باب أفعال المقاربة:
"ص": وهاك أفعالًا إلى المقاربه … تعزى ومع "كان" لها مناسبه وكاسمها اسمهن لكن الخبر … هنا مضارع، ومفردًا 1 ندر نحو "عسيت صائمًا" ونقلا … "عسى الغوير أبؤسا" تمثلًا وخبر "مرتعها قريب" … لـ"جعلت" وبيته غريب والتزم التجريد في أخبار 2 ما … يعني به الشروع من تكلما كـ"هب" "أنشأ" "جعلت" و"طفق" … "طبق" بعده "أخذت" و"علق" 3
واقرن بـ"أن" بعد "حرى" و"اخلولقا" … وقد ترى "أولى" 1 بذين ملحقًا و"أوشك" التخيير فيها و"كرب" … كذا "عسى" و"كاد" 2 دون "أن" غلب ولـ"عسى" عكس وعند 3 ترك "أن" … يعزو إليها خبرًا من قد فطن كذاك غيرها وقد تستغني … عن خبر بنحو أن تستثني إن أسندت 4 له كذاك "اخلولقا" … وهكذا "أوشك" حيث اتفقا "ش": الأفعال التي تسمى أفعال المقاربة مساوية لـ"كان" وأخواتها في النقصان 5، واقتضاء، اسم مرفوع، وخبر منصوب.
إلا أن الخبر هنا شذ 1 وروده اسمًا منصوبًا، "أو من جملة اسمية مصدرة بـ"إذا".
وإنما اطرد مجيء خبرها فعلًا مضارعًا.
فمن ورود الخبر اسمًا منصوبًا 2 قول الراجز:
(193) - أكثرت في العذل ملحًا دائمًا
(194) - لا تكثرن إني عسيت صائمًا
"ويروى:
لا تلحني إني عسيت صائمًا" 3
ومنه قول الزباء:
(195) - عسى الغوير أبؤسَا 456
وقول تأبط شرًا: (196) - فأبت إلى فهم، وما كدت آئبًا … وكم مثلها فارقتها، وهي تصفر وقد يرد خبر "جعل" جملة اسمية كقول الشاعر: (197) - وقد جعلت قلوص بني سهيل … من الأكوار مرتعها قريب ومن ورود الخبر جملة 1 مصدرة بـ"إذا" قول ابن عباس -رضي الله عنهما 2: "فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا".34
والمطرد 1 في أخبار هذا 2 الباب ورودها بلفظ الفعل المضارع مجردًا من "أن" بعد "جعل" و"أخذ" و"طفق" و"طبق" و"علق" و"هب" و"أنشأ".
وهذه السبعة هي للشروع 3 في الفعل.
ويقرن بـ"أن" مع "حرى" و"اخلولق" و"أولى" عند من أثبتها مستشهدًا بما أنشد 4 الأصمعي 5 من قول الشاعر:
6 - فعادى بين هاديتين منها … وأولى أن يزيد على الثلاث
أي: قارب
واستعمل الخبر بالتجريد أو الاقتران بعد "عسى" و"كاد"
و"كرب" و"أوشك".
فلك أن تقول: "عسى زيد أن يفعل، وعسى زيد 1 يفعل" وكذا الثلاثة 2 البواقي.
إلا أن "عسى أن يفعل" أكثر من "عسى يفعل".
و"كاد" بالعكس.
والأمران في "أوشك" و"كرب" على السواء، أو مقاربان له.
وصرح سيبويه 3 بأن "عسى يفعل" وشبهه بمنزلة: "كان يفعل".
" 4 في اقتضاء اسم مرفوع وخبر منصوب.
وأن "عسى أن يفعل" وشبهه ليس من 5 "كان يفعل" 6 في شيء؛ لأن حق ما هو معدود من "باب كان" أن يحذف فيبقى ما بعده مبتدأ وخبرًا.
فـ"عسى زيد يفعل" من باب "كان" لصلاحيته لذلك.
و"عسى زيد أن يفعل" ليس من باب "كان" لعدم صلاحيته لذلك.
وبهذا 1 يعتبر جميع أفعال الباب.
ومن ورود المضارع مجردًا بعد "عسى" قول هدبة بن خشرم:
(199) - عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
ومن وروده بعد "كاد" مقرونًا بـ"أن" قول عمر -رضي الله عنه.
"ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب".
هكذا هذا الحديث في صحيح البخاري 2.
ومثال ترك أن 3 مع "أوشك" قول النبي -صلى الله عليه وسلم:4
"يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله".
أخرجه أبو داود 1 والترمذي 2.
ومثله قول الشاعر:
(200) - يوشك من فر من منيته … في بعض غراته يوافقها
ومثال استعمال "أن" مع "أوشك" قول الشاعر 3 اليربوعي:
5 - إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت … حبال الهوينى بالفتى أن تجذما4
وينفرد 1 "عسى" و"أوشك" و"اخلولق" بالإسناد إلى "أن يفعل".
ويقوم ذلك مقام ذكر الاسم والخبر كقولك: "عسى أن يفعل" 2 و"يوشك أن تفعل".
و"اخلولق أن يفعل" 3.
"ص":
وجائز "ذان عسى أن يفعلا" … و"عسيا" 4 وقس فليس مشكلًا
والسين من نحو: "عسيت" 5 قد يرى … منكسرًا، 6 ونافع به قرا
واستعملوا مضارعًا لـ"أوشكا" … و"كاد" واحفظ "كائدًا" و"موشكا" = 1/ 186 وهو من البحر الطويل ونسبه صاحب الأغاني إلى شبيب البرصاء مع أبيات، وروايته هي رواية المصنف هنا أما رواية الخزانة فهي رواية المصنف في شرح عمدة الحافظ 153، وشواهد التوضيح 143 ونسخة ك وع: إذا المرء.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . أن تقطعا يغشى الكريهة: يأتي الحرب.
الهوينى: الراحة قال ابن دريد: هي من الكلمات التي وردت مصغرة لا غير.
وما لذي الأفعال بالتصريف يد 1 … سوى الذي ذكرت فادر المستند
"ش": إذا وقعت "عسى" "أَنْ يَفْعَل" في موضع خبر اسم قبلها جاز أن يجعل المرفوع بها ضمير المخبر عنه مطابقًا له فيما له من إفراد وتذكير وغيرهما.
وحاز أن تفرغ "عسى" ويجعل المرفوع بها "أن" وصلتها.
فيقال على الوجه الأول:
"الزيدان عسيا أن يفعلا" -و"الزيدون عسوا 2 أن يفعلوا"- و"هند عست أن تفعل" -و"الهندان عستا أن تفعلا"- و"الهندات عسين أن يفعلن".
ويقال على الوجه الثاني:
"الزيدان عسى أن يفعلا" -و"الزيدون عسى أن يفعلوا"- و"هند عسى أن تفعل" و"الهندان عسى أن تفعلا" - و"الهندات عسى أن يفعلن".
واتفقت العرب على فتح سين "عسى" إذا لم يتصل 3 بتاء الضمير ونونيه 4.
فإذا اتصل بشيء من ذلك أجازوا فتح السين وكسرها.
والفتح أشهر وبه قرأ ابن كثير 1، وأبو عمرو 2، وابن عامر 3 والكوفيون 4. ولم يقرأ بالكسر إلا نافع 5.
وأفعال هذا الباب كلها ملازمة للفظ الماضي، إلا "كاد" و"أوشك" فإنهما استعمالا بلفظ الماضي، والمضارع كَثِيرًا.
واستعمل منهما اسم فاعل قليلًا:
فشاهد "كائد" قول كُثَيِّر:
6 - وكدت وقد جالت من العين عبرة … سما عاند منها وأسبل عاند
(203) - أموت أسى يوم الرجام وإنني … يقينًا لرهن بالذي أنا كائد
ومثله قول الآخر:
(204) - وشاهد "موشك" -أيضًا- قول كثير 1:
وقال الناصحون تخل منها … ببذل قبل شيمتها الجماد
(205) - فإنك موشك ألا تراها … وتعدو دون غاضرة الغوادي2 = وهما من شواهد المصنف في شرح عمدة الحافظ 155 ورواية الديوان: . . . . . . . . . . . … سها عاند.
. . . . . . . . . . عند العرق: إذا سالم فلم يكد يرقأ فهو عاند.
الرجام: موضع قال ياقوت: في لغتهم حجارة ضخام ربما جمعت على القبر فسنم بها، ويروى الزحام.
وهي رواية ك وع.
كما يروى "كابد" -بالباء- مكان "كائد" وبه جزم ابن السكيت في شرح ديوان كثير، وحينئذ لا شاهد فيه وفي الأصل "عائد" بالهمز في الموضعين.
(206) - فموشكة أرضنا أن تعود … خلاف الخليط وحوشًا يبابا
وعلى هذا نبهت بقولي:
. . . . . . . . . . . … واحفظ "كائدًا" و"موشكا"
ثم قلت:
وما لذي 1 الأفعال بالتصريف يد … سوى الذي ذكر.
. . . . . . . . . .
"ص":
ولدليل استجز حذف الخبر … هنا ومنه قول بعض من غبر 2
"يا أبتا علك أو عساكا" … ونائب التا: الكاف فاعرف ذاكا3
هذا اختياري تابعًا أبا الحسن … منظرًا ما قال شاد ذو علن
"يا ابن الزبير طالما عصيكا … وطالما عنيتنا إليكا"
والعمين سيبويه عكسا … مسويًا هنا "لعل" و"عسى"
والآخر اسم والمقدم الخبر … عند أبي العباس فاعرف الصور
"ش": إذا دل دليل على خبر هذا الباب جاز حذفه، كما يجوز في غير هذا الباب حذف ما ظهر دليله.
فمن ذلك الحديث: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد" 1.
ومن حديث آخر: "فإذا استغنى أو كرب استعف" 2.
ومن ذلك قول المرقش:
3 - وإذا ما سمعت من نحو أرض … بمحب قد مات أو قيل: كادا
(208) - فاعلمي غير علم شك بأني … ذاك، وابكي لمقصد لن يقادا
واختلف فيما يتصل بـ"عسى" من الكاف وأخواتها في نحو: "عساك" و"عساني" 1 و"عساه".
فمذهب سيبويه 2 أنه 3 في موضع نصب.
"وأن يفعل" في موضع رفع.
إلحاقًا لـ"عسى" بـ"لعل" كما ألحقت "لعل" بـ"عسى" في اقتران خبرها بـ 4 "أن" كقول متمم بن نويرة: = شرح التسهيل للمصنف 1/ 64. ورواية المفضل الضبي في المفضليات ص 432. فاعلمي غير علم شك بأني … ذاك وابكي لمصفد لن يفادا والمقصد: من يمرض ويموت سريعًا ومعنى لن يقاد: لم يقتد من قاتله.
(209) - لعلك يومًا أن تلم ملمة عليك من اللائي يدعنك أجدعا ومذهب أبي العباس المبرد 1 أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم، ونصب الخبر.2
لكن الذي كان اسمًا جعل خبرًا، والذي كان خبرًا جعل اسمًا.
ومذهب أبي الحسن الأخفش 1 أن "عسى" على ما كانت عليه من رفع الاسم ونصب الخبر.
إلا أن ضمير النصب ناب عن ضمير الرفع، كما ناب عنه 2 في قول الراجز:
3 - يا ابن الزبير طالما عصيكا
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير النصب، وضمير الجر في التوكيد نحو: "رأيتك أنت" و"مررت بك أنت".
وفي قول بعضهم: "ما أنا كانت" و"ما أنا كإياك".
ولو كان الضمير المشار إليه في موضع نصب كما قال
سيبويه والمبرد لم يقتصر عليه في مثل:
(211) - يا أبتا علك أو عساكا 1
لأنه بمنزلة المفعول، والجزء الثاني بمنزلة الفاعل.
والفاعل لا يحذف، وكذا ما أشبهه.
"ص":
وبثبوت "كاد" ينفى الخبر … وحين تنفى "كاد" ذاك أجدر
فـ"كدت تصبو" منتف فيه الصبا … و"لم يكد يصبو" كمثل "إن صبا" 2
وغير ذا على كلامين يرد … كـ"ولدت هند ولم تكد تلد"
"ش": قد اشتهر القول بأن "كاد" إثباتها نفي، ونفيها إثبات حتى جعل هذا المعنى لغزًا فقيل: وهذا اللغز للمعري 3.4
(212) - أنحوي هذا العصر ما هي لفظة … جرت في لساني جرهم وثمود
(213) - إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت … وإن 1 أثبتت قامت مقام جحود
ومراد هذا القائل "كاد" 2.
ومن زعم هذا فليس بمصيب.
بل حكم "كاد" حكم سائر الأفعال من أن معناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها.
فإذا قال قائل: "كاد زيد يبكي" فمعناه: قارب زيد البكاء.
المقاربة ثابتة، ونفس البكاء منتف.
"فإذا قال: لم يكد يبكي" فمعناه: لم يقارب البكاء.
فمقاربة البكاء منتفية، ونفس البكاء منتف 3 انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة.
ولهذا كان قول ذي الرمة:
(214) - إذا غير النأي المحبين لم يكد … رسيس الهوى من حب مية يبرح
صحيحًا بليغًا؛ لأن معناه: إذا تغير حب كل محب لم يقارب حبي 1 التغير، وإذا لم يقاربه فهو بعيد منه.
فهذا أبلغ من أن يقول: لم يبرح؛ لأنه قد يكون غير بارح، وهو قريب من البراح، بخلاف المخبر عنه بنفي مقاربة البراح.
وكذا قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ 2 هو أبلغ في 3 نفي الرؤية من أن يقال: "لَمْ يَرَها" 4.
لأن من لم ير قد يقارب الرؤية بخلاف من لم ير 5 ولم يقارب.
وأما قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ 6.7
فكلام يتضمن كلاميم مضمون كل واحد منهما في وقت غير وقت الآخر.
والتقدير: فذبحوها 1 بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له.
وهذا واضح -والله أعلم 2.
"وقد يكون نفيها إعلامًا ببطء الوقوع، والثبوت حاصل كقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ 3. أي: يفقهون ببطء وعسر.
قال الأخفش في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
إذا قلت: "كاد يفعل" إنما تعني: قارب ولم يفعل.
فإذا قلت: "لم يكد يفعل" كان المعنى: إنه لم يفعل، ولم يقارب الفعل على صحة الكلام.
وهذا معنى الآية إلا أن اللغة 4 قد أجازت "لم يكد تفعل" على 5 معنى: فعل بعد شدة 6.
وليس هذا على صحة الكلام 7.