الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 572-580

فصل قال المصنف رحمه الله: (إذا اختلفا في قدر الدين أو الرهن أو رده، أو قال: أقبضتك عصيراً قال: بل 1 خمراً فالقول قول الراهن).
أما كون القول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في قدر الدين فقال المرتهن: لي عليك ألف رهنتني عليها عبدك فلاناً فقال الراهن: بل مائة، أو في قدر الرهن فقال المرتهن: رهنتني هذا العبد وهذه الجارية فقال الراهن: بل أحدهما؛ فلأن الراهن منكر والقول قول المنكر.
ولأن القول قوله في أصل العقد.
فكذلك في صفته.
وأما كون القول قوله إذا اختلفا في رد الرهن فقال المرتهن: رددته إليك، وقال الراهن: لم أقبضه فلما ذكر.
ولأن الأصل معه والمرتهن قبض العين لمنفعته فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.
وأما كون القول قوله إذا قال: أقبضتك عصيراً فقال المرتهن: بل خمراً؛ فلأن المرتهن معترف بعقد وقبض ويدعي فساده.
والأصل فيه السلامة.
قال: (وإن أقر الراهن أنه أعتق العبد قبل رهنه عتق وأخذت منه قيمته رهناً.
وإن أقر أنه كان جنى أو أنه باعه أو غصبه قُبِل على نفسه، ولم يقبل على المرتهن إلا أن يصدقه).
أما كون العبد المقر بعتقه يعتق؛ فلأن السيد غير متهم في الإقرار بعتقه لأنه لو أنشأ العتق بعد لزوم الرهن عتق لما تقدم.

وأما كون القيمة تؤخذ من المقر رهناً؛ فلأنه فوت عليه الوثيقة بالعتق فلزمته القيمة تجعل رهناً جبراً لما فاته من الوثيقة.
وأما كونه إذا أقر أنه كان جنى أو أنه باعه أو غصبه يقبل قوله على نفسه؛ فلأنه مقر على نفسه فقبل كما لو أقر له بدين.
وأما كونه لا يقبل قوله على المرتهن مع تكذيبه إياه؛ فلأنه متهم في حقه.
ولأن قول الغير على الغير غير مقبول.
فعلى هذا يلزم المقر أرش الجناية إن كان موسراً؛ لأنه حال بين المجني عليه وبين رقبة الجاني بفعله أشبه ما لو قتله، ويتعلق حق المجني عليه برقبته إذا انفك الرهن إن كان معسراً ويستحق المشتري والمغصوب منه الرهن إذا انفك منه؛ لأن اعترافه مقتض لذلك في الحال وفي المآل.
خولف في الحال لأجل حق المرتهن.
فمتى زال: عَمِلَ المقتضي عملَه، وإن صدقه المرتهن ثبت ذلك في الحال؛ لأن المقتضي قائم والمانع زائل.

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإذا كان الرهن مركوباً أو محلوباً فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته متحرياً للعدل في ذلك، وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه فهو متبرع، وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم فعلى روايتين).
أما كون المرتهن له أن يركب ويحلب فيما ذكر بقدر نفقته فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظهرُ يُرْكَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، ولبنُ الدرِّ يُشرَبُ بِنفقتهِ إذا كانَ مَرهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويشربُ النفقة» 1 رواه البخاري.
ولأن الحيوان نفقته واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من منافعه مع بقاء عينه فجاز كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند عدم الإنفاق عليها.
فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع.
قيل: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه روي في بعض الألفاظ إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها.
والثاني: أن قوله: بنفقته فيه إشارة إلى أن الانتفاع عوض النفقة والراهن النفقة عليه لا بطريق المعاوضة وهذا الإنفاق لا فرق فيه بين تعذر النفقة من الراهن بعينه أو امتناع أو مع القدرة على أخذ النفقة منه أو استئذانه لعموم الحديث.
ويجب أن يكون الانتفاع بما ذكر بقدر النفقة لأن فيه معنى المعاوضة.
وعن أحمد لا ينتفع بما ذكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه».
ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم تكن له ذلك كغير المرتهن.

والأول أصح؛ لما ذكر من الحديث.
وقوله: «غنمه» نقول به؛ لأن النماء عندنا للراهن لكن للمرتهن الانتفاع بما ذكر بشرط النفقة لما تقدم.
وفي قول المصنف رحمه الله: وإذا كان الرهن مركوباً أو محلوباً إشعار بأن المرتهن ليس له أن ينتفع بغيرهما.
وقد صرح بذلك المصنف رحمه الله في بقية كتبه وغيره من الأصحاب فيما عدا الخدمة وحكوا في الخدمة روايتين، والأصح أنه لا ينتفع من الرهن إلا بالركوب والحلب؛ لأن القياس يقتضي أن لا ينتفع بشيء من ذلك.
ترك ذلك في الركوب والحلب؛ للأثر.
فيبقى فيما عداه على مقتضى القياس.
وأما كون المرتهن متبرعاً إذا أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه؛ فلأنه مفرط حيث لم يستأذن المالك.
ولأن الرجوع فيه معنى المعاوضة فافتقر إلى الإذن والرضى كسائر المعاوضات.
وأما كونه إذا عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم يرجع على روايةٍ؛ فلأنه فعل ما يجب عليه وهو محتاج إليه لحراسة حقه أشبه الشريك إذا أنفق على الدابة المشتركة مع غيبة شريكه.
وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأن النفقة معاوضة فافتقرت إلى رضا المالك وإذنه كسائر المعوضات.
قال: (وكذلك الحكم في الوديعة وفي نفقة الجمال إذا هرب الجمّال وتركها في يد المكتري.
وإن انهدمت الدار فعمرها المرتهن بغير إذن الراهن لم يرجع به رواية واحدة).
أما كون حكم الإنفاق على الوديعة والجمال التي هرب جمّالها عنها حكم الإنفاق على الرهن على ما ذكر من التفصيل؛ فلتساوي الكل معنى الموجب للتساوي حكماً.
وأما كون المرتهن لا يرجع بما غرمه في الدار المرهونة بغير إذن الراهن رواية واحدة؛ فلأن العمارة لا تجب على الراهن بخلاف نفقة الحيوان.
وذكر صاحب النهاية فيها بعد قوله في هذه المسألة لا يرجع قولاً واحداً أن ابن عقيل قال: يحتمل أن يرجع؛ لأن غرضه حفظ وثيقته.
أشبه الحيوان.

فصل قال المصنف رحمه الله: (وإذا جنى الرهن جناية موجبة للمال تعلق أرشها برقبته ولسيده فداؤه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو بيعه في الجناية أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه.
وعنه: إن اختار فداءه لزمه جميع الأرش، فإن فداه فهو رهن بحاله، وإن سلمه بطل الرهن).
أما كون أرش الجناية تتعلق برقبة الرهن الجاني؛ فلأن الجناية مقدمة على حق المالك، والملك أقوى من الرهن فأولى أن تقدم على الرهن.
فإن قيل: المرتهن أيضاً مقدم على حق المالك.
قيل: حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده بخلاف حق الجناية فإنه ثبت بغير اختياره مقدماً على حقه فيقدم على ما ثبت بعقده.
ولأن حق الجناية مختص بالعين بفواتها وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين ولا يختص بها فكان تعلقه بها أخف وأدنى.
وأما كون السيد له الخيرة بين فدائه وبين بيعه وبين تسليمه؛ فلأن حق المجني عليه في قيمته لا في عينه.
وأما كونه يفديه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأنه إن كان الأرش أقل فالمجني عليه لا يستحق أكثر من أرش الجناية عليه، وإن كانت القيمة أقل فلا يلزم السيد أكثر منها؛ لأن ما يدفعه عوض عن العبد فلا يلزمه أكثر من قيمته كما لو أتلفه.
وأما كونه يلزمه جميع الأرش إن اختار فداءه على روايةٍ؛ فلأنه ربما رغب فيه راغب فيشتريه بأكثر من قيمته.

وأما كونه إذا فداه رهناً بحاله؛ فلأن الرهن لم يبطل، وإنما قدم حق المجني عليه لقوته فإذا زال ظهر حق المرتهن.
وأما كونه إذا سلمه يبطل الرهن؛ فلأن الجناية تعلقت بالعبد وبالتسليم استقر كونه عوضاً عنها فبطل كونه مَحَلاًّ للرهن.
أشبه ما لو مات أو ظهر مستحقاً لغيره.
قال: (فإن لم يستغرق الأرش قيمته بيع منه بقدره وباقيه رهن.
وقيل: يباع جميعه، ويكون باقي ثمنه رهناً).
أما كون الجاني الذي لا يستغرق أرش جنايته قيمته يباع منه بقدر أرش الجناية فقط على المذهب؛ فلأن المقصود يحصل بذلك.
وأما كون باقيه رهناً؛ فلزوال المعارض.
وأما كونه يباع جميعه على قولٍ؛ فلأن تعلق الجناية كتعلق دين الرهن، ودين الرهن ينبسط على جميع أجزائه.
فكذلك دين الجناية.
فعلى هذا إذا بيع دفع منه أرش الجناية والباقي رهن؛ لأنه بدل عن الرهن وعوض عنه فتعلق به ما كان متعلقاً بمبدله.
قال: (وإن اختار المرتهن فداءه ففداه بإذن الراهن رجع به، وإن فداه بغير إذنه فهل يرجع به؟ على روايتين).
أما كون المرتهن يرجع بالفداء إذا فداه بإذن الراهن؛ فلأنه غرمه بإذن مالكه فوجب أن يستحق الرجوع به عليه كما لو أذن المضمون عنه لضامنه في الوفاء.
وأما كونه إذا فداه بغير إذنه هل يرجع به على روايتين؛ فلأنه في معنى ما إذا قضى دين الغير بغير إذنه.
وسيذكر الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
ويشترط في الخلاف المذكور: أن يكون المرتهن يعتقد الرجوع لأنه إذا فداه وهو لا يعتقد ذلك يكون متبرعاً.
ولم يذكر المصنف رحمه الله اعتقاد الرجوع؛ لأنه قد تقرر أن المتبرع ليس له أن يرجع.
واعتمد هنا على لحظ ذلك.
فإن قيل: فلو بذل المرتهن الفداء لتكون العين رهناً عليه وعلى الدين الأول هل كان له ذلك؟

قيل: نعم؛ لأنه في مقابلة جناية ملك الراهن وذلك لازم له، ولهذا تعلق برقبة ملكه.
ذكره ابن عقيل.
وقال صاحب النهاية فيها بعد ذكر قول ابن عقيل: يحتمل أن لا يصير رهناً بالفداء بل يكون ديناً بغير رهن؛ لأن الزيادة في دين الرهن لا يجوز.
قال: (وإن جنى عليه جناية موجبة للقصاص فلسيده القصاص، فإن اقتص فعليه قيمة أقلهما قيمة تجعل مكانه، وكذلك إن جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته) 1. أما كون السيد له القصاص؛ فلأن حاجته داعية إلى ذلك صيانة لماله وزجراً لتعدي الغير عليه.
وقال أبو الخطاب في الهداية: ليس له القصاص بغير رضا المرتهن لما فيه من إسقاط حقه من الوثيقة ويندفع ذلك بإيجاب القيمة تجعل رهناً؛ لأن فيه تعويضاً عن العين فلم يسقط حقه.
وأما كون القيمة عليه إذا اقتص؛ فلأنه أتلف مالاً استحق بسبب إتلاف الرهن.
فغرم قيمته؛ كما لو كانت الجناية موجبة للمال.
وأما كون القيمة أقل القيمتين ومعناه أن الرهن لو كان يساوي عشرة والجاني خمسة أو بالعكس لم يكن عليه إلا الخمسة؛ فلأن في الأولى لم يفوت على المرتهن إلا ذلك القدر، وفي الثانية لم يكن حق المرتهن متعلقاً إلا بذلك القدر.
وقال المصنف في المغني: إن اقتص أخذت منه قيمته فجعلت مكانه رهناً.
وظاهره أنه يجب على الراهن جميع قيمة الجاني وهو متجه؛ لأنه بدل عن الرهن فكان كله رهناً.
وأما كون القيمة تجعل مكانه؛ فلأن ذلك بدل الرهن وعوض عنه.
وأما كون الحكم إذا جنى على سيده فاقتص منه هو أو ورثته كالحكم إذا جنى عليه أجنبي فاقتص الراهن منه؛ فلأنهما مستويان معنى فوجب أن يستويا حكماً.

قال: (فإن عفى السيد على مال أو كانت الجناية موجبة للمال فما قبض منه جعل مكانه فإن عفى السيد عن المال صح في حقه ولم يصح في حق المرتهن، فإذا انفك الرهن رد إلى الجاني.
وقال أبو الخطاب: يصح وعليه قيمته).
أما كون ما قبض من الفداء إذا عفى السيد على مال أو كانت الجناية موجبة له يجعل مكانه؛ فلأن ذلك بدل عنه فوجب أن يعطى حكمه.
وأما كون السيد إذا عفى عن المال يصح في حقه دون المرتهن على الأول؛ فلأن عفوه صادف حقاً له وحقاً لغيره فصح في حقه؛ لأنه لا مانع منه ولم يصح في حق الغير لما فيه من إبطال حقه.
فعلى هذا إذا انفك الرهن رد إلى الجاني؛ لزوال المانع.
وأما كونه يصح مطلقاً على قول أبي الخطاب؛ فلأنه إبراء صدر من مالك فوجب أن يصح كما لو لم يكن بدلاً عن رهن وحق المرتهن مجبور بإيجاب القيمة على الراهن.
فعلى هذا عليه قيمته ليحصل الجبر.
وقال بعض أصحابنا: لا يصح مطلقاً؛ لأن حق المرتهن متعلق به.
أشبه ما لو وهبه أو ما لو عصبه فأبرأ الغاصب منه.
قال: (وإن وطئ المرتهن الجارية من غير شبهة فعليه الحد والمهر، وولده رقيق.
وإن وطئها بإذن الراهن، وادعى الجهالة، وكان مثله يجهل ذلك فلا حد عليه ولا مهر وولده حر لا تلزمه قيمته).
أما كون المرتهن عليه الحد والمهر إذا وطئ الجارية المرهونة بغير شبهة؛ فلأنه وطء حرام لا شبهة فيه فأوجب ذلك كما لو لم يكن رهناً.
وأما كون ولده رقيقاً؛ فلأن الجارية ملك لغير الواطئ.
وأما كونه لا حد عليه إذا وطئ بإذن الراهن وادعى الجهالة ومثله يجهل ذلك؛ فلأن ذلك شبهة والحد يدرأ بالشبه.
وأما كونه لا مهر عليه؛ فلأن المهر يجب للسيد بسبب الوطء وقد أذن فيه.
أشبه قيمة الجارية إذا أذن في قتلها.

وأما كون ولده حراً؛ فلأنه اعتقد حل الوطء وأن ولده حر وكان حراً كولد المغرور.
وأما كونه لا تلزمه قيمته بخلاف المغرور؛ فلأن ذلك حدث عن وطء ما دون فيه.
فلم تلزمه قيمة الولد؛ كالمهر.
وقال صاحب النهاية فيها: قال ابن عقيل: لا تسقط قيمة الولد؛ لأنه أحال بين الولد وبين مالكه باعتقاده فلزمه قيمته كالمغرور.
وفرّق بين المهر والولد من حيث: إن الإذن صريح في الوطء الموجب للمهر فأسقطه بخلاف الولد فإن الإذن في الوطء ليس بصريح في الإحبال فلم يسقطه.
ثم قال صاحب النهاية: والأول أصح؛ لأن الإذن في الوطء إذن فيما يترتب عليه، والإحبال والولد مما يترتب عليه فكان إذناً فيه.
فلم تلزمه قيمة الولد؛ كالمهر.

جارٍ التحميل