باب "ما" و"لا" و"إن" المشبهات بـ"ليس":
"ص": أهل الحجاز ألحقوا بـ"ليس" "ما" … إن عدمت "إلا" و"إن" وقدما ذو خبر، وإن تؤخره بطل … إعمال "ما"، كذاك يبطل العمل بكون الاسم بعد معمول الخبر … وبعد ظرف أبقه، أو حرف جر "ش": ألحق أهل الحجاز "ما" النافية بـ"ليس" في العمل، فجعلوا لها اسمًا مرفوعًا، وخبرًا منصوبًا، وبلغتهم نزل القرآن، قال الله -تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَر﴾ 1. وقال -تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِم﴾ 2. وشرط في إلحاقها بـ"ليس" 3 أربعة شروط:
أحدها: بقاء النفي، فلا عمل لها عند زواله، كقوله -تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ 1. والثاني: عدم "إن"، فلا عمل لها عند وجودها كقول الشاعر:
(180) - بني غدانة ما إن أنتم ذهب … ولا صريف، ولكن أنتم خزف
والثالث: تأخر 2 الخبر، فلا عمل لها -غالبًا- عند تقدمه كقولك: "ما قائم زيد".
والرابع: عدم تقدم 3 معمول الخبر، فلا عمل لها إذا تقدم 4، ولم يكن ظرفًا 5، ولا جارًا ومجرورًا 6 كقولك: "ما طعامك زيد آكل".7
فلو كان المفعول ظرفًا، أو جارًا ومجرورًا 1 لم تبال 2 بتقدمه نحو 3 قولك: "ما عندك زيد مقيمًا".
"ص":
ورفع "ما بها زيد" بـ"ما" … وموضع المجرور نصب زعما
وذاك فيه نظر، والمنعطف … هنا على المنصوب إن بـ"بل" عطف
أو "لكن" 4 ارفعه، ونصب ربما … جاء هنا في خبر تقدما
"ش" من النحويين من يرى بقاء عمل "ما" إذا تقدم خبرها وكان ظرفًا أو جارًا أو مجرورًا، وهو اختيار أبي الحسن ابن عصفور، فإلى 5 هذا المذهب 6 أشرت بقولي:
ورفع "ما بها زيد" بـ"ما" … وموضع المجرور نصب 7
وإذا عطف على خبر "ما" بـ"بل" أو"لكن" وجب رفع المعطوف؛ لأنه مثبت كالمقرون بـ"إلا" فاشتركا في الرفع نحو:
"ما زيد قائمًا بل قاعد"، و"ما عمرو كريمًا لكن بخيل".
ومن العرب من ينصب الخبر متقدما (1)، أشار إلى ذلك سيبويه.
وسوى بينه وبين قول من قال: "ملحفة جديدة".
بالتاء -وبين قول من قال: ﴿وَلاتُ حِينَ مَنَاص﴾ (2) - بالرفع.
فإن المشهور: "ملحفة جديد" (3) - بلا تاء- و ﴿لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ -بالنصب- وأنشد سيبويه (4) شاهدًا على ذلك (5):
(1) - فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذ هم قريش وإذ مثلهم بشر (7)23456
"ص":
وما لـ"ما" عند تميم عمل … لأنها حرف لديهم مهمل
وبعد بالبا قد يجرون الخبر … كغيرهم وذا كثير 1 اشتهر
وجاء مجرورًا بباء بعد "إن" … كـ"ما إن الله بغافل" فدن
وجرت 2 البا خبرًا من بعد "هل" … وذو انتصار من بهذين استدل
"ش": لغة بني تميم في تركهم 3 إعمال "ما" أقيس من لغة أهل الحجاز.
= فمعنى "ليس" النفي، كما أن معنى "كان": الواجب، وكل واحد منهما يعني "كان" و"ليس" إذا جردته فهذا معناه.
فإن قلت "ما كان" أدخلت عليها ما ينفي به، فإن قلت "ليس زيد إلا ذاهبًا" أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي.
فلم تقو "ما" في باب قلب المعنى كما لم تقو في تقديم الخبر.
وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق.
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم … إذا هم قريش وإذ ما مثلهم بشر وهذا لا يكاد يعرف كما أن "لات حين مناص" كذلك.
وربما شيء هكذا وهو كقول بعضهم "هذه ملحفة جديدة" في القلة.
كذا قال سيبويه.
وهو كما قال؛ لأن العامل حقه أن يمتاز من غير العامل بأن يكون مختصًا بالأسماء إن كان من عواملها كحروف الجر، ومختصًا بالأفعال إن كان من عواملها كحروف الجزم، وحق ما لا يختص كـ"ما" النافية ألا يكون عاملًا 1.
إلا أن شبها بـ"ليس" سوغ إعمالها إذا لم يعرض مانع من الموانع المذكورة 2.
وزعم أبو علي أن دخول الباء الجارة على الخبر مخصوص بلغة أهل الحجاز، وتبعه في ذلك الزمخشري 3:
والأمر بخلاف ما زعماه لوجوه 1:
أحدها: أن أشعار بني تميم تتضمن دخول الباء على الخبر كثيرًا، منه قول الفرزدق 2 أنشده سيبويه 3:
(182) - لعمرك ما معن بتارك حقه … ولا منسئ معن ولا متيسر
ولو كان دخولها على الخبر مخصوصًا 4 بلغة أهل الحجاز ما وجد في لغة غيرهم.
الثاني: أن الباء إنما دخلت على الخبر بعد "ما" لكونه منفيًا، لكونه خبرًا منصوبًا.
يدل على ذلك دخولها في نحو: "لم أكن بقائم"، وامتناع5
دخولها في نحو: "كنت قائمًا".
وإذا ثبت كون المسوغ لدخولها النفي، فلا فرق بين منفي 1 منصوب المحل، ومنفي مرفوع المحل.
الثالث: أن الباء المذكورة قد ثبت دخولها بعد بطلان العمل بـ"إن" كقول الشاعر:
(183) - لعمرك ما إن أبو مالك
بواه ولا بضعيف قواه
فكما دخلت على الخبر المرفوع بعد "إن" لكونه منفيًّا كذلك تدخل 2 على الخبر المرفوع دون وجود "إن" وهو ما أردناه.
وقد دخلت -أيضًا- على الخبر المرفوع بعد "هل" كقوله:3
1 - تقول إذا اقلولى عليها وأفردت … ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وإذا دخلت على الخبر بعد "هل" لكون "هل" تشبه النافي، فلأن تدخل على الخبر بعد النافي نفسه أحق وأولى.
بل قد دخلت على الخبر المرفوع بعد "لكن" "كقول الشاعر:
2 - ولكن أجرًا لو فعلت بهين … وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
وبعد "إن" كقول امرئ القيس:
(1) - فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها … فإنك -مما أحدثت- بالمجرب وبعد "أن" المفتوحة (2) كقوله -تعالى (3): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (4) "ص": وأعملوا (5) في النكرات "لا" كـ"ما" … مثاله: "لا ذو ارتياب مسلما" (6) و"لا أنا باغيًا" آت عن ثقة … وفيه بحث بارع من حققه واسما لـ"لات": الحين" محذوفًا جعل … ونصب "حين" خبرًا بعد نقل
وقد يري المحذوف بعد خبرًا … والثابت اسمًا حيث مرفوعًا جرى
في "لات هنا" ما لـ"لات" عمل … وبعضهم "هنا" لها اسمًا يجعَلُ
"ش": إلحاق "لا" بـ"ليس" في العمل عند من "قال به -وهم البصريون- مخصوص بالنكرات، كقولك: "لا رجل خيرًا من زيد" و"لا عمل أنفع من طاعة الله".
ومنه قول الرجل من الصحابة -رضي الله عنهم 1 - يقال له سواد بن قارب:
(187) - وكن لي شفيعًا يوم لاذو شفاعة … بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب 2
وذكر الشجري أنها عملت في معرفة، وأنشد للنابغة الجعدي 3:4
(188) - وحلت سواد القلب لا أنا باغيًا … سواها ولا في حبها متراخيًا
ويمكن عندي أن يجعل "أنا" مرفوع فعل 1 مضمر ناصب "باغيًا" على الحال تقديره: لا أرى باغيًا، فلما أضمر الفعل برز الضمير، وانفصل.
ويجوز أن يجعل 2 "أنا" مبتدأ، والفعل المقدر بعده خبرًا ناصبًا "باغيًا" على الحال.
ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه.
نظائره كثيرة، منها قولهم: "حكمك مسمطًا" 3، أي:
حكمك لك مسمطًا أي: مثبتًا.
فجعل "مسمطًا" -وهو حال-4
مغنيًا عن 1 عامله مع كونه غير فعل، فإن يعامل 2 "باغيًا" بذلك وعامله فعل أحق وأولى.
وأما "لات" فإنهم رفعوا 3 بها "الحين" اسمًا، ولا يكادون يلفظون به بل بآخر منصوب خبرًا كقوله -تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاص﴾ 4.
أي: و 5 ليس الحين حين مناص.
و6 لا بد من تقدير المحذوف معرفة؛ لأن المراد نفي كون الحين الحاضر حينًا ينوصون فيه أي: يهربون، أو يتأخرون.
وليس المراد نفي جنس حين المناص.
ولذلك كان رفع الحين الموجود شاذًّا؛ لأنه 7 محوج إلى تكلف مقدر 8 يستقيم به المعنى، مثل أن يقال: معناه ليس حين
مناص 1 موجودًا لهم حين 2 تناديهم ونزول ما نزل بهم.
إذ قد كان لهم قبل ذلك حين مناص، فلا يصح نفي جنسه مطلقًا، بل مقيدًا.
وقد نبهت على شذوذ رفع الحين -الثابت- اسمًا وجعل المحذوف خبرًا بقولي:
وقد يرى المحذوف بعد خبرا … والثابت 3 اسمًا حيث مرفوعًا جرى 4
لأن "قد" تدل مع المضارع على التقليل.
وقد تقع 5 "ساعة" و"أوان" بعد "لات"، فوقوع "ساعة" 6 كقول الشاعر 7:
8 - ندم البغاة ولات ساعة مندم … والبغي مرتع مبتغيه وخيم
وأنشد الفراء والأخفش 1:
2 - طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين بقاء
أي: ليس الأوان أوان صلح، فحذف المضاف إليه "أوان" منوي الثبوت.
وبني كما فعل بـ"قبل" و"بعد".
إلا أن "أوانا" لشبهه بـ"نزال" وزنًا بني على الكسر، ونون اضطرارًا.
وأما "لات" الواقع بعدها "هنا" كقوله:
(191) - حنت نوار ولات هنا حنت … وبدا الذي كانت نوار أجنت
فللنحويين فيها مذهبان:
أحدهما: أن "لات" مهملة لا اسم لها ولا خبر.
و"هنا" في موضع نصب على الظرفية؛ لأنه إشارة إلى مكان.
و"حنت" مع "أن" مقدرة قبلها في موضع رفع بالابتداء، والتقدير: حنت نوار ولا هنالك حنين.
وهذا توجيه الفارسي.
والوجه الثاني: أن يكون "هنا" اسم "لات"، و"حنت": خبرها على حذف مضاف.
والتقدير: وليس ذلك الوقت وقت حنين.
وهذا الوجه ضعيف؛ لأن فيه إخراج "هنا" عن الظرفية، وهو من الظرف التي لا تتصرف.
وفيه -أيضًا- إعمال "لات" في معرفة ظاهرة 1 وإنما تعمل في نكرة.
وهو اختيار ابن عصفور.2
"ص":
وملحق بـ"ما": "إن النافي لدى … محمد فيه الكسائي أنشدا
إن هو مستوليًا -اعلم- وأبو … بشر بإيماء إلى ذا يذهب
وبـ"إن الذين" مع "عبادًا … أمثالكم" تلفي 1 لذا اعتضادًا
"ش": لـ"إن" النافية -أيضًا- اسم مرفوع، وخبر منصوب إلحاقًا بـ"ما".
نص على ذلك أبو العباس محمد 2 بن يزيد المبرد 3، وأومأ سيبويه إلى ذلك دون تصريح بقوله في "باب عدة ما يكون عليه الكلم":
"ويكون 4 "إن" كـ"ما" في معنى "ليس"" 5 "".
فلو أراد النفي دون العمل لقال: "ويكون "إن" كـ"ما" في النفي".
لأن النفي من 6 معاني الحروف فـ"ما" به أولى من "ليس"؛ لأن "ليس" فعل، وهي حرف.
بخلاف العمل فإن "ليس" فيه هي أصل 1 لـ"ما" و"لا" و"إن"؛ لأنها فعل، وهن حروف.
ومما يقوي إعمال "إن" إذا نفي بها ما أنشده 2 الكسائي من قول الشاعر:
إن هو مستوليًا على أحد … إلا على أضعف المجانين
ويروى:
. . . . . . . . . . . … إلا على حزبه الملاعين
وإلى هذا أشرت بقولي:
. . . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . فيه الكسائي أنشدا
(192) - إن هو مستوليًا.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . .
وذكر أبو الفتح في المحتسب أن سعيد بن جبير 3 قرأ: {إِنَّ الَّذِيْنَ4
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} 1.
"على أن "إن" نافية، رفعت "الذين" اسمًا.
ونصبت 2 "عبادًا 3 " خبرًا وَنَعْتًا.
والمعنى: ليس الأصنام الذين يدعون 4 من دون الله عبادًا أمثالكم في الاتصاف بالعقل 5.
فلو كانوا أمثالكم فعبدتموهم 6 لكنتم بذلك مخطئين 7 ضالين.
فكيف حالكم في عبادة من هو دونكم بعدم الحياة 8 والإدراك؟