المغني لابن قدامةصفحات 41-80
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 41-80
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هَاهُنَا، وَالِاسْتِئْذَانَ فِي حَدِيثِهِمْ مُسْتَحَبٌّ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَحَدِيثُ الَّتِي خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الَّتِي زَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِهَا خَسِيسَتَهُ، فَتَخْيِيرُهَا لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ، كَالنُّطْقِ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَلَمْ يَصِحَّ.
كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ لِمُوَلِّيَتِهِ عَقْدًا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا، فَلَمْ يَصِحَّ، كَبَيْعِهِ عَقَارَهَا مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ وَلَا حَاجَةٍ، أَوْ بَيْعِهِ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهَا شَرْعًا، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ لَهَا شَرْعًا بِمَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ كَالْوَكِيلِ وَالثَّانِيَةُ، يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ، كَشِرَاءِ الْمَعِيبِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَيْبُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ، إذَا عَلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَيَصِحُّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَبَطَلَ لِتَحْرِيمِهِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ الضَّرَرِ، بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا، فَتُفْسَخُ إنْ كَرِهَتْ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ كَانَ كَإِجَازَتِهَا وَإِذْنِهَا، بِخِلَافِ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ؛ فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَلَا خِيَارَ لِأَبِيهَا إذَا كَانَ عَالِمًا؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَعَلَيْهِ الْفَسْخُ، وَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ لِحَظِّهَا، وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرَ الْأَبِ، فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى مَا مَضَى.
وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، وَلَا مِنْ مَعِيبٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَهُ مُقَامَهَا، نَاظِرًا لَهَا فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَمُتَصَرِّفًا لَهَا، لِعَجْزِهَا عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ مَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ، كَمَا فِي مَالِهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِمَا لَا حَظَّ فِيهِ، فَفِي نَفْسِهَا أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إجْبَارُ كَبِيرَةٍ وَلَا تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ جِدًّا]

(5201) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَبِ.
يَعْنِي لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إجْبَارُ كَبِيرَةٍ، وَلَا تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ، جِدًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَّا فِي الْجَدِّ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْأَبِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ وِلَايَةُ إيلَادٍ، فَمَلَكَ إجْبَارَهَا كَالْأَبِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لِغَيْرِ الْأَبِ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ هَؤُلَاءِ

غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَيْنِ غَيْرُ الْأَبِ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَا.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] . فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ، فَلَهُ تَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ، وَالْيَتِيمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» . قَالَ عُرْوَةُ: سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] . فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا، فَيُشْرِكُهَا فِي مَالِهَا، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا فِيهِنَّ، وَيَبْلُغُوا أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ وَلِيٌّ فِي النِّكَاحِ، فَمَلَكَ التَّزْوِيجَ كَالْأَبِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ، فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَرُوِيَ ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَ عُمَرَ ابْنَةَ أَخِيهِ عُثْمَانَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّهَا يَتِيمَةٌ، وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا» . وَالْيَتِيمَةُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا.
وَلِأَنَّ غَيْرَ الْأَبِ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ، فَلَا يَلِي نِكَاحَ الصَّغِيرَةِ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَغَيْرُ الْجَدِّ لَا يَلِي مَالَهَا، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِنِكَاحِهَا، كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَلِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوِلَايَةِ غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعَصَبَاتِ، وَفَارَقَ الْأَبَ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَيُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْجَدَّ، وَيَحْجُبُ الْأُمَّ عَنْ ثُلُثِ الْمَالِ إلَى ثُلُثِ الْبَاقِي فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ.
وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] . وَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَى الْكَبِيرَةِ، أَوْ نَحْمِلُهَا عَلَى بِنْتِ تِسْعٍ.

[فَصْلٌ الْحُكْمِ إذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فِي إذْنهَا فِي النِّكَاح]

(5202) فَصْلٌ: وَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ.
قَالُوا: حُكْمُ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ، حُكْمُ بِنْتِ ثَمَانٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ بَالِغَةٍ، وَلِأَنَّ إذْنَهَا لَا يُعْتَبَرُ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَالِغَةِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ، وَدَلَالَةِ الْخَبَرِ بِعُمُومِهَا، عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُنْكَحُ بِإِذْنِهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا، وَقَدْ انْتَفَى بِهِ الْإِذْنُ فِي مَنْ دُونَهَا، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ

امْرَأَةٌ وَرَوَاهُ الْقَاضِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. بِمَعْنَاهُ: فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ.
وَلِأَنَّهَا بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ فِيهِ حَيْضُهَا، وَيَحْدُثُ لَهَا حَاجَةٌ إلَى النِّكَاحِ، فَيُبَاحُ تَزْوِيجُهَا كَالْبَالِغَةِ.
فَعَلَى هَذَا إذَا زُوِّجَتْ ثُمَّ بَلَغَتْ، لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ، كَالْبَالِغَةِ إذَا زُوِّجَتْ.
وَقَدْ خَطَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَأَجَابَتْهُ، وَهِيَ لِدُونِ عَشْرٍ، لِأَنَّهَا إنَّمَا وُلِدَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ وِلَايَةُ عُمَرَ عَشْرًا، فَكَرِهَتْهُ الْجَارِيَةُ، فَتَزَوَّجَهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ تَزْوِيجِهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا بِوِلَايَةِ غَيْرِ أَبِيهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ اسْتَأْذَنَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ وَالِدُهَا]

(5203) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ اسْتَأْذَنَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ وَالِدُهَا، كَانَ حَسَنًا.
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ اسْتِئْذَانِهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْ النِّكَاحِ بِدُونِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ قَلْبِهَا، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجَارِيَةِ يَنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ) . وَقَالَ: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؛ فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي، فَتَسْكُتُ، فَهُوَ إذْنُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ إذَا أَنْكَحَهُنَّ.
قَالَ: كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ خِدْرِ الْمَخْطُوبَةِ، فَيَقُولُ: إنَّ فُلَانًا يَذْكُرُ فُلَانَةَ فَإِنْ حَرَّكَتْ الْخِدْرَ لَمْ يُزَوِّجْهَا، وَإِنْ سَكَتَتْ زَوَّجَهَا» .

[فَصْلٌ اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيج ابْنَتِهَا]

(5204) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» . وَلِأَنَّهَا تُشَارِكُهُ فِي النَّظَرِ لِابْنَتِهَا، وَتَحْصِيلِ الْمُصْلِحَةِ لَهَا، لِشَفَقَتِهَا عَلَيْهَا، وَفِي اسْتِئْذَانِهَا تَطْيِيبُ قَلْبِهَا، وَإِرْضَاءٌ لَهَا فَتَكُونُ أَوْلَى.

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ بِغَيْرِ إذْنِهَا]

(5205) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ بِغَيْرِ إذْنِهَا، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَإِنْ رَضِيَتْ بَعْدُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّيِّبَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ كَبِيرَةً، وَصَغِيرَةً، فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الْحَسَنَ قَالَ: لَهُ تَزْوِيجُهَا وَإِنْ كَرِهَتْ.
وَالنَّخَعِيُّ قَالَ: يُزَوِّجُ بِنْتَهُ

إذَا كَانَتْ فِي عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فِي بَيْتِهَا مَعَ عِيَالِهَا اسْتَأْمَرَهَا.
قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْبِنْتِ.
بِقَوْلِ الْحَسَنِ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، خَالَفَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ، فَإِنَّ الْخَنْسَاءَ ابْنَةَ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، رَوَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَالْقَوْلِ بِهِ، لَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُ إلَّا الْحَسَنَ، وَكَانَتْ الْخَنْسَاءُ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ، وَكَانَتْ تَحْتَ أُنَيْسٌ بْنِ قَتَادَةَ، فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَكَرِهَتْهُ، وَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ نِكَاحَهَا، وَنَكَحَتْ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهَا رَشِيدَةٌ عَالِمَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ النِّكَاحِ مُخْتَبَرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ، كَالرَّجُلِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ، وَفِي تَزْوِيجِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَالْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، لَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَهَذِهِ ثَيِّبٌ، وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهَا فَائِدَةً، وَهُوَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ لِنَفْسِهَا وَيُعْتَبَرَ إذْنُهَا، فَوَجَبَ التَّأْخِيرُ، بِخِلَافِ الْبِكْرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّ لِأَبِيهَا تَزْوِيجَهَا، وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَجَازَ إجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ وَالْغُلَامِ يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ بِالثُّيُوبَةِ عَلَى مَا حَصَلَ لِلْغُلَامِ بِالذُّكُورِيَّةِ، ثُمَّ الْغُلَامُ يُجْبَرُ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَكَذَا هَذِهِ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْكَبِيرَةِ، فَإِنَّهُ جَعَلَهَا أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالصَّغِيرَةُ لَا حَقَّ لَهَا.
وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَةَ تِسْعِ سِنِينَ يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا بِإِذْنِهَا، وَمَنْ دُونَ ذَلِكَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبِكْرِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ إذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ]

(5206) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ) . أَمَّا الثَّيِّبُ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إذْنَهَا الْكَلَامُ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ اللِّسَانَ هُوَ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي الْقَلْبِ،

وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِذْنُ، غَيْرَ أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ فِيهَا الصَّمْتُ مُقَامَهُ لِعَارِضٍ.
وَأَمَّا الْبِكْرُ فَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلِيِّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي صَمْتِهَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَكُونُ إذْنًا؛ لِأَنَّ الصُّمَاتَ عَدَمُ الْإِذْنِ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا، وَلِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ الرِّضَا وَالْحَيَاءَ وَغَيْرِهِمَا، فَلَا يَكُونُ إذْنًا، كَمَا فِي حَقِّ الثَّيِّبِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي حَقِّ الْأَبِ، لِأَنَّ رِضَاءَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَهَذَا شُذُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، يُصَانُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ، وَجَعْلِهِ مَذْهَبًا لَهُ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَتْبَعْ النَّاسِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُعَرِّجُ مُنْصِفٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي.
قَالَ: رِضَاهَا صُمَاتُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ، فَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا» . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْأَبِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا» . وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَلِأَنَّ الْحَيَاءَ عُقْلَةٌ عَلَى لِسَانِهَا، يَمْنَعُهَا النُّطْقَ بِالْإِذْنِ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ إبَائِهَا وَامْتِنَاعِهَا، فَإِذَا سَكَتَتْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لِرِضَاهَا، فَاكْتُفِيَ بِهِ وَمَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَكُونَ صُمَاتُهَا إذْنًا فِي حَقِّ الْأَبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ، فَيَكُونُ إذًا رَدًّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْكُلِّيَّةِ، وَاطِّرَاحًا لِلْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ الْجَلِيَّةِ، وَخَرْقًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمَرْضِيَّةِ.
(5207) فَصْلٌ: فَإِنْ نَطَقَتْ بِالْإِذْنِ، فَهُوَ أَبْلَغُ وَأَتَمُّ فِي الْإِذْنِ مِنْ صَمْتِهَا، وَإِنْ بَكَتْ أَوْ ضَحِكَتْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ بَكَتْ فَلَيْسَ بِإِذْنٍ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَلَيْسَ بِصَمْتٍ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا» وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلِاسْتِئْذَانِ، فَكَانَ إذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ أَوْ الضَّحِكِ.
وَالْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ الْحَيَاءِ، لَا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ كَرِهَتْ لَامْتَنَعَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الِامْتِنَاعِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِصَرِيحِهِ عَلَى أَنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ، وَبِمَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ، وَكَذَلِكَ أَقَمْنَا الضَّحِكَ مُقَامَهُ.

[فَصْلٌ الثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ]

(5208) فَصْلٌ: وَالثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا،، هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُصَابَةِ بِالْفُجُورِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي إذْنِهَا وَتَزْوِيجِهَا؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الِاكْتِفَاءِ بِصُمَاتِ الْبِكْرِ الْحَيَاءُ، وَالْحَيَاءُ مِنْ الشَّيْءِ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ، وَهَذِهِ لَمْ تُبَاشِرْ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ، فَيَبْقَى حَيَاؤُهَا مِنْهُ بِحَالِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» . وَلِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإِذْنُهَا أَنْ تَسْكُتَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِ الثَّيِّبِ؛ لِأَنَّهُ قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، فَجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لِأَحَدِهِمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ وَهَذِهِ ثَيِّبٌ، فَإِنَّ الثَّيِّبَ هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ، وَهَذِهِ كَذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِثَيِّبِ النِّسَاءِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ، وَلَوْ اشْتَرَطَهَا فِي التَّزْوِيجِ أَوْ الشِّرَاءِ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُصَابَةً بِالزِّنَا، مَلَكَ الْفَسْخَ، وَلِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فِي الْقُبُلِ، فَأَشْبَهَتْ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْحَيَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَظِنَّتِهِ، وَهِيَ الْبَكَارَةُ، ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُكْرَهَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ، وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِأَبِيهَا إجْبَارُهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً، وَفِي تَزْوِيجِهَا إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَجْهَانِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ الْإِذْنَ.
قُلْنَا: يَبْطُلُ بِالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ فِي مِلْكِ يَمِينٍ، وَالْمُزَوَّجَةُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ.

[فَصْلٌ الْحُكْمِ إذَا ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ فِي إذْنهَا فِي النِّكَاح]

(5209) فَصْلٌ: وَإِنْ ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ، كَالْوَثْبَةِ، أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ، أَوْ بِإِصْبَعٍ أَوْ عُودٍ وَنَحْوِهِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَبْكَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَبِرْ الْمَقْصُودَ، وَلَا وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ

عُذْرَتُهَا.
وَلَوْ وَطِئَتْ فِي الدُّبُرِ لَمْ تَصِرْ ثَيِّبًا، وَلَا حُكْمُهَا حُكْمُهُنَّ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْقُبُلِ.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي إذْنِهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]

(5210) فَصْلٌ: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي إذْنِهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ زُفَرُ فِي الثَّيِّبِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي الْبِكْرِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السُّكُوتُ، وَالْكَلَامُ حَادِثٌ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي الْأَصْلَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُنْكِرَةٌ الْإِذْنَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهَا اُسْتُؤْذِنَتْ وَسَمِعَتْ فَصَمَتَتْ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ، وَهَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ وَلِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ وَصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ وَهَلْ تُسْتَحْلَفُ الْمَرْأَةُ إذَا قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا؟ قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّتَهَا فَأَنْكَرَتْهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: تُسْتَحْلَفُ.
فَإِنْ نَكَلَتْ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَثْبُتُ النِّكَاحُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ، وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي زَوْجِيَّةٍ، فَلَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَصْلَ التَّزْوِيجِ فَأَنْكَرَتْهُ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَذِنَتْ فَأَنْكَرَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا، صَادِرٌ مِنْ جِهَتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي نِيَّتِهَا فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّتُهَا، وَلِأَنَّهَا تَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهُمْ يَدَّعُونَ فَسَادَهُ، فَالظَّاهِرُ مَعَهَا.

[فَصْلٌ إذْن الْمَجْنُونَة فِي النِّكَاح]

(5211) فَصْلٌ: فِي الْمَجْنُونَةِ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُجْبَرُ لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً، جَازَ تَزْوِيجُهَا لِمَنْ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ إجْبَارَهَا مَعَ عَقْلِهَا وَامْتِنَاعِهَا، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُجْبَرُ، انْقَسَمَتْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهَا الْأَبَ أَوْ وَصِيَّهُ، كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ، فَهَذِهِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَزْوِيجُهَا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ الْمَعْتُوهِ، فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةُ إجْبَارٍ، وَلَيْسَ عَلَى الثَّيِّبِ وِلَايَةُ إجْبَارٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ الْإِجْبَارِ إنَّمَا انْتَفَتْ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِرَأْيِهَا، لِحُصُولِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْهَا وَالْخِبْرَةِ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْبَارِ فِي حَقِّهَا، إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهَا الْحَاكِمَ، فَفِيهَا وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةُ إجْبَارٍ، فَلَا تَثْبُتُ لِغَيْرِ الْأَبِ، كَحَالِ عَقْلِهَا.
وَالثَّانِي، لَهُ تَزْوِيجُهَا إذَا ظَهَرَ مِنْهَا شَهْوَةُ الرِّجَالِ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً.
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ بِهَا حَاجَةً إلَيْهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْفُجُورِ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَالْعَفَافِ، وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إذْنِهَا، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالثَّيِّبِ مَعَ أَبِيهَا وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ تَزْوِيجَهَا إنْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: إنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْكَبِيرَةِ إذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ إنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَعْنَى الْمُبِيحَ لِلتَّزْوِيجِ وُجِدَ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا، كَالْكَبِيرَةِ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهَا شَهْوَةُ الرِّجَالِ، فَفِي تَزْوِيجِهَا مَصْلَحَتُهَا وَدَفْعُ حَاجَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ إنَّهُ يُزِيلُ عِلَّتَهَا.
وَتُعْرَفُ شَهْوَتُهَا مِنْ كَلَامِهَا، وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهَا، كَتَتَبُّعِهَا لِلرِّجَالِ، وَمَيْلِهَا إلَيْهِمْ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَنْ وَلِيُّهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقِسْمِ الثَّانِي، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُمْ تَزْوِيجُهَا فِي الْحَالِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَتِهِ فِيهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْحَاكِمِ، فَقُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي التَّزْوِيجِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي، أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ النَّاظِرُ لَهَا فِي مَالِهَا دُونَهُمْ، فَيَكُونُ وَلِيًّا دُونَهُمْ، كَتَزْوِيجِ أَمَتِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا دَفْعُ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَكَانَتْ إلَى الْحَاكِمِ، كَدَفْعِ حَاجَةِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ.
فَإِنْ كَانَ لَهَا وَصِيٌّ فِي مَالِهَا، لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا.
وَالْحُكْمُ فِي تَزْوِيجِهَا حُكْمُ مَنْ وَلِيُّهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا]

(5212) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، ثَبَتَ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ فِيهِ عَنْ قِيمَةِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ فِي مَالِهَا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَمَا أَصْدَقَ

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنَاتِهِ، أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ، فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ الْمِثْلِ.
وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، شَرَفًا وَعِلْمَا وَدِينًا، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا، وَيَصُونَهَا، وَيُحْسِنُ عِشْرَتَهَا، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ، مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ، وَبُلُوغِ نَظَرِهِ، أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ صَدَاقِهَا إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ بِالنِّكَاحِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِتَفْوِيتِ غَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الْعِوَضُ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ فَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا، فَإِنَّ زَوَّجَ بِدُونِ ذَلِكَ، صَحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ، وَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ، فَرَجَعَتْ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ تَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ]

فَصْلٌ: وَتَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هَاهُنَا فَاسِدَةٌ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا شَرْعًا، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِمَحْرَمٍ.
وَعَلَى الْوَلِيِّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا.
وَلَيْسَ الْأَبُ مِثْلَ الْوَلِيِّ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهَا وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِهَا.
وَاَللَّه أَعْلَم.

[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ غُلَامًا غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ مَعْتُوهًا]

(5214) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ زَوَّجَ غُلَامًا غَيْرَ بَالِغٍ، أَوْ مَعْتُوهًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُزَوِّجَهُ وَالِدُهُ، أَوْ وَصِيٌّ نَاظِرٌ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: (5215) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ تَزْوِيجُ الْغُلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ ": لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُ؛ لِأَنَّهُ

يَلِي مَالَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْلِكُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ تَزْوِيجَهُ، لِيَأْلَفَ حِفْظَ فَرْجِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ.
وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ الْجَارِيَةِ الصَّغِيرَةِ، فَالْغُلَامُ أَوْلَى.
وَفَارَقَ الْأَبَ وَوَصِيَّهُ؛ فَإِنَّ لَهُمَا تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ، وَوِلَايَةَ الْإِجْبَارِ وَسَوَاءٌ أَذِنَ الْغُلَامُ فِي تَزْوِيجِهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، فَإِنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ.
(5216) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْتُوهَ؛ وَهُوَ الزَّائِلُ الْعَقْلُ بِجُنُونٍ مُطْبِقٍ، لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ تَزْوِيجُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ شَهْوَةُ النِّسَاءِ، بِأَنْ يَتْبَعَهُنَّ وَيُرِيدَهُنَّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَالٌ يَنْتَظِرُ فِيهَا إذْنُهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْوَجْهَيْنِ فِي تَزْوِيجِ الْمَجْنُونَةِ.
وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَجُوزَ تَزْوِيجُهُ إذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: إنَّ فِي تَزْوِيجِهِ ذَهَابَ عِلَّتِهِ.
لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (5217) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ لِلْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ تَزْوِيجَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْغُلَامُ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونِ، مُسْتَدَامًا أَوْ طَارِقًا، فَأَمَّا الْغُلَامُ السَّلِيمُ مِنْ الْجُنُونِ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ لِأَبِيهِ تَزْوِيجَهُ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَمِمَّنْ هَذَا مَذْهَبُهُ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَاخْتَصَمَا إلَى زَيْدٍ، فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ.
وَأَمَّا الْغُلَامُ الْمَعْتُوهُ، فَلِأَبِيهِ تَزْوِيجُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُهُ بِالتَّزْوِيجِ حُقُوقًا مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، فَمَلَكَ أَبُوهُ تَزْوِيجَهُ، كَالْعَاقِلِ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ الْعَاقِلِ مَعَ أَنَّ لَهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَى التَّزْوِيجِ رَأْيًا وَنَظَرًا لِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ تَزْوِيجُ مَنْ لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ ذَلِكَ أَوْلَى.
وَفَارَقَ غَيْرَ الْأَبِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَاقِلِ.
وَأَمَّا الْبَالِغُ الْمَعْتُوهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَهُ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِاتِّبَاعِ النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِي تَزْوِيجِهِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إضْرَارًا بِهِ، بِإِلْزَامِهِ حُقُوقًا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي الْتِزَامِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْعَاقِلِ.
وَقَالَ زُفَرُ: إنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَدَامًا، جَازَ.

وَلَنَا، أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَجَازَ لِأَبِيهِ تَزْوِيجُهُ كَالصَّغِيرِ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ، مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ فِي الْحَالِ، وَتَوَقُّعِ نَظَرِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَلَنَا، عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الطَّارِئِ وَالْمُسْتَدَامِ، أَنَّهُ مَعْنًى يُثْبِتُ الْوِلَايَةَ، فَاسْتَوَى طَارِئُهُ وَمُسْتَدَامُهُ، كَالرِّقِّ، وَلِأَنَّهُ جُنُونٌ يُثْبِتُ الْوِلَايَةَ عَلَى مَالِهِ، فَأَثْبَتَهَا عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهِ، كَالْمُسْتَدَامِ فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْحَاجَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ، إلَّا إذَا رَأَى الْمُصْلِحَةَ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، فَقَدْ تَكُونُ حَاجَتُهُ إلَى الْإِيوَاءِ وَالْحِفْظِ، وَرُبَّمَا كَانَ دَوَاءً لَهُ، وَيَتَرَجَّى بِهِ شِفَاؤُهُ، فَجَازَ التَّزْوِيجُ لَهُ، كَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ مِنْ يُفِيق فِي الْأَحْيَانِ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ]

(5218) فَصْلٌ: وَمَنْ يُفِيقُ فِي الْأَحْيَانِ، لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ، وَمَنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ، لَمْ تَثْبُتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ كَالْعَاقِلِ.
وَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، فَهُوَ كَالْعَاقِلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ الْوِلَايَةَ عَلَى مَالِهِ، فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلُ وَصِيّ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ]

(5219) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ وَصِيَّ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْوَصِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ.
وَفِي هَذَا مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِوَصِيِّ الْأَبِ فِي التَّزْوِيجِ خَاصَّةً، فَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي الْمَالِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ التَّصَرُّفَ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يُوصَ بِهِ إلَيْهِ، وَوَصِيُّ غَيْرِ الْأَبِ، لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، فَوَصِيُّهُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ لَصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ]

(5220) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ لَهُمَا النِّكَاحَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا فِي قَبُولِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ.
وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ تَفْوِيضِ الْقَبُولِ إلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَلَّاهُ لِنَفْسِهِ، كَمَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الْبَيْعِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِنَفْسِهِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ لَهُ الْوَلِيُّ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ، وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ.
فَهَذَا أَوْلَى (5221) فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُمَا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، فَلَمْ تَجُزْ

الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ، كَبَيْعِ مَالِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، فَهَذَا مِثْلُهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، فَجَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِيهِ، كَمَا يَجُوزُ فِي مُدَاوَاتِهِ، بَلْ الْجَوَازُ هَاهُنَا أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْضَى بِتَزْوِيجِ مَجْنُونٍ، إلَّا أَنْ تَرْغَبَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا، فَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ "، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ بَذْلًا لِمَالِهِ فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ وَذَكَرَ فِي " الْجَامِعِ "، أَنَّ لَهُ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِأَرْبَعٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِمَعِيبَةٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِهِ وَتَفْوِيتًا لِمَالِهِ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ فَعَلَ، خُرِّجَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجْهَانِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ.
فَهَلْ لِلْوَلِيِّ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَضَى تَوْجِيهُهَا فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِمَعِيبٍ.
وَمَتَى لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عَقَلَ الْمَجْنُونُ، فَلَهُمَا الْفَسْخُ، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِأَمَةٍ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، غَيْرُ مَعْدُومٍ فِي الْمَجْنُونِ.

[فَصْلٌ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ تَعَلَّقَ الصَّدَاقُ بِذِمَّةِ الِابْنِ]

(5222) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَهُ، تَعَلَّقَ الصَّدَاقُ بِذِمَّةِ الِابْنِ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لِلِابْنِ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ.
وَهَلْ يَضْمَنُهُ الْأَبُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَضْمَنُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: تَزْوِيجُ الْأَبِ لِابْنِهِ الطِّفْلِ جَائِزٌ، وَيَضْمَنُ الْأَبُ الْمَهْرَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْعِوَضِ عَنْهُ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ نَطَقَ بِالضَّمَانِ.
وَالْأُخْرَى، لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، نَابَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ عِوَضَهُ، كَثَمَنِ مَبِيعِهِ، أَوْ كَالْوَكِيلِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا أَصَحُّ.
وَقَالَ: إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الِابْنُ مُعْسِرًا، أَمَّا الْمُوسِرُ، فَلَا يَضْمَنُ الْأَبُ عَنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ دَفْعِ الْأَبِ الصَّدَاقَ عَنْهُ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَى الِابْنِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ، بِمَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ مَلَكَهُ بِالطَّلَاقِ عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ الْأَبُ أَجْنَبِيًّا ثُمَّ وَهَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِلِابْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَنْ ابْنِهِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ حَتَّى اسْتَرْجَعَهُ الِابْنُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَضَى الصَّدَاقَ عَنْ ابْنِهِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَإِنْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ فِي جَمِيعِهِ، كَالْحُكْمِ فِي الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ بِالطَّلَاقِ.

[فَصْلٌ حُكْم نِكَاحِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ]

(5223) فَصْلٌ: فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ وَالْكَلَامُ فِي نِكَاحِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجَهُ، إذَا عَلِمَ حَاجَتَهُ إلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِمَصَالِحِهِ، وَهَذَا مِنْ مَصَالِحِهِ، لِأَنَّهُ يَصُونُ بِهِ دِينَهُ وَعِرْضَهُ وَنَفْسَهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَعَرَّضَ بِتَرْكِ التَّزْوِيجِ لِلْإِثْمِ بِالزِّنَا، وَالْحَدِّ، وَهَتْكِ الْعِرْضِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِحَاجَتِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ قَوْلِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ إلَى الْخِدْمَةِ، فَيُزَوِّجُهُ امْرَأَةً لِتَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُهُ بِالنِّكَاحِ حُقُوقًا؛ مِنْ الْمَهْرِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْعِشْرَةِ، وَالْمَبِيتِ، وَالسُّكْنَى، فَيَكُونُ تَضْيِيعًا لِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَبْذِيرِ مَالِهِ وَإِذَا أَرَادَ تَزْوِيجَهُ، اسْتَأْذَنَهُ فِي تَزْوِيجِهِ، فَإِنْ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ، كَالرَّشِيدِ وَالْعَبْدِ الْكَبِيرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ مِلْكِ الطَّلَاقِ، مُجَرَّدُ إضْرَارٍ، فَإِنَّهُ يُطَلِّقُ فَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ مَعَ فَوَاتِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي امْرَأَةٍ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي أُخْرَى، فَإِذَا أُجْبِرَ عَلَى مَنْ يَكْرَهُهَا، لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنْهَا، وَفَاتَ عَلَيْهِ غَرَضُهُ مِنْ الْأُخْرَى، فَيَحْصُلُ مُجَرَّدُ ضَرَرٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَالطِّفْلِ، لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ هَاهُنَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُفَوِّتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، كَالرَّشِيدِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهُ فِيهَا، وَهِيَ حَالَةُ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَالْخُلْعَ، فَجَازَ أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَرْأَةَ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ لَهُ؛ لِئَلَّا يَتَزَوَّجَ شَرِيفَةً يَكْثُرُ مَهْرُهَا وَنَفَقَتُهَا، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، كَالْإِذْنِ لِلْعَبْدِ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ.
وَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ بِمَالِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا.
وَإِنْ نَقَصَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ مِنْ غَيْرِ خُسْرَانٍ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنٍ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ النِّكَاحُ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي إذَا كَانَ مُحْتَاجًا،

فَإِنْ عُدِمَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ أَمْكَنَهُ اسْتِئْذَانُ وَلِيِّهِ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَالْعَبْدِ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ النِّكَاحَ، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ، فَحَقُّهُ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ، فَصَحَّ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ الْحَالَّ عِنْدَ امْتِنَاعِ وَلِيِّهِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ، فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ وَطِئَ الزَّوْجَةَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بُضْعَهَا بِشُبْهَةٍ، فَلَزِمَهُ عِوَضُ مَا أَتْلَفَ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَهَا.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ تَطْلِيقُ امْرَأَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ]

(5224) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ تَطْلِيقُ امْرَأَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ، كَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، أَوْ لَا يَمْلِكُهُ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
فَأَمَّا الْأَبُ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلَيْنِ زَوَّجَ أَحَدُهُمَا ابْنَهُ بِابْنَةِ الْآخَرِ، وَهُمَا صَغِيرَانِ، ثُمَّ إنَّ الْأَبَوَيْنِ كَرِهَا، هَلْ لَهُمَا أَنْ يَفْسَخَا؟ فَقَالَ: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.
وَكَأَنَّهُ رَآهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ، فَتُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَقَتَادَةَ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ يَسْتَفِيدُ بِهَا تَمْلِيكَ الْبُضْعِ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهَا إزَالَتَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا، كَالْحَاكِمِ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِالْإِعْسَارِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» . وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْبُضْعَ، فَلَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ بِنَفْسِهِ، كَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ، وَكَالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، وَبِهَذِهِ الْأُصُولِ يَبْطُلُ دَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.

[فَصْلٌ ادَّعَتْ امْرَأَةُ الْمَجْنُونِ عُنَّتَهُ]

(5225) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةُ الْمَجْنُونِ عُنَّتَهُ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ، وَلَا حُكْمَ لِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعُنَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ، فَضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ ثُمَّ جُنَّ، وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ، وَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْفَسْخِ، لَمْ يُفْسَخْ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَادَّعَى مَنْعَهَا إيَّاهُ نَفْسَهَا، أَوْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَعَادَتْ عُذْرَتُهَا، فَلَهُ اسْتِحْلَافُهَا.
فَإِذَا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَسْتَحْلِفْ، وَلَا يَثْبُتُ مَا قَالَتْهُ، فَلَمْ يُفْسَخْ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا]

(5226) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، فَقَدْ لَزِمَهَا النِّكَاحُ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً) . لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا، فَأَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتَزْوِيجِهَا؛ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ.

[فَصْلٌ الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةِ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ]

(5227) فَصْلٌ: وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ، فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ مَالِكٌ آخِرَ أَمْرِهِ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ أُمِّ وَلَدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا.
وَكَرِهَهُ رَبِيعَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَأُخْتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَإِجَارَتَهَا، فَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا، كَالْقِنِّ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَمَلَكَ أَخْذَ عِوَضِهَا، كَسَائِرِ مَنَافِعِهَا.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ، لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا.
وَإِذَا مَلَكَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ مَجُوسِيَّةً، فَلَهُ تَزْوِيجُهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا مُحَرَّمَتَيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مِلْكُهُ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ.
فَأَمَّا الَّتِي بَعْضُهَا حُرٌّ، فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهَا إجْبَارَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا.
وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَلَا إجَارَتَهَا، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ مَهْرُهَا، فَهِيَ كَالْعَبْدِ.

[فَصْلٌ طَلَبْت الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجَهَا]

(5228) فَصْلٌ: فَإِنْ طَلَبَتْ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجَهَا، فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَزْوِيجِهَا، وَوَطْؤُهُ لَهَا يَدْفَعُ حَاجَتَهَا.
فَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا؛ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، كَالْمَجُوسِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ، أَوْ مُحَلَّلَةً لَهُ لَكِنْ لَا يَرْغَبُ فِي وَطْئِهَا، أُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا أَوْ وَطْئِهَا إنْ كَانَتْ مُحَلَّلَةً لَهُ، وَإِزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا، كَالْحُرَّةِ، وَلِأَنَّ حَاجَتَهَا قَدْ تَشْتَدُّ إلَى ذَلِكَ، فَأُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا، كَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ.
وَإِذَا امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ.
وَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ، أَوْ الْمُكَاتَبَةُ، أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ، التَّزْوِيجَ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُنَّ، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ، كَالْحَرَائِرِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَمَةً وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ]

(5229) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَمَةً، وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ، مَلَكَ سَيِّدُهُ تَزْوِيجَهَا وَبَيْعَهَا وَإِعْتَاقَهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ،

وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: وَلِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْغُرَمَاءِ.
وَأَصِلُ الْخِلَافِ يَنْبَنِي عَلَى دَيْنِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَعِنْدَنَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ، فَلَا يَلْحَقُ الْغُرَمَاءَ ضَرَرٌ بِتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْأَمَةِ، فَإِنَّ الدِّينَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا، وَعِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ وَبِمَا فِي يَدِهِ، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهُ أَمَتِهِ عَلَى التَّزْوِيج بِمَعِيبِ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ]

(5230) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهَ أَمَتِهِ عَلَى التَّزْوِيجِ بِمَعِيبٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهَا، وَلِذَلِكَ مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ.
وَفَارَقَ بَيْعَهَا مِنْ مَعِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَلِهَذَا مَلَكَ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَمْ تَمْلِكْ الْأَمَةُ الْفَسْخَ لِعَيْبِهِ وَلَا عُنَّتِهِ وَلَا إيلَائِهِ وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَعِيبٍ فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ.
فَلَهَا الْفَسْخُ.
وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ.

[زَوَّجَ عَبْدَهُ وَهُوَ كَارِهٌ]

(5231) قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ وَهُوَ كَارِهٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (5232) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَ عَبْدِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ عَلَى النِّكَاحِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: 32] ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ فَمَلَكَ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إجَارَتَهُ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ، وَلَنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ وَنَفْعُهُ لَهُ فَأَشْبَهَ الْحُرَّ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ مُخْتَصٌّ بِحَالِ طَلَبِهِ بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ.
وَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ تَزْوِيجُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ.
وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ.
وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْإِجَارَةَ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ بَدَنِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا.
.

[الْعَبْدُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ لِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهُ]

(5233) الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْعَبْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، فَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ.

وَلَنَا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَعَبْدُهُ مَعَ مِلْكِهِ لَهُ وَتَمَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عَبْدِهِ الْمَجْنُونِ.
.

[الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ فِي زَوَاجِ الْعَبْدِ]

(5234) فَصْلٌ: وَالْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُمَا أَوْ لَمْ يَضْمَنْهُمَا، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْعَقْدَ أَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فَعَقَدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: نَفَقَتُهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.
وَقَالَ: إنْ كَانَ بِقِيمَةِ ضَرِيبَتِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَا يُعْطِي الْمَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ السَّيِّدَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ؛ لِعَدَمِ كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ، وَمَنْ عَلَّقَهُ بِكَسْبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، فَلِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْكَسْبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا سَيِّدِهِ، فَتَعَلَّقَ بِسَيِّدِهِ، وَجَازَ بَيْعُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، لَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ عَنْ السَّيِّدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ.
فَأَمَّا النَّفَقَةُ: فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ، فَتَكُونُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ.

[تَزَوَّجَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِإِذْنِهِ]

(5235) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِإِذْنِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْعَبْدِ فَيَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ كَالْحُرِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ امْرَأَةً أَوْ نِسَاءَ بَلَدٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً، فَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فَتَقَيَّدَ تَصَرُّفُهُ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَلْدَةٍ أُخْرَى فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَلَدِ، فَعَلَى سَيِّدِهِ إرْسَالُهُ لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ.
وَإِنْ أَحَبَّ سَيِّدُهُ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ مِنْ دَارِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ، وَلَيْسَ النَّهَارُ مَحَلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ.
وَلِسَيِّدِهِ الْمُسَافَرَةُ بِهِ، فَإِنَّ حَقَّ امْرَأَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُ عَلَى حَقِّ امْرَأَةِ الْحُرِّ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ وَإِنْ كَرِهَتْ امْرَأَتُهُ، كَذَا هَا هُنَا.

[لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَيِّنَ لِلْعَبْدِ الْمَهْرَ وَلَهُ أَنْ يُطْلِقَ]

(5236) فَصْلٌ: وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَهْرَ، وَلَهُ أَنْ يُطْلِقَ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَا عَيَّنَهُ أَوْ دُونَهُ، أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ دُونَهُ، لَزِمَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ.
وَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ بِذِمَّتِهِ

يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ.

[تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ]

(5237) فَصْلٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نِكَاحِهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَقُلْنَا: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ.
فَكَذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ.
انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْحُرُّ امْرَأَتَهُ، وَلَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا، فَاشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ بِمَا يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَيْنِ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَقُلْنَا: لَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ.
لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِهَا، صَحَّ فِي قَدْرِ مَالِهِ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِمِلْكِهِ بَعْضَهَا.

[اشْتَرَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا أَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]

(5238) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا، أَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ وَالْيَمِينِ يَتَنَافَيَانِ، لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّخْصِ مَالِكًا لِمَالِكِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقُولُ: أَنْفِقْ عَلَيَّ؛ لِأَنَّنِي امْرَأَتُك، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك؛ لِأَنَّك عَبْدِي.
وَيَقُولُ هُوَ: أَنْفِقِي عَلَيَّ؛ لِأَنَّنِي عَبْدُك، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك؛ لِأَنَّك امْرَأَتِي.
فَيَتَنَافَى ذَلِكَ، فَيَثْبُتُ أَقْوَاهُمَا، وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ، وَلَهَا عَلَى سَيِّدِهِ الْمَهْرُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَهُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ، فَإِنْ كَانَا دَيْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ، وَإِنْ تَفَاضَلَا سَقَطَ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ، وَبَقِيَ الْفَاضِلُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا لَمْ يَتَسَاقَطَا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَسْلِيمُ مَا عَلَيْهِ إلَى صَاحِبِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَسْقُطُ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا مَلَكَتْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَهَا مَالًا.
وَهَذَا بِنَاءٍ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُ الْعَبْدِ فِي إسْقَاطِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا: أَنَّهُ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعٌ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ، فَإِذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْعَبْدِ سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعًا، كَالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الضَّامِنِ إذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّتَيْنِ جَمِيعًا، إحْدَاهُمَا تَبَعٌ لِلْأُخْرَى، بَلْ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِحَالٍ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ نِصْفُهُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا.
وَفِي سُقُوطِ بَاقِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ، فَالْفَسْخُ إذًا مِنْ جِهَتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُ الْمَهْرِ كَالْخُلْعِ.

وَالثَّانِي يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا تَمَّ بِشِرَاءِ الْمَرْأَةِ، فَأَشْبَهَ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ فِي أَحَدِهِمَا، وَفَسْخَهَا لِإِعْسَارِهِ، وَشِرَاءَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ.

[ابْتَاعَتْ الْحُرَّةِ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا]

(5239) فَصْلٌ: فَإِنْ ابْتَاعَتْهُ بِصَدَاقِهَا، صَحَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ إنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ نِصْفُهُ.
أَوْ بِجَمِيعِهِ، إنْ قُلْنَا: يَسْقُطُ جَمِيعُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ يَقْتَضِي نَفْيَهُ، فَإِنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ؛ تَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ وَسُقُوطَ الْمَهْرِ، وَسُقُوطُ الْمَهْرِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِغَيْرِ هَذَا الْعَبْدِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ.

[إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا]

(5240) قَالَ: فَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَلِيَّانِ فَأَذِنَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَزْوِيجِهَا، جَازَ، سَوَاءٌ أَذِنَتْ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَذِنْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلِيَائِي فِي تَزْوِيجِي مَنْ أَرَادَ.
فَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ لِرَجُلَيْنِ، وَعُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَالنِّكَاحُ لَهُ، دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي صَارَ أَوْلَى.
لِقَوْلِ عُمَرَ إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي.
وَلِأَنَّ الثَّانِيَ اتَّصَلَ بِعَقْدِهِ الْقَبْضُ، فَكَانَ أَحَقَّ.
وَلَنَا، مَا رَوَى سَمُرَةُ، وَعُقْبَةُ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ.» أَخْرَجَ حَدِيثَ سَمُرَةَ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ وَعَنْ عُقْبَةَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِصْمَةِ زَوْجٍ، فَكَانَ بَاطِلًا، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَوْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ، فَكَانَ بَاطِلًا وَإِنْ دَخَلَ، كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَمْ يُصَحِّحْهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ خَالَفَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَاءَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقَبْضِ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِغَيْرِ قَبْضٍ، عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.
.

[اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ فِي النِّكَاحِ]

(5241) فَصْلٌ: إذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ، كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَقَدَّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبِّرْ كَبِّرْ.
أَيْ قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ.
وَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ» لِتَسَاوِي حُقُوقِهِنَّ.
كَذَا هَا هُنَا.
فَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ، بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ.
وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ.

[إنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ]

(5242) قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَ آخِرِ وَقْتٍ وَطِئَهَا الثَّانِي.
أَمَّا إذَا عُلِمَ الْحَالُ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي لَهَا، فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا.
وَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَهُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ، إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَلَمْ تَحْمِلْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَهَا صَدَاقٌ بِالْمَسِيسِ، وَصَدَاقٌ مِنْ هَذَا.
وَلَا يُرَدُّ الصَّدَاقُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا عَلَى الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَكَانَ لَهَا دُونَ زَوْجِهَا، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً.
وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ، دُونَ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ.
وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا قُلْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[إنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْ النِّكَاحَيْنِ فُسِخَا]

(5243) قَالَ: فَإِنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فُسِخَ النِّكَاحَانِ

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْلَمَ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ يُعْلَمَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ يُشَكَّ، فَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَيْنِ جَمِيعًا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ.
ثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ، لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةَ الْآخَرِ، بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِهِ، وَصَارَتْ زَوْجَةَ هَذَا بِعَقْدِهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ بِتَمَيُّزِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّسَاوِي، كَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ، وَالْبُدَاءَةِ بِالْمَبِيتِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ، وَتَعْيِينِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً، فَإِنْ أَبَيَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَوَجَبَ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالتَّفْرِيقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاؤُهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إشْكَالِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَزُولُ إلَّا بِفَسْخِهِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: أَنَّهَا تُخَيَّرُ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَتْهُ فَهُوَ زَوْجُهَا.
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِزَوْجٍ لَهَا، فَلَمْ تُخَيَّرْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ إلَّا أَحَدُهُمَا، أَوْ كَمَا لَوْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ فِي النِّسَاءِ، أَوْ عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ أَحَدَهُمَا، فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآخَرِ، ثُمَّ عَقَدَ الْمُخْتَارُ نِكَاحَهَا فَهَذَا حَسَنٌ، فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا، عَنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا جَمِيعًا، وَبِفَسْخِ أَحَدِ النِّكَاحَيْنِ عَنْ فَسْخِهِمَا.
فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَخْتَارَ، لَمْ تُجْبَرْ.
وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ تُجْبَرْ عَلَى نِكَاحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ زَوْجُهَا، فَيَتَعَيَّنُ إذًا فَسْخُ النِّكَاحَيْنِ، وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي الْحَالِ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ بِهَا، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَطْئِهِ.

[ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي السَّابِقُ بِالْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا]

(5244) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي السَّابِقُ بِالْعَقْدِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا.
وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ: كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ ابْتِدَاءً.
وَلَنَا أَنَّ الْخَصْمَ فِي ذَلِكَ هُوَ الزَّوْجُ الْآخَرُ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ.
وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَعْلَمُ السَّابِقَ مِنْهُمَا، فَأَنْكَرَتْ، لَمْ تُسْتَحْلَفْ لِذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تُسْتَحْلَفُ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ إقْرَارَهَا مَقْبُولٌ.
فَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا، لِاخْتِيَارِهَا لِصَاحِبِهِ،

أَوْ لِوُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ، وَأَقَرَّتْ لَهُ أَنَّ عَقْدَهُ سَابِقٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ عَقْدٍ آخَرَ.

[إنْ عُلِمَ أَنَّ عَقْدَيْ النِّكَاحِ وَقَعَا مَعًا لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ]

(5245) فَصْلٌ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْعَقْدَيْنِ وَقَعَا مَعًا، لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَهُمَا بَاطِلَانِ لَا حَاجَةَ إلَى فَسْخِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بَاطِلَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا، وَلَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ، وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا مُجْبَرَانِ عَلَى الطَّلَاقِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمَا مَهْرٌ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ رَجُلٍ لِعُسْرِهِ أَوْ عُنَّتِهِ.
وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا، فَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَوَرِثَ.
وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ، فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا.
فَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَرَّتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا سَابِقٌ بِالْعَقْدِ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْ الْآخَرِ، وَهِيَ تَدَّعِي رُبْعَ مِيرَاثِ مَنْ أَقَرَّتْ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ ادَّعَى ذَلِكَ أَيْضًا دَفَعَ إلَيْهَا رُبْعَ مِيرَاثِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ادَّعَى ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ، فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أَقَرَّتْ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبْرَأَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِهِ.
وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتَهنَّ زَوَّجَ؟ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ الَّتِي تَرِثُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فِي النِّكَاحِ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا]

. (5246) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَجَبَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهَا بِهِ، وَإِقْرَارِهَا بِبَرَاءَةِ صَاحِبِهِ.
وَإِنْ مَاتَا، وَرِثَتْ الْمُقَرَّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَهُمَا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَرِثَهَا الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا تَرِثُهُ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا لَهُ، كَمَا لَمْ تَقْبَلْهُ فِي نَفْسِهَا.
وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي حَيَاتِهِ.
وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْكَارُ لِاسْتِحْقَاقِهَا؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُ قَدْ أَقَرَّ لَهَا بِدَعْوَاهُ صِحَّةَ نِكَاحِهَا وَسَبْقَهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ لَهَا مِيرَاثُ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَصَابَهَا، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُقَرُّ لَهُ، أَوْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهَا بِهِ، وَهِيَ لَا تَدَّعِي سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ، فَهِيَ تَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ، وَهُوَ يُقِرُّ لَهَا بِالْمُسَمَّى.
فَإِنْ اسْتَوَيَا أَوْ اصْطَلَحَا، فَلَا كَلَامَ،

وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ، حَلَفَ عَلَى الزَّائِدِ، وَسَقَطَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ، فَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالزِّيَادَةِ، وَهِيَ تُنْكِرُهَا، فَلَا تَسْتَحِقُّهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ابْتِدَاءً فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ]

(5247) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ابْتِدَاءً، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، ثَبَتَ النِّكَاحُ وَتَوَارَثَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهَا رَشِيدَةٌ أَقَرَّتْ بِعَقْدٍ، يَلْزَمُهَا حُكْمُهُ، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ وَلِيَّهَا بَاعَ أَمَتَهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، فَأَنْكَرَ أَبُوهَا تَزْوِيجَهَا، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَيَّنَهُمَا، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الشَّاهِدَانِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِمَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الْإِنْكَارِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا مَعَ إنْكَارِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا إلَيْهِ دُونَهَا.
فَإِنْ ادَّعَى نِكَاحَهَا، فَلَمْ تُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِمَا قَالَ، وَرِثَتْهُ؛ لِكَمَالِ الْإِقْرَارِ مِنْهُمَا بِتَصْدِيقِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ دُونَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَدِّقَهَا، لَمْ تَرِثْهُ.
وَإِنْ مَاتَتْ فَصَدَّقَهَا، وَرِثَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]

(5248) قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ نَكَحَ لَمْ يَنْعَقِدْ نِكَاحُهُ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ.
وَالصَّوَابُ مَا قُلْنَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ -، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ، فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَالْوَصِيَّةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ، فَهُوَ زَانٍ.» قَالَ حَنْبَلٌ: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ.

[زَوَاجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ]

(5249) ؛ قَالَ: فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَى سَيِّدِهِ خُمْسَا الْمَهْرِ.
كَمَا قَالَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْخُمْسَانِ قِيمَتَهُ، فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمُهُ.
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ: (5250) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ، وَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ، فَلَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهِ شَيْئًا، كَالْبَيْعِ الْبَاطِلِ.
وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، لَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُصِيبَهَا، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ.
رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
وَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي عَدَمِ الصَّدَاقِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ إذَا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ لِابْنِ عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، جَلَدَهُ الْحَدَّ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: إنَّك أَبَحْت فَرْجَك.
وَأَبْطَلَ صَدَاقَهَا.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُطَاوِعَةً فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرٌ، كَالْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا فِي الْحَالِ، بَلْ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لَزِمَهُ بِرِضَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، فَكَانَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةَ، كَالدَّيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ: - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.» وَهَذَا قَدْ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا، فَيَكُونُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الْبُضْعِ بِاسْمِ النِّكَاحِ، فَكَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.

[فَصْلُ الْمَهْرُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ]

(5251) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، يُبَاعُ فِيهِ إلَّا بِفِدْيَةِ السَّيِّدِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِمَالًا آخَرَ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ.
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَهْرُ هَاهُنَا، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجْرِ مَجْرَاهَا مَا وَجَبَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلُ الْوَاجِبُ مِنْ مَهْرِ الْعَبْدِ خُمْسَاهُ]

(5252) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمَهْرِ خُمْسَاهُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَمِلَ بِهِ أَبُو مُوسَى.
وَعَنْ

أَحْمَدَ أَنَّهَا إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَلَهَا خُمْسَا الْمَهْرِ، وَإِذَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ.
وَعَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْمَهْرَ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ بِكَمَالِهِ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خِلَاسٍ، أَنَّ غُلَامًا لِأَبِي مُوسَى تَزَوَّجَ بِمَوْلَاةِ تِيجَانَ التَّيْمِيِّ، بِغَيْرِ إذْنِ أَبِي مُوسَى، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ، أَنْ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَخُذْ لَهَا الْخُمْسَيْنِ مِنْ صَدَاقِهَا.
وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ.
وَلِأَنَّ الْمَهْرَ أَحَدُ مُوجِبِي الْوَطْءِ، فَجَازَ أَنْ يَنْقُصَ الْعَبْدُ فِيهِ عَنْ الْحُرِّ كَالْحَدِّ فِيهِ؛ أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ، فَيَنْقُصَ الْعَبْدُ، كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ إلَى قِصَّةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ أَوْجَبَ خُمْسَيْ الْمُسَمَّى، وَلِهَذَا قَالَ: وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْجَبَ جَمِيعَهُ، كَسَائِرِ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَلَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ، وَهِيَ الْأَثْمَانُ دُونَ الْأَبْعِرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ جِنَايَةٍ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى قِيمَةِ الْمَحَلِّ، كَسَائِرِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَقِيمَةُ الْمَحَلِّ مَهْرُ الْمِثْلِ.

[فَصْلُ الْوَاجِبُ مِنْ مَهْرِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ]

(5254) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ قِيمَةَ الْعَبْدِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَإِذَا أَعْطَى الْقِيمَةَ فَقَدْ أَعْطَى مَا يُقَابِلُ الرَّقَبَةَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَالْخِيرَةُ فِي تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَفِدَائِهِ إلَى السَّيِّدِ.
وَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا.

[فَصْلٌ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي تَزْوِيجِهِ فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ]

(5255) فَصْلٌ: إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي تَزْوِيجِهِ بِمُعَيَّنَةٍ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ، فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَنِكَاحُهُ فَاسِدٌ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ، وَأَطْلَقَ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي النِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ إذْنُهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُهُ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَحَصَلَتْ الْإِصَابَةُ فِيهِ، فَعَلَى سَيِّدِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَأَصَابَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ]

[فَصْلُ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالْغُرُورِ]

(5256) ؛ قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَأَصَابَهَا، وَوَلَدَتْ مِنْهُ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ، وَالْمَهْرُ

الْمُسَمَّى، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْإِمَاءَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ، فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَى فَهُوَ رَقِيقٌ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ فُصُولٍ: (5257) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالْغُرُورِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَفْسُدُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى حُرَّةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ.
فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ.
وَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفَاتِ، فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي صِحَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك هَذِهِ الْبَيْضَاءَ.
فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ.
أَوْ هَذِهِ الْحَسْنَاءَ.
فَإِذَا هِيَ شَوْهَاءُ.
وَكَذَا يَقُولُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ: إنَّ الْعَقْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُشَارُ إلَيْهَا.
وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ثَمَّ فَاتَتْ الذَّاتُ، فَإِنَّ ذَاتَ الْفَرَسِ غَيْرُ ذَاتِ الْحِمَارِ، وَهَاهُنَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ يُؤَثِّرُ فِيهِ فَوَاتُ الصِّفَاتِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَدُّ بِفَوَاتِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مِنْهَا، وَالنِّكَاحُ بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ أَوْلَادُ الْعَبْدِ مِنْ الْحُرَّةِ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا أَمَةٌ أَحْرَارٌ]

(5258) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ حُرِّيَّتَهَا.
فَكَانَ أَوْلَادُهُ أَحْرَارًا؛ لِاعْتِقَادِهِ مَا يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُمْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً يَعْتَقِدُهَا مِلْكًا لِبَائِعِهَا، فَبَانَتْ مَغْصُوبَةً بَعْدَ أَنْ أَوْلَدَهَا.

[فَصْلٌ عَلَى الزَّوْجِ فِدَاءُ أَوْلَادِهِ مِنْ الْحُرَّةِ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهَا أَمَةٌ]

(5259) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ فِدَاءَ أَوْلَادِهِ.
كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرَّ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: افْدِ أَوْلَادَك، وَإِلَّا فَهُمْ يَتْبَعُونَ أُمَّهُمْ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ فِدَائِهِمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُمْ رَقِيقٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ فِدَاؤُهُمْ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ رِقَّهَا.
وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْدِي وَلَدَهُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ: إنَّ الْوَلَدَ لَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ.
وَأَحْسَبُهُ قَوْلًا أَوَّلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ فِدَاءَهُمْ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - بِهِ، وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ، فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهَا.
وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُمْ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِفِعْلِهِ.
وَفِي فِدَائِهِمْ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: (5260) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي وَقْتِهِ، وَذَلِكَ حِينَ وَضْعِ الْوَلَدِ.
قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَضْمَنُهُمْ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُهُمْ بِالْمَنْعِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ إلَّا حَالَ الْخُصُومَةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْوَضْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رِقُّهُ مِنْ حِينَئِذٍ؛ وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي تَزِيدُ بَعْدَ الْوَضْعِ، لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْأَمَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا بَعْدَ الْخُصُومَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ، وَهُوَ جَنِينٌ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ حِينَئِذٍ، لِعَدَمِ قِيمَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبْنَا ضَمَانَهُ فِي أَوَّلِ حَالٍ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ، وَهُوَ حَالُ الْوَضْعِ.
(5261) فِي صِفَةِ الْفِدَاءِ، وَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ بِقِيمَتِهِمْ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ.» وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْ الْمُتَقَوَّمَاتِ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
وَالثَّانِيَةُ: يَضْمَنُهُمْ بِمِثْلِهِمْ عَبِيدًا، الذَّكَرُ بِذَكَرٍ، وَالْأُنْثَى بِأُنْثَى؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: أَبَقَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ، وَانْتَمَتْ إلَى بَعْضِ الْعَرَبِ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، ثُمَّ إنَّ سَيِّدَهَا دَبَّ، فَاسْتَاقَهَا وَاسْتَاقَ وَلَدَهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَضَى لِلْعُذْرِيِّ بِفِدَاءِ وَلَدِهِ بِغُرَّةٍ، غُرَّةٌ مَكَانَ كُلِّ غُلَامٍ، وَمَكَانَ كُلِّ جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ، وَكَانَ عُمَرُ يُقَوِّمُ الْغُرَّةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غُرَّةً سِتِّينَ دِينَارًا.
وَلِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرٌّ، فَلَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى مِثْلِهِمْ فِي الصِّفَاتِ تَقْرِيبًا؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ مِثْلُهُمْ فِي الْقِيمَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ.
وَالثَّالِثَةُ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِمْ بِمِثْلِهِمْ أَوْ قِيمَتِهِمْ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إمَّا الْقِيمَةُ أَوْ رَأْسٌ بِرَأْسٍ؛

لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُرْوَيَانِ عَنْ عُمَرَ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَيَّ الْإِسْنَادَيْنِ أَقْوَى.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ: الْفِدْيَةُ غُرَّةٌ بِغُرَّةٍ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَأَيُّهُمَا أَعْطَى أَجْزَأَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْجَنِينِ الَّذِي يُضْمَنُ بِغُرَّةٍ، وَبَيْنَ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَضْمُونَاتِ، فَاقْتَضَى التَّخْيِيرَ بَيْنَهُمَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، كَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ الْمُتَقَوَّمَاتِ.
وَقَوْلُ عُمَرَ قَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْقِيَاسِ.
(5262) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَنْ يُضْمَنُ مِنْهُمْ، وَهُوَ مَنْ وُلِدَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَبِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْخُصُومَةِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَقْتِ الضَّمَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فَأَمَّا السُّقْطُ، وَمَنْ وُلِدَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ، وَهُوَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.
(5263)

[فَصْلٌ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا]

الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْمَهْرِ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ أَوْ لَا؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا، فَلَهَا الْمُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاخْتَارَ الْفَسْخَ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا، فَهِيَ كَالْمَعِيبَةِ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا مَهْرَ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا.
وَهَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، لَكِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ.

[فَصْلٌ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْمَهْرِ وَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ]

(5264) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، فِي الْمَهْرِ وَقِيمَةُ الْأَوْلَادِ.
وَهَذَا اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٌ وَصَلَ إلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا فَأَكَلَهُ، بِخِلَافِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ لِلْوَلَدِ لَا لِأَبِيهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: كُنْت أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ، ثُمَّ كَأَنِّي هِبْته، وَكَأَنَّى أَمِيلُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ يَعْنِي فِي الرُّجُوعِ.
وَلِأَنَّ الْعَاقِدَ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَطْءِ، كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ،

فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَذَلِكَ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ.
قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْخِدْمَةِ إذَا غَرِمَهَا، كَمَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا فَرْقًا إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ السَّيِّدِ فَقَالَ: هِيَ حُرَّةٌ.
عَتَقَتْ.
وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ غَيْرِ هَذَا، لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ وَكِيلِهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، رَجَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ مِنْهَا، فَلَيْسَ لَهَا فِي الْحَالِ مَالٌ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى دَيْنِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ؟ قَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَةِ إذَا خَالَعَتْ زَوْجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا: يَتْبَعُهَا بِهِ إذَا عَتَقَتْ كَذَا هَاهُنَا، وَيَتْبَعُهَا بِجَمِيعِهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ الْغُرُورَ إذَا كَانَ مِنْ الْأَمَةِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا جَاءَتْ الْأَمَةُ فَقَالَتْ: إنِّي حُرَّةٌ.
فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا، فَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهَا مَوْلَاهَا، قَالَ: فِكَاكُ وَلَدِهِ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ.
وَأَمَّا إذَا غَرَّهُ رَجُلٌ، فَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَالْفِدَاءُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ، وَإِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا.
فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، أَوْ يُسَلِّمُهَا، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهَا بِقِيمَتِهَا، سَقَطَ قَدْرُ ذَلِكَ عَنْ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ نُوجِبَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَرُدَّهُ إلَيْهِ.
وَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهَا، سَلَّمَهَا، وَأَخَذَ مَا وَجَبَ لَهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغُرُورَ الْمُوجِبَ لِلرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ، فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَذَا، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالرُّجُوعِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْغُرُورِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ هَكَذَا، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ فِي الْعُقُودِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ قَضَائِهِمْ الْمُطْلَقِ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ لَمْ تُنْقَلْ؛ وَلِأَنَّ الْغُرُورَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَا لَفْظَ لَهَا فِي الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى أَخْبَرَهُ بِحُرِّيَّتِهَا، أَوْ أَوْهَمَهُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتَهَا، فَنَكَحَهَا عَلَى ذَلِكَ، وَرَغِبَ فِيهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَأَصْدَقَهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ، ثُمَّ لَزِمَهُ الْغُرْمُ، فَقَدْ اسْتَضَرَّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْمُخْبِرِ لَهُ وَالْغَارِّ، فَتَجِبُ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ، بِإِثْبَاتِ الرُّجُوعِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَأَضَرَّ بِهِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَالرُّجُوعُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْغُرُرُ مِنْهَا وَمِنْ الْوَكِيلِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ كَانَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ]

(5265) الْفَصْلُ السَّادِسُ: أَنَّ الزَّوْجَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَهُوَ مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ، أَوْ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ،

فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّنَا بَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِعَدَمِ شَرْطِهِ.
وَهَكَذَا لَوْ كَانَ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، أَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَكَانَتْ شَرَائِطُ النِّكَاحِ مُجْتَمِعَةً، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَلِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْمُقَامِ عَلَى النِّكَاحِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ " فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ " مَعَهَا، وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ غُرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَالْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ، وَرِقِّ امْرَأَتِهِ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَالْفَسْخُ يُسْقِطُ جَمِيعَهُ، فَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ رِقِّهِمْ فِي الْغُرُورِ اعْتِقَادُ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَلَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ عِلْمِهِ، فَعَلِقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ الْوَضْعِ، فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُ حُرِّيَّتَهَا.

[فَصْلٌ الْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ]

فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِالرِّقِّ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ يُقَوَّمُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهَا، إلَّا أَنَّهُ إذَا فَدَى الْوَلَدَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فِدَاءُ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ؛ لِأَنَّ بَقِيَّتَهُ حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، لَا بِاعْتِقَادِ الْوَطْءِ.
فَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ مَهْرَهَا لَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا، وَكَسْبَهَا لَهَا.
وَتَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا، عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا.
فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ لَهَا، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إيجَابِ شَيْءٍ لَهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ غَيْرِهَا، غَرِمَهُ لَهَا، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.

[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى]

(5267) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، ثَبَتَ.
وَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا أَمَةٌ، فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: لَا يَسْتَحِقُّهَا بِإِقْرَارِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إقْرَارَهَا يُزِيلُ النِّكَاحَ عَنْهَا، وَيُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهَا، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَإِقْرَارِهَا بِمَالٍ عَلَى غَيْرِهَا.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا شَيْءَ لَهُ حَتَّى يُثْبِتَ، أَوْ تُقِرَّ هِيَ أَنَّهَا أَمَتُهُ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ، أَشْبَهَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ إقْرَارُهَا بِالرِّقِّ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِالْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.

[فَصْلٌ حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا فَضَرَبَ بَطْنَهَا ضَارِبٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا]

(5268) فَصْلٌ: إذَا حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا، فَضَرَبَ بَطْنَهَا ضَارِبٌ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَعَلَى الضَّارِبِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ.
وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَبَاهُ، لَمْ يَرِثْهُ، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ.
وَلَا يَجِبُ بَذْلُ هَذَا الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَذْلَ حَيٍّ، وَهَذَا مَيِّتٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْوَاطِئَ فَوَّتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ، وَلَوْلَاهُ لَوَجَبَ لَهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ]

(5269) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ.
وَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً، وَقُلْنَا: الْحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ.
أَوْ أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ.
فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ إمْضَاءَهُ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَبْدِ إذَا غُرَّ بِأَمَةٍ، ثَبَتَ لِلْأَمَةِ إذَا غُرَّتْ بِعَبْدٍ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكَاحُ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.

[فَصْلٌ غَرَّهَا بِنَسَبٍ فَبَانَ دُونَهُ]

(5270) فَصْلٌ: فَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ، فَبَانَ دُونَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْإِمْضَاءَ، فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرْطُهُ فَقِيهًا، فَبَانَ بِخِلَافِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَتْ غَيْرَ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَافِئٍ لَهَا فِي النَّسَبِ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْكَفَاءَةِ، كَالْفِقْهِ وَالْجَمَالِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْتَبَرْ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يُؤَثِّرُ اشْتِرَاطُهُ.
وَذُكِرَ فِيمَا إذَا بَانَ نَسَبُهُ دُونَ مَا ذُكِرَ وَجْهٌ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا إنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[إنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ]

(5271) قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ، وَيَفْدِيهِمْ إذَا عَتَقَ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ،

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَغْرُورَ إذَا كَانَ عَبْدًا، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ رَقِيقٌ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَهَا، فَكَانَ وَلَدُهُ حُرًّا، كَوَلَدِ الْحُرِّ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحُرِّيَّةِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ رَقِيقًا، فَإِنَّ عِلَّةَ رِقِّ الْوَلَدِ رِقُّ الْأُمِّ خَاصَّةً، وَلَا عِبْرَةَ بِحَالِ الْأَبِ، بِدَلِيلِ وَلَدِ الْحُرِّ مِنْ الْأَمَةِ، وَوَلَدِ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ.
وَعَلَى الْعَبْدِ فِدَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِاعْتِقَادِهِ وَفِعْلِهِ، وَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ، فَيُخَرَّجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ.
وَالثَّانِي، بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، بِمَنْزِلَةِ عِوَضِ الْخُلْعِ مِنْ الْأَمَةِ إذَا بَذَلَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا.
وَيُفَارِقُ الِاسْتِدَانَةَ وَالْجِنَايَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ أَتْلَفَ مَالَ الْغَرِيمِ، فَكَانَ جِنَايَةً مِنْهُ، وَهَاهُنَا لَمْ يَجْنِ فِي الْأَوْلَادِ جِنَايَةً، وَإِنَّمَا عَتَقُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْهُمْ عِوَضٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَرْجِعُ بِهِ حِينَ يَغْرَمُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ بَذْلُ مَا لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَتَتَعَجَّلُ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفِدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ.
وَجَبَ فِي الْحَالِ، وَيَرْجِعُ بِهِ سَيِّدُهُ فِي الْحَالِ، وَيَثْبُتُ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ إذَا عَلِمَ، كَمَا ثَبَتَ لِلْحُرِّ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي رِقِّ وَلَدِهِ، وَنَقْصًا فِي اسْتِمْتَاعِهِ، فَإِنَّهَا لَا تَبِيتُ مَعَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً لَا يَنْقُصُ بِهَا عَنْ رُتْبَتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ نَسَبَ امْرَأَةٍ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِنَسَبِهِ، بِخِلَافِ تَغْرِيرِ الْحُرِّ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا خِيَارَ لَهُ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِذَا اخْتَارَ الْإِقَامَةَ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَالنِّكَاحُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَفِي قَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: الْخُمْسَانِ.
وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَبَانَتْ كَافِرَةً]

(5272) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَبَانَتْ كَافِرَةً، فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ وَضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيِّبًا]

(5273) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، فَبَانَتْ ثَيِّبًا.
فَعَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَدُّ فِيهِ بِعَيْبٍ سِوَى ثَمَانِيَةِ عُيُوبٍ، فَلَا يُرَدُّ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ.
وَالثَّانِي، لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً،

فَبَانَ خِلَافُهَا، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَهَا ذَاتَ نَسَبٍ، فَبَانَتْ دُونَهُ، أَوْ شَرَطَهَا بَيْضَاءَ، فَبَانَتْ سَوْدَاءَ، أَوْ شَرَطَهَا طَوِيلَةً، فَبَانَتْ قَصِيرَةً، أَوْ حَسْنَاءَ فَبَانَتْ شَوْهَاءَ، خُرِّجَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ.
وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ إنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ إجْمَاعًا فَالْإِجْمَاعُ أَوْلَى مِنْ النَّظَرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا ثَوْرٍ عَلَى مَقَالَتِهِ.
وَمِمَّنْ أَلْزَمَ الزَّوْجَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهَا الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَمْ يَجِدْهَا عَذْرَاءَ، كَانَتْ الْحَيْضَةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَهَا، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ إنَّ الْحَيْضَةَ تُذْهِبُ الْعُذْرَةَ يَقِينًا.
وَعَنْ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ امْرَأَتَهُ عَذْرَاءَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، الْعُذْرَةُ تُذْهِبُهَا الْوَثْبَةُ، وَكَثْرَةُ الْحَيْضِ، وَالتَّعَنُّسُ، وَالْحِمْلُ الثَّقِيلُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً أَوْ يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً فَبَانَتْ كَافِرَةً]

(5274) فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً، فَبَانَتْ أَمَةً، أَوْ يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً، فَبَانَتْ كَافِرَةً، أَوْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا، فَلَهُمْ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ شَرَطُوا ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَمَةِ: لَا خِيَارَ لَهُ.
وَفِي الْكَافِرَةِ: لَهُ الْخِيَارُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ.
وَلَنَا أَنَّ بَعْضَ الرِّقِّ أَعْظَمُ ضَرَرًا، فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رِقِّ وَلَدِهِ، وَيَمْنَعُ كَمَالَ اسْتِمْتَاعِهِ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً.

[فَصْلٌ شَرَطَ فِي النِّكَاحِ أَمَةً فَبَانَتْ حُرَّةً]

(5275) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَهَا أَمَةً، فَبَانَتْ حُرَّةً، أَوْ ذَاتَ نَسَبٍ، فَبَانَتْ أَشْرَفَ مِنْهُ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ دَنِيئَةٍ، فَبَانَتْ خَيْرًا مِنْ شَرْطِهِ، أَوْ كَافِرَةً، فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُ الْخِيَارُ إذَا بَانَتْ مُسْلِمَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ كُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ]

(5276) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ فَسَخَ بَعْدَهُ، وَكَانَ التَّغْرِيرُ مِمَّنْ لَهُ الْمَهْرُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، يَدْفَعُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَارِّ، فَإِنْ كَانَ التَّغْرِيرُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا، رَجَعَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْضَهُمْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْغَارُّ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى جَمِيعِهِمْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ سَوَاءٌ.

[قَالَ قَدْ جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ]

(5277) ؛ قَالَ: وَإِذَا قَالَ: قَدْ جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا.
بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ.
وَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ أَعْتَقْتهَا، وَجَعَلْت عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.
كَانَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ أَيْضًا ثَابِتَيْنِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا.
فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ: (5278) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ.
وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ: إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هِيَ الصَّحِيحَةُ.
وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَقَبُولٌ، فَلَمْ يَصِحْ لِعَدَمِ أَرْكَانِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك.
وَسَكَتَ؛ وَلِأَنَّهَا بِالْعِتْقِ تَمْلِكُ نَفْسَهَا، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ رِضَاهَا، كَمَا لَوْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْوَطْءَ بِالْمُسَمَّى، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الْأَمَةَ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا بِالثَّمَنِ.
لَمْ يَصِحَّ وَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا.
فَقُلْت: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفِيَّةَ.
قَالَتْ: «أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي.» وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ، فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
وَمَتَى ثَبَتَ الْعِتْقُ صَدَاقًا، ثَبَتَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَتَقَدَّمُ النِّكَاحَ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعِتْقُ عَنْ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ اسْتَأْنَفَ عَقْدًا، وَلَوْ اسْتَأْنَفَهُ لَظَهَرَ، وَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ غَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ امْرَأَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرَابَةٍ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، كَالْإِمَامِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ.
عَدِيمُ الْأَثَرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَمْ يَحْكُمُوا بِصِحَّتِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَعْلُ الْعِتْقِ صَدَاقًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ لِلزَّوْجِ: أَقَبِلْت؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَكَمَا لَوْ أَتَى بِالْكِنَايَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ.

(5279) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُك، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك وَتَزَوَّجْتُك وَبِذَلِكَ خَالِيًا عَنْ قَوْلِهِ: وَتَزَوَّجْتُك.
وَهَذَا لَفْظُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ.
وَبِقَوْلِهِ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك.
أَوْ جَعَلْت صَدَاقَك عِتْقَك.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: " سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ ". وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: إذَا قَالَ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك، أَوْ صَدَاقَك عِتْقَك.
كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
(5280) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك.
وَسَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، ثُمَّ قَالَ: جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْعِتْقِ حُرَّةً، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِصَدَاقٍ جَدِيدٍ.
(5281) الْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ.»

[فَصْلٌ طَلَاقُ الْأَمَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ]

(5282) الْفَصْلُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا نَفْسَهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ، فَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرْجِعُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَأَوْجَبَ الرُّجُوعَ فِي النِّصْفِ، كَسَائِرِ الطَّلَاقِ.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ الْإِتْلَافِ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ، فَهَلْ تُسْتَسْعَى فِيهَا، أَوْ تَكُونُ دَيْنًا تُنْظَرُ بِهِ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا الْقَوْلِ.
فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْمُفَوَّتِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا: إنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِهِ.
فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فَعَلَتْ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، مِثْلَ أَنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا.

[فَصْلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَك]

(5283) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَك، وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك.
أَوْ لَمْ يَقُلْ: وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك.
فَقَبِلَتْ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي نِكَاحٍ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا، كَمَا لَوْ كَانَ أَسْلَفَ حُرَّةً

أَلْفًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْخِيَارِ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَيَلْزَمُهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا.
أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ مِنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِقِيمَتِهِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَفْظِ شَرْطٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُك، وَزَوِّجِينِي نَفْسَك.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْعِتْقِ، وَيُطَالِبُهَا بِهَا فِي الْحَالِ إنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، فَهَلْ تُنْظَرُ إلَى الْمَيْسَرَةِ، أَوْ تُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُمَا فِي الْمُفْلِسِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[فَصْلٌ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا وَتُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ]

(5284) فَصْلٌ: وَإِنْ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا، وَتُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ، صَحَّ، وَلَا مَهْرَ لَهَا غَيْرَ مَا شَرَطَ مِنْ الْعِتْقِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ الْعِتْقُ صَدَاقًا، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِي ذِمَّتِهَا، وَهُمَا يَعْلَمَانِ الْقِيمَةَ، صَحَّ الصَّدَاقُ.
وَلَنَا أَنَّ الْعِتْقَ صَلَحَ صَدَاقًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَجُوزُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ كَالدَّرَاهِمِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَلْفٍ.
جَازَ، فَلَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يُقْصَدُ فِيهِ الْعِوَضُ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا، صَحَّ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْعِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا مَالًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا فَامْتَنَعَ، لَمْ يُجْبَرْ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهِ نَفْسَهَا، لَمْ يُجْبَرْ هُوَ عَلَى قَبُولِهَا.
وَحُكْمُ الْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، حُكْمُ الْأَمَةِ الْقِنِّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا]

(5285) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَهَا، بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، عَتَقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلزَّوْجِ، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بِهِ، فَإِذَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُمَلِّكَهُ دَارًا.
وَلَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ تَزَوُّجَهَا لَمْ تُجْبَرْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَهَا، فَلَا يُوجَبُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى أَمَتِهِ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ الْأَمَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا]

(5286) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَعْتَقَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا.
وَكَرِهَ

أَنَسٌ تَزْوِيجَ مَنْ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَى شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُعْتِقَ الْأَمَةَ، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إذَا أَعْتَقَهَا لِلَّهِ، كُرِهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، فَذَلِكَ لَهُ أَجْرَانِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا، فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهَا بِإِعْفَافِهَا وَصِيَانَتِهَا، فَلَمْ يُكْرَهْ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا رُجُوعٌ فِيمَا جُعِلَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا بِصَدَاقِهَا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا.

[فَصْلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا]

(5287) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاءٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَطَؤُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْهُ.
فَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا، فَلَا يَسْقُطُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ لَا يَطَؤُهَا فَيُعْتِقُهَا: لَا يَتَزَوَّجُهَا مِنْ يَوْمِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَأَعْتَقَهَا، تَزَوَّجَهَا مِنْ يَوْمِهِ، وَمَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا فِي مَائِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى قَوْلِهِ: إنْ كَانَ يَطَؤُهَا.
أَيْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي قَدْ اسْتَبْرَأَهَا.
وَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا.
أَيْ: لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا زَمَانُ الِاسْتِبْرَاءِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا.
وَإِذَا مَضَى لَهَا بَعْضُ الِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عِتْقِهَا، أَتَمَّتْهُ بَعْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الِاسْتِبْرَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَجَبَ بِالشِّرَاءِ، لَا بِالْعِتْقِ، فَيُحْسَبُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ وُجِدَ سَبَبُهُ.

[فَصْلٌ قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي فَأَعْتَقَهُ]

(5288) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي.
فَأَعْتَقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي النِّكَاحِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِعِوَضٍ شَرَطَهُ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.
وَكَمَا لَوْ قَالَ: طَلِّقْ زَوْجَتَك، وَعَلَيَّ أَلْفٌ.
فَطَلَّقَهَا، أَوْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ.
وَبِهَذِهِ الْأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ.

[قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ أَزَوَّجْت فَقَالَ نَعَمْ وَقَالَ لِلزَّوْجِ أَقَبِلْت فَقَالَ نَعَمْ]

(5289) ؛ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ: أَزَوَّجْت.
فَقَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ لِلزَّوْجِ: أَقَبِلْت.
فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَدْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ مَعَهُ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي، وَيَقُولَ الزَّوْجُ: قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ رُكْنَا الْعَقْدِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِمَا.
وَلَنَا أَنَّ نَعَمْ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: أَزَوَّجْت وَقَبِلْت، وَالسُّؤَالُ يَكُونُ مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مُعَادًا فِيهِ، فَيَكُونُ مَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْوَلِيِّ: زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي.
وَمَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْمُتَزَوِّجِ: قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ.
وَلَا احْتِمَالَ فِيهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] كَانَ إقْرَارًا مِنْهُمْ بِوُجْدَانِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا.
وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ: لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
كَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى تَفْسِيرِهِ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِذَلِكَ.

[فَصْلٌ قَالَ زَوَّجْتُك ابْنَتِي فَقَالَ قَبِلْت]

(5290) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي.
فَقَالَ: قَبِلْت.
انْعَقَدَ النِّكَاحُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي النِّكَاحِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْإِضْمَارِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ، كَلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ.
وَلَنَا أَنَّ الْقَبُولَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ.
وَقَوْلُهُمْ: يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ جَوَابٌ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَذْكُورِ.

[فَصْلٌ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ]

(5291) فَصْلٌ: وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا إجْمَاعًا، وَهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] . وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ.
فَيَقُولَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ.
وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَدَاوُد: يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ.
وَفِي لَفْظِ الْإِجَارَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَهْرَ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً، فَقَالَ: «قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ تَزْوِيجُ

النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْعَقَدَ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ، كَلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِمَجَازِهِ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ، كَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50] . فَذَكَرَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النِّكَاحُ، كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا؛ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَقَدْ رُوِيَ: " زَوَّجْتُكَهَا " وَ " أَنْكَحْتُكَهَا " وَ " زَوَّجْنَاكَهَا ". مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ.
وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِأَحَدِهَا، وَالْبَاقِي فَضْلَةٌ.

[فَصْلٌ مَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا]

(5292) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ، فَانْعَقَدَ بِهِ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَلَفْظِ الْإِحْلَالِ.
فَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَيَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ، بِحَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ.
وَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ تَعَلُّمُ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ بِهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؛ لِأَنَّ مَا كَانَتْ الْعَرَبِيَّةُ شَرْطًا فِيهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، كَالتَّكْبِيرِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُ أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ كَالْبَيْعِ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ، أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ بِهَا، وَالْآخَرُ يَأْتِي بِلِسَانِهِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يُحْسِنُ لِسَانَ الْآخَرِ، احْتَاجَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّفْظَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا صَاحِبُهُ لَفْظَةُ الْإِنْكَاحِ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ جَمِيعًا.

[فَصْلٌ الْأَخْرَسُ إنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ صَحَّ نِكَاحُهُ بِهَا]

(5293) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ صَحَّ نِكَاحُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَصَحَّ

بِإِشَارَتِهِ، كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ، وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ.
كَمَا لَمْ يَصِحَّ غَيْرُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَصْدُرُ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَلَوْ فَهِمَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ الْعَاقِدُ مَعَهُ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ.
يَعْنِي إذَا كَانَ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ، فَهُوَ كَالصَّمَمِ.

[فَصْلٌ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ]

(5294) فَصْلٌ: إذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ.
لَمْ يَصِحَّ.
رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: تَزَوَّجْت ابْنَتَك.
فَيَقُولَ: زَوَّجْتُك.
أَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَك.
فَيَقُولُ: زَوَّجْتُكَهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، لَمْ يَصِحَّ، فَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى، كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فَقَالَ: قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ.
فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي.
لَمْ يَصِحَّ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ إذَا أَتَى بِغَيْرِهَا أَوْلَى.
وَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى، وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْعُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ.

[فَصْلٌ عَقَدَ النِّكَاحَ هَازِلًا أَوْ تَلْجِئَةً]

(5295) فَصْلٌ: وَإِذَا عَقَدَ النِّكَاحَ هَازِلًا أَوْ تَلْجِئَةً، صَحَّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ، وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ.» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا، جَازَ.» وَقَالَ عُمَرُ أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تَكَلَّمَ بِهِنَّ؛ الطَّلَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنَّذْرُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ أَرْبَعٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ: الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّذْرُ.

[فَصْلٌ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ فِي النِّكَاحِ]

(5296) فَصْلٌ: إذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ، صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل