شرح الكافية الشافيةصفحات 85-124

وبلغنا أن بعضهم قرأ "يُحَاسِبُكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ".
قرأ بالرفع عاصم، وابن عامر.
وبالجزم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي".
وأحيانًا كان المصنف لا ينسب القراءة لصاحبها كقوله 1: "قد يحذف من المضاف تاء التأنيث كقول الشاعر: ونار قبيل الصبح بادرت قدحها … حيا النار قد أوقدتها للمسافر أراد: حياة النار.
وقال الشاعر: إن الخليط أجدوا البين وانجردوا … وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا أراد: عدة الأمر، ومنه قراءة بعض القراء: ﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾.
والمصنف في استشهاده بالقراءات لا يفرق بين قراءة وأخرى، فهو يستشهد بالقراءات السبع كما يستشهد بالقراءات الشاذة.
وقد يصرح بشذوذ القراءة كقوله: 2 "ولو توسطت "إذا" بين ذي خبر وخبر، أو بين ذي جواب وجواب ألغيت.
ولو قم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها، وأعمالها، وإلغاؤها أجود، وهي لغة القرآن التي قرأ بها السبعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وفي بعض الشواذ: "لا يَلْبَثُوا" -بالنصب.

وقوله 1: "تبدل الهاء، من التاء والياء، والهمزة، والألف فإبدالها من التاء في الوقف قد بين في بابه، وقد أبدلت وصلًا من تاء "تابوت" في لغة الأنصار.
وقد قرئ بها من الشاذ".
ولا شك أن مسلك ابن مالك في الاستشهاد بالقرآن عمل يستحق التقدير، فإن أولى ما يحتج به في أصول اللغة، وتقرير العربية ووضع أحكامها يجب أن يكون أفصح ما ورد فيها، ولن يكون ذلك إلا القرآن العظيم الذي أنزله على رسوله بلسان عربي مبين.
قال السيوطي 2: أما القرآن فكل ما ورد أنه قرئ به جاز الاحتجاج به في العربية، سواء كان متواترًا أم آحادًا، أم شاذًا.
وقال 3: كان قوم من النحاة المتقدمين يعيبون على عاصم، وحمزة، وابن عامر قراءات بعيدة في العربية، وينسبونهم إلى اللحن، وهم مخطئون في ذلك، فإن قراءاتهم ثابتة بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لا يطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية.
وفي المزهر 4:

قال ابن خالوية في شرح الفصيح: أجمع الناس جمعيًا أن اللغة، إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير القرآن لا خلاف في ذلك.
وقال ابن جني 1: فالناطق على قياس لغة من لغات العرب مصيب غير مخطئ، وإن كان غير ما جاء به خيرًا منه.
وقال -أيضًا 2: ومن بعد: فأقوى القياسين أن يقبل ممن شهرت فصاحته مما يورده، ويحمل أمره على ما حمل من حاله لا على ما عسى أن يكون من غيره".
وإذا كان هذا شأن العربي إذا نطق بشيء في غير القرآن، فلأن يعتبر هذا الكلام فيما ورد في قراءات القرآن أولى وأجدر.
وجاء في تفسير الألوسي عند شرحه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ 3. "إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى.
وقال: وكثيرًا ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرهم ببيت مجهول فرحوا به.

وأنا شديد العجب منهم؛ لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول دليلًا على صحة القرآن، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلًا على صحته كان أولى".
ولقد بلغ من اعتزاز ابن مالك بالقراءات في القرآن الكريم، أنه كان يرى أن القرآن العظيم اشتمل على الاستعمالات المختلفة في اللغة العربية.
قال في شرح التسهيل 1: إن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا بمجرد من اللام والكاف معًا، أو بمصاحب لهما معًا أعني: غير المثنى والمجموع.
فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها لكان القرآن العزيز غير جامع لوجوه الإشارة.
وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
12 - الدفاع عن القراء: وابن مالك قارئ يحب القراء، ويدافع عنهم، ويقف بجانبهم، والحق معهم دائمًا، ولم يمنعه من هذا الموقف رد كثير من العلماء لبعض القراءات، ورمي أصحابها بالخطأ واللحن، كما فعل الزمخشري في قراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾.
قال المصنف 2:

"الفصل بالظرف والجار والمجرور بين المضاف، والمضاف إليه كثير فمن ذلك قول الشاعر: كما خط الكتاب بكف يومًا … يهودي يقارب أو يزيل وقول آخر: هما أخوا في الحرب من لا أخا له … إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما وقد يقع بينهما فصلان كقول الشاعر: كأن أصوات من إيغالهن بنا … أواخر الميس أصوات الفراريج فهذا وما قبله لا يجوز في الاختيار، بل هو مخصوص بالاضطرار لوجهين: أجدهما: أنه فصل بما لا يتعلق بالمضاف، فتمحضت أجنبيته.
الثاني: أنه فصل بحرف جر، أو بما فيه معنى جر مع كون المضاف مقتضيًا للجر ففي إيلائه ظرفًا، أو حرف جر يلاقي مقتضى الجر.
بخلاف إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولًا بينهما بمفعول المصدر، فإن المجرورين فيهما مأمونان، مع أن الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله؛ لأن رتبته منبهة عليه، والمفعول بخلاف ذلك.
فعلم بهذا أن قراءة ابن عامر -رحمه الله- غير منافية للقياس العربية.
على أنها لو كانت منافية له لوجب قبولها لصحة نقلها، كما قبلت أشياء تنافي القياس بالنقل، وإن لم تساو صحتها صحة القراءة المذكورة، ولا قاربتها كقولهم: "استحوذ" وقياسه "استحاذ" وقوله: "بنات ألببه"، وقياسه "ألبّة" وكقولهم: "هذا جحر ضَبٍّ

خرب" وكقولهم: "لدن غدوة" -بالنصب- وقياسه الجر.
وأمثال ذلك كثيرة.
13 - الاستشهاد بالحديث: ومن السمات البارزات في "شرح الكافية الشافية" الإفاضة في الاستدلال بالحديث الشريف.
وقد وقع في هذا الكتاب بضع وسبعون حديثًا نبويًا استمدها المصنف من الكتاب الصحاح، وساعده على ذلك درايته التامة بعلم الحديث.
وفي ساتدلاله بالحديث قد يثبت المصنف المراجع التي استمد منها كقوله في "باب القسم" يتحدث عن "أيمن" 1. "يضاف في لغاته كلها إلى "الله"، ولا يضاف إلى غيره منقوصًا إلا ما ندر في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- من كلامه في الصحيحين: "وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهد وأتى سبيل الله فرسانًا أجمعين".
وقد لا يثبت المصنف المرجع الذي استمد منه الحديث كقوله يتحدث عن علامات الاسم 2: "وجعله معرفًا يتناول تعريف الإضافة، والتعريف بحرف التعريف سواء قيل: إنه اللام وجوها على ما ذهب إليه سيبويه، أو أنه الألف واللام معًا على ما ذهب إليه الخليل، ويتناول ذلك -أيضًا- التعريف بالألف والميم على لغة أهل اليمن، وقد تكلم بها الرسول

صلى الله عليه وسلم- إذا قال: "ليس من أمبر أمصيام في أمسفر"يريد: ليس من البر الصيام في السفر.
وقد يذكر المصنف الحديث على وجه لا ينبئ عنه، كقوله في باب الاختصاص المشابه للنداء 1: قد يجاء بكلام على صورة هي لغيره توسعًا عند أمن الالتباس، فمن ذلك ورود الخبر بصورة الأمر، وورود الأمر بصورة الخبر، وورود الخبر بصورة الاستفهام، وورود الاستفهام بصورة الخبر، ومن ذلك ورود الاختصاص بصورة النداء كقولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث".
ومهما يك من شيء فقد كان المصنف -رحمه الله- يعتد بالحديث أصلًا ثانيًا في إثبات القواعد بعد القرآن الكريم، وها هو ذا يقول 2: "يجوز الاستغناء عن حرف النداء إن لم يكن المنادى "الله" ولا مضمرًا ولا مستغاثًا به، ولا اسم إشارة، ولا اسم جنس مفردًا غير معين.
فإن كان أحد هذه الخمسة لزمه "يا" نحو "يا الله" و "يا إياك" و: يا لبكر انشروا لي كليبًا …. . . . . . . . . . . و"يا هذا" و "يا رجلًا" إذا لم يتعين، فإن قصدت واحدًا معينًا، فالأكثر ألا يحذف الحرف، وقد يحذف في الكلام الفصيح كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- مترجمًا عن موسى -صلى الله عليه وسلم: "ثوبي حجر".

وكقوله -صلى الله عليه وسلم-"اشتدي أزمة تتفرجي".
وفي هذين غنى عن غيرهما من الشواهد نثرًا ونظمًا"، ثم قال المصنف: "والبصريون يرونه شاذًا لا يقاس عليه، والكوفيون يقيسون عليه، وقولهم في هذا أصح"، فالمصنف يكتفي بالحديثين في الاستشهاد على القاعدة ويرى فيهما غناء عن غيرهما من الشواهد، ثم يصحح الرأي الذي اعتمد عليهما.
وبذا يكون ابن مالك، وضع الحديث النبوي الشريف في مكانه اللائق به.
وقد عاب أو حيان على ابن مالك ما فعله من استشهاد بالحديث، فقال في شرح التسهيل 1: "قد أكثر هذا المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدًا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره، على أن الواضعين الولين لعلم النحو المستقرئين للأحكام من لسان العرب كأبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين.
والفراء، وعلي بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك.
وتبعهم على هذا المسلك المتأخرون من الفريقين، وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد، وأهل الأندلس".

وادعاء أبي حيان بأن الواضعين الأولين لعلم النحو، لم يستدلوا بالحديث ادعاء غير مبني على أساس سليم من الحقيقة والواقع.
ذلك أن سيبويه، وهو إمام أئمة البصريين ضمن كتابه بعض الأحاديث، وفي المقتضب للمبرد، وهو من أئمة البصرة -أيضًا- ثلاثة أحاديث 1. والكسائي إمام الكوفيين استدل بالحديث، بل أفاض في ذلك عندما استدل بثلاثة أحاديث، هي قوله -صلى الله عليه وسلم: "فلا يقرب مسجدنا يؤذنا بريح الثوم"، وقوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
وقول أبي طلحة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا تشرف يصبك سهم"على مسألة واحدة هي جزم جواب النهي إذا سقطت الفاء.
واللغويون الأولون استشهدوا بالحديث، وممن أكثر من ذلك الأزهري صاحب "التهذيب" الذي كان كثيرًا ما يعمد إلى حديث من الأحاديث الشريفة، فيصدر به المادة، ويجعله مركزًا يدور حوله البحث.
كما في مادة "نخ" الذي صدرها بقوله -صلى الله عليه وسلم: "ليس في النخة صدقة".
وادعاء أبي حيان بأن المتأخرين من نحاة الأقاليم، تابعوا المتقدمين في عدم الاحتجاج بالحديث إدعاء مردود بما تضمنته مؤلفات النحاة من أندلسيين، وغير أندلسيين من أحاديث.
فقد استدل بالحديث: الشريف الصقلي، والشريف الغرناطي، والسيرافي، والصفار في شروحهم لكتاب سيبويه.

واستدل بالحديث ابن عصفور في المقرب، وابن الحاج في شرح "المقرب"، وابن الخباز في شرح ألفية ابن معط، وأبو علي الشلوبين في "التوطئة".
ولم يخل كتابًا أبي حيان "التذييل والتكميل" و "إرتشاف الضرب" من الاستدلال بالحديث كما في بابي أفعل التفضيل، والصفة المشبهة.
وقد تابع المصنف في هذا المسلك -وهو الاعتداد بالحديث في إرساء القواعد النحوية- كثير من المتأخرين كناظر الجيش، والدماميني الذي يقول 1: "وقد أكثر المصنف -رحمه الله تعالى- من الاستدلال بالأحاديث النبوية على إثبات الأحكام النحوية، وشنع عليه أبو حيان، وقال: إن ذلك لا يتم له لتطرق احتمال الرواية بالمعنى إلى ما يستدل به من تلك الأحاديث، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه -عليه الصلاة والسلام- حتى تقوم به الحجة".
ثم قال الدماميني: "وقد أجريت ذلك لبعض شيوخنا، فصوب رأي ابن مالك فيما فعله من ذلك بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط الأحكام الشرعية".
14 - الإشارة إلى المراجع: وذلك كقول يتحدث عن الحروف المفتتح بها السور 2: "وبعضهم يجعلها معربة؛ لأنها تتأثر بالعوامل لو دخلت عليها، وهذا اختيار الزمخشري في الكشاف".

وكقوله في باب الموصول 1: وذكر أبو علي في الشيرازيات عن يونس وقوع "الذي" مصدرية مستغنية عن عائد، وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾.
وقوله يتحدث عن "ذو" 2. "وذكر ابن جني في المحتسب أن بعضهم يعربها، ومنه قول بعضهم: وإما كرام موسرون رأيتهم … فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا وذكر ابن درستويه في الإرشاد مثل ما ذكر ابن جني في المحتسب".
وقوله في باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر 3: وفي كلام ابن عصفور في شرح الجمل ما يوهم أن الأكثرين على تجويز نحو "كان الماء يشرب زيد".
وقوله 4: وقال الأخفش في كتاب "المعاني" له: وزعموا أن بعضها يقول: "إن زيدًا لمنطلق" وهي مثل: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، قرئ بالنصب والرفع.
وقوله 5:

وفي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها: "إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل".
15 - استخدام الأساليب المنطقية في الاستدلال: والمصنف يلجأ كثيرًا إلى الأساليب المنطقية في إقامة حججه، أو هدم أدلة خصومه وهذا يدل على أنه نال قسطًا وفرًا من العلوم اللسانية ساعده على إقامة الأدل النظرية التي تؤيد آراءه، كما روفقه في الوصول إلى استنتاج أقيسة دقيقة على ما صح من كلام العرب.
من ذلك قوله في باب العطف يستدل لرأيه في "أما" المسبوقة بمثلها 1: "وأما المسبوقة بمثلها عاطفة عند أكثر النحويين".
ومذهب ابن كيسان وأبي علي أن العطف إنما هو بالواو التي قبلها، وهي جائية لمعنى من المعاني المفادة بـ"أو".
وبقولهما أقول: لأنه في ذلك تخلصًا من دخول عاطف على عاطف.
ولأن وقوعها بعد الواو مسبوقة بمثلها شبيه بوقوع "لا" بعد الواو مسبوقة بمثلها في مثل "لا زيد، ولا عمرو فيها".
و"لا" هذه غير عاطفة بإجماع، فلتكن "أما" مثلها إلحاقًا للنظير بالنظير، وعملًا بمقتضى الأولوية.
وذلك أن "لا" قبل مقارنة الواو صالحة للعطفية بإجماع.
ومع

ذلك حكم بعدم عطفيتها عند مقارنتها، فلأن يحكم بعدم عطفية "أما" عند مقارنة الواو أحق وأولى".
وقوله في باب ما ينصرف، وما لا ينصرف يرد مذهب صدر الأفاضل في "سحر" إذا قصد به سحر يوم بعينه، وجعل ظرفًا مثل: "خرجت يوم الجمعة سحر" 1: وزعم صدر الأفاضل أن "سحر" المشار ِإليه مبني على الفتح لتضمنه معنى حرف التعريف، وما ذهب إليه مردود بثلاثة أوجه: أحدهما: أن ما ادعاه ممكن وما ادعيناه ممكن، لكن ما ادعيناه أولى، فإنه خروج عن الأصل بوجه دون وجه؛ لأن الممنوع من الصرف باق على الإعراب.
بخلاف ما ادعاه؛ لأنه خروج عن الأصل بكل وجه.
الثاني: أنه لو كان مبنيًا لكان غير الفتحة أولى به؛ لأنه موضع نصب فيجب اجتناب الفتحة، لئلا يتوهب الإعراب.
كما اجتنب في "قبل" و "بعد" والمنادى المضموم.
الثالث: أنه لو كان مبنيًا لكان جائز الإعراب جواز إعراب "حين" في قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا …. . . . . . . . . . . لتساويهما في ضعف سبب البناء لكونه عارضًا، وكان يكون علامة إعرابه تنوينه في بعض المواضع.
وفي عدم ذلك دليل على عدم البناء، وأن فتحته إعرابية، وأن عدم التنوين إنما كان من أجل منع الصرف.

16 - تبرير أمور وقعت في النظم: وجد المصنف في الشرح الفرصة السانحة، لتبرير أمور اضطره النظم إليها.
من ذلك ما ورد عند شرحه للبيتين الآتيين في باب ما ينصرف، وما لا ينصرف: وزائدًا فعلان وصفًا قابلًا … فعلى وما يلفى لتاء قابلًا وجهان في فعلان وصفا إن عدم … في الوضع تأنيثًا كانت من "رحم قال المصنف 1: الثاني من الأنواع الخمسة التي لا تنصرف في التعريف، ولا في التنكير: كل صفة على "فعلان" لا تلحقها تاء التأنيث أما؛ لأن لها مؤنث على "فعلي" فاستغنى به كـ"سكران" و "غضبان".
وإما لكونها صفة لا مؤنث لها كـ"لحيان"، وهو الكبير اللحية.
ثم قال: والتمثيل بـ"لحيان" أولى بالتمثيل بـ"الرحمن" لوجهين: أحدهما: أن "الرحمن" بغير ألف ولام دون نداء، ولا إضافة غير مستعمل فلا فائدة في الحكم عليه بانصراف ولا منع.
الثاني: إن الممثل به في هذه المسألة معرض، لأن يذكر موصولًا بالتاء، أو بألف "فعلى" ومجردًا منهما لينظر ما هو الأحق به، والأصلح له.

وتعريض "الرحمن" لذلك مع وجدان مندوحة عنه مخاطرة من فاعله.
فلذلك مثلت بـ"لحيان" ولكني اضطررت فقلت: . . . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . كآت من رحم ومن ذلك ما ورد في فصل تمييز العدد بمذكر ومؤنث عند قوله: الحكم للسابق أن يضف عدد … لذكر وضده وما اتحد إذ قال 1: إذا كان للعدد المضاف مميزان مذكر ومؤنث، فالحكم لسابقهما أي: إن سبق مذكر العدد بالتاء نحو: "لي ثمانية أبعد وآم"، وإن سبق مؤنث كان العدد بلا تاء نحو: "لي ثماني إماء وأعبد".
واحترزت بقولي: . . . . . . . . . . . وما اتحد من أن يعبر عن المذكر والمؤنث بلفظ واحد.
وهذا الاحتراز مستغنى عنه بذكر السابق، فإنه مشعر بعدم الاتحاد لكن الحاجة دعت إلى كلمة تكمل، فكان ما يناسب أولى مما لا يناسب.
17 - الاعتداد بالنفس في غير غرور: ومع ثقة المصنف فيما يورده من آراء، وأحكام في المسائل المختلفة لم يأخذه.
الغرور فلم يصدر أحكامه قاطعة، ولم يطلق

القول على عمومه، وإنما كان يحترس معترفًا بأن ما أورده هو منتهى علمه، وهذا من تواضع العلماء.
وذلك كقوله 1: وممن صرح بإلغاء عجمة الثلاثي -مطلقًا- السيرافي وابن برهان، وابن خروف ولا أعلم لهم من المتقدمين مخالفًا.
وقوله 2: وبينت أن في "كأين" خمس لغات، وأصلها "كأي" وهي أشرها وبها قرأ السبعة إلا ابن كثير: ويليها "كائن" وبها قرأ ابن كثير والبواقي.
وقرأ الأعمش وابن محيصن "كأين" -بهمزة ساكنة بعد الكاف، وبعدها ياء مكسورة خفيفة بعدها نون ساكنة في وزن "كَعْيِنْ".
ولا أعرف أحدًا قرأ باللغتين الباقيتين".
وقوله 3: وأجاز يونس حكاية كل معرفة قياسًا على العلم، فيجوز عنده أن يقال: لمن قال: رأيت "غلام زيد" و "مررت بصاحب عمرو" من غلام زيد؟ ومن صاحب عمرو؟ وأجاز -أيضًا- حكاية النكرة بـ"من" في الوصل.
ولا أعلم له في المسألتين موافقًا".

وقوله 1. "ومثال" "فعائل" جمعًا للمجرد من التاء "شمائل" في جمع "شمأل" و"شمال"، "عجائز" و"عقائب" جمع "عجوز" و"عقاب".
وأما "فعائل" جمع "فعيل" من هذا القبيل، فلم يأت في اسم جنس فيما أعلم".
موقف المصنف بين البصريين والكوفيين: نظر المصنف -رحمه الله- في النحو نظر المجتهدين، فهو يعرض الحكم، ويناقش أدلته مناقشة حرة، مبتعدًا عن التكلف في التأويل، والتعقيد في إيراد الدليل، يلتزم مبدأ السهولة، مؤثرًا جانب اليسر، غير متعبد بآراء القدماء، غير مهمل لها، وإنما ينظر فيها، ويناقش أدلتها، فإن اتفقت مع منهجه، ولم تخالف مبادئه أقرها، وأيدها بروح من عنده.
وإن خالفت منهجه، ولم يجد لها من الأدلة ما يدعم كيانها كر عليها، هادمًا أساسها الذي تعتمد عليه.
وهو في ذلك ينزع دائمًا إلى السهولة والتيسير في كل ما يذهب إليه من آراء.
واتجاهات، ما دام الأسلوب لم يخرج عن نطاق العربية، وإن كان في ذلك مخالفة لمذهب أئمة النحو كسيبويه، ولم تمنعه مكانة سيبويه من الجهر بذلك كقوله في "باب إعمال اسم الفاعل" 2. "ولك في المعطوف على ما خفض بإضافته إليه: الجر حملًا على اللفظ، والنصب حملًا على الموضع كما قال الشاعر:

هل أنت باعث دينار لحاجتنا … أو عبد رب أخا عون بن مخراق فنصب "عبد رب" عطفًا على "دينار" -وهو اسم رجل- ولا حاجة إلى تقدير ناصب غير ناصب المعطوف عليه.
وإن كان التقدير قول سيبويه".
من هنا رأينا المصنف يوافق الكوفيين إن رأى الصواب معهم، ويؤيد البصريين إن سار الحق في ركابهم، ويفند آراء هؤلاء وهؤلاء إن حادث عن طريقه المرسوم.
فمن تأييده للكوفيين قوله 1: "وأشرت بقولي: ونحو "زيد شثن كفه" أبى … في النثر سيبويه أن يرتكبا إلى نحو قوله: "هو حسنُ وَجْهِه" وقول الشماح: أمن دمنتين عرس الركب فيهما … بحقل الرخامي قد عفا طللالهما أقامت على ربعيهما جارتا صفا … كميتا الأعالي جونت مصطلاهما وهذا عند سيبويه مخصوص بالشعر.
وهو عند أبي العباس المبرد ممنوع في الشعر وغيره.
وهو عند الكوفيين جائز في الكلام كله.
وهو الصحيح؛ لأنه مثله قد ورد في الحديث كقوله في حديث أم زرع: "سفر وشاحها"، وفي حديث الدجال: "أعور عينه اليمنى"، وفي وصف النبي، صلى الله عليه وسلم: "شثن أصابعه".

وقوله: في باب النائب عن الفاعل" 1: ولا يجيز غير الأخفش من البصريين أن ينوب غير المفعول به وهو موجود.
وأجار ذلك الأخفش، والكوفيون ويؤيد مذهبهم قراءة بعض القراء: "لِيُجْزَى قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" 2. ومن تأييده للبصريين قوله في "باب المفعول المطلق، وهو المصدر" 3: "والفعل مشتق من المصدر: لأن المشتق فرع، والمشتق منه أصل، وكل فرع يتضمن الأصل وزيادة عليه.
ولا شك في أن الفعل يتضمن المصدر، والوقت فثبتت فرعيته وأصلية المصدر؛ لأنه دل على بعض ما يدل عليه الفعل.
وهذا مذهب البصريين، وهو الصحيح".
وقد يبلغ من استهانته بالرأي، واستخفافه به لضعفه البين في نظرة أن يذكره في النظم، ولا يتعرض له في الشرح كما في حديثه عن الخير إذ قال في النظم: وخبرا بمبتدأ أو بابتدا … أو بهما أرفع والمقدم اعضدا وقال أهل الكوفة الجزآن قد … ترافعا وذا ضعيف المستند وقال في الشرح 4:

"وأما الخبر: فرافعه المبتدأ -وحده- أو الابتداء -وحده- أو المبتدأ والابتداء معًا.
هذه الثلاثة أقوال البصريين.
والأول قول سيبويه، وهو الصحيح".
ولم يتعرض في الشرح لقول الكوفيين، وإنما أغفله إغفالًا تامًا.
وقد لا يرتضى المصنف -رحمه الله- أقوال النحويين جميعًا فيردها، ثم يبين رأيه.
وذلك كما في تأويل العلم المستعميل في مثل قولهم "قضية ولا أبا حسن لها" إذ قال المصنف 1: وللنحويين في تأويل العلم المستعمل هذا الاستعمال قولان: أحدهما، أنه على تقدير إضافة مثل إلى العلم ثم حذف مثل فخلفه المضاف إليه في الإعراب والتنكير.
والثاني: أنه على تقدير لا واحد من مسميات هذا الاسم.
وكلا القولين غير مرضي: أما الأول فيدل على فساده أمران: ... " وهكذا يبدأ المصنف يفند هذين الرأيين، فإذا ما انتهى من ذلك ذكر رأيًا يسلم من الاعتراض عليه.

شخصية المؤلف في الكتاب: وشخصية المؤلف في الكتاب واضحة، فهو غير مقلد ولا متابع، وإنما مجتهد له رأيه، وهو حين يبدي رأيه لا يبديه إلا بعد أن يستعرض الآراء المختلفة ويبحث فيها، وينظر أدلتها، سواء تلك الأدلة التي أوردها صاحب الرأي أو الأدلة التي يراها هو مؤيدة له، ثم يختار الرأي، الذي ترجح كفته عنده بغض النظر عن شخصية قائله أو مكانته، ولا يلبث من موضع لآخر أن يدلي بدلوه بين الدلاء، فالعلم عنده ليس مقصورًا على طائفة من العلماء ولا محدودًا بزمن.
وقد صرح بذلك في مقدمة كتابه "شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" حين قال: "غير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين".
لذا فلا يكاد يمر موضوع من الموضعات التي تناولها الكتاب، إلا رأينا المصنف يبدي رأيه، مدعمًا بالدليل، ولقد شارع هذا الأمر بصورة يصعب على الباحث حصرها، وإنما يكتفي بضرب أمثلة منها كقوله 1: "وأما نون "الزيتون" فالأكثر على أنها زائدة بناء على أنه من "الزيت".
والصحيح أنها غير زائدة لقول بعض العرب: "أرض زتنة" إذا كانت كثيرة الزيتون".
وقوله 2:

"وزعم قوم أن المحذوف في نحو "تأمروني" هو الثاني، وليس كذلك.
بل المحذوف هو الأول، نص على ذلك سيبويه.
ويدل على صحة قوله".
وقوله 1: وأجاز الفراء -أيضًا- في "الذي" من تمام على الذي أحسن" أن تكون مصدرية ... وبه أقول".
وقوله 2: اللام وحدها هي المعرفة عند سيبويه، والهمزة قبلها همزة وصل زائدة.
وهي عند الخليل همزة قطع عوملت غالبًا معاملة همزة الوصل لكثرة الاستعمال.
وهي أحد جزأي الأداة المعرفة.
وقول الخليل هو المختار عندي ... ". وقوله 3: "واختلف في تقديم خبر "ليس" فأجازه قوم، ومنعه قوم.
والمنع أحب إلى".
وكقوله -يبين الحكم إذا جر خبر "ليس" بالباء وعطف عليه مخبر عنه أجنبي 4.

"ويجوز جر الخبر الثاني إذا جر الأول عند الأخفش، لا عند سيبويه.
والقول في ذلك قول الأخفش، لاستعمال العرب إياه كقول الشاعر: وليس بمعروف لنا أن نردها … صحاحًا ولا مستنكرٍ أن تعقرا وقوله في باب "ما" و "لا" و "إنْ" المشبهات بليس 1: "وزعم أبو علي أن دخول الباء الجارة على الخبر -يعني خبر "ما"- مخصوص بلغة أهل الحجاز، وتبعه في ذلك الزمخشري.
والأمر بخلاف ما زعماه لوجوه".
وقوله 2: "يحيى: هو الفراء، وسعيد: هو، أبو الحسن الأخفش اتفقا على جواز "إن قائمًا الزيدان"، فمذهبهما في ذلك ضعيف".
وقوله 3: "ونسب سيبويه قائل "إنهم أجمعون ذاهبون" إلى الغلط مع أنه من العرب الموثوق بعربيتهم.
وليس ذلك من سيبويه -رحمه الله- بمرضي.
بل الأولى أن يخرج على أن قائل ذلك أراد".

وقوله 1: وزعم قوم منهم الزمخشري، والجزولي أن بني تميم يحذفون خبر "لا" مطلقًا على سبيل اللزوم.
وليس بصحيح ما قالاه؛ لأن".
وقوله "في باب النائب عن الفاعل" 2: "حكى ابن السراج أن قومًا يجيزون نيابة خبر كان المفرد.
وهو فاسد، لعدم الفائدة، ولاستلزامه إخبارًا عن غير مذكور ولا مقدر".
وقوله 3: "يستغنى بذكر المصدر الذي له فعل عن فعله في الخبر، والدعاء، والأمر والنهي ... والفراء يرى ذلك مطردًا غير متوقف على سماع، خبرًا كان ما يرد فيه ذلك أو طلبًا بشرط أن يكون الموضع صالحًا لوقوع الفعل فيه مجردًا.
ورأيه في ذلك عندي صواب".
وقوله 4: "اختار أبو الفتح ابن جني في الخصائص تقديم المفعول معه

على مصحوبه نحو "جاء والطيالسة البرد"، واستدل بقول الشاعر: جمعت وفحشا غيبة ونميمة … ثلاثة خصال لست عنها بمرعو ومثله قول الآخر: أكنيه حين أناديه لأكرمه … ولا ألقبه والسوأة اللقبا ولا حجة لابن جني في البيتين لإمكان جعل الواو فيهما".
وقوله 1: "سوى" اسم يستثنى به، ويجر ما يستثنى به لإضافته إليه، ويعرب هو تقديرًا كما تعرب "غير" لفظًا.
خلافًا لأكثر البصريين في ادعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التصرف، وإنما اخترت خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين" وقوله 2: "ورود المصدر النكرة حالًا كثير كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ 3. ولا يجوز استعماله عند سيبويه إلا بسماع.
وأجاز أبو العباس القياس على ما كان نوعًا من الفعل كـ"جئت ركضًا"

فيقيس عليه "جئت سرعة ورجلة".
وليس ذلك ببعيد".
وقوله 1: إذا كان صاحب الحال مجرورًا بالإضافة لم يجز تقديم الحال عليه بإجماع.
وأكثر النحويين يقيس المجرور بحرف على المجرور بالإضافة، فيلحقه به في امتناع تقدم حاله عليه.
وأجاز ذلك أبو علي في كلامه في المبسوط.
وبقوله في ذلك أقول وآخذ؛ لأن" وقوله 2: وأشرت بقولي …. . . . . . . . . . . وقديري "كما" لفعل ناصبًا.
إلى ما أنشده أبو علي في التذكرة من قول الشاعر: وطرفك إما جئتنا فاصرفنه … كيما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر ومثله قول الآخر: اسمع حديثًا كما يومًا تحدثه … عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا وقدر أبو علي النصب بـ"كما" في البيتين، وزعم أن الأصل "كيما" فحذفت الياء.
وهذه دعوى لا دليل عليها".

وقوله 1: "ولما كان إقسامهم بالله أكثر من غيره خص في القسم بدخول التاء عليه.
وتحذف جارة بغير عوض قليلًا، وبعوض كثيرًا.
ومذهب الأخفش أن الجر هنا بالعوض من الحرف لا بالحرف المحذوف .. وهو مذهب قوي؛ لأنه".
وقوله -في حديثه عن قول الشاعر: نهيتك عن طلابك أم عمرو … بعاقبة وأنت إذ صحيح 2 "وزعم الأخفش أنه أراد "حينئذ" فحذف "حينًا"، وأبقى جر "إذ" وهذا بعيد، وغير قول الأخفش أولى بالصواب".
وقوله: وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "قبلا" في قوله: . . . . . . . . . . . وكنت قبلا …. . . . . . . . . . . معرفة بنية الإضافة إلا أنه أعرب؛ لأنه جعل ما لحقه من التنوين عوضًا من اللفظ بالمضاف إليه.
وهذا عندي قول حسن".
وقوله -يرد اعتذار الشنتمري عن سيبويه للاستشهاده بقول ساعده ابن جؤية:

حتى شآها كليل موهنا عمل … باتت طراباوبات الليل لم ينم قال محمد: وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه".
وهكذا تبدو شخصية المصنف واضحة من خلال ما يبديه من آراء لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب منها.

بعض الأصول التي بنى عليها المصنف آراءه في الكتاب: 1 - السماع حجة: يعتد المصنف بما سمع من العرب، ويعتمد عليه في إرساء القواعد، ولا يهدره ولو كان في الاعتداد به ما يؤدي إلى مخالفة لأئمة النحو كسيبويه.
وذلك كقوله 1: وإذا أضيف اسم زمان إلى جملة مستقبلة المعنى، وجب عند سيبويه منع كونها اسمية كما يمتنع ذلك بعد إذا.
لأن "إذ" و"إذا" هما أصلان لكل زمان أضيف إلى جملة، فإذا كان معناها المضي فالموضع لـ"إذ" فيجري مجراها.
وإن كان معناها الاستقبال فالموضع لـ"إذا" فيجري ذلك الاسم مجراها.
وهذا الذي اعتبره سيبويه بديع، لولا أن المسموع ما جاء بخلافه كقوله -تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ 2. وكقول سواد بن قارب -رضي الله عنه-

فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة … بمغن فتيلًا عن سواد بن قارب وكقوله في باب الحال 1: "وبعض النقلة يزعم أن الكوفيين لم يمنعوا تقديم حال المرفوع عليه، إلا إذا تأخر هو ورافعه عن الحال نحو "راكبًا جاء زيد" وأما نحو "جاء راكبا زيد" فيجيزونه.
وعلى كل حال قولهم مردود بقول العرب "شتى تئوب الحلبة" أي: متفرقين يرجع الحالبون.
وهذا كلام مروي عن الفصحاء، وقد تضمن جواز ما حكموا بمنعه، فتعينت مخالفتهم في ذلك.
وقد يعتد المصنف بالمسموع عن العرب، ولو كان غريبًا وذلك كقوله في "باب القسم" 2. ثم أشرت إلى أن نافي الماضي قد يحذف إذا دلت قرينة على إرادة النفي، كقول أمية بن أبي عائذ الهذلي: فإن شئت آليت بين المقا … م والركن والحجر الأسود نسيتك ما دام عقلي معي … أمد به أمد السرمد أراد: لا نسيتك.
فحذف النافي؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره؛ ولأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك.
وقد يحذف أيضًا نافي الجملة الاسمية إذا لم يستقم المعنى إلا بتقديره كقول عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه:

فوالله ما نلتم وما نيل منكم … بمعتدل وفق ولا متقارب أراد: ما ما نلتم وما نيل منكم بمعتدل.
فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدلالة الباء الزائدة في الخبر.
ولدلالة العطف بـ"ولا".
وهذا البيت وبيت أمة غريبان.
وقال المصنف: ثم نبهت على أن جواب القسم قد ينفي بـ"لن" و"لم" وذلك في غاية الغرابة.
وشاهد الأول قول أبي طالب، يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم: والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوارى في التراب دفينا وشاهد الثاني: ما حكى الأصمعي قال: قال لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة".
2 - القياس حجة: والقياس حجة عند المصنف لا يفتأ من حين لآخر، يعتمد عليه فيما يبديه من آراء، وقد صرح بذلك في مواضع كقوله 1: "إذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال، واعتمد على ما ذكر جاز أن ينصب المفعول الذي يليه، وأن يجره بالإضافة تخفيفًا.
ولك في المعطوف على ما خفض بإضافته إليه الجر حملًا على اللفظ، والنصب حملًا على الموضع.

ويجوز في نعت المجرور النصب على المحل كما جاز في المعطوف، وإن لم أجد له شاهدًا.
والحجة في جوازه القياس على نعت المجرور بالمصدر، فإن حمله على المحل ثابت كقول الشاعر: حتى تهجر في الرواح وهاجه … طلب المعقب حقه المظلوم فـ"المظلوم" صفة لـ"المعقب"؛ لأنه فاعل في المعنى فتبعته الصفة باعتبار المعنى.
وكما جاز في صفة المجرور بإضافة المصدر الحمل على المعنى، كذلك يجوز أن تحمل صفة المجرور باسم الفاعل على المعنى، فيقال: "هذا مكرم ابنك الكبير، ومهين غلامك الحبشي".
بل اسم الفاعل أولى بذلك؛ لأن إضافته وهو بمعنى الحال والاستقبال في نية الانفصال؛ ولأنه أمكن في عمل الفعل من المصدر، ولذا يعمل مضمرًا، ومؤخرًا بخلاف المصدر.
ومثل "طلب المعقب حقه المظلوم"، قول الآخر: السالك الثغرة اليقظان سالكها … مشى الهلوك عليها الخيعل الفضل الخيعل: قميص بلا كمين، والفضل، اللابسة ثوب المهنة والخلوة، والهلوك، المتثنية عجبًا.
وهو مجرد اللفظ بالإضافة مرفوع الموضع بالفاعلية، فرع "الفضل" حملًا على الموضع.
وكقوله 1:

وأما "فعائل" جمع "فعيل" فلم يأت في اسم جنس فيما أعلم، لكنه يأتي بمقتضى القياس لعلم مؤنث كـ"سعايد" جمع "سعيد" -علم امرأة.
3 - الإِجْمَاع حُجَّة: والمصنف يقف عند الأحكام المجمع عليها، لا يتجاوزها يستوي في ذلك ما ورد عن العرب، وما اتفق عليه النحويون.
فمن الأ ول قوله 1: "اتفقت العرب على فتح سين "عسى" إذا لم تتصل بتاء الضمير ونونيه".
ومن الثاني قوله 2: إذا كان لشخص اسم ولقب، وذكرا معًا قدم الاسم على اللقب.
ثم إن كانا مركبين، أو كان أحدهما مفردًا، والآخر مركبًا جعل اللقب تابعًا للاسم في إعرابه، إما بدلًا، وإما عطف بيان كقولك: "هذا عبد الله عابد الكلب" و"رأيت زيدًا أنف الناقة".
وإن كانا مفردين أضيف الاسم إلى اللقب بإجماع".
4 - الرجوع إلى الأصول المجمع عليها أولى: وإذا ذهب بعض النحاة إلى مذهب يخالف الأصول المجمع عليها من جمهرة النحاة، وقف في سبيله، ورد ما يستدل به إلى

المشهور من القواعد ومن ذلك ما جاء في "باب الحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر": قال المصنف 1: "ومن الكوفيين من ينصب الجزأين بـ"ليت" وغيرها من أخواتها، ويستشهد بقول الراجز العماني: كأن أذنيه إذا تشوفا … قادمة أو قلما محرفا وبحديث روي وهو: "إن قعر جهنم سبعين خريفًا".
ثم قال: "ورد جميع ذلك إلى الأصول المجمع عليها أولى، فيخرج "كأن أذنيه" على تقدير: كأن أذنيه يحاكيان -نحو ذلك.
ويخرج "إن قعر جهنم" على أن "قعر" مصدر من قولهم قعرت البئر أي بلغت قعرها.
و"سبعين" منصوبة على الظرفية، وقد وقع خبرا؛ لأن الاسم 2 مصدر، والإخبار عن المصدر بظرف الزمان مطرد".
5 - الروايات المختلفة للنص مقبولة: وإذا ورد للنص المستدل به على قاعدة ما روايتان، أو أكثر قبل المصنف كل الروايات ما دامت واردة عمن يوثق به، ولا يدفع رواية بأخرى.

وإذا استدل بعض العلماء برواية للنص، وأيد البعض الآخر رأيه بالرواية الأخرى ذكر المصنف الرأيين، ولم يقف مع واحد ضد الآخر كما في قوله 1: "وأجاز سيبويه للمضطر أن يرخم وينوي المحذوف، فيدع الحرف الذي قبله على ما كان عليه قبل الحذف كما قال الشاعر: ألا أضحت حبالكم رماما … وأضحت منك شاسعة أماما هكذا رواه سيبويه.
ورواه المبرد: . . . . . . . . . . . … وما عهدي كعهدك يا أماما ثم قال المصنف -رحمه الله: "والإنصاف يقتضي تقرير الروايتين ولا يدفع إحداهما بالأخرى" 6 - الرأي بغير دليل ضعيف: والمصنف يلتمس الأدلة لآراء العلماء الورادة في الحكم، فإذا وجدها ذكرها، وناقشها وبين موقفه.
وإذا لم يجد الأدلة المؤيدة لرأي ما، ذكر الرأي ثم ألمح إلى ضعفه بعدم وجود دليل عليه، أو نبه على قبوله له لوجود نظائر له يقاس عليها.
فمن النوع الأول قوله في "باب التوكيد" 2: وأغفل أكثر النحويين "جميعًا"، ونبه سيبويه على أنها بمنزلة

"كل" معنى واستعمالًا ولم يذكر شاهدًا من كلام العرب.
وقد ظفرت بشاهد له، وهو قول امرأة من العرب ترقص ابنها: فداك حي خولان … جميعهم وهمدان وكل آل قحطان … والأكرمون عدنان ومن النوع الثاني قوله في "باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبرة" -بعد أن ذكر بعض الأفعال الملحقة بـ"صار" في العمل 1: "فهذه ثمانية أفعال مساوية لـ"صار" معنى وعملًا، وأما "غدا" و"راح"، فإنهما ملحقان عند بعضهم بها -أيضًا- إلا أني لم أجد لذلك شاهدًا من كلام العرب يكون الاستدلال به صريحًا".
ومن النوع الثالث قول في "باب إعمال اسم الفاعل" -يتحدث عن نعت المجرور باسم الفاعل 2: "ويجوز في نعت المجرور النصب على المحل كما جاز على المعطوف، وإن لم أجد له شاهدًا.
والحجة في جوازه القياس على نعت المجرور بالمصدر، فإن حمله على لمحل ثابت".
7 - الحمل على الأكثر راجح: ومن ذلك قوله 3: "إذا كان الحكم بأصالة حرف موجبًا لعدم النظير تعين الحكم بالزيادة كنون "نرجس" فإنه زائد، إذ لو لم يكن زائدًا لكان وزنه "فعْلِلًا".

وذلك ممتنع بإجماع أهل الاستقراء.
وكذا إذا كان الحكم بالأصالة يغلب ما قل كنون "جندب" فإنها زئادة؛ لأن "فُنْعَلًا" أكثر من "فُعلَل" عند من أثبت "فُعلَلًا".
والحمل على الأكثر راجح".
8 - ما يؤدي إلى اللبس يجب اجتنابه: من ذلك قوله في باب الفاعل 1: "إذا خيف التباس فاعل بمفعول لعدم ظهور الإعراب، وعدم قرينة وجب تقديم الفاعل، وتأخير المفعول نحو: أكرم موسى عيسى" و"زارت سعدى سلمى".
فلو وجدت قرينة يتبين بها الفاعل من المفعول، جاز تقديم المفعول نحو "طلق سعدى يحيى" و"أضنت الحمى سلمى" 9 - الابتعاد عما للناطق عنه مندوحة: إذا جاز في العبارة وجهان، أحدهما: قوي لمسايرته الراجح من الآراء، والثاني فيه ضعف مستمد من مخالفته لها.
اختار المصنف للمتكلم سلوك الطريق القوي، والابتعاد عما فيه ضعف وذلك كقوله في "باب المفعول معه" يشرح 2 قوله في النظم: والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق … والنصب مختار لدى ضعف النسق "مثال إمكان العطف دون ضعف: "كنت أنا وزيد كالأخوين" و"اذهب أنت وربك" 3.

ومثال ما يختار فيه النصب لضعف النسق: "اذهب وزيدا" فرفع "زيد" بأ، ينسق على فاعل "اذهب" جائز على ضعف؛ لأن العطف على ضمير الرفع المتصل لا يحسن، ولا يقوى إلا بعد توكيد، أو ما يقوم مقامه.
فلما ضعف العطف رجح النصب؛ لأن فيه سلامة من ارتكاب وجه ضعيف للناطق عنه مندوحة".
10 - ما لا تدعو الحاجة لإلحاقه بالشواذ، يجب صرفه عن ذلك: وإذا أدى رأي لبعض النحويين إلى أن يسير الكلام في طريق الشذوذ، رفضه المصنف وأيد الرأي الذي يسير بالكلام في طريق يتفق مع القواعد المشهورة.
ومن ذلك وقوفه بجانب سيبويه، فيما رآه في موقع الضمير المتصل باسم الفاعل، فقال 1: "في الضمير المتصل باسم الفاعل من نحو "معطيك" و"المعطيك" خلاف".
فمذهب سيبويه وأكثر المحققين أن يحكم له من الإعراب بما يحكم للظاهر الواقع موقعه.
فعنده أن الكاف في "زيد معطيك" في موضع جر: لأن الظاهر الواقع موقعه يحق له الجر بالإضافة.
لأن "معطيك" مجرد من مانعيها، وهما: التنوين والألف واللام.
وعنده أن الكاف من "زيد المعطيك" في موضع نصب؛ لأن

الظاهر الواقع موقعه يحق له النصب؛ لأن فيه أحد ما نعي الإضافة.
وحكى الأخفش لهذا الضمير بالنصب -مطلقًا، وحكم الرماني، والزمخشري بالجر -مطلقًا- وهو أحد قولي المبرد.
وأجاز الفراء الوجهين.
ثم قال المصنف: والصحيح ما رآه سيبويه؛ لأن الظاهر هو الأصل، والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها ما لا ينسب إليه إلا فيما لا مندوحة عنه من مواضع الشذوذ.
وما نحن بصدده لم تدع حاجة إلى إلحاقه بالشواذ، فوجب صرفه عن ذلك".
11 - الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة: والضرورة عند المصنف ما ليس للشاعر عنه مندوحة، هو بذلك متابع لسيبويه فقد نبه سيبويه -رحمه الله- على أن ما ورد في الشعر من المستندرات لا يعد اضطرارًا، إلا إذ لم يكن للشاعر في إقامة الوزن، وإصلاح القافية عند مندوحة.
ويظهر رأي المصنف في الضرورة في أماكن متعددة منها قوله 1 في حديثه عن "ال" الموصولة: "ولما كانت "ال" الموصولة بلفظ المعرفة كره وصلها بجملة صريحة، والتزم كون صلتها صفة في اللفظ مئولة بجملة فعلية.

ولتأولها بجملة فعلية حسن عطف الفعل عليها كقوله -تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ 1. وقد وصلت بالفعل المضارع، ولم يقع ذلك إلا في الشعر كقوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل وأنشد أبو زيد: أتاني كلام التغلبي ابن ديسق … ففي أي هذا ويله يتسرع يقول الخنا، وأبغض العجم ناطقًا … إلى ربها صوت الحمار اليجدع قال المصنف: وليس هذا فعل مضطر بل فعل مختار لتمكنهما من أن يقولا: ما أنت بالحكم المرضي حكومته …. . . . . . . . . . . و. . . . . . . . . . . … صوت الحمار يجدع وإلى هذا أشرت بقولي: ومن رأى أطراد ذا فما وهن أي: فما ضعف رأيه" ثم قال المصنف: "وأما قول الشاعر: من القوم الرسول الله منهم … لهم دانت رقاب بني معد فنادر معدود من الضرورات؛ لأن الألف واللام بمعنى "الذين"، ولا يتأتى الوزن إلا بما فعل".

جارٍ التحميل