الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 177-214

فصل [في كسر العظام] قال المصنف رحمه الله: (وفي الضلع بعير، وفي الترقوتين بعيران، وفي كل واحد من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق بعيران، وما عدا ما ذكرنا من الجروح وكسر العظام مثل خرزة الصلب والعصعص ففيه حكومة).
أما كون كسر الضلع فيه بعير؛ فلأن عمر رضي الله عنه حكم للضلع بجمل 1. ولأن الضلع عضو واحدٌ.
فوجب فيه بعيرٌ واحد؛ كالترقوة.
وأما كون كسر الترقوتين فيه بعيران؛ فلأن ذلك روي عن 2 عمر وزيد بن ثابت.
والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكتف.
وأما كون كل واحدٍ من الذراع والزند والعضد والفخذ والساق فيه بعيران؛ فلما روى عمرو بن العاص «أنه كتب إلى عمرَ من أجلِ الزندِ إذا كُسر.
فكتب إليه أن فيه بعيرين» 3. إذا ثبت ذلك في الزند ثبت في بقية ما ذكر بالقياس عليه.
وأما كون ما عدا ما ذكر المصنف رحمه الله من الجروح وكسر العظام؛ مثل خرزة الصلب والعصعص: فيه حكومة؛ فلأن الجناية على ذلك لا توقيت فيها.
أشبهت الجراحات التي لا توقيت فيها.

قال: (والحكومة: أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به.
ثم يقوم وهي به قد برأت فما نقص من القيمة فله 1 مثله من الدية.
فإن 2 كان قيمته وهو صحيح عشرين 3 وقيمته وبه الجناية تسعة عشر ففيه نصف عشر ديته؛ إلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مقدر فلا يبلغ به أرش المقدر.
فإذا كانت في الشجاج التي دون الموضحة لم يبلغ بها أرش الموضحة، وإن كانت في إصبع لم يبلغ بها دية الإصبع، وإن كانت في أنملة لم يبلغ بها ديتها).
أما قول المصنف رحمه الله: والحكومة أن يُقَوّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت؛ فبيان لمعنى الحكومة.
وأما كون ما نقص 4 المجني عليه مثله من الدية؛ فلأن الحر قيمته ديته.
وأما قول المصنف رحمه الله: فإن 5 كان قيمته... إلى قوله: تسعة عشر؛ فتمثيل للمسألة لتصح صورتها ويعرف معناها.
وأما كون ذلك هنا فيه نصف عشر دية المجني عليه؛ فلأن الناقص بالتقويم درهم من عشرين، وهو نصف عشرها.
فيكون في ذلك هنا نصف عشر الدية.
ضرورة أن الواجب مثل ذلك من الدية.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن تكون الحكومة؛ فاستثناء من عموم ما تقدم، وذلك أن ما تجب فيه الحكومة على ضربين: أحدهما: أن يكون في شيء لا مقدر فيه، ولا هو بعض المقدر فيه.
وحكمه ما ذكر.
وثانيهما: أن يكون في شيء هو بعض المقدر فيه.
فهذا لا بد أن يُلحظ فيه عدم تجاوزه أرش المؤقت؛ مثل أن يشجه سمحاقاً، وذلك دون الموضحة.
فإن بلغ أرشها بالتقويم أكثر من موضحة؛ مثل: أن تنقص الجناية أكثر من نصف عشر قيمته لم يجب الزائد لأنه لو وجب ذلك لكان قد وجب في شيء لا يبلغ موضحة

أكثر من أرش الموضحة، وذلك غير جائز؛ لأن الموضحة [أكبر من ذلك، والشَّيْن بها أعظم، والمحل واحد.
ومثل: أن يجرح إصبعاً فيبلغ] 1 أرشه أكثر من عشر الدية فلا يجب أكثر من عشرها؛ لأن دية الإصبع عشر من الإبل، وذلك عشرها.
ومثل: أن يجرح أنملة فيبلغ أرشه أكثر من ثلاثة [وثلث من الإبل؛ لأن ذلك هو دية لأنملته.
إذا تقرر هذا فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا يبلغ] 2 به أرش المقدر أيضاً والذي تقدم هو قول الخرقي ولفظه: فلا يجاوز به أرش المؤقت وصرح به المصنف رحمه الله في المغني فقال: إذا شجه دون الموضحة فبلغ أرش الجراح بالحكومة أكثر من أرش الموضحة لم يجب الزائد.
قال: (وإن كانت مما لا تنقص شيئاً بعد الاندمال قُوّمت حال جريان الدم فإن لم تنقص شيئاً بحال أو زادته حسناً فلا شيء فيها).
أما كون المجني عليه يُقَوّم حال جريان الدم إذا كانت الجناية لا تنقص شيئاً حال الاندمال؛ فلأنه لا بد من نقص لأجل الجناية.
فإذا كان التقويم بعد الاندمال ينفي ذلك وجب أن يُقَوّم في حال جريان الدم ليحصل النقص.
وأما كون الجناية لا شيء فيها إذا لم تنقص شيئاً بحال أو زادته 3 حسناً؛ فلأن الوجوب من أجل النقص ولم يوجد.
فعلى هذا لو حلق لحية امرأة لم يجب فيه شيء.
وقال أبو الخطاب: تُقَوّم كأنها رجل له لحية ثم تُقَوّم كأنها رجل ذهبت لحيته.
فما نقص وجب قسط ذلك من ديتها؛ لأن الجناية عليها جناية لا تنقص شيئاً.
فوجب اعتبارها بذلك؛ كتقويم الجرح حال جريان الدم إذا لم تنقص شيئاً بعد الاندمال.

قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أصح؛ لأن الجناية المذكورة لا مقدر فيها ولم تنقص شيئاً.
أشبهت الضرب.
ولأن لحية الرجل زَيْن له، وعيب في المرأة وتقدير 1 العيب بالزين لا يصح.

باب العاقلة وما تحمله

العاقلة من يحمل العقل.
والعَقْل الدية.
وسميت عقلاً؛ لأنها تعقل لسان ولي المقتول.
وقيل: لأنها تمنع من الإقدام على الفعل.
وقيل: إنما سميت العاقلة بذلك؛ لأنهم يمنعون عن القاتل.
والعقل: المنع، ولهذا سمي بعض العلوم عقلاً؛ لأنه يمنع من الإقدام على المضار.
قال المصنف رحمه الله: (عاقلة الإنسان عصباته كلهم قريبهم وبعيدهم من النسب والولاء؛ إلا عمودي نسبه آباؤه وأبناؤه.
وعنه: أنهم من العاقلة أيضاً).
أما كون عصبة الإنسان كلهم غير عمودي النسب من العاقلة؛ فلا خلاف فيه.
فإن قيل: ظاهر كلام الخرقي أن في الأعمام روايتين؛ كالولد 1. قيل: قد صرح غيره من الأصحاب بأن العمومة من العصبة بكل حال.
وقال صاحب المغني فيه: لا أعلم غيره خلافاً.
وأما كون عمودي النسب وهم الآباء والأبناء ليسا من العاقلة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة قال: «اقتتلتِ امرأتان من هذيل فرمتْ إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها.
فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتِها وورثها ولدها ومن معهم» 2 متفق عليه.
وفي روايةٍ: «فجعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ميراثها لبنتها، والعقلُ على العصبة» 3. رواه أبو داود والنسائي.

وإذا ثبت هذا في الولد وجب أن يثبت في الوالد؛ لأنه في معناه.
وأما كونهما من العاقلة على روايةٍ؛ فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن عقلَ المرأةِ بين عصبتها من كانوا لا يَرِثُونَ منها إلا ما فضل عن ورثتِها، وإن قُتلتْ فعقلُها بين ورَثتِها» 1. رواه أبو داود.
ولأنهم عصبة.
أشبهوا الإخوة.
يحققه أن العقل موضوع على التناصر.
وهم من أهله.
ولأن العصبة في تحمل العقل لهم في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، وآباؤه وأبناؤه أحق العصبات بميراثه.
فكانوا أولى بحمل عقله.
وأما كون قريب العصبات وبعيدهم من العاقلة؛ فلعموم ما تقدم.
ولأن العبد عصبة يرث المال إذا لم يكن وارث أقرب منه.
فوجب أن يدخل في العاقلة؛ كالقريب.
وأما كون عصبات الإنسان من الولاء من العاقلة؛ فلأن الولاء لحمة كلحمة النسب.
قال: (وليس على فقير ولا صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ولا خنثى مشكل ولا رقيق ولا مخالف لدين الجاني حمل شيء.
وعنه: أن الفقير يحمل من العقل، ويحمل الغائب كما يحمل الحاضر).
أما كون الفقير ليس عليه حمل شيء مما يجب على العاقلة على المذهب؛ فلأن حمل العقل مواساة.
فلا يلزم الفقير؛ كالزكاة.
ولأنه وجب على العاقلة تخفيفاً عن القاتل.
فلا يجوز التثقيل به على من لا جناية منه، وفي إيجابه على الفقير تثقيل وتكليف لما لا يقدر عليه.
وأما كونه يحمل من العقل على روايةٍ؛ فلأنه من أهل النصرة.
أشبه الغني.

وأما كون الصبي وزائل العقل ليس عليه شيء من العَقْل؛ فلأن الحمل للتناصر، ومن ذكر ليس من أهله.
وأما كون المرأة ليس عليها حمل شيء من ذلك؛ فلما ذكر في الصبي.
وأما كون الخنثى المشكل ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلاحتمال كونه امرأة.
وأما كون الرقيق ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلأنه أسوأ حالاً من الفقير.
فإذا لم يحمل الفقير عقلاً فلئلا يحمل الرقيق ذلك بطريق الأولى.
وأما كون المخالف لدين الجاني ليس عليه حمل شيء من ذلك؛ فلما تقدم من أن حملها للنصرة، ولا نصرة لمخالف له في دينه.
وأما كون الغائب يحمل كما يحمل الحاضر؛ فلأنهما سواء في التعصيب والإرث.
فوجب استواؤهما في حمل العقل؛ لأن الاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم.
قال: (وخطأ الإمام والحاكم في أحكامه في بيت المال.
وعنه: على عاقلته).
أما كون الخطأ المذكور في بيت المال على المذهب؛ فلأن الخطأ ممن ذكر يكُن في أحكامه واجتهاده.
فإيجاب العقل على عاقلته تجحف بهم.
ولأنه نائب عن الله تعالى في أحكامه وأفعاله.
فكان أرش جنايته في مال الله.
وأما كونه على عاقلته على روايةٍ؛ فلما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه بعثَ إلى امرأة ذُكرت بسوءٍ.
فأجهضتْ جنينَها.
فقال عمر لعلي رضي الله عنهما: عزمتُ عليكَ أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك» 1. ولأنه جان.
فكان خطؤه على عاقلته؛ كغيره.
قال: (وهل يتعاقل أهل الذمة على روايتين).
أما كون أهل الذمة يتعاقلون على روايةٍ؛ فلأنهم أهل النصرة لبعضهم بعضاً.
أشبهوا المسلمين.

وأما كونهم لا يتعاقلون على روايةٍ؛ فلأن مقتضى الدليل أن الدية تجب على الجاني 1، وإنما أوجبها الشرع على العاقلة تخفيفاً، والذمي ليس كالمسلم في مشروعية التخفيف.
فوجب أن لا ينتقل الحمل عنه إلى العاقلة.
عملاً بمقتضى الدليل السالم عن المعارض الحاصل من مشروعية التخفيف عن المسلم.
قال: (ولا يعقل ذمي عن حربي، ولا حربي عن ذمي).
أما كون الذمي لا يعقل عن حربي؛ فلأنه لا تناصر بينهما.
وأما كون الحربي لا يعقل عن ذمي؛ فلما ذكر.
ولأن الحربي لا حكم لنا 2 عليه.
فلا معنى للحكم بالعقل عليه.
قال: (ومن لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمّل الجميع.
فالدية أو باقيها عليه إن كان ذمياً، وإن كان مسلماً أخذ من بيت المال.
فإن لم يكن فلا شيء على القاتل.
ويحتمل أن تجب في مال القاتل وهو أولى كما قالوا في المرتد يجب أرش خطئه في ماله.
ولو رمى وهو مسلم فلم يصب السهم حتى ارتد كان عليه في ماله.
ولو رمى الكافر سهماً ثم أسلم ثم قتل السهم إنساناً فديته في ماله.
ولو جنى ابن المعتقة ثم انجر ولاؤه ثم سرت جنايته فأرش الجناية في ماله لتعذر حمل العاقلة فكذا هذا).
أما كون من لا عاقلة له أو لم تكن له عاقلة تحمّل الجميع.
تكون 3 الدية أو باقيها عليه إذا كان ذمياً؛ فلأنه ليس له أحد يحمل عنه؛ لأنه لا عاقلة له.
وبيت المال لا يحمل عنه؛ لأن المسلمين لا يرثونه.
وأما كون ذلك يؤخذ من بيت المال إذا كان مسلماً؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري المقتول في خيبر من إبل الصدقة» 4.

و «لأن رجلاً قُتلَ في زحامٍ في زمنِ عمرَ رضي الله عنه فلم يُعرف قاتله.
فقال علي رضي الله عنه لعمر: يا أميرَ المؤمنين! لا تطل دم امرئٍ مسلم.
فأدّى ديته من بيت المال» 1. ولأن المسلمين يرثون من لا وارث له.
فَيَعْقِلُون عنه عند عدم عاقلته؛ كعصبته ومواليه.
وعن الإمام أحمد: لا يؤخذ من بيت المال شيء؛ لأن بيت المال فيه حق للنساء والصبيان والمجانين ومن لا عقل عليه.
فلم يجز صرفه فيما لا يجب عليهم.
ولأن العقل على العصبات وليس بيت المال عصبة ولا هو كعصبة.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني تصحيح هذه الرواية؛ لأنه ذكر أدلة الأولى وأجاب عن إرث المسلمين بالمنع.
وأن صرف المال إلى بيت المال إنما هو على أنه فيء، ولهذا يؤخذ من مال من لا وارث له من 2 أهل الذمة.
وأما كون القاتل لا شيء عليه على المذهب إذا لم يمكن الأخذ من بيت المال؛ فلأن الدية لزمت العاقلة ابتداء.
بدليل أنه لا يطالب بها غيرهم ولا يعتبر رضاهم.
فلم يجب على القاتل؛ لأنه غير من وجبت عليه.
وأما كونه يحتمل أن تجب في مال القاتل؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿وديةٌ مسلمةٌ إلى أهله﴾ [النساء: 92].
ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني جبراً للمحل الذي فوّته، وإنما سقط عنه لقيام العاقلة أو بيت المال مقامه في الجبر.
فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدليل.
ولأن الأمر دائر بين أن يبطل 3 دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف.
والأول لا يجوز لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة وقياس أصول الشريعة فتعين الثاني.
ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية على القاتل خطأ له نظائر، وذلك في الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله:

أولها: المرتد لما لم تكن له عاقلة وجبت دية خطئه في ماله.
وثانيها: المسلم إذا رمى سهماً ثم ارتد ثم وقع السهم في المجني عليه تجب الدية في مال الرامي.
وثالثها: الكافر إذا رمى سهماً ثم أسلم ثم وقع السهم في المجني عليه.
ورابعها: إذا رمى من عليه ولاء لموالي أمه فانجر ولاؤه إلى موالي أبيه ثم وقع سهمه في شخص فالدية في ماله.
وأما كون ذلك أولى؛ فلأن اعتبار ما له نظير أولى من اعتبار ما لا نظير له، ولا يلزم من عدم وجوب الدية [على العاقلة إهدار دماء الأحرار في الغالب؛ لأنه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية] 1 كلها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدماء، وتفوت الحكمة في إيجاب الدية.
فعلى هذا تجب الدية على القاتل 2 بكمالها إن لم تكن عاقلة، وباقيها إن حملت العاقلة بعضها.

فصل [فيما لا تحمله العاقلة] قال المصنف رحمه الله: (ولا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما دون ثلث الدية.
ويكون ذلك في مال الجاني حالاًّ؛ إلا غرة الجنين إذا مات مع أمه فإن العاقلة تحملها مع دية أمه.
وإن ماتا منفردين لا تحملها العاقلة لنقصها عن الثلث).
أما كون العاقلة لا تحمل العمد؛ فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تحملُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا» 1. وروي عن ابن عباس موقوفًا عليه 2. ولم يعرف له مخالف فكان إجماعاً.
ولأن ذلك يتحمله القاتل وقد تقدم دليله في قول المصنف رحمه الله: فإن 3 كان عمداً محضاً ففي مال الجاني 4. فلم تتحملها العاقلة؛ لأن ذلك المتلف لا يتكرر تحمله.
وأما كونها لا تحمل العبد؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن الواجب فيه قيمة تختلف باختلاف صفاته.
فلم تحمله العاقلة؛ كسائر القيم.
ولأنه حيوان لا تحمل العاقلة قيمة أطرافه.
فلم تحمل الواجب عنه؛ كالفرس.
وأما كونها لا تحمل الصلح.
وهو: أن يدعى عليه القتل فينكره ويصالح المدعي على مال؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن ذلك مال ثبت بمصالحته واعترافه.

ولأن ذلك لو حملته العاقلة لأدى إلى أن يصالح بمال غيره ويوجب عليه حقاً بقوله.
وأما كونها لا تحمل الاعتراف.
وهو: أن يقر الإنسان على نفسه بجناية خطأ أو شبه عمد؛ فلما تقدم من حديث ابن عباس.
ولأن ذلك لو وجب عليهم لوجب بإقرار غيرهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره.
ولأنه متهم في أن يواطِئ من يقر له بذلك ليأخذ الدية من العاقلة ثم يقاسمهم فيها.
وأما كونها لا تحمل ما دون الثلث؛ فلما روى عمر رضي الله عنه «أنه قضى في الديةِ أن لا يحملَ منها شيء حتى تبلغَ عقل المأمومة».
ولأن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته وبدل متلفه.
فكان عليه؛ كسائر المتلفات والجنايات.
تُرك العمل به في الثلث فصاعداً تخفيفاً عن الجاني لكونه كثيراً يجحف به بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والثلثُ كثير» 1. فيبقى فيما عداه على قضية الأصل.
وأما كون دية العمد، والجناية على عبد، وما ثبت بالصلح والاعتراف وما هو دون الثلث غير غرة الجنين إذا مات مع أمه: في مال الجاني؛ فلما تقدم غير مرة من أن مقتضى الأصل وجوب الجناية على الجاني.
تُرك العمل به فيما عدا ذلك لمعنى يختص به.
فيبقى فيما ذكر على مقتضى الأصل.
ولأن العمد والثابت بالاعتراف يلزم الجاني لما تقدم في موضعه 2. فكذا بقية الصور قياساً للبعض على البعض.
وأما كون ذلك حالاً؛ فلأنه بدل متلف.
فكان حالاًّ؛ كقيمة المتلف من المتاع.

وأما كون العاقلة تحمل غرة الجنين؛ فلما روى المغيرة بن شعبة؛ «أن 1 رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنينِ بغرة عبدٍ أو أمةٍ على عصبةِ العاقلة» 2. وأما كونها تحمل مع ذلك دية أمه؛ فلأن القتل خطأ والعاقلة تحمله.
وأما كونها لا تحمل غرة الجنين إذا ماتت الأم 3 منفردة ومات الجنين منفرداً؛ فلأن الواجب في ذلك غرة قيمتها خمس من الإبل، وذلك دون ثلث الدية، والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث؛ لما تقدم.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: لنقصها عن الثلث.
قال: (وتحمل جناية الخطإ على الحر إذا بلغت الثلث.
قال أبو بكر: ولا تحمل شبه العمد ويكون ذلك 4 في مال القاتل في ثلاث سنين.
وقال الخرقي: تحمله العاقلة).
أما كون العاقلة تحمل جناية الخطإ على الحر إذا بلغت الثلث؛ فلما تقدم من حديث أبي هريرة المذكور أول الباب في حمل العاقلة الدية 5. وفي تقييده بالخطأ والحر وبلوغ الثلث احتراز عن العمد والعبد وما دون الثلث.
وقد تقدم أن ذلك كله لا تحمله العاقلة 6. وأما كونها لا تحمل شبه العمد على قول أبي بكر؛ فلأنه فيه العمد من وجه.
فوجب إلحاقه به.
فإن قيل: وفيه الخطأ من وجه.
فلم لا يلحق به؟ قيل: لما كان فيه شبه من الخطأ والعمد ألحق بالعمد في كون الدية على القاتل وبالخطأ في كون ذلك مقسطاً في ثلاث سنين.
وأما كون ذلك يكون على القاتل في ثلاث سنين؛ فلما ذكر.

وأما كونها تحمله على قول الخرقي؛ فلما تقدم أول الباب في قوله: وإن كان شبه عمد.
قال: (وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم.
فيحمل كل إنسان منهم ما يسهل ولا يشق.
وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار وعلى المتوسط ربع دينار 1. وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أوْ لا؟ على وجهين).
أما كون ما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع ولم يرد منه فيه شيء.
وأما كونه يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ فلأنه لا نص فيه.
فوجب الرجوع في تقديره إلى اجتهاد الحاكم؛ كتقدير النفقات.
وأما كون الحاكم يحمل كل إنسان من العاقلة ما يسهلُ ولا يشق على المذهب؛ فلأن التحمل المذكور على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه.
فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به؛ كالزكاة.
ولأن الإجحاف لو كان مشروعاً كان الجاني أحق به؛ لأنه موجب جنايته وجزاء فعله.
فإذا لم يشرع في حقه ففي حق غيره أولى.
وأما كونه يجعل على الموسر نصف دينار على قول أبي بكر؛ فلأنه أقل شيء يجب في زكاة الذهب.
فكان معتبراً به في حقه.
وأما كونه يجعل على المتوسط ربع دينار على قوله أيضاً؛ فلأن 2 ما دونه تافه لكون اليد لا تقطع فيه.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني قول أبي بكر روايةً عن الإمام أحمد.
وأما كون ذلك يتكرر في الأحوال الثلاثة على وجه؛ فلأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة.
فوجب تكريره بتكرر الحول؛ كالزكاة.
وأما كونه لا يتكرر على وجه؛ فلأن في إيجاب ذلك زيادة على نصف دينار، وذلك إيجاب لزيادة على أقل الزكاة.
فيكون مضراً.

فعلى الأول يجب على الموسر من العاقلة دينار ونصف؛ لأن المقدر يتكرر في الأحوال الثلاثة، وعلى المتوسط ربع دينار لا غير كذلك.
قال: (ويبدأ بالأقرب فالأقرب.
فمتى اتسعت أموال الأقربين لها لم يتجاوزهم، وإلا انتقل إلى من يليهم.
فإن تساوى جماعة في القرب وُزّع القدر الذي يلزمهم بينهم).
أما كون الحاكم يبدأ بالأقرب فالأقرب مما ذكر؛ فلأنه يُبدأ به في الإرث.
فكذلك في العَقْل.
وأما كونه لا يتجاوز الأقربين إذا اتسعت أموالهم للدية؛ فلأنه حق يستحق بالتعصيب.
فلم يتجاوز الأقرب؛ كالإرث.
وأما كونه ينتقل إلى من يلي الأقربين [إذا لم تتسع أموالهم؛ فلأن الأقربين] 1 لو لم يكونوا موجودين لتعلقت الدية بمن يليهم.
فكذا إذا تحمل الأقربون ما وجب عليهم وبقيت بقية.
وأما كون القدر الذي يلزم الجماعة يوزع بينهم إذا تساووا في القرب؛ فلأنه لا مرجح لبعضهم على بعض.
فوجب التوزيع؛ كما لو كان الحق لهم.

فصل [في تأجيل الدية] قال المصنف رحمه الله: (وما تحمله 1 العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين في كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة.
وإن كان الواجب ثلث الدية كأرش الجائفة وجب في رأس الحول.
وإن كان نصفها كدية اليد وجب في رأس الحول الأول الثلث وباقيه في رأس الحول الثاني.
وإن كان دية امرأة أو كتابي فكذلك.
ويحتمل أن يقسم في ثلاث سنين.
وإن كان أكثر من دية كما لو جنى عليه فأذهب سمعه وبصره لم يزد في كل حول على الثلث).
أما كون ما تحمله العاقلة يجب مؤجلاً في ثلاث سنين في كل سنة ثلثه إن كان دية كاملة؛ فلما روي «أن عمرَ وعلياً جعلا ديةَ الخطأ على العاقلةِ في ثلاثِ سنين» 2. ولا يعرف لهما مخالف فكان إجماعًا.
ولأنه مال يجب على سبيل المواساة.
فلم يجب حالاًّ؛ كالزكاة.
وأما كونه يجب 3 في كل سنة ثلثه؛ فلأنه لا مرجح 4 لبعض السنين على بعض.
وأما كون ثلث الدية تجب في رأس الحول إذا كان الواجب كذلك كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأن ذلك قدر ما يجب عليه من الدية الكاملة في رأس الحول الأول.
فوجب أن يجب فيه القدر المذكور بالقياس عليه.
وأما كون الثلث من النصف المذكور يجب في رأس الحول؛ فلأنه قدر ما يجب من الدية الكاملة.
فوجب؛ لتساويهما في وقت الوجوب.

وأما كون الباقي يجب في رأس الحول الثاني؛ فلأن ذلك محِل القسط الثاني من الدية الكاملة.
فوجب أن يكون محِلاً لما ذكر.
وأما كون دية امرأة والكتابي كذلك.
أي يجب ثلثاها في رأس الحول الأول، وباقيها في رأس الحول الثاني على المذهب؛ فلأن الواجب فيهما نصف الدية.
أشبه دية اليد.
وأما كونه يحتمل أن يقسم ذلك في ثلاث سنين؛ فلأن ذلك دية نفس كاملة.
أشبه دية المسلم.
وأما كونه لا يزاد على الثلث في كل حول إذا [كان الواجب أكثر من دية كما مثّل المصنف رحمه الله؛ فلأنه وجب مواساة.
فلم يجب في كل حول] 1 أكثر من ثلث الدية؛ كالدية الواحدة.
قال: (وابتداء الحول في الجرح من حين الاندمال، وفي القتل من حين الموت.
وقال القاضي: إن لم يسر الجرح إلى شيء فحوله من حين القطع).
أما كون ابتداء الحول في الجرح الذي لا يسري من حين الاندمال على المذهب؛ فلأن الدية بدل عن 2 القصاص، والقصاص إنما يكون بعد الاندمال.
فكذلك بدله.
وأما كونه من حين القطع على قول القاضي؛ فلأنه لو عفى عند القطع على الدية وجبت.
فالقطع إذاً مآله إلى الوجوب.
فوجب أن يكون ابتداء الحول منه؛ كحالة الوجوب في القتل.
وأما كونه في الجرح الذي يسري من حين الاندمال؛ فلأنه قتل.
وأما كونه في القتل من حين الموت؛ فلأنه حالة الوجوب.

قال: (ومن مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه.
وإن مات بعد الحول لم يسقط ما عليه).
أما كون من مات من العاقلة قبل الحول أو افتقر سقط ما عليه؛ فلأنه مال يجب في آخر الحول على سبيل المواساة.
أشبه الزكاة.
وأما كون من مات بعد الحول لا يسقط ما عليه؛ فلأنه حق تدخله النيابة لا يملك إسقاطه في حياته.
أشبه الدين.
ولأنه وجب عليه لحولان الحول.
فلم يسقط؛ كالزكاة.
قال: (وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة.
وعنه: في الصبي العاقل أن عمده في ماله).
أما كون عمد الصبي والمجنون خطأ؛ فلأنهما لا يتحقق منهما كمال القصد.
فوجب أن يكون خطأ؛ كخطأ البالغ.
وأما كون ذلك تحمله العاقلة؛ فلأنه خطأ، والعاقلة تحمل الخطأ.
وأما كون عمد الصبي العاقل في ماله في روايةٍ؛ فلأن عقله يصحح عمده، والعاقلة لا تحمل العمد.
ولأنه 1 عاقل.
أشبه البالغ العاقل.

باب كفارة القتل

الأصل في كفارة 1 القتل الكتاب والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92]، وقوله تعالى: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ فَدِيةٌ مسلمةٌ إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة.
قال المصنف رحمه الله: (ومن قتل نفساً محرمة خطأ، أو ما أجري مجراه، أو شارك فيها، أو ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات: فعليه الكفارة.
مسلماً كان المقتول أو كافراً، حراً أو عبداً.
وسواء كان القاتل كبيراً عاقلاً أو صبياً أو مجنوناً.
حراً أو عبداً.
ويكفر العبد بالصيام.
وعنه: أن على المشتركين كفارة واحدة).
أما كون من قتل نفساً محرمة خطأ عليه الكفارة؛ فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿ومن قَتَل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
وأما كون من قتلها قتلاً أجري مجرى الخطأ عليه الكفارة؛ فلأن ما أجري مجرى الشيء يثبت فيه حكمه.
[ولأنه أجري مجراه في عدم القصاص.
فكذلك يجب أن يجرى مجراه في الكفارة] 2. وأما كون من شارك في قتلها عليه كفارة كاملة على المذهب؛ فلأن الكفارة موجَب قتل الآدمي.
فوجب تكميلها على كل واحد من الشركاء؛ كالقصاص.

وأما كون المشتركين عليهم كفارة واحدة على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ومَنْ تتناول الواحد والجماعة.
ولأن الدية لا تتعدد.
فكذلك الكفارة.
ولأنها كفارة قتل.
فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول؛ ككفارة الصيد الحرَمِيّ.
وأما كون من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً ثم مات عليه الكفارة؛ فلأنه قتل نفساً محرمة.
أشبه قتل الآدمي بالمباشرة.
وأما كون من عليه الكفارة بما ذكر تكون عليه مسلماً كان المقتول أو كافراً محرم القتل؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحريرُ رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ولأن الكافر آدمي مقتول ظلماً.
فوجبت الكفارة بقتله؛ كالمسلم.
فإن قيل: ليس في كلام المصنف رحمه الله هنا أن الكافر محرم القتل.
قيل: صدر المسألة فيه: ومن قتل نفساً محرمة فليلحظ ذلك في الكافر.
وأما كونه عليه الكفارة حراً كان المقتول أو عبداً؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92].
ولأن العبد يجب بقتله القصاص في الجملة.
فوجب أن يجب بقتله الكفارة؛ كالحر.
ولأنه 1 مؤمن.
أشبه الحر.
وأما كونه عليه الكفارة كبيراً كان أو صغيراً 2 عاقلاً كان أو مجنوناً؛ فلأن الكفارة حقٌّ مالي يتعلق بالقتل.
فتعلقت بالكبير العاقل وبالصبي والمجنون؛ كالدية.
فإن قيل: كفارة اليمين لا تجب في أموالهما.
[فكذا كفارة القتل لا تجب في أموالهما.

قيل: كفارة اليمين تتعلق بالقول ولا قول لهما] 1، وكفارة القتل تتعلق بالفعل.
وفعلهما متحقق.
ولأن الفعل قد يتعلق به ما لا يتعلق بالقول.
بدليل أن العتق بإحبالهما دون إعتاقهما بقولهما.
وأما كونه عليه الكفارة حراً كان أو عبداً؛ فلدخولهما في الآية.
ولأن العبد تجب عليه كفارة اليمين.
فكذا تجب عليه كفارة القتل.
فعلى هذا يكفر بالصيام؛ لأنه لا مال له.
قال: (وأما القتل المباح كالقصاص والحد وقتل الباغي والصائل فلا كفارة فيه).
أما كون القتل المذكور لا كفارة فيه؛ فلأنه قتل مأذون فيه، والكفارة لا تجب لمحو المأذون فيه.
فإن قيل: لو وجبت الكفارة للمحو لما وجبت في الخطأ.
قيل: الخطأ لا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ لأنه كفعل المجنون والبهيمة.
لكن النفس الذاهبة به معصومة محرمة فلذلك وجبت الكفارة فيها.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالقصاص... إلى آخره؛ فبيان لمواضع لا كفارة فيها.
قال: (وفي قتل العمد وشبه العمد روايتان: إحداهما: لا كفارة فيه.
اختارها أبو بكر والقاضي، والأخرى: فيه الكفارة).
أما كون قتل العمد لا كفارة فيه على روايةٍ اختارها أبو بكر والقاضي؛ فلأنه فعل يوجب القتل.
فلا يوجب الكفارة؛ كزنا المحصن.
وأما كونه فيه الكفارة على روايةٍ؛ فلما روى واثلة بن الأسقع قال: «أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بصاحبٍ لنا قد أوجبَ بالقتل.
فقال: أعتقوا عنهُ رقبةً يُعتقِ اللهُ بكلِ عضوٍ منها عضواً من النار» 2.

ولأن الكفارة إذا وجبت في قتل الخطأ فلأن تجب في قتل العمد بطريق الأولى.
والأولى هي المشهورة في المذهب لأن الله تعالى ذكر القتل خطأ وأوجب فيه الكفارة.
ثم ذكر قتل العمد ولم يوجب فيه كفارة، وذلك يدل على عدم الوجوب.
وروي «أن سويدَ بن الصامت قتلَ رجلاً.
فأوجبَ النبي صلى الله عليه وسلم القودَ ولم يوجب كفارة».
وروي «أن عمرو بن أمية الضمري قتلَ رجلين كانا في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم فوداهُما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بكفارة».
وأما حديث واثلة فيحتمل أنه كان خطأ وسماه موجباً؛ لأنه فوّت النفس بالقتل، ويحتمل أنه كان شبه العمد، ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعاً.
وأما شبه العمد فذكر المصنف رحمه الله فيه هنا روايتين.
وقال 1 في المغني: تجب فيه الكفارة ثم قال: ولا أعلم لأصحابنا فيه قولاً.
لكن مقتضى الدليل ما ذكرنا؛ لأنه أجري مجرى الخطإ في نفس القصاص، وحمل العاقلة ديته، وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة.
ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئاً من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة تحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شيء أصلاً ولم يرد الشرع بهذا.
إذا علم مجموع كلام المصنف رحمه الله هنا وفي المغني اقتضى أمرين: أحدهما: أن حكاية الروايتين في شبه العمد وقعت هنا سهواً.
وثانيهما 2: أن القول بالوجوب فيه مأخوذ من الدلالة لا من النقل.
وفيه نظر لأن المسألة منقولة في المستوعب وفي غيره من كتب الأصحاب.
لكن المصنف رحمه الله احترز عن ذلك حيث قال: لا أعلم فإن ذلك نفي لعلمه لا لوجود

المسألة.
على أن نفي علمه يدل على نفي الوجود؛ لأنه إمام حبر ربما خفي ذلك عليه وقت ذكر ذلك، وقال 1: لا أعلم عجلة لا نكرا.

باب القسامة

والأصل في القسامة ما روي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج «أن مُحيّصة بن مسعود وعبدالله بن سهل انطلقا إلى خيبر.
فتفرقا في النخيل.
فقُتل عبدالله بن سهل.
فاتهموا اليهود.
فجاءَ أخوه عبدالرحمن وابنا عمه حويصةَ ومحيصةَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فتكلم عبدالرحمن في أمر أخيه وهو أصغرُهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كبّر كبّر.
فتكلما في أمر صاحبهما.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُقسم خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفع إليكم برمّته.
فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهودُ بأيمان خمسين منهم.
قالوا: يا رسول الله! قومٌ كفارٌ ضلال.
قال: فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَلِه» 1 متفق عليه.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: الأيمان المكررة في دعوى القتل.
ولا تثبت إلا بشروط أربعة: أحدها: دعوى القتل.
ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً.
فأما الجراح فلا قسامة فيه).
أما قول المصنف رحمه الله: وهي الأيمان المكررة 2 في دعوى 3 القتل؛ فبيان لمعنى القسامة شرعاً.
قال القاضي: الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة هي القسامة.
وفي اللغة: هي القوم الذين يحلفون.
سُموا باسم المصدر، وذلك أن القسامة مصدر أقسم قسامة وقسماً.
والمصدر قد يسمى به ومنه رجل عدل ورضي.

وأما كون القسامة لا تثبت إلا بشروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره في كل واحد منها.
وأما كون أحد الشروط دعوى القتل؛ فلأن الأصل فيها حديث محيصة وحويصة، وذلك فيه دعوى القتل.
ولأن كل حق لآدمي لا يثبت لشخص إلا بعد دعواه أنه له، والقتل من الحقوق.
فوجب أن يندرج تحت ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: ذكراً كان المقتول أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو ذمياً فراجع إلى أصل القسامة ليعلم أن القسامة تجري في ذلك كله: أما كونها تجري في الذكر؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في الأنثى؛ فلأن القصاص يجري فيها.
فشرعت القسامة فيها؛ كالذكر.
وأما كونها تجري في الحر والمسلم؛ فلما تقدم من الحديث.
وأما كونها تجري في العبد والذمي؛ فلأن قتل العبد والذمي يوجب القصاص في المماثل له.
فأوجب القسامة في ذلك؛ كالحر والمسلم.
فإن قيل: ظاهر إطلاق المصنف رحمه الله القسامة في قتل العبد والذمي من غير تقييد بكون المدعى عليه القتل مماثلاً أو غير مماثل يدل على القسامة مطلقاً.
قيل: قال في المغني: إن كان مماثلاً له شرعت القسامة وقد تقدم دليله، وإن كان غير مماثل 1 له فلا قسامة [فيه في ظاهر كلام الخرقي؛ لأن القسامة تكون فيما يوجب القود.
وقال القاضي: تشرع القسامة] 2؛ لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة.
فشرعت القسامة فيه؛ كقتل الحر المسلم.
ولأن ما كان حجة في قتل [الحر المسلم كان حجة في قتل] 3 العبد والذمي؛ كالبينة.
ثم قال: على الوجه الصحيح الأول.

ولنا أنه قتل لا يوجب القصاص.
[أشبه البهيمة.
ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص] 1 شرعها مع عدمه.
بدليل أن العبد لو اتهم بقتل سيده شرعت القسامة إذا كان 2 القتل موجباً للقصاص، ولم يشرع إذا لم يكن كذلك.
وأما كون الجراح لا قسامة فيها 3؛ فلأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها.
فاختصت؛ كالكفارة.
ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه 4 التعبير عن نفسه ولا عن قاتله، وهذا مفقود في الجراح.
قال: (الثاني: اللَّوْث.
وهو: العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظاهر المذهب.
وعنه: ما يدل على أنه ما يغلب على الظن صحة الدعوى كتفرق 5 جماعة عن قتيل، ووجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم وشهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان ونحو ذلك.
فأما 6 قول القتيل: فلان قتلني فليس بلوث).
أما كون الثاني من شروط القسامة: اللَّوْث؛ فلأن الحديث الدال على مشروعية القسامة حديث حويصة ومحيصة، واللوث فيه موجود.
فوجب أن لا يتعدى إلى من لا لوث فيه.
وأما كون اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه القتل؛ كما بيْن الأنصار ويهود خيبر، وبين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين أهل البغي والعدل، وما بين الشرطة واللصوص؛ فلأن مقتضى الدليل أن لا تشرع القسامة.
تُرك العمل به في العداوة الظاهرة لقصة

حويصة ومحيصة.
إذ العداوة [بين الأنصار وأهل خيبر ظاهرة.
فوجب أن يبقى عدم مشروعيتها في غير العداوة] 1 الظاهرة على مقتضى الدليل.
وأما كون اللوث ما يغلب على الظن صحة الدعوى على روايةٍ؛ فلأن غلبة الظن مُنزّلة مَنزلة العلم في كثير من المواضع.
فلأن تنزل منزلة العداوة الظاهرة بطريق الأولى.
وأما قول المصنف رحمه الله: كتفرق 2 جماعة عن قتيل منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن كون القاتل أحدهم أو كلهم.
وأما كون وجود قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن كون من معه السيف المذكور هو القاتل.
وأما كون شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان وما أشبه ذلك منها؛ فلأن ذلك مما يغلب على الظن صدق المدعي.
وأما كون 3 قول القتيل: فلان قتلني ليس بلوث؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهُم 4 لادّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالهم» 5. ولأنه ادعى حقاً لنفسه.
فلم يقبل قوله فيه؛ كسائر الحقوق.
ولأن اللوث: إما العداوة الظاهرة، أو غلبة الظن بصحة الدعوى.
ولم يوجد واحد منهما في قول القتيل: فلان قتلني.
بل الحاصل من قوله غلبة الظن بعدم صحة الدعوى؛ لما في قوله من التهمة.

قال: (ومتى ادعى القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي: لا يحكم له بيمين ولا غيرها، وعن أحمد: أنه يحلف يميناً واحدة.
وهي الأولى.
وإن كان خطأ حلف يميناً واحدة).
أما كون المدعي لما ذُكر مع ما ذكر لا يحكم له بيمين على قول الخرقي؛ فلأن المدعى به مما لا يجوز بذله.
فلم يجب فيه يمين؛ كالحدود.
[ولأنه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول.
فلم يستحلف فيها؛ كالحدود] 1. وأما كونه لا يحكم له بغير اليمين؛ فلأن من شروط القسامة المرتب عليها القتل أو الدية وجود اللوث، وهو منتف هاهنا.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني ما ذكره الخرقي رواية.
وأما كون المدعى عليه يحلف على ما روي عن الإمام أحمد؛ فلعموم قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» 2. [وأما كون اليمين واحدة؛ فلأن قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه»] 3: ظاهر في أنها يمين واحدة.
وذلك من وجهين: أحدهما: أنه وحد اليمين.
فتنصرف إلى واحدة.
وثانيهما: أنه لم يفرق في اليمين المشروعة.
فيدل على التسوية بين المشروعة في الدم والمال.
ولأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل.
فلم تغلظ؛ كسائر الأيمان.
وأما كون الأولى ذلك؛ فلأن قوله عليه السلام: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم 4 لادّعَى قومٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم»، و «لكن اليمينَ على المدَّعَى عليه»: ظاهر في إيجاب اليمين لوجهين: أحدهما: عموم اللفظ فيه.

والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله: «لادّعى قومٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم».
ثم عقبه بقوله: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» فيعود إلى المذكور في الحديث ولا يجوز إخراجه منه إلا بدليل أقوى منه.
ولأنها دعوى في حق الآدمي.
فيستحلف فيها؛ كدعوى المال.
ولأنها 1 لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها.
فيجب اليمين فيها؛ كالأصل.
وأما كونه يحلف يميناً واحدة 2 إذا كان خطأ؛ فلأن النكول هنا يُقضى به؛ لأن موجبه مال.
بخلاف القصاص.
قال: (الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى.
فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة).
أما كون الثالث من شروط القسامة اتفاق جميع الأولياء على 3 الدعوى؛ فلأنه دعوى قتل.
فاشترط اتفاق جميع الأولياء في الدعوى فيها 4؛ كالقصاص في غير القسامة.
وأما كونها لا تثبت إذا ادعى بعض الأولياء وأنكر بعض؛ فلأن شرطها اتفاق جميع الأولياء لما تقدم، ولم يوجد.
ولأن الإنكار أبلغ من عدم الدعوى.
فإذا لم تثبت إلا مع اتفاق الجميع فيها.
فلئلا تثبت مع إنكار البعض بطريق الأولى.
قال: (الرابع: أن يكون في المدعين رجال عقلاء.
ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل أو خطأ).
أما كون الرابع من شروط القسامة أن يكون في المدعين رجال؛ فلأن الدال عليها حديث خيبر، [وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقسمُ خمسون رجلاً منكم» 5] 6.

ولأن أيمان 1 القسامة حجة يثبت بها قتل العمد.
فاعتبر كونها من رجال؛ كالشهادة.
وأما كون النساء لا مدخل لهم في القسامة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر النساء في الحديث المتقدم.
ولأن القسامة حجة موجبها القتل.
فلم تسمع من النساء؛ كالشهادة.
ولأن الجناية المدّعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل، ولا مدخل للنساء في إثباته.
وأما كون الصبيان والمجانين لا مدخل لهم فيها؛ فلأن الأيمان في القسامة حجة للحالف، والصبي والمجنون لا يثبت بقولهما حجة، ولو أقرا على أنفسهما لم يقبل.
فلئلا يقبل قولهما في حق غيرهما بطريق الأولى.
وأما كونهم لا مدخل لهم فيها عمداً كان القتل أو خطأ؛ فلأن الخطأ أحد القتلين.
أشبه الآخر.
فإن قيل: الخطأ يثبت المال، وللنساء في ثبوت المال مدخل.
قيل: المال يثبت ضمناً لثبوت القتل، ومثل ذلك لا يثبت بالنساء.
دليله ما لو ادعى رجل زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فأقام رجلاً وامرأتين فإنه لا يقبل لكون المال إنما يثبت ضمناً لثبوت النكاح.
فكذا هاهنا يجب أن لا يكون للنساء مدخل في القسامة في الخطأ؛ لأن المال إنما يثبت ضمناً لثبوت القتل.
قال: (فإن كانا اثنين أحدهما غائب أو غير مكلف فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية.
وهل يحلف خمسين يميناً أو خمساً وعشرين؟ على وجهين.
وإذا قدم الغائب أو بلغ الصبي حلف خمساً وعشرين وله بقيتها).
أما كون الحاضر له أن يحلف ويستحق نصيبه من الدية؛ فلأن القسامة حق له ولغيره.
فغيبة صاحبه لا تمنعه من حلفه واستحقاق نصيبه؛ كالمال المشترك بين الاثنين.

وأما كونه يحلف خمسين يميناً على وجهٍ؛ فلأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة، ولذلك لو ادعى أحدهما دَيناً لأبيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه.
ولأن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالاً له شركة له به شاهد يحلف يميناً كاملة.
كذلك هذا.
وأما كونه يحلف خمساً وعشرين على وجه؛ فلأن الجميع لو كانوا حضوراً لم يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان.
[فكذا إذا غاب بعضهم؛ كما في سائر الحقوق.
ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية.
فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان] 1. وأما كون الغائب إذا حضر والصبي إذا بلغ يحلف خمساً وعشرين يميناً؛ فلأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة.
وأما كون من حلف منهما له بقية الدية؛ فلأن ذلك موجَب أيمانه.
قال: (وذكر الخرقي من شروط القسامة: أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على واحد.
وقال غيره: ليس بشرط، لكن إن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إلا على واحد معين ويستحقون دمه، وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين ويستحقون الدية).
أما كون القسامة من شروطها: أن تكون الدعوى عمداً توجب القصاص إذا ثبت القتل، وأن تكون الدعوى على ما ذكر الخرقي: أما كون الدعوى عمداً؛ فلأن اللوث من شروط القسامة وفاقاً على ما مر من الخلاف، ولا يتحقق إلا في العمد؛ لأن الخطأ يصدر من غير قصد.
فيستوي فيه العدو وغيره، وإذا كان كذلك صار الخطأ في المعنى كالعمد الذي لا لوث فيه ولا قسامة فيه.
فكذا ما هو في معناه.

وأما كون العمد يوجب القصاص إذا ثبت القتل؛ فلأن الغرض من القسامة في العمد القصاص.
فإذا لم تكن موجبة له كدعوى قتل المسلم الكافر لم يوجد الغرض المذكور.
وأما كون الدعوى على واحد؛ فلأن المثبت للقسامة الحديث المتقدم وفيه: «يحلفُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفعُ برمّتِه» 1. وأما كون العمد ليس من شروط القسامة على قول غيره؛ فلأن القسامة حجة.
فوجب أن يثبت بها الخطأ كالعمد قياساً على البينة.
والجامع بينهما كون كل واحدة منهما مثبتة للحق.
فعلى هذا إن كانت الدعوى عمداً محضاً لم يقسموا إلا على واحد معيّن ويستحقون دمه؛ لأن في حديث سهل: «يحلفُ خمسونَ منكم على رجلٍ منهم فيدفعُ برمَّتِه».
وإن كانت خطأ أو شبه عمد فلهم القسامة على جماعة معينين؛ لأن موجبها المال.
فصحت على الجماعة؛ كاليمين على المال.
ويستحقون الدية على المدعى عليهم؛ لأن ذلك موجب القسامة من قتل الخطأ وشبه العمد.

فصل [في كيفية القسامة] قال المصنف رحمه الله: (ويُبدأ في القسامة بأيمان المدعين.
فيحلفون خمسين يميناً.
ويختص ذلك بالوارث.
فتقسم الأيمان بين الرجال منهم على قدر ميراثهم.
فإن كان الوارث واحداً حلفها، وإن كانوا جماعة قسمت عليهم على قدر ميراثهم.
فإن كان فيها كسر جبر عليهم؛ مثل: زوج وابن يحلف الزوج ثلاث عشرة يميناً والابن ثمانية 1 وثلاثين.
وإن خلف ثلاثة بنين حلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً.
وعنه: يحلف من العصبة الوارث منهم وغير الوارث خمسون رجلاً على كل واحد منهم يميناً).
أما كون القسامة يُبدأ فيها بأيمان المدعين؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمانهم في حديث سهل بن أبي حثمة فقال لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: «يحلفُ خمسونَ منكم فقالوا: أمرٌ لم نشهده كيفَ نحلف؟ قال: فتبرئكمْ يهودُ بأيمان خمسينَ منهم» 2. فإن قيل: يرد على ذلك أمران: أحدهما: الكلام في حديث سهل بما روى أبو داود بإسناده أن محمد بن إبراهيم قال: «وايمُ الله! ما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم احلفوا على ما لا علمَ لكم به ولكنه كتبَ إلى يهودَ حين كلمه الأنصار فكتبوا يحلفونَ بالله ما قتلوهُ ولا يعلمونَ له قاتلاً» 3. وثانيهما: أنه ينبغي أن يبدأ بأيمان المدعى عليهم لأمور:

أحدها: قوله عليه السلام: «ولكن اليمين على المدعى عليه» 1. رواه مسلم.
وثانيها 2: ما روي عن سليمان بن يسار عن رجالٍ من الأنصار «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهودَ وبدأَ بهم: يحلفُ منكم خمسونَ رجلاً فأبَوْا.
فقال للأنصار: احلفُوا واستحقُّوا.
قالوا: نحلفُ على الغيبِ يا رسول الله! [فجعلَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم] 3 على اليهود؛ لأنه وُجدَ بين أظهُرهم (4») 5. رواه أبو داود.
وثالثها: أن اليمين في القسامة يمين في دعوى.
فكانت كسائر الدعاوي.
قيل: أما الكلام في حديث سهل فلا يصح لوجوه: أحدها: أنه نفي فلا يرد به قول المثبت 6. وثانيها: أن سهلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهَدَ القصة وعرفها حتى أنه قال: «ركضتني 7 ناقةٌ من تلكَ الإبل» 8. وغيره لم يره، وما ذكر عن أحد ولا حضر القصة، وإنما يقول برأيه 9 وظنه.
وثالثها: أن حديث سهل مخرج في الصحيحين متفق عليه، وحديث محمد بن إبراهيم ليس كذلك.4

وأما قوله عليه السلام: «ولكن اليمينَ على المدَّعَى عليه» 1: فالمراد به غير هذه القصة لأن أوله يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم.
ثم لو قدر دلالته على هذه القضية 2 فهي دلالة من جهة العموم، وحديث سهل يدل بجهة الخصوص، والخاص يقدم على العام.
على أنه قد روي: «البينةُ على المدعي واليمينُ على من أنكرَ إلا في القسامة» 3، وذلك زيادة من عدل.
فوجب قبولها.
وأما حديث سليمان بن يسار فلا يصلح معارضاً لحديث سهل؛ لأنه عزاه إلى رجال من الأنصار ولم يذكر لهم صحبة ثم هو مخالف لحديث سهل من وجه آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية على اليهود.
وأما قياس يمين القسامة على سائر الدعاوي فلا يصح؛ لأنها خالفت ذلك في أشياء.
على أن من الدعاوي ما يبدأ فيه بيمين المدعي كأيمان اللعان.
فوجب إلحاق أيمان القسامة به؛ لأن بينهما اشتراكاً خاصاً هو تكرر الأيمان فيهما 4. وأما كون المدعين يحلفون خمسين يميناً؛ فلما تقدم من الأحاديث الصحيحة؛ كحديث سهل وغيره.
ولأن الإجماع منعقد على ذلك.
وأما كون ذلك يختص بالوارث على المذهب؛ فلأن أيمان القسامة أيمان في دعوى.
فلم تشرع في حق غير الوارث؛ كسائر الأيمان.
وأما كون الأيمان تقسم بين الرجال منهم؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطب بذلك الرجال.
وأما كونه 5 يقسم بينهم على قدر ميراثهم؛ فلأن موجَبها إذا كان الدية يُقَسّم كذلك.
فكذلك يجب أن 6 تقسم هي.

وأما كون الوارث إذا كان واحداً يحلفها كلها؛ فلأنه قائم مقام الجماعة في استحقاق الدية.
فكذلك يجب أن يقوم مقامهم في الأيمان.
وأما كونهم إذا كانوا جماعة تقسم بينهم على قدر ميراثهم؛ فلما تقدم.
وأما كون الأيمان تجبر إذا كان فيها كسر كما مثّل المصنف رحمه الله من الزوج والابن؛ فلأن تكميل الخمسين واجب، ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حلف بعض دون بعض.
فوجب تكميل اليمين المكسورة؛ لتحصل الخمسون الواجبة.
وأما كون الجبر في حق 1 كل واحد؛ فلأنه لا مزية لأحد على أحد.
وأما كون الزوج يحلف من الخمسين ثلاثة عشر يميناً؛ لأن له الربع فيكون عليه ربع الأيمان وهو اثني عشر ونصف.
ثم يكمل ذلك بنصف لما تقدم.
فيصير ثلاثة عشرة.
وأما كون الابن يحلف ثمانية 2 وثلاثين؛ فلأن عليه سبعاً وثلاثين يميناً ونصف.
ثم يكمل ذلك بنصف فيصير ثمانياً وثلاثين.
وأما كون من خلّف ثلاثة بنين يحلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً؛ فلأن [على كل ابن ثلث الأيمان ستة عشر يميناً وثلثين ثم يكمل ذلك بثلث يمين فيصير] 3 على كل واحد سبع عشرة 4. وأما كون غير الوارث من العصبة يحلف كل واحدٍ منهم خمسون رجلاً على رواية؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: «يحلفُ خمسونَ منكم» 5 مع علمه أنه لم يكن لعبدالله بن سهل منهم خمسون رجلاً وارثاً؛ لأنه لا يرثه إلا أخوه أو من هو في درجته أو أقرب منه نسباً.
ولأنه خاطب بذلك ابني عمه وهما غير وارثين.

قال: (فإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ.
وإن لم يحلف المدعون ولم 1 يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال).
أما كون المدعى عليه يحلف خمسين يميناً ويبرأ إذا لم يحلف المدعون؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث سهل: «فتبرئكم يهودُ بأيمان خمسينَ منهم» 2. أي 3 يبرؤون منكم بذلك.
وفي لفظ قال: «فيحلفونَ خمسينَ يميناً ويبرؤونَ من دمه» 4. وعن الإمام أحمد: يحلفون ويغرمون الدية «لأن عمر رضي الله عنه قضى بالديةِ مع اليمين».
والأول أولى؛ لما ذكر.
ولأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغرم اليهود الدية.
ولأن أيمان القسامة أيمان مشروعة في حق المدعى عليه.
فوجب أن يبرأ بها 5 المدعى عليه؛ كسائر الأيمان.
وأما قضاء عمر رضي الله عنه فإنما قضى به على أهل المحلة، وليس ذلك مذهباً لأحمد.
وأما كون الإمام يفديه من بيت المال إذا لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه؛ فـ «لأن أولياءَ عبدالله بن سهل لم يحلفوا ولم يرضوا بأيمانَ اليهود.
فوداهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمائةٍ من إبلِ الصدقة» 6 متفق عليه.
فإن قيل: فقد جاء أنه وداه من عنده.
قيل: يحمل ذلك على ما تقدم؛ لأن إبل الصدقة عنده.
بخلاف العكس.

قال: (فإن طلبوا أيمانهم فنكلوا لم يحبسوا.
وهل تلزمهم الدية، أو تكون في بيت المال؟ على روايتين).
أما كون المدعى عليهم لا يحبسون إذا نكلوا عن اليمين؛ فلأنها يمين مشروعة في حق المدعى عليه 1. فلم يحبس عليها؛ كسائر الأيمان.
وعن الإمام أحمد: يحبسون حتى يحلفون 2؛ لأنها دعوى فحبس فيها بالنكول؛ كالمال.
وأما كون الدية 3 تلزمهم على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها على اليهود في حديث سليمان بن يسار لما أبو أن يحلفوا 4. ولأنه حكم يثبت بالنكول.
فثبت في حق الناكل؛ كسائر الدعاوي.
وأما كونها تكون في بيت المال على روايةٍ؛ فلأنهم امتنعوا عن اليمين.
أشبه المدعين 5 إذا لم يرضوا بيمين المدعى عليه.
إذا علم الاختلاف في الدية والاقتصار على لزومها مشعر بأن القصاص لا يلزم بالنكول وصرح به في المغني وعلله بأنه حجة ضعيفة.
فلم يستحق به الدم؛ كالشاهد واليمين.

جارٍ التحميل