الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فَصْلٌ تُكْرَهُ الْخُبْزُ الْكِبَارُ]
(7844) فَصْلٌ: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قُلْت: تَكْرَهُ الْخُبْزَ الْكِبَارَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَكْرَهَهُ، لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ، إنَّمَا الْبَرَكَةُ فِي الصِّغَارِ.
وَقَالَ: مُرْهُمْ أَنْ لَا يَخْبِزُوا كِبَارًا.
قَالَ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ.
وَقَالَ مُهَنَّا: ذَكَرْت لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ حَدِيثَ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ زَاذَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ» . فَقَالَ لِي يَحْيَى: مَا أَحْسَنَ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
وَذَكَرْت الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ: مَا حَدَّثَ بِهَذَا إلَّا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
قُلْت: بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ عِنْدَ الطَّعَامِ، لِمَ كَرِهَ سُفْيَانُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ.
قُلْت: بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْقَصْعَةِ الرَّغِيفُ، لِمَ كَرِهَهُ سُفْيَانُ؟ قَالَ: كَرِهَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الطَّعَامُ.
قُلْت: تَكْرَهُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَرُوِيَ عَنْ عَقِيلٍ، قَالَ: حَضَرْت مَعَ ابْنِ شِهَابٍ وَلِيمَةً، فَفَرَشُوا الْمَائِدَةَ بِالْخُبْزِ، فَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا الْخُبْزَ بِسَاطًا.
وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إنَّ أَبَا مَعْمَرٍ قَالَ: إنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ خُبْزًا، فَكَسَرَهُ.
قَالَ: هَذَا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كَمْ تَأْكُلُونَ.
وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا؟ قَالَ: أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
[فَصْلٌ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الطَّعَامِ]
(7845) فَصْلٌ: وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الطَّعَامِ، وَحَمْدُ اللَّهِ عِنْدَ آخِرِهِ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَكَلْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَالَتْ يَدِي فِي الْقَصْعَةِ، فَقَالَ: «سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِك، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» .
قَالَ فَمَازَالَتْ أَكْلَتِي بَعْدُ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ، وَأَبُو دَاوُد.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ» . قَالَ أَحْمَدُ: مَعْنَاهُ إذَا أَكَلَ وَشَرِبَ، يَشْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ عَلَى مَا رَزَقَهُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ.
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَكَلَ طَعَامًا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رُفِعَ طَعَامُهُ، أَوْ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلَا مُوَدَّعٍ» . رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ
(7846) فَصْلٌ: وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ تَرْوِيهِ ابْنَةُ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا، فَلَمْ يُصَحِّحْهُ، وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَكَلَ خَبِيصًا بِكَفِّهِ كُلِّهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى بَنَاتَهُ أَنْ يَأْكُلْنَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَقَالَ: لَا تَشَبَّهْنَ بِالرِّجَالِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ]
(7847) فَصْلٌ: قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ صَنِيعُ الْأَعَاجِمِ» . فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لَا نَعْرِفُ هَذَا.
وَقَالَ: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ خِلَافُ هَذَا، كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْتَزُّ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ، فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ، وَطَرَحَ السِّكِّينَ.
وَحَدِيثُ مِسْعَرٍ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ الْمُغِيرَةِ الْيَشْكُرِيِّ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «ضِفْت بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ، فَجَعَلَ يَحُزُّ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ» . قَالَ: وَسَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اُكْفُفْ جُشَاءَك يَا أَبَا جُحَيْفَةَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أَكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَقَالَ هُوَ وَيَحْيَى جَمِيعًا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
(7848) فَصْلٌ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ» . وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «مَا أَكَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَعَلَامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُقَامَ عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ، فَلَا يَقُمْ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ» . وَعَنْ نُبَيْشَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ، فَلَحِسَهَا، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَمْسَحْ أَحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ» . رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ.
[فَصْلٌ غَسْلُ الْيَدِ بِالنُّخَالَةِ]
(7849) فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ بِالنُّخَالَةِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، نَحْنُ نَفْعَلُهُ.
وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَوْمَ، وَهُمْ عَلَى طَعَامٍ، فَجْأَةً لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ إلَيْهِمْ دَعَوْهُ، هَلْ يَأْكُلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا بَأْسٌ.
وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ ادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ» . هُوَ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي لَفْظِهِ.
(7850) فَصْلٌ: عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» .
وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا، فَدَعَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: أَثِيبُوا أَخَاكُمْ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إثَابَتُهُ؟ قَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، فَأُكِلَ طَعَامُهُ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ]
ِّ: الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: الْمُرَادُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَمَا رَوَى أَنَسٌ، قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْأَمْلَحُ: الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَبَيَاضُهُ أَغْلَبُ.
قَالَهُ الْكِسَائِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هُوَ النَّقِيُّ الْبَيَاضِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا ... أَمْلَحَ لَا لُدَّا وَلَا مُحَبَّبَا
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ.
(7851) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ، لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبِلَالٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» .
وَعَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ، فِي كُلِّ عَامٍ، أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً» .
وَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «الْوِتْرُ، وَالنَّحْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ» .
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
عَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَى الْإِرَادَةِ؛ وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُ لَحْمِهَا، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَالْعَقِيقَةِ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا قَالَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» . وَقَالَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، فِي الْيَتِيمِ: يُضَحِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ.
(7852) فَصْلٌ: وَالْأُضْحِيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ.
وَرُوِيَ عَنْ بِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أُضَحِّيَ إلَّا بِدِيكٍ، وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيمٍ قَدْ تَرِبَ فُوهُ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَاتَمِي هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ إلَى الْبَيْتِ أَلْفًا.
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ، لَعَدَلُوا إلَيْهَا.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ، فَهُوَ فِي الْهَدْيِ دُونَ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَدَخَلَ الْعَشْرُ]
(7853) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا) ظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ قَصِّ الشَّعْرِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ مَكْرُوهٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا،
وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَاللِّبَاسُ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَلْقُ الشَّعْرِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ.
وَلَنَا مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمُقْتَضَى النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَهَذَا يَرُدُّ الْقِيَاسَ وَيُبْطِلُهُ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ، وَهَذَا خَاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ الْخَاصُّ؛ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثِهِمْ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لِوُجُوهٍ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ مَا نَهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88] .
وَلِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ النَّهْيِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَفْعَلَهُ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا فَعَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ عَائِشَةَ تَعْلَمُ ظَاهِرًا مَا يُبَاشِرُهَا بِهِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، أَوْ مَا يَفْعَلُهُ دَائِمًا، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ، فَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ نَادِرًا، كَقَصِّ الشَّعْرِ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ، مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْأَيَّامِ إلَّا مَرَّةً، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْهُ بِخَبَرِهَا، وَإِنْ احْتَمَلَ إرَادَتَهَا إيَّاهُ، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، وَمَا كَانَ هَكَذَا، فَاحْتِمَالُ تَخْصِيصِهِ قَرِيبٌ، فَيَكْفِي فِيهِ أَدْنَى دَلِيلٍ، وَخَبَرُنَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّخْصِيصِ؛ وَلِأَنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِ وَأُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قَوْلِهِ، وَالْقَوْلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ خَاصًّا لَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ، فَإِنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى.
وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ إجْمَاعًا، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا.
[مَسْأَلَةٌ تُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
(7854) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ) وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَالِمٌ وَالْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُجْزِئُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا عَلِمْت أَحَدًا إلَّا يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ، إلَّا ابْنَ عُمَرَ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ الْجَزُورَ عَنْ عَشَرَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ؛ لِمَا رَوَى رَافِعٌ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الْأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْجَزُورِ عَنْ عَشَرَةٍ، وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ
عَنْ سَبْعَةٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَانِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعٍ، فَهُوَ فِي الْقِسْمَةِ، لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا، مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْقُرْبَةَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ إنَّمَا يُجْزِئُ عَنْهُ نَصِيبُهُ، فَلَا تَضُرُّهُ نِيَّةُ غَيْرِهِ فِي عُشْرِهِ.
[فَصْلٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ شَاةً وَاحِدَةً]
(7855) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ شَاةً وَاحِدَةً، أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ صَالِحٌ: قُلْت لِأَبِي: يُضَحَّى بِالشَّاةِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ، قَدْ ذَبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبْشَيْنِ، فَقَرَّبَ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ» . وَقَرَّبَ الْآخَرَ، فَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك، عَمَّنْ وَحَّدَك مِنْ أُمَّتِي» . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ، فَتَجِيءُ ابْنَتُهُ، فَتَقُولُ: عَنِّي؟ فَيَقُولُ: وَعَنْك.
وَكَرِهَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِذَا اشْتَرَكَ فِيهَا اثْنَانِ، لَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ.
وَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِكَبْشٍ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» . وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ «ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، عَلَى مِلَّةِ، إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، مُسْلِمًا، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
ثُمَّ ذَبَحَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ، وَيُطْعِمُونَ النَّاسَ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(7856) فَصْلٌ: وَأَفْضَلُ الْأَضَاحِيِّ الْبَدَنَةُ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الشَّاةُ، ثُمَّ شِرْكٌ فِي بَقَرَةٍ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَفْضَلُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ، ثُمَّ الْبَدَنَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْجُمُعَةِ: مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» .
وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَتْ الْبَدَنَةُ فِيهِ أَفْضَلَ، كَالْهَدْيِ فَإِنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ؛ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ ثَمَنًا وَلَحْمًا وَأَنْفَعُ، فَأَمَّا التَّضْحِيَةُ بِالْكَبْشِ؛ فَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَجْنَاسِ الْغَنَمِ، وَكَذَلِكَ حُصُولُ الْفِدَاءِ بِهِ أَفْضَلُ، وَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ شِرْكٍ فِي بَدَنَةٍ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالْمُنْفَرِدُ يَتَقَرَّبُ بِإِرَاقَتِهِ كُلِّهِ.
وَالْكَبْشُ أَفْضَلُ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّهُ أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَطْيَبُ لَحْمًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ جَذَعَ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ؛ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «نِعْمَ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ» . وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الثَّنِيَّ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسِرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الثَّنِيِّ عَلَى الْجَذَعِ؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ الثَّنِيَّ أَصْلًا وَالْجَذَعَ بَدَلًا، لَا يُنْتَقَلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الثَّنِيِّ.
[فَصْلٌ يُسَنُّ اسْتِسْمَانُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا]
(7857) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ اسْتِسْمَانُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِعْظَامُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا.
وَالْأَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْغَنَمِ فِي لَوْنِهَا الْبَيَاضُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَاةِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَمُ عَفْرَاءَ، أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: دَمُ بَيْضَاءَ، أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَوْنُ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ مَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْنًا، فَهُوَ أَفْضَلُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
(7858) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيُّ: لَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ، فَلَا يُجْزِئُ مِنْهُ كَالْحَمَلِ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ فَلَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ؛ لِمَا رَوَى مُجَاشِعُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ،.
وَلَنَا عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يُجْزِئُ، حَدِيثُ مُجَاشِعٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَعَلَى أَنَّ الْجَذَعَةَ مِنْ
غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَسِرَ عَلَيْكُمْ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ» .
وَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: «عِنْدِي جَذَعَةٌ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: إنَّمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ؛ لِأَنَّهُ يَنْزُو فَيُلَقِّحُ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يُلَقِّحْ حَتَّى يَكُونَ ثَنِيًّا.
(7859) فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَحْشِيًّا، لَمْ يُجْزِئْ أَيْضًا.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ بَقَرَةَ الْوَحْشِ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالظَّبْيَ عَنْ وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: وَلَدُ الْبَقَرِ الْإِنْسِيَّةِ يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ وَحْشِيًّا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ إذَا كَانَ مَنْسُوبًا إلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34] . وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.
وَعَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ بَيْنِ مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ، فَلَمْ يُجْزِئْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ وَحْشِيَّةً.
[مَسْأَلَةٌ مَا هُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ]
(7860) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَدَخَلَ فِي السَّابِعِ) قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: وَسَمِعْت أَبِي يَقُولُ: سَأَلْت بَعْضَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: كَيْفَ تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذَا أَجْذَعَ؟ قَالَ: لَا تَزَالُ الصُّوفَةُ قَائِمَةً عَلَى ظَهْرِهِ مَادَامَ حَمَلًا، فَإِذَا نَامَتْ الصُّوفَةُ عَلَى ظَهْرِهِ، عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَجْذَعَ.
وَثَنِيُّ الْمَعْزِ إذَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْبَقَرَةُ إذَا صَارَ لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ، وَالْإِبِلُ إذَا كَمَلَ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَبُو زِيَادٍ الْكِلَابِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: إذَا مَضَتْ السَّنَةُ الْخَامِسَةُ عَلَى الْبَعِيرِ، وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ، وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ، فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيٌّ، وَنَرَى إنَّمَا سُمِّيَ ثَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ.
وَأَمَّا الْبَقَرَةُ: فَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً» . وَمُسِنَّةُ الْبَقَرِ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ.
وَقَالَ وَكِيعٌ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ يَكُونُ ابْنَ سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
[مَسْأَلَةٌ يُجْتَنَبُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا]
(7861) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُجْتَنَبُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا، وَالْعَضْبَاءُ، وَالْعَضَبُ ذَهَابُ أَكْثَرِ مِنْ نِصْفِ الْأُذُنِ أَوْ الْقَرْنِ)
أَمَّا الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ؛ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَمَعْنَى الْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا، الَّتِي قَدْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا، وَذَهَبَتْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهَا، وَالْعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ وَلَمْ تَذْهَبْ، جَازَتْ التَّضْحِيَةُ بِهَا؛ لِأَنَّ عَوَرَهَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ لَحْمَهَا.
وَالْعَجْفَاءُ الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي، هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ لَهَا فِي عِظَامِهَا؛ لِهُزَالِهَا، وَالنِّقْيُ: الْمُخُّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا يَشْتَكِينَ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنَ ... مَا دَامَ مُخٌّ فِي سُلَامَى أَوْ عَيْن
فَهَذِهِ لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّهَا لَا لَحْمَ فِيهَا، إنَّمَا هِيَ عِظَامٌ مُجْتَمِعَةٌ.
وَأَمَّا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا: فَهِيَ الَّتِي بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِنْ اللِّحَاقِ بِالْغَنَمِ فَتَسْبِقُهَا إلَى الْكَلَإِ فَيَرْعَيْنَهُ وَلَا تُدْرِكُهُنَّ، فَيَنْقُصُ لَحْمُهَا، فَإِنْ كَانَ عَرَجًا يَسِيرًا لَا يُفْضِي بِهَا إلَى ذَلِكَ، أَجْزَأَتْ.
وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا: فَهِيَ الَّتِي بِهَا مَرَضٌ قَدْ يَئِسَ مِنْ زَوَالِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ لَحْمَهَا وَقِيمَتَهَا نَقْصًا كَبِيرًا، وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَهِيَ الَّتِي يَبِينُ أَثَرُهُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ لَحْمَهَا وَيُفْسِدُهُ، وَهُوَ أَصَحُّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرِيضَةِ الْجَرْبَاءُ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيُهْزِلُ إذَا كَثُرَ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَهَذَا تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ، وَتَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِلَا دَلِيلٍ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيَنْقُصُهُ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْصِيصِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
وَأَمَّا الْعَضَبُ: فَهُوَ ذَهَابُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأُذُنِ أَوْ الْقَرْنِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَيْضًا.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تُجْزِئُ مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعَمَّارٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَرْنُهَا يَدْمَى، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا جَازَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ: إذَا ذَهَبَتْ الْأُذُنُ كُلُّهَا، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ذَهَبَ يَسِيرٌ، جَازَ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ يُجْزِئُ؛ وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ، قَالَ: قُلْت لِلْبَرَاءِ فَإِنِّي أَكْرَهُ النَّقْصَ مِنْ الْقَرْنِ وَمِنْ الذَّنَبِ.
فَقَالَ: اكْرَهْ لِنَفْسِك مَا شِئْت،
وَإِيَّاكَ أَنْ تُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ.
وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّحْمُ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَهَابُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ.» قَالَ قَتَادَةُ: فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمْ، الْعَضَبُ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ.
وَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ.
(7862) فَصْلٌ: وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعَمْيَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا؛ لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ الْغَنَمِ، وَمُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ.
وَلَا تُجْزِئُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ، كَالْأَلْيَةِ وَالْأَطْبَاءِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْعَجْفَاءُ، وَلَا الْجَدَّاءُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هِيَ الَّتِي قَدْ يَبِسَ ضَرْعُهَا.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ.
[فَصْلٌ يُجْزِئُ الْخَصِيُّ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
(7863) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ وَالْوَجَأُ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَمَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ شَلَّتَا، فَهُوَ كَالْمَوْجُوءِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ ذَهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ، وَيَكْثُرُ وَيَسْمَنُ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
(7864) فَصْلٌ: وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ، وَالصَّمْعَاءُ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ، وَالْبَتْرَاءُ، وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ مَقْطُوعًا.
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ.
وَكَرِهَ اللَّيْثُ أَنْ يُضَحَّى بِالْبَتْرَاءِ مَا فَوْقَ الْقَصَبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِالْجَمَّاءِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَرْنِ يَمْنَعُ، فَذَهَابُ جَمِيعِهِ
أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَوَرُ، مَنَعَ مِنْهُ الْعَمَى، فَكَذَلِكَ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَضَبُ، يَمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُهُ أَجَمَّ أَوْلَى.
وَلَنَا أَنَّ هَذَا نَقْصٌ لَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ، وَلَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ نَهْيٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ، وَفَارَقَ الْعَضَبَ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَارِدٌ، وَهُوَ عَيْبٌ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدْمَى وَآلَمَ الشَّاةَ، فَيَكُونُ كَمَرَضِهَا، وَيُقَبِّحُ مَنْظَرَهَا، بِخِلَافِ الْأَجَمِّ، فَإِنَّهُ حُسْنٌ فِي الْخِلْقَةِ لَيْسَ بِمُرْضٍ وَلَا عَيْبٍ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا كَانَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ أَمْلَحَ.
وَقَالَ: «خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ» . وَأَمَرَ بِاسْتِشْرَافِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ.
[فَصْلٌ وَتُكْرَهُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ وَالْمَثْقُوبَةُ وَمَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهَا الْأُضْحِيَّةُ]
(7865) فَصْلٌ: وَتُكْرَهُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَالْمَثْقُوبَةُ، وَمَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ.
قَالَ زُهَيْرٌ قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ، مَا الْمُقَابَلَةُ؟ قَالَ يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ.
قُلْت: فَمَا الْمُدَابَرَةُ؟ قَالَ يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ.
قُلْت: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟ قَالَ: تُشَقُّ الْأُذُنُ.
قُلْت: فَمَا الْخَرْقَاءُ؟ قَالَ: تَشُقُّ أُذُنَهَا السِّمَةُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ.
قَالَ الْقَاضِي: الْخَرْقَاءُ الَّتِي انْثَقَبَتْ أُذُنُهَا.
وَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ، وَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
[مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَوْجَبَهَا سَلِيمَةً فَعَابَتْ عِنْدَهُ الْأُضْحِيَّةُ]
(7866) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ أَوْجَبَهَا سَلِيمَةً، فَعَابَتْ عِنْدَهُ، ذَبَحَهَا، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً صَحِيحَةً سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ، ثُمَّ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ وَاجِبَةٌ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِإِرَاقَةِ دَمِهَا سَلِيمَةً، كَمَا لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ عَيَّنَهَا، فَعَابَتْ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ بِمُعَالَجَةِ الذَّبْحِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهَا.
فَأَمَّا إنْ تَعَيَّبَتْ بِفِعْلِهِ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا عَالَجَ ذَبْحَهَا، فَقَلَعَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا، أَجْزَأَتْ، اسْتِحْسَانًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَيْبٌ أَحْدَثَهُ بِهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ مُعَالَجَةِ الذَّبْحِ.
[فَصْل نَذَرَ أُضْحِيَّة فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَهَا فِي شَاةٍ]
(7867) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ عَيَّنَهَا فِي شَاةٍ، تَعَيَّنَتْ، فَإِنْ عَابَتْ تِلْكَ الشَّاةُ قَبْلَ ذَبْحِهَا، لَمْ تُجْزِئْ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ، فَاشْتَرَاهَا، ثُمَّ عَابَتْ عِنْدَهُ، لَمْ تُجْزِئْهُ، وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ فَعَابَ، أَجْزَأَ عَنْهُ.
[فَصْل أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّة الْوَاجِبَةَ]
(7868) فَصْلٌ: إذَا أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ أَتْلَفَهَا، فَإِنْ غَلَتْ الْغَنَمُ، فَصَارَ مِثْلُهَا خَيْرًا مِنْ قِيمَتِهَا، فَقَالَ: أَبُو الْخَطَّابِ: يَلْزَمُهُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ذَبْحِهَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَعَيَّبْ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِيمَةُ يَوْمَ إتْلَافِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِتْلَافِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، وَكَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ.
فَإِنْ رَخُصَتْ الْغَنَمُ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى مِثْلِهَا، مِثْلَ أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ إتْلَافِهَا عَشَرَةً، فَصَارَتْ قِيمَةُ مِثْلِهَا خَمْسَةً، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ، وَجْهًا وَاحِدًا، فَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً تُسَاوِي عَشَرَةً، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْعَشَرَةِ مَا لَا يَجِيءُ بِهِ أُضْحِيَّةٌ، اشْتَرَى بِهِ شِرْكًا فِي بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِذَلِكَ، أَوْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْمُشَارَكَةُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَشْتَرِي لَحْمًا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودَانِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ.
وَالثَّانِي، يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، كَانَ اللَّحْمُ وَثَمَنُهُ سَوَاءً.
فَإِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ أَجْنَبِيًّا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ أَتَلَفَهَا، وَجْهًا وَاحِدًا، وَيَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى صَاحِبِهَا، فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْقِيمَةُ ثَمَنَ أُضْحِيَّةٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِيمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُضَحِّي.
فَإِنْ تَلِفَتْ الْأُضْحِيَّةُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَوْ سُرِقَتْ، أَوْ ضَلَّتْ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ كَالْوَدِيعَةِ.
[فَصْل اشْتَرَى أُضْحِيَّة فَلَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى عَلِمَ بِهَا عَيْبًا]
(7869) فَصْل: وَإِنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً، فَلَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى عَلِمَ بِهَا عَيْبًا، فَلَهُ رَدُّهَا إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ عَيْبُهَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّضْحِيَةُ بِهَا، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا، وَالْأَرْشُ لَهُ.
وَإِنْ أَوْجَبَهَا، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا مَعِيبَةٌ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهَا وَأَخْذِ أَرْشِهَا، فَإِنْ أَخَذَ أَرْشَهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّائِدِ عَنْ قِيمَةِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ لَهُ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا إنَّمَا صَادَفَهَا بِدُونِ هَذَا الَّذِي أَخَذَ أَرْشَهُ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْإِيجَابُ بِالْأَرْشِ، وَلَا بِمُبْدَلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ أَخَذَ أَرْشَهَا.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِإِيجَابِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّن أَخْذُ الْأَرْشِ.
وَفِي كَوْنِ الْأَرْشِ لِلْمُشْتَرِي، وَوُجُوبِهِ فِي التَّضْحِيَةِ، وَجْهَانِ، ثُمَّ نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ عَيْبُهَا لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا، فَقَدْ صَحَّ إيجَابُهَا، وَالتَّضْحِيَةُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عَيْبُهَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ أَوْجَبَهَا عَالِمًا بِعَيْبِهَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ وَلَدَتْ الْأُضْحِيَّة]
(7870) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً فَوَلَدَتْ فَوَلَدُهَا تَابِعٌ لَهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهَا، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلًا حِينَ التَّعْيِينِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَا يَذْبَحُهُ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ حَيًّا، وَإِنْ ذَبَحَهُ، دَفَعَهُ إلَيْهِمْ مَذْبُوحًا، وَأَرْشَ مَا نَقَصَهُ الذَّبْحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا، فَلَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ عَلَى صِفَتِهِ، كَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا.
وَلَنَا، أَنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِهَا حُكْمٌ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ كَمَا يَذْبَحُهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أُضْحِيَّةً عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِأُمِّهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلَا تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِهِ، كَأُمِّهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنِّي اشْتَرَيْت هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِأُضَحِّيَ بِهَا، وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْلَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَحْلُبْهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى، فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ.
رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَذْفٍ، عَنْ عَلِيٍّ (7871) فَصْلٌ: وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا الْفَاضِلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ، أَوَكَانَ الْحَلْبُ يَضُرُّ بِهَا، أَوْ يُنْقِصُ لَحْمَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَلَهُ أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
لَا يَحْلُبُهَا، وَيَرُشُّ عَلَى الضَّرْعِ الْمَاءَ حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ، فَإِنْ احْتَلَبَهَا، تَصَدَّقَ، بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُضَحِّي الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَالْوَلَدِ وَلَنَا، قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَحْلُبُهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا.
وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّهَا، فَأَشْبَهُ الرُّكُوبَ، يُفَارِقُ الْوَلَدَ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُهُ إلَى مَحَلِّهِ، أَمَّا اللَّبَنُ، فَإِنْ حَلَبَهُ وَتَرَكَهُ فَسَدَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلُبْهُ، تَعَقَّدَ الضَّرْعُ، وَأَضَرَّ بِهَا، فَجُوِّزَ لَهُ شُرْبُهُ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ.
وَإِنْ احْتَلَبَ مَا يَضُرُّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَصُوفُهَا شَعْرُهَا، وَوَبَرُهَا إذَا جَزَّهُ، تَصَدَّقَ بِهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِاللَّبَنِ؟ قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَبَنَهَا يَتَوَلَّدُ مِنْ غِذَائِهَا وَعَلَفِهَا، وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِ، فَجَازَ صَرْفُهُ إلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا عَلَفَ الرَّهْنَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ، وَيَرْكَبَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّوفَ وَلَا الشَّعْرَ.
الثَّانِي، أَنَّ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ، فَجَرَى مَجْرَى جِلْدِهَا وَأَجْزَائِهَا، وَاللَّبَنُ يُشْرَبُ وَيُؤْكَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَجَرَى مَجْرَى مَنَافِعِهَا وَرُكُوبِهَا، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ، وَالصُّوفُ وَالشَّعْرُ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ دَائِمَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ.
(7872) فَصْلٌ: وَأَمَّا صُوفُهَا، فَإِنْ كَانَ جَزُّهُ أَنْفَعَ لَهَا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ، تَخِفُّ بِجَزِّهِ وَتَسْمَنُ، جَازَ جَزُّهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهَا؛ لِقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ أَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا؛ لِكَوْنِهِ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ أَجْزَائِهَا.
[مَسْأَلَةٌ مَا يُوجِب الْأُضْحِيَّة]
(7873) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِيجَابُهَا أَنْ يَقُولَ: هِيَ أُضْحِيَّةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ، وَتَتَعَيَّنُ بِهِ، هُوَ الْقَوْلُ دُونَ النِّيَّةِ.
وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اشْتَرَى شَاةً أَوَغَيْرَهَا بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ، صَارَتْ أُضْحِيَّةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِشِرَاءِ أُضْحِيَّةٍ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِالنِّيَّةِ وَقَعَتْ عَنْهَا، كَالْوَكِيلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لِلشِّرَاءِ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ جَعْلُهُ لِمُوَكِّلِهِ بَعْدَ إيقَاعِهِ، وَهَا هُنَا بَعْدَ الشِّرَاءِ يُمْكِنُهُ جَعْلُهَا أُضْحِيَّةً.
فَأَمَّا إذَا قَالَ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ.
صَارَتْ وَاجِبَةً، كَمَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ بُقُولِ سَيِّدِهِ: هَذَا حُرٌّ.
وَلَوْ أَنَّهُ قَلَّدَهَا أَوَأَشْعَرَهَا يَنْوِي بِهِ جَعْلَهَا أُضْحِيَّةً، لَمْ تَصِرْ أُضْحِيَّةً حَتَّى يَنْطِقَ بِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَة أَوْجَبَ الْأُضْحِيَّة فَكَانَتْ نَاقِصَة]
(7874) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ أَوْجَبَهَا نَاقِصَةً، ذَبَحَهَا، وَلَمْ تُجْزِئْهُ يَعْنِي إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً نَقْصًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَأَوْجَبَهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُهَا؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا كَالنَّذْرِ لِذَبْحِهَا، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلِأَنَّ إيجَابَهَا كَنَذْرِ هَدْيٍ مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ) . وَلَكِنَّهُ يَذْبَحُهَا، وَيُثَابُ عَلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْهَا، كَمَا يُثَابُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَبْدًا لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُوجِبُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ أَتْلَفَ أُضْحِيَّتَهُ الَّتِي أَوْجَبَهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ هَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ.
فَإِنْ زَالَ عَيْبُهَا، كَأَنْ كَانَتْ عَجْفَاءَ فَزَالَ عَجَفُهَا، أَوْ مَرِيضَةً فَبَرَأَتْ، أَوْ عَرْجَاءَ فَزَالَ عَرَجُهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تُجْزِئُ،.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا تُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ إيجَابِهَا، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا كَانَتْ لِلْمَسَاكِينِ، كَمَا أَنَّ نَقْصَهَا بَعْدَ إيجَابِهَا عَلَيْهِمْ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أُضْحِيَّةً.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ يُجْزِئُ مِثْلُهَا، فَتُجْزِئُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجِبْهَا إلَّا بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهَا.
[مَسْأَلَةٌ لَا تُبَاعُ أُضْحِيَّة الْمَيِّتِ فِي دَيْنِهِ]
(7875) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تُبَاعُ أُضْحِيَّةُ الْمَيِّتِ فِي دَيْنِهِ، وَيَأْكُلُهَا وَرَثَتُهُ يَعْنِي إذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنْ تَرَكَ دَيْنًا لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِنْهَا، بِيعَتْ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَشَاجَرَ الْوَرَثَةُ فِيهَا بَاعُوهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا فِي دَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي الْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
[فَصْل هَلْ تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ]
(7876) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا، يُضَحِّي عَنْهُ بِالشَّاةِ، بِنِصْفِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ الْعِيدِ، فَجَازَ إخْرَاجُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ.
فَعَلَى هَذَا،
يَكُونُ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ، وَالتَّطْيِيبِ لِقَلْبِهِ، وَإِشْرَاكِهِ لِأَمْثَالِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الثِّيَابَ الرَّفِيعَةَ لِلتَّجَمُّلِ، وَالطَّعَامَ الطَّيِّبَ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى حَالَيْنِ؛ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ التَّضْحِيَةَ، إذَا كَانَ الْيَتِيمُ طِفْلًا لَا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ، وَلَا يَفْرَحُ بِهَا، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ بِتَرْكِهَا؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا، فَيُحَصِّلُ إخْرَاجُ ثَمَنِهَا تَضْيِيعَ مَالٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَهَا، إذَا كَانَ الْيَتِيمُ يَعْقِلُهَا، وَيَنْجَبِرُ قَلْبُهُ بِهَا وَيَنْكَسِرُ بِتَرْكِهَا؛ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ مِنْهَا، وَالضَّرَرِ بِتَفْوِيتِهَا.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو الْخَطَّابِ بُقُولِ أَحْمَدَ: يُضَحِّي عَنْهُ.
عَلَى وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، مَتَى ضَحَّى عَنْ الْيَتِيمِ، لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَيُوَفِّرُهَا لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّدَقَةُ بِشَيْءِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ تَطَوُّعًا.
[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَ أُضْحِيَّته وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا]
(7877) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَ أُضْحِيَّتِهِ، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا، وَلَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ قَالَ أَحْمَدُ: نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ: يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِالثُّلُثِ.
قَالَ عَلْقَمَةُ: بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا، وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ عُتْبَةَ بِثُلُثٍ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا ثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ.
وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَجْعَلُهَا نِصْفَيْنِ، يَأْكُلُ نِصْفًا، وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] .
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَا كَثُرَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا، وَحَسِيَا مِنْ مَرَقِهَا.
وَنَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، أَوْ سِتَّ بَدَنَاتٍ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ.
وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا» . وَلَنَا، مَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ.» رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ، فِي الْوَظَائِفِ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] .
وَالْقَانِعُ: السَّائِلُ يُقَالُ: قَنِعَ قَنُوعًا.
إذَا سَأَلَ وَقَنِعَ قَنَاعَةً إذَا رَضِيَ.
قَالَ الشَّاعِر:
لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقَنُوعِ
وَالْمُعْتَرُّ: الَّذِي يَعْتَرِيك.
أَيْ يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ، فَلَا يَسْأَلُ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَالْمُتَصَدَّقِ بِهِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي آيَتِنَا، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ، وَابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ بِأَمْرِهِ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، فَهُوَ فِي الْهَدْيِ، وَالْهَدْيُ يَكْثُرُ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنْ قَسْمِهِ، وَأَخْذِ ثُلُثِهِ، فَتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِهَا، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بِأَكْثَرِهَا جَازَ، وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بِهَا جَازَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ أَكْلُهَا كُلِّهَا.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] . وَقَالَ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْهَا، وَلَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهَا؛ لِلْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْهَا.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، وَقَالَ " مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ ". وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِهَا فَلَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا، كَالْعَقِيقَةِ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، أَوْ الْإِبَاحَةِ، كَالْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهَا.
[فَصْل يَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ]
(7878) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ، وَلَا ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ» رَوَاهُ.
مُسْلِمٌ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَادَّخِرُوا» . وَقَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ فَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا تَرْخِيصُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا النَّهْيَ، فَرَوَوْا عَلَى مَا سَمِعُوا.
[فَصْلٌ يَجُوزُ إطْعَام الْكَافِر مِنْ الْأُضْحِيَّة]
(7879) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا كَافِرًا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: غَيْرُهُمْ أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَكَرِهَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ إعْطَاءَ النَّصْرَانِيِّ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ طَعَامٌ لَهُ أَكْلُهُ فَجَازَ إطْعَامُهُ لِلذِّمِّيِّ، كَسَائِرِ طَعَامِهِ، وَلِأَنَّهُ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، فَجَازَ إطْعَامُهَا الذِّمِّيَّ وَالْأَسِيرَ، كَسَائِرِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهَا، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ، فَأَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ، وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا الْأُضْحِيَّة]
(7880) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرَخَّصَ الْحَسَنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فِي إعْطَائِهِ الْجِلْدَ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْجَزَّارِ أُجْرَةً عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ وَجِزَارَتِهِ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
فَأَمَّا إنْ دَفَعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَخْذِ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا، وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا.
[مَسْأَلَةٌ الِانْتِفَاع بِجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ]
(7881) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ، لَا لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا، وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ تَطَوُّعًا لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالذَّبْحِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَبِيعُهَا، وَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْهَا.
وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يَبِيعُهَا، وَقَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالُوا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَجِلْدُ الْأُضْحِيَّةِ يُعْطَاهُ السَّلَّاخُ؟ قَالَ: لَا.
وَحَكَى قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يُعْطَى الْجَازِرُ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرَخَّصَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ فِي الْجِلْدِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِهِ الْغِرْبَالَ وَالْمُنْخُلَ وَآلَةَ الْبَيْتِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَجَرَى مَجْرَى تَفْرِيقِ اللَّحْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
يَبِيعُ مَا شَاءَ مِنْهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ يَبِيعُ الْجِلْدَ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ.
وَلَنَا، أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَسْمِ جُلُودِهَا وَجِلَالِهَا، وَنَهْيُهُ أَنْ يُعْطَى الْجَازِرُ شَيْئًا مِنْهَا.
وَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْوَقْفِ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي شِرَاءِ آلَةِ الْبَيْتِ، يَبْطُلُ بِاللَّحْمِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِآلَةِ الْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَأَمَّا جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَجِلَالِهَا، فَلَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا، فَجَازَ لِلْمُضَحِّي الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَاللَّحْمِ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ يَدْبُغَانِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِمَا، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، يُجَمِّلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: نَهَيْت عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْق ثَلَاثٍ.
قَالَ: إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَتَصَدَّقُوا.» حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهِ، فَجَازَ كَلَحْمِهَا.
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزَ أَنْ يُبْدِلَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَوْجَبَهَا بِخَيْرِ مِنْهَا]
(7882) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَيَجُوزَ أَنْ يُبَدِّلَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَوْجَبَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلَا إبْدَالُهَا؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ، أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ إذَا هَلَكَتْ، أَوْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، لَا بَدَلَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ مِلْكَهُ مَازَالَ عَنْهَا، لَزِمَهُ بَدَلُهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْإِبْدَالِ، كَالْوَقْفِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حِجَّتِهِ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ، فَأَشْرَكَهُ فِيهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ بَيْعٌ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ عَيْنٍ وَجَبَتْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إلَى خَيْرٍ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا، فَجَازَ، كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ، فَأَخْرَجَ حِقَّةً فِي الزَّكَاةِ، فَأَمَّا بَيْعُهَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا، وَيَشْتَرِيَ خَيْرًا مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ بُدْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِشْرَاكِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا، بِدَلِيلِ جَوَازِ إبْدَالِهَا، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجُوزُ إبْدَالُهَا، فَجَازَ بَيْعُهَا كَمَا قَبْلَ إيجَابِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَالْوَقْفِ، وَإِنَّمَا جَازَ إبْدَالُهَا بِجِنْسِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْحَقُّ فِيهَا عَنْ جِنْسِهَا، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ إلَى خَيْرٍ مِنْهَا، فَكَأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى ضَمُّ زِيَادَةٍ إلَيْهَا، وَقَدْ جَازَ إبْدَالُ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَجُزْ
بَيْعُهُ.
وَأَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَبِعْهَا، وَإِنَّمَا شَرَكَ عَلِيًّا فِي ثَوَابِهَا وَأَجْرِهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ إيجَابِهَا.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: بِخَيْرٍ مِنْهَا.
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ جُزْءٍ مِنْهَا، فَلَمْ يَجُزْ، كَإِتْلَافِهِ.
وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمِثْلِهَا؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي هَذَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِي إبْدَالِهَا بِمِثْلِهَا احْتِمَالَانِ؛ أَحَدُهُمَا، جَوَازُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَنَا أَنَّهُ بِغَيْرِ مَا أَوْجَبَهُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ، كَإِبْدَالِهِ بِمَا دُونَهَا.
[مَسْأَلَةٌ مَضَى مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْأَضْحَى مِقْدَارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهِ فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ]
(7883) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَإِذَا مَضَى مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْأَضْحَى مِقْدَارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهِ، فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ إلَى آخِر يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نَهَارًا، وَلَا يَجُوزُ لَيْلًا الْكَلَامُ فِي وَقْتِ الذَّبْحِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَعُمُومِ وَقْتِهِ أَوْ خُصُوصِهِ.
أَمَّا أَوَّلُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا مَضَى مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْعِيدِ قَدْرٌ تَحُلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَقَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ التَّامَّتَيْنِ فِي أَخَفِّ مَا يَكُونُ، فَقَدْ حَلَّ وَقْتُ الذَّبْحِ، وَلَا تُعْتَبَرُ نَفْسُ الصَّلَاةِ، لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْمِصْرِ وَغَيْرِهِمْ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمِصْرِ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَخُطْبَتَهُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى.» وَعَنْ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ قَالَ: إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الصَّلَاةُ ثُمَّ، الذَّبْحُ، فَمِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ " وَظَاهِرُ هَذَا اعْتِبَارُ نَفْسِ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: وَقْتُهَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ آخِرُهَا بِالْوَقْتِ، فَتَعَلَّقَ أَوَّلُهَا بِالْوَقْتِ، كَالصِّيَامِ.
وَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ وَقْتَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ أَوْلَى.
فَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، فَأَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَكَانَ وَقْتُهَا مِنْهُ كَسَائِرِ الْيَوْمِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عِبَادَةٌ وَقْتُهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْمِصْرِ بَعْدَ إشْرَاقِ الشَّمْسِ، فَلَا تَتَقَدَّمُ وَقْتَهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ فِي الْمِصْرِ، لَمْ يَجْزِ الذَّبْحُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْقُطُ، فَكَأَنَّهُ قَدْ صَلَّى، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
فَأَمَّا الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَهُوَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِنْ أَثْنَائِهِ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا.
وَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمُصَلَّى، وَاسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَمَتَى صَلَّوْا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ جَازَ الذَّبْحُ؛ لِوُجُودِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَجْزَأَ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ الْمَنْعَ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
الثَّانِي، آخِرُ الْوَقْتِ، وَآخِرُهُ آخِرُ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَتَكُونُ أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةً؛ يَوْمُ الْعِيدِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَسًا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» . وَلِأَنَّهَا أَيَّامُ تَكْبِيرٍ وَإِفْطَارٍ، فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلنَّحْرِ كَالْأَوَّلَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا تَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ عِيدٍ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، كَأَدَاءِ الْفِطْرِ.
يَوْمَ الْفِطْرِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَقَوْلِنَا فِي أَهْلِ مِنًى، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ إلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ.
وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَشْتَرِي أُضْحِيَّةً، فَيُسَمِّنُهَا حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذِي الْحِجَّةِ، فَيُضَحِّيَ بِهَا.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ.
وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ عَجِيبٌ.
وَقَالَ: أَيَّامُ الْأَضْحَى الَّتِي أُجْمِعَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ ادِّخَارُ الْأُضْحِيَّةِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَا يَجِبُ الرَّمْيُ فِيهِ، فَلَمْ تَجُزْ التَّضْحِيَةُ فِيهِ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ،
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ إلَّا رِوَايَةً عَنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا، وَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا هُوَ: " وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ". لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَيَّامِ، وَالتَّكْبِيرُ أَعَمُّ مِنْ الذَّبْحِ، وَكَذَلِكَ الْإِفْطَارُ، بِدَلِيلِ أَوَّلِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ تَكْبِيرٍ، وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِيهِ.
الثَّالِثُ، فِي زَمَنِ الذَّبْحِ، وَهُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لَيْلًا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابه؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ الرَّمْيُ، فَأَشْبَهَ النَّهَارَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ الذَّبْحِ بِاللَّيْلِ.
وَلِأَنَّهُ لَيْلُ يَوْمٍ يَجُوزُ الذَّبْحُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلِأَنَّ اللَّيْلَ تَتَعَذَّرُ فِيهِ تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ فِي الْغَالِبِ، فَلَا يُفَرَّقُ طَرِيًّا، فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: يُكْرَهُ الذَّبْحُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ ذَبَحَ لَيْلًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَذَبَحَهَا، كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ، وَلَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً، فَإِنْ فَرَّقَهَا، حَصَلَتْ الْقُرْبَةُ بِتَفْرِيقِهَا، دُونَ ذَبْحِهَا.
[فَصْلٌ فَاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ الْأُضْحِيَّةَ]
(7884) فَصْلٌ: إذَا فَاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً، وَصَنَعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَذْبُوحِ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّطَوُّعِ، فَإِنْ فَرَّقَ لَحْمَهَا كَانَتْ الْقُرْبَةُ بِذَلِكَ دُونَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهَا شَاةُ لَحْمٍ، وَلَيْسَتْ أُضْحِيَّةً، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسَلِّمُهَا إلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يَذْبَحُهَا، فَإِنْ ذَبَحَهَا فَرَّقَ لَحْمَهَا، وَعَلَيْهِ أَرْشُ مَا نَقَصَهَا الذَّبْحُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ سَقَطَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْأُضْحِيَّةِ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَهَا فِي الْأَيَّامِ، ثُمَّ خَرَجَتْ قَبْلَ تَفْرِيقِهَا، فَرَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَيُفَارِقُ الْوُقُوفَ وَالرَّمْيَ، وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، بِخِلَافِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَجَبَتْ الْأُضْحِيَّةِ بِإِيجَابِهِ لَهَا فَضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ]
(7885) فَصْلٌ: إذَا وَجَبَتْ الْأُضْحِيَّةُ بِإِيجَابِهِ لَهَا، فَضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ ذَبَحَهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِي زَمَنِ الذَّبْحِ، أَوْ فِيمَا بَعْدُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ ذَبَحَ الْأُضْحِيَّةَ قَبْل الصَّلَاة]
(7886) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَزِمَهُ الْبَدَلُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» . وَلِأَنَّهَا نَسِيكَةٌ وَاجِبَةٌ، ذَبَحَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَزِمَهُ بَدَلُهَا، كَالْهَدْيِ إذَا ذَبَحَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَدَلُهَا مِثْلَهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا؛ لِأَنَّ ذَبْحَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا إتْلَافٌ لَهَا.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ أَصْحَابِنَا، مَحْمُولٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، فَهِيَ شَاةُ لَحْمٍ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّطَوُّعَ فَأَفْسَدَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ إمَّا النَّدْبُ، وَإِمَّا عَلَى التَّخْصِيصِ بِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا الشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ، فَهِيَ شَاةُ لَحْمٍ، كَمَا وَصَفَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَاهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ، كَشَاةٍ ذَبَحَهَا لِلَحْمِهَا، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً، فَقَدْ لَزِمَهُ إبْدَالُهَا، وَذَبْحُ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَخَرَجَتْ هَذِهِ عَنْ كَوْنِهَا وَاجِبَةً، كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ، إذَا عَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، فَقَدْ أَخْرَجَهَا بِذَبْحِهِ إيَّاهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا عَنْ الْقُرْبَةِ، فَبَقِيَتْ مُجَرَّدَ شَاةِ لَحْمٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ، كَالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ؛ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْهَدْيِ عَلَى رِوَايَةٍ، وَيَكُونُ، مَعْنَى قَوْلِهِ " شَاةُ لَحْمٍ ". أَيْ فِي فَضْلِهَا وَثَوَابِهَا خَاصَّةً، دُونَ مَا يَصْنَعُ بِهَا.
[مَسْأَلَة لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إلَّا مُسْلِمٌ الْأُضْحِيَّةِ]
(7887) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إلَّا مُسْلِمٌ، وَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ، فَلَا يَلِيهَا غَيْرُ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، وَإِنْ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِهَا، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَهَا إلَّا مُسْلِمٌ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَمِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ.
وَقَالَ جَابِرٌ: لَا يَذْبَحُ النُّسُكَ إلَّا مُسْلِمٌ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " وَلَا يَذْبَحْ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ ". وَلِأَنَّ الشُّحُومَ تَحْرُمُ عَلَيْنَا مِمَّا يَذْبَحُونَهُ عَلَى رِوَايَةٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ ذَبْحُ غَيْرِ الْأُضْحِيَّةِ، جَازَ لَهُ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ، كَالْمُسْلِمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكَافِرُ مَا كَانَ قُرْبَةً لِلْمُسْلِمِ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَلَا نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَيْنَا بِذَبْحِهِمْ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا الْمُسْلِمُ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ.
وَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا.
وَنَحَرَ الْبَدَنَاتِ السِّتَّ بِيَدِهِ.
وَنَحَرَ مِنْ الْبُدْنِ الَّتِي سَاقَهَا فِي حِجَّتِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ.
وَلِأَنَّ فِعْلَهُ قُرْبَةٌ، وَفِعْلُ الْقُرْبَةِ أَوْلَى مِنْ اسْتِنَابَتِهِ فِيهَا فَإِنْ اسْتَنَابَ فِيهَا، جَازَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَنَابَ مَنْ نَحَرَ بَاقِيَ بُدْنِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ ذَبْحَهَا؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ " وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا ". وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ: اُحْضُرِي أُضْحِيَّتَك، يُغْفَرْ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا.»
[مَسْأَلَة التَّسْمِيَة عِنْدَ الذَّبْحِ]
(7888) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَيَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
وَإِنْ نَسِيَ فَلَا يَضُرُّهُ.
ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٌ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ.
وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ.
وَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا خِلَافًا، وَلَا فِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُجْزِئَةٌ.
وَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ، أَجْزَأَهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّبَائِحِ.
وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، أَوْ مِنْ فُلَانٍ.
فَحَسَنٌ.
وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 173] . وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِكَبْشٍ لَهُ لِيَذْبَحَهُ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
ثُمَّ ضَحَّى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ اكْبَرْ.
ثُمَّ ذَبَحَ» . وَهَذَا نَصٌّ لَا يُعَرَّجُ عَلَى خِلَافِهِ.
(7889) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمَّنْ لِأَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ،
وَإِنْ ذَكَرَ مَنْ يُضَحِّي عَنْهُ فَحَسَنٌ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا مِنْك وَلَك، تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ.
وَكَرِهَ أَهْلُ الرَّأْي هَذَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
[فَصْلٌ عَيَّنَ أُضْحِيَّة فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ]
(7890) فَصْلٌ: وَإِنْ عَيَّنَ أُضْحِيَّةً، فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ شَاةُ لَحْمٍ، لِصَاحِبِهَا أَرْشُهَا، وَعَلَيْهِ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ، فَإِذَا فَعَلَهَا غَيْرُ صَاحِبِهَا عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ، كَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا، وَلَهُ عَلَى ذَابِحِهَا أَرْشُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَذْبُوحَةً؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْهَدْيِ، فَإِذَا فَعَلَهُ فَاعِلٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُضَحِّي، ضَمِنَهُ، كَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ.
وَلَنَا، عَلَى مَالِكٍ، أَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، فَإِذَا فَعَلَهُ غَيْرُ الصَّاحِبِ أَجْزَأَ عَنْهُ، كَغَسْلِ ثَوْبِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا، وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْ ذَابِحُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ بِإِذْنٍ، وَلِأَنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ تَعَيَّنَ إرَاقَتُهُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، فَلَمْ يَضْمَنْ مُرِيقُهُ، كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ لَوْ وَجَبَ، فَإِنَّمَا يَجِبُ مَا بَيْنَ كَوْنِهَا مُسْتَحَقَّةَ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مُتَعَيِّنَةً لَهُ وَمَا بَيْنَ كَوْنِهَا مَذْبُوحَةً، وَلَا قِيمَةَ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، فَتَعَذَّرَ وُجُودُ الْأَرْشِ وَوُجُوبُهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَرْشُ لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَجِبَ لِلْمُضَحِّي، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَهَا مَذْبُوحَةً، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ لَمْ يَجُزْ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَ شَيْءٍ مِنْهَا، كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّهُمْ وَافَقُونَا فِي أَنَّ الْأَرْشَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ، فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُهُ، لِعَدَمِ مُسْتَحِقِّهِ.
[فَصْلٌ نَذْرَ أُضْحِيَّة فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ ذَبَحَهَا]
(7891) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ ذَبَحَهَا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ الْأَكْلَ مِنْهَا.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَبَنَاهُ عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا، وَالْأَكْلُ مِنْهَا، وَالنَّذْرُ لَا يُغَيِّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إلَّا الْإِيجَابَ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ؛ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فَالْمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ.
[فَصْلٌ لَا يُضَحِّي عَمَّا فِي الْبَطْنِ]
(7892) فَصْلٌ: وَلَا يُضَحِّي عَمَّا فِي الْبَطْنِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ.
وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، أَنْ يُضَحُّوا إلَّا بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، إلَّا الْمَكَاتِب، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ، وَالْأُضْحِيَّةُ تَبَرُّعٌ.
وَأَمَّا مَنْ نِصْفُهُ
حُرٌّ إذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ شَيْئًا، فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ
[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِك السَّبْعَةُ فَيُضَحُّوا بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ]
(7893) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ، فَيُضَحُّوا بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ، أَوْ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ وَبَعْضُهُمْ اللَّحْمَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ، وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُتَقَرِّبٍ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَاحِدٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلَّ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَنَا، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْجُزْءَ الْمُجَزَّأَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبِ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ التَّضْحِيَةَ، وَبَعْضُهُمْ الْفِدْيَةَ.
(7894) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ لِلْمُشْتَرَكِينَ قِسْمَةُ اللَّحْمِ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، وَبَيْعُ لَحْمِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالِاشْتِرَاكِ، مَعَ أَنَّ سُنَّةَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْأَكْلُ مِنْهَا، دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ الْأَكْلِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ، بَلْ هِيَ إفْرَازُ حَقٍّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْقِسْمَةُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْم الْعَقِيقَةُ]
(7895) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ، عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ الْعَقِيقَةُ: الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ، وَقِيلَ: هِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ وَيُدْعَى إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْمَوْلُودِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْأَصْلُ فِي الْعَقِيقَةِ.
الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمَوْلُودِ، وَجَمْعُهَا عَقَائِقُ، وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّاعِر:
أَيَا هِنْدُ لَا تَنْكِحِي بُوهَةً ... عَلَيْهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبَا
ثُمَّ إنَّ الْعَرَبَ سَمَّتْ الذَّبِيحَةَ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِهِ عَقِيقَةً، عَلَى عَادَاتِهِمْ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ أَوْ مَا جَاوَرَهُ، ثُمَّ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا التَّفْسِيرَ، وَقَالَ: إنَّمَا الْعَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُهُ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ، إذَا قَطَعَهُمَا.
وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ.
وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَفُقَهَاءُ التَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ، قَالُوا لَيْسَتْ سُنَّةً، وَهِيَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ، فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ.
فَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ، وَقَالَ: مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ.» رَوَاهُ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " لَوْ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَدَاوُد: هِيَ وَاجِبَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ، أَنَّ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا، كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ، وَتُحْلَقُ رَأْسُهُ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَرَوَى حَدِيثَ سَمُرَةَ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد.
وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ.» وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
وَلَنَا، عَلَى اسْتِحْبَابِهَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، وَعَنْ أُمِّ كَرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: " الْعَقِيقَةُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ ".
وَالْإِجْمَاعُ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الْعَقِيقَةُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، كَانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ ". وَهُوَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ، يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَجَعَلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْأَخْبَارِ.
وَأَمَّا بَيَانُ كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ، فَدَلِيلُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ الْخَبَرِ، وَمَا رَوَوْهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، كَالْوَلِيمَةِ وَالنَّقِيعَةِ.
[فَصْلٌ الْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ]
(7896) فَصْلٌ: وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعُقُّ، فَاسْتَقْرَضَ، رَجَوْت أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ، إحْيَاءَ سُنَّةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: صَدَقَ أَحْمَدُ، إحْيَاءُ السُّنَنِ وَاتِّبَاعُهَا أَفْضَلُ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا مِنْ التَّأْكِيدِ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهَا.
وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى، كَالْوَلِيمَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْعَقِيقَة عَنْ الْغُلَامِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ]
(7897) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول: شَاةٌ شَاةٌ عَنْ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ.
لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ شَاةً، وَعَنْ الْحُسَيْنِ شَاةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَانَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، لَا يَرَيَانِ عَنْ الْجَارِيَةِ عَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْوَلَدِ، وَالْجَارِيَةُ لَا يَحْصُلُ بِهَا سُرُورٌ، فَلَا يُشْرَعُ لَهَا عَقِيقَةٌ.
وَلَنَا، حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأُمِّ كَرْزٍ، وَهَذَا نَصٌّ، وَمَا رَوَوْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الشَّاتَانِ مُتَمَاثِلَتَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ". وَفِي رِوَايَةٍ " مِثْلَانِ " قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي مُتَمَاثِلَتَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " مِثْلَانِ ". قَالَ أَحْمَدُ: يَعْنِي لِمَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيهِ، وَيَجُوزُ فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ كَرْزٍ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَالذَّكَرُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ.
وَالْعَقِيقَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْأُضْحِيَّةِ.
وَالْأَفْضَلُ فِي لَوْنِهَا الْبَيَاضُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا.
وَيُسْتَحَبُّ اسْتِسْمَانُهَا، وَاسْتِعْظَامُهَا، وَاسْتِحْسَانُهَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ، أَوْ عَقَّ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ مَتَى تُذْبَحُ الْعَقِيقَة]
(7898) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَيُذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا: السُّنَّةُ أَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ فَاتَ فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَائِشَةَ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَعَنْ مَالِكٍ، فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ، فَقَالَ: مَا عَلِمْت هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، وَمَا يُعْجِبُنِي.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْن أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا فِي اسْتِحْبَابِ ذَبْحِهَا يَوْمَ السَّابِعِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ» . وَأَمَّا كَوْنُهُ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهَذَا تَقْدِيرٌ، الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا.
وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ.
وَإِنْ تَجَاوَزَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ، احْتَمَلَ أَنْ يُسْتَحَبَّ فِي كُلِّ سَابِعٍ، فَيَجْعَلَهُ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعُشْرِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَفِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَعَلَى هَذَا، قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءُ فَائِتٍ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ، كَقَضَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَعُقَّ أَصْلًا، فَبَلَغَ الْغُلَامُ، وَكَسَبَ، فَلَا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ.
يَعْنِي لَا يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ: يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ لَهُ فِكَاكُ نَفْسِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْوَالِدِ، فَلَا يَفْعَلُهَا غَيْرُهُ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَكَصَدَقَةِ الْفِطْرِ.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِع وَيُسَمَّى]
(7899) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُسَمَّى؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ.
وَإِنْ تَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً فَحَسَنٌ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ، لَمَّا وَلَدَتْ الْحَسَنَ: احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْأَفَاوِضِ» . يَعْنِي أَهْلَ الصُّفَّةِ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، فِي سُنَنِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، «أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِوَزْنِ شُعُورِهِمَا وَرِقًا» ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا، حَلَقَتْ شَعَرَهُ، وَتَصَدَّقَتْ بِوَزْنِهِ وَرِقًا.
وَإِنْ سَمَّاهُ قَبْلَ السَّابِعِ، جَازَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيمَ.» وَسَمَّى الْغُلَامَ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ، وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَبَيْنَ كُنْيَتِي.»
[فَصْلٌ يُكْرَهُ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُ الْمَوْلُود بِدَمِ]
(7900) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُهُ بِدَمٍ.
كَرِهَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُدْمَى» . رَوَاهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا إلَّا الْحَسَنَ وَقَتَادَةَ، وَأَنْكَرَهُ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَرِهُوهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُمَسَّ بِدَمٍ؛ لِأَنَّهُ أَذًى.
وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدٍ الْمُزَنِيّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ، وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ» . قَالَ مُهَنَّا: ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ، فَقَالَ: مَا أَظْرَفَهُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ.
وَلِأَنَّ هَذَا تَنْجِيسٌ لَهُ، فَلَا يُشْرَعُ، كَلَطْخِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَقَالَ بُرَيْدَةَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ، ذَبَحَ شَاةً، وَيُلَطِّخُ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ، كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: " وَيُدْمَى " فَقَالَ أَبُو دَاوُد " وَيُسَمَّى " أَصَحُّ.
هَكَذَا قَالَ سَلَّامٍ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَإِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ، عَنْ الْحَسَنِ، وَوَهَمَ هَمَّامٌ، فَقَالَ: " وَيُدْمَى "، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ فِيهِ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ " يُسَمَّى ". وَقَالَ هَمَّامٌ " يُدْمَى " وَمَا أُرَاهُ إلَّا خَطَأً.
وَقَدْ قِيلَ: هُوَ تَصْحِيفٌ مِنْ الرَّاوِي.
[مَسْأَلَةٌ يُجْتَنَبُ فِي الْعَقِيقَة مِنْ الْعَيْبِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
(7901) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَيُجْتَنَبُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْعَقِيقَةِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ؛ فِي سَنِّهَا، وَأَنَّهُ يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُمْنَعُ فِيهَا، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا مِنْ الصِّفَةِ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا.
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: ائْتُونِي بِهِ أَعْيَنَ أَقْرَنَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: لَذَكَرٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْأُنْثَى، وَالضَّأْنُ أَحَبُّ مِنْ الْمَعْزِ.
فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ، وَلَا تَجُوزُ فِيهَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى، وَالْعَضْبَاءُ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا.
وَتُكْرَهُ فِيهَا الشَّرْقَاءُ، وَالْخَرْقَاءُ، وَالْمُقَابَلَةُ، وَالْمُدَابَرَةُ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِشْرَافُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءً؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا، فَتُقَاسُ عَلَيْهَا.
[مَسْأَلَة سَبِيل الْعَقِيقَة فِي الْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَة]
(7902) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَسَبِيلُهَا فِي الْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ سَبِيلُهَا، إلَّا أَنَّهَا تُطْبَخُ أَجْدَالًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: اصْنَعْ بِلَحْمِهَا كَيْف شِئْت.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٌ: تُطْبَخُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، وَتُهْدَى الْجِيرَانَ وَالصَّدِيقَ، وَلَا يُتَصَدَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا، فَحَكَى قَوْلَ ابْنِ سِيرِينَ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ.
وَسُئِلَ هَلْ يَأْكُلُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: لَمْ أَقُلْ يَأْكُلُهَا كُلَّهَا، وَلَا يَتَصَدَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ.
وَالْأَشْبَهُ قِيَاسُهَا عَلَى الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا نَسِيكَةٌ مَشْرُوعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَأَشْبَهَتْ الْأُضْحِيَّةَ، وَلِأَنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي صِفَاتِهَا وَسَنِّهَا وَقَدْرِهَا وَشُرُوطِهَا، فَأَشْبَهَتْهَا فِي مَصْرِفِهَا.
وَإِنْ طَبَخَهَا، وَدَعَا إخْوَانَهُ فَأَكَلُوهَا، فَحَسَنٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُفْصَلَ أَعْضَاؤُهَا، وَلَا تُكْسَرَ عِظَامُهَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، تُطْبَخُ جُدُولًا، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ، يَأْكُلُ، وَيُطْعِمُ، وَيَتَصَدَّقُ، وَذَلِكَ يَوْمُ السَّابِعُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْعَقِيقَةِ تُطْبَخُ جُدُولًا، لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ.
أَيْ عُضْوًا عُضْوًا، وَهُوَ الْجَدْلُ، بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْإِرْبُ، وَالشِّلْوُ، وَالْعُضْوُ وَالْوَصْلُ، كُلُّهُ وَاحِدٌ.
وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عَنْ الْمَوْلُودِ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا ذَلِكَ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ.
كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
[فَصْلٌ يُبَاعُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالسِّقْطُ يَتَصَدَّق بِهِ]
(7903) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يُبَاعُ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالسِّقْطُ، يُتَصَدَّقُ بِهِ.
وَقَدْ نَصَّ فِي الْأُضْحِيَّةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَقْيَسُ فِي مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لِلَّهِ، فَلَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَالْهَدْيِ، وَلِأَنَّهُ تُمْكِنُ الصَّدَقَةُ بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى، فَيَخْرُج فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ شُرِعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَشْبَهَتْ الْهَدْيَ، وَالْعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عِنْدَ سُرُورِ حَادِثٍ، وَتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ، فَأَشْبَهْت الذَّبِيحَةَ فِي الْوَلِيمَةِ، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ هَاهُنَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا مَا شَاءَ، مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِ مَا بِيعَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ بِهِ فِي فَضْلِهَا، وَثَوَابِهَا، وَحُصُولِ النَّفْعِ بِهِ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ
[فَصْلٌ يُسْتَحَبّ لِلْوَالِدِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ ابْنِهِ حِينَ يُولَدُ]
(7904) فَصْلٌ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم: يُسْتَحَبُّ لِلْوَالِدِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ ابْنِهِ حِينَ يُولَدُ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ أُمِّهِ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَانَ إذَا وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ، أَخَذَهُ فِي خِرْقَةٍ، فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى، وَسَمَّاهُ.
وَرَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ يُهَنِّئُهُ بِابْنٍ لَهُ: لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ فَارِسٌ هُوَ أَوْ حِمَارٌ؟ فَقَالَ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ: بُورِكَ فِي الْمَوْهُوبِ، وَشَكَرْت الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْت بِرَّهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحَنِّكُ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ بِالتَّمْرِ» .
وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ: «ذَهَبْت بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وُلِدَ قَالَ: هَلْ مَعَك تَمْرٌ؟ . فَنَاوَلْته تَمَرَاتٍ، فَلَاكَهُنَّ، ثُمَّ فَغَرَ فَاهُ ثُمَّ مَجَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَتَلَمَّظُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ» .
[فَصْلٌ الْفَرَعَةُ وَالْعَتِيرَةُ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ وَلَا الْعَتِيرَةُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ الْعَتِيرَةَ فِي رَجَبٍ، وَيَرْوِي فِيهَا شَيْئًا.
وَالْفَرَعَةُ وَالْفَرَعُ؛ بِفَتْحِ الرَّاءِ: أَوَّلُ وَلَدِ النَّاقَةِ.
كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْهَا.
قَالَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ أَمْرًا، نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ مِنْ غَنَمِهِ شَاةً فِي رَجَبٍ، وَهِيَ الْعَتَائِرُ.
وَالصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ، جَعَلُوا ذَلِكَ سُنَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الْأَضْحَى، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْذِرُهَا كَمَا قَدْ تُنْذَرُ الْأُضْحِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ» . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ تَقْرِيرٌ لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا بِغَيْرِ نَذْرٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ.
وَلِأَنَّ الْعَتِيرَةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَنْذُورَةَ لَمْ تَكُنْ مَنْسُوخَةً، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ شَاةٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ.
وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفَرَعَةِ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ وَاحِدَةٌ» . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا فَرَعَ، وَلَا عَتِيرَةَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْأَمْرِ بِهَا، فَيَكُونُ نَاسِخًا، وَدَلِيلُ تَأَخُّرِهِ أَمْرَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ إسْلَامَهُ فِي سَنَةِ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَهِيَ السَّنَةُ السَّابِعَةُ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْفَرَعَ وَالْعَتِيرَةَ كَانَ فِعْلُهُمَا أَمْرًا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُمْ عَلَيْهِ إلَى حِينِ نَسْخِهِ، وَاسْتِمْرَارُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لَهُ، وَلَوْ قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا، لَكَانَتْ قَدْ نُسِخَتْ ثُمَّ نُسِخَ نَاسِخُهَا، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ نَفْيُ كَوْنِهَا سُنَّةً، لَا تَحْرِيمُ فِعْلِهَا، وَلَا كَرَاهَتُهُ، فَلَوْ ذَبَحَ إنْسَانٌ ذَبِيحَةً فِي رَجَبٍ، أَوْ ذَبَحَ وَلَدَ النَّاقَةِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، أَوْ لِلصَّدَقَةِ بِهِ وَإِطْعَامِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَاَللَّه - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[كِتَاب السَّبْقِ وَالرَّمْيِ]
ِ الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: مِنْ الْحَفْيَاءِ.
إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ مُسَابَقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمُسَابَقَةٌ بِعِوَضٍ.
فَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَتَجُوزُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ، وَالسُّفُنِ، وَالطُّيُورِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالْفِيَلَةِ، وَالْمَزَارِيقِ، وَتَجُوزُ الْمُصَارَعَةُ، وَرَفْعُ الْحَجَرِ، لِيُعْرَفَ الْأَشَدُّ، وَغَيْرِ هَذَا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا، فَسَبَقَتْهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا حَمَلْت اللَّحْمَ، سَابَقْته، فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ.
«صَارَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكَانَةَ، فَصَرَعَهُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَمَرَّ بِقَوْمٍ يُرَبِّعُونَ حَجَرًا - يَعْنِي يَرْفَعُونَهُ لِيَعْرِفُوا الْأَشَدَّ مِنْهُمْ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.
وَسَائِرُ الْمُسَابَقَةِ يُقَاسُ عَلَى هَذَا.
وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا بَيْنَ الْخَيْلِ، وَالْإِبِلِ، وَالرَّمْيِ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَاخْتُصَّتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِتَجْوِيزِ الْعِوَضِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ الْمَأْمُورِ بِتَعَلُّمِهَا، وَإِحْكَامِهَا، وَالتَّفَوُّقِ فِيهَا، وَفِي الْمُسَابَقَةِ بِهَا مَعَ الْعِوَضِ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِهَادِ فِي النِّهَايَةِ لَهَا، وَالْإِحْكَامِ لَهَا، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْأَمْرِ بِهَا، وَالتَّرْغِيبِ فِي فِعْلِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» . وَرَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ خَالِدِ بْن زَيْدٍ، قَالَ:
كُنْت رَجُلًا رَامِيًا «، وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ يَمُرُّ بِي فَيَقُولُ: يَا خَالِدُ، اُخْرُجْ بِنَا نَرْمِي.
فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَبْطَأْت عَنْهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إلَّا ثَلَاثٌ؛ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ، رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوِكُمْ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَالَ» .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ، وَالسِّبَاقُ فِيهِمَا.
قَالَ مُجَاهِدٌ: وَرَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ، إذَا أَصَابَ خَصْلَةً قَالَ: أَنَا بِهَا، أَنَا بِهَا.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ.
[مَسْأَلَة السَّبْقُ فِي النَّصْلِ وَالْحَافِرِ وَالْخُفِّ لَا غَيْرُ]
(7906) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالسَّبْقُ فِي النَّصْلِ وَالْحَافِرِ وَالْخُفِّ لَا غَيْرُ) السَّبْقُ بِسُكُونِ الْبَاءِ، الْمُسَابِقَةُ وَالسَّبَقُ بِفَتْحِهَا: الْجُعْلُ الْمُخْرَجُ فِي الْمُسَابَقَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّصْلِ هَاهُنَا السَّهْمُ ذُو النَّصْلِ، وَبِالْحَافِرِ الْفَرَسُ، وَبِالْخُفِّ الْبَعِيرُ، عَبَّرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِجُزْءٍ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِهِ.
وَمُرَادُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ بِعِوَضِ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ: الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ، وَالْمُصَارَعَةِ؛ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِمَا «، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَابَقَ عَائِشَةَ، وَصَارَعَ رُكَانَةَ.» وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَهُمْ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي الطُّيُورِ وَالسُّفُنِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالْمُصَارَعَةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَنَفَى السَّبْقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْجُعْلِ، أَيْ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ إلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا.
وَلِأَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْجِهَادِ، كَالْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَلَمْ تَجُزْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ، كَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ وَرَفْعِهَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمُرَادُ بِالنَّصْلِ السِّهَامُ مِنْ النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَالْحَافِرِ الْخَيْلُ وَحْدَهَا، وَالْخُفِّ الْإِبِلُ وَحْدَهَا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِكُلِّ مَا لَهُ نَصْلٌ مِنْ الْمَزَارِيقِ، وَفِي
الرُّمْحِ وَالسَّيْفِ وَجْهَانِ، وَفِي الْفِيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَجْهَانِ لِأَنَّ لِلْمَزَارِيقِ وَالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ نَصْلًا، وَلِلْفِيلِ خُفٌّ، وَلِلْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ حَوَافِرُ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا لَا تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَلَا يُقَاتَلُ عَلَيْهَا، وَلَا يُسْهَمُ لَهَا، وَالْفِيلُ لَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَالرِّمَاحُ وَالسُّيُوفُ لَا يُرْمَى بِهَا، فَلَمْ تَجُزْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا، كَالْبَقَرِ وَالتِّرَاسِ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِعَامٍّ فِيمَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي إثْبَاتٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَامٌّ فِي نَفْيِ مَا لَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِهِ بِعِوَضٍ؛ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عَامًّا، لَحُمِلَ عَلَى مَا عُهِدَتْ الْمُسَابِقَةُ عَلَيْهِ، وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِالْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ أَرَادَا أَنْ يَسْتَبِقَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْ الْآخِرُ]
(7907) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَسْتَبِقَا، أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُخْرِجْ الْآخَرُ، فَإِنْ سَبَقَ مَنْ أَخْرَجَ، أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمَسْبُوقِ شَيْئًا وَإِنْ سَبَقَ مَنْ لَمْ يُخْرِجْ، أَحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ حِزْبَيْنِ، لَمْ تَخْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِمَامِ جَازَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ بَيْت الْمَالِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَحَثًّا عَلَى تَعَلُّمِ الْجِهَادِ، وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ، جَازَ لَهُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ مَالِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْجِهَادِ، فَاخْتُصَّ بِهِ الْإِمَامُ لِتَوْلِيَةِ الْوِلَايَات وَتَأْمِيرِ الْأُمَرَاءِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَذْلٌ لِمَالِهِ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَقُرْبَةٌ فَجَازَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ خَيْلًا وَسِلَاحًا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْهُمَا، اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْجُعْلِ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَقُولُ: إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَشَرَةٌ، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ عَلَيْك.
فَهَذَا جَائِزٌ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ.
وَلَنَا، أَنَّ أَحَدُهُمَا يَخْتَصُّ بِالسَّبْقِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ.
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ الْقِمَارَ أَنْ لَا يَخْلُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَهَا هُنَا لَا خَطَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَلَا يَكُونُ قِمَارًا فَإِذَا سَبَقَ الْمُخْرِجُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ أَخَذَ سَبْقَ الْمُخْرِجِ فَمَلَكَهُ، وَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْجَعَالَةِ، فَيُمْلَكُ فِيهَا، كَالْعِوَضِ الْمَجْعُولِ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ.
وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ دَيْنٌ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ أَفْلَسَ، ضُرِبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
[فَصْلٌ حُكْم الْمُسَابَقَةُ]
(7908) فَصْلٌ: وَالْمُسَابَقَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: هُوَ لَازِمٌ
إنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهُمَا، وَجَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي احْتِمَالًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مَعْلُومَيْنِ، فَكَانَ لَازِمًا، كَالْإِجَارَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَكَانَ جَائِزًا، كَرَدِّ الْآبِقِ، فَإِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْإِجَارَةَ.
فَعَلَى هَذَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الزِّيَادَةَ فِيهَا أَوْ النُّقْصَانَ مِنْهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ، فَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ، جَازَ الْفَسْخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ، مِثْلُ أَنْ يَسْبِقَهُ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمُسَابَقَةِ، أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلِلْفَاضِلِ الْفَسْخُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَفْضُولِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَفَاتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ، لِأَنَّهُ مَتَى بَانَ لَهُ سَبْقُ صَاحِبِهِ لَهُ فَسَخَهَا، وَتَرَكَ الْمُسَابِقَةَ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قُلْنَا: الْعَقْدُ جَائِزٌ.
فَقِي جَوَازِ الْفَسْخِ مِنْ الْمَفْضُولِ وَجْهَانِ.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي السَّبَق أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا]
(7909) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ فَكَانَ مَعْلُومًا، كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَيَكُونُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، فَلَوْ قَالَ: إنْ نَضَلْتنِي فَلَكَ دِينَارٌ حَالٌّ، وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ بَعْدَ شَهْرٍ.
جَازَ وَصَحَّ النِّضَالُ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، كَالثَّمَنِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى صِفَةِ الْحِنْطَةِ بِمَا تَصِيرُ بِهِ مَعْلُومَةً.
[فَصْلٌ شَرْطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ]
(7910) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرْطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ، كَالْعِوَضِ فِي رَدِّ الْآبِقِ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَفْسُدُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى تَسْمِيَةِ بَدَلٍ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ فِي الْمُسَابَقَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا يُخِلُّ بِشَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، نَحْوَ أَنْ يَعُودَ إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ، أَوْ الْمَسَافَةِ، وَنَحْوِهِمَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَصِحُّ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِهِ.
وَالثَّانِي، مَا لَا يُخِلُّ بِشَرْطِ الْعَقْدِ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبْقَ أَصْحَابُهُ أَوْ غَيْرُهُمْ، أَوْ يَشْرِطَ أَنَّهُ إذَا نَضَلَ لَا يَرْمِي أَبَدًا، أَوْ لَا يَرْمِي شَهْرًا أَوْ شَرَطَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَسْخَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، فَهَذِهِ شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَفِي الْعَقْدِ الْمُقْتَرِنِ بِهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، صِحَّتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، فَإِذَا حُذِفَ الزَّائِدُ الْفَاسِدُ، بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا.
وَالثَّانِي، يَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الْعِوَضَ لِهَذَا الْغَرَضِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعِوَضُ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ الْمُسَابَقَةُ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الْمُخْرِجَ أَمْسَكَ سَبْقَهُ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرَ، فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ، كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْمُخْرِجُ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ]
(7911) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْمُخْرِجُ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا أَوْ لِجَمَاعَةٍ: أَيُّكُمْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ.
جَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا، وَأَيُّهُمْ سَبَقَ، اسْتَحَقَّ الْعَشَرَةَ، وَإِنْ جَاءُوا جَمِيعًا، فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ فِيهِمْ.
وَإِنْ قَالَ لِاثْنَيْنِ: أَيّكُمَا سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَأَيُّكُمَا صَلَّى فَلَهُ عَشَرَةٌ.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ السَّبْقِ، فَلَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ لِفَائِدَتِهِ فِيهِ بِزِيَادَةِ الْجُعْلِ.
وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ كَذَلِكَ.
صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا أَوْ مُصَلِّيًا، وَالْمُصَلِّي هُوَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَى الْآخَرِ، وَالصَّلَوَانِ: هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ.
وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ، وَصَلَّى عُمَرُ، وَخَبَطَتْنَا عَشْوَاءٌ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إنْ تَبْتَدِرْ غَايَةً يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السَّوَابِقَ مِنَّا وَالْمُصَلِّينَا
فَإِنْ قَالَ: لِلْمُجَلِّي - وَهُوَ الْأَوَّلُ - مِائَةٌ، وَلِلْمُصَلِّي - وَهُوَ الثَّانِي - تِسْعُونَ، وَلِلتَّالِي - وَهُوَ الثَّالِثُ - ثَمَانُونَ، وَلِلنَّازِعِ - وَهُوَ الرَّابِعُ - سَبْعُونَ، وَلِلْمُرْتَاحِ وَهُوَ الْخَامِسُ - سِتُّونَ، وَلِلْحَظِّيِّ - وَهُوَ السَّادِسُ - خَمْسُونَ، وَلِلْعَاطِفِ - وَهُوَ السَّابِعُ - أَرْبَعُونَ، وَلِلْمُؤَمِّلِ - وَهُوَ الثَّامِنُ - ثَلَاثُونَ، وَلِلَّطِيمِ - وَهُوَ التَّاسِعُ - عِشْرُونَ، وَلِلسِّكِّيتِ - وَهُوَ الْعَاشِرُ - عَشَرَةٌ، وَلِلْفَسْكَلِ - وَهُوَ الْآخِرُ - خَمْسَةٌ.
صَحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ، فَإِذَا فَاتَهُ طَلَبَ مَا يَلِي السَّابِقَ، وَالْفِسْكِلُ اسْمٌ لِلْآخِرِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ تَجَوُّزًا، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ، كَانَتْ تَزَوَّجَتْ جَعْفَرَ بْنَ
أَبِي طَالِبٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا وَعَوْنًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ ثَلَاثَةً أَنْتَ آخِرُهُمْ لَأَخْيَارٌ.
فَقَالَ لِوَلَدِهَا: فَسْكَلَتْنِي أُمُّكُمْ.
وَإِنْ جَعَلَ لِلْمُصَلِّي أَكْثَرَ مِنْ السَّابِقِ، أَوْ مِثْلَهُ، أَوْ جَعَلَ لِلتَّالِي أَكْثَرَ مِنْ الْمُصَلِّي أَوْ مِثْلَهُ، أَوْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُصَلِّي شَيْئًا.
لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَقْصِدَ السَّبْقَ.
بَلْ يَقْصِدُ التَّأَخُّرَ، فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ.
[فَصْلٌ قَالَ لِعَشَرَةِ مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةٌ]
(7912) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَشَرَةٍ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةٌ.
صَحَّ.
فَإِنْ جَاءُوا مَعًا، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْجُعْلُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ سَبَقَهُمْ وَاحِدٌ، فَلَهُ الْعَشَرَةُ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ.
وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ، فَلَهُمَا الْعَشَرَةُ.
وَإِنْ سَبَقَ تِسْعَةٌ، وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ، فَالْعَشَرَةُ لِلتِّسْعَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِمْ، فَكَانَ الْجُعْلُ بَيْنَهُمْ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ.
فَرَدَّهُ تِسْعَةٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّابِقِينَ عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَابِقٌ، فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِكَمَالِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدًا لِي فَلَهُ عَشَرَةٌ.
فَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدًا.
وَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي.
فَرَدَّهُ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَرُدَّهُ، إنَّمَا رَدُّهُ حَصَلَ مِنْ الْكُلِّ.
وَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
فَإِنْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سَلَبُ قَتِيلِهِ كَامِلًا، وَإِنْ قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا، فَلِجَمِيعِهِمْ سَلَبٌ وَاحِدٌ.
وَهَا هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ سَبْقٌ مُفْرَدٌ، فَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ كَامِلًا.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمِنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ، فَسَبَقَ خَمْسَةٌ، وَصَلَّى خَمْسَةٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، لِلسَّابِقِينَ عَشَرَةٌ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمَانِ، وَلِلْمُصَلِّينَ خَمْسَةٌ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّابِقِينَ عَشَرَةٌ، فَيَكُونُ لَهُمْ خَمْسُونَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ خَمْسَةٌ، فَيَكُونُ لَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَمَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، اُحْتُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْبِقَ تِسْعَةٌ، فَيَكُونَ لَهُمْ عَشَرَةٌ، لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ وَتُسْعٌ، وَيُصَلِّيَ وَاحِدٌ، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسَةٌ، فَيَصِيرَ لِلْمُصَلِّي مِنْ الْجُعْلِ فَوْقَ مَا لِلسَّابِقِ، فَيَفُوتَ الْمَقْصُودُ.
[مَسْأَلَةٌ أَخْرَجَ الْمُتَسَابِقِينَ جَمِيعًا فِي السَّبَّاق]
(7913) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ؛ وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيعًا، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَهُمَا أَحْرَزَ سَبْقَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أَحَدَهُمَا، أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ فَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحَلِّلِ شَيْئًا