"ص": لـ"إن" عكس ما لـ"كان" من عمل … في خبر، واسم، وهكذا "لعل" و"ليت" مع "لكن" هكذا 1 "كأن" … وقيل في "لعل": عل و"لعن" 2 و"عن" -أيضًا- ثم "أن" و"لأن" … كذا "لغن" و"رعن" و"رغن" وكل ما "كان" عليه دَخَلَا … فاجعل لذي الحروف فيه عملا ما لم يعن مانع ككون ما … أسند 3 مما ألزم التقدما والتزمن هنا تأخر الخبر … إلا إذا ظرفًا أتى، أو حرف جر
تقول: "إن خالدًا ذو 1 فضل" و"إن فيه شغفًا بالبذل" 2
"ش": قد تقدم أن "كان" ترفع الاسم، وتنصب 3 الخبر.
وعكس ذلك نصب الاسم ورفع الخبر، وهو عمل هذه الأحرف.
وهي ستة إذا ذكرت "أن".
وخمسة إذا استغني بـ"إن" كما فعل سيبويه -رحمه الله- إذا قال: "هذا باب الحروف الخمسة" 4.
لأن فتح همزة "أن" يعرض بوقوعها موقع اسم مفرد، وإذا سلمت من ذلك كسرت همزتها.
ومعانيها مختلفة:
فـ"إن" للتوكيد.
و"كأن" للتشبيه.
و"لكن" للاستدراك.
و"ليت" للتمني.
و"لعل" للترجي فيما يحب، وللإشفاق 5 فيما يكره
كقوله -تعالى-: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ 1.
وفيها تسع لغات، وقد ذكرت 2.
ولما تقدم الإعلام بأن "كان" تدخل على المبتدأ والخبر وهما -أيضا- معمولا "إن" وأخواتها [نبهت على ما يعرض له سبب يقتضي اختصاص "كان" بالدخول عليه دون "إن" وأخواتها] 3 فقلت:
ما لم يعن مانع ككون ما … أسند مما 4 ألزم التقدما
والإشارة بذلك إلى نحو: "أين زيد"؟ فإن فيه مانعا من دخول "إن" عليه، وهو كون المسند منه واجب التقديم، لتضمنه معنى حرف الاستفهام.
فإذا دخلت عليه "كان" جاز، ولزم تقديم المسند 5، لأن خبرها 6 جائز التقديم فتقول: "أين كان زيد"؟
ولا سبيل إلى ذلك في "أن" وأخواتها، لأن شيئا مما
يتعلق 1 بها لا يتقدم عليها.
فإنها حروف عملت عمل الأفعال، ولم تقو قوتها فيتصرف في معموليها بتقديم وتأخير، كما تصرف في معمولي الأفعال.
ولكن 2 إذا قام مقام مرفوعها ظرف، أو جاز ومجرور جاز تقديمه؛ لأنه ليس في الحقيقة خبرًا، وإنما هو معمول الخبر المقدر آخرًا.
ألا ترى أن قولك: "إن عندك زيدًا" معناه: "إن عندك زيدًا كائن".
فحذف "كائن" 3 وأقيم الظرف مقامه لدلالته عليه.
وشبه تقديمه: وهو قائم مقام الخبر بتقديمه، والخبر موجود نحو قولك: "إن عندك زيدًا مقيم".
فـ"عندك" في هذه المسألة ونحوها فضلة على الخبر 4.
وسهل الفصل به بين "إن" واسمها وخبرها كما سهل في "كان" و"ما".
وكما سهل أن يفصل به بين المضاف والمضاف إليه مع أنهما كالشيء الواحد.
وقد أشير إلى ذلك فيما مضى.
"ص":
وواجب تأخيرك اسمًا يشتمل … على ضمير ما بمسند وصل
كـ"إن في خباء هند بعلها" … و"ليت للمضنى بسعدى مثلها"
"ش":
تأخير اسم "إن" هنا واجب كوجوب تأخير المبتدأ في قول الشاعر:
(215) -. . . . . . . . . . . … ولكن ملء عين حبيبها
ولكن التنبيه 1 على أن مثل ذلك قد يتفق في هذا الباب: حسن لأن أكثر الناس لا يستحضرون ذلك.
ولا يتفق مثل هذا في هذا الباب 2 إلا والخبر ظرف نحو: "إن عند هند بعلها".
أو جار ومجرور نحو: "ليت للمضنى بسعدى مثلها".
وأما في باب المبتدأ، وباب "كان" فيتأتى 3 ذلك بظرف وغير 4 ظرف.5
"ص":
ولدليل جوزوا حذف الخبر … وبعد واو مع وجوبًا اشتهر 1
كذاك نحو إن زيدًا سيرا … سيرًا وإن النضر ميرًا ميرا
ونحو إن أكثر اشتغالي … به وحيدا مكتف بحال 2
والحذف بعد ليت شعري التزم 3 … وذكر الاستفهام بعده حتم
كما جاز أن يحذف خبر المبتدأ إذا دل عليه دليل يجوز حذف خبر هذا الباب -أيضًا- 4 إذا دل عليه دليل 5. كقول عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه 6 - لرجل ذكر 7 أنه من ذوي القربى: "إن ذلك".
ثم ذكر له حاجة فقال: "لعل ذلك".
يريد: إن ذلك صحيح.
ولعل الذي طلبته حاصل 1.
وحكى سيبويه 2 عن بعض العرب: "إنك وخيرًا" 3 يريد: إنك مع خير.
فأعنت الواو التي بمعنى "مع" عن خبر "إن" كما أعنت عن خبر المبتدأ.
وحكى الكسائي: "إن كل ثوب لو 4 ثمنه".
فأدخل اللام على الواو كما تدخل على الخبر؛ لأنها سدت مسده.
وهذا من الحذف الواجب.
ومثله -أيضًا- في الوجوب نحو: "إن زيدًا سيرًا سيرًا".
أي: إن زيدًا يسير سيرًا.
فحذف الفعل، وجعل تكرار المصدر بدلًا منه، كما فعل ذلك في باب الابتداء.
وكذلك حذف خبر "إن" لسد الحال مسده 1، كما كان كذلك 2 في باب الابتداء.
تقول: "إن أكثر شربي السويق ملتوتًا" "كما قلت في الابتداء 3 "أكثر شربي السويق ملتوتًا" 4.
والتقدير هنا، كالتقدير هناك.
ومنه قول الشاعر:
(216) - إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقة … بالله مستظهرًا بالحزم والجلد
وقالوا: "ليت شعري" وحذفوا الخبر -أيضًا- وجوبًا لسد الاستفهام مسده 5 كقول أبي طالب:
7 - ليت شعري مسافر بن أبي عمـ … ـرو، وليت يقولها المحزون
(218) - أي شيء دهاك أم غال مرآ … ك، وهل أقدمت عليك المنون6
"ص":
ونحو: "إن قائمًا عبداكا" … أجاز يحيى، وسعيد ذاكا
"ش": يحيى هو الفراء.
وسعيد، هو أبو الحسن الأخفش.
اتفقا على جواز: "إن قائمًا الزيدان" 1.
يجعلان الصفة اسم "إن"، يرفعان بها ما بعدها مغنيًا عن الخبر، كما يفعل الجميع ذلك بعد النفي والاستفهام نحو: "ما قائم الزيدان" و"أقائم الزيدان"؟ .
وفاعل ذلك بعد النفي والاستفهام معذور؛ لأن النفي والاستفهام لشدة طلبهما الفعل، وأولويتهما به جعلا الصفة كأنها فعل، وعوملت لذلك معاملة الفعل.
ونحو، "إن قائمًا الزيدان" بخلاف ذلك؛ لأن "إن" مختصة بالأسماء فدخولها على ما يه شبه الفعل مزيل لشبهه به، أو جاعله كالزائل.
فمذهبهما في ذلك ضعيف.
"ص":
و"ما" تكف 1 العمل الموصوفا … زائدة إن تل ذي الحروفا
كـ"إنما الله إليه" وأتى … في "ليتما" الوجهان فيما أثبتا
وغير "ليت" لاحق به لدى … قوم قياسًا، وينقل أسندا 2
"ش" لما كان عمل هذه الحروف العمل المخصوص، لأجل شبهها بـ"كان" في الاختصاص بالمتبدأ والخبر.
وكان الاختصاص مفقودًا بتركيبها مع "ما" فتصير جائزة الدخول على الفعل والاسم.
بطل عملها لشبهها حينئذ بالحروف المهملة لعدم اختصاصها.
إلا "ليتما" فإن اختصاصها بالمبتدأ والخبر باق، فأعملت وأهملت.
فمن أعملها، فلبقاء الاختصاص.
ومن أهملها فإلحاقًا بأخواتها؛ ولأنها باينت "كان" حين قارنها ما لا يقارن "كان".
كما أهملت "ما" حين وصلت بـ"إن"؛ لأنها باينت "ليس" بمقارنتها ما لا يقارنها.
وقد روي بيت النابغة:
(219) - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
بنصب "الحمام" ورفعه 1. ورفعه أقيس 2.
وحكى ابن برهان أن الأخفش روى عن العرب: "إنما زيدًا قائمًا".
فأعمل "أن" 3 مع زيادة "ما".4
وحكى مثل ذلك الكسائي في كتابه.
وأما 1 "ليتما" فالجميع روى عن العرب 2 إعمالها وإلغاءها.
"ص":
وكسر "إن" الزم بحيث يعتقب … اسم وفعل، فلبدء ذا يجب
أو كونها محل حال، أو صلة … أو لجواب 3 قسم مكملة
أو وليت فعلًا بلام علقا … أو حكيت من بعد قول -مطلقا-
والكسر والفتح 4 يجوزان 5 إن … "إذا" فجاءة تلت أو تقترن
بفا الجزاء، أو 6 "أما" أو أوليت … فعل 7 يمين دون لام أو تلت
قولًا كـ"ظن" أو بـ"إن" مخبرا … عنه وثان جا لـ"إن" خبرا
وكل موضع سوى ما قدما … ففتح همز "أن" فيه التزما
"ش": "إن" -بالكسر- هي الأصل؛ لأن الكلام معها جملة غير مؤولة بمفرد.
و"أن" -بالفتح- فرع؛ لأن الكلام معها جملة في تأويل مفرد.
وكون الشيء جملة من كل وجه، أو مفردًا من كل وجه أصل لكونه جملة من وجه، ومفردًا من وجه.
ولأن المكسورة مستغنية بمعموليها 1 عن زيادة، والمفتوحة لا تستغني عن زيادة.
والمجرد من الزيادة أصل للمزيد فيه.
ولأن المفتوحة تصير مكسورة بحذف ما تتعلق به كقولك في "عرفت أنك بر": "إنك بر".
"ولا تصير المكسورة مفتوحة إلا بزيادة كقولك في "إنك بر": "عرفت أنك بر" 2.
والمرجوع إليه بحذف أصل للمتوصل إليه بزيادة.
ولما كانت المكسورة أصلًا استحقت موضعًا لا يتقيد بقبيل دون قبيل بل موضعها صالح للاسم والفعل دون اختلاف معنى.
فمن ذلك وقوعها أول كلام نحو: "إن زيدًا ذاهب".
ووقوعها في موضع الحال كقولك: "جئت وإن زيدًا حاضر" 1.
أنشد سيبويه 2:
(220) - ما أعطياني ولا سألتهما … إلا وإني لحاجزي كرمي
ووقوعها صلة كقوله -تعالى 3: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا4
إِنَّ مَفَاتِحَهُ} 1. ووقوعها جواب قسم كقوله تعالى: 2 ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة﴾ 3. ووقوعها بعد فعل معلق باللام نحو قوله تعالى 4: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُك﴾ 5. وكإنشاد سيبويه 6. (221) - ألم تر أني وابن أسود ليلة … لنسري إلى نارين يعلو سناهما ووقوعها محكية بقول نحو: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ 7. "وقيد القول بكونه محضًا احترازًا من قول بمعنى "الظن"، وسيأتي ذكره -إن شاء الله.8
والمراد بقولي "مطلقًا" التنبيه على أن القول صالح لأن تكسر بعده "إن" حين يقصد به معن الظن؛ لأن أصل ما علق به أن يكون محكيا 1.
والمراد بقولي "مطلقًا -أيضًا- التنبيه على 2 أنه يكون بعد فعل القول ومصدره، واسم فاعله، ومفعوله نحو:
"قلت: إنك فاضل" و"صح قولي: إنك فاضل" و"لم أزل 3 قائلًا، إنك فاضل" و"سر المقول: إنك 4 فاضل".
وقولنا:
والكسر والفتح 5 يجوزان إن
"إذا" فجاءة تلت.
. . . . . . . . . .
معناه: إن "إذا" حيث قصد بها المفاجأة ووليتها "إن" جاز كسر همزتها وفتحها كقول الشاعر:
6 - وكنت أرى زيدًا كما قيل: سيدًا … إذا إنه عبد القفا واللهازم
فمن كسر فعلى تقدير: فإذا هو عبد.
ومن فتح فعلى تقدير: فإذا 1 العبودية.
فـ"أن" وما عملت فيه في تأويل مصدر ابتدئ به، وحذف خبره.
وكذا إذا وقعت بعد فاء الجزاء يجوز فيها الكسر والفتح.
فالكسر 2 على تقدير جملة صرح بجزأيها.
والفتح على تقدير مصدر ابتدئ به وحذف خبره.
ومثال الكسر قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم﴾ 3.
ومثال الفتح "قوله تعالى": ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواأَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ 4، 5.
ويجوز كسرها بعد "أما" مقصودًا بها معنى "ألا" الاستفتاحية.
وإن قصد بها معنى "حقًا" فتحت.
ويجوز -أيضًا- كسرها وفتحها بعد القسم إن لم يكن مع أحد معموليها اللام.
و1 وكذلك يجوز كسرها وفتحها في نحو: "أول قولي أني 2 أحمد الله" وشبهه.
فمن فتح فعلى تقدير: "أول قولي حمد الله".
ومن كسر جعل "أول قولي" مبتدأ.
و"إني أحمد الله" جملة أخبر بها مستغنية عن عائد يعود على المبتدأ.
لأنها 3 نفس المبتدأ في المعنى كأنه قال: أول قولي هذا الكلام المفتتح بـ"أني".
ونظير ذلك 4 قوله تعالى 5: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ 6.
وقوله -عليه الصلاة 1 والسلام:
"أفضل ما قلته أن والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" 2.
وضابط ما يجوز فيه الوجهان من هذا النوع أن تقع "أن" 3 خبر قول 4، ويكون خبرها قولا كـ"أحمد" أو"آمر" أو"أدعو".
فلو لم يكن خبرها قولًا تعين الكسر نحو: "أول قولي إنك ذاهب".
وما سوى المواضع التي يجب فيها الكسر، والمواضع التي يجوز فيها الكسر والفتح فالفتح 5 متعين نحو: "عرفت 6 أنك ذاهب"، و"معلوم أنك فاضل" وما أشبهه 7.
"ص":
وبعد ذات الكسر لام الابتدا … تأتي 8 كـ"إن خالدًا لذو هدى"
والثاني المثبت مما يقتضي 1 … يلحق 2 نحو: "إن زيدًا لوضي" وإن يكن فعل مضى صرفا … ولم يقارن "قد" فذا اللام انتفى ووصله واو "مع" ارتضى علي … لشاهد حكى ابن كيسان جلي 3 وجنبوه جزأي الشرط وفي … لحاقه الجزا أبو بكر قفي 4 ووصله 5 معمول غير الماض إن … وسط فهو باستباحة قمن 6 ويلحق الفصل وزائدًا يعد … فيما سوى هذا ومما قد ورد "أم الحليس لعجوز شهربه … ترضي من اللحم بعظم الرقبه"
وخبر المعطوف بعد "إن" إن … قارنها استحسنه كل فطن
"ش": مما تختص به "إن" المكسورة وقوع لام الابتداء بعدها مقارنًا لاسمها المتأخر نحو: "إن في الدار لزيدًا".
أو لخبرها المتأخر نحو: "إن زيدًا لفي الدار".
فإن كان الخبر منفيًا لم تلحقه مطلقًا.
وكذا إن كان فعلًا 1 ماضيًا متصرفًا غير مقارن لـ"قد".
فإن كان 2 ماضيًا 3 غير متصرف، أو متصرفًا 4 مقارنًا لـ"قد" لم يمتنع اقترانه باللام نحو: "إنك لنعم الرجل" و"إنك لقد أحسنت".
وإن كان الخبر جملة شرطية لم يلحق 5 هذا اللام، لا مع الجزء الأول، ولا مع الثاني نحو: "إنك إن تأتني أكرمك".
وأجاز أبو بكر بن الأنباري: "إنك إن تأتني لأكرمك".
وأجاز -أيضًا- علي الكسائي دخولها على الواو التي
بمعنى "مع" وسمع "إن كل ثوب لو ثمنه" -حكاه ابن كيسان في المهذب.
وقد تدخل هذه اللام على الاسم المسبوق بظرف ملغى نحو: "إن غدًا لزيدًا راحل".
ويتناول الظرف الملغي: الجار والمجرور الملغى نحو: "إن بك لزيدًا واثق".
وقد يقارن هذه اللام معمول الخبر ما لم يتأخر عن الخبر، أو يكن الخبر فعلًا ماضيًا.
فيجوز: "إني لأباك مؤتمن" ولا يجوز: "إني مؤتمن لأباك".
وأجاز الأخفش نحو: "إني لبك وثقت" مع أنه لا يجيز: "إني بك لوثقت".
ومعلوم أن اللام إنما دخلت على معمول الخبر لوقوعه قبل الخبر من أجل أنه واقع موقعه فكأنها دخلت عليه.
فإذا لم يكن هو صالحًا لها فلا حظ لمعموله فيها، وإلا لزم ترتجيع الفرع 1 على الأصل.
ومما تدخل 2 عليه هذه اللام: الفصل المسمى عمادًا
كقوله 1 تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ 2.
وما سوى ما ذكر من مواقع 3 اللام إن ورد بلام حكم بزيادتها.
فمن ذلك ما حكاه الكوفيون من قول الشاعر 4:
(223) - ولكنني من فعلها لعميد
وكقراءة سعيد بن جبير 5: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَالطَّعَامَ﴾ 6، 7 بفتح الهمزة.8
ومنه قول الراجز: 1 - أم الحليس لعجوز شهربه ومنه قول الشاعر: 2 - مروا عجالى فقالوا: كيف سيدكم؟ … فقال من سألوا: أمسى لمجهودًا ومنه قول الآخر: 3 - وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها … لكالهائم المقصى بكل مراد
ومنه قول الآخر: (1) - أمسى أبان دليلًا بعد عزته … وما أبان لمن أعلاج سودان (2) ص": وإن تخفف "أن" أو"كأنا" … فبعدها انو الاسم مستكنا وقد يبين، وإذا ما أضمرا … مع "أن" فجملة تجيء (3) خبرا وإن بفعل صدرت غير دعا … وغير ما تصرفا قد منعا فالأحسن الفصل بـ"قد" أو نفي او … تنفيس أو"لو"، وقليل ذكر "لو"
وقبل 1 "أن" ذي علم أو ظن لزم … وبشذوذ ما سوى هذا وسم
"ش": "أن" المفتوحة أشبه بالفعل من المكسورة؛ لأن لفظها كلفظ "عض" مقصودًا به المضي، أو الأمر.
والمسكورة لا تشبه إلا الأمر كـ"جد".
فلذلك أوثرت "أن" المفتوحة المخففة ببقاء عملها، لكن على وجه تبين 2 فيه الضعف، وذلك بأن جعل اسمها محذوفًا لتكون 3 بذلك عاملة كلا عاملة 4.
ومما يوجب مزيتها على المكسورة أن طلبها لما تعمل 5 فيه من جهة الاختصاص، "ومن جهة وصليتها بمعمولها.
ولا تطلب المسكورة ما تعمل فيه إلا من جهة الاختصاص" 6.
فضعفت 7 بالتخفيف، وبطل عملها -غالبًا- بخلاف المفتوحة.
ومثلها "كان" لتركيبها من "أن" والكاف.
وقد يظهر اسماهما 1. فمثال ذلك في "أن" قول الشاعر:
2 - لقد علم الضيف والمرملون … إذا اغبر أفق وهبت شمالًا
(229) - بأنك ربيع، وغيث مريع … وأنك هناك تكون الثمالا
ومثال ذلك في "كأن" قول الشاعر:
3 - فيوما توافينا بوجه مقسم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
على من 1 نصب "ظبية".
ويروى برفعها 2 على حذف الاسم.
ويروى بجرها 3 على زيادة "أن" بين كاف الجر، والمجرور بها.
ولا يكون الخبر عند إضمار اسم "أن" إلا جملة.
إما اسمية كقول الأعشى:
(231) - في فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كل من يحفى وينتعل
وإما فعلية: فإن كان الفعل دعاء، أو غير متصرف باشرته "أن" كقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ 4.5
وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 1. وإن كان غيرهما قرن بـ"قد" كقوله تعالى 2: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ 3. وكقول الشاعر 4: (232) - شهدت بأن قد خط ما هو كائن … وأنك تمحو ما تشاء وتثبت أو بنفي نحو 5 "قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ 6. أو بحرف تنفيس نحو قوله تعالى 7: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ 8. أو بـ"لو" نحو قوله تعالى 9: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْب﴾ 10.11
وعلى كل حال لا تقع 1 "أن" المذكورة -غالبًا- إلا بعد علم أو ظن فلذلك قلت: وقبل "أن" ذي علم أو ظن لزم … وبشذوذ ما سوى هذا وسم فمن الشاذ قول كثير: (233) - تمنيك نفس أن ستدنو ولو دنت … دنت وهي لا بالوصل يدنو سرورها وقول الفرزدق: (234) - أبيت أمني النفس أن سوف نلتقي … وهل هو مقدور لنفسي لقاؤها فأوقعا "أن" المخففة بعد فعل 2 التمني -وهو غريب.34
ومن الشاذ -أيضًا- قول الشاعر 1:
(235) - رأيتك أحييت الندى بعد موته … فعاش الندى من بعد أن هو خامل
(236) - فكان لها ودي وريقة ميعتي … وليدًا إلى أن رأسي اليوم أشيب
فأوقعا "أن" المخففة غير مسبوقة بعلم ولا ظن.
وكذلك إن وقع الفعل بعدها متصلًا بها ولم يكن دعاء، ولا غير متصرف 2 فهو جائز بضعف.
وقد يكون الفعل المتصل بها مضارعًا، وقد يكون ماضيًا.
فالمضارع كقول الشاعر.
5 - علموا أن يؤملون فجادوا … قبل أن يسألوا بأعظم سؤل34
وكقول الآخر 1: 2 - إني زعيم يا نويقة إن أمنت من الرزاح (239) - ونجوت من عرض المنون من الغدو إلى الرواح (240) - أن تهبطين بلاد قوم يرتعون من الطلاح والماضي كقول أبي ذؤيب: 3 - فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن … يحل لهم إكراهها وغلابها (242) - دعاني إليها القلب إني لأمره … سريع فما أدري أرشد طلابها
وليس المراد بالعلم والظن لفظهما، بل معناهما بأي لفظ كان.
فمن وقوع "أن" المخففة بعد مفهم 1 علم قول ابن أبي ربعية:
(243) - ثم انصرفت وكان آخر عهدنا … أن سوف يجمعنا إليك الموسم
ومنه قول الأحوص 2:
4 - وما كنت زوارًا ولكن ذا الهوى … إذا لم يزر لا بد أن سيزور
ومنه قول جرير:3 = هـ ورواية الديوان "عصاني إليها القلب".
والبيت الذي ذكره المصنف متقدمًا هنا ذكر في الديوان متأخرًا ووقعت كلمة "دعاني" أو"عصاني" في جواب "لما" في بيت يسبق هو.
ثلاثة أعوام فلما تجرمت … علينا بهون واستحار شبابها والبيت الثاني من شواهد المصنف في شرح عمدة الحافظ ص 119، وشرح التسهيل 2/ 199.
(245) - وآية لؤم التيم أن لو عددتم … أصابع تيمي نقصن عن العشر ولذلك فإن الفراء في: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاس﴾ 1: "قرئ نصبًا، ولو رفع كان صوابًا" 2. "ص": وخففت "إن" فقل العمل … وإن تلا فعل فمما يعزل عمل الابتدا وشذ نحو "إن … قتلت" والثاني بلام يقترن فارقة إن لم يكن يستغنى … عن ذكرها بعمل، أو معنى إهمال "إنَّ" المكسورة بالتخفيف أكثر من إعمالها، ولذا قلت: . . . . . . . . . . . فقل العمل …. . . . . . . . . . .3
"ثم أشرت إلى أنه إذا تلاها فعل فحقه أن يكون بعض نواسخ الابتداء نحو قوله تعالى 1: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ 2.
ثم أشرت إلى أنه قد يليها فعل غير ناسخ للابتداء على سبيل الشذوذ كقول عاتكة امرأة الزبير -رضي الله عنه.
(246) - يا عمرو لو نبهته لوجدته … لا طائشَا رعش الجنان ولا اليد
(247) - شلت يمينك إن قتلت لمسلمًا … حلت عليك عقوبة المتعمد
وحكى الكوفيون: "إن يزينك لنفسك، وإن يشينك لهيه 3 ".4
وسمع سيبويه 1 بعض العرب يقول: "أما إن جزاك الله خيرًا -بالكسر.
وجعل تقديره: أما إنك جزاك الله خيرًا.
والفتح أشهر.
وإذا أعملت وهي 2 مخففة "فالمتكلم بالخيار في الإتيان باللام وتركها، كما كان قبل التخفيف.
ومن إعمالها مخففة 3 قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ 4. = ومنها روايته في شرح عمدة الحافظ 81 وهي: هبلتك أمك.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . ومنها رواية ابن يعيش في شرح المفصل 8/ 72. بالله ربك.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . "ينظر الخزانة 4/ 348، همع 1/ 142، المقاصد النحوية 2/ 278، والإنصاف 2/ 641" والشلل: يبس في اليد أو ذهابها، الطائش: الذي لا يصيب الهدف.
الجنان: القلب أو الروح.
عقوبة المتعمد: القتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
قال سيبويه 1:
"وحدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: "إن عمرًا لمنطلق".
وقال الأخفش في كتاب "المعاني" له:
"وزعموا أن بعضهم يقول: "إن زيدًا لمنطلق" وهي مثل: = وفي هذه الآية قراءات منها ما يلي: الأولى: قراءة نافع وابن كثير بتخفيف نون "أن" وميم "لما" على إعمال" "إن" المخففة.
واللام في "لما" داخلة في خبر "إن" و"ما" موصولة أو نكرة موصوفة، ولام "ليوفينهم" لام القسم، وجملة القسم مع جوابه صلة الموصول، أو صلة لـ"ما".
والتقدير على الأول: وإن كلا للذين والله ليوفينهم.
والتقدير على الثاني: وإن كلا لخلق أو لفريق والله ليوفينهم.
والموصول أو الموصوف خبر لـ"إن".
الثانية: قراءة ابن عامر وحفص وحمزة وأبي جعفر بتشديد نون "أن" وميم "لما" وهي قراءة ظاهرة فـ"أن" عاملة، ووافقهم الشنبوذي.
الثالثة: قراءة أبي بكر -بتخفيف النون وتشديد الميم- جعل "إن" نافية و"لما" كـ"إلا" و"كلا" منصوب بمفسر بقوله ليوفينهم.
ووافقه الحسن.
الرابعة: قراءة المطوعي بتخفيف "إن" ورفع "كل" وتشديد "لما" على أن "إن" نافية و"كل" متبدأ و"لما" بمعنى "إلا" وهي قراءة ظاهرة.
وحكم "لما" في الطارق حكمها في "هود" تشديدًا وتخفيفًا، ويس كالزخرف "ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 260، 364، 385".
﴿وَإِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ 1 يقرأ 2 بالنصب والرفع" 3. هذا نصه.
فإذا 4 أهملت لزمت اللام 5 ثاني الجزأين لئلا يتوهم كونها نافية.
"فإن كان المحل غير صالح للنفي لم يجب اللام نحو: "إن كادت نفس الخائف تزهق" 6 و"إن كان الكريم يرتاح للعطاء" و"إن وجدت الله لطيفًا بعباده".
وفي صحيح مسلم عن عائشة أم المؤمنين 7 -رضي الله عنها:
"إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب التيمن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله 8 إذا انتعل 9.
ومنه قراءة بعض السلف: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّامَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ 1، 2.
- ذكرها ابن جني في المحتسب، وعزاها إلى أبي رجاء- 3.
و"ما" موصولة، وعائدها محذوف.
والتقدير: وإن كان ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا 4. ومنه قول الطرماح.
(248) - أنا ابن أباة الضيم من آل مالك … وإن مالك كانت كرام المعادن "ص": ونصب ما على اسم ذا الباب عطف … أجز بلا قيد، وبالرفع اعترف لـ"إن" بعد خبر، وقبل أن … نويت تأخيرًا، و"أن" مثل "إن" 1 والرفع 2 - مطل قًا- رأى الكسائي … وإن يك الإعراب ذا خفاء وقدم المعطوف فالفراء قد … يرفع عمومًا، وبفتواه ورد "يا ليتني وأنت يا لميس … في بلد ليس به 3 أَنِيسُ"4