الجنازة بالفتح والكسر واحد.
وقيل: بالفتح الميت، وبالكسر الأعواد التي يحمل عليها.
قال المصنف رحمه الله: (يستحب عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية).
أما كون عيادة المريض تستحب؛ فلما روى البراء بن عازب: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المرضى» 1 رواه البخاري.
ولقوله عليه السلام: «عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة» 2.
والمخرف البستان.
وقال: «ما من رجل عاد مريضاً مُمْسِياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له [حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، وإن عاده مُصْبِحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له] 3 حتى يمسي» 4 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وخريف: فعيل بمعنى مفعول.
وأما كون تذكيره التوبة يستحب فلأنها واجبة عليه على كل حال.
وهو أحوج إليها في هذه الحال من بقية الأحوال.
فإذا ذكره فتاب كان سبباً لحصول مثل هذه التوبة 1 العظيمة المخلصة له من الهلكة.
وأما كون تذكيره الوصية يستحب؛ فليخرج عن عهدة قوله عليه السلام: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده» 2 متفق عليه.
قال: (وإذا نُزل به تعاهد بَلَّ حلقه بماء أو شراب، وندّى شفتيه بقطنة، ولَقَّنه قول: لا إله إلا الله مرة.
ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه بلطف ومداراة.
ويقرأ عنده سورة يس ويوجهه إلى القبلة).
أما كون متولي حال المريض يستحب له أن يتعاهد بَلَّ حلقه بماء أو شراب ويندي شفتيه بقطنة إذا نزل به.
والمراد إذا غلب على الظن موته فلأن ذلك يطفئ من حرارةِ كربه وشدة موته، ويسهل عليه النطق بالشهادة.
وأما كونه يستحب له أن يلقنه قول: لا إله إلا الله؛ فلما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقنوا موتاكم 3 -أي المحتضر للموت- شهادة أن لا إله إلا الله» 4 رواه مسلم.
وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» 5 رواه أبو داود.
وأما كونه يلقنه مرة فلأن بذلك يخرج عن عهدة حديث أبي سعيد، ويحصل الثواب المذكور في حديث معاذ.
وأما كونه لا يستحب له أن يزيد على ثلاث مع عدم كلامه بعد الشهادة فلئلا يضجره.
وروي عن عبدالله بن المبارك: «أنه قال لرجل لقّنَه عند موته فأكثر: إذا قلتُ مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم» 1.
وأما كونه يستحب له أن يعيد تلقينه بعد الكلام فليكون آخر كلامه الشهادة فينال ما ذُكر في حديث معاذ المتقدم.
وأما كونه يعيد تلقينه بلطف ومداراة فلأن اللطف والمدارة في كل موضع مطلوب فهاهنا أولى لشدة الحاجة إليه.
وأما كونه يستحب له أن يقرأ سورة يس عنده فلقوله عليه السلام: «اقرأوا يس على موتاكم» 2 رواه أبو داود وابن ماجة.
ولأنه يسهل خروج الروح.
وأما كونه يستحب له أن يوجهه إلى القبلة فلما روى عبيد بن عمير عن أبيه وكان له صحبة «أن رجلاً قال: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم ما الكبائر؟ فقال: هي سبع فذكر منها استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» 3 رواه أبو داود.
قال: (فإذا مات أغمض عينيه، وشَدَّ لَحْيَيْه، وليّن مفاصله، وخلع ثيابه، وسجاه بثوب يستره، وجعل على بطنه مرآة أو نحوها، ووضعه على سريرِ غُسْله متوجهاً منحدراً نحو رجليه).
أما كون من تقدم ذكره يستحب له أن يُغمض عيني المريض إذا مات فلما روت أم سلمة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه.
وقال: إن الروح إذا قبض يتبعه البصر... مختصر» 1 رواه مسلم.
و«لما حضرت عمر الوفاة قال لابنه عبدالله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي فضع كفك اليمنى على جبهتي واليسرى تحت ذقني وأغمضني».
ولأنه إذا لم تغمض عيناه يقبح منظره.
ولا يؤمن دخول الهوام فيهما والماء وقت غسله.
وأما كونه يستحب له أن يَشُدّ لَحْيَيْه فلما تقدم من قول عمر.
ولأنهما لو تركا لقبح منظره وربما دخل في فمه الهوام والماء.
وأما كونه يستحب له أن يُلَيِّن مفاصله.
ومعناه: أنه يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى بطنه.
ثم يردهما، وساقيه 2 إلى فخذيه.
ثم فخذيه إلى بطنه.
ثم يردهما فلتبقى أعضاؤه المذكورة لينة على الغاسل سهلة في حال غسله.
ولأنه لو لم يفعل ذلك لجفت عليه أعضاؤه ولسمج منظره ولم يَتَأتّ 3 غسله.
وأما كونه يستحب له أن يخلع ثيابه؛ فلئلا يحمى جسده فيسرع إليه الفساد ويتغير.
وربما خرجت منه نجاسة فلوثت ثيابه ونجّستها.
وأما كونه يستحب له أن يسجيه بثوب يستره؛ فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «سجي النبي صلى الله عليه وسلم بثوب حبرة» 4 متفق عليه.
ولأنه أعظم في كرامته.
وينبغي أن يعطف فاضل الثوب من عند رأسه تحت رأسه، ومن عند رجليه تحت رجليه لئلا يرتفع بالريح.
وأما كونه يستحب له أن يجعل مرآة أو نحوها على بطنه؛ فلئلا تنتفخ بطنه.
والأصل فيه ما روي عن أنس «أنه مات مولى له عند المغيب.
فقال: ضعوا على بطنه شيئاً من حديد» 1.
وأما كونه يستحب له أن يضعه على سرير غسله فلأنه يُبعد الهوام ويرتفع عن الأرض.
وأما كونه يستحب له أن يضعه على ذلك متوجهاً إلى القبلة فلما تقدم من قوله عليه السلام: «قبلتكم أحياء وأمواتاً» 2.
وأما كونه يستحب له أن يضعه منحدراً نحو رجليه.
ومعناه: أن يكون رأسه أعلى من رجليه فلينحدر ماء الغسل فلا يتراجع منه شيء.
قال: (ويسارع في قضاء دينه، وتفريق وصيته، وتجهيزه إذا تيقن موته: بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه).
أما كون من تقدم ذكره يستحب له أن يسارع في قضاء دين الميت؛ فلما فيه من إبراء الذمة.
قال عليه السلام: «نفس الميت معلقة بدَينه حتى يقضى عنه» 3. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأما كونه يستحب له أن يسارع في تفريق وصيته فليحصل له أجرها.
وأما كونه يستحب له أن يسارع في تجهيزه فلقوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت 1 فآذنوني به وعجلوه فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله» 2 رواه أبو داود.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا تيقن موته؛ فراجع إلى قضاء الدين وتفريق الوصية والتجهيز؛ لأن الأولين لا ولاية لأحد عليهما إلا بعد الموت.
والتجهيز قبل تيقن الموت تفريط.
وأما قوله: بانخساف صدغيه... إلى آخره؛ فتنبيه على العلامات الدالة على الموت المحصلة لليقين في ذلك.
فصل في غسل الميت
قال المصنف رحمه الله: (غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية).
أما كون غسل الميت فرض كفاية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فُرض على أمتي غسل موتاها، والصلاة عليها، ودفنها».
و«قال لأم عطية ونسوة معها لما ماتت ابنته: اغسلنها» 1 متفق عليه.
و«قال في المحرم الذي وقصته ناقته: اغسلوه وكفنوه» 2.
ولأن في تكفينه ستراً له فلم يكن بد من فعله لما يأتي في الكفن 3.
وأما كون الصلاة عليه فرض كفاية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله» 4.
ولأن الصلاة مذكورة فيما تقدم من قوله عليه السلام: «فرض على أمتي».
وأما كون الدفن فرض كفاية فلأنه أيضاً مذكور في الحديث المذكور أولاً 5.
قال: (وأولى الناس به وصيّه.
ثم أبوه.
ثم جده.
ثم الأقرب فالأقرب من عصباته.
ثم ذوو أرحامه إلا الصلاة عليه فإن الأمير أحق بها بعد وصيه).
أما كون وصي الميت أولى الناس بغسله فـ «لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس» 1 فَقُدِّمت بذلك.
و«أوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين» فقُدِّم بذلك.
ولأنه حقٌ للميت فقُدِّم وصيه على غيره؛ كتفريق ثلثه.
وأما كونه أولى الناس بالصلاة عليه فلإجماع الصحابة عليه.
روي «أن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب» 2.
«وابن مسعود أوصى بذلك الزبير» 3.
«وأبا بكرة أوصى به أبا برزة».
«وأم سلمة أوصت به سعيد بن زيد» 4.
«وعائشة أوصت به أبا هريرة» 5.
«وأبا سريحة أوصى به زيد بن أرقم فجاء عمرو بن حُريث ليتقدم وهو أمير الكوفة فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصليَ عليه زيد بن أرقم.
فقدم زيداً».
ولأنه حقٌ للميت فقدم الوصي فيه كالغسل.
وأما كونه أولى الناس بتكفينه ودفنه فلأنهما في معنى الغسل والصلاة فوجب أن يثبت فيهما حكمهما بالقياس عليهما.
وأما كون الأب أولى ممن بعده في جميع ما ذكر غير الصلاة فلأنه يشارك الابن في العصوبة ويختص بفضل الحنو والشفقة.
وأما كون الجد أولى ممن بعده في ذلك فلمشاركة الأب في المعنى.
وأما كون الأقرب فالأقرب من عصباته أولى من ذوي أرحامه فلأن الأقرب من العصبة أولى 1 بالميراث فكذا فيما ذكر.
فعلى هذا يقدم بعد الأب والجد الابن ثم ابنه وإن نزل.
ثم الأخ على ترتيب الميراث.
وأما كون ذوي أرحامه أولى من سائر الناس فلما ذُكر في العصبات.
وأما كون الأمير أحق بالصلاة على الميت بعد وصيه فلقوله عليه السلام: «لا يُؤَمّنَّ الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» 2 رواه مسلم.
خرج منه الوصي لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الجنائز.
ولم ينقل أنه كان يستأذن العصبات.
وروى أبو حازم قال: «شهدت حسيناً حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص أمير المدينة ويقول: لولا السنة ما قدمتك» 3. وذلك ينصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عمار مولى بني هاشم قال: «شهدت جنازة أم كُلثوم بنت علي، وزيد بن عمر فصلى عليهما سعيد بن العاص وخلفه ثمانون من الصحابة» 1 رواه الإمام أحمد.
والمراد بالأمير الإمام.
فإن لم يكن فالوالي من قبله.
فإن لم يكن فالحاكم.
قال: (وغسل المرأة أحق الناس به الأقرب فالأقرب من نسائها.
ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في أصح الروايتين.
وكذلك السيد مع سُرِّيَتِه).
أما كون غسل المرأة أحق [الناس به] 2 الأقرب فالأقرب من نسائها فلأن ذلك قد قُدم به في الرجل وكذا يجب أن يكون في المرأة.
فعلى هذا أم المرأة أولى بغسلها لأنها من النساء بمنزلة الأب.
ثم جدتها لأنها من النساء بمنزلة الجد.
ثم بنتها وإن نزلت لأنها من النساء بمنزلة [الابن وإن نزل.
ثم أختها لأنها من النساء بمنزلة] 3 الأخ.
ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب الميراث.
وأما كون كل واحد من الزوجين له غسل صاحبه في أصح الروايتين:
أما كون الزوج له ذلك في روايةٍ «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: لو مِتِّ قبلي لغسّلتك» 4 رواه ابن ماجة.
و «لأن علياً رضي الله عنه غسّل فاطمة رضي الله عنها» 1 ولم ينكره منكر فكان إجماعاً.
وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله إلى رجل ينظر إلى فرج امرأة وابنتها» 2. والزوج يجوز له العقد على بنت امرأته إذا ماتت قبل الدخول واستباحة النظر إلى فرجها.
فيجب أن يحرم عليه النظر لئلا يكون ناظراً إلى فرج امرأة وابنتها.
ولأنها فرقة تبيح أختها وأربعاً سواها فوجب أن يحرم النظر واللمس كالمطلقة قبل الدخول.
وأما كون الرواية الأولى هي الصحيحة في المذهب فلما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وفعل علي رضي الله عنه، وعدم إنكار الصحابة.
وأما كون الزوجة لها ذلك في روايةٍ فلأن عائشة رضي الله عنها قالت: «لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غَسّلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نِسَاؤه» 3.
و«لأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس» 4.
و«غسلت امرأة أبي موسى زوجها» 5.
قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل زوجها.
ولأن آثار النكاح من عدة الوفاة والإرث باقية فكذلك الغسل.
وأما كونها ليس لها ذلك في روايةٍ فلأن البينونة حصلت بالموت وزالت عصمة النكاح المبيحة للنظر واللمس فوجب أن لا يجوز لها غسل زوجها كالأجنبية.
وأما دعوى الإجماع فيبطلها وقوع الخلاف.
وأما العدة فهي من آثار الوطء والموت لا من أحكام النكاح.
وأما الإرث فإنه يعتمد الزوجية عند الموت لا عند الأخذ بخلاف الغسل فإنه يعتمد حل النظر عند فعله ولا سبب حينئذ يقتضي الحل.
وأما كون حكم السيد مع أمته كحكم الزوج مع زوجته فيما ذكر فلأنها فراش له ومملوكة.
وحكم الملك في إباحة اللمس والنظر حكم الزوجة حال الحياة.
بل بقاء الملك آكد لأنه يجب عليه تكفينها ومؤنة دفنها كما يجب عليه نفقتها وكسوتها حال الحياة بخلاف الزوجة.
قال: (وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين.
وفي ابن السبع وجهان).
أما كون كل واحد من الرجل والمرأة له غسل من له دون سبع سنين ذكراً كان أو أنثى فلأن من له دون سبع سنين لا عورة له لما يأتي في النكاح.
ولذلك «لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم غسّله النساء».
وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة تغسل الصبي الصغير.
وأما كونه له غسل من له سبع في وجهٍ فلأنه فاقد أهليةِ فهم الخطاب وليس محلاً للشهوة فجاز لغير نوعه غسله كالطفل.
وأما كونه ليس له ذلك في وجهٍ فلأنه بلغ سناً يحصل له فيه التمييز أشبه من له فوق السبع.
وقد نبه الشرع على الفرق بين من له سبع وبين من له دون ذلك حيث أمر الأولياء أن يأمروا ابن السبع بالصلاة فإنه قد جاء في الحديث: «مروهم بالصلاة
لسبع» 1. وإذا كان بينهما فرق وجب أن لا يجوز غسل ابن السبع لأن الجواز ثابت فيمن له دون ذلك فلو ثبت الجواز في ابن السبع لم يكن بينهما فرق.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أن من له أكثر من سبع لا يجوز لغير نوعه غسله قولاً واحداً.
وهو صحيح صرح به صاحب النهاية فيها لأنه حينئذ يصير محلاً للشهوة، ويحرم النظر إلى عورته المغلظة، ويعتبر تخييره بين أبويه فلم يجز لغير نوعه غسله 2 كالبالغ.
قال: (وإن مات رجل بين نسوة، أو امرأة بين رجال، أو خنثى مشكل يُمِّم في أصح الروايتين، وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس).
أما كون من مات بين غير نوعه ممن ذكر يُيَمم على الصحيح في المذهب فلما روى واثلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال» 3 أخرجه تمام في فوائده.
ولأن النظر واللمس محرم في حق غير [ذي] 4 المحرم في حال الحياة فكذلك بعد الممات.
وإذا حرم على من ذُكر النظر تعذر غسله له شرعاً ومن تعذر غسله فالتيمم قائم مقامه.
وأما كونه يُصب عليه الماء من فوق القميص ولا يمس على روايةٍ فلأنه أمكن الغسل مع ستر ما حرُم النظر إليه.
وقد ورد للغسل في القميص أصل وهو «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل فيه» 5.
قال: (ولا يُغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إلا أن لا يجد من يواريه غيره).
أما كون المسلم لا يجوز أن يغسّل الكافر فلقوله تعالى: ﴿لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم﴾ [الممتحنة: 13].
وقوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: 51].
وفي غسلهم 1 تول لهم.
وقال أبو حفص العكبري: يجوز ذلك.
وحكاه قولاً لأحمد رضي الله عنه؛
لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك الضال قد مات.
قال: اذهب فواره» 2 رواه أبو داود.
واستدل الشافعي رحمه الله عليه بهذا الحديث وزاد فيه: «اذهب فغسله وكفنه وادفنه» 3.
وأما كونه لا يجوز له أن يدفنه إذا وجد من يواره غيره؛ فلما تقدم في الغسل.
ويجوز عند أبي حفص لما تقدم من قوله: «اذهب فواره» ومن قوله: «وادفنه (4»).
وأما كونه يجوز له ذلك إذا لم يجد من يواره غيره؛ فـ «لأن قتلى بدر أُلقوا في القليب» 5.4
ولأنه يَتضرر بتركه ويتغير ببقائه.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه إذا لم يجد غيره يقوم بأمره إنما يجوز له مواراته دون غسله.
وصرح به صاحب النهاية؛ لأن الحجة في ذلك رمي الكفار في القليب وخوف التأذي ببقائهم وكلاهما مفقود في الغسل.
قال: (وإذا أَخذ في غسله سَتر عورته وجرده.
وقال القاضي: يغسله في قميص خفيف واسع الكمين).
أما كون الغاسل يستر عورة الميت ويجرده على غير قول القاضي؛ فلأن ذلك أمكنُ لتغسيله، وأبلغ في تطهيره.
ولأن الحي يستر عورته ويتجرد إذا اغتسل فالميت أولى.
ولأنه إذا غُسّل في ثوبه تنجس ثوبه بما يخرج منه.
وقد لا يطهر بصب الماء عليه فيتنجس الميت به.
وأما كونه يُغسله في قميص خفيف واسع الكمين على قول القاضي فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم غُسّل في قميصه» 1.
وقال سعد بن أبي وقاص: «اصنعوا لي كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم» 2.
والأول أولى لما ذكر.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فذلك كان خاصاً به.
ألا ترى أنهم قالوا: «نجرده كما نجرد موتانا» 3 رواه أبو داود.
وقال ابن عبد البر: روي عن عائشة رضي الله عنها من وجه صحيح.
وذَكر الحديث بطوله.
فظاهر هذا أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مستفيضاً فيما بينهم.
ومثل هذا لم يكن ليخفى على النبي صلى الله عليه وسلم بل الظاهر أنه كان يأمر به لأنهم كانوا ينتهون إلى أمره في الشرعيات.
وأما سعد فإنه قال: «الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صُنع برسول الله صلى الله عليه وسلم» 1.
قال: (ويُستر الميت عن العيون ولا يحضره إلا من يعين في غسله).
أما كون الميت يُستر عن العيون فلأنه ربما كان به عيب يستره في حياته، وربما بدت عورته.
قالت عائشة: «غسلنا بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم فأُمِرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوباً».
ولأن الآدمي إذا مات صار جميعه بمنزلة العورة في الإكرام والاحترام ولهذا وجب ستره بالكفن.
وأما كونه لا يحضره إلا من يعين في غسله فلأنه لا حاجة إلى حضوره بخلاف من يعين الغاسل بصب [الماء] 2 ونحوه.
قال: (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس، ويعصر بطنه عصراً رفيقاً، ويُكثر صب الماء حينئذ).
أما كون الغاسل يرفع رأس الميت إلى قريبٍ من الجلوس ويعصر بطنه حينئذ فليخرج ما في جوفه من فضلة مخافة أن يخرج ذلك بعد الغسل والتكفين فيفسده.
وأما كون ذلك برفق فلأن الميت في محل الشفقة والرحمة.
وأما كونه يكثر صب الماء حين يعصر بطنه فليذهب بما يخرج ولا تظهر رائحته.
قال: (ثم يلف على يده خرقة فينجيه.
ولا يحل مس عورته.
ويستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة).
أما كون الغاسل يلف على يده خرقة فينجي الميت بها فلأن في ذلك إزالة للنجاسة وطهارة للميت من غير تعدي النجاسة إلى الغاسل.
فإن قيل: ما صفة التنجية؟
قيل: أن يلف على يده خرقة ويغسل أحد الفرجين ثم ينحي الخرقة، ويأخذ أخرى ويغسل الفرج الآخر.
وذكر القاضي في المجرد أنه يكفي خرقة واحدة للفرجين، والأخرى لبقية بدنه.
وهو محمول على أن الخرقة كلما خرج عليها نجاسة غسلها المعاون وأعادها.
وإلا فقد ذكر أصحابنا أن كل خرقة يخرج عليها شيء لا يعتد بها.
وأما كونه لا يحل مس عورة الميت فلأن رؤيتها حرام فلمسها بطريق الأولى.
وأما كونه يستحب أن لا يمس سائر بدنه إلا بخرقة فلأنه يأمن معه مس العورة المحرم مسها.
قال: (وينوي غسله ويسمي، ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفهما).
أما كون الغاسل ينوي غسل الميت ويسمي في غسله فلأن غسله طهارة يعتد بها فاشترط فيها النية والتسمية كغسل الجنابة.
وأما كونه يدخل أصبعيه مبلولتين بالماء كما ذكر المصنف رحمه الله فلأن في ذلك تحصيلاً لإزالة ما على تلك الأعضاء من الأذى.
والأصبعان هاهنا السبابة والإبهام.
قال: (ويوضئه.
ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه).
أما كون الغاسل يوضئ الميت فلما روت أم عطية أنها قالت: «لما غسّلنا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» 1 متفق عليه.
وأما كونه لا يُدخل الماء في فيه ولا أنفه إذا وضأه وإن كان ذلك من الوضوء في حق الحي على الصحيح من المذهب فلأنه إذا أدخل الماء فيهما لا يمكنه إخراجه فربما دخل بطنه ثم خرج فأفسد وضوءه.
قال: (ويضرب السدر.
فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه.
ثم يغسل شقه الأيمن.
ثم الأيسر.
ثم يفيض الماء على جميع بدنه.
يفعل ذلك ثلاثاً يمر في كل مرة يده.
فإن لم ينق بالثلاث أو خرج منه شيء غسله إلى خمس.
فإن زاد فإلى سبع.
ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً).
أما كون الغاسل يضرب السدر فلتحصل له رغوة لأن الرغوة تزيل الدرن، ولا تتعلق بالشعر، وتزول بمجرد مرور الماء.
وأما كونه يغسل رأس الميت ولحيته وسائر بدنه «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم: اغسلوه بماء وسدر» 1.
و«قال للنساء اللواتي غسّلن ابنته: اغسلنها بماء وسدر» 2. وقال الخرقي: ويكون في كل المياه شيء من السدر.
وقال ابن حامد: الذي وَجدتُ عليه أصحابنا أنه يكون في الغسلة وزن درهم ونحوه من السدر فإذا كان كثيراً سلبه التطهير.
واختار القاضي وأبو الخطاب أن يغسله أول مرة بثَفَل السدر ثم يغسله بعد ذلك بالماء القراح؛ لأن الإمام أحمد رضي الله عنه شبه غسله بغسل الحياة.
ولأن السدر إن كان كثيراً سلبه الطهورية.
واليسير لا يؤثر.
وينبغي أن يتخذ الغاسل ثلاثة آنية: كبير يجمع فيه الماء الذي يَغسل به الميت يكون بالبُعد منه، وإناءان صغيران يكون أحدهما بيد الغاسل يقلب به والآخر بيد المعاون يغترف به من الكبير ويقلب ما فيه في الذي بيد الغاسل.
وإنما كان كذلك والله أعلم ليكون الكبير مصوناً فإذا فسد ما في الصغير من رشاش وغيره كان ما بقي في الكبير كافياً.
وأما كونه يبدأ بغسل شقه الأيمن ثم الأيسر فلقوله عليه السلام: «وابدأن بميامنها» 1 متفق عليه.
ولأن التيامن مسنون في غسل الحي فكذلك في غسل الميت.
وأما كونه يفيض الماء على جميع بدن الميت فليعم البدن بالغسل.
وأما كونه يفعل ذلك ثلاثاً فلأن في حديث النسوة اللاتي غسلن ابنته: «اغسلنها ثلاثاً» 2.
وأما كونه يمر يده في كل مرة.
والمراد على بطنه فلأن فيه إخراجاً لما في بطنه وأمناً من فساد الغسل بما يخرج بعده 3.
وأما كونه يغسله إل خمس ثم إلى سبع إذا لم يَنْقَ بالثلاث «فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنسوة اللاتي غسلن ابنته: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» 4.
وأما كونه يفعل ذلك إذا خرج منه نجاسة فلأن الخارج ينقض طُهر الحي.
ولا طهر للميت سوى الغسل فوجب أن يبطله.
ولأن الغسل في حق الميت وجب لزوال العقل وفقد الحواس فجاز أن يبطل بما تبطل به الطهارة الصغرى بخلاف غسل الجنابة.
ولأنه وجب غسله بما لا يوجب الغسل فجاز أن يتأكد بوجوبه من الحدث لأنه ليس بممتنع أن يبطل الغسل بما لا يوجب الغسل كخلع الخف لا يوجب غسل الرجل وينقض الطهارة فيها.
وقال أبو الخطاب: لا يعاد غسله بل يَغسل موضع النجاسة ويُوضأ لأن حكم الحي كذلك فكذلك الميت.
والأول المذهب؛ لما ذكر.
وقد تقدم التنبيه على الفرق بين غسل الميت وغسل الحي.
ويؤيد إعادة الغسل عموم قوله عليه السلام: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً إن رأيتن ذلك» 1. فإن الظاهر أنما قال ذلك من أجل توقع النجاسة.
وأما كونه يجعل الكافور في الغسلة الأخيرة فلأن في الحديث المذكور: «واجعلن في الأخيرة كافوراً».
وفائدة الكافور أنه يصلب الجسم ويطرد عنه الهوام بريحه.
قال: (والماء الحار والخلال والأشنان يستعمل إن احتيج إليه).
أما كون ما ذكر يستعمل إن احتيج إليه مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد أو لإزالة وسخ لا يزول إلا به.
أو إلى الأشنان لكثرة الوسخ.
أو إلى الخلال لكون الوسخ لا يخرج إلا به فلأن إزالة الوسخ مطلوبة شرعاً وذلك وسيلة إليه.
وأما كونه لا يستعمل إن لم يحتج إليه مثل أن يكون الماء البارد ليس شديد البرد ويكون الحار يرخي بدن الميت ويكون الوسخ يمكن إزالته بغير الخلال كالدلك ونحوه فلأن ذلك لم ترد به السنة مع أنه لا حاجة إليه.
والمستحب أن يكون الخلال حيث يحتاج إليه من شجرة لينة كالصفصاف ونحوه مما ينقي ولا يجرح.
قال: (ويُقص شاربه، ويقلم أظفاره، ولا يسرح شعره ولا لحيته.
ويظفر شعر المرأة ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها).
أما كون الميت يُقص شاربه ويُقلم أظفاره فلأن ذلك تنظيف يسن في الحياة فيسن بعد الموت قياساً على حال الحياة.
وينبغي أن يترك ذلك معه في القبر لأنه بعض أجزائه.
وأما كونه لا يسرح شعره ولا لحيته فلما روي عن عائشة رضي الله عنها «أنها رأت ميتاً يسرح شعره.
فقالت: لم تنصون ميتكم؟ » 1 ذكره أبو عبيد في الغريب.
وهو مشتق من تسريح الناصية.
وروى الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لا يسرح شعر الميت».
ولأنه لا يخلو من تمعيط وتقطيع.
واختار ابن حامد وأبو الخطاب في بعض تصانيفه التسريح لقوله عليه السلام: «افعلوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» 2.
وأما كون المرأة يظفر شعرها ثلاثة قرون ويسدل من ورائها؛ فلما روت أم عطية قالت: «ظفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها -تعني ابنة النبي صلى الله عليه وسلم -» 3 متفق عليه.
قال: (ثم ينشفه بثوب.
فإن خرج منه شيء بعد السبع حشاه بالقطن.
فإن لم يستمسك فبالطين الحر.
ثم يغسل المحل ويوضأ.
وإن خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل).
أما كون الغاسل ينشف الميت بثوب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما غسل وُشِّح 1 بثوب».
ولأنه إذا لم ينشف تنشتر الرطوبة إلى أكفانه فيفسد بالبلل.
وربما عفنت وأدى ذلك إلى فساد الميت.
وأما كونه يحشو مخرجه بقطن إذا خرج منه شيء بعد السبع؛ فلأن في ذلك منعاً لخروج النجاسة.
ولأن من تكرر خروج النجاسة منه يصير في معنى المستحاضة.
وحشو القطن مشروع في حقها فكذلك يشرع فيما هو في معناها.
ولم يتعرض المصنف رحمه الله إلى أنه يلجم المحل بالقطن فإن لم يمتنع حشاه.
وصرح به أبو الخطاب وصاحب النهاية فيها.
وعلله بأن الحشو فيه توسيع المخرج ومباشرة له فلا يفعل إلا إذا اضطر إليه.
وفي كلام المصنف رحمه الله إشعار بأنه لا يعاد الغسل بعد السبع؛ لأنه قال: فإن خرج شيء بعد السبع حشاه بالقطن.
وصرح بعدم الإعادة بعد السبع في المغني وصاحب النهاية فيها.
وإنما لم يعد ذلك لما فيه من الحرج والمشقة.
ولأنه آخر العدد المذكور صريحاً في حديث أم عطية.
وأما كون ذلك يحشى بالطين الحر إذا لم يستمسك بالقطن؛ فلأنه أبلغ من القطن؛ لأنه صلب يمسك، ويمنع ما يصل إليه ويتصل به من نفوذ إلى خارج.
ومعنى الطين الحر الخالص.
وأما كون المحل يغسل فلإزالة النجاسة.
وأما كون الميت يوضأ فلأنه انتقضت طهارته بالخارج فيجب أن يعاد ليكون على وضوء.
وأما كونه لا يعاد إلى الغسل إذا خرج منه شيء بعد وضعه في أكفانه فلأنه لو أعيد لاحتيج إلى غسل الأكفان وتجفيفها ويتأخر دفنه وذلك عسر ومخالفة للسنة.
ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان الخروج بعد السبع أو بعد الثلاث لأن العلة المذكورة موجودة فيهما.
قال: (ويُغسل المحرم بماء وسدر، ولا يُلبس المخيط، ولا يُخمر رأسه، ولا يُقرب طيباً).
أما كون المحرم يغسل بماء وسدر فلما روى ابن عباس «أن محرماً وقصت به ناقته.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اغسلوه بماء وسدر» 1.
وأما كونه لا يُلبس [المخيط] 2 فلأنه محرم بدليل قوله في تكملة الحديث: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور: «وكفنوه في ثوبيه».
وأما كونه لا يخمر رأسه ولا يقرب طيباً فلأن تكملة الحديث: «ولا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيباً» متفق عليه.
ولأنه أثر عبادة ورد الشرع باستطابتها فوجب أن يدفن صاحبها على حاله كالشهيد.
قال: (والشهيد لا يُغسل إلا أن يكون جنباً بل ينزع عنه السلاح والجلود.
ويزمل في ثيابه.
وإن أحب كفنه بغيرها.
ولا يصلى عليه في أصح الروايتين).
أما كون الشهيد لا يغسل إذا لم يكن جنباً فلأن ابن عباس رضي الله عنهما روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الجلود والحديد ويدفنوا في ثيابهم [بدمائهم] (1») 2 رواه أبو داود وابن ماجة.
وفي حديث جابر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد.
ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد.
وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة.
وأمر بدفنهم في ثيابهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم» 3 رواه البخاري.
وأما كونه يغسل إذا كان جنباً «فلأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال حنظلة بن الراهب! إني رأيت الملائكة تغسله.
قالوا: إنه جامع أهله ثم سمع الهيعة فخرج فقُتل» 4. وذلك منهم على سبيل التعليم.
ولأنه غسل واجب فلا يسقط بالموت كغسل الجنابة.
وأما كونه ينزع عنه السلاح والجلود فلما تقدم في حديث ابن عباس من أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود.
وأما كونه يزمل في ثيابه فلأن في حديث ابن عباس: «ويدفنوا في ثيابهم» 5.
وأما كونه يكفن بغيرها إن أحب من يكفنه ذلك فلما روي «أن صفية1
أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما.
وكفن في الآخر رجلاً آخر» 1.
وأما كونه لا يصلى عليه في روايةٍ فلما تقدم في حديث جابر من «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغسل قتلى أحد ولم يصل عليهم» 2.
وأما كونه يصلى عليه في روايةٍ فـ «لأن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد» 3.
والأولى أصح لأن حديث ابن عباس لا أصل له عند أصحاب الحديث.
وعلى تقدير صحته فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث جابر فيحمل حديث ابن عباس على من مات في غير المعترك، أو على أن الصلاة كانت بمعنى الدعاء بخلاف حديث جابر فإنه لا يمكن حمله على ذلك.
الثاني: أن حديث جابر راجح من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن حديث جابر رواه جابر وأنس، وكانا شاهدين أحداً بخلاف ابن عباس.
الثاني: أن حديث جابر متفق على بعضه وهو ترك الغسل مختلف في استعمال بعضه فكان أولى مما هو مختلف في استعمال جميعه.
الثالث: أن حديث جابر ناقل لحكم الأصل مثبت لحكم متجدد، وخبر ابن عباس مبق لحكم الأصل فكان خبر جابر أولى.
قال: (وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غُسل وصلي عليه).
أما كون من سقط من دابته فمات يغسل ويصلى عليه فلأن موته بسبب السقوط أشبه ما لو مات بذلك في غير المعركة.
ولأنه مات بغير قتل المشركين أشبه من مات على فراشه.
وأما كون من وجد ميتاً ولا أثر به يغسل ويصلى عليه فلأن غسل الميت والصلاة عليه واجبان وإنما تسقطهما الشهادة.
وقد شككنا في حصولها.
بل الظاهر أنه ليس بقتيل فلا يسقطان بمشكوك.
وأما كون من حمل فأكل أو طال بقاؤه يغسل ويصلى عليه فـ «لأن سعد بن معاذ أصابه سهم.
فمات بعد ذلك.
فغسله النبي صلى الله عليه وسلم وصلى عليه».
وكذلك «عتبة بن ربيعة أصاب ساق ربيعة بن الحارث فحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمخ يسيل من ساقه.
فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مات فغسله وصلى عليه».
قال: (ومن قُتل مظلوماً فهل يلحق بالشهيد؟ على روايتين).
أما كون من ذُكر لا يلحق بالشهيد فيما تقدم ذكره على روايةٍ فـ «لأن عمر وعثمان وعلياً والحسين قتلوا ظلماً وغسلوا وصلي عليهم» 1.
ولأنه ليس بشهيد المعركة أشبه المبطون.
وأما كونه يلحق به على روايةٍ فلقوله عليه السلام: «من قتل دون ماله فهو شهيد» 2.
ولأنه مقتول ظلماً أشبه الشهيد.
ولأنه يساوي شهيد المعركة في الشهادة فوجب أن يساويه فيما ذكر بالقياس عليه.
قال: (وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه).
أما كون السقط إذا ولد لأكثر من أربعة الشهر يغسل فلأنه نسمة خرجت منه روح بعد ما كانت فيه أشبه من مات بعد ولادته.
ولأنه يصلى عليه لما يأتي فيغسل بالقياس عليه.
وأما كونه يصلى عليه فلما روى المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الطفل يصلى عليه» 1. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وعن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «السقط يصلى عليه» 2 رواه أبو داود.
وإنما قُيد ذلك بأكثر من أربعة أشهر لأنه في آخر الأربعة ينفخ فيه الروح.
بدليل ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يمكث أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة.
ثم أربعين يوماً علقة.
ثم أربعين يوماً مضغة.
ثم ينفخ فيه الروح ويأتيه ملكان فيكتبان رزقه وأجله وشقي هو أو سعيد» 3.
فإن قيل: الحديثان لا دلالة لهما على ذلك؟
قيل: يجب حملهما عليه لأن الغسل والصلاة إنما شرعا على ميت، ومن لم ينفخ فيه الروح لا يوصف بالموت لأنه عبارة عن خروج الروح من الجسد وذلك مفقود فيمن لم ينفخ الروح فيه بعد.
قال: (ومن تعذر غسله يمم).
أما كون من تعذر غسله 1 ييمم؛ فلأن غسل الميت طهارة على البدن فقام التيمم عند العجز عنه مقامه كالجنابة.
وأما التعذر فكما إذا خيف تقطع الميت إذا غسل كالمجدور والمحترق ونحوهما.
قال: (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً).
أما كون الغاسل عليه ستر ما ذكر؛ فلأن ذكر ذلك شَيْنٌ له وذلك لا يجوز في الحي ففي الميت أولى.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من غسل ميتاً وحنطه وكفنه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رآه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» 2 رواه الإمام أحمد بمعناه.
ولا بد أن يلحظ في هذا الستر اختصاصه بأهل السنة.
وأما أهل البدع كالرافضي فالمستحب إظهاره لتجتنب طريقته وبدعته.
ذكره ابن عقيل.
وأما كون الستر مقيداً بكونه ليس بحسن فلأنه لو كان حسناً لاستحب إظهاره لأن فيه ترغيبًا في طريقته والاقتداء بها.
فصل في الكفن
قال المصنف رحمه الله: (يجب كفن الميت في ماله مقدماً على الدَين وغيره.
فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.
إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته).
أما كون كفن الميت يجب في ماله؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم في المحرم: «كفنوه في ثوبيه» 1.
وقوله في قتلى أحد: «ادفنوهم في ثيابهم بدمائهم» 2.
ولأن حاجة الميت مقدمة في ماله على ورثته بدليل قضاء دَينه.
وأما كونه مقدماً على الدَين فلأن المفلس تقدم كسوته على قضاء الدَين.
فكذلك الميت.
وأما كونه مقدماً على غير الدَين فلأنه إذا قدم على الدَين فعلى غيره بطريق الأولى.
وأما كونه على من تلزمه نفقته غير الزوج إذا لم يكن للميت مال فلأنه تلزمه نفقته حياً لعجزه فلأن يجب عليه كفنه ميتاً بطريق الأولى لأن الميت أشد عجزاً.
وأما كون الزوج لا يلزمه كفن امرأته فلأن كسوة الحياة تجب بالزوجية والتمكن من الانتفاع.
وقد انقطع ذلك بالموت وتعذر الانتفاع فيمتنع ما يجب بسببه.
ودليل الانقطاع إباحة أختها وأربع سواها.
قال: (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها).
أما كون تكفين الرجل يستحب في ثلاث لفائف بيض من غير زيادة عليها ولا نقصان فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كُفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية.
ليس فيها قميص ولا عمامة» 1 متفق عليه.
وأما كونها يبسط بعضها فوق بعض فلأن الحي هكذا يلبس الثياب.
وأما كونها تجمر فلأن ذلك مما يصنع بالعرائس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا بموتاكم كما تصنعون بعرائسكم» 2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً» 3 رواه أحمد.
ولأن هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه فكذلك الميت.
قال: (ثم يوضع عليها مستلقياً، ويجعل الحنوط فيما بينها، ويجعل منه في قطن يجعل منه بين إليتيه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع إليتيه ومثانته، ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده.
وإن طيب جميع بدنه كان حسناً).
أما كون الميت يوضع على أكفانه مستلقياً فلأنه أمكنُ لإدراجه فيها.
وأما كون الحنوط يجعل فيما بينها فلأنه مشروع، ولا يجعل فوق الفوقاني «لأن عمر وابن عمر وأبا هريرة كرهوا ذلك».
وعن الصديق أنه قال: «لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً».
فيتعين أن يكون بينها.
وأما كون الحنوط يجعل بعضه في قطن فلأن القطن يحتاج إليه في مواضع يأتي ذكرها.
وأما كون بعض القطن يجعل بين إليتي الميت فلأن في ذلك منعاً لما يخرج إذا حُمِل وحُرِّك.
وأما كون ذلك يشد فوقه خرقة فلئلا يقع القطن.
وأما كون الخرقة مشقوقة الطرف فليجمع بين ما ذكر.
وصفة ذلك: أن يشق الغاسل طرفيها فيدخلها بين رجليه ويشد أطراف الخرقة بعضها إلى بعض فوق الوركين.
والتبان هو السراويل 1 بلا أكمام.
وأما كون الباقي من القطن يجعل على منافذ وجهه.
وهي: عيناه ومنخراه وأذناه وفمه ومواضع سجوده وهي ركبتاه وجبهته ويداه وأطراف قدميه فلأن في جعل ذلك على المنافذ منعاً من دخول الهوام على مواضع السجود تشريفاً لها.
وأما كونه إذا طيب جميع بدنه يكون حسناً فـ «لأنه يروى عن أنس أنه لما مات طلي بالمسك من قرنه إلى قدمه» 2.
و«طلى ابن عمر ميتاً بالمسك» 3.
قال: (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن، ويرد طرفها الآخر فوقه.
ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك).
أما كون طرف اللفافة العليا ترد على شق الميت الأيمن، وطرفها الآخر يرد فوقه فلأن ذلك عادة في الأحياء في لبس الأقبية والفَرَجِيّات والأردية.
وأما كون الثانية والثالثة يفعل بهما كالأولى فلأنهما في معناها.
قال: (ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه.
ثم يعقدها.
وتحل العقد في القبر.
ولا يخرق الكفن).
أما كون ما عند رأس الميت يجعل أكثر مما عند رجليه فلأن كسوة الحي كذلك فكذا الميت.
وأما كون الأكفان تعقد فلئلا تنحل.
وأما كون العُقد تحل في القبر فلأن المخوف المذكور يزول فيه.
وأما كون الكفن لا يخرّق فلما فيه من تقبيح الكفن المأمور بتحسينه.
ولأن الحي يقبح أن يَتخذ قميصاً مخرقاً فكذلك الميت.
قال: (وإن كُفّن في قميص ومئزر ولفافة جاز.
وتكفن المرأة في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين.
والواجب من ذلك ثوب يستر جميعه).
أما كون الرجل إذا كفن في قميص ومئزر ولفافة يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَلبس عبدالله بن أبي قميصه لما مات» 1 رواه البخاري.
وعن عمرو بن العاص «أن الميت يؤزر ويقمص ويلف بالثالثة».
وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه كفن في ثلاثة أثواب، ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه» 2.
ولأن هذا عادة الحي: القميص والسراويل والطيلسان.
وأما كون المرأة تكفن في خمسة أثواب فلما روت الثقفية قالت: «[كنت] 3 فيمن غسل أمَّ كُلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحِقاء.
ثم
الدرع.
ثم الخمار.
ثم الملحفة.
ثم أدرجت بعد ذلك في الثوب الآخر... مختصر» 1 رواه أبو داود.
والحِقاء: الإزار.
وكذا فسره الإمام أحمد رحمة الله عليه.
وأما كون الواجب من ذلك في حق الميت رجلاً كان أو امرأة ثوباً يستر جميعه فلأن ذلك يكفي الحي البارز بين الناس فلأن يكفي الميت المستتر بالأرض بطريق الأولى.
ولأن الغرض ستره وذلك يحصل بالثوب الواحد.
وقال القاضي: لا يجزئ أقل من ثلاثة لأنه لو جاز واحد لم يجبر الورثة على أكثر منه.
فصل في الصلاة على الميت
قال المصنف رحمه الله: (السنة أن يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة.
ويقدم إلى الإمام أفضلهم.
ويجعل وسط المرأة حذاء رأس الرجل.
وقال القاضي: يسوي بين رؤوسهم).
أما كون السنة أن يقوم الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة فلما روى سمرة بن جندب قال: «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها» 1 متفق عليه.
وروي «أن أنساً صلى على عبدالله بن عمير 2 فقام عند رأسه» 3.
و«صلى على امرأة فقام عند عجيزتها.
فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي كصلاتك يكبر أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم» 4. رواه أبو داود وابن ماجة بمعناه.
ولأن الرجل يخالف المرأة في موقفها مع الإمام فجاز أن يخالفها هنا.
وأما كون أفضلهم يقدم إلى الإمام فلأن الفضيلة يستحق بها التقديم في الإمامة فكذلك هنا.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على ذلك بكونه كان يقدم في القبر أكثرهم قرآناً 1.
وأما كون وسط المرأة يجعل حذاء رأس الرجل على المذهب فلما ذكر من أن السنة أن يقف الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة.
وأما كونهم يسوي بين رؤوسهم على قول القاضي فـ «لأن أمَّ كُلثوم وابنها صلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤوسهما» رواه سعيد في سننه.
ولأن المرأة تابع لا حكم لها.
وروي عن ابن عمر «أنه كان يسوي بين رؤوس الرجال والنساء» 2 رواه أبو حفص.
قال: (ويكبر أربع تكبيرات: يقرأ في الأولى الفاتحة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، ويدعو في الثالثة.
فيقول: اللهم! اغفر لِحَيِّنا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير.
اللهم! من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما.
اللهم! اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
وأبدله داراً خيراً من داره وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وأفسح له في قبره ونور له فيه.
وإن كان صبياً قال: اللهم! اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً.
اللهم! ثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما وألحقه بصالح سلف المؤمنين واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم.
ويقف بعد الرابعة قليلاً.
ويسلم تسليمة 1 واحدة عن يمينه.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة).
أما كون المصلي على الميت يكبر عليه أربعاً فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كبّر على النجاشي أربعاً» 2 متفق عليه.
و«صلى على قبر امرأة دفنت ليلاً فكبر أربعاً» 3.
و«كبر على ابنه إبراهيم أربعاً، وكبر على البراء بن معرور أربعاً، وعلى ابن بيضاء أربعاً».
فإن قيل: فقد روى زيد بن أرقم «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر خمساً» 4.
وروى عبدالله بن مسعود «كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً وخمساً وسبعاً فكبروا ما كبر الإمام» 1.
قيل: إنما اختار إمامنا أحمد الأربع لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن رواة ذلك أكثر.
الثاني: أنه آخر الأمرين فكان ناسخاً لما تقدم.
الثالث: أن عمل الصحابة وإجماعهم عليه: أما العمل فـ «لأن أبا بكر كبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً، وكبر عمر رضي الله عنه على أبي بكر أربعاً، وكبر صهيب على عمر أربعاً، وكبر الحسن على علي أربعاً» 2.
وأما الإجماع فروى النخعي قال: اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته في التكبير على الجنائز: فقال قوم: ثلاثاً، وقوم أربعاً، وقوم خمساً، وقوم سبعاً.
فجمع عمر الصحابة رضوان الله عليهم فأجمعوا على أنه يكبر عليه أربعاً.
وأما كونه يقرأ في الأولى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية ويدعو للميت في الثالثة فلما روي عن مجاهد قال: «سألت ثمانية عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على الجنازة فكلهم يقول: كبر ثم اقرأ ثم كبر ثم صل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم كبر ثم ادع للميت ثم كبر».
وأما كونه يقرأ بالفاتحة فلما روى جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على الجنازة وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن» 1.
فإن قيل: ما صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
قيل: كصفتها في التشهد لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم تلك الصفة حين سألوه عن صفة الصلاة عليه 2. وإن أتى بالصلاة على غير تلك الصفة أجزأ لأن القصد مطلق الصلاة.
وأما كونه يقول في الدعاء للميت كما ذكره المصنف رحمه الله: أما في حق غير الصبي فلأن ذلك مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما قوله: اللهم! اغفر لِحَيِّنا إلى... وأنثانا فرواه أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على الجنازة قال: اللهم! اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا» 3 حديث صحيح.
وأما قوله: اللهم! من أحييته منا... إلى فتوفه عليهما فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد فيه: «اللهم! من أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام» 4 رواه الترمذي وأبو داود.
وأما قوله: اللهم! اغفر له... إلى عذاب النار فرواه عوف بن مالك قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم! اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه.
وأكرم نُزلَه وأوسع مُدخلَه واغسله بالماء والثلج والبرد.
ونقِّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس.
وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه.
وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار.
حتى تمنيت أن يكون أنا ذلك الميت» 1 رواه مسلم.
وأما في حق الصبي فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» 2 رواه أبو داود.
ولأنه لا ذنب له فلم يحتج إلى الاستغفار.
والقول المذكور من: اللهم! اجعله ذخراً لوالديه إلى وقه عذاب الجحيم لائق بحاله مناسب لما هو فيه فشرع ذكره مكان الاستغفار كالاستغفار في حق البالغ.
والجامع بينهما مناسبة كل واحد منهما حال الميت والدعاء له بما يليق بحاله.
وأما كونه يقف بعد الرابعة قليلاً فلأن زيد بن أرقم روى «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعاً.
ثم يقف ما شاء الله فكنت أحسب هذه الوقفة ليكبر آخر الصفوف» رواه الجوزجاني.
وكلام المصنف رحمه الله مشعر بأنه لا يشرع بعد الرابعة ذكر.
وصرح به في المغني عن الإمام أحمد.
وظاهر الحديث المذكور يدل عليه.
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أيضاً عن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى أنه يدعو لأنه يُروى عن عبدالله بن أبي أوفى «أنه صلى على ابنةٍ له فكبر أربعاً.
ووقف بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو.
ثم قال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» 3 رواه الإمام أحمد.
ولأنه قيام في صلاة فكان فيه ذكر مشروع كالذي قبله.
وصفته: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قاله أبو الخطاب؛ لأنه لائق بالمحل.
وأما كونه يسلم تسليمة واحدة فلما روى عطاء بن السائب «أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على الجنازة تسليمة واحدة (1») 2. رواه الجوزجاني.
وروى أبو هريرة «أنه صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر أربعاً وسلم تسليمة واحدة» 3 رواه الدارقطني.
ولأنه تسليم من غير تشهد فلم يسن فيه التكرار كالتسليم على المسلم في غير الصلاة.
وقال القاضي: الواحدة جائزة.
والأفضل اثنتان لما فيه من الخروج من الخلاف.
والأول أصح وأحسن لأن الأخبار في ذلك صحيحة فاتباعها والاقتداء بالسلف الصالح أولى.
وأما التسليمة الواحدة عن يمينه فلما روى ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فسلم عن يمينه» رواه الإمام أحمد.
وأما كونه يرفع يديه مع كل تكبيرة فـ «لأن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه في تكبير الجنازة والعيد» 4.
ولأن تكبير الجنازة تكبير لا يتصل طرفه بسجود ولا بقعود فسن فيه الرفع كتكبيرة الإحرام.1