باب نوني التوكيد
: "ص" للفعل توكيد بنونين هما … كنوني "اذهبن" و"اقصدنهما" وإنما يؤكدان الأمر أو … مضارعا ذا طلب كـ"لا تروا" أو 1 كان شرطا بعد "إما" أو أتى … مستقبلا بعد يمين مثبتا ما لم يكن معمولة 2 مقدما … كالآت بين لـ"إلى" 3 و"فبما" أو يقترن بحرف تنفيس كما … "وربنا لسوف نلقي مغنما" 4 وقد يؤكدان منفيا بـ"لا" … متصلا، ونادرا قد فصلا
والشرط بعد غير "إما" أكدا … نزرا كذا الجواب -أيضًا- وردا
والنون شذت بعد "ربما" و"لم" … وشاعر بعد "ما" مزيدا أن يؤم
كقوله: "من عضة 1 ما ينبتن … شكيرها" وهكذا 2: "ما يحمدن"
وليس توكيد بنون يلتزم … في غير فعل مثبت بعد القسم
وتركه من بعد "إما" قلما … تلفيه إلا في كلام نظما
وشذ توكيد مع الخلو من … ما قد مضى كـ"أشعرن المتزن".
وشذ في اسم فاعل: 3 "أقائلن" … وبشذوذ: "أحرين" 4 أيضا -قمن
"ش" للتوكيد نونان: خفيف وثقيلة.
وقد تضمنهما قولي:
. . . . . . . . . . . … كنوني "اذهبن" و"اقصدنهما"
كما تضمنهما قول الله تعالى 1: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ 2.
ويؤكد بهما فعل الأمر مطلقا.
والمضارع المصاحب ما يقتضي طلبا من: لام أمر، أو "لا" نهي، أو دعاء، أو تحضيض، أو عرض 3، أو تمن، أو استفهام.
قال الأعشى في توكيد الأمر والنهي، أنشده سيبويه 4:
(935) - وإياك والميتات لا تقربنها … ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
وقال في توكيد ما صاحب الاستفهام 5:
(436) - وهل يمنعني إرتيادي البلا … د من حذر الموت أن يأتين؟ 678
وقال آخر: 1 (937) -. . . . . . . . . . . … أفبعد كندة تمدحن قبيلا؟ [وقال آخر 2: (938) - فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث … مساعينا حتى نرى: كيف نفعلا 3]؟ وقال ابن رواحة 4 - رضي الله عنه 5 - في الدعاء 6:78
(939) - والله لولا الله ما اهتدينا (940) - ولا تصدقنا ولا صلينا (941) - فأنزلن سكينة علينا (942) - وثبت الأقدام إن لاقينا وقال آخر 1 في التحضيض: 3 - هلا تمنن موعد غير مخلفة … كما عهدتك في أيام ذي سلم وقال آخر في التمني: 4 - فليتك يوم الملتقى ترينني … لكي تعلمي أني امرؤ بك هائم ومثال توكيد الشرط بعد "إما" قوله تعالى: {فَإِمَّا نُرِيَنَّك2
بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} 1.
ومثال المستقبل الآتي بعد يمين قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ 2.
فلو قدم على الفعل المقسم عليه ما يتعلق به من جار أو غيره قرن المتعلق بلام القسم، واستغنى عن النُّون كقولك: "والله لزيدًا أكرم".
وكذا لو كان مع الفعل "سوف"، أو السين كقولك: "والله لسوف أكرمك".
فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ 3.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ 4.
وقد يؤكد بإحدى النونين المضارع المنفي بـ"لا" تشبيها بالنهي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ 5.
وقد زعم قوم أن هذا نهي، وليس بصحيح ومثله قول الشاعر:
(945) - فلا الجارة الدنيا بها تلحينها … ولا الضيف فيها إن أناخ محول 1
إلا أن توكيد 2 "تصيبن" أحسن لاتصاله بـ"لا" فهو بذلك أشبه بالنهي كقوله تعالى: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾.
بخلاف قول الشاعر: "تلحينها"، فإنه غير متصل بـ"لا" فبعد شبهه بالنهي.
ومع ذلك فقد سوغت [توكيده "لا"، وإن كانت منفصلة.
فتوكيد "تصيبن" لاتصاله بـ"لا" 3 أحق وأولى.
ومثال 4] توكيد الشرط بعد غير "إما" ما أنشد 5 سيبويه 6.7
من قول الشاعر: (946) - من تثقفن منهم فليس بآيب … أبدا وقتل بني قتيبة شاف وأنشد سيبويه 1 - أيضا- في توكيد الجواب: (947) - نبتم نبات الخيزراني في الثرى … حديثا متى ما يأتك الخير تنفعا [وأنشد سيبويه 2 - أيضًا: 5 - فمهما تشأ منه فزارة تعطكم … ومهما تشأ منه فزارة تمنعا34
ومثال التوكيد بعد "ربما" و"لم" قول الشاعر: (949) - ربما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات] 1 وقال الراجز 2 في التوكيد بعد "لم": 4 - يحسبه الجاهل ما لم يعلما (951) - شيخا على كرسيه معمما3
وإنما قل التوكيد بعد "ربما"، و"لم"؛ لأن الفعل بعدها ماضي المعنى، ولاحظ للماضي في هذا التوكيد.
وهو بعد "ربما" أحسن.
وحكى سيبويه: 1 "ربما تقولن 2 ذاك" 3.
وكثر هذا التوكيد بعد "ما" الزائدة دون "إن" كقول العرب "بعين ما أرينك" 4، و"بجهد ما تبلغن" 5، و"كثر ما تقولن" 6، و"حيثما تكونن آتك".
وفي المثل 7:
8 -. . . . . . . . . . . … ومن عضة ما ينبتن شكيرها
ومثله قول الشاعر:
(953) - قليلا به ما يحمدنك وارث … [إذا نال مما كنت تجمع مغنما] 1
وإنما كثر هذا التوكيد بعد "ما" الزائدة 2 لشبهها بلام القسم.
قال سيبويه 3 - بعد تمثيله بـ"ربما تقولن ذلك" و"كثر ما تقولن ذلك":
"ولا يقع 4 بعد هذه الحروف إلا وما لازمة، فأشبهت عندهم لام القسم".
هذا نصه.
ولا يلزم هذا 5 التوكيد إلا بعد القسم.6
وإلى هذا 1 أشرت بقولي:
وليس توكيد بنون يلتزم 2 … في غير فعل مثبت بعد القسم
ثم بينت أن الفعل بعد "إما" يقل وقوعه بلا نون، ولذا لم يجئ في القرآن بعدها إلا مؤكدا كقوله تعالى 3: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ 4.
وزعم بعضهم أن ذلك لازم، وأن 5 نحو: "إما تفعل أفعل" غير جائز.
وليس بصحيح: بل هو جائز قليل، كقول الراجز:
(954) - إما تريني اليوم أم حمز
(955) - قاربت بين عنقي وجمزي
ومثله قول الشاعر 6:7
1 - إما تري رأس تغير لونه … شمطا فأصبح كالثغام المخلس
وقال آخر:
2 - يا صاح إما تجدني غير ذي جدة … فما التخلي عن الخلان من شيمي
وأشرت بقولي:
وشذ توكيد مع الخلو من … ما قد مضى.
. . . . . . . . . .
إلى قول الشاعر:
(1) - ليت شعري وأشعرن إذا ما … قربوها منشورة ودعيت.
(959) - ألي الفوز أم على إذا حو … سبت إني على الحساب مقيت
وأشذ من هذا توكيد "أفعل" في التعجب كقول الشاعر:
(2) - ومستبدل من بعد غضبى صريمة … فأحر به من طول فقر وأحريا
أراد: وأحرين.
فأبدل النون للوقف أَلِفًا.
وهذا من تشيبه لفظ بلفظ، وإن اختلفا معنى.
وأشذ من هذا ما أنشد ابن جني (3) من قول الراجز:
1 - أريت إن جاءت به أملودا
962 - مرجلا ويلبس البرودا
963 - أقائلن أحضروا الشهودا
فأكد بالنون اسم الفاعل لشبهه بالفعل المضارع.
"ص"
وآخر الفعل افتحن مؤكدا … معتلا أو ذا صحة كـ"اعتضدا".
واشكله قبل مضمر لين بما … جانس من تحرك قد علما
والمضمر احذفنه غير الألف … وإن يكن في آخر الفعل ألف
فاجعله منه رافعا غير اليا … والواو ياء كـ"استعين سعيا".
واحذفه من رافع هاتين وفي … واو ويا شكل مجانس قفي نحو "اخشين يا هند" بالكسر و"يا … قوم اخشون"، واضمم وقس مسويا 1 وقدر اعراب الذي أكد إن … يصلح لنون الرفع نحو "ترين" وللبنا انسب غير صالح لها … كـ"لا تكونن 2 واثقا بمن لها" ولم تقع خفيفة بعد الألف … لكن شديدة وكسرها ألف وألفا رد قبلها مؤكدا … فعلا إلى نون الإناث أسندا وكسع 3 كوفي ويونس الألف … بالنون ذات خفة حكم عرف واحذف خفيفة لساكن ردف … وبعد غير فتحة إذا تقف واردد إذا حذفتها في الوقف ما … من أجلها في الوصل كان عدما
وأبدلنها بعد فتح ألفا … وقفا كما تقول في "قفن" "قفا"
"ش" لما فرغت من الجائز التوكيد واللازمة، والممتنعة أخذت في بيان ما ينشأ عنه من التغيير.
فذكرت أن آخر المؤكد يفتح: صحيحا كـ"اعتضدن" 1، أو معتلا كـ"أخشين" و"ارمين" و"اغزون" 2.
[وهل بني أولا على السكون ثم حرك بالفتح لالتقاء الساكنين أو بني أولا 3 على الفتح؛ لأنه ثبت له الإعراب قبل البناء؟ فيه قولان للنحويين 4].
ثم نبهت على أن آخر المؤكد قبل مضمر لين يحرك بما يجانسه، أي: يفتح قبل الألف، ويكسر قبل الياء، ويضم قبل الواو.
ثم نبهت على حذف الياء والواو، ثبوت الألف بقولي: والمضمر احذفنه غير 5 الألف
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيقال: "لا تضربان" و"لا تضربن" و"لا تضربن".
ثم نبهت بقولي:
وإن يكن في آخر الفعل ألف …. . . . . . . . . . .
على أن نحو: "يسعى" إذا لم يسند إلى ياء الضمير، ولا واوه 1 تقلب ألفه ياء نحو: "لا تسعين" "ولا تسيعان".
ثم نبهت على أن الألف تحذف إذا وليها ياء الضمير أو واوه.
وأن الياء والواو حينئذ تحركان 2 بالمجانس، أي: بكسر الياء، وضم الواو.
نحو: "هل تخشين يا هند" و"هل تخشون يا قوم".
ثم نبهت على أن الفعل المؤكد بالنون إن 3 كان مضارعا، واتصل به ألف اثنين أو واو جمع 4 أوياء مخاطبة فهو معرب تقديرًا.
وإن لم يتصل به أحد الثلاثة فهو مبني.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأن المؤكد بالنون إما أن يكون بناؤه لتركيبه معها، وتنزله 5 منها منزلة الصدر 6 من العجز.
وإما أن يكون من أجل أن النون من خصائص الفعل، فضعف بلحاقها شبه الاسم، إذا لا قائل بغير 7 هذين القولين.
والثاني باطل؛ لأنه مرتب على كون النون من خصائص الفعل.
ولو كان ذلك مقتضيا للبناء لنبي المجزوم والمقرون بحرف التنفيس، والمسند إلى ياء المخاطبة؛ لأنهن مساوية للمؤكد في الاتصال بما يخص الفعل، بل ضعف شبه هذه الثلاثة أشد من ضعف شبه المؤكد بالنون؛ لأن النون وإن لم يلق لفظها بالاسم فمعناها لائق.
بخلاف "لم" وحرف التنفيس، وياء المخاطبة فإنها غير لائقة بالاسم لفظا ومعنى.
فلو كان موجب بناء المؤكد 1 بالنون] كونها مختصة بالفعل لكان ما اتصل به أحد الثلاثة مبنيا؛ لأنها أمكن في الاختصاص.
وفي عدم بناء ما اتصلت 2 به دلالة على أن موجب البناء 3 التركيب إذ لا ثالث لهما.
وإذا ثبت أن موجب البناء هو التركيب لم يكن فيه لما اتصل به ألف اثنين 4، أو واو جمع أوياء مخاطبة نصيب؛ لأن ثلاثة أشياء لا تركب.
وإذا ثبت هذا علم أن أصل قولك: "هل تفعلان" و"هل
تفعلن" و"هل تفعلن":
"هل تفعلانن" و"هل تفعلونن"، و"هل تفعلينن".
فاستثقل 1 توالي الأمثال، نون الرفع تخفيفا، واكتفي بتقديرها.
وأوثرت الألف بالثبوت لخفتها، وكسرت نون التوكيد بعدها لشبهها بنون التثنية في زيادتها آخرا بعد الألف 2، واستثقلت الواو والياء فحذفتا، واكتفي بدلالة الضمة والكسرة عليهما 3.
فإن كان آخر الفعل ألفا كـ"يخشى" و"يسعى" حذفت الألف، وحركت ياء المؤنثة واو الجمع بما يجانسها نحو: "هل تخشين يا هند" و"هل تسعون يا قوم".
ولو كانت 4 النون خفيفة لقلت: "هل تخشين يا هند" "هل تسعون يا قوم" 5.
ولو كان المسند إليه 6 ألفا لم يجز أن يؤتى بالنون إلا مشددة هذا مذهب سيبويه، وغيره من البصريين.
إلا يونس فإنه يجيز 7 أن يؤتى بعد الألف بالنون الخفيفة
مكسورة 1.
ويعضد قوله قراءة بعد القراء 2: [﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا 3 فَدَمَّرْنَاهُمْ 4 تَدْمِيرًا 5﴾. حكاها ابن جني 6.
ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان 7: ﴿وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ 8.
وكمذهب يونس مذهب الكوفيين في وقوع الخفيفة بعد الألف.
فإن كان المؤكد مسندا إلى نون الإناث زيدت بينها، وبين المؤكدة ألف تفصل بينهما، ولا تكون النون إلا مكسورة مشددة.
وإذا 9 كانت النون خفيفة، ولقيها ساكن حذفت، سواء كان
وما قبلها مفتوحا أو مضموما، أو مكسورا، ومنه قول الشاعر:
(964) - ولا تهين الفقير علك أن … تركع يوما والدهر قد رفعه
وإذا وقفت على المؤكد بالنون الخفيفة 1 أبدلتها ألفا إن وليت 2 فتحة كقولك في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعَنْ﴾ 3: "لنسفعا".
وكقولي:
. . . . . . . . . . . … في "قفن" "قفا"
وكقول النابغة الجعدي:
5 - فمن يك لم يثأر لأعراض قومه … فإني ورب الراقصات لأثأرا4
فإن لم تل فتحة حذفتها 1 ورددت إلى الفعل ما حذف من أجلها.
فتقول في "اخرجُنْ" و"اخرجِنْ": "اخرجوا" و"اخرجي".
وفي: "هل تخرُجُنْ" 2 و"هل تخرجِنْ": "هل تخرجون" و"هل تخرجين".
وهذا مما يدل على أن المسند إلى الواو والياء كان قبل الوقف معربا تقديرا، إذ لو كان قبل الوقف مبنيا 3 لبقي بناؤه؛ لأن الوقف عارض فلا اعتدال بزوال ما زال 4 [من أجله، كما لا اعتداد بزوال ما زال 5] لالتقاء الساكنين نحو: "هل تذكر الله".
والأصل: "هل تذكرون".
فحذفت النون الخفيفة لالتقاء الساكنين، وبقيت فتحة الراء الناشئة عن النون من كونها زائلة.
فصل في التنوين
: 1
"ص"
إن يبد لفظا دون خط نون … كـ"ابسط يدا" فذلك التنوين
وهو لتنكير، وصرف، وعوض … نحو "صه" "صمتا" "إذ" وم العوض
ما في "جوار" و"يعيل" وجعل … مقابلا في "عرفات" فقبل 2
وعوضا من مدة المطلق جا … كـ"الأتحمي 3 أنهجن" أي: أنهجا
وزيد في التنوين غال، وأبى … أبو سعيد -وحده- ذا المذهبا
"ش" التونين على ضربين:
أحدهما: خاص بالاسم.
والآخر: مشترك فيه.
فالخاص بالاسم: تنوين التنكير، وتنوين الصرف وتنوين العوض، وتنوين المقابلة.
فتنوين التنكير: كتنوين "صه".
فإن "صه" -بلا تنوين- بمعنى: اسكت السكوت.
وبالتنوين بمعنى: اسكت سكوتا ما 4.
ومن تنوين التنيكر تنوين عجز "سيبويه" [ونحوه.
تقول: "مررت بسيبويه"، فلا تنون حين تقصد المعرفة.
و"مررت بسيبويه 1] آخر" فتنون حين تقصد النكرة.
وتنوين الصرف كتنوين "رجل"، وغيره من الأسماء المعربة العارية من موانع الصرف.
وقد يتوهم أن تنوين "رجل" تنوين تنكير، وليس كذلك؛ لأنه لو سمي به مذكر لبقي تنوينه مع زوال التنكير، فلو كان تنوين تنكير 2 لزال بزوال مدلوله.
وتنوين العوض على ضربين:
أحدهما: ما عوض من الإضافة كالذي في قوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ 3.
فإن أصله: فهي يوم إذا انشقت السماء واهية.
فحذفت الجملة، وجيء بالتنوين فالتقى ساكنان فكسرت الذال لالتقاء الساكنين.
والثاني كالذي في نحو: "هؤلاء جوار" و"هذا يرم" في رجل سميته بـ"يرمي".
وكذاكل ما آخره ياء قبلها كسره مما لا ينصرف نظيره من الصحيح كـ"يعيل" تصغير "يعلي"، فإنه نظير "يعيمر" 4 تصغير "يعمر" 5.
وكون هذا التنوين عوضا لا تنوين صرف هو مذهب سبيويه والمبرد.
إلا أن سيبويه جعله عوضا من الياء 1.
والمبرد جعله عوضا من ضمة الياء وكسرتها 2.
والصحيح مذهب سيبويه؛ لأنه لو كان عوضا من الحركة لكان ذو الألف أولى به من ذي الياء؛ لأن حركة ذي الياء غير متعذرة، فهي لذلك في حكم المنطوق بها.
بخلاف حركة ذي الألف، فإنها 3 متعذرة، وحاجة المتعذر إلى التعويض أشد من حاجة غير المتعذر.
و-أيضا- لو كان التنوين المشار إليه عوضا من الحركة لألحق مع الألف، واللام كما ألحق معهما 4 تنوين الترنم في قوله:
(966) - أقلي اللوم عاذل والعتابا …. . . . . . . . . . .
فإن قيل: لم حذفت الياء أولا؟
قلنا: لما كانت ياء المنقوص المنصرف قد تحذف 1 تخفيفا، ويكتفى بالكسرة التي قبلها، وكان المنقصو الذي لا ينصرف أثقل التزموا فيه من الحذف ما كان جائزا في الأدنى؛ ليكون لزيادة الثقل زيادة أثر.
إذ ليس بعد الجواز إلا اللزوم.
ثم جيء بعد الحذف بالعوض كما فعل في "إذ" حين حذف ما تضاف 2 إليه.
ومن النحويين من يذهب إلى 3 أن تنوين "جوار"، ونحوه تنوين صرف.
لأن الياء حذفت، فصار الاسم بعد حذفها شبيها بـ"جناح" 4.5
وهذا قول ضعيف؛ لأن الياء حذفت تخفيفا وثبوتها 1 منوي، ولذلك بقيت الكسرة دليلا عليها.
وما حذف تخفيفا ونوي ثبوته فلا اعتداد بحذفه.
ولهاذ لو سمي بـ"كتف": امرأة ثم سكن تخفيفا لم يجز صرفه جواز صرف "هند"؛ لأن الحركة منوية فلم يعتد بالسكون.
ولو قيل في "جيأل" 2 -اسم رجل: "جيل" فم يجز صرفه، وإن كان في اللفظ ثلاثيا؛ لأن الهمزة منوية الثبوت، ولذلك لم تقلب الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وأمثال ذلك كثيرة.
فإن أورد جندل 3 ونحوه، فإن أصله "فعالل"، فحذفت ألفه ونوي ثبوتها لئلا تتوالى 4 أربع حركات في كلمة واحدة، ومع ذلك صرف اعتبارا بعارض الحذف.
والجواب أن يقال:
لا أسلم 5 أن تنوين "جندل" ونحوه تنوين صرف، وإنما هو
تنوين جيء به عوضا عن 1 الألف كما جيء بتنوين "جوار" عوضا من الياء، فاندفع المعارض، وصح عدم الاعتداد بالعارض.
وتنوين المقابلة: تنوين "مسلمات"، ونحوه من الجمع بالألف والتاء، فإنه جمع قصد به في 2 المؤنث من سلامة نظم الواحد واتحاد لفظ الجر والنصب ما قصد في "مسلمين" ونحوه.
فقوبلت الياء بالكسرة، والنون بالتنوين.
ولذلك إذا سمي بـ"مسلمات" بقي تنوينه كما يبقى نون "مسلمين" إذا سمي به.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَات﴾ 3.
وقول الشاعر:
4 - تنورتها من أذرعات وأهلها … بيثرب أدنى دارها نظر عالي
فلو كان تنوين "مسلمات" تنوين صرف لزال عند العملية، كما يزول تنوين "مسلمة" إذا صار علما، فإن في كل منهما بعد التسمية من العلمية، والتأنيث ما في الآخر.
وتأنيث "مسلمات" أحق بالاعتبار لوجهين:
أحدهما: أنه تأنيث معه جمعية.
والثاني: أنه تأنيث بعلامة لا تتغير في الوقف.
بخلاف تأنيث "مسلمة".
واعتبار ما 1 لا يتغير وصلا، ولا وقفا أولى من اعتبار ما يتغير وقفا.
وأما التنوين المشترك فيه فهو الذي يسمى "تنوين الترنم"، وإنما هو عوض من الترنم؛ لأن الترنم مد الصوت بمدة 2 تجانس حركة الراوي.
فالأصل إذا قيل تنوين الترنم: تنوين ذي الترنم.
فحذغ المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال سيبويه 3: "أما إذا ترنموا، فإنهم يلحقون الياء والألف، والواو؛ لأنهم أرادوا مد الصوت.
وإذا أنشدوا لم يترنموا.
فأهل الحجاز يدعون القوافي على حالها في الترنيم.
وناس كثير من بين تميم يبدلون مكان المدة النون، لما لم يريدوا الترنم أبدلوا مكان المدة نونا، ولفظوا بتمام البناء -كما فعل أهل الحجاز ذلك بحروف المد.
سمعناهم يقولون:
1 - يا أبتا علك أو عساكا
وقال العجاج:
2 - يا صاح ما هاج الدموع الذرفا
وقال:
3 - من طلل كالأتحمي أنهجا
وكذلك يفعلون في الجر، والرفع"، هذا نص سيبويه.
فهذا التنوين مخالف لغيره بوجهين:
أحدهما: أنه يلحق 1 الاسم وغيره مما ينون في الأصل، وما 2 لا ينون.
والثاني: أنه يلحق 3 في الوقف وغيره.
وهذا 4 التنوين يحذف في الوقف بعد غير الفتحة، ويبدل ألفا بعد الفتحة، ولأجل الاشتراك فيه لم يمتنع مما فيه الألف، واللام كقول الشاعر 5:
أقلي اللوم عاذل والعتابا …. . . . . . . . . . .
ولا من فعل كقوله:
. . . . . . . . . . . … وقولي: إن أصبت لقد أصابا
وذكر العروضيون تنوينا يسمونه الغالي، وهو تنوين يزاد بعد حرف 6 الروي المقيد، وينشدون مستشهدين عليه قول رؤبة:
(971) - وقاتم 7 الأعماق خاوي المخترق8
- بكسر القاف وزيادة تنوين بعده.
وأنكر أبو سعيد السيرافي هذا التنوين، ونسب رواته إلى الوهم 1 بأن قال: "إنما سمع رؤبة يسرد هذا الرجز ويزيد" "إن" في آخر كل بيت، فضعف لفظه بهمزة "إن" لا نحفازه في الإيراد، فظن السامع أنه نون وكسر الروي.
وهذا الذي ذهب إليه أبو سعيد تقرير 2 صحيح مخلص من زيادة ساكن على ساكن بعد تمام الوزن.