الجِهاد في اللغة: بذل الطاقة والوسع.
وفي الشرع: قتال الكفار.
قال المصنف رحمه الله: (وهو فرض كفاية، ولا يجب إلا على ذكرٍ حرٍّ مكلفٍّ مستطيعٍ، وهو: الصحيحُ الواجدُ لزاده، وما يحمله إذا كان بعيداً).
أما كون الجهاد فرض كفاية فلأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان: أما كونه واجباً في الجملة فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم﴾ [البقرة: 190]، وقوله تعالى: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة: 191]، وقوله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدين كلُّه لله﴾ [الأنفال: 39]، وقوله تعالى: ﴿انفروا خِفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: 41].
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبةٍ من النفاق» 1. أخرجه مسلم.
وقولُه عليه السلام: «الجهادُ واجب عليكم» 2.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» 3 أخرجهما أبو داود.
وقوله: «من لقي الله بغير أثرٍ من جهاد لقي الله وفي إيمانه ثُلْمة» 4 أخرجه الترمذي.
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على وجوبه.
وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: 122]، وقوله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسِهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على
القاعدين درجةً وكلاً وعد الله الحسنى} [النساء: 95].
أثبت للمجاهد والقاعد الأجر ولا يكون القاعد مأثوماً، ولو كان فرض عين لأثم.
وإذا وجب في الجملة ولم يجب على الأعيان لزم كونه فرض كفاية.
وأما كونه لا يجب إلا على ذَكَرٍ فلما روت عائشة قالت: «قلت: يا رسول الله! هل على النساء جهاد؟ قال: جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» 1.
ولأن المرأة ليست من أهل القتال لضعفها وخوفها ولذلك لا سهم لها.
وأما كونه لا يجب إلا على حرٍّ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد» 2.
ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة فلم يجب على العبد كالحج.
وأما كونه لا يجب إلا على مكلف فلأن الصبي والمجنون والكافر لا يجب عليهم سائر فروع الإسلام فكذلك الجهاد.
ولأن الصبي ضعيف عن القتال، والمجنون لا يتأتى منه، والكافر غير مأمون فيه.
وأما كونه لا يجب إلا على مستطيع فلأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب للمستطيع شرعاً.
فعلى هذا لا يجب على مريض، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا غير قادر على نفقته وما يحمله وما يقاتل به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حَرَجٌ إذا نصحوا لله ورسوله﴾ [التوبة: 91].
وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حَرَجٌ ولا على الأعرج حَرَج ولا على المريض حرج﴾ [الفتح: 17].
ولأن هذه الأعذار تمنعه من الجهاد.
والمانع مما ذُكِر مطلق العمى، والعرجُ الفاحش الذي يمنع المشي والركوب كالزمانة ونحوها.
فأما اليسير الذي يتمكن معه من الركوب والمشي فلا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنه متمكن منه أشبه الأعور.
وكذلك المرض المانع هو الشديد فأما وجع الضرس والصداع الخفيف فلا يمنع لما ذكر في الأعرج.
وأما غير القادر فالمانع عدم قدرته على نفقته وآلة الجهاد وما يشتريها به؛ لأن النفقة ضرورة مقدمة على الحج ودين الغير فكذلك على الجهاد.
وآلة القتال لا يمكن الجهاد إلا بها.
وأما القدرة على المركوب فإن كانت المسافة بعيدة اشترطت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوكَ لِتَحْملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملُكم عليه﴾ [التوبة: 92] ولذلك شرط المصنف رحمه الله في وجدان ما يحمله البعيد.
وإن كانت المسافة قريبة لم يشترط القدرة عليه؛ لأنه سفر قريب لا مشقة في تحمله.
ويشترط أن يكون جميع ما ذكر فاضلاً عن نفقة عياله وقضاء دينه وأجرة مسكنه؛ لما تقدم في الحج.
قال: (وأقلُّ ما يُفعل مرةً في كل عام إن لم تدْعُ حاجة إلى تأخيره).
أما كون الجهاد أقل ما يفعل مرة في كل عام إن لم تدع حاجة إلى تأخيره؛ فلأن الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام وهي بدل فكذلك مبدلُها الذي هو الجهاد.
وأما كونه لا يُفعل إذا دعت الحاجة إلى تأخيره مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عدة، أو يكون الإمام منتظر المدد يستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو ليس بها علف أو ماء، أو يعلم من عدوه حسن الرأي في الإسلام ويطمع في إسلامهم إن أخر قتالهم، ونحو ذلك مما يرى معه المصلحة في ترك القتال؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً عشر سنين وأخّر قتالهم حتى نقضوا العهد» 1.
قال: (ومن حضر الصف من أهل فرض الجهاد، أو حَصَر العدو بلدَه تعيّن عليه).
أما كون الجهاد متعينٌ على من حضر الصف فلقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتمُ الذين كفروا زحْفاً فلا تُولوهم الأدبار? ومن يولهّم يومئذٍ دبُره إلا متحرّفاً لقتالٍ
أو متحيزاً إلى فئةٍ فقد بَاء بغضبٍ من الله ومأواه جهنمُ وبئس المصير} [الأنفال: 15 - 16].
وأما كونه متعيٌن على من حَصَرَ العدو بلدَه فلعموم قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة: 41].
ولأن الكل استوى بالنسبة إلى القصد فوجب على الكل.
ولأن البلد إذا حُصر قرُب شَبَه من فيه بمن حضر الصف فوجب بعينه عليه كحاضر الصف.
ويتعين أيضاً على من استنفره الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض... الآية﴾ [التوبة: 38].
ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا استنفرتم فانفروا» 1 متفق عليه.
قال: (وأفضل ما يُتطوع به الجهاد.
وغزو البحر أفضل من غزو البر.
ويُغزى مع كل بر وفاجر.
ويقاتِل كلُّ قومٍ من يليهم من العدو).
أما كون الجهاد أفضل ما يُتطوع به فلما روى ابن مسعود قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لمواقيتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» 2 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروى أبو سعيد الخدري قال: «قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» 3 متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضلُ من جهاد في سبيل الله، أو حجةٍ مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال» رواه الخلال.
ولأن الجهاد بذل المُهْجة وإنفاق المال، ونفعه يعم المسلمين كلهم.
وأما كون غزو البحر أفضل من غزو البر؛ فلما روى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «شهيدُ البحر مثلُ شهديِ البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الأرواح.
إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويُغْفرُ لشهيد البرِّ الذنوب كلُّها إلا الدَّين، ويُغفر لشهيد البحر الذنوب والدَّين» 1.
وفي حديث آخر: «غزوة في البحر مثلُ عشرِ غزَوات في البر» 2 رواهما ابن ماجة.
ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقة؛ لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يُمَكّن من الفرار إلا مع أصحابه فكان أفضلَ من غيره.
وأما كونه يغزو مع كل بر وفاجر فلما روى أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجهادُ واجبٌ عليكم مع كل أمير: براً كان أو فاجراً» 3.
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال: لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتِل آخر أمتي الدجال لا يُبْطله جَوْرُ جائر ولا عَدْلُ عادل، والإيمان بالأقدار» 4 رواهما أبو داود.
ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يُفضي إلى ظهور الكفار على المسلمين، وفيه إظهار كلمة الكفر وذلك أعظم الفساد.
وأما كون كل قوم يقاتِل من يليهم من العدو فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة: 123].
ولأن الأقربَ أكثرُ ضرراً.
قال: (وتمام الرباطِ أربعون ليلة، وهو: لزوم الثغر للجهاد، ولا يُستحب نقل أهله إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» (1».
أما كون تمام الرباط أربعين ليلة، والمراد أربعون يوماً فلأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تمامُ الرباط أربعون يوماً» 2.
وعن أبي هريرة: «من رابط أربعين يوماً فقد استكمل الرباط» 3 رواه سعيد بن منصور في سننه.
وعن ابن عمر «أنه قدم على أبيه فقال له: كم رابطت؟ قال: ثلاثين يوماً.
قال: عزمتُ إلا رجعتَ حتى تُتِمَّها أربعون يوماً» 4.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو لزوم الثغر للجهاد فبيانٌ لمعنى الرباط.
فإن قيل: ما الثغر؟
قيل: كل مكان يُخيف أهلُه العدوَّ ويخاف منه.
وأما كون مَن فيه لا يُستحب له نقل أهله إليه فلأن الثغر مخوف ولا يُؤمن ظَفَر العدو من فيه واستيلاؤهم على الأهل.
والمراد بالأهل النساء والذرية.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره فتنبيه على أن الرباط فيه فضيلة عظيمة؛ لما ذكر من الحديث 5. رواه أبو داود.1
وفي حديث آخر أنه قال صلى الله عليه وسلم: «رباطُ يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامِه.
وإن مات جرى عليه عملُه الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتّان» 1 رواه مسلم.
قال: (وتجب الهجرة على من يَعجز عن إظهارِ دينه في دار الحرب، وتستحب لمن قدَر عليه).
أما كونُ الهجرةِ، وهي: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام: تجب على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين تَوَفّاهم الملائكة ظالمِي أنفسِهم قالوا فيم كنتُم قالوا كنّا مستضعفين في الأرضِ قالوا ألم تَكن أرض الله واسعةً فتُهاجروا فيها﴾ [النساء: 97] إلى غير ذلك من الآيات.
وفي إطلاق المصنف رحمه الله وجوب الهجرة إشعارٌ ببقاء حكمها، وهو صحيح؛ لأن حكم الهجرة عندنا باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأن الآيات والأخبارَ الدالة عليها شاملةٌ لكل زمان.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَنقطع الهجرة ما كان الجهاد» 2 رواه سعيد وغيره.
وعن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تطلع الشمس من مغربها» 3 أخرجه أبو داود.
وأما قوله عليه السلام: «لا هجرة بعد الفتح» 4، وقوله: «قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية» 5 رواهما سعيد.
فمعناهما: لا هجرة من مكة بعد فتحها، أو لا هجرة من بلدٍ بعد فتحه؛ بدليل أنه قال ذلك لمن أراد أن يهاجر من مكة بعد فتحها.
روي «أن صفوان بن أمية قيل له بعد الفتح: أنه لا دين لمن لا يهاجر.
فأتى المدينة [فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء بك أبا وهب؟ ] 6 فقال له ذلك.
فقال: ارجع أبا وهب.
فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» 7. يعني من مكة.
وأما كونها تستحب لمن قدَر عليها فلأن في إقامته تكثيراً لعددهم واختلاطا بهم.
وإنما لم تجب عليه لقدرته على إظهار دينه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الهجرة على ضربين: واجبة ومستحبة.
وقال في المغني: الناس على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تُستحب له ولا تجب عليه.
والثاني: من تجب عليه.
والثالث: من تسقط عنه.
وهو: من يعجز عنها 1 لمرض، أو إكراه على إقامة، أو ضعفٍ.
فهذا لا يجب عليه ولا يوصف باستحباب؛ لقوله تعالى: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان... الآية﴾ [النساء: 98].
وفيه نظر.
قال: (ولا يجاهِد من عليه دينٌ لا وفاءَ له، ومن أحد أبويه مسلم: إلا بإذن غريمه وأبيه، إلا أن يَتعين عليه الجهادُ فإنه لا طاعةَ لهما في ترك فريضةٍ).
أما كونُ من عليه دين لا وفاء له لا يجاهد إذا لم يأذن له غريمه في الجهاد مع عدم تعيّنِ ذلك عليه؛ فلأن الجهاد يُقصد منه الشهادة وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الدين بأنه لا وفاء له إشعار بأنه إن كان له وفاءٌ فله أن يجاهد بغير إذنٍ وهو صحيح.
نص عليه أحمد رحمه الله؛ «لأن عبدالله بن حزام أبا جابر خرج إلى أُحُدٍ وعليه دين كثير.
فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي صلى الله عليه وسلم» 2 ولم ينكر 3 ذلك.
وفي معنى الوفاء إقامة الكفيل المليء لأن الدَّين الذي له وفاء إنما لم يمنع من الجهاد لعدم ضياع حق الغريم بتقدير قتله في الجهاد وذلك حاصل في الكفيل المليء.
وأما كون من أحد أبويه مسلم لا يجاهد إذا لم يأذن له أبوه مع عدم تعيّن الجهاد عليه «فلأن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له: هل لك باليمن أحد؟ قال: نعم.
أبوان.
قال: ارجع فاستأذنهما: فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» 1 رواه أبو داود.
وروى عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أجاهد.
فقال لك أبوان؟ فقال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد» 2.
وروى الترمذي عن ابن عباس مثله، وقال هذا حديث حسن صحيح.
ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم.
ولا فرق فيما ذُكر بين الأب والأم.
ولذلك قال المصنف رحمه الله: ومَن أحد أبويه مسلم.
وفي قول المصنف رحمه الله: مسلم تنبيه على أنه لا يعتبر إذن الكافر منهما.
وصرح به في المغني؛ لأن كثيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم منهم: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة.
وأما كون من ذكر يجاهد بغير إذن من ذكر إذا تعين الجهاد عليه فلأنه يصير حينئذ فرض عين وتركه معصية.
ولذلك قال المصنف: فإنه لا طاعة لهما في ترك فريضة.
ولأن الجهاد حينئذ عبادة متعينة فلم يعتبر إذن أحد فيها كالصلاة.
قال: (ولا يحل للمسلمين الفرارُ من ضعفهم إلا متحرّفين للقتال، أو متحيزين إلى فئة.
وإن زاد الكفار فلهم الفرار إلا أن يَغلب على ظنّهم الظَّفَرُ).
أما كون المسلمين لا يحل لهم الفرار من الكفرة في الجملة فلأن الله تعالى قال: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلّوهم الأدبار... الآية﴾ [الأنفال: 15].
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عَدّ الفرار من الكبائر 1.
وأما ما يشترط لذلك فشرطان:
أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على مثلي المسلمين، وهو المراد بضعفهم.
فإن زاد فلهم الفرار؛ لقوله تعالى: ﴿الآن خَفَّفَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضَعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال: 66] لفظه خبر ومعناه أمر بدليل قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، ولئلا يخالف خبرَه عز وجل مَخْبَرُه؛ لأن الظفر في كل مرة لا يتفق للمسلمين.
وعن ابن عباس: «من فرّ من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر» 2.
الثاني: أن لا يريد بفراره التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إلا متحرّفاً لقتالٍ أو متحيزاً إلى فئة﴾ [الأنفال: 16].
ومعنى التحرف: أن ينحاز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن له؛ كمن في وجهه الشمس، أو الريح، أو هو في وَهْدَة 3 أو عطشان، أو في مكان منكشف فينحرف إلى ظل، أو موضع لا ريح فيه، أو مكان عال، أو موضع فيه ماء، أو هو مستترا، ونحو ذلك مما جرت به عادة أهل الحرب.
والتحيز إلى فئة هو: أن يصير إلى قومٍ من المسلمين ليكون مع الجماعة ويقوَى بهم على قتال العدو.
سواء بعدت أو قربت؛ لأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني فئة لكم» 4 وكان بالمدينة.
وقال عمر: «أنا فئة كل مسلم» 5. وكانت جيوشه بالشام والعراق وخراسان ومصر.
رواهما أبو سعيد.
وأما كونهم لهم الفرار إذا زاد عدد الكفار على ضعف المسلمين فلأن شرط عدم الحِلّ أن لا يزيد، وذلك مفقود هاهنا.
وأما قول المصنف رحمه الله: إلا أن يغلب على ظنهم الظفر فاستثناء من كون المسلمين لهم الفرار مع الزيادة.
فعلى هذا إن غلب على ظنهم الظَّفَر لا يحل لهم الفرار وإن كثر العدو.
وصرح في المغني: بأن ذلك أولى وليس بواجب.
وهذا هو الذي حكاه مَن علمنا من الأصحاب؛ لأن الله أباح له الفرار من الزائد على ضعفه مطلقاً من غير تفصيل فلا يقيد بغير ذلك.
فعلى هذا يحمل استثناء المصنف على الأَولى؛ لما فيه من الجمع بين نقليه وموافقة الأصحاب.
ويصححه أن قوله: فلهم الفرار إذن في الفرار.
وللإذن صور:
أحدها: أن يؤذن له مع أن الفرار والثبات سواء كمن استوى عنده الظفر والهلاك.
والثانية: أن يؤذن له مع أن الثبات أولى كمن غلب على ظنه الظفر.
والثالثة: أن يؤذن له مع أن الفرار مستحب كمن غلبت على ظنه السلامة بفراره، والهلاك وكسر قلوب المسلمين بثباته.
فيكون المصنف قد استثنى من مطلق اللفظ أحد محامله وذلك جائز.
ولو قيل بوجوب ما اقتضاه ظاهر لفظ المصنف لم يكن فيه بعداً؛ لأن الجهاد إنما وجب نكاية للعدو وإظهاراً لكلمة الحق فإذا غلب على ظنه الظفر تعين وإن كثروا تخليصاً لمقصود ما وجب الجهاد لأجله.
قال: (وإن أُلقيَ في مركبهم نارٌ فعلوا ما يرون السلامة فيه، فإن شكّوا فعلوا ما شاؤا من المُقام أو إلقاءِ نفوسهم في الماء، وعنه: يلزمهم المُقام).
أما كون من أُلقي في مركبهم نار يفعلون ما يرون فيه السلامة فلأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في كثير من الأحكام فليكن هاهنا كذلك.
وأما كونهم إذا شكّوا يفعلون ما شاؤا من المُقام أو إلقاء نفوسهم في الماء على المذهب فلأنهم ابتلوا بشرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
وأما كونهم يلزمهم المُقام على رواية فلأنهم إذا رموا نفوسهم كان موتهم بفعلهم بخلاف إقامتهم فإن موتهم بفعل غيرهم.
قال صاحب النهاية فيها: الأول أصح؛ لأنهم ملجئون إلى الإلقاء، ولا ينسب إليهم الفعل بوجهٍ، ولعل الله تعالى يخلصهم.
فصل [في أحكام القتال]
(ويجوزُ تبييت الكفار، ورميُهم بالمنجنيق، وقطعُ المياه عنهم، وهدمُ حصونهم).
أما كون تبييت الكفار وهو كبْسهم ليلاً وقتلهم وهم غارّون يجوز؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم شن الغارة على بني المصطلق ليلاً» 1.
ولا فرق بين أن يكون فيهم نساؤهم وذراريهم أو لم يكن «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: إنا نبيت العدو وفيهم النساء والصبيان.
فقال: هم منهم» 2 متفق عليه.
ولأن ذلك لو منع لأفضى إلى تعطيل الجهاد.
وأما كون رميهم بالمجنيق يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف» 3 أخرجه الترمذي مرسلاً.
وعن عمرو بن العاص «أنه نصب المنجنيق على الإسكندرية» 4.
وسواء في ذلك الحاجة وعدمها.
قال المصنف في المغني: هو ظاهر كلام أحمد.
وأما كون قطع المياه عنهم وهدم حصونهم يجوز فلأن القصد إضعافهم وإرهابهم ليجيبوا داعي الله تعالى.
قال: (ولا يجوز إحراقُ نحل، ولا تغريقه، ولا عَقْرُ دابة ولا شاة إلا لأكلٍ يُحتاج إليه.
وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعِه روايتان:
إحداهما: يجوز إن لم يضر بالمسلمين.
والأخرى: لا يجوز إلا أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا.
وكذلك رميهم بالنار، وفتح المياه ليغرقهم).
أما كون إحراق النحل وتغريقه وعقر دابة أو شاة لغير أكل يحتاج إليه لا يجوز فـ «لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد! لا تحرقن نحلاً ولا تغرقه، ولا تَعقرن دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة» 1 أخرجه سعيد بن منصور.
ولأن في ذلك إتلاف مال الغانمين من غير حاجة.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله الحاجة في الأكل لأن قيمة الحيوان تكثر وتسمح بها أنفس الغانمين.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه مثل الطعام.
أي يجوز لهم ذبح الحيوان وأكله من غير حاجة كما يجوز لهم أكل الطعام.
وأما كون حرق شجرهم وزرعهم وقطعه يجوز في رواية فلقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين﴾ [الحشر: 5].
وروى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة فأنزل الله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها... الآية﴾ [الحشر: 5].
ولها يقول حسان:
وهانَ على سَراةِ بني لُؤيٍ... حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ» 2
متفق عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: «حَرِّق» 1 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلأن في حديث أبي بكر المتقدم: «ولا تعقرن شجراً مثمراً» 2.
ولأنه قد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر الحيوان.
واشتراط المصنف رحمه الله في الرواية الأولى أن لا يُضر بالمسلمين؛ لأن الضرر منفي شرعاً بقوله عليه السلام: «لا ضرر ولا إضرار» 3.
واستثنى في الرواية الثانية أمرين: أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا: أما إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ترك الجهاد، وأما إذا فعلوا ذلك بنا فلينزجروا عن فعل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم فمعناه أن في ذلك روايتين كحرق الشجر والزرع وقطعهما: إحداهما: يجوز لأن القصد نكايتهم وإقامة كلمة الحق فإذا كان وسيلة إليه جاز كالقتل.
والثانية: لا يجوز: أما النار فلأنها لا يعذب بها إلا الله، وأما الماء فلأن الإتلاف به يعم.
مع أن عنه مندوحة.
فعلى هذا لو لم يقدر عليهم إلا به أو فعلوه بنا جاز لما مر في حرق الشجر.
قال: (وإذا ظفِر بهم لم يُقتل صبيٌ ولا امرأةٌ ولا راهبٌ ولا شيخٌ فانٍ ولا زمِنٌ ولا أعمى لا رأي لهم، إلا أن يُقاتلوا.
فإن تَتَرَّسوا بهم جاز رميهم، ويَقْصِد المقاتلة.
وإن تترسوا بمسلمين لم يجز رميهم إلا أن يُخاف على المسلمين فيرميهم ويقصِد الكفار).
أما كون كل واحد من الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتل إذا لم يكن ذا رأي ولم يقاتل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انطلقوا بسم الله.
لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا امرأة» 1 رواه أبو داود.
وأما كون الراهب لا يُقتل إذا كان كذلك فلأن في حديث أبي بكر الذي في وصيته لزيد: «ستمرون على قومٍ في صوامع لهم.
احتبسوا أنفسهم فيها.
فدعوهم حتى يُميتهم الله على ضلالتهم» 2.
وأما كون كل واحد من الزَّمِن والأعمى لا يقتل إذا كان كذلك فبالقياس على الشيخ الفاني؛ لا شتراكهم في عدم النكاية.
وأما كون جميع من ذُكر يقتل إذا كان ذا رأي أو قاتل: أما كونه يقتل إذا كان ذا رأي فلأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب.
وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود: «أمددتما علياً بقيس بن سعد وبمائة، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل ما كان بأغيظ لي من ذلك».
وأما كونه يُقتل إن قاتل «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على امرأة مقتولة يوم الخندق فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال: ولم؟ قال: نازعتني قائمة سيفي.
فسكت» 3.
وفي حديثٍ آخر: «وقف على امرأة مقتولة.
فقال: ما بالها قتلت وهي لا تقاتل» 4.
ولأنه لو لم يجز قتل من ذُكر لأدى إلى تلف من قاتله.
وأما كون الكفار يجوز رميهم إذا تترسوا بمن ذكر من الكفار الذين لا يجوز قتلهم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماهم بالمجنيق» 1 وفيهم النساء والصبيان.
ولأن كف المسلمين عنهم يفضي إلى تعطيل الجهاد؛ لأنهم إذا علموا ذلك تترسوا بهم.
وأما كون الرامي يقصد المقاتلة فلأن ذلك هو المقصود.
وأما كونهم لا يجوز رميهم إذا تترسوا بمسلمين ولم يخف على المسلمين فلأن ذلك يؤول إلى قتل المسلمين مع أن لهم مندوحة.
وأما كونهم يجوز رميهم إذا خيف على المسلمين مثل أن تكون الحرب قائمة أو لا يقدر عليهم إلا بذلك فلأنه حال ضرورة.
وأما كون الرامي يقصد الكفار فلأنهم هم المقصودون بالقتل.
قال: (ومن أسر أسيراً لم يجز له قتلُه حتى يأتي به الإمام إلا أن يمتنع من المسير معه ولا يمكنه إكراهه).
أما كونُ من أسر أسيراً لا يجوز له قتله حتى يأتي به الإمام إذا لم يمتنع من المسير معه أو امتنع وأمكنه 2 إكراهه على ذلك فلأنه إذا صار أسيراً كانت الخيرة فيه إلى الإمام فلم يجز قتله لما فيه من إبطال الخيرة المستحقة للإمام.
وأما كونه يجوز له قتله إذا لم يسر معه ولا يمكنه إكراهه فلأنه لو لم يجز قتله لأدى ذلك إلى إطلاقه.
قال: (ويخيّر الأمير في الأسرى: بين القتل، والاسترقاق، والمنِّ، والفداء بمسلم أو مال.
وعنه: لا يجوز بمال.
إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان.
ولا يجوز أن يختار إلا الأصلح للمسلمين، فإن أسلموا رَقّوا في الحال).
أما كون الأمير يخير في الأسرى من أهل الكتاب بين القتل والاسترقاق والمن والفداء: أما القتل فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَتل رجال قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة» 1.
و«قتل يوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبراً» 2.
وأما الاسترقاق فلأنه يجوز إقرارهم على كفرهم بالجزية فبالرق أولى.
ولأنه أبلغ في صَغارهم.
وأما المن والفداء فلقوله تعالى: ﴿فإما مَنّا بعدُ وإما فداءً﴾ [محمد: 4].
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عَزّة الشاعر» 3.
و«منّ على العاصي بن الربيع» 4.
و «على ثمامة بن أثال» 1. و«فادى أسيراً برجلين من أصحابه أسرتهما ثَقيف» 2. و«فادى أسارى بدر» 3. وأما كون الفداء يجوز بمسلم أو بمال على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى بمسلم في أسرى ثقيف» 4 و «بمال في أسرى بدر» 5. وأما كونه لا يجوز بمالٍ على رواية فلأن الله تعالى عاتب رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على فداء الأسرى يوم بدر بالمال بقوله: ﴿تُريدون عرض الدنيا﴾ [الأنفال: 67].
والأول أولى؛ لأن دليل الرواية منسوخ.
وأما كون الأمير يخير في غير الكتابي، وهو: من لا يُقَر على دينه كعبدة الأوثان بين القتل والمن والفداء فلما تقدم.
وأما كونه له استرقاقه في رواية فكالكتابي.
وأما كونه ليس له ذلك في رواية فلأنه لا يقر بالجزية.
وهذه الصورة هي المراد من قول المصنف 1: إلا غير الكتابي ففي استرقاقه روايتان.
وهو استثناء من قوله: ويخير الأمير بين القتل أي يخير الأمير في الكتابي بين أمور أربعة وفاقاً.
وفي غير الكتابي يخير بين أمور ثلاثة وفي الرابع خلاف.
فإن قيل: أيدخل فيما ذُكر العبد والنساء والصبيان والرهبان ومن كان زمنا أو أعمى أو شيخاً فانياً أو نحو ذلك؟
قيل: لا؛ لأنهم لا يجوز قتلهم: أما العبد فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أدركوا خالداً فمروه أن لا يقتل عسيفاً» 2.
وأما البواقي فلما مر.
فإن قيل: ما حكمهم؟
قيل: يصيرون أرقاء بنفس السبي لأنهم مال لا ضرر في اقتنائهم أشبهوا البهائم.
وصرح المصنف رحمه الله في المغني في فصل: أن الكافر إذا كان مولى مسلم: على جواز استرقاق الشيخ الزَّمِن.
ونقله غيره من الأصحاب فقال: كل من لا يقتل كالأعمى وغيره يَرِق بنفس السبي.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: الرجال الذين يحرم قتلهم كالشيخ الفاني ونحوه لا يجوز سبيهم؛ لأنه لا نفع فيهم.
وطريق الجمع بين نقليه ونقل غيره: أن من لا يجوز قتله إن كان فيه نفع جاز سبيه، وإلا فلا.
وتعليله في الكافي يؤيد هذا الجمع.
إلا أنه يمكن أن يقال: ما من أحد إلا وفيه نفع لأن الزمِن يمكن كونه ناطوراً، والأعمى يمكن كونه ينفخ في كور الحداد؛ كما روي عن عمر «أنه أمر من كان من الصحابة كذلك بذلك».
وأما كون الأمير لا يجوز له أن يختار إلا الأصلح للمسلمين من الأمور المتقدم ذكرها فلأنه نائب للمسلمين فلا يجوز له فعل ما غلب على ظنه أنه لا مصلحة فيه.
فإن قيل: فإن تردد.
قيل: القتل أولى.
وأما كون من أسلم ممن تقدم ذكره يُرق في الحال فلأنه يحرم قتله لقوله عليه السلام: «لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث» 1، وهذا مسلم، وإذا كان قتله حراماً وجب أن يصير رقيقاً كالمرأة.
وقال المصنف رحمه الله في الكافي: يخير فيهم الإمام بين المن عليهم وبين فدائهم وبين إرقاقهم؛ لأنه إذا جاز ذلك في حال كفرهم ففي حال إسلامهم بطريق الأولى.
قال: (ومن سُبي من أطفالهم منفرداً، أو مع أحد أبويه فهو مسلم.
وإن سبي مع أبويه فهو على دينهما).
أما كون من سبي من أطفال الكفار منفرداً أو مع أحد أبويه مسلماً فلما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مولودٍ يولد على الفطرة.
وإنما أبواه يُهوّدانه ويُنصّرانه ويُمجّسانه» 2 رواه مسلم.
جعل التبعية لأبويه فإذا سبي منفرداً أو مع أحدهما انقطعت تبعيته عنهما فوجب بقاؤه على حكم الفطرة.
وأما كونه على دين أبويه إذا سبي معهما فلأن التبعية باقية.
قال: (ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين.
وإن سبيت المرأة وحدها انفسخ نكاحها وحلت لسابيها).
أما كون نكاح الزوجين لا ينفسخ باسترقاقهما فلأن الرق معنى لا يمنع ابتداء النكاح فلا يقطع استدامته كالعتق.
وأما كونه ينفسخ إذا سبيت المرأة وحدها فلأنها تحل لسابيها لما يأتي، ولو لم ينفسخ نكاحها لما كان كذلك.
وأما كونها تحل لسابيها فلقوله تعالى: ﴿والمحصناتُ -أي والمزوجات- من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: 24] أي بالسبي.
روى أبو سعيد الخدري قال: «أصبنا سبايا يومَ أوطاس ولهن أزواج في قومهن.
فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: ﴿والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم... الآية﴾ [النساء: 24]» 1 رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن.
قال: (وهل يجوز بيع من استُرق منهم للمشركين؟ على روايتين).
أما كون بيع من استرق من الكفار يجوز للمشركين على رواية فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع سبي بني قريظة من أهل الحرب».
ولأنهم لا يُمنعون من إثبات أيديهم عليهم فلم يمنعوا من ابتداء ذلك كالمسلم.
وأما كون ذلك لا يجوز على روايةٍ فلأنه يروى عن عمر «أنه كتب ينهى أمراء الأمصار عن ذلك».
ولأن في إبقائهم في دار الإسلام تحصيلاً لإسلامهم غالباً فلا يجوز ردهم إلى الشرك كما لو أسلموا.
قال: (ولا يفرق في البيع بين ذوي رحم محرم إلا بعد البلوغ على إحدى الروايتين).
أما كون من ذُكر لا يفرق بينهم قبل البلوغ فلما روى أبو أيوب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» 2 رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وعن علي رضي الله عنه قال: «وهَب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين.
فبعت أحدهما.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل غلامك؟ فأخبرته.
فقال: رده رده» 3 رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ولأنه لا يفرق بين الوالد والولد الطفل وفاقاً فكذلك كل ذوي رحم محرم.
وأما كونهم لا يفرق بينهم بعد البلوغ على رواية فلما ذُكر قبل.
وأما كونهم يفرق بينهم على رواية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يُفرق بين الأم وولدها.
فقيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية» 1.
ولأن الأحرار يتفرقون بعد البلوغ فالعبيد أولى.
قال: (وإذا حصر الإمام حصناً لزمه مصابرته إذا رأى المصلحة فيه، فإن أسلموا أو من أسلم منهم أحرز دمه وماله وأولاده الصغار، وإن سألوا الموادعة بمالٍ أو غيره جاز إن كانت المصلحة فيه، وإن نزلوا على حكم حاكم جاز إذا كان بالغاً عاقلاً من أهل الاجتهاد).
أما كون الإمام إذا حصر حصناً يلزم مصابرته إذا رأى المصلحة فيها فلأن عليه فعل ما فيه مصلحة المسلمين وقد وُجدت.
وكلام المصنف رحمه الله مشعرٌ بأن الإمام إذا رأى المصلحة في الانصراف جاز.
وهو صحيح.
صرح به في المغني؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف فلم ينَل منهم شيئاً فانصرف قبل فتح الحصن» 2.
وأما قول المصنف رحمه الله: فإن أسلموا... إلى آخره فمشعر بأنه يزول اللزوم المذكور إذا وجد منهم إسلام أو سؤال موادعة أو نزول على حكم حاكم.
وهو صحيح: أما زواله بالإسلام فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» 3. فعلى هذا من أسلم منهم حَقن دمه وماله وأولاده الصغار: أما الدم والمال فلأن في تتمة الحديث المذكور: «فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم».
وأما الأولاد فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة فأسلم أبناء سَعْيَة، فأحرز إسلامهما أموالهما وأولادهما» 1.
ولأن الأولاد الصغار تبع لهم في الإسلام فكذلك في العصمة.
وأما زواله بالموادعة فلأن الغرض إعلاء كلمة الإسلام وصَغار الكفرة وذلك حاصل.
فعلى هذا يجوز بالمال وبغير مال كما يجوز المن عليهم.
واشترط بعض الأصحاب في عقدها بغير مال أن يعجز المسلمون أو يستضروا بالمقام ليكون ذلك عذراً في الانصراف.
وأما زواله بالنزول على حكم حاكم فـ «لأن بني قريظة حين حصرهم النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا على حكم سعد بن معاذ» 2.
فعلى هذا يشترط في الحاكم أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً مجتهداً؛ لأنه حكم أشبه ولاية القضاء.
ولم يذكر المصنف رحمه الله اشتراط ذكوريته واشترطه في الكافي كذلك.
قال: (ولا يحكم إلا بما فيه حَظٌّ للمسلمين من: القتل، والسبي، والفداء.
فإن حكم بالمن لزم قبوله في أحد الوجهين، وإن حكم بقتل أو سبي فأسلموا عصموا دماءهم، وفي استرقاقهم وجهان).
أما كون الحاكم المذكور لا يحكم إلا بما فيه حظٌّ للمسلمين من الأمور المذكورة فلأنه نائب الإمام فقام مقامه في اختيار الأحظ.
ولأنه يخير فلم يجز فيه إلا الأحظ كخيرة الإمام إذا أسر أسيراً.
وأما كونه إذا حكم بالمن يلزم قبول حكمه في وجهٍ وهو للقاضي فلأنه نائب الإمام فلزم قبوله منه إذا رآه كالإمام.
وأما كونه لا يلزم في وجه وهو لأبي الخطاب فلأنه إذا لم يره الإمام تبين أنه لا حظ فيه.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله مطلق وتعليل الوجه الثاني يقتضي كونه مقيداً بأن الإمام لم يره.
قيل: هكذا علله في الكافي.
وقيده صاحب الخلاصة فيها فقال: فإن حكم بالمن فأبى الإمام.
وهو حسن لما ذكر.
[إلا أن فيه نظراً من حيث إن الوجه المذكور لأبي الخطاب ولم يقيده في هدايته] 1.
وأما كونهم يعصمون دمائهم إذا حَكم بقتلهم أو سبيهم فأسلموا فلأن قتل المسلم حرام.
وفي اقتصار المصنف رحمه الله على عصمة الدماء دليل على عصمة المال.
وقد صرح بذلك في الكافي، ونقله غيره.
وإنما لم يعصموا أموالهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم.
وأما كونهم لا يُسترقون في وجهٍ فلأنهم أسلموا قبل استرقاقهم أشبه ما لو أسلموا قبل القدرة عليهم.
وأما كونهم يُسترقون في وجه فلأنهم أسلموا بعد القدرة عليهم ووجوبِ قتلهم أشبه الأسير إذا أسلم بعد اختيار الإمام قتله.
باب ما يلزم الإمام والجيش
قال المصنف رحمه الله: (يلزم الإمامُ عند مسيرِ الجيش تعاهدَ الخيل والرجال، فما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول، ويمنع المُخذّلَ والمرجِفَ والنساءَ إلا طاعنةً في السن لسقيِ الماء ومعالجةِ الجرحاء) 1.
أما كون الإمام يلزمه تعاهدَ الخيل والرجال عند مسير الجيش فلأن ذلك من مصالح الجيش فلزمه فعله كبقية المصالح.
وأما كون ما لا يصلح للحرب يمنعه من الدخول فلئلا يُقطع في دار الحرب.
ولأن دخول مثل ذلك معه ربما كان سبباً للهزيمة.
والمراد بما لا يصلح من الخيل: الفرس الحطيم والكبير والضعيف والأعجف.
ومن الرجال الزمن والأشل والمفلوج والمريض وما أشبه ذلك.
وأما كونه يمنع المخذل وهو: الذي يُضَعّف قلوب الناس فيقول: إن في عدونا كثرة وقوة ونحن ضعفاء ولا طاقة لنا بهم.
والمرجف: وهو الذي يقول: هلكت سرية المسلمين التي مضت، أو يقول: للمشركين مدد وورائهم جيش وما أشبه ذلك؛ فلقوله تعالى: ﴿ولكن كَره الله انبعاثهم فَثَبَّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾ [التوبة: 46].
وقوله تعالى: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خَبالاً ولأَوْضعوا خِلاَلَكم﴾ [التوبة: 47].
ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزم الإمام منعهم: إزالةً للضرر.
وأما كونه يمنع النساء غير طاعنة في السن كالشَّواب فلما في ذلك من الافتتان بهن مع أنهن لسن من أهل القتال لاستيلاء الخَوَر والجبن عليهن.
ولأنه لا يؤمن ظَفَر العدو بهن فيستحلون منهن ما حرم الله.
وأما كونه لا يمنع طاعنة في السن لسقي الماء ومعالجة الجرحاء فلما روى أنس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوةٍ معها من الأنصار يستقين الماء ويداوين الجرحاء» 1 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
قال: (ولا يستعين بمشركٍ إلا عند الحاجة إليه).
أما كون الإمام لا يستعين بمشرك عند عدم الحاجة إليه فلما روت عائشة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر، فتبعه رجل من المشركين.
قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا.
قال: فارجع فلن أستعين بمشرك» 2 متفق عليه.
وأما كونه يَستعين به عند الحاجة إليه فـ «لأن صفوان بن أمية شهد حنيناً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك» رواه سعيد.
فإن قيل: الحديثان مطلقان فينبغي أن يتعارضا.
قيل: يجب حملهما على ما ذُكر جمعاً بينهما ونفياً للتعارض.
قال: (ويَرفُق بهم في السير، ويُعد لهم الزاد، ويُقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر).
أما كون الإمام يَرفق بالجيش في السير.
والمراد به أنه في السير يسير بهم سير أضعفهم فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمير القوم أقطعهم».
أي أقلهم سيراً.
ولئلا ينقطع منهم أحد أو يشق عليه.
فإن قيل: الرفق المذكور مطلقاً أو مع عدم الحاجة؟
قيل: بل مع عدم الحاجة إلى العجلة.
فإن دعتنا الحاجة جاز «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جَدَّ حين بلغه قولَ عبدالله بن أبي: ﴿ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: 8]» 1 لِيَشغل الناس عن الخوض فيه.
وأما كونه يُعد الزاد لهم فلأنهم ربما طال سفرهم عما عزموا عليه فيهلكون إذا لم يكن لهم زاد.
وأما كونه يقوي نفوسهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر فلأن ذلك مما تستعين النفوس به على المصابرة ويعينها على القتال.
وقد نبه الله تعالى على ذلك في القرآن حيث قال تعالى فيه: ﴿وعدكم الله مغانمَ كثيرةً... الآية﴾ [الفتح: 20].
قال: (ويعرّف عليهم العرفاء، ويَعقد لهم الألوية والرايات، ويجعل لكل طائفة شِعاراً يتداعون به عند الحرب).
أما كون الإمام يُعرّف العرفاء على جيشه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرف عام خيبر على كل عشرة عريفاً».
ولأنه أقرب في جمعهم.
وأما كونه يعقد لهم الألوية والرايات؛ فلما روى ابن عباس «أن أبا سفيان حين أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: احبسه على الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها.
قال: فحبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومرت به القبائل على راياتها».
والمراد بالألوية المطارد.
قاله الجوهري.
وبالرايات الأعلام.
وأما كونه يجعل لكل طائفة شعاراً يتداعون به عند الحرب؛ فلأن الإنسان ربما احتاج إلى نصرة صاحبه فإذا كان بينهم شِعار وهو العلامة دعى أحدهم صاحبه بها.
ولأن الإنسان ربما ضل فيهتدي بالشعار.
قال: (ويَتَخير لهم المنازل، ويتبع مكامنها فيحفظها، ويبعث 2 العيون على العدو حتى لا يخفى عليه أمرهم).
أما كون الإمام يتخير لجيشه المنازل فلأن ذلك أرفق بهم، وفيه إعانة على السير.
وأما كونه يتبع مكامنها فيحفظها فليأمن هجوم العدو عليهم.
وأما كونه يبعث العيون على العدو فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث حُذافة بن اليمان في غزاة الخندق ودحية الكلبي في بعض غزواته» 1.
ولأنه إذا فعل ذلك لا يخفى عليه أمرهم.
وقد نبه المصنف رحمه الله على ذلك بقوله: حتى لا يخفى عليه أمرهم.
قال: (ويمنع جيشه من الفساد والمعاصي، ويَعِد ذا الصبر بالأجر والنّفَل، ويشاور ذا الرأي).
أما كون الإمام يمنع جيشه مما ذُكر فلأن ذلك داع للنصر وسبب للظفر.
وأما كونه يَعِد ذا الصبر بالأجر والنفَل فلأن ذلك وسيلة إلى بذل جهده وازدياد صبره.
وأما كونه يشاور ذا الرأي فلقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران: 159].
ولقوله عليه السلام: «ما خاب من استشار» 2.
ولقوله: «لن يهلك قوم عن مشورة» 3.
ولأن في ذلك تطييباً لقلوبهم.
وربما ظهر له بالمشاورة ما خفي عليه.
ولذلك قال الشاعر:
الرأي قبل شجاعة الشجعان... هو أول وهي المحل الثاني
قال: (ويصُفُّ جيشه، ويجعل في كل جنبة كفؤاً.
ولا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره).
أما كون الإمام يصف جيشه فلأن ذلك من مصالح الحرب.
وأما كونه يجعل في كل جنبة كفؤاً؛ فلما روى أبو هريرة قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل خالداً على إحدى المجنبتين، وجعل الزبير على الأخرى، وجعل أبا عبيدة للساقة» 1.
ولأن ذلك أحوط للحرب وأبلغ في إرهاب العدو.
وأما كونه لا يميل مع قريبه وذي مذهبه على غيره؛ فلئلا ينكسر قلب من يميل عليه فيخذله عند الحاجة.
ولأن ذلك يُفسد القلوب ويشتت الكلمة.
قال: (ويجوز له أن يَبذل جُعلاً لمن يدله على طريق أو قلعة أو ماء.
ويجب أن يكون معلوماً إلا أن يكون من مال الكفار فيجوز مجهولاً).
أما كون الإمام يجوز له أن يبذل جُعلاً فيما ذُكر فلأنه من مصالح المسلمين فجاز بذله كسائر المصالح.
وأما كون الجُعل يجب أن يكون معلوماً إذا كان من مال المسلمين؛ فلأنه جُعل فوجب أن يكون معلوماً كالجعل في المسابقة ورد الضالّة.
وأما كونه يجوز أن يكون مجهولاً إذا كان من مال الكفار فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلث والربع وسلب المقتول».
وهو مجهول.
قال: (فإن جعل له جارية منهم فماتت قبْل الفتح فلا شيء له، وإن أسلمت قبل الفتح فله قيمتها، وإن أسلمت بعده سُلمت إليه.
إلا أن يكون كافراً فله قيمتها.
وإن فتحت صلحاً ولم يشترطوا الجارية فله قيمتها.
فإن أبى إلا الجارية وامتنعوا من بذلها فُسخ الصلح.
ويحتمل أن لا يكون له إلا قيمتها).
أما كون من جُعلت له الجارية لا شيء له إذا ماتت قبل الفتح فلأن حقه متعلق بمعيّن فيسقط بتلفه من غير تفريط كالوديعة.
وأما كونه له قيمتها إذا أسلمت قبل الفتح فلأنها عَصَمت نفسها بالإسلام فوجب له قيمتها لأن الحق إذا تعذر ردُّ عينه وجب رد قيمته أشبه ما لو أتلف مال غيره الذي لا مثل له.
و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلماً رده إليهم فجاء نساء مسلمات منعه الله ردهن وأمره برد مهورهن» 1.
وأما كون الجارية تُسَلّم إليه إذا أسلمت بعد الفتح وكان مسلماً فلأنه أمكن الوفاء بما شرط له فكان واجباً لقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 2.
وأما كونها لا تُسلم إليه إذا كان كافراً فلأن الكافر لا يجوز له أن يبتدئ الملك على مسلم.
وأما كون الكافر له قيمتها فلأنه تعذر تسليمها إليه فوجب الرجوع إلى بدلها وهو القيمة لما تقدم.
وأما كونه له قيمتها إذا فُتحت القلعة صلحاً ولم يشترط المسلمون الجارية فلأن رد عينها متعذر لكونها تدخل تحت الصلح، وإذا تعذر رد عينها تعين رد قيمتها لأنها بدلها.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولم يشترطوا الجارية إشعار بأنه لو شُرط في الصلح تسليم الجارية لزم تسليم عينها لا قيمتها.
وهو صحيح لما فيه من الوفاء بالشرط.
وأما كون الصلح ينفسخ إذا لم يرض من جُعلت له الجارية بقيمتها وامتنع أهلها من بذلها على المذهب فلأنه تعذر إمضاؤه لأن حق الدالّ سابق.
وأما كونه يحتمل أن لا يكون له إلا القيمة فلأنه تعذر تسليمها فوجب له قيمتها أشبه ما لو أسلمت.
قال: (وله أن يُنفّل في البُداءة الربع بعد الخمس، وفي الرجعة الثلث بعده.
وذلك إذا دخل الجيش بَعَث سريةً تُغير، فإذا رجع بعث أخرى؛ فما أتت به أخرج خُمُسه وأعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي للجيش والسرية معاً).
أما كون الإمام له أن يُنَفّل ما ذُكر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَفّل الربع في البَدْأَة والثلث في الرجعة» 3.
وفي لفظ: «كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قَفَل» 1. رواهما أبو داود.
فإن قيل: لم أزيد في الرجعة على البداءة؟
قيل: لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البداءة ردء للسرية بخلاف الرجعة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وذلك إذا دخل... إلى آخره فبيان لما يَفعل الإمام عند الدخول والرجوع من بعث السرية.
وأما قوله: فما أتت به أَخرج خمسه فتنبيه على أن السرية يخمس ما غنمت كالجيش؛ لأنه مال مغتنم فيدخل في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمُسَه﴾ [الأنفال: 41].
وأما قوله: وقسم الباقي للجيش والسرية فتنبيه على أن الجيش يشارك سراياه فيما غنمت.
وسيأتي ذكره في باب قسم الغنائم 2.
فصل [فيما يلزم الجيش]
قال المصنف رحمه الله: (ويلزم الجيشُ طاعةَ الأمير، والنصحَ له، والصبرَ معه)
أما كون الجيشِ يلزمه طاعةَ الأمير فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: 59].
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني.
ومن عصاني فقد عصا الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» 1 رواه النسائي.
وأما كونهم يلزمهم النصحَ له؛ فلأن نصحه نصح للمسلمين.
ولأنه وُضع للدفع عن المسلمين فإذا نصحوه كثر دفعه.
وفي الحديث: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» ومعناه يكف.
وأما كونهم يلزمهم الصبر معه فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ [آل عمران: 200].
ولأن الصبر من أقوى أسباب النصر والظفر.
قال: (ولا يجوز لأحد أن يتعلف، ولا يحتطب، ولا يبارز، ولا يخرج من العسكر 2، ولا يحدث حدثاً إلا بإذنه).
أما كون أحدٍ لا يجوز له أن يتعلف، وهو: تحصيل العلف للدواب.
ولا يحتطب، وهو: تحصيل الحطب بغير إذن الإمام؛ فلقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: 62].
ولأن الأمير أعرف بحال الناس والمواضع والمكامن وقربِ العدو وبعدِه فإذا خرجوا بغير إذنه لم يؤمن أن يكون في موضع ذهابِهم عدوٌ فيظفر بهم.
وربما ارتحل الأمير وبقي الخارج فيضيع.
وأما كونه لا يجوز أن يبارز بغير إذنه فلأن الأمير أعرف بفرسانه وشأنِ عدوه فإذا برز بغير إذنه فربما برز إلى من لا يُطيقه فلا يؤمن ظفَر العدو به فينكسر قلوب المسلمين.
وأما كونه لا يجوز أن يخرج من العسكر بغير إذنه فلأنه ربما كان للعدو كمين فيأخذوه وينكسر قلوب المسلمين، وربما دخل الأمير وأدى خروجه إلى ضياعه.
وأما كونه لا يجوز أن يحدث حدثاً بغير إذنه فلما ذُكر قبلُ.
قال: (فإن دعا كافر إلى البراز استحب لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير، فإن شرط الكافر أن لا يقاتله 1 غير الخارج إليه فله شرطه.
فإن انهزم المسلم أو أُثخن بالجراح جاز الدفع عنه.
وإن قتله المسلم فله سلبه).
أما كون مبارزة من يعلم من نفسه ما ذُكر يستحب بإذن الأمير فـ «لأن حمزة وعلياً وعبيدة بن الحارث بارزوا يوم بدر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم» 2.
و«بارز ابنُ الأكوع مرحباً يوم خيبر ثم بارزه علي» 3.
وقيل: «بارزه محمد بن مسلمة» 4.
ولم يزل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبارزون في حروبهم.
روي عن البراء بن مالك أنه قال: «قتلت تسعة وتسعين رئيساً من المشركين مبارزة» 5.
وأما كون الكافر له شرطه إذا شرط أن لا يقاتله غير الخارج إليه؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم» 6. وأما كون الدفع عن المسلم يجوز إذا انهزم فلأن المسلم إذا صار إلى هذه الحالة فقد انقضى قتاله وربما أثخنه فقتله.
وأما كونه يجوز إذا أُثخن بالجراح فـ «لأن حمزة وعلياً أعانا عُبيدة بن الحارث على قتل شيبة بن ربيعة حين أُثخن عبيدة» 1.
وأما كون المسلم له سلب الكافر إذا قتله فلأن القاتل يستحق سلب المقتول؛ لما سيأتي بعد.
قال: (وكل من قَتل قتيلاً فله سلبه غير مخموس إذا قتله حال الحرب منهمكاً على القتال غير مثخن، وغرر بنفسه في قتله.
وعنه: لا يستحقه إلا من شُرط له).
أما كون من قتل قتيلاً له سلبه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل كافراً فله سلبه» 2.
وقال عليه السلام: «من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه» 3 متفق عليه.
وأما كون السلب غيرَ مخموس «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن طليعة الكفار: من قتله؟ قالوا: ابن الأكوع قال: له سلبه أجمع» 4 رواه أبو داود.
وروى عوف بن مالك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل، ولم يخمس السلب» 5. روه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا قتله... إلى آخره؛ فبيان لما يشترط في كون السلب للقاتل، وهو أشياء:
أحدها: أن يَقتله حال الحرب، فإن قتله بعد انقضائها فلا سلب له؛ «لأن عبدالله بن مسعود وقف على أبي جهل، وقضى النبي صلى الله عليه وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو 6 بن الجموح» 7؛ لأنه أثبته.
وثانيها: أن يكون مُقبلاً على القتال فإن كان مدبراً فلا سلب له؛ لأنه لم يغرر بنفسه في قتله.
وثالثها: أن يغرر بنفسه في قتله كالمبارز.
فإن قتله بسهم من صف المسلمين فلا سلب له؛ لأن الخبر إنما ورد في المبارزة ونحوها.
ورابعها: أن يكون القاتل ذا حق في المغنم حراً كان أو عبداً، رجلاً أو صبياً.
فإن لم يكن له حق كالمخذل والمرجف والكافر إذا حضر بغير إذن فلا سلب له؛ لأنه لا حق له في المغنم فغيره أولى.
ولم يذكر المصنف رحمه الله هذا الشرط هنا، ونص عليه في الكافي.
وأما كونه لا يشترط في ذلك إذن الأمير على المذهب فلعموم ما تقدم من الأحاديث.
وأما كونه يُشترط على رواية؛ فلما روى عوف بن مالك «أن مددا غزا معهم فقتل علجاً فأعطاه خالد بعض سلبه وأمسك سائره.
فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تعطه يا خالد» 1 رواه أبو داود.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» 2 عام في غزوته وغيرها.
ولذلك احتج به عوف بن مالك على خالد حين أخذ سلب المددي.
فقال له عوف: «أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى».
وقول عمر: «كنا لا نخمس السلب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم» 1 يدل على أن هذا من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة العامة.
وأما أمر خالد بعدم الإعطاء فعقوبة لعوف حين أغضبه بتقريعه خالداً بين يديه.
قال: (فإن قطع أربعته، وقتله آخر فسلبه للقاطع.
وإن قتله اثنان فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لهما).
أما كون السلب لقاطع أربعته دون قاتله بعد ذلك؛ فلأن القاطع هو الذي أثبته، ولذلك «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عمرو 2 بن الجموح سلبَ أبي جهل» 3، و «لم يعطه ابن مسعود مع أنه تمم قتله» 4.
وأما كون سلبه غنيمة إذا قتله اثنان على المذهب فلأن السلب يُستحق للتغرير ولا يحصل ذلك بالاشتراك، وإذا لم يستحقه القاتل وجب كونه غنيمة كسائر أموال الكفار.
وأما كونه لهما على قول القاضي فلأنهما قتلاه فاستحقا سلبه لدخولهما في عموم الأحاديث المتقدمة.
وكالواحد.
قال: (وإن أسره فقتله الإمام فسلبه غنيمة، وقال القاضي: هو لمن أسره).
أما كون سلب من أسره فقتله الإمام غنيمة على الأول فلأن الذي أسره لم يقتله والإمام لم يغرر بنفسه في قتله.
وأما كونه لمن أسره على قول القاضي فلأنه غرر بنفسه في أسره أشبه ما لو قتله.
فإن قيل: ظاهر هذا التعليل أنه يستحق السلب سواء قتله الإمام أو فاداه.
قيل: نعم.
وصرح المصنف به في الكافي.
قال: (وإن قطع يده ورجله، وقتله آخر فسلبه غنيمة.
وقيل: هو للقاتل).
أما كون السلب في ما ذكر غنيمة على الأول فلأن القاطع والقاتل اشتركا فيه ولا تغرير مع الشركة، وهو شرط في استحقاق القاتل السلب، وإذا لم يستحقه القاتل تعين كونه غنيمة لما تقدم.
وأما كونه للقاتل على قولٍ؛ فلدخوله في عموم قوله عليه السلام: «فمن قتل قتيلاً فله سلبه» 1.
قال: (والسلب: ما كان عليه من ثيابٍ وحلي وسلاح والدابة بآلتها.
وعنه: أن الدابة ليست من السلب.
ونفقته ورحله وخيمته غنيمة).
أما كون ما على المقتول من الثياب من السلب فلا شبهة له فيه لدخول ذلك في مفهوم السلب.
وأما كون ما عليه من حلي وسلاح من السلب فلما روي «أن عمرو بن معد يكرب حمل على أسوار وطعنه فدق صلبه فصرعه، فنزل إليه فقطع يديه وأخذ سوارين كانا عليه ويَلْمَق من ديباج وسيفاً ومِنطقة فسلم ذلك له» 2.
و«بارز البراء مُرزُبان الزأرة فقتله فبلغ سواره ومنطقته ثلاثين ألفاً» 3.
وأما كون الدابة وآلتها من السلب على المذهب؛ فلأنهما يُستعان بها في الحرب أشبها السلب.
وأما كونهما ليست منه على روايةٍ؛ فلأن السلب ما كان على البدن، والدابةُ وآلتُها ليستا كذلك.
وأما كون نفقته وخيمته ورحله غنيمة فلأنه ليس من الملبوس ولا مما يُستعان به في الحرب فكان غنيمة كبقية أموال الكفار.
قال: (ولا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام 1 إلا أن يَفْجَأهم عدوٌّ يخافون كَلَبَه).
أما كون الغزو بغير إذن الأمير لا يجوز إذا لم يَفجأهم العدو الموصوف بما ذُكر فلأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه فلأن لا يجوز الغزو إلا بإذنه بطريق الأولى.
وأما كونه يجوز بغير إذنه إذا فَجأهم عدو يخافون شره وأذاه، وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: كَلَبه فلأن الحاجة تدعو إليه لما في التأخير من الضرر.
قال: (فإن دخل قوم لا مَنَعَة لهم دار الحرب بغير إذنه فغنموا: فغنيمتهم فيء.
وعنه: هي لهم بعد الخمس.
وعنه: هي لهم لا خُمُس فيها).
أما قول المصنف رحمه الله: لا منعة لهم فالمراد بها القوة والدفع، وهي محركة الميم والنون والعين وقد تسكن نونها.
وأما كون غنيمتهم فيئاً على المذهب فلأنها: مال وُصل إليه بقوة الإسلام فكان فيئاً كما لو هربوا وتركوه.
وأما كونها بعد الخمس على رواية فلأنها: مال أُخذ بقتال وجهاد فكان كذلك كسائر الغنائم.
فلا اعتبار بالقلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كم من فِئَةٍ قليلةٍ غلبت فِئَة كثيرة﴾ [البقرة: 249].
وأما كونها لهم لا خُمُس فيها فلأنهم أخذوه لا بقوة أشبه ما لو سرقوه.
قال: (ومن أَخذ من دار الحرب طعاماً أو علفاً فله أكله وعلفُ دابته بغير إذن، وليس له بيعه.
فإن باعه رد ثمنه في المغنم.
وإن فضل معه منه شيء فأدخله البلد رده في الغنيمة، إلا أن يكون أسيراً فله أكله في إحدى الروايتين).
أما كون من أخذ من دار الحرب ما ذُكر له أكله فلما روى عبدالله بن أبي أوفى قال: «أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف» 2 رواه أبو داود.