ولأنه يمكن استعمال لفظ الخبر عليه لأن البيع يقع على الشراء ويسمى البائع والمشتري بيعين.
وأما تفسير بيع الرجل على بيع أخيه وشراءه على شراء أخيه فكما ذكر المصنف رحمه الله.
وفي قوله: ليفسخ البيع إشعار بأنه لا بد أن يكون ذلك قبل لزوم العقد مثل أن يكونا في المجلس، أو يكون في العقد خيار شرط لهما أو للذي 1 يطلب الفسخ ليمكن فعله ويصح إذا فعل.
وأما كون كل واحد من البائع 2 والمشتري المذكورين إذا فعل لا يصح على وجهٍ؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وأما كونه يصح على وجهٍ؛ فلأن النهي لمعنى في غير المبيع أشبه بيع النجس.
قال: (وفي بيع الحاضر للبادي روايتان:
إحداهما: يصح، والأخرى لا يصح بخمسة شروط:
أن يحضر البادي لبيع سلعته، بسعر يومها، جاهلاً بسعرها، ويقصده الحاضر، ويكون بالمسلمين حاجة إليها.
فإن اختل شرط منها صح البيع.
وأما شراؤه له فيصح رواية واحدة).
أما كون بيع الحاضر للبادي يصح في روايةٍ؛ فلأن النهي عن ذلك كان في أول الإسلام لما 3 عليهم من الضيق فوجب زواله عند زواله.
وأما كونه لا يصح بالشروط الخمسة المتقدم ذكرها في روايةٍ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يَبيع حَاضرٌ لِبَادٍ» 4 متفق عليه.
ولأن ما ثبت في حق الصحابة ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل.
وإنما اشترطت الشروط الخمسة المتقدم ذكرها لأن النهي إنما كان لأجل التوسعة على أهل الحضر فيجب لحظ الشروط المذكورة لأن التوسعة لا تمتنع إلا معها: أما حضوره لبيع سلعته؛ فلأنه إذا حضر ليخزنها فقصده الحاضر وأحضه 1 على بيعها كان ذلك توسعة لا منعاً للتوسعة.
وأما بيعها بسعر يومها؛ فلأنه إذا قصد بيعها بسعر معلوم لا بسعر اليوم كان المنع من البيع من جهته لا من جهة الحاضر.
وأما جهله بالسعر؛ فلأنه إذا عرفه لم يزده الحاضر على ما عنده شيئاً.
وأما قصد الحاضر له؛ فلأنه إذا طلبه البادي لم يكن للحاضر أثر في عدم التوسعة.
وأما حاجة المسلمين؛ فلأنهم إذا لم يكونوا محتاجين لم يوجد المعنى الذي نهى الشرع لأجله.
وأما كون البيع يصح إذا اختل شرط من الشروط الخمسة؛ فلأن الموقوف على شرط يزول عند زواله.
وأما كونه يصح شراؤه له رواية واحدة؛ فلأن النهي المذكور قبل لا يتناول الشراء بلفظه ولا هو في معناه لأن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم الرزق ويزول عنهم الضرر وليس ذلك 2 موجوداً في الشراء لهم إذ لا يتضررون بعدم الغبن للبادي 3 بل هو دفع للضرر عنه والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر.
فكذلك يشرع ما يدفع الضرر عن البادي، وإذا لم يكن مشروعاً فلا أقل من أن يكون جائزاً.
قال: (ومن باع سلعة نسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها نقداً إلا أن يكون قد تغيرت صفتها.
وإن اشتراه أبوه أو ابنه جاز).
أما كون شراء ما باعه بما ذكر مع عدم التغير لا يجوز فـ «لأن أم ولد زيد بن أرقم قالت لعائشة: إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء.
ثم اشتريته منه بستمائة درهم.
فقالت لها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت.
أبلغي زيد بن أرقم
أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب» 1. والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتُقدم عليه إلا بتوقيف سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى مجرى روايتها ذلك عنه.
ولأن ذلك ذريعة إلى الربا لأنه إنما أدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل والذرائع معتبرة في الشرع بدليل منع القاتل إرث المقتول وثبوت الميراث لامرأة المطلِّق ثلاثاً في مرض موته.
ولأن الله تعالى عاب على بني إسرائيل التحيل في ارتكاب ما نهوا عنه لأنهم نهوا عن الصيد يوم السبت فكانوا ينصبون الشباك يوم الجمعة فيقع فيها الصيد يوم السبت فيأخذونه يوم الأحد فذمهم الله على ذلك.
وتسمى هذه المسألة مسألة العينة وقد جاء في الحديث: «أن التبايع بها من أشراط الساعة» 2.
وأما كونه يجوز ذلك إذا تغيرت السلعة مثل إن كانت عبداً فمرض أو ثوباً فانقطع أو ما أشبه ذلك؛ فلأن المعنى الموجب للتحريم إنما هو الحيلة في الربا وهذا المعنى مفقود هنا.
وأما كونه يجوز إذا اشترى السلعة أبوه أو ابنه؛ فلأن كل واحد منهما كالأجنبي بالنسبة إلى المشتري.
قال: (وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يجز).
أما كون بيع ذلك لا يجوز؛ فلأنه ذريعة إلى بيع المكيل بالمكيل نسيئة وذكر الثمن حيلة فحرم كمسألة العينة.
وأما ما يجري فيه الربا نسيئة فالمكيل والموزون والمطعوم
والأثمان أو المكيل المطعوم والموزون المطعوم على ما فيه من الخلاف في علة الربا فإذا باع غرارة قمح مثلاً بخمسين درهماً إلى أجل فلما جاء الأجل اشترى بالدراهم المذكورة غرارة قمح قبل قبضها أو غرارة شعير فالأولى اشترى من جنس ما باع قبل ثمنه مع كونه يجري فيه الربا نسيئة، والثانية اشترى ما لا يجوز بيعه نسيئة بثمن ما باع على الصفة المذكورة.
باب الشروط في البيع
الشروط: جمع شرط.
والشرط في اللغة: ما يلزم من وجوده وجود المشروط.
وفي الشرع: ما يلزم من عدمه عدمه كالوضوء للصلاة والملك في البيع.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ضربان: صحيح.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: شرط مقتضى البيع كالتقابض وحلول الثمن ونحوه فلا يؤثر فيه).
أما كون الشروط في ضربين: صحيحاً وفاسداً؛ فلأن منها ما يوافق مقتضى العقد ومنها ما ينافيه، والأول صحيح والثاني فاسد.
وأما كون الصحيح ثلاثة أنواع: فلأنه تارة يكون شرط مقتضى البيع، وتارة شرطاً من مصلحة العقد، وتارة شرطاً لنفع.
وأما كون شرط مقتضى البيع لا يؤثر فيه؛ فلأنه شرط يقتضيه البيع فجرى مجرى التوكيد وذلك لا يؤثر فساداً في المؤكد بل يؤكده ويقويه فكذا ما يجري مجراه.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالتقابض وحلول الثمن فتمثيل للشرط الصحيح الذي هو مقتضى البيع.
قال: (الثاني: شرط من مصلحة العقد، كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن والضمين به 1، أو صفة في المبيع نحو: كون العبد كاتباً، أو خصياً، أو صانعاً، أو مسلماً، أو الأمة بكراً، والدابة هملاجة، والفهد صيوداً، فيصح البيع.
فإن وفى به وإلا فلصاحبه الفسخ).
أما كون اشتراط شرط من مصلحة العقد يصح؛ فلأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، والبيع إنما جاز ليحصل لكل واحد من المتعاقدين مقصوده فلو لم يصح اشتراط ما ذكر لم تحصل الحكمة التي شرع البيع لأجلها.
وأما قول المصنف: كاشتراط صفة في الثمن كتأجيله أو الرهن والضمين؛ فتمثيل لكون الثمن ذا صفةٍ شرطُها من مصلحة العقد.
وأما قوله: أو صفة في المبيع نحو كون العبد كاتباً... إلى آخره؛ فتمثيل لكون المبيع ذا صفة شرطها من مصلحة العقد.
وأما كون الفسخ لمن شرط له إذا لم يف من شرطه له به؛ فلأنه لم يحصل له ما شرط له فكان له الفسخ كما لو ظهر المبيع معيباً.
قال: (وإن شرطها ثيباً كافرة فبانت بكراً مسلمة فلا فسخ له، ويحتمل أن له الفسخ؛ لأن له فيه قصداً).
أما كون من شرط ما ذكر وشبهه لا فسخ له على المذهب؛ فلأنه حصل له أكمل مما شرط فلم يملك الفسخ به كما لو شرط كون الغلام كاتباً فظهر كاتباً عالماً.
وأما كونه يحتمل أن له الفسخ فلما ذكره المصنف رحمه الله؛ وذلك أن المشتري قد لا يطيق وطء البكر، وقد يكون غرضه من الذمية كونها لا تغتسل من الجنابة على ما فيه من الخلاف.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: ثيباً كافرة يلحظ فيه اجتماع الوصفين جميعاً؟
قيل: ليس مراده ذلك بل مراده متى شرط الأدنى عادة كالثيوبة والكفر فظهر على خلاف ذلك كالبكارة أو الإسلام.
ولذلك قيل في الشرح ما ذكر وشبهه ليدخل في المسألة ما صرح به المصنف رحمه الله وما يشبهه.
قال: (وإن شرط الطائر مصوتاً أو أنه يجيء من مسافة معلومة صح.
وقال القاضي: لا يصح).
أما كون شرط ما ذكر يصح على قول غير القاضي؛ فلأن التصويت والمجيء من مسافة معلومة قد يكون فيهما غرض صحيح.
وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن التصويت والمجيء غير معلومين فلم يصح اشتراطهما كالأجل المجهول.
قال: (الثالث: أن يشترط البائع نفعاً معلوماً في المبيع كسكنى الدار شهراً وحُمْلان البعير إلى موضع معلوم، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع كحمل الحطب
وتكسيره وخياطة الثوب وتفصيله فيصح.
وذكر الخرقي في جز الرطبة إن شرطه على البائع لم يصح فيخرج هاهنا مثله.
وإن جمع بين شرطين لم يصح (1».
أما كون اشتراط البائع نفعاً معلوماً في المبيع كما مثل المصنف رحمه الله وشبهه يصح؛ فـ «لأن جابراً باع بعيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم واستثنى حملانه إلى المدينة» 2 رواه البخاري.
ولأن اشتراط ذلك أكثر ما فيه أنه يتأخر التسليم مدة معلومة فصح اشتراطه كما لو باع أمة مزوجة أو داراً مؤجرة أو شجرة مؤبرة.
وأما كون اشتراط المشتري نفع البائع في المبيع كما مثّله المصنف رحمه الله وشبهه يصح؛ فلأن كل واحد من العقد والشرط يصح منفرداً فإذا جمعا صح كالعينين.
و«لأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جُرْزة حطب وشارطه على حملها».
وأما كون عدم الصحة هنا يخرج على قول الخرقي لا يصح اشتراط جز الرطبة على البائع؛ فلأن الشرط هنا مثله.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: قول الخرقي في جز الرطبة يحتمل أن البطلان يختص به 3 لإفضائه إلى التنازع لأن البائع ربما أراد قطعها من أعلاها ليبقى له منها بقية، والمشتري يريد 4 الاستقصاء عليها ليزيد له ما يأخذه.
ويحتمل أن يقاس عليه ما أشبهه من اشتراطه منفعة البائع.
والأول أولى؛ لوجهين:
أحدهما: أنه قال في موضع آخر في البيع: لا يبطله شرط واحد.
والثاني: أن المذهب في غير هذا الموضع أنه يصح اشتراط ذلك.
وأما إذا جمع بين شرطين فظاهر كلام المصنف رحمه الله: أن الجمع بينهما لا يصح سواء كانا صحيحين أو فاسدين.1
وعن الإمام أحمد في ذلك 1 روايتان:
أحدهما: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد.
والثانية: أنهما أن لا يبيع الجارية من أحد وأن لا يطأها وهذان فاسدان.
وقال القاضي في المجرد: ظاهر كلامه أنه متى شرط في العقد شرطين بطلا سواء كانا صحيحين أو فاسدين أخذاً بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شرطان في بيع» 2.
قال المصنف رحمه الله في المغني: الذي قاله القاضي صحيح إلا أنه استثنى الشرطين إذا كانا من مقتضى العقد كشرط تسليم المبيع ونقد الثمن.
وتصحيح المصنف رحمه الله قول القاضي يدل على إرادة ذلك فيكون هنا قد أراد بكلامه ظاهره.
وقد تضمن كلام القاضي الدليل على أنه لا يصح اشتراط شرطين مطلقاً فلا حاجة إلى إعادته.
فصل [في الشروط الفاسدة]
قال المصنف رحمه الله: (الضرب الثاني: فاسد.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يشترط أحدهما على صاحبه عقداً آخر كسلف أو قرض أو بيع أو إجارة أو صرف الثمن أو غيره فهذا يبطل البيع.
ويحتمل أن يبطل الشرط وحده).
أما كون الضرب الثاني: فاسد؛ فلأن الأول صحيح فيكون الثاني فاسداً.
وأما كون الفاسد ثلاثة أنواع؛ فلأنه تارة يكون شرط عقد آخر، وتارة شرط ما نافى مقتضى البيع، وتارة شرط يعلق البيع.
وأما قول المصنف رحمه الله: كسلف... إلى أو غيره؛ فتمثيل لصور عقد آخر.
وأما كون الشرط المذكور يبطل البيع المذكور على المذهب؛ فلأنه بيع منهي عنه لأجل الشرط فأبطله.
ضرورة أن النهي عن الشيء يقتضي فساده وبطلانه.
بيان كونه منهياً عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع» 1. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
و«نهى عن بيع وشرط» 2، و «عن بيعتين في بيعة» 3. وهذا منه.
ولأن ما ذكر شروط فاسدة فأبطل العقد أحدها كما لو شرط أن لا يسلم المبيع إليه.
وأما كونه يحتمل أن يبطل الشرط وحده؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صَحَّحَ بيع بريرة، وأبطل الشرط الفاسد المشروط في بيعها 1.
قال المصنف رحمه الله في المغني: المنصوص عن أحمد أن البيع صحيح وهو ظاهر كلام الخرقي.
فعلى هذا للبائع الرجوع بما نقص من الثمن لأجل الشرط لأنه إنما سمح ببيعه بالثمن المسمى لأجل الشرط فإذا لم يحصل وجب الرجوع بما سمح به.
قال: (الثاني: شرط ما نافى مقتضى البيع نحو أن يشترط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو يشترط أن يفعل ذلك: فهذا باطل في نفسه.
وهل يبطل البيع؟ على روايتين.
إلا إذا شرط العتق ففي صحته روايتان:
إحداهما: يصح ويجبر عليه إن أباه.
وعنه: فيمن باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن أن البيع جائز، ومعناه والله أعلم أنه جائز مع فساد الشرط.
وإن شرط رهناً فاسداً أو نحوه فهل يبطل؟ على وجهين).
أما كون كل واحد مما ذكر من 2 الشروط غير شرط العتق باطلاً في نفسه؛ فلأنه شرط ينافي مقتضى العقد.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما أرادت شراء بريرة فاشترط أهلها ولاءها: اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق.
ثم قال: من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط» 3 متفق عليه.
وأما كونه لا يبطل البيع على روايةٍ فلحديث بريرة.
وأما كونه يبطله على روايةٍ؛ فلأنه إذا بطل الشرط وجب رد ما في مقابلته من الثمن وذلك مجهول فيصير الثمن مجهولاً.
وأما كون شرط العتق يصح في المذهب؛ فلأن عائشة اشترت بريرة لتعتقها فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم.
فعلى هذا إن أعتقه فلا كلام وإن لم يعتقه أجبر عليه؛ لأن شرط العتق إذا صح تعلق بعينه فأجبر عليه كما لو نذر عتقه.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ فلأنه 1 شرط ينافي مقتضى العقد أشبه ما إذا شرط عليه أن لا يبيعه، أو شرط عليه إزالة ملكه.
وأما قول المصنف رحمه الله: وعنه فيمن باع جارية... إلى آخره؛ فمعناه أنه نقل عن الإمام أحمد هذه الرواية وربما توهم منها صحة الشرط لسكوته عن فساده وليس كذلك بل معناه والله أعلم أن البيع جائز مع فساد الشرط.
وأما كون من شرط رهناً فاسداً ونحوه هل يبطل البيع؟ على وجهين؛ فلأن شرط ذلك كشرط الشرط الفاسد معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
قال: (الثالث: أن يشترط شرطاً يعلق البيع كقوله: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي فلان، أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك فلا يصح البيع.
إلا بيع العربون وهو: أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول للمشتري: إن أخذته وإلا فالدرهم لك.
فقال أحمد: يصح؛ لأن عمر فعله.
وعند أبي الخطاب لا يصح).
أما كون البيع لا يصح إذا شرط فيه شرطاً يعلقه كما تقدم ذكره ونحوه؛ فلأن مقتضى البيع نقل الملك حال التبايع والشرط هنا يمنعه.
وأما كونه لا يصح إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في محله وإلا فالرهن لك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَغْلَقُ الرهْن» 2 رواه الأثرم.
ومعناه ما ذكر.
قاله أبو عبيد في غريبه، وأنشد عليه:
وفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
يعني أنها ارتهنت قبله فذهبت به.
وأما كون بيع العربون يصح على قول الإمام أحمد؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله من أن عمر فعله وذلك لأنه روي عنه «أنه اشترى داراً للسجن من صفوان فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا (1») 2.
وأما كونه لا يصح على قول أبي الخطاب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون» 3 رواه ابن ماجة.
ولأنه شرط للبائع شيئاً بغير عوض أشبه ما لو شرطه لأجنبي.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يشتري شيئاً ويعطي البائع درهماً ويقول: إن أخذته وإلا فالدرهم لك؛ فبيان لمعنى بيع العربون شرعاً.
قال: (وإن قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح نص عليه.
وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب لم يبرأ.
وعنه: يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه).
أما كون البيع صحيحاً إذا قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا؛ فلأن ذلك يروى عن عثمان.
ولأن اشتراط الخيار في البيع جائز والشرط المذكور في معناه.
ولأنه نوع بيع فجاز أن يفسخ بتأخر القبض كالصرف.
وأما كون البائع لا يبرأ إذا شرط البراءة من كل عيب علم أو لم يعلم على المذهب؛ فلأنه شرط يرتفق به أحد المتعاقدين فلا يصح كالأجل المجهول والرهن المجهول.
وأما كونه يبرأ مع الجهل ولا يبرأ مع العلم على روايةٍ وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: وعنه لا يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه؛ فلما روي «أن عبدالله1
بن عمر رضي الله عنه باع عبداً من زيد بن ثابت وشرط البراءة بثمانمائة درهم.
فأصاب به زيد عيباً.
فأراد رده على ابن عمر.
فلم يقبله فترافعا إلى عثمان.
فقال عثمان لابن عمر: أتحلف أنك لم تعلم بهذا العيب؟ فقال: لا.
فرده عليه» 1. وهذه قضية اشتهرت ولم تنكر فكان إجماعاً.
وروي عن الإمام أحمد أنه يبرأ مع العلم والجهل لأن البراءة من المجهول صحيحة لما روت أم سلمة «أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما وتوخيا الحق وليحلل كل واحد منكما صاحبه» 2.
ولأنه إسقاط حق لا تسليم فيه فصح في المجهول كالعتاق والطلاق وإذا صحت البراءة من المجهول وجب صحة الشرط لأنه إبراء من مجهول.
ولأنه عيب رضي به 3 المشتري فبرئ منه البائع كما لو أطلعه عليه.
فصل
قال المصنف رحمه الله: (وإن باعه داراً على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر فالبيع باطل.
وعنه: أنه صحيح والزائد للبائع ولكل واحد منهما الفسخ فإن اتفقا على إمضائه جاز وإن بانت تسعة فهو باطل.
وعنه: أنه صحيح والنقص على البائع وللمشتري الخيار بين الفسخ وأخذ المبيع بقسطه من الثمن فإن اتفقا على تعويضه عنه جاز).
أما كون البيع باطلاً إذا بان المبيع أزيد أو أنقص على الرواية الأولى؛ فلأنه لا يمكن إجبار أحد المتبايعين على تسليم الزائد ولا على أخذ البعض لما فيه من ضرر الشركة أو النقصان عن حقه.
وأما كونه صحيحاً على الرواية الثانية؛ فلأن ذلك نقص على المشتري من جهة الحقيقة أو من جهة المعنى فلا يمنع صحة البيع كالعيب.
فعلى القول بالبطلان لا إشكال، وعلى القول بالصحة يكون الزائد فيما إذا بان زائداً للبائع لأنه لم يبعه ولكل واحد منهما الخيار لأن على كل واحد منهما ضرراً بالشركة.
وقال المصنف في المغني: يخير البائع بين دفع المبيع زائداً وبين دفع قدر المبيع فإن اختار تسليمه زائداً فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيراً فيما إذا بان زائداً ويكون النقصان فيما إذا بان ناقصاً على البائع لأنه التزمه بالبيع ولا خيار للبائع لأنه لا ضرر عليه في ذلك وللمشتري الخيار بين الفسخ لنقصه وبين أخذ المبيع بقسطه من الثمن لأن الثمن يقسط على كل جزء من أجزاء المبيع فإذا فات جزء استحق ما قابله من الثمن.
وأما كونه يجوز إمضاء العقد في الزائد مع الاتفاق والتعويض في النقص معه؛ فلأن الحق لهما لا يعدوهما فإذا اتفقا عليه جاز كحالة الابتداء.
باب الخيار في البيع
قال المصنف رحمه الله: (وهو على سبعة أقسام:
أحدها: خيار المجلس.
ويثبت في البيع، والصلحِ بمعناه، والإجارة).
أما كون الخيار على سبعة أقسام؛ فلأنه تارة يكون خيار المجلس، وتارة خيار الشرط، وتارة خيار الغبن، وتارة خيار التدليس، وتارة خيار العيب، وتارة في بيع التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، وتارة لاختلاف المتبايعين.
وأما كون أحدها خيار المجلس فظاهر.
وأما كون خيار المجلس يثبت في البيع فلما روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً، أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» 1 متفق عليه.
وقال عليه السلام: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 2 رواه الأئمة كلهم.
وأما كونه يثبت في الصلح بمعنى البيع كمن يقر لإنسان بعين أو دين ثم يصالحه على ذلك بعوض؛ فلأنه بيع فيدخل تحت ما تقدم.
وإن صولح على ذلك بذهب أو فضة فحكم الصلح حكم الصرف وسيأتي ذكره.
وأما كونه يثبت في الإجارة؛ فلأنها بيع المنافع فيدخل في الحديث المتقدم ذكره.
قال: (ويثبت في الصرف والسلم.
وعنه: لا يثبت فيهما).
أما كون خيار المجلس يثبت في الصرف والسلم على المذهب؛ فلأن ذلك بيع في الحقيقة فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 1.
ولأنه شرع نظراً لهما في الأحظ وهذا موجود في الصرف والسلم.
وأما كونه لا يثبت فيهما على روايةٍ؛ فلأن ذلك عقد لا يدخله خيار الشرط فلا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح.
وإنما لم يدخله خيار الشرط لأنه عقد يفتقر إلى التقابض في الحال ويقتضي عدم العلقة بينهما وثبوت الخيار بعد التفرق يمنع لزوم القبض ويثبت العلقة بينهما.
قال: (ولا يثبت في سائر العقود إلا في المساقاة والحوالة والسبق في أحد الوجهين).
أما كون خيار المجلس لا يثبت في سائر العقود غير العقود المستثناة كالنكاح والخلع والقرض والكتابة والتدبير والعتق والوقف والرهن والضمان والكفالة والشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية والهبة الخالية عن العوض والشفعة والقسمة إن قيل هي إفراز والإقالة إن قيل هي فسخ.
أما في النكاح؛ فلأنه لا يقصد منه العوض.
ولأن الخيار في البيع إنما ثبت استدراكاً للغبن؛ لأنه يقع فجأة عن غير تَرَوٍّ وهذا المعنى لا يوجد في النكاح؛ لأن الغالب أنه لا يوجد إلا بعد تَرَوٍّ وبحث.
وأما في الخلع؛ فلأنه يقصد منه التفرق أشبه الطلاق.
وأما في القرض والتدبير والكتابة والعتق والوقف والضمان والكفالة والهبة الخالية عن العوض؛ فلأن فاعل ذلك دخل فيه على أن الحظ لغيره.
وأما في الرهن؛ فلأنه يضر بالمرتهن لبقاء حقه بلا رهن بتقدير وقوع الخيار.
وأما في الشركة والمضاربة والجُعالة والوكالة والوديعة والعارية والوصية؛ فلأنها عقود جائزة متى شاء أحدهما فسخ فلا حاجة إلى خيار المجلس.
وأما في الشفعة؛ فلأنها شرعت لإزالة الضرر فلا يشرع فيها خيار لأنه يناقضه.
وأما في القسمة إذا قيل هي إفراز؛ فلأنه يجبر عليها ولا خيار في عقود الإجبار 2.
وأما في الإقالة إذا قيل هي فسخ؛ فلأن الخيار يثبت استدراكاً للضرر الحاصل بالعقد، والإقالة فسخ فلم يدخله الخيار المذكور لعدم صلاحية المحل له.
وأما كونه يثبت في العقود المستثناة وهي المساقاة والحوالة والسبق في وجه: أما في المساقاة؛ فلأنها في معنى الإجارة في وجه.
وأما في الحوالة؛ فلأنها بيع في الحقيقة.
وأما في السبق فلما ذكر في المساقاة.
وأما كونه لا يثبت في شيء من ذلك في وجهٍ: أما في المساقاة؛ فلأنها عقد يكثر فيه الغرر لما فيه من الجهالة.
ولأنها لا يثبت فيها خيار الشرط فكذا خيار المجلس.
وأما في الحوالة؛ فلأنها إسقاط وإبراء.
وأما في السبق؛ فلأنه كالجُعالة في وجهٍ، والجُعالة لا خيار فيها لكونها من العقود الجائزة فكذا ما هو في معناها 1.
قال: (ولكل واحد من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما إلا أن يتبايعا على أن لا خيار بينهما أو يسقطا الخيار بعده فيسقط في إحدى الروايتين، وإن أسقطه أحدهما بقي خيار صاحبه).
أما كون كل واحد من المتبايعين له الخيار ما لم يتفرقا إذا لم يتبايعا على أن لا خيار بينهما وإذا لم يسقطاه بعده فلما تقدم من قوله: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 2.
وأما كون التفرق بالأبدان لا بالأقوال؛ فلأن قبل التفرق بالأقوال لم يلزم العقد بل لم يوجد فلا حاجة إلى خيار.
ولأن في بعض ألفاظ الحديث: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع» 3.
ولأن ابن عمر راوي الحديث وكان يفسر الفرقة بفعله 4.
وأما كون الخيار يسقط إذا تبايعا بشرط أن لاخيار، أو أسقطاه بعد البيع في روايةٍ اختارها الشريف بن أبي موسى؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع» 1.
وقال عليه السلام: «البيعانِ بالخيارِ ما لم يَتفرقا، أو يقولُ أحدهما لصاحبه: اخْتَرْ» 2 رواه البخاري.
وأما كونه لا يسقط فيهما في روايةٍ؛ فلأن أكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» 3. والزيادة على ذلك مذكورة في حديث ابن عمر، وقول الأكثر ذوي الضبط مقدم على رواية المنفرد.
قال المصنف رحمه الله في المغني: والأول أولى لما تقدم.
ولأنه عليه السلام قال: «إلا أن يكونَ البيعُ كانَ عن خِيارٍ فإن كان البيعُ عن خيارٍ فقد وَجَبَ البيْع» 4 متفق عليه.
ولأن الأخذ بما تضمنته الزيادة أولى.
ولأن الأصل أن لا يثبت خيار.
خولف مع عدم الشرط والإسقاط للحديث الخالي عن المعارض فيبقى فيما وقع فيه التعارض على الأصل.
وأما كون خيار صاحب من أسقط خياره يبقى؛ فلأنه خيار في المبيع فلم يبطل حق من لم يُسقطه كخيار الشرط.
فصل [في خيار الشرط]
قال المصنف رحمه الله: (الثاني: خيار الشرط.
وهو: أن يشترطا في العقد خيار مدة معلومة فيثبت فيها وإن طالت).
أما كون الثاني خيار الشرط فظاهر.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يشترطا في العقد خيار مدة معلومة؛ فبيان لمعنى خيار الشرط.
وأما كون خيار الشرط يثبت في المدة المذكورة؛ فلقوله عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم» 1.
وأما كون ذلك يثبت في المدة إذا طالت؛ فلأنه حق مقدر يعتمد الشرط فرجع في تقديره إلى من شَرَطَه كالأجل، أو نقول: مدة ملحقة بالعقد فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل.
ويبطل هذا الشرط بالتخاير كخيار المجلس.
قال: (ولا يجوز مجهولاً في ظاهر المذهب.
وعنه: يجوز، وهما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته).
أما كون خيار الشرط لا يجوز أن يكون مجهولاً؛ مثل: أن يشترط الخيار متى شاء، أو إلى قدوم زيد، أو إلى الأبد، أو ما أشبه ذلك في ظاهر المذهب؛ فلأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة كالأجل.
ولأن الخيار إلى الأبد يقتضي المنع من التصرف في المبيع على الأبد وذلك ينافي مقتضى العقد.
وأما كونه يجوز على روايةٍ فلقوله عليه السلام: «المؤمنون على شروطهم» 1.
فعلى هذا هما على خيارهما إلى أن يقطعاه أو تنتهي مدته إن كانت معلقة بما تنتهي به.
والأولى أولى.
اختارها القاضي وابن عقيل.
قال: (ولا يثبت إلا في البيع، والصلحِ بمعناه، والإجارة في الذمة، أو على مدة لا تلي العقد).
أما كون خيار الشرط لا يثبت في غير الصور 2 المستثناة؛ فلأنه لا نص في ذلك ولا هو في معنى المنصوص وذلك ينفي الثبوت لا سيما إذا كان الأصل يعضده.
وأما كونه يثبت في البيع والصلح بمعنى البيع فلما تقدم في خيار المجلس.
وأما الإجارة فهي على ضربين:
أحدهما: إجارة في الذمة؛ مثل أن يقول: استأجرتك لتخيط هذا الثوب ونحوه.
فهذا يثبت فيه خيار الشرط لأنه استدراك للغبن فوجب ثبوته في ذلك كخيار المجلس.
والضرب الثاني: أن لا تكون في الذمة كإجارة الدار ونحوها: وذلك تارة لا تلي العقد؛ كإجارة سنة خمس وهو في أربع فهذا أيضاً يثبت فيه خيار الشرط لما تقدم في الإجارة في الذمة، وتارة تلي العقد فهذا لا يثبت فيه خيار الشرط لأنه يفضي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها أو إلى استيفائها في مدة الخيار وكلاهما لا يجوز.
ولم يفصل المصنف رحمه الله هذا التفصيل في الإجارة في خيار المجلس لأنه لا يلزم فيها ما ذكر هاهنا لقصره غالباً.
قال: (وإن شرطاه إلى الغد لم يدخل في المدة.
وعنه: يدخل).
أما كون الغد فيما ذكر لا يدخل على المذهب؛ فلأن إلى لانتهاء الغاية فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها لأن حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها يؤيده قوله تعالى: {ثم أتموا
الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] لا يدخل الليل في الصيام، وقول الرجل لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لا تدخل الثالثة، وقول المقر: له عندي من درهم إلى عشرة لا يدخل الدرهم العاشر.
وأما كونه يدخل في ذلك على روايةٍ؛ فلأن إلى قد تكون بمعنى مع كقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: 6] و ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: 52].
ولأن الخيار ثابت بيقين فلا نزيله بالشك.
والأول أصح؛ لأن إلى لانتهاء الغاية وإنما تحمل على معنى مع لدليل أو لتعذر حملها على موضوعها الأصلي.
ولأن الأصل لزوم العقد وإنما خولف فيما اقتضاه الشرط فيثبت فيما يتيقن منه، وما شك فيه يرجع فيه إلى الأصل.
قال: (وإن شرطاه مدة فابتداؤها من حين العقد، ويحتمل أن يكون من حين التفرق).
أما كون ابتداء المدة المشروطة من حين العقد على المذهب؛ فلأن الخيار مدة ملحقة من حين العقد فكان ابتداؤها من حين العقد كالأجل.
وأما كونه يحتمل أن يكون من حين التفرق؛ فلأن الخيار ثابت في المجلس حكماً فلا معنى لإثباته بالشرط.
ولأن حالة المجلس كحالة العقد لأن لهما فيه الزيادة والنقصان.
والأول أصح.
قاله المصنف في المغني لما ذكر.
ولأن الاشتراط سبب ثبوت الخيار فوجب أن يتعقبه حكمه كالملك في المبيع.
ولأن المدة لو جعلت من التفرق لأدى إلى جهالتها لأنه لا يعلم متى ابتداؤها فلا يعلم انتهاؤها.
وثبوت الحكم لسببين لا يمتنع كالوطء يَحْرم بالصيام والإحرام.
قال: (وإن شرط الخيار لغيره جاز وكان توكيلاً له فيه، وإن شرطا الخيار لأحدهما دون صاحبه جاز).
أما كون شرط الخيار للغير يجوز ويكون توكيلاً له؛ فلأن تصحيح الاشتراط على الوجه المذكور ممكن فوجب حمله عليه صيانة لكلام المكلف عن اللغو.
وصار هذا
بمنزلة ما لو قال لغيره: اعتق عبدك عني فإنه يقدر الملك قبل العتق تصحيحاً لكلامه.
فكذلك هاهنا.
وأما كون شرط الخيار لأحد المتبايعين دون صاحبه يجوز؛ فلأنه إذا جاز اشتراطه لهما؛ فلأن يجوز اشتراطه لأحدهما بطريق الأولى.
قال: (ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه، وإن مضت المدة ولم يفسخا بطل خيارهما).
أما كون من له الخيار له الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه؛ فلأنه عقد جعل إلى اختياره 1 فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه كالطلاق.
وأما كون خيارهما يبطل إذا مضت المدة ولم يفسخا؛ فلأنها مدة ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل.
ولأن حكم بقاء الخيار يفضي إلى بقائه أكثر من المدة التي اشترطاها، وهو إنما ثبت بالشرط فلا يجوز أن يثبت في غير مدته.
ولأن البيع سبب للزوم وإنما تخلف موجبه بالخيار فإذا انقضت مدته لزم العقد بموجبه لزوال المعارض.
وفي قول المصنف رحمه الله: ولم يفسخا نظر لأنه إذا فسخ أحدهما يصدق أنهما ما فسخا، وفي هذه الصورة لا يبطل الخيار.
وقد احترز عن هذا في المغني فقال: ولم يفسخ أحدهما بطل الخيار، وليس مراد المصنف إلا هذا وإنما لم يحترز عن هذا اعتماداً على ظهور المعنى.
قال: (وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له أمضيا العقد أو فسخاه).
أما كون الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد في أظهر الروايتين فلقوله صلى الله عليه وسلم: «من بَاع عبداً وله مال فماله للبائعِ إلا أن يَشترِطه المبتَاع» 2 رواه البخاري.
وجه الحجة أنه جعل المال للمبتاع إذا اشترطه وهو عام في كل بيع فيدخل فيه بيع الخيار.
وأما كونه لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار في روايةٍ؛ فلأنه عقد قاصر لا يفيد التصرف ولا يلزم فلا ينتقل الملك فيه كالهبة قبل القبض.
والأولى أولى لما ذكر.
ولأنه بيع صحيح فنقل الملك عقيبه كما لو لم يشترط الخيار.
ولأن البيع تمليك بدليل أنه يصح بقوله: ملكتك فيثبت به الملك كالمطلق.
ودعوى القصور فيه ممنوعة، وامتناع التصرف لأجل حق الغير لا يمنع ثبوت الملك كالمرهون والمبيع قبل القبض، وعدم اللزوم لا يوجب قصوراً ولا يمنع نقل الملك بدليل بيع المعيب.
وأما كون ما حصل من كسب أو نماء منفصل للمشتري مع إمضاء العقد ومع فسخه؛ فلأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه.
ولأنه من ضمانه فيدخل في قوله عليه السلام: «الخراج بالضمان» 1. قال الترمذي: هو صحيح.
وفي قول المصنف رحمه الله: أو نماء منفصل احتراز عن النماء المتصل كالسمن ونحوه فإن ذلك يتبع العين مع الفسخ لتعذر انفصاله.
ولا بد أن يُلحظ في كون النماء المنفصل للمشتري أنه مبني على القول بأن الملك ينتقل بنفس العقد لأن على روايةِ الانتقال بانقضاء مدة الخيار يكون جميع ذلك للبائع لما ذكر.
قال: (وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار إلا بما يحصل به تجربة المبيع، وإن تصرفا ببيع أو هبة ونحوهما لم ينفذ تصرفهما ويكون تصرف البائع فسخاً للبيع، وتصرف المشتري إسقاطاً لخياره في أحد الوجهين، وفي الآخر البيع والخيار بحالهما).
أما كون كل واحد من البائع والمشتري ليس له التصرف في المبيع في مدة الخيار على غير وجه التجربة؛ فلأنه ليس بملك للبائع فيتصرف فيه ولا انقطعت عنه علقه فيتصرف فيه المشتري.
وأما 1 كونهما إذا تصرفا بيبع أو هبة ونحوهما مما ينقل الملك ويثبت الشغل في المعقود كالإجارة والرهن والكتابة لا ينفذ تصرفهما؛ فلأنه تصرف لم يصادف محله لأن البائع لا يملكه والمشتري يفضي تصرفه إلى إسقاط حق البائع من الخيار واسترجاع المبيع.
وأما كون تصرف البائع فسخاً للمبيع وتصرف المشتري إسقاطاً لخياره في وجهٍ؛ فلأن ذلك يحصل بالتصريح فحصل بالدلالة عليه كالمعتَقة فإن خيارها يسقط بتمكينها زوجها من وطئها.
وأما كون تصرف البائع لا يكون فسخاً في وجهٍ؛ فلأن الملك انتقل عن البائع فلم يكن تصرفه فيه فسخاً واسترجاعاً كمن وجد عين ماله عند مفلس.
وأما كون تصرف المشتري لا يكون إسقاطاً لخياره في وجهٍ؛ فلأن التصرف غير صحيح فوجوده كعدمه.
وأما كون المشتري له التصرف بما يحصل به تجربة المبيع مثل 2: أن يركب الدابة لينظر سيرها، ويطحن على الرحى ليختبرها؛ فلأن الخيار إنما شرطه ليستعلم به المبيع وذلك طريق إليه فلو لم يجز لما أمكنه تحصيل ما شرط الخيار من أجله.
قال: (وإن استخدم المبيع لم يبطل خياره في أصح الوجهين، وكذلك إن قبلته الجارية.
ويحتمل أن يبطل إن لم يمنعها).
أما كون الخيار باستخدام المبيع لا يبطل في أصح الوجهين؛ فلأن الخدمة لا تختص بالملك فلم يبطل الخيار كالنظر.
وأما كونه يبطل في وجهٍ؛ فلأن الخدمة إحدى المنفعتين فأبطلت الخيار كما 1 لو وطئ.
ولأنه نوع تصرف أشبه ركوب الدابة.
وأما كون تقبيل الجارية المشتري لا يبطل خياره به على المذهب؛ فلأن الحق له ولم يوجد منه ما يدل على إبطاله فوجب أن لا يبطل.
وأما كونه يحتمل أن يبطل إذا لم يمنعها؛ فلأن سكوته استمتاع بها ودليل على رضاه بدليل ما لو عتقت المرأة تحت عبد فوطئها وهي ساكتة.
ولا بد أن يقيد الخلاف المذكور بالشهوة لأنه إذا كان لغير شهوة لا يبطل بغير خلاف لأن التقبيل لغير شهوة ليس باستمتاع بوجه.
قال: (وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه وبطل خيارهما، وكذلك إن تلف المبيع.
وعنه: لا يبطل خيار البائع وله الفسخ والرجوع بالقيمة).
أما كون إعتاق المشتري العبد المبيع بشرط الخيار ينفذ؛ فلأنه عتق من مالك جائز التصرف تام الملك فنفذ كما بعد مدة الخيار.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عتق فيما لا يملك ابن آدم» 2 يدل بمفهومه على نفوذه في الملك.
ولأن ملك البائع الفسخ لا يمنع صحة العتق كما لو باع عبداً بجارية معينة فأعتقه المشتري فإنه ينفذ مع ملك البائع الفسخ، وكما لو وهب الأب لابنه عبداً فأعتقه الابن فإنه ينفذ عتقه مع ملك الأب الفسخ.
وأما كون خيار المشتري يبطل فلتصرفه بالعتق الموجب للزوم.
وأما كون خيار البائع يبطل على المذهب فلتعذر الرجوع.
وأما كونه لا يبطل على روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد ما يدل على بطلانه، وتعذر الرجوع في العين لا يمنع الفسخ لأنه قد يكون في الفسخ مصلحة مثل: أن يكون قد باعه بأقل من ثمن مثله فإذا فسخ ملك الرجوع في قيمته.
وأما كونه له الفسخ على هذه الرواية؛ فلأن خياره لم يبطل.
وأما كونه إذا فسخ له الرجوع بقيمة المبيع لأنها بدل ما لا مثل له.
وأما كون تلف المبيع كعتق العبد في بطلان الخيار؛ فلأنه يساويه معنى فكذا يجب أن يساويه حكماً.
قال: (وحكم الوقف حكم البيع في أحد الوجهين، وفي الآخر: حكمه حكم العتق).
أما كون حكم وقف المشتري المبيع في وجهٍ حكم بيعه.
ومعناه أنه لا ينفذ؛ فلأنه يتضمن بطلان حق غيره أشبه وقف المرهون.
وأما كون حكمه في وجهٍ حكم عتقه.
ومعناه أنه ينفذ؛ فلأنه تصرف يبطل الشفعة فنفذ كالعتق.
والأول أصح قاله المصنف في المغني لما ذكر.
وفارق العتق لتأكده بدليل أنه يسري إلى ملك الغير، ويبنى على التغليب، ويصح في الرهن بخلاف الوقف.
قال: (وإن وطئ المشتري الجارية فأحبلها صارت أم ولده وولده حر ثابت النسب، وإن وطئها البائع فكذلك إن قلنا البيع ينفسخ بوطئه، وإن قلنا لا ينفسخ فعليه المهر وولده رقيق إلا إذا قلنا الملك له، ولا حد فيه على كل حال.
وقال أصحابنا: عليه الحد إذا علم زوال ملكه وأن البيع لا ينفسخ بالوطء.
وهو المنصوص).
أما كون الجارية تصير أم ولد المشتري بإحباله؛ فلأنه إحبال صادف محله فوجب أن تصير الموطوءة أم ولد كما لو أحبلها بعد انقضاء الخيار.
وأما كون ولده حر ثابت النسب؛ فلأنه من وطء في مملوكة له.
وأما كون البائع إذا وطئ الجارية وقيل البيع ينفسخ بوطئه كالمشتري في صيرورة الجارية أم ولد وكون الولد حر ثابت النسب؛ فلأن البيع إذا انفسخ بالوطء صادف إحبال البائع ملكه والإحبال في الملك يوجب ذلك.
وأما كون المهر عليه وكون ولده رقيقاً إذا قيل وطء البائع لا يوجب الفسخ وقيل الملك للمشتري زمن الخيار؛ فلأنه وطء في ملك الغير.
وأما كونه لا مهر عليه وكون ولده حراً إذا قيل الملك باق للبائع؛ فلأنه وطء في ملك.
وأما الحد فالمنصوص عن أحمد أنه إن كان عالماً بالتحريم فعليه الحد.
وهذا يستدعي كون الملك لغيره، وأن 1 البيع لا ينفسخ بالتصرف.
والحجة في وجوبه 2 أنه وطء لم يصادف ملكاً ولا شبهة ملك.
وقال ابن عقيل: لا حد عليه بحال.
وهو اختيار المصنف.
وقال في المغني: وهو الصحيح لأنه وطئه إما أن يصادف ملكاً أو شبهه لأن العلماء اختلفوا في ثبوت ملكه وإباحة وطئه وذلك شبهة.
قال: (ومن مات منهما بطل خياره ولم يورث.
ويتخرج: أن يورث كالأجل).
أما كون من مات من البائع والمشتري يبطل خياره ولم يورث على المذهب؛ فلأنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه فبطل ولم يورث كخيار الرجوع في الهبة.
وأما كونه يتخرج أن يورث فلقوله عليه السلام: «من ترك حقاً فلورثته» 3، وقياساً على الأجل في الثمن، وعلى خيار الوصية.
فصل [في خيار الغبن]
قال المصنف رحمه الله: (الثالث: خيار الغبن.
ويثبت في ثلاث صور:
إحداها: إذا تلقى الركبان فاشترى منهم وباع لهم فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة).
أما كون الثالث خيار الغبن؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كون الركبان لهم الخيار إذا تُلُقّوا واشتريَ منهم أو بيع لهم فغبنوا؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَلَقّوا الجلب فمن تلقاه فاشتريَ منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار» 1 رواه مسلم.
وثبوت الخيار مشعر بأن البيع من الركبان والشراء لهم صحيح.
وفي صحة ذلك روايتان:
إحداهما: أنه صحيح لأن النهي لا لمعنى في البيع بل يعود إلى ضرب من الخديعة يمكن استدراكه بالخيار أشبه بيع المصرّاة.
والرواية الثانية: أنه باطل لأنه منهي عنه أشبه بيع الحاضر للبادي.
والأولى أصح لما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين بيع الحاضر للبادي أن بيع الحاضر لا يمكن استدراكه بالخيار لأن الضرر ليس عليه إنما هو على المسلمين بخلاف تلقي الركبان فإن الضرر عليهم، واستدراك ذلك حاصل بثبوت الخيار لهم فلا حاجة إلى إبطال البيع والشراء.
وأما ما يشترط لثبوت الخيار فأمران:
أحدهما: الغبن؛ لأنه إنما ثبت للخديعة ودفع الضرر عن البائع ولا ضرر مع عدم الغبن.
فإن قيل: الحديث مطلق؟
قيل: يجب حمله على ذلك للعلم بمعناه.
فإن قيل: لم قلت إن الحديث معناه ذلك؟
قيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل لهم الخيار إذا هبطوا السوق فُهم منه إرادة الغبن لأنه لولا ذلك لجعل لهم الخيار من حين البيع.
والثاني: تقدير الغبن بما يخرج عن العادة لأن الشرع لم يرد بتحديد ذلك فرجع فيه إلى ذلك كالحِرْز.
وقال أبو بكر في تنبيهه وابن أبي موسى في إرشاده: ذلك مقدر بالثلث لأن الثلث كثير بدليل قوله عليه السلام: «والثلث كثير» 1.
وقيل: هو مقدر بالسدس لأن الخيار لو ثبت بأقل من ذلك لأدى إلى بطلان كثير من العقود.
قال: (والثانية في النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليَغُر المشتري فله الخيار إذا غبن).
أما قول المصنف وهو أن يزيد في السلعة... إلى المشتري؛ فبيان لمعنى النجش.
وزاد فيه غيره 2: أن يكون الذي زاد معروفاً بالحِذْق.
ولا بد منه لأن التغرير لا يحصل للمشتري إلا بذلك.
ويحتمل أن المصنف رحمه الله إنما ترك ذلك هنا لأن قوله ليغر المشتري مشعر به.
وأما كون المشتري يثبت له الخيار إذا غبن في البيع المذكور؛ فلأنه مغبون فوجب أن يثبت له الخيار كالركبان إذا تُلُقّوا فاشتريَ منهم وغبنوا.
وثبوت الخيار مشعر بصحة البيع.
وفيه أيضا روايتان:
إحداهما: أنه صحيح؛ لأنه ثبت فيه الخيار بالقياس على الركبان.
فكذلك الصحة.
وثانيهما: أنه باطل؛ لما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النّجْش» 1.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَنَاجَشُوا» 2 متفق عليهما.
ولأن في ذلك تغريراً بالمشتري وخديعة له فدخل في المنهي عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الخديعة في النار» 3. وإذا كان منهياً عنه كان البيع باطلاً؛ لأن النهي يقتضي الفساد والبطلان.
والأول أصح؛ لأن النهي عائد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في صحة البيع.
فإن قيل: لم يُقَيِّد المصنف رحمه الله الغبن في هذه المسألة بما يخرج عن العادة؟
قيل: قيده في المغني.
وإنما تركه هنا؛ لأنه نبّه على ذكره في المسألة قبلها.
قال: (الثالثة: المسترسل إذا غبن الغبن المذكور.
وعنه: أن النجش وتلقي الركبان باطلان).
أما كون المسترسل يثبت له الخيار إذا غبن بما تقدم ذكره في الصورتين المتقدم ذكرهما؛ فلأنه غبن حصل بجهله بالمبيع فأثبت الخيار كالغبن في تلقي الركبان.
فإن قيل: ما المراد بالمسترسل المذكور؟
قيل 4: الذي لا معرفة له بقيم السلع والأسعار، ولا يحصل له المعرفة بذلك بالتثبت.
فلو كان عالماً بالغبن أو جاهلاً لكن لو توقف لعَرَف فغبن فلا خيار له:
أما العالم؛ فلأنه رضي بالغبن.
وأما المستعجل؛ فلأن الغبن حصل بتفريطه وتركه التثبت فكان كالراضي بالغبن.
وأما كون بيع النجش وتلقي الركبان باطلين على روايةٍ فلما تقدم ذكره في الصورة الأولة والثانية.
فصل [في خيار التدليس]
قال المصنف رحمه الله: (الرابع: خيار التدليس بما يزيد به الثمن؛ كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها فهذا يثبت للمشتري خيار الرد مع المصراة عوض اللبن صاعاً من تمر فإن لم يجد التمر فقيمته في موضعه سواء كانت ناقة أو بقرة أو شاة).
أما كون الرابع خيار التدليس؛ فلأنه يلي الثالث.
وأما قول المصنف رحمه الله: كتصرية اللبن في الضرع... إلى قوله: عند عرضها؛ فتعداد لصور التدليس وبيان لها.
وأما كون التدليس يُثبت للمشتري خيار الرد: أما التصرية؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعدُ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» 1 متفق عليه.
ولأنه تدليس غر المشتري فيه بالتصرية فكان له الخيار كبيع النجش.
وأما باقي الصور التي ذكرها المصنف رحمه الله؛ فلأنه في معناها لأنه تدليس يختلف الثمن باختلافه أشبه التصرية.
وأما معنى التصرية فهو جمع اللبن في الضرع.
قال البخاري: أصل التصرية حبس الماء.
يقال: صرى الماء في الحوض وصرى الطعام في فيه وصَرَى الماء في ظهره إذا ترك الجماع.
وأنشد أبو عبيدة:
رأيت غلاماً قد صَرَى في فِقْرَتِهْ... ماءَ الشباب عُنْفُوانَ سَنْبِتِهْ
وأما كون المشتري يرد مع المُصَرّاةِ عوض اللبن صاعاً من تمر؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» 1.
وفي لفظ للبخاري: «وإن سَخِطَهَا ففي حَلْبَتِهَا صاعٌ من تمر» 2.
وأما كونه يرد قيمة التمر إذا لم يجده؛ فلأنه عجز عن عين الواجب فوجب الرجوع إلى قيمته أشبه ما لو أتلف ذلك على آدمي.
وأما كون قيمة التمر في موضع العقد؛ فلأن القيمة بدل عن التمر فكان موضعه موضعه.
وأما كون التصرية تُثبت خيار الرد سواء كانت المصراة ناقة أو بقرة أو شاة فلعموم قوله عليه السلام: «من اشترى مُصَرَّاةً فهو بالخيار» 3 رواه البخاري.
وفي حديث ابن عمر: «من ابتاع مُحَفّلَةً» 4. ولم يفصل.
ولأن الإبل والغنم منصوص عليهما بقوله عليه السلام: «لا تصروا الإبل والغنم» 5 فثبت فيهما بالتصريح وفي البقر بالتنبيه لأن لبن البقر أغزر وأكثر.
قال: (فإن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه.
ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر).
أما كون المشتري يرد اللبن غير المتغير ويجزئه على المذهب؛ فلأن التمر إنما وجب عن اللبن فإذا رد الأصل وجب أن يجزئ كسائر الأصول مع أبدالها.
وأما كونه يحتمل أن لا يجزئه إلا التمر؛ فلأن كون اللبن في الضرع أحفظ له.
ولأن إطلاق الحديث يدل عليه.
وأما قول المصنف رحمه الله: لم يتغير فظاهره أن اللبن إذا تغير لا يجزئه رده وجهاً واحداً لأنه جعل عدم التغيير شرطاً في الإجزاء.
وظاهر قول القاضي أن الخلاف
موجود مع التغير وعدمه لأنه علل احتمال الإجزاء بأن النقص حصل باستعمال 1 المبيع.
وعلل احتمال عدم الإجزاء بأن اللبن نقص في يده بالحموضة فهو كما لو أتلفه.
وصرح المصنف في الكافي بالخلاف مع التغير ونسب لزوم القبول إلى القاضي.
قال: (ومتى علم التصرية فله الرد.
وقال القاضي: ليس له ردها إلا بعد ثلاث).
أما كون المشتري له الرد بمجرد العلم على المذهب؛ فلأنه علم سبب الرد فكان له حينئذ أشبه ما لو علم بالعيب.
وأما كونه ليس له ذلك قبل مضي ثلاث على قول القاضي؛ فلأن أبا هريرة روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى مُصَرّاةً فهو بالخيار ثلاثة 2 أيام» 3 رواه مسلم.
وجه الحجة: أن الشرع قدر الثلاث لمعرفة التصرية لأن التصرية لا تعرف إلا بعد مضيها لأنه يجوز أن يختلف لبنها لتغير المكان واختلاف العلف 4 فإذا مضت الثلاثة استبان ذلك فوجب أن يثبت له الخيار حينئذ ولا يثبت قبله.
وقال المصنف رحمه الله في المغني: ظاهر قول ابن أبي موسى أنه إذا علم التصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها وهو ظاهر الحديث.
قال: (وإن صار لبنها عادة لم يكن له الرد في قياس قوله: إذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج لم يملك الرد).
أما كون المشتري ليس له الرد إذا صار لبن المصراة عادة؛ فلأن الخيار جُعل لدفع الضرر بالعيب وقد زال الضرر فامتنع ثبوت الرد؛ لأن الحكم يزول بزوال علته.
وأما قول المصنف رحمه الله: في قياس قوله إذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج؛ فتنبيه على أمرين:
أحدهما: أن الحكم في المصراة مأخوذ من المسألة المذكورة لأنها منصوص عليها والمصراة في معناها.
وثانيهما: أن الأمة إذا بيعت فبانت مزوجة فطلقها الزوج لا رد لمشتريها.
وقد تقدم علة ذلك.
قال: (وإن كانت التصرية في غير بهيمة الأنعام فلا رد له في أحد الوجهين.
وفي الآخر: له الرد، ولا يلزمه بدل اللبن).
أما كون مشتري المصراة من غير بهيمة الأنعام كالأمة والأتان لا رد له في وجهٍ؛ فلأن لبن ذلك لا يعتاض عنه في العادة ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام.
وأما كونه له الرد في وجهٍ فلعموم قوله عليه السلام: «من اشترى مُصَرَّاةً» 1 و «من اشترى مُحَفّلَةً» 2.
ولأن الثمن يختلف بذلك لأن لبن الأمة يراد للارتضاع ويرغب فيها ظئراً ويحسن ثديها ولذلك لو اشترط كثرة لبنها فبان بخلافه ملك الفسخ ولبن الأتان يراد لولدها.
وأما كونه لا يلزمه بدل اللبن على كل حال؛ فلأن ذلك لا يباع عادة ولا يعاوض عنه.
قال: (ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها فإن فعل فالبيع صحيح.
وقال أبو بكر: إن دلس العيب فالبيع باطل، قيل له: فما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً).
أما كون البائع لا يحل له التدليس؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا» 3.
و«نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التصرية» 4 لكونها تدليساً وذلك يقتضي عدم حل كل تدليس.
وأما كونه لا يحل له كتمان العيب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمُ أخو المسلم.
لا يَحلُ لمسلمٍ باعَ من أخيه بَيعاً إلا بيّنهُ له» 1.
وقال: «من بَاع بيعاً لم يُبيّنه، لم يَزل في مَقْتٍ من الله، ولم تزل الملائكةُ تَلعنه» 2 رواهما ابن ماجة.
وقال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» 3 متفق عليه.
وأما كون البيع مع ذلك صحيحاً على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صحح بيع المصراة مع أنه منهي عنه وأثبت فيه الخيار 4.
ولأن العيب نقص في حق المشتري فلم يمنع صحة البيع كالتصرية.
وأما كونه باطلاً إذا دلس العيب على قول أبي بكر؛ فلأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والبطلان.
والأول أصح؛ لحديث المصراة.
وأشار المصنف إلى انقطاع حجة أبي بكر بقوله: قيل له: ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً لأن التصرية إلزام صحيح ليس عنه جواب.
فصل [في خيار العيب]
قال المصنف رحمه الله: (الخامس: خيار العيب.
وهو: النقص كالمرض وذهاب جارحة أو سن أو زيادتها ونحو ذلك.
وعيوب الرقيق من فعله كالزنا والسرق والإباق والبول في الفراش إذا كان من مميز، فمن اشترى معيباً لم يعلم عيبه فله الخيار بين الرد والإمساك مع الأرش وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن).
أما كون الخامس خيار العيب؛ فلأنه يلي الرابع.
وأما كون العيب يثبت للمشتري خيار الرد؛ فلأن مطلق العقد يقتضي السلامة بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه اشترى مملوكاً فكتب: هذا ما اشترى محمد بن عبدالله من العَدّاءِ بن خالد، اشترى منه عبداً أو أمة لا دَاءَ به ولا غَائِلَةَ بيع المسلمِ للمسلم» 1.
وإذا كان مقتضى العقد السلامة وجب ثبوت الخيار بظهور المبيع معيباً استدراكاً لما فاته وإزالة لما يلحقه من ضرر بقائه في ملكه ناقصاً عن حقه.
وأما كون العيب المثبت للخيار النقص؛ فلأنه يقلل الثمن في عادات التجار لأن المبيع إنما صار محلاً للعقد باعتبار صفة المالية فوجب اعتبار النقص لأنه ينقص به الثمن في عادة أهل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالمرض... إلى قوله: ونحو ذلك فتعداد لأشياء ينقص بها الثمن ليست من فعل العبد.
وأما قوله: كالزنا والسرق والإباق والبول في الفراش فتعداد لأشياء ينقص بها الثمن وهي من فعل العبد.
وكل ذلك يثبت به الخيار لأن الزنا ينقص قيمة العبد ويعرضه لإقامة الحد ويقلل الرغبة فيه وربما أدى ذلك إلى تلفه، والسرق والإباق والبول في الفراش عيب في الكبير وهو الذي جاوز العشر.
وهو المراد بقول المصنف رحمه الله: إذا كان من مميز وليس ذلك بعيب في الصغير لأن السرق والإباق في الصغير لنقصان عقله والبول لضعف بُنْيَتِه، وفيما بعد الكبر لخبث في طبيعته والبول لداء في باطنه.
وأما كون من اشترى معيباً لم يعلم عيبه له الخيار بين رده وبين إمساكه مع الأرش: أما الرد؛ فلأنه ظهر على عيب لم يعلم به فاستحق به الأرش كما لو تعيب عنده.
ولأنه فاته جزء من المبيع فكان له المطالبة بعوضه كما لو أتلفه بعد البيع.
فإن قيل: النبي صلى الله عليه وسلم خيّر في المصراة بين الرد وبين الإمساك بلا أرش فيجب أن يكون هنا كذلك.
قيل: المصراة ليس فيها عيب وإنما ملك الخيار بالتدليس لا لفوات جزء فلذلك لا يستحق أرشاً.
ولأن إلحاق المعيب بالمصراة لا يصح لأن المصراة لا يرجع مشتريها بالأرش إذا تعذر الرد بخلاف المعيب فإنه يرجع بالأرش عند تعذر الرد وفاقاً من المخالف هنا.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الخيار بعدم العلم إشعار بأنه إذا كان عالماً لا خيار له وهو صحيح لأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له خيار كما لو صرح بالرضى به 1.
وأما كون الأرش قسطُ ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن؛ فلأنه لا يؤدي إلى محذور [بخلاف جعله قسط قيمته لأنه يؤدي إلى محذور] 2 وهو اجتماع الثمن والمثمن للمشتري في صورة هي: ما لو كان الثمن نصف قيمته وكان الأرش نصف قيمته لأنه إذا اشترى ما قيمته عشرون بعشرة فوجد به عيباً أرشه عشرة فإذا أخذها اجتمع له الثمن والمثمن.
فإن قيل: ما مثال قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن؟
قيل: مثاله أن يكون قيمته صحيحاً عشرة ومعيباً خمسة فالمعيب نقص خمسة ونسبتها إلى قيمته صحيحاً النصف فيرجع 1 بنصف الثمن وهو المعني بقول المصنف رحمه الله: وهو قسط ما بين قيمة الصحيح والمعيب من الثمن.
قال: (وما كسب فهو للمشتري وكذلك نماؤه المنفصل.
وعنه: لا يرده إلا مع نمائه).
أما كون كسب المبيع المعيب المردود لعيبه للمشتري؛ فلأن عائشة روت «أن رجلاً اشترى عبداً فاستغلّه ما شاء ثم وجد به عيباً فردَّه.
فقال: يا رسول الله! إنه استَغَلّ غلامي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الخراج بالضمان» 2 رواه أبو داود وابن ماجة.
وأما كون المنفصل كالولد والثمرة المجذوذة واللبن المحلوب كذلك على المذهب؛ فلأنه نماءٌ حدث في ملك المشتري فلم يمنع الرد كالكسب، وكما لو كان في يد البائع.
وأما كونه لا يرد الأصل إلا معه على روايةٍ؛ فلأن النماء موجَب العقد فلا يُرْفَع العقد مع بقاء موجبه.
وهذا الخلاف هو المعنيّ بقول المصنف رحمه الله: وكذلك نماؤه المنفصل.
وعنه: لا يرده إلا مع نمائه.
ولا تعود هذه الرواية إلى الكسب لأنه ذكر في المغني أن الكسب زيادة من غير العين.
ثم قال: فكل ذلك للمشتري في مقابلة ضمانه.
ثم قال: ولا نعلم في هذا خلافاً.
وحكى في الكافي في الزيادة من غير العين كالكسب ونحوه روايتين وفيه نظر لما ذكر عن المصنف في المغني.
وحكى صاحب النهاية فيها: الكسب مما أجمع عليه.
قال: (ووطء الثيب لا يمنع الرد.
وعنه: يمنع).
أما كون وطء الثيب لا يمنع الرد على روايةٍ؛ فلأنه قول زيد بن ثابت.
وأما كونه يمنعه على روايةٍ؛ فلأنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ولأن الوطء يجري مجرى الجناية لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال فوجب أن يمنع الرد كما لو كانت بكراً.
والأولى أصح لما ذكر.
ولأنه معنى لا ينقص عينها ولا قيمتها ولا يتضمن الرضا بالعيب فلم يمنع الرد كالاستخدام.
قال: (وإن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش.
وعنه: أنه مخير بين الأرش وبين رده وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن.
قال الخرقي: إلا أن يكون البائع دلس العيب فيلزمه رد الثمن كاملاً).
أما كون المشتري له الأرش إذا وطئ البكر أو تعيب المبيع عنده ثم ظهر على عيب؛ فلأن العقد اقتضى السلامة فقابل كل جزء من الثمن كل جزء من المبيع فإذا فات منه شيء وجب الرجوع فيما قابله من الثمن.
وفي اقتصار المصنف على الأرش إشعار بأن وطء البكر وحدوث العيب يمنع الرد وهو صحيح على المذهب.
أما وطء البكر؛ فلأنه إذهاب لجزء منها أشبه ما لو قطع يدها.
وأما في حدوث العيب في ملكه كقطع يدها وما أشبه ذلك؛ فلأن الرد بالعيب إنما شرع لإزالة الضرر وفي رد المبيع المعيب عند المشتري ضرر على البائع والضرر لا يزال بالضرر.
ولأن ضرر المشتري ينجبر بالأرش فتعين لكونه طريقاً صالحاً لإزالة ضرر سالماً عن معارضة ضرر البائع.
وأما كونه مخيراً بين أخذ الأرش وبين رد المبيع وأرش العيب الحادث على روايةٍ؛ فلأنه عيب حدث عند أحد المتبايعين فلم يمنع الخيار المذكور كالعيب الحادث عند البائع قبل القبض.
ولأن العيبين قد وجدا والبائع قد دلس والمشتري لم يدلس فكان اعتبار خيانة المدلس أولى.