الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3صفحات 452-491

ولأن الرد كان جائزاً قبل حدوث العيب فلا يزول عنه إلا بدليل وضرر البائع ينجبر برد أرش العيب الحادث عند المشتري عليه.
فعلى هذا إن أمسك المبيع وأخذ أرش العيب الموجود قبل البيع فلا إشكال، وإن رد المبيع نظر في البائع فإن لم يكن دلس العيب وجب على المشتري رد أرش العيب الحادث عنده؛ لأن التلف حصل في يده فكان ضمانه عليه.
ولأن الأرش الحادث في ملك البائع عليه.
فكذلك الأرش الحادث في ملك المشتري وإذا وجب على المشتري ذلك سقط من الثمن ما قابله إن كان من جنسه وأخذ المشتري باقي الثمن؛ لأنه عوض فات معوضه.
وإن كان البائع دلس العيب لم يجب على المشتري رد أرش العيب الحادث عنده لأن البائع غرّه فكان ما يستحقه عليه من أرش العيب الحادث عليه كما لو زوجه أمة على أنها حرة.
ويأخذ المشتري من البائع الثمن كاملاً لفوات معوضه السالم عن استحقاق أرش.
قال: (قال القاضي: ولو تلف المبيع عنده ثم علم أن البائع دلس العيب رجع بالثمن كله.
نص عليه في روايةِ حنبل.
ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت وأرش البكر إذا وطئها لقوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 1، وكما يجب عوض لبن المصراة على المشتري).
أما كون المشتري يرجع بالثمن كله من غير أن يضمن العين على منصوص الإمام أحمد فلما ذكر في أرش العيب الحادث عند المشتري إذا دلسه البائع.
وأما كونه يحتمل أن يلزمه عوض العين وأرش البكر؛ فلأن التلف حصل في يده.
وقد أيد المصنف هذا الاحتمال بأن قال في المغني: مذهب أكثر أهل العلم فيما أرى أن المبيع بعد قبضه من ضمان المشتري سواء دلس البائع العيب أو لم يدلسه وهو معنى قوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 2.

ولأن المصراة أصل الرد بالعيب، والتصرية تدليس ومع ذلك أوجب على المشتري عوض اللبن.
ولأنه مبيع تعيب في يد المشتري بعد تمام ملكه عليه فكان من ضمانه كما لو لم يدلسه.
قال: (وإن أعتق العبد أو تلف المبيع رجع بأرشه، وكذلك إن باعه غير عالم بعيبه نص عليه، وكذلك إن وهبه.
وإن فعله عالماً بعيبه فلا شيء له، وذكر أبو الخطاب رواية أخرى فيمن باعه ليس له شيء إلا أن يرد عليه المبيع فيكون له حينئذ الرد أو الأرش).
أما كون المشتري يرجع بالأرش إذا أعتق العبد؛ فلأن الرد تعذر من جهته أشبه ما لو أمسك المبيع.
ولأنه كان مخيراً بين الرد والأرش فإذا تعذر الرد تعين الأرش لأن التخيير بين سببين يقتضي تعين أحدهما عند تعذر الآخر.
وأما كونه يرجع بالأرش إذا تلف المبيع فلتعينه طريقاً إلى استدراك ظلامته.
وأما كونه إذا باعه غير عالم بعيبه كذلك على المذهب؛ فلأن الرد متعذر أشبه ما لو أعتقه أو تلف في يده.
وأما كونه لا أرش له على روايةٍ؛ فلأنه استدرك ظلامته بالبيع 1 لكن إن رد عليه كان له حينئذ الخيرة بين الرد والأرش لأن الرد إنما امتنع للتعذر أو استدراك الظلامة فإذا عاد ملكه زالا فيكون له الخيرة كما لو لم يبعه.
وأما كونه إذا وهبه كذلك؛ فلأن الهبة كالبيع المذكور معنى فكذا يجب أن تكون حكماً 2. وأما كونه إذا باعه عالماً بالعيب لا شيء له؛ فلأنه تصرف في المبيع بعد علمه بعيبه أشبه ما لو صرح بالرضا بالعيب.

وقال المصنف في المغني: قياس المذهب أنه يستحق الأرش لأن له إمساك المعيب والمطالبة بالأرش، والتصرف هنا مُنَزّل منزلة الإمساك مع العلم.
قال: (وإن باع بعضه فله أرش الباقي، وفي أرش المبيع الروايتان.
وقال الخرقي: له رد ملكه منه بقسطه من الثمن أو أرش العيب بقدر ملكه فيه).
أما كون البائع له أرش باقي المبيع؛ فلأنه باق 1 في يده فات منه جزء اقتضى العقد تسليمه فكان له بدله أشبه ما لو كان الكل.
وأما كونه له أرش المبيع ففيه الروايتان المذكورتان فيما إذا باعه كله.
وقد تقدم ذكر ذلك تفصيلاً ودليلاً.
ومفهوم كلام المصنف رحمه الله أنه ليس له رد الباقي لأنه اقتصر على الأرش.
ولم تثبت له الخيرة بين الأرش والرد لما تقدم، ويؤيده قوله بعد: وقال الخرقي: له رد ملكه لأنه مشعر بأنه خلاف ما تقدم.
وقال القاضي: رد الباقي مُخَرّج على تفريق الصفقة.
والمنصوص عن الإمام أحمد جواز الرد كما قال الخرقي لأنه مبيع ظهر على عيبه وأمكنه رده فكان له ذلك كما لو كان جميعه باقياً.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: الذي يقتضيه النظر أن المبيع إن كان ينقص بالتفريق كمصراعي باب وما أشبهه لا يملك رده لما فيه من الضرر على البائع من نقصان القيمة وسوء المشاركة، وإن لم يكن كذلك يُخرّج على تفريق الصفقة.
قال: (وإن صبغه أو نسجه فله الأرش.
وعنه: له الرد ويكون شريكاً بصبغه ونسجه).
أما كون من ذكر له الأرش فلما تقدم غير مرة.
ومفهومه أنه لا رد له وذلك صحيح على المذهب لأنه شغل المبيع بملكه فلم يكن له رده لما فيه من سوء المشاركة.
وأما كونه له الرد ويكون شريكاً بقيمة الصبغ والنسج على روايةٍ فقياس على الغاصب.

والأول المذهب لأن استدراك ظلامة المشتري ممكنة على وجهٍ لا يتضرر البائع فتعين لما فيه من الجمع بين الحقين.
قال: (وإن اشترى ما مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسداً فإن لم يكن له مكسوراً قيمة كبيض الدجاج رجع بالثمن كله وإن كان له مكسوراً قيمة كبيض النعام وجوز الهند فله أرشه.
وعنه: يتخير بين أرشه وبين رده ورد ما نقصه وأخذ الثمن.
وعنه: ليس له رد ولا أرش في ذلك كله).
أما كون من اشترى ما مأكوله في جوفه وكسره فوجده فاسداً ولم يكن له مكسوراً قيمة كبيض الدجاج وما أشبهه يرجع بالثمن كله؛ فلأنه تبين أنه لا ينفع وذلك يوجب عدم صحة بيعه لأن بيع ما لا نفع فيه لا يصح وما لا يصح بيعه يرجع مشتريه بثمنه كله.
وأما كونه إذا كان له مكسوراً قيمة كبيض النعام وجوز الهند وما أشبههما له أرشه على المذهب؛ فلأنه تعذر رده من أجل كسره وإذا تعذر رده تعين الأرش.
وأما كونه يتخير بين أرشه وبين رده ورد ما نقصه وأخذ الثمن على روايةٍ فكما لو تعيب في يده على رواية.
وقال القاضي: إن كسره كسراً لا يمكن استعلام المبيع إلا به فله رده استدراكاً لظلامته ولا أرش عليه لأن الكسر حصل ضرورة الاستعلام، وإن زاد الكسر على ذلك خرج على الروايتين فيما إذا تعيب في يده.
وأما كونه ليس له رد ولا أرش في ذلك كله على روايةٍ؛ فلأن البائع لم يوجد منه تدليس ولا تفريط لعدم معرفته بعيبه.
قال: (ومن علم العيب فأخر الرد لم يبطل خياره إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضا من التصرف ونحوه.
وعنه: أنه على الفور.
ولا يفتقر الرد إلى رضا ولا قضاء ولا حضور صاحبه).
أما كون من علم العيب لا يبطل بتأخير الرد مع عدم وجدان ما يدل على الرضا بالمبيع معيباً على المذهب؛ فلأنه خيار لدفع الضرر المتحقق فلم يبطل بالتأخير الخالي عن الرضا به كجناية القصاص.

وأما كونه يبطل بتأخير الرد مع وجدان ما يدل على رضا المشتري بالمبيع معيباً مثل إن استغل المبيع أو عرضه على البيع أو تصرف فيه مع علمه بعيبه لأن دليل الرضا منزل منزلة التصريح به.
وأما كونه على الفور على روايةٍ؛ فلأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال أشبه خيار الشفعة.
وأما كون الرد المذكور لا يفتقر إلى رضا ولا قضاء ولا حضور صاحبه؛ فلأنه رفع عقد جعل إليه فلم يعتبر ذلك فيه كالطلاق.
قال: (وإن اشترى اثنان شيئاً وشرطا الخيار أو وجداه معيباً فرضي أحدهما فللآخر الفسخ في نصيبه.
وعنه: ليس له ذلك).
أما كون من لم يرض له الفسخ في نصيبه على المذهب؛ فلأن نصيبه جميع ما ملكه بالعقد فجاز له رده بالعيب تارة والشرط تارة كجميع المبيع.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن المبيع خرج من ملك البائع دفعة واحدة فإذا رد أحدهما نصيبه رده مشتركاً ناقصاً فلم يكن له ذلك كما لو تعيب عنده.
قال: (وإن اشترى واحد معيبين صفقة واحدة فليس له إلا ردهما أو إمساكهما، فإن تلف أحدهما فله رد الباقي بقسطه، والقول في قيمة التالف قوله مع يمينه).
أما كون الواحد إذا اشترى ما ذكر ليس له إلا ردهما أو إمساكهما؛ فلأن في رد أحدهما تفريقاً للصفقة على البائع مع إمكان أن لا يفرقها أشبه رد بعض المعيب الواحد.
قال المصنف في المغني: القياس أنها كالمسألة قبلها.
يعني ما إذا اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيباً وفيها روايتان مضى ذكرهما وتعليلهما.
فعلى هذا يخرج في المسألة المذكورة هنا رواية أن للمشتري رد أحد المعيبين.
وعلل المصنف في المغني فقال: إذ لو كان إمساك أحدهما مانعاً من الرد لمنع من الرد إذا كان صحيحاً.
وأما كونه له رد الباقي بقسطه إذا تلف أحدهما؛ فلأن التالف لا يمكنه رده بخلاف ما إذا كان موجوداً.

وحكى المصنف في المغني: أن الرد هنا على الروايتين في رد أحدهما.
فعلى هذا إن قلنا ليس له رد أحدهما فليس له رد الباقي إذا تلف أحدهما.
وأما كون القول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه؛ فلأنه بمنزلة الغارم لأن قيمة التالف إذا زادت زاد قدر ما يغرمه فهو بمنزلة المستعير والغاصب.
قال: (وإن كان أحدهما معيباً فله رده بقسطه.
وعنه: لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما، وإن كان المبيع مما ينقصه التفريق كمصراعي باب وزوجَيْ خف أو جارية وولدها فليس له رد أحدهما).
أما كون المشتري لما ذُكر له رد المعيب وحده بقسطه من الثمن إذا لم يكن مما ينقصه التفريق ولم تكن جارية وولدها على المذهب؛ فلأنه رد للمبيع المعيب على وجهٍ لا ضرر فيه على البائع فجاز كما لو رد الجميع.
وأما كونه لا يجوز له إلا ردهما أو إمساكهما على روايةٍ؛ فلأن رد المعيب وحده تبعيض للصفقة على المشتري فلم يكن له ذلك كما لو كان المبيع مما ينقص بالتفريق.
وأما كونه ليس له رد أحدهما إذا كان مما ينقص بالتفريق كمصراعي باب وزوجي خُفّ؛ فلأن الرد يتضمن ضرر البائع، والخيار إنما ثبت لإزالة الضرر ولا يزال الضرر بالضرر.
وأما كونه ليس له ذلك إذا كان جارية وولدها؛ فلأن في رد أحدهما تفريقاً بينهما وذلك لا يجوز لما تقدم في موضعه.
ولا بد أن يلحظ في المنع من الجارية وولدها ما في معناهما ممن يحرم التفريق بينهما كغيرهما من كل ذي رحم محرم لأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وكذلك زاد بعض من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح أو ممن يحرم التفريق بينهما.

قال: (وإن اختلفا في العيب هل كان عند البائع أو حدث عند المشتري ففي أيهما يقبل قوله؟ روايتان.
إلا أن لا يحتمل إلا قول أحدهما فالقول قوله بغير يمين).
أما كون القول قول المشتري في العيب الذي يحتمل حدوثه قبل الشراء وبعده كالخرق والرفو 1 في الثوب وما أشبه ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق القدر الذي قابل العيب من الثمن فكان القول قول من ينفيه كما لو اختلفا في قبض الجميع.
وأما كون القول قول البائع في ذلك في روايةٍ؛ فلأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد.
ولأن المشتري يدعي عليه فسخ العقد وهو ينكره.
وأما كون القول قول من لا يحتمل إلا قوله؛ فلأن غيره كاذب في قوله.
فإن قيل: ما صورة ذلك؟ قيل: ذلك على ضربين: أحدهما: أن لا يحتمل إلا قول المشتري مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه عند المشتري كالأصبع الزائدة والجراحة المندملة التي لا يحتمل حدوث مثلها.
وثانيهما: أن لا يحتمل إلا قول البائع مثل: أن يكون مما لا يحتمل حدوثه قبل البيع كالجرح الطري الذي لا يحتمل كونه قديماً.
والقول في الأول قول المشتري وفي الثاني قول البائع لما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: بغير يمين فإشارة إلى أن اليمين لا تجب في الموضعين المذكورين في حق مَن القول قوله لأن اليمين إنما شرع في موضع يحتمل صدق صاحبه.
وفي قوله: بغير يمين أيضاً إشعار بأن المسألة قبلُ تجب اليمين على من قيل القولُ قولُه لأنه يحتمل صدق صاحبه.
وصفة يمين المشتري: أن يحلف بالله أنه اشتراه وبه هذا العيب وأنه ما حدث عنده.

وصفة يمين البائع على حسب جوابه: إن أجاب: بعته بريئاً من العيوب حلف على ذلك، وإن أجاب: لا يستحق عليّ ما يدعيه من الرد حلف على ذلك.
قال: (ومن باع عبداً تلزمه عقوبة من قصاص أو غيره يعلم المشتري ذلك فلا شيء له، وإن علم بعد البيع فله الرد أو الأرش، فإن لم يعلم حتى قتل فله الأرش).
أما كون المشتري لا شيء له إذا اشترى عبداً عالماً أنه تلزمه عقوبةٌ من قصاص أو غيره؛ فلأنه إذا اشتراه مع علمه بذلك يكون راضياً بعيبه أشبه ما إذا اشترى المبيع عالماً بعيبه.
وأما كونه له الخيرة بين الرد والأرش إذا لم يعلم بذلك إلا بعد البيع؛ فلأن ذلك عيب فملك به الخيرة المذكورة كسائر العيوب.
وأما كونه له الأرش إذا لم يعلم حتى قتل؛ فلأن الرد تعذر فتعين الأرش.
فإن قيل: الأرش هنا ما هو؟ قيل: قسط ما بين كونه جانياً وبين كونه غير جان من ثمنه.
مثاله: أن يقال قيمته وهو غير جان مائة وقيمته وهو جان خمسون فما بينهما خمسون نسبتها إلى القيمة النصف فالأرش إذاً نصف الثمن.
فإن قيل: هلا يرجع بالثمن كله لأن قتله بسبب حصل عند البائع فجرى مجرى ما لو أتلفه؟ قيل: التلف حصل في يد المشتري بسبب كان عند البائع فلم يرجع بجميع الثمن كما لو اشتراه فبان مريضاً ثم مات بداءٍ به أو مرتداً فقتل بردته.
قال: (وإن كانت الجناية موجبة للمال والسيد معسر قدم حق المجني عليه وللمشتري الخيار، وإن كان السيد موسراً تعلق الأرش بذمته والبيع لازم).
أما كون حق المجني عليه يقدم؛ فلأن حق الجناية سابق على حق المشتري فإذا تعذر إمضاؤهما قدم السابق.

وأما كون المشتري له الخيار؛ فلأن تمكن المجني عليه من انتزاعه عيب فيه فملك الخيار به كما لو اشترى شيئاً فبان معيباً.
وأما كون الأرش يتعلق بذمة السيد مع يساره؛ فلأنه أزال ملكه من عين تعلق بها حق المجني عليه فلزمه الأرش كما لو قتله.
وأما كون البيع مع ذلك لازماً؛ فلأنه لا ضرر على المشتري لتمكن المجني عليه من الرجوع على البائع.

فصل [في خيار التولية] قال المصنف رحمه الله: (السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال).
أما كون الخيار يثبت للمشتري في الصور المذكورة إذا ظهر له ببينة أو أقر أن رأس المال أقل؛ فلأن البائع ظلمه في القدر الذي زاد عليه فوجب أن يثبت له الخيار استدراكاً لظلامته قياساً على ما لو ظهر المبيع معيباً.
ولأن المشتري ربما كان له غرض في الشراء على الوجه الذي أوقعه لكونه حالفاً أو وصياً في الشراء على الوصف الذي فعله.
وأما كونه لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال؛ فلأن العقد يعتمد ذلك إذ معنى التولية: البيع برأس المال، والشركة: بيع البعض بحصته من ذلك، والمرابحة: بزيادة على ذلك، والمواضعة: بوضيعة من ذلك فإذا لم يكن رأس المال معلوماً خرجت الصور عن موضوعاتها.
فإن قيل: لم خص المشتري بمعرفة رأس المال؟ قيل: لأن الظاهر أن المشتري لا يعرفه بخلاف البائع لا أن ذلك شرط في المشتري دون البائع.
فعلى هذا لو كان البائع قد نسي رأس ماله لم يجز بيعه إلا مساومة لأنه لو باع بغير ذلك كان كاذباً لأنه لا بد في جميع الصور أن يقول: رأس ماله كذا فإذا لم يكن عالماً بذلك ولا ظاناً كان كاذباً.
قال: (ومعنى التولية: البيع برأس المال؛ فيقول: وليتكه أو بعتكه برأس ماله أو بما اشتريته أو برقمه، والشركة: بيع بعضه بقسطه من الثمن، ويصح بقوله:

شركتك 1 في نصفه أو ثلثه، والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: رأس مالي فيه بعتكه بها وربح عشرة أو على أن أربح في كل عشرة درهماً، والمواضعة أن يقول: بعتكه بها ووضيعة درهم من كل عشرة فيلزم المشتري تسعون درهماً، وإن قال: ووضيعة درهم لكل عشرة لزمه تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم).
أما قول المصنف رحمه الله: ومعنى التولية: البيع برأس المال، والشركة: بيع بعضه بقسطه، والمرابحة: أن يبيعه بربح، والمواضعة أن يقول: بعتكه بها ووضيعة درهم فبيان لمعاني البيوع المذكورة.
وفي ذكر ذلك إشارة إلى صحة البيع بذلك كله؛ لأن الثمن معلوم في جميع ذلك فإذا وجد منضماً إلى بقية الشروط وجب الحكم بالصحة عملاً بالعلة المقتضية لها السالمة عن المعارض.
وأما قوله عقيب كل تفسير: فيقول، فتنبيه على أن البياعات المذكورة لها ألفاظ ينعقد البيع بها.
وأما قوله: وليتكه أو بعتكه فتنبيه على أن التولية لها لفظان: أحدهما: لفظ التولية لأن التولية معناها البيع برأس المال فإذا قال: وليتك هذا الثوب كان بمنزلة ما لو قال: بعتكه برأس ماله.
وثانيهما: لفظ البيع.
فيصح بقوله: بعتكه برأس ماله، وبقوله: بعتكه بما اشتريته، وبقوله: بعتكه برقمه لأن لفظ البيع صريح في معناه فإذا اتصل به أحد ما ذكر كان بمنزلة قوله: بعتكه بمائة.
فإن قيل: قد تقدم أن البيع بالرقم لا يصح فكيف يصح هاهنا؟ قيل: حيث قيل لا يصح يكون الثمن مجهولاً عندهما أو عند أحدهما، وحيث قيل: يصح يكون ذلك معلوماً عندهما.
وقد تقدم هنا 2 ما يوجب العلم بالثمن وهو قوله: ولا بد من معرفة المشتري رأس المال بخلاف ما تقدم فإنه لم يتقدمه ما يدل على العلم بالثمن ولذلك قال هنا: برأس ماله أو بما اشتريته من غير تعيين لأنه اعتمد على اشتراط معرفة المشتري ذلك بما سبق.

وأما كون الشركة تصح بقوله: شركتك في نصفه أو ثلثه؛ فلأنه لفظ موضوع للشركة حقيقة فصح به كسائر ألفاظ الحقيقة، وتصح بقوله: بعتك نصفه بنصف رأس ماله وما أشبهه لأنه يفيد المقصود.
وأما كون المرابحة تصح بقوله: رأس مالي فيه مائة بعتكه بها وربح عشرة، أو على أن أربح في كل عشرة درهماً؛ فلأن الثمن والربح معلومان.
وللمرابحة صورتان: إحداهما: تصح من غير كراهة وهو ما تقدم ذكره لما ذكر.
والثانية: تكره.
وهي أن يقول: ده يازده أو ده دوازده 1 لأن ابن عمر وابن عباس كرهاه 2. ولأن الثمن قد لا يعلم في الحال.
وأما كون المواضعة تصح بقوله: بعتكه برأس ماله ووضيعة درهم من كل عشرة؛ فلأنه لفظ محصل لمقصود البيع بدون رأس المال.
وأما كون المشتري يلزمه في هذه الصورة تسعون؛ فلأن المائة عشر عشرات فإذا أسقط من كل عشرة درهم بقي تسعون.
وأما كونه يلزمه 3 في قوله: ووضيعة درهم لكل عشرة تسعون درهماً وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم؛ فلأنه لما قال: لكل عشرة درهم وجب أن يكون الدرهم من غير العشرة فكأنه قال: من كل أحد عشر درهماً درهم فيجب أن يسقط من تسعة وتسعين تسعة ومن أحد عشر جزءاً من درهم جزء فيبقى تسعون وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءاً من درهم.

قال: (ومتى اشتراه بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبين ذلك للمشتري في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد).
أما كون المشتري له الخيار المذكور فيما إذا كان الشراء بثمن مؤجل ولم يبينه البائع له؛ فلأن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن فإذا بان للمشتري ذلك وجب أن يثبت له الخيار استدراكاً لظلامته.
وأما كونه له ذلك إذا اشتراه ممن لا تقبل شهادته له؛ فلأنه متهم في حقهم لكونه يحابيهم ويسمح لهم.
وأما كونه له ذلك إذا اشتراه حيلة؛ فلأن ذلك تدليس وهو حرام فأثبت الخيار كتدليس العيب.
وأما كونه له ذلك إذا باع بعض ما اشتراه؛ فلأن قسمة الثمن على ذلك تخمين، واحتمال الخطأ فيه كثير.
وأطلق المصنف رحمه الله ثبوت الخيار هنا في بيع بعض الصفقة، وصرح في المغني بأن البيع إن كان مما ينقسم الثمن عليه بالأجزاء كالمكيل والموزون من صنف واحد جاز بيع بعضه مرابحة لأن ذلك لا يحتاج إلى تخمين بل الثمن مقسوم عليه بالأجزاء وذلك يستدعي عدم ثبوت الخيار لأن جوازه يستدعي نفي الضرر عن المشتري وإلا حرم كالذي لا ينقسم وإذا لم يتضرر فلا خيار وهذا صحيح يجب حمل كلام المصنف هنا عليه.
وفي ثبوت الخيار في الصورة المذكورة إشعار بأمرين: أحدهما: أن البائع يجب عليه أن يبين ذلك كله للمشتري لأن كتمانه تدليس وذلك حرام لما تقدم.
وثانيهما: أن البيع مع الكتمان صحيح لأن غاية ما تقدم أنه بيع دلس فيه، وذلك لا يمنع الصحة دليله بيع المعيب.
ولأن الضرر يمكن استدراكه بثبوت الخيار فلم تدعُ حاجة إلى إبطاله.

قال: (وما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار أو يؤخذ أرشاً لعيب أو جناية عليه يلحق برأس المال ويخبر به، وإن جنى ففداه المشتري أو زيد في الثمن أو حط منه بعد لزومه لم يلحق به).
أما كون ما يزاد في الثمن أو يحط منه في مدة الخيار يلحق برأس المال ويخبر به؛ فلأن ذلك من الثمن فوجب إلحاقه برأس المال والإخبار به كأصله.
وأما كون ما يؤخذ أرشاً لعيب أو جناية عليه تلحق برأس المال ويخبر به؛ فلأنه أُخذ في مقابلة جزء من المبيع.
وأما كون ما تُفدى به الجناية لا يلحق برأس المال؛ فلأن ذلك ليس من الثمن ولا يزاد به المبيع.
وأما كون ما زيد في الثمن أو حط منه بعد لزوم العقد لا يلحق برأس المال؛ فلأن الزيادة حينئذ بمنزلة الهبة من المشتري والنقصان من البائع لأنه لا يلزم واحداً منهما ذلك فلم يجب إلحاقه به كما لو وهب أحدهما الآخر شيئاً.
قال: (وإن اشترى ثوباً بعشرة وقصره بعشرة أخبر به على وجهه، فإن قال: تحصل علي بعشرين فهل يجوز ذلك؟ على وجهين.
وإن عمل فيه بنفسه عملاً يساوي عشرة لم يجز ذلك وجهاً واحداً).
أما كون المشتري يخبر بما فعل على وجهه؛ فلأنه لو ضم ذلك إلى الثمن وقال: رأس ماله كذا كان كذباً وتغريراً بالمشتري.
وأما كونه يجوز أن يقول: تحصَّل عليّ بعشرين على وجهٍ؛ فلأنه صادق.
وأما كونه لا يجوز على وجهٍ؛ فلأن فيه تلبيساً ويحتمل أن المشتري لو علم الحال لما رغب فيه لكون ذلك العمل مما لا حاجة إليه أشبه ما لو أنفقه عليه.
قال المصنف في الكافي: بعد ذكره هذا الوجه في المسألة هو ظاهر كلام أحمد.
وأما كونه لا يجوز أن يقول ذلك إذا عمل ما تقدم ذكره بنفسه وجهاً واحداً؛ فلأنه كاذب لأن ما عمله لم يغرم بسببه شيئاً، وإخباره بأنه تحصل عليه بعشرين كذب.

قال: (وإن اشتراه بعشرة ثم باعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة أخبر بذلك على وجهه، وإن قال: اشتريته بعشرة جاز.
وقال أصحابنا: يحط الربح من الثمن الثاني ويخبر أنه اشتراه بخمسة).
أما كون المشتري يخبر بالحال على وجهه؛ فلأنه أقرب إلى الحق وأبلغ في الصدق.
وأما كونه يجوز أن يقول: اشتريته بعشرة؛ فلأنه اشتراه بذلك.
وأما كونه يحط الربح من الثمن الثاني على قول الأصحاب؛ فلأن الربح أحد نوعي النماء فوجب أن يخبر به في المرابحة كالنماء من نفس المبيع كالولد والثمرة.
وأما كونه يخبر بأنه اشتراه بخمسة؛ فلأن الربح لما حط من الثمن بقي ذلك.
وقد روي عن الإمام أحمد أنه لما بلغه أن ذلك مذهب ابن سيرين أعجبه وظاهره أنه أوجب ذلك.
وفي قول المصنف رحمه الله: وقال أصحابنا إشعار بأن جواز الإخبار بأنه بعشرة اختياره.
وقال في المغني بعد ذكره الإخبار بمثل الثمن الثاني: وهو الصحيح.
وحمل كلام الإمام أحمد في ذلك 1 على الاستحباب.
ويجاب عن قياس الربح على الأرش بأن إلحاق الربح بالكسب أولى من إلحاقه بالأرش 2 لأن الربح والكسب نماء من غير عين المبيع بخلاف الأرش فإنه عوض عن جزء من عين المبيع ولو كان المبيع عبداً فكسب لا يجب أن يحط ذلك من الثمن.
فكذلك الربح.

فصل [في خيار اختلاف المتبايعين] قال المصنف رحمه الله: (السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين.
ومتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا فيبدأ بيمين البائع فيحلف ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، فإن نكل أحدهما لزمه ما قال صاحبه، وإن تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه أُقر العقد وإلا فلكل واحد منهما الفسخ، وإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها، فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري.
وعنه: لا يتحالفان إذا كانت تالفة والقول قول المشتري مع يمينه، وإن ماتا فورثتهما بمنزلتهما).
أما كون الخيار يثبت لاختلاف المتبايعين مثل: أن يدعي المشتري أن البائع باعه العبد بمائة فيقول البائع: بل بمائة وخمسين؛ فلأن ابن مسعود روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 1 رواه الإمام أحمد والشافعي.
وفي لفظ: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع» 2 رواه ابن ماجة.
وفي سياقه أن ابن مسعود رواه للأشعث بن قيس وقد اختلفا في ثمن مبيع فقال للأشعث: فإني أرى أن أرد البيع.

ولأنه فسخ لاستدراك الظلامة فوجب أن يثبته الاختلاف كالرد بالعيب.
وأما كون المتبايعين يتحالفان والسلعة قائمة؛ فلأن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا» 1. ولأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه؛ فإن البائع يدعي الأكثر وينكر الأقل، والمشتري يدعي الأقل وينكر الأكثر.
ولا بد أن يلحظ في التحالف عدم البينة فإن كان لأحدهما بينة قُضي بها لترجحه بها.
ولأن في الحديث المتقدم: «ولا بينة لأحدهما».
فإن كان لكل واحد منهما بينة تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما.
وأما كونهما يتحالفان إذا كانت السلعة تالفة على روايةٍ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 2، وقياساً على ما إذا كانت السلعة باقية لم تتلف.
فعلى هذه الرواية يُرجع إلى قيمة مثل السلعة المبيعة لأن رد العين متعذر فوجب الرجوع إلى القيمة كما لو أتلف مال آدمي.
فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري لأنه غارم.
وظاهر كلام أبي الخطاب: أن القيمة إذا زادت على الثمن لا يلزم المشتري الزيادة لأنه قال: المشتري بالخيار بين دفع الثمن الذي ادعاه البائع وبين دفع القيمة.
ووجهه: أن البائع لا يدّعي الزيادة فلم يلزم المشتري كما لو أقر لرجل بما لا يدعيه.
وقال صاحب النهاية فيها: إيجاب الزيادة أظهر لأن بالفسخ سقط اعتبار الثمن.
وأما كونهما لا يتحالفان على روايةٍ؛ فلأن مفهوم قوله عليه السلام: «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا» 3 أن التحالف لا يشرع عند عدم السلعة.

ولأنهما اتفقا على نقل السلعة إلى المشتري واختلفا في قدرٍ زائدٍ البائع يدعيه والمشتري ينكره والقول قول المنكر.
ترك هذا حال قيام السلعة للحديث فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
فعلى هذا القول قول المشتري مع يمينه لما تقدم ذكره.
والأولى أولى اختارها الخرقي؛ لما تقدم.
ولأن كل واحد منهما مدع ومنكر فتشرع اليمين كحال قيام السلعة.
ولأنه إذا ثبت مع قيام السلعة مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها؛ لأن الظاهر أن الثمن يكون بالقيمة فمع تعذر ذلك أولى.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والسلعة قائمة» فلأجل تراد المبيع لا لأجل عدم مشروعية التحالف حال تلف السلعة.
وأما ترك ما تقدم ذكره هنا فيجوز إذا لُحظ مساواة محل النزاع محل الوفاق فيما ترك لأجله في محل الوفاق.
وأما كونه يبدأ بيمين البائع؛ فلأنه أقوى جنبة من المشتري لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فالقول ما قال البائع» 1، وفي بعض الألفاظ: «فالقول قول البائع والمشتري بالخيار» 2 رواه الإمام أحمد والشافعي.
ولأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه.
وأما كون الحالف يجمع في اليمين بين النفي والإثبات فلما تقدم من أن كل واحد منهما يدعي عقداً وينكر عقداً.
وفي قول المصنف في صفة اليمين: ما بعته وإنما بعته إشارة إلى تقديم النفي على الإثبات لأن الأصل في اليمين أنها للنفي.
ويكفيه يمين واحدة لأنه أقرب إلى فصل القضاء.
وأما كون الناكل يلزمه ما قال صاحبه؛ فلأن النكول بمنزلة الإقرار، ولو أقر لزمه ذلك.
فكذلك إذا نكل.

وأما كون العقد يقر إذا رضي أحدهما بقول صاحبه؛ فلأن الراضي إما البائع أو المشتري: فإن كان البائع فلا خيار للمشتري لأنه قد حصل له ما ادعاه، وإن كان المشتري فلا خيار للبائع كذلك.
وأما كون الفسخ لكل واحد منهما فلما تقدم أول الفصل.
وفي إضافة المصنف رحمه الله الفسخ إلى كل واحد منهما إشعار بأنه لا حاجة في فسخ البيع إلى حكم حاكم، وقد صرح به في المغني، وذكر فيه احتمالاً وعلله بتعذر إمضائه في الحكم.
وقال في الكافي: الأول المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أو يترادان» 1، ولما تقدم من قول الأشعث: فإني أرى أن أرد البيع 2. ولأنه خيار لاستدراك ظلامة فكان من غير حكم حاكم كالرد بالعيب.
وأما كون ورثة المتبايعين بمنزلتهما عند موتهما؛ فلأنهم يقومون مقامهما في أخذ مالهما وإرث حقوقهما.
فكذلك فيما يلزمهما أو يصير لهما.
قال: (ومتى فسخ المظلوم منهما انفسخ العقد ظاهراً وباطناً، وإن فسخ الظالم لم ينفسخ في حقه باطناً وعليه إثم الغاصب).
أما كون العقد ينفسخ ظاهراً وباطناً إذا فسخ المظلوم؛ فلأنه معذور.
وأما كونه لا ينفسخ باطناً إذا فسخ الظالم؛ فلأنه لا عذر له.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله الفرق بين الظالم والمظلوم سواء كان الظالم البائع أو المشتري.
ولم أجد نقلاً صريحاً يوافق ذلك ولا دليلاً يقتضيه، بل المنقول في مثل ذلك أن البائع إن كان ظالماً لم ينفسخ العقد باطناً لأنه يمكنه إمضاء العقد واستيفاء حقه ولا ينفسخ العقد باطناً ولا يباح له التصرف وعليه إثم الغاصب؛ لأنه غاصب.
وإن كان المشتري ظالماً انفسخ البيع ظاهراً وباطناً لعجز البائع عن استيفاء حقه هكذا نقله المصنف في المغني والكافي ولم ينقل الفرق بين المظلوم والظالم مطلقاً.

ونقل عن القاضي أنه قال: ظاهر كلام أحمد أن الفسخ يثبت ظاهراً وباطناً وظاهره التعميم سواء كان الفاسخ الظالم أو المظلوم وعلل قوله بأن ذلك فسخ لاستدراك ظلامة أشبه الرد بالعيب، أو فسخ عقد بعد التحالف أشبه الفسخ باللعان.
قال: (وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه).
أما كون المتبايعين يتحالفان عند الاختلاف في صفة الثمن وفي البلد نقود؛ فلأنهما اختلفا في صفة الواجب فوجب التحالف كاختلافهما في أصل الثمن.
وقال المصنف في المغني: يرجع إلى أوسطها.
نص عليه وعليه اليمين لأن الظاهر معه فكان القول قوله مع يمينه كالمنكر.
وأما كونهما لا يتحالفان إذا كان للبلد نقد معلوم؛ فلأنه يرجع إليه لأن الظاهر وقوع البيع به.
قال: (وإن اختلفا في أجَل أو شرط فالقول قول من ينفيه.
وعنه: يتحالفان.
إلا أن يكون شرطاً فاسداً فالقول قول من ينفيه).
أما كون القول قول من ينفي الأجل على المذهب؛ فلأن الأصل عدمه.
ولأنه منكر والقول قول المنكر.
وأما كون المتبايعين يتحالفان على روايةٍ؛ فلأنهما اختلفا في صفة العقد فوجب التحالف قياساً على الاختلاف في الثمن.
والقول في الاختلاف في رهن أو ضمين أو قدر ما وقع به الرهن أو الضمان كالقول في الاختلاف في الأجل.
وأما الاختلاف في الشروط فعلى ضربين: أحدهما: شرط صحيح وحكمه كذلك والدليل ما ذكر.
والثاني: شرط فاسد مثل أن يقول أحدهما: وقع العقد بخمر أو بخيار مجهول أو نحوهما فينفيه الآخر فالقول قول من ينفيه لأن الظاهر من حال المسلم أن لا يتعاطى إلا عقداً صحيحاً.
ولم يحك المصنف رحمه الله هنا في مثل ذلك خلافاً لأنه استثنى ذلك من قوله: وعنه يتحالفان.

ومن الاختلاف مما يفسد البيع صورة -وحكى المصنف في المغني فيها خلافاً- وهي ما إذا قال: بعتك وأنا صبي.
وعلل قبول قوله بأن الأصل الصغر فعارض ذلك بالظاهر المتقدم ذكره.
قال: (وإن قال: بعتني هذين فقال: بل أحدهما فالقول قول البائع.
وإن قال: بعتني هذا قال: بل هذا حلف كل واحد منهما على ما أنكره ولم يَثْبت بيع واحد منهما).
أما كون القول قول البائع إذا اختلفا في مقدار المبيع؛ فلأن البائع ينكر القدر الزائد فاختصت اليمين به كما لو اختلفا في أصل العقد.
وأما كون كل واحد يحلف على ما [أنكره] 1 إذا اختلفا في عين المبيع؛ فلأن كل واحد يدعي عقداً على مبيع 2 ينكره صاحبه فيحلف كل واحد منهما على ما أنكره.
وأما كون بيع واحد منهما لا يثبت؛ فلأن الذي ادعاه المشتري أنكره البائع وحلف عليه والقول قول المنكر مع يمينه والذي أقر به البائع لا يدعيه المشتري.
قال: (وإن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض ثمنه، وقال المشتري: لا أسلمه حتى أقبض المبيع والثمن عين: جُعل بينهما عدل يقبض منهما ويسلم إليهما.
وإن كان ديناً أجبر البائع على التسليم ثم يجبر المشتري على تسليم الثمن إن كان حاضراً معه، وإن كان غائباً بعيداً أو المشتري معسراً فللبائع الفسخ، وإن كان في البلد حُجر على المشتري في ماله كله حتى يسلمه، وإن كان غائباً عن البلد قريباً احتمل أن يثبت للبائع الفسخ واحتمل أن يحجر على المشتري).
أما كون العدل يُجعل بين البائع والمشتري إذا اختلفا في التسليم أوّلاً والثمن عين؛ فلأنهما استويا في تعلق حقهما بعين كل واحد 3 من الثمن والمثمن، وإذا كان كذلك وجب أن يجعل بينهما عدل يسلم إليهما لأن في ذلك تسوية بين المتساويات.

وأما كون البائع يجبر على تسليم المثمن، ثم المشتري على تسليم الثمن الحاضر معه والثمن دين -والمراد أن يكون البيع قد وقع بثمن في الذمة لا أن يكون مؤجلاً؛ فلأن حق المشتري تعلق بعين المثمن وحق البائع تعلق بما في ذمة المشتري فوجب تقديم 1 حق المتعلق بالعين كتقديم حق المرتهن على سائر غرماء المفلس.
وأما كون البائع له الفسخ إذا كان الثمن في غيبة بعيدة وهي مسافة القصر أو كان المشتري معسراً؛ فلأنه تعذر عليه أخذ الثمن فكان له الخيار المذكور كالمفلس إذا وجد البائع عنده عين ملكه.
وأما كونه يحجر على المشتري في ماله كله حتى يسلم الثمن الذي في البلد؛ فلأنه إذا لم يحجر عليه في ذلك خيف أن يتصرف في ماله تصرفاً يضر بالبائع.
وأما كونه يحتمل أن يثبت للبائع الفسخ إذا كان الثمن غائباً غيبة قريبة وهي دون مسافة القصر؛ فلأن في التأخير ضرراً على البائع.
وأما كونه يحتمل أن الحجر على المشتري؛ فلأن ما دون مسافة القصر بمنزلة الحاضر.
قال: (ويثبت الخيار للخُلف في الصفة، وتغيّر ما تقدمت رؤيته.
وقد ذكرناه).
أما كون الخيار يثبت للخُلف في الصفة بأن يشترط في المبيع صفة فيظهر بخلافها؛ فلأن فيه استدراكاً لما فاته من الصفة.
وللخُلف في الصفة صورتان: إحداهما: يثبت الخيار فيها بلا خلاف مثل: أن يشترط الأعلى فيبين أدنى.
مثل: أن يشترط كون المبيع مسلماً أو بِكراً أو جعداً أو ذا صنعة فيظهر كافراً أو ثيباً أو سبطاً أو لا صنعة له.
وثانيهما: أن يشترط الأدنى فيظهر أعلا.
مثل: أن يشترط كونه كافراً أو ثيباً أو سبطاً أو لا صنعة له فيظهر مسلماً أو بكراً أو جعداً أو له صنعة فهذا لا خيار له لأنه زاده خيراً.

وقيل: يثبت الخيار فيما إذا شرط الكفر والثيوبة لأن طالب الكافر أكثر لصلاحيته للمسلم وغيره فيكون ثمنه أكثر، وشرط الثيوبة قد يكون لعجزه عن البِكر فإذا كانت بكراً يفوت قصده.
وأما كون الخيار يثبت بتغير ما تقدمت رؤيته مثل: أن يكونا قد رأيا مبيعاً ثم عُقد البيع بعد ذلك فوجده المشتري قد تغير كعبد قطعت يده وثوب فصل وما أشبه ذلك؛ فلأن تغيّر ذلك كالخلف في الصفة.
وأما قول المصنف رحمه الله: وقد ذكرناه ففيه تنبيه على أن ذلك تقدم ذكره.
والخُلف في الصفة مذكور في باب الشروط في البيع في الصحيح منها 1، وتغير ما تقدمت رؤيته مذكور في الفصل السادس من كتاب البيع 2.

فصل [في البيع قبل القبض] قال المصنف رحمه الله: (ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً لم يجز بيعه حتى يقبضه، وإن تلف قبل قبضه فهو من مال البائع إلا أن يتلفه آدمي فيتخير المشتري بين فسخ العقد وبين إمضائه ومطالبة متلفه بالقيمة 1. وعنه: في الصَّبُرة المتعينة أنه يجوز بيعها قبل قبضها، وإن تلفت فهي من مال المشتري.
وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وإن تلف فهو من مال المشتري.
وذكر أبو الخطاب أنه كالمكيل والموزون في ذلك).
أما كون من اشترى مكيلاً أو موزوناً لا يجوز له بيعه حتى يقبضه على المذهب فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه» 2 متفق عليه.
وقال: «من ابْتَاعَ طعاماً فلا يَبِعْهُ 3 حتى يَستَوفِيه» 4. وعن ابن عمر: «رأيت الذين يشترون الطعام مُجازَفَةً يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَبيعوه حتى يُؤْوُوهُ إلى رِحالهم» 5 متفق عليه.
وعنه قال 6: «كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَبيعَهُ حتى نَنْقُلَه» 7 رواه مسلم.

وكان الطعام مستعملاً يومئذ غالباً فيما كان مكيلاً أو موزوناً 1. وأما كون الصبرة المتعينة يجوز بيعها قبل قبضها على روايةٍ؛ فلأن التعيين كالقبض.
ولأن ابن عمر قال: «ما أدْرَكتِ الصّفقَةُ حَياً مجموعاً فهو من مَال المشتري» 2. وأما كون ما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه على المذهب؛ فلأن تخصيص النهي بالمكيل والموزون يدل على نفي الحكم عما عداه.
وأما كونه كالمكيل والموزون على روايةٍ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار» 3 رواه أبو داود.
وقال ابن عباس: «أحسبُ كل شيء بمنزلةِ الطعام» 4. ولأنه لم يتم ملكه عليه أشبه المكيل.
قال المصنف في الكافي: الأول المذهب، والذي يقتضيه الدليل أن يكون الصحيح أن ما كان مطعوماً لا يجوز بيعه قبل قبضه سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو لم يكن.
وحكى ذلك رواية عن أحمد وعللها بما تقدم من الأحاديث.
ويؤيده قول ابن عبد البر: الأصح عن أحمد بن حنبل أن الذي يُمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام.
وأما ما يكون من ضمان بائعه إذا تلف قبل قبضه فعلى ضربين: أحدهما: ما يتلف بأمر سماوي فينظر فيه فكل ما لا يجوز للمشتري بيعه يكون من ضمان بائعه «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن» 5. والمراد به ربح ما بيع [قبل القبض؛ لأن ربح ما بيع] 6 بعده من ضمان المشتري وفاقاً.

ولأن ذلك لو كان من ضمان المشتري لجاز بيعه والتصرف فيه كما بعد القبض، وما يجوز له بيعه لا يكون من ضمان بائعه لأن ما يجوز للمشتري بيعه تصرفه فيه تام فلم يكن من ضمان بائعه كالمقبوض.
ولأن جواز بيعه يعتمد وجود ما يقوم مقام القبض فيجب أن يقوم مقامه في عدم ضمان البائع له.
وثانيهما: ما يتلف بإتلاف آدميٍّ فينظر فيه فإن كان المشتري المتلف استقر الثمن عليه لأن ذلك كالقبض، وإن كان أجنبياً خُيّر المشتري بين فسخ العقد والرجوع بالثمن وبين إمضائه والرجوع على المتلِف بمثله إن كان مثلياً وإلا بقيمته؛ لأن الإتلاف كالعيب وقد حصل في موضع يلزم البائع ضمانه فكان له الخيار كالعيب في المبيع 1. وإن كان المتلف البائع فحكمه حكم الأجنبي لأنه أتلفه من يلزمه ضمانه أشبه الأجنبي.
فإن قيل: لو تلف في يده ضمنه بحكم عقد البيع فوجب أن يضمنه إذا أتلفه كذلك.
قيل: إذا تلف في يده لم يوجد مقتض للضمان سوى حكم العقد بخلاف ما إذا أتلفه.

قال: (ويحصل القبض فيما بيع بالكيل والوزن بكيله ووزنه، وفي الصَّبُرة وما ينقل بالنقل، وفيما يُتناول بالتناول، وفيما عدا ذلك بالتخلية.
وعنه: أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز).
أما كون القبض فيما بيع بما ذكر يحصل بما تقدم ذكره أولاً على المذهب؛ فلأن قبض كل شيء بحسبه لأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحياء والإحراز.
وأما كون قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز على روايةٍ [فلأن] 1 ذلك قبض في العقار فليكن في جميع المبيع كذلك بالقياس عليه.
والأول هو الصحيح؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله» 2 أخرجه مسلم.
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بِعتَ فَكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكتَل» 3 رواه البخاري.
وروي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ الطعامِ حتى يجريَ فيه الصاعانِ: صاعُ البائعِ وصاعُ المشتري» 4. وروى ابن عمر: «كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا الطعام جِزافاً أن يَبيعوه حتى يُؤوُوه» 5. وفي لفظ: «كنا نبتاع الطعام جِزافاً فيَبعثُ علينا من يَأمُرُنا بانتقالِه من مَكانه الذي ابتعنَاه إلى مكانٍ سِواه قبلَ أن نَبيعه» 6.

وفي لفظ: «فنهَانا أن نَبيعه حتى نَنْقُلَه» 1 رواهن مسلم.
وجه الحجة من هذه الأحاديث أنه جعل قبض المبيع كيلاً الكيل وقبض المبيع جزافاً النقل وذلك يدل على أن القبض يختلف.
إذا تقرر هذا فقبض المكيل الكيل لما تقدم والموزون الوزن لأنه في معناه.
والمراد بالمكيل ما بيع بالكيل وبالموزون ما بيع بالوزن لا ما كان مكيلاً في نفسه أو موزوناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قبض المبيع جزافاً النقل مع كونه مكيلاً وقد جاء في حديثٍ مصرحاً به عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سَميتَ الكيلَ فَكِلْ» 2 رواه الأثرم.
فيحمل المطلق على المقيد.
وقبض الصبرة وما ينقل كالثياب والحيوان النقلُ: أما الصبرة فلما تقدم من حديث ابن عمر.
وأما سائر ما ينقل فبالقياس عليه لأنه في معناه.
وقبض ما لا ينقل كالعقار بالتخلية لأنه لا يمكن فيه أكثر من ذلك.
قال: (والإقالة فسخ يجوز في المبيع قبل قبضه، ولا يستحق بها شفعة، ولا يجوز إلا بمثل الثمن.
وعنه: أنها بيع فلا يثبت فيها ذلك إلا بمثل الثمن في أحد الوجهين).
أما كون الإقالة فسخاً على المذهب؛ فلأن الإقالة هي الرفع والإزالة يقال: أقالك الله عثرتك أي أزالها وذلك عين الفسخ.
وأما كونها بيعاً على روايةٍ؛ فلأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج منها فكان بيعاً كالأول.
ولأنه 3 نقل للملك بعوض على وجه التراضي فكان بيعاً كالأول.
والأول هو الصحيح؛ لما ذكر.

ولأن الإجماع على أن للمسلِم أن يقيل المسلم في جميع المسلم فيه مع إجماعهم على نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه 1 دليل على أن الإقالة ليست بيعاً.
ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعاً لم تتقدر به لأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخاً كالرد بالعيب.
وفائدة الخلاف ما ذكره المصنف رحمه الله من أنها تجوز في المبيع قبل قبضه ولا يستحق بها شفعة ولا تجوز إلا بمثل الثمن الأول إن قيل هي فسخ.
أما كونها تجوز في المبيع قبل القبض؛ فلأنها فسخ والفسخ لا يعتبر فيه القبض كالرد بالعيب والفسخ بالخيار والتدليس.
وأما كونها لا يستحق بها شفعة؛ فلأن العقد الذي يستحق به الشفعة البيع ولا بيع.
وأما كونها لا تجوز إلا بمثل الأول قدراً ونوعاً؛ فلأن العقد إذا ارتفع رجع كل واحد منهما بما كان له.
وأما كونها 2 لا يثبت فيها ذلك إلا بمثل الثمن إن قيل هي بيع لأن بيع المبيع لا يجوز قبل قبضه والشفعة تستحق لبقاء نقل الملك بل تتأكد لأن النقل تكرر.
ولا يثبت ذلك في الثمن في وجهٍ لأن ذلك بيع فلم يشترط فيه المثل كسائر البياعات، ويثبت فيه في وجهٍ لأن الإقالة خصت بمثل الثمن كالتولية وكما اختصت المرابحة بالربح.

باب الربا والصرف

الربا في اللغة: الزيادة.
قال الله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [فصلت: 39] أي زادت.
وقال تعالى: ﴿أن تكون أمةٌ هيَ أربَى من أمة﴾ [النحل: 92] أي أكثر عدداً.
وفي الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة.
وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ [البقرة: 275] وما بعدها من الآيات.
وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتَنِبُوا السبعَ الموبقاتِ.
قيل: يا رسول الله! ما هنّ؟ قال: الشركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرمَ اللهُ إلا بالحقِ، وأكلُ الرّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتولّي يومَ الزحفِ، وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمنات» 1. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه لعنَ آكلَ الرّبا، ومُوكِلَهُ، وشَاهدَيه، وكَاتِبَه» 2 متفق عليهما.
وأما الإجماع فأجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة.
والصرف: عبارة عن بيع الدراهم بالدنانير أو بالعكس.
وله شروط ستذكر إن شاء الله تعالى.

قال المصنف رحمه الله: (وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة: فأما ربا الفضل فيحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين.
وعنه: لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم.
وعنه: لا يحرم إلا في ذلك إذا كان مكيلاً أو موزوناً) 1. أما قول المصنف رحمه الله: وهو نوعان؛ فعائد إلى الربا.
وأما كونه نوعين؛ فلأن 2 منه ما يحرم فيه التفاضل ومنه ما يحرم فيه النسيئة.
وأما كون ربا الفضل يحرم؛ فلأنه ربا فيدخل فيما تقدم ذكره في أول الباب.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: «لا رِباً إلا في النَّسيئَة» 3 رواه البخاري.
قيل: الحديث يحمل على الجنسين بدليل ما تقدم من الأحاديث.
ثم هو مرجوح بالنسبة إلى ما تقدم لأنه مجمل وما تقدم مفصل.
ويؤيده ما روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الذهبُ بالذهبِ مِثلاً بمثل، والتمرُ بالتمرِ مِثلاً بمثل، والبُرّ بالبُرِّ مِثلاً بمثل، والمِلحُ بالملحِ مِثلاً بمثل، والشعيرُ بالشعيرِ مِثلاً بمثل فمن زَاد أو ازْدَادَ فقد أرْبَا» 4. [رواه مسلم] 5. وأما كون ربا الفضل يحرم في الجنس الواحد من كل مكيل أو موزون على المذهب؛ فلأن علة المكيل كونه مكيل جنس وعلة الموزون كونه موزون جنس لأن أنساً روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وما وزن مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً، وما كيل مثلاً بمثل إذا كان نوعاً واحداً» 6. ولأن قضية البيع المساواة 7، والمؤثر في تحقيقها الكيل أو الوزن مع الجنس؛ لأن الكيل أو الوزن يسوي بينهما صورة والجنس يسوي بينهما معنى فكانا علة.

ولأن الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في غيره بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة.
وأما كون ذلك يحرم وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين وحبة بحبتين كالكثير فلاشتراكهما في الزيادة الموجبة للتحريم.
وأما كون ذلك لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم على روايةٍ؛ فلأن العلة في الذهب والفضة الثمينة وفيما عداهما الطعم.
أما كون العلة في الذهب والفضة الثمينة؛ فلأن الثمينة وصف شريف إذ به قوام الأموال.
ولأن العلة لو كانت فيهما الوزن لما جاز إسلامهما في الموزونات لأن أحد وصفي علة ربا الفضل تكفي في تحريم النسيئة.
وأما كون العلة فيما عداهما الطعم فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل» 1 رواه مسلم.
ولأن الطعم وصف شريف إذ به قوام الأبدان.
وأما كون ذلك لا يحرم إلا في المطعوم إذا كان مكيلاً أو موزوناً؛ فلأن العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو موزوناً لأن الطعم وكل واحد من وصفي الكيل والوزن له أثر فيجب التعليل به.
والأولى هي الصحيحة في المذهب لما تقدم.
وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الربا» 2 رواه الإمام أحمد.
ولأن الطُّعم لو كان علة لجرى الربا في الماء لكونه مطعوماً قال الله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة: 249]، ونهيه عليه السلام عن الطعام إلا مثلاً بمثل محمول على المطعوم المكيل أو الموزون، وكون الطعام وصفاً شريفاً ينافي تحريم البيع معه لأنه شرف من حيث تعلق الحاجة به وذاك يقتضي الإطلاق في التوصل إليه وشراءه بكل طريق ممكن ليحصل قوام البنية ويتمكن من العبادات.

فعلى هذا كلما كيل أو وزن 1 يحرم التفاضل بينه وبين جنسه وإن لم يكن مطعوماً كالأشنان والنورة والقطن وما أشبه ذلك.
وعلى الرواية الثانية يحرم التفاضل في الذهب والفضة وفي كل مطعوم وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً كالسفرجل وما أشبه ذلك.
وعلى الرواية الثالثة يحرم التفاضل في المطعوم المكيل والموزون كالزبيب ولا يحرم في المطعوم غير المكيل والموزون كالسفرجل وما أشبهه، ولا في المكيل أو الموزون غير المطعوم كالحديد والأُشنان وما أشبههما.
قال: (ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، ولا ما أصله الوزن كيلاً، فإن اختلف الجنس جاز بيع بعضه ببعض كيلاً ووزناً وجزافاً).
أما كون ما أصله الكيل لا يباع بشيء من جنسه وزناً؛ فلأن العبرة بالكيل في المكيل فلم يجز بيعه بغيره لما تقدم من اشتراط الكيل.
ولأنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبُر بالبُر كيلاً بكيل» 2. رواه الأثرم في حديث عبادة.
ورواه أبو داود ولفظه: «البر بالبر مُدْيٌ بمُدْيٍ، والشعير بالشعير مديٌ بمديٍ، والملح بالملح مديٌ بمديٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربا» 3. وأما كون ما أصله الوزن لا يباع بشيء من جنسه كيلاً؛ فلأن العبرة بالوزن في الموزون فلم يجز بيعه بالمكيل للمعنى المذكور في بيع ما أصله الكيل.
وأما كون البيع يجوز كيلاً ووزناً وجزافاً إذا اختلف الجنس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم» 4.

ولأنه يجوز التفاضل في ذلك وغاية ما يقدر في البيع المذكور حصول التفاضل وذلك جائز في الجنسين.
وقال المصنف في المغني: ذهب كثير من أصحابنا إلى تحريم ذلك.
قال ابن أبي موسى: لا خير فيما يكال بما يكال جزافاً، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافاً اتفقت الأجناس أم اختلفت.
ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافاً.
وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر واحتج له بما روى أبو بكر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة»، وهذا طعام.
والحديث الذي رواه مسلم فيما تقدم 1. ولأنه بيع طعام بطعام أشبه الجنس الواحد.
والأول أصح لما تقدم من قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف 2 فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» 3. ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافاً من الطرفين كالمكيل بالموزون.
ولأن حقيقة التفاضل لا تمنع فإنه يجوز أن يبيع مد حنطة بأمداد شعير وشبههما فالجهل به أولى أن لا يكون مانعاً.
والحديث المذكور المراد به الجنس الواحد ولهذا جاء في بعض ألفاظه: «نَهى أن تُباعَ الصَبرة لا يعلمُ مَكيلُها من التمر» 4. والظاهر أن الحديثين واحد، وإنما اختلفت ألفاظه.
ثم هو مخصوص بالمكيل بالموزون فيقاس عليه محل النزاع.

قال: (والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز والأدهان).
أما قول المصنف رحمه الله: والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً؛ فبيان لمعنى الجنس لأنه لما تقدمت التفرقة بين الجنس والجنسين دعت الحاجة إلى تبيين الجنس.
والفرق بينه وبين النوع أن الجنس هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأنواعها، والنوع هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأشخاصها؛ فأنواع الذهب: المصري، والأتابكي، والصوري.
وأنواع الفضة: الكاملي، والناصري، والظاهري.
وأنواع البر: الحوراني، والسوادي، والغوطي، وما أشبه ذلك.
وأنواع الشعير: المسدس، والرومي، ونحو ذلك.
وأنواع الملح: التدمري، والجِثولي، وما أشبه ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فتصريح بأشياء لكل واحد منها اسم خاص يشمل أنواعاً.
وأما كون فروع الأجناس أجناساً كدقيق القمح ودقيق الشعير وخبز القمح وخبز الشعير ودهن اللوز ودهن الجوز؛ فلأن الفروع تبع للأصل فلما كانت أصول هذه أجناساً وجب أن تكون هذه أجناساً إلحاقاً للفروع بأصولها.
قال: (واللحم أجناس باختلاف أصوله.
وعنه: جنس واحد، وكذلك اللبن.
وعنه: في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء.
واللحم والشحم والكبد أجناس).
أما كون اللحم أجناساً باختلاف أصوله على المذهب؛ فلأنه إذا اختلف أصله فروعُ أصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأخباز.
وأما كونه جنساً واحداً على روايةٍ؛ فلأنه اسم تحته أنواع فكان جنساً واحداً كالطلع.
وأما كونه أربعة أجناس كما ذكر المصنف على روايةٍ؛ فلأن الحيوانات المذكورة تختلف في المنفعة والقصد والأكل فكانت أجناساً.
وصحح القاضي هذه الرواية قاله المصنف في المغني.
ونصر ابن عقيل الأول.

وقال المصنف رحمه الله في المغني: وهو الأشبه بالأصول فإن كثيراً من المشتركات في 1 الأسماء مختلفة الأجناس لاختلاف أصولها كما تقدم.
فعلى هذا لحم الإبل جنس بخاتيها وعِرَابها.
والبقر جنس عِرَابها وجواميسها.
والغنم جنس ضأنها، ومعزها.
والوحش أجناس بقرها جنس وغنمها جنس وظباؤها جنس.
وكل ما له اسم يخصه تحته أنواع جنس والطير أجناس.
وأما كون اللبن فيه روايتان: إحداهما: أنه يختلف كأصوله.
والثانية: أنه جنس واحد فلما ذكر في اللحم.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله أنه لا تجري الرواية الثالثة في اللحم في اللبن لأنه عطفه على الروايتين في اللحم ثم خصص اللحم رواية ثالثة.
وقال في الكافي بعد ذكره الروايات الثلاث في اللحم: وفي الألبان من القول مثل ما في اللحم لأنها من الحيوانات يتفق اسمها أشبهت اللحم.
وظاهر هذا أن في اللبن الروايات الثلاث وهو أظهر لاتحادهما في المعنى.
وأما كون اللحم والشحم والكبد أجناساً؛ فلأنها مختلفة في الاسم والخلقة فكانت أجناساً كالإبل والبقر والغنم.
قال: (ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان).
أما كون بيع لحمٍ بحيوان من جنسه كلحم إبل بإبل وغنم بغنم وما أشبههما لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهى عن بيعِ اللحمِ بالحيوان» 2. وروي عنه أنه عليه السلام: «نهى أن يباع حي بميت» 3. ولأنه نوع فيه الربا بِيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج.

وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه كلحم إبل بغنم ولحم غنم ببقر لا يجوز في وجهٍ فلعموم ما تقدم.
وروي عن ابن عباس «أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه 1 فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق.
فقال: لا يصلح هذا».
وهل يشترط في غير الجنس كونه مأكولاً؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط.
ذكره أبو الخطاب في رؤوس المسائل.
والثاني: لا يشترط.
فلا يجوز بيع لحم غنم وشبهه بحمار ونحو ذلك لدخوله في عموم ما تقدم.
وصحح صاحب النهاية فيها الأول وعلله بأن المنع إنما كان لأجل الربا فإذا لم يكن مأكولاً لم توجد العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال علته.
وجعله المصنف في المغني ظاهر قول أصحابنا.
وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه يجوز في وجهٍ؛ فلأن النهي عن بيع اللحم بالحيوان إنما كان لاشتمال الحيوان على جنس اللحم؛ لأن ذلك يؤدي إلى الربا فإذا لم يكن من جنسه وجب الجواز لزوال العلة المقتضية للتحريم.
وقيل: هذان الوجهان مبنيان على كون جميع اللحم جنساً أو أجناساً.
فإن قيل: جميعها جنس واحد لم يجز بيع اللحم بالحيوان مطلقاً، وإن قيل: أجناس جاز لأن التفاضل مع اختلاف الجنس لا يضر.
قال: (ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه في أصح 2 الروايتين).
أما كون بيع حب بدقيقه أو سويقه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن كل واحد مكيل ويشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي وهو متعذر هنا لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن.
وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فلأن الدقيق نفس الحب وإنما تكسرت أجزاؤه فجاز بيع البعض بالبعض كالحب المكسر بالصَّحاح.

فعلى هذا تعتبر المساواة بالوزن لأن الكيل لا يحصل به التساوي لما ذكر.
وأما كون الأصح أنه لا يجوز فلما تقدم.
ولأن التساوي بالكيل متعذر بخلاف المكسر بالصحاح فإن الكيل غير متعذر.
واعتبار الوزن فيما هو مكيل لا يصح لما تقدم في بيع المكيل وزناً وبعكسه.
قال: (ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، ولا أصله بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، ولا رَطْبه بيابسه).
أما كون بيع نيء الشيء بمطبوخه كالحنطة بالهريسة أو بالحريرة أو بالنشاء أو ما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأن النار تعقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي.
وأما كون بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والزيتون بالزيت وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان.
وأما كون بيع خالصه بمشوبه لا يجوز كلبن لا ماء فيه بلبن مخلوط بماء لا يجوز فلانتفاء التساوي المشترط.
وأما كون بيع رَطْبه بيابسه كبيع الرطب بالتمر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر.
فقال: أينقص الرطب 1 إذا يبس؟ فقالوا: نعم.
فقال: لا إذاً» 2. علل بالنقصان إذا يبس وهو موجود في كل رطب بِيع بيابسه.
قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف، وعصيره بعصيره، ورطبه برطبه).
أما كون بيع جميع ذلك بما ذكر يجوز؛ فلأنه متساو في الحال على وجهٍ لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال فوجب أن يجوز كبيع التمر بالتمر.

وأما قول المصنف رحمه الله: في الدقيق إذا استويا في النعومة فتنبيه على اشتراط التساوي في النعومة؛ لأن الكيل يسع من الخشن أكثر من الناعم لتفرق أجزاء الناعم فلا يحصل التساوي المشترط.
وأما قوله في المطبوخ والخبز إذا استويا في النشاف فتنبيه على اشتراط التساوي في النشاف لأن أحدهما إذا كان أكثر رطوبة من الآخر 1 لا يحصل التساوي المشترط.
قال: (ولا يجوز بيع المحاقلة.
وهو: بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان، ولا المزابنة.
وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا.
وهي: بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف.
وعنه: يعطيه مثل رطبه، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين).
أما كون بيع المحاقلة لا يجوز فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعِ المحاقَلَة» 2. والنهي يقتضي التحريم والفساد.
ولأن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الحب في سنبله بجنسه فتفسير لبيع المحاقلة.
قال أبو عبيد: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
وأما كون بيع الحب في سنبله بغير جنسه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن بيع زرع الحنطة بحنطة إنما سمي محاقلة لأنه في الحقل وهذا المعنى موجود في غيره مما ذكرنا فيجب أن يدخل فيه.
قال الأزهري: والحقل القراح المزروع.

وأما كونه يجوز في وجهٍ؛ فلأن تفسير أبي عبيد الحديث يدل على ذلك لأنه قال: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر.
ولأن النهي لخوف التفاضل المحرم وهو منتف في الجنسين.
وأما كون بيع المزابنة إذا لم يكن عرايا [لا يجوز] 1؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة» 2، والنهي يقتضي التحريم والفساد.
ترك العمل به في العرايا لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر؛ فتفسير لبيع المزابنة المحرم.
وفي الحديث أن ابن عمر قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المُزابَنَةِ.
والمزابنةُ بيعُ ثمرِ النخلِ بالتمرِ كيلاً» 3 رواه مسلم.
وأما كون بيع العرايا يجوز فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخّص في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» 4 متفق عليه.
وأما ما يشترط لجواز بيع العرايا فأمور: أحدها: أن يكون الرطب على رؤوس النخل فلو كان على وجه الأرض لم يجز لأن الرخصة وردت في بيعه على رؤوس النخل ليؤخذ شيئاً فشيئاً.
وثانيها: أن يكون البيع بخرصها من التمر لا أقل ولا أكثر «لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهم أن يبتاعوا العرية بخرصها من التمر» 5 متفق عليه.

جارٍ التحميل