وأما الحديث فالصحيح حديث عمرو بن شعيب ما ذكر دليلاً على أن دية الكتابي النصف أخرجه الأئمة في كتبهم دون ما روي 6.
وأما كون جراح الكتابي كذلك أي نصف جراح المسلم على المذهب وثلثه على روايةٍ؛ فلأن الجراح يتبع النفس في دية النفس، وفي دية النفس الخلاف المتقدم ذكره.
فكذلك الجراح.
وأما كون ديات نسائهم على النصف من دياتهم؛ فلأن ديات المسلمين على النصف من دياتهم.
فكذلك نساء أهل الذمة.
قال: (ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم.
ومن لم تبلغه الدعوة فلا ضمان فيه، وعند أبي الخطاب: إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه، وإلا فلا شيء فيه).
أما كون دية المجوسي ثمانمائة درهم؛ فلأنه قول عمر وعثمان وابن مسعود.
ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً.
فإن قيل: فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب» 1. فوجب أن تكون ديته كدية الكتابي.
قيل: المراد بالحديث أخذ الجزية وحقن الدم لا في كل شيء.
بدليل أن ذبائحهم ونساءهم لا تحل لنا.
بخلاف أهل الكتاب.
وأما كون دية الوثني ثمانمائة درهم؛ فلأنه كافر لا تحل ذبيحته.
أشبه المجوسي.
فإن قيل: الوثني دمه هدر فكيف يضمن؟
قيل: المراد بالوثني هنا من لا تجوز إراقة دمه مثل من أُعطي الأمان ولذلك يقال في علة ذلك: كافر ذو عهد.
فعلى هذا لا يختص الحكم بالوثني بل كل من لا يقر بالجزية إذا حقن دمه بأمان فقتل فديته كدية المجوسي؛ لأنها أقل الديات، وهو مشابه له من حيث اشتراكهما في العهد وعدم حل المناكحة.
وأما كون من لم تبلغه الدعوة لا ضمان فيه على المذهب؛ فلأنه لا عهد له ولا أمان.
أشبه الحربي.
ولا بد أن يُلحظ أنه لا أمان له فإن كان له أمان فديته دية أهل دينه لأنه له أمان.
أشبه أهل دينه.
فإن لم يعرف له دين ففيه دية مجوسي لأنها اليقين وما زاد مشكوك فيه.
وأما كونه إن كان ذا دين ففيه دية أهل دينه وإلا فلا شيء فيه عند أبي الخطاب؛ فلأنه إذا كان ذا دين يكون محقون الدم؛ لأنه لا يجوز قتله حتى تبلغه الدعوة، وإذا لم يكن ذا دين لم يكن محقون الدم.
فلم يضمن؛ لأن الضمان في المحقون الدم إنما كان من أجل حقن دمه، وهذا مفقود فيمن لا دين له.
فينتفي الضمان لانتفاء ذلك.
فصل [في دية العبد]
قال المصنف رحمه الله: (ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت.
وعنه: لا يبلغ بها دية الحر.
وفي جراحه إن لم يكن مقدراً من الحر ما نقصه، وإن كان مقدراً في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر.
وعنه: أنه يضمن بما 1 نقص.
اختاره الخلال).
أما كون دية العبد والأمة قيمتهما بالغةً ما بلغت على المذهب؛ فلأن العبد والأمة مال متقوم.
فيُضمن كل واحد منهما بكمال قيمته؛ كالفرس.
أو يقال: كل منهما مضمون بقيمته.
فكان بجميع القيمة؛ كما لو ضمنه باليد.
وأما كون القيمة لا يبلغ بها دية الحر على روايةٍ؛ فلأنه ضمان آدمي.
فلم يزد على دية الحر؛ كضمان الحر، وذلك أن الله تعالى لما أوجب في الحر دية لا تزيد وهو أشرف من العبد لخلوه من نقيصة الرق كان تنبيهاً على أن العبد المنقوص لا يزاد عليها.
فتجعل مالية العبد معياراً للمقدار الواجب فيه ما لم تزد على الدية فإذا زاد عُلم خطأُ ذلك فيرد إلى دية الحر كأرش ما دون الموضحة يجب فيه ما تخرجه الحكومة ما لم يزد على أرش الموضحة فإذا زاد رده إليها.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين الحر وبين العبد: أن الحر ليس مضموناً بالقيمة وإنما يضمن بما قدّره الشرع فلم يتجاوزه 2، والعبد مضمون بالقيمة فافترقا.
ولأن الحر ليس مضموناً؛ [لأنه ليس مال] 1، ولذلك لم يختلف باختلاف صفاته.
والعبد مضمون؛ لأنه مال والمال يزيد بزيادة المالية وينقص بنقصانها فافترقا.
وأما كون جراحه فيها ما نقص إذا لم يكن مقدراً في مثله من الحر؛ مثل أن يكسر عصعصه أو خرزة صلبه وما أشبه ذلك؛ فلأن العبد مال.
فاعتبر فيه ما نقص؛ كما لو تعدى على مال غير العبد فنقص بسبب ذلك.
ولأن مقتضى الدليل ضمان العبد بما نقص لأنه مال.
تُرك العمل به فيما كان مقدراً في مثله من الحر لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
وأما كون ما كان مقدراً في الحر كاليد والرجل والموضحة وما أشبه ذلك فهو مقدر في العبد من قيمته كدية الحر 2.
فعلى هذا في يده نصف قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر نصف الدية، وفي موضحته نصف عشر قيمته؛ لأن الواجب فيها من الحر خمس من الإبل، وذلك نصف عشر ديته.
وسواء نقصت الجناية أقل من ذلك أو أكثر لأن العبرة بالمقدر من الحر من القيمة لا بالنقصان.
وأما كون ذلك يضمن بما نقص على روايةٍ؛ فلما ذكر من أن العبد مال.
فيجب أن يضمن بما نقص؛ كغيره من الأموال.
قال: (ومن نصفه حر ففيه نصف دية حر ونصف قيمته.
وهكذا في جراحه).
أما كون من نصفه حر فيه نصف دية حر ونصف قيمته؛ فلأن نصفه حر فيجب أن يكون فيه 3 نصف ديته، ونصفه عبد فيجب أن يكون فيه 4 نصف قيمته.
وأما كونه هكذا في جراحه؛ فلأن 5 جراح 6 الشخص تبع لديته.
قال: (وإذا قطع خصيتي عبد أو أنفه أو أذنه 1 لزمته قيمته للسيد ولم يزل ملكه عنه).
أما كون من قطع ما ذكر يلزمه قيمة العبد؛ فلأن القيمة بدل عن الدية، وفي كل واحد مما ذكر دية إذا كان حراً ففي كل واحد منه القيمة إذا كان عبداً.
وأما كون القيمة للسيد؛ فلأنها بدل عن الأعضاء المملوكة للسيد.
وأما كونه لا يزول ملكه عن العبد؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي الزوال.
فوجب بقاؤه على ملكه عملاً باستصحاب الحال.
ولأن قطع يد العبد مثلاً بمنزلة تلف بعض ماله، وتلفه 2 لا يوجب زوال الملك عن الباقي.
فكذلك لا يزول ملك السيد عن العبد المجني عليه.
قال: (وإن قطع ذكره ثم خصاه لزمته قيمته لقطع الذكر 3 وقيمته مقطوع الذكر، وملك سيده باق عليه).
أما كون من قطع ما ذكر تلزمه قيمة العبد لقطع الذكر؛ فلأن الواجب في ذلك من الحر دية كاملة.
وأما كونه يلزمه قيمته مقطوع الذكر؛ فلأن الواجب في قطع الخصيتين من الحر بعد الذكر دية كاملة.
فإن 4 قيل: القيمة هنا نقصت عن القيمة أولاً لأن المصنف رحمه الله قيدها 5 بقطع الذكر.
بخلاف الدية في الحر فإنهما سواء.
قيل: القيمة في مقابلة الدية لكنها تزيد وتنقص بحسب الأحوال.
بخلاف الدية في الحر فإنها مقدرة بقدر معلوم لا تزيد ولا تنقص فلذلك نقصت القيمة دون الدية.
وأما كون ملك سيده باقياً عليه؛ فلما ذكر قبل.
فصل [في دية الجنين]
قال المصنف رحمه الله: (ودية الجنين الحر المسلم إذا سقط ميتاً غُرّة عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل موروثة عنه كأنه سقط حياً.
ذكراً كان أو أنثى).
أما كون دية الجنين في الجملة غُرّة؛ فلما روي «أن عمر رضي الله عنه استشار الناس في إملاص المرأة.
فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال: لتأتين بمن يشهد معك.
فشهد له محمد 1 بن مسلمة» 2 متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هُذيل.
فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها.
فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ديةَ جنينها غُرّة عبدٍ أو أمة.
وقضى بديةِ المرأة على عاقلتها.
وورثها ولدها ومن معهم» 3 متفق عليه.
وأما كون الغُرّة المذكورة يشترط لوجوبها حرية الجنين وإسلامه؛ فلأن الذي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالغرة المذكورة في حديث أبي هريرة المتقدم ذكره إنما كان في حر مسلم فلا يتعدى إلى من فقد واحداً منهما.
فإن قيل: حديث عمر رضي الله عنه مطلق.
قيل: يجب تقييده بما ذكر؛ لأنه إنما بني على قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الصفة المذكورة.
وأما كونها يشترط سقوط الجنين ميتاً؛ فلأنه إذا سقط حياً حياة مستقرة تجب فيه الدية.
وسيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كونها عبداً أو أمة؛ فلأن ذلك هو المذكور في الحديثين المتقدمين.
فإن قيل: فقد جاء في بعض الأحاديث: «بغرة عبدٍ أو أمةٍ أو فرسٍ أو بغل» 1. وروي «أنه عليه السلام [جعل في ولدها مائة شاة» 2. رواه أبو داود.
قيل: الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم] 3 إنما هو العبد والأمة.
وأما ذكر الفرس والبغل فوهم انفرد به عيسى بن يونس عن سائر الرواة، والحديث الصحيح المتفق عليه إنما فيه: «عبد أو أمة».
وأما كون قيمة الغرة خمساً من الإبل؛ فلأن ذلك مروي عن عمر وزيد رضي الله عنهما.
ولأن ذلك أقل ما قدره الشرع في الجنايات؛ لأنه أرش الموضحة ودية السن.
فوجب الرد إليه.
فإن قيل: فقد وجب في الأنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وذلك دون ما ذكر.
قيل: الذي نص الشارع عليه أرش الموضحة، ودية السن وهو خمس من الإبل، وأما الأنملة فالواجب فيها ما ذكر بالحساب من دية الإصبع لا بالصريح.
وأما كونها موروثة عن الجنين كأنه سقط حياً؛ فلأنها دية له وبدل عنه.
فوجب أن يرثها ورَثته؛ كما لو قتل بعد الولادة.
وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان الجنين أو أنثى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الغُرّة من غير فرق.
قال: (ولا يقبل في الغُرّة خنثى، ولا معيب، ولا من له دون سبع سنين).
أما كون الغرة لا يقبل فيها خنثى ولا معيب؛ فلأنهما ليسا بخيار، والغُرّة هي الخيار.
بخلاف الكفارة حيث يجزئ فيها المعيب عيباً لا يمنع العمل.
ولأن الغرة بدل.
فاعتبرت فيها السلامة؛ كإبل الصدقة.
وأما كونها لا يقبل فيها من له دون سبع سنين؛ فلما ذكر من أن الغرة خيار ومن له دون سبع سنين ليس بخيار.
ولأن من له دون ذلك لا يستغني بنفسه ولا يستقل ويحتاج إلى من يحضنه.
فلم يؤخذ في الغرة؛ كالمعيب.
قال: (وإن كان الجنين مملوكاً ففيه عُشْر قيمة أمه ذكراً كان أو أنثى.
فإن ضرب بطن أمةٍ فعتقت ثم أسقطت الجنين ففيه غرة.
وإن كان الجنين محكوماً بكفره ففيه عشر دية أمه.
فإن كان أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً اعتبر أكثرهما).
أما كون الجنين إذا كان مملوكاً فيه عُشْر قيمة أمه؛ فلأن الواجب في الجنين إذا كان حراً غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك عشر دية الحرة 1، والمقابل لدية الحر قيمة العبد.
فإن قيل: الواجب اعتبار القيمة من قيمة الجنين نفسه؛ لأنه متلف.
فاعتبر بدله بنفسه؛ كسائر المتلفات.
قيل: لما خولف في الجنين المذكور سائر المتلفات في عدم اعتبار قيمة جميعه وجب اعتباره بأمه.
وأما كون ذلك كذلك ذكراً كان أو أنثى؛ فلأن ذلك كذلك في الجنين إذا كان حراً.
فكذلك إذا كان مملوكاً.
وأما كون الجنين الذي ضُرب بطن أمه فعتقت ثم أسقطت فيه غرة؛ فلأنه سقط حراً.
إذ العبرة بحال السقوط؛ لأنه 2 قبل ذلك لا يحكم فيه بشيء.
وأما كون الجنين المحكوم بكفره فيه عُشر دية أمه؛ فلأنه لأمه عشر دية مقدرة.
فوجب فيه عشر دية أمه؛ كالمسلم.
وأما كون من أحد أبويه كتابياً والآخر مجوسياً يعتبر أكثر الأمرين من عشر دية الأم أو نصف عشر دية الأب؛ فلأن ذلك ضمان متلف.
فغلب فيه الأكثر تغليظاً على الجاني.
ولأنه لو اجتمع في المتلف ما يجب الضمان به وما لا يجب غلب جانب الوجوب.
دليله المُحْرم إذا قتل مُتولداً من وحشي وأهلي.
قال: (وإن سقط الجنين حياً ثم مات ففيه دية حر إن كان حراً، أو قيمته إن كان مملوكاً إذا كان سقوطه لوقت يعيش مثله وهو أن تضعه لستة أشهر فصاعداً، وإلا فحكمه حكم الميت.
وإن اختلفا في حياته ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله؟ وجهان).
أما كون الجنين فيه دية حر إذا سقط حياً لوقت يعيش مثله وكان حراً؛ فلأنه حرٌّ مات بجناية.
أشبه ما لو باشره بالقتل.
وأما كونه فيه قيمته إذا كان عبداً؛ فلأن القيمة في العبد بمنزلة الدية في الحر.
وأما كون سقوطه لوقت يعيش مثله شرطاً فيما ذكر؛ فلأنه إذا لم يكن كذلك لا يعلم فيه حياة يجوز بقاؤها.
فلم تجب فيه دية ولا قيمة؛ كما لو سقط ميتاً.
وأما كون الوقت الذي يعيش مثله فيه ستة أشهر فصاعداً؛ فلأن من وُلد لأقل من ذلك [لم تجر العادة ببقائه.
وأما كون حكمه حكم الميت إذا سقط لأقل من ذلك] 1؛ فلأن الحركة التي فيه كحركة المذبوح لما ذكر من كون العادة لم تجر ببقائه.
وأما كون مستحق الدية إذا اختلف هو والجاني في حياة الجنين ولا بينة ففي أيهما يقدم قوله وجهان؛ فلأن النظر إلى أن الجنين كان حياً في بطن أمه يقتضي تقديم قول مستحق الدية لأن الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وذلك يقتضي كونه حياً حين السقوط.
والنظر إلى أن الأصل براءة ذمة الجاني من الدية يقتضي قبول قوله؛ لأنه يوافق ذلك الأصل.
وتقييد ما ذكر بلا بينة مشعر بأن أحدهما لو كان له بينة كان قوله مقدماً على الآخر وجهاً واحداً.
وهو صحيح؛ لأن البينة تُظهرُ الحقَّ وتبيّنه.
فصل [فيما تغلظ به الدية]
قال المصنف رحمه الله: (وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته بالحَرَم، والإحرام، والأشهر الحرم، والرحم المحرم.
فيزاد لكل واحد ثلث الدية.
فإذا اجتمعت المحرمات الأربع وجبت ديتان وثلث.
وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار).
أما كون القتل تغلظ ديته بما ذكر عند أصحاب الإمام أحمد فيزاد لكل واحدٍ ثلث الدية؛ فلما روي «أن امرأة وُطئت في الطواف.
فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم» 1.
وعن ابن 2 عمر أنه قال: «من قَتلَ في الحرم أو ذا رحم 3 أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث».
وعن ابن عباس «أن رجلاً قَتل رجلاً في الشهر الحرام في البلد الحرام.
فقال: ديته اثنا عشر ألفاً، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف».
وأما كون الحرمات الأربع إذا اجتمعت تجب ديتان وثلث؛ فلأن القتل يوجب دية، والمواضع الأربعة توجب كل واحد ثلثاً.
فلزم كون الواجب ديتين وثلثاً.
وأما كونه لا تغلظ ديته بذلك على ظاهر قول الخرقي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» 4. إلى غير ذلك من الآيات والآثار الدالة على وجوب الدية.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: وهو ظاهر الآية والأخبار.
وأجاب عن قول الصحابة المتقدم ذكرهم بأن ذلك ليس بثابت عنهم.
وفي الجملة إن ثبت
ما ذكر عن الصحابة يكون قول الأصحاب راجحاً على ما ذكره المصنف؛ لأنه قول يدل على خصوص التغليظ، والعموم من الآية والأخبار لا ينفيه.
فوجب العمل به؛ لكونه دليلاً سالماً عن المعارض وإن لم يثبت ذلك فالعمل بعموم الآية.
والسنة أولى.
قال: (وإن قتل المسلم كافراً عمداً أُضعفت الدية لإزالة القود كما حَكَم عثمان بن عفان رضي الله عنه).
أما كون الدية تضاعف بقتل المسلم كافراً عمداً؛ فلما أشار إليه المصنف رحمه الله من إزالة القود وحكم عثمان رضي الله عنه.
وأما إزالة القود؛ فلأن المسلم لا يُقتل بكافر لما ذكر في موضعه 1.
فإن قيل: ما وجه التغليظ من أجل إزالة القود؟
قيل: لأن القود شُرع زجراً عن تعاطيه.
فإذا لم يجب ناسب أن يشرع تغليظ الدية لأجل الزجر.
ولذلك نظائر:
منها: أن الأعور إذا قلع عين صحيح تجب دية كاملة حيث لا قصاص.
ومنها: أن سارق الثمر تلزمه مثلاَ قيمته حيث لا يقطع.
وأما حكم عثمان رضي الله عنه؛ فلما روى الإمام أحمد بإسناده «أن رجلاً قَتل رجلاً من أهل الذمة.
فرُفعَ إلى عثمان رضي الله عنه فلم يقتُله، وغلَّظَ الدية ألفَ دينار» 2.
فصل [إذا جنى العبد خطأ]
قال المصنف رحمه الله: (وإن جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته، أو تسليمه ليباع في الجناية.
وعنه: إن أبى تسليمه فعليه فداؤه بأرش الجناية كله).
أما كون العبد إذا جنى خطأ سيدُه بالخيار بين ما ذُكر؛ فلأن حق المجني عليه يحصل بذلك لأن السيد إذا فدا عبده بقيمته فقد أدى عوض المحل الذي تعلقت به الجناية، وإذا فداه بأرش الجناية فقد أدى ما استحقه المجني عليه، وإذا سلمه ليباع فقد دفع المحل الذي تعلقت به الجناية.
وفي قول المصنف رحمه الله: بين فدائه؛ إشعار بأن جناية العبد جناية على آدمي.
فوجب اعتبارها؛ كجناية الحر.
ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذرهما وعدم تكليفهما.
فلأن لا تلغى جناية العبد وهو مكلف بطريق الأولى.
وإذا لم يجز أن لا تتعلق بشيء فالذي تتعلق به: إما رقبة العبد، أو ذمته، أو ذمة سيده.
والثاني والثالث باطل فيتعين الأول: أما بطلان تعلقها بذمته؛ فلأنه يفضي إلى إلغاء الجناية وتأخير حق المجني عليه إلى غير غاية.
وأما بطلان تعلقها بذمة سيده؛ فلأنه لم يجن.
وأما تعين 1 الأول؛ فلأنه إذا تخير التعلق 2 فيما ذكر وبطل الثاني والثالث تعين الأول وهو تعلقها برقبته.
وأما كونه إذا فداه 3 يفدية بالأقل من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأنه إذا فداه بقيمته أدى قدر الواجب لأن حق المجني عليه لا يتعلق بغير رقبة
الجاني، وإذا فداه بأرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه.
فلم يملك مطالبته بأكثر منه.
وأما كون سيده إذا أبى تسليمه عليه فداؤه بأرش الجناية كله على روايةٍ؛ فلأنه ربما إذا عُرض المبيع رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فوّت على المجني عليه تلك الزيادة.
قال: (وإن سلمه فأبى ولي الجناية قبوله وقال: بعه أنت.
فهل يلزمه ذلك؟ على روايتين).
أما كون السيد يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن حق المجني عليه متعلق بمالية العبد لا بعينه.
ولهذا لو طلب المالك فداءه قدم المالك عليه.
وأما كونه لا يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن المالك بالخيار بين فدائه وبين تسليمه لما تقدم وقد سلمه.
فلم يلزمه شيء آخر.
قال: (وإن جنى عمداً فعفى الولي عن القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضى السيد؟ على روايتين).
أما كون ولي المجني عليه يملك العبد إذا عفى عن القصاص على رقبته بغير رضى سيده على روايةٍ؛ فلأنه استحق إتلافه.
فاستحق إبقاءه على ملكه؛ كعبده الجاني عليه.
وأما كونه لا يملكه على روايةٍ؛ فلأنه إذا لم يملكه بالجناية.
فلأن لا يملكه بالعفو بطريق الأولى.
ولأن العبد أحد من عليه القصاص.
فلا يملك بالعفو؛ كالحر.
ولأنه إذا عفى عن القصاص انتقل حقه إلى المال.
فصار كالجاني جناية موجبة للمال.
فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟
قيل: الثانية؛ لما تقدم ذكره.
ولأن ملكه له بغير رضى سيده ينافي كونه بالخيار.
دليلهما 1. وقياس عبد غيره على عبده لا يصح؛ لأن الملك على عبد غيره تجديد.
بخلاف عبده.
قال: (وإن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص، وإن عفى أحدهما أو مات المجني عليه فعفى بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ 2 على وجهين).
أما كون المجني عليهما خطأ يشتركان 3 في الجاني بالحصص؛ فلأنهما اشتركا في سبب تعلق الحق به.
فوجب أن يشتركا بالحصص؛ كغرماء المفلس والميت.
ولأنه لو جنى عليهما دفعة واحدة لاشتركا بالحصص.
فكذا إذا جنى عليهما دفعة بعد أخرى.
وأما كون حق الباقين يتعلق بجميع العبد بعد عفو بعض المستحقين 4 إنما كان للمزاحمة.
فإذا وجد العفو وجب عوده إلى ذلك؛ لزوال السبب المانع من التعلق به.
وأما كونه يتعلق بحصصهم فقط على وجه؛ فلأن ذلك هو الواجب لهم عند الجناية.
فوجب بقاء الأمر على ما كان.
قال: (وإن جرح حراً فعفى عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له وقيمة العبد عُشر ديته فاختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته: صح العفو في ثلثه، وإن قلنا يفديه بالدية صح العفو في خمسة أسداسه وللورثة سدسه؛ لأن العفو صح في شيء من قيمته، وله بزيادة 1 الفداء تسعة أشياء بقي للورثة ألف إلا عشرة أشياء تعدل شيئين.
اجبر وقابل يخرج الشيء نصف سدس الدية وللورثة شيئان فتعدل السدس).
أما كون العفو يصح في ثلث العبد إذا قيل السيد يفديه بقيمته؛ فلأن المجني عليه مات وهو يملكها لا غير.
فوجب انحصار العفو في ثلث العبد.
ضرورة أن الإبراء في المرض معتبر من الثلث.
وأما كونه يصح في خمسة أسداس العبد إذا قيل السيد يفديه بالدية؛ فلما ذكر المصنف رحمه الله.
فإن قيل: لم نكّر الذي صح العفو فيه؟ ولمَ كان الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؟ ولمَ 2 جبر الألف إلا عشرة أشياء؟ ولمَ كان الخارج يعدل نصف سدس الدية؟ ولمَ كان شيئا الورثة يعدل 3 السدس؟
قيل: أما تنكير ما صح العفو فيه؛ فلأن مقدار الزيادة الحاصلة من الفداء بأرش الجناية غير معلوم.
وأما كون الحاصل بالزيادة تسعة أشياء؛ فلأن قيمة العبد عشر الدية، وبين العشر والدية تسعة أعشار.
وأما جبر 4 الألف إلا عشرة أشياء بعشرة أشياء؛ فليخرج العدد بلا مجهول.
وأما كون الخارج نصف سدس؛ فلأنك إذا قسمت ألفاً على اثني عشر كان الشيء نصف سدس الدية.
وأما كون شيء الورثة يعدل السدس؛ فلأن الشيء إذا عدل نصف سدس كان 1 الشيئان يعدل السدس 2 ضرورة.
فعلى هذا لو كان قيمة 3 العبد ثلث الدية صح العفو على 4 القول بأن الفداء يكون بالدية في ثلاثة أخماسه، ولو كانت قيمته الربع صح في ثلثيه، ولو كانت قيمته الخمس صح في خمسة أسباعه.
وعلى هذا فقس.