ومع جوازه ففيه ضعف.
ومثله في الضعف ما كان مثل قولنا: "هو 1 جم فضله، وجم الفضل" -بالنصب.
وشاهد الأول:
. . . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . . وادقة سراتها
وشاهد الثاني:
. . . . . . . . . . . … أجبَّ الظهرَ.
. . . . . . . . . .
-بالنصب-
وأضعف منهما ومن الذي قبلهما ما رفع نكرة مجردة نحو قولنا: "جميلٌ وجهٌ" و"الجميلُ وجهٌ".
وقد ظفرت بشاهد له غريب وهو قول الراجز:
(699) - ببهمة منيت شهم قلب
(700) - منجذ لا ذي كهام ينبو
فـ"قلب" مرتفع بـ"شهم" كارتفاع "وجه" بـ"جميل" والأصل "وجهه" وقلبه" فحذف الضمير للعلم به.
وأشرت بقولي:
وخفضهم "أخفية الكرى" بأن … أضيف "الأيقاظ" له وجه حسن
إلى قول الشاعر:
1 - لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى … تزججها من حالك واكتحالها = شهم: جلد زكي الفؤاد.
منجذ: أحكمته الأمور.
كهام: سيف كهام كليل ولسان كهام: عيي، وفرس كهام: بطيء ينبو: يتجافى ويتباعد
ويجوز في "أخفية الكرى" الجر بالإضافة.
والرفع على الفاعلية.
والنصب على التشبيه 1 بالمفعول به.
وهو نظير قولنا 2: الحسن وجه الأب" بالأوجه الثلاثة.
واعدد من الباب 3 اسم مفعول الذي … عدوا لواحد كمفعول "غذي".
نحو: المصون عرضه" و"المنتقي … رأيا" و"مشهور صلاح وتقي"
لما كان اسم المفعول مشاركا للصفة المشبهة في اطراد الإضافة إلى ما هو مرفوع في المعنى شاركها في وجوه العمل المتقدم ذكره.
لكن بشرط بنائه 4 من فعل متعد إلى واحد، [لأنه 5 يجري مجرى فعله المردود إلى صيغة ما لم يسم فاعله.
[وذلك 6 الفعل لا يقصر عن 7 التعدي، إلى مفعول إلا إذا كان قبل رده إلى صيغة ما لم يسم 8 فاعله] متعديا إلى
واحد] 1، فكذلك اسم مفعوله.
فيكون اسم المفعول من فعل متعد في الأصل إلى واحد يتم شبهه بالصفة المشبهة فتجري مجراها نحو قولك: "زيد مصون عرضه، ومنتقي رأيا، ومشهور صلاح".
كما يقال: "زيد جميل وجهه، وكثير برا، وبين صلاح".
والتنظير 2 بسائر المسائل هين، وتوجيهها بين، فلم أتصد لإحصائها، والإطالة باستقصائها.
وضمن الجامد معنى الوصف … واستعمل 3 استعماله بضعف
كـ"أنت غربال الإهاب" وكذا … "فراشة الحلم" فراع المأخذا
من تضمين الجامد معنى المشتق وإعطائه حكم الصفة المشبهة قول الشاعر:
4 - فراشة الحلم فرعون العذاب وإن … يطلب نداه فكلب دونه كلب
وقول 1 الآخر:
(703) - فلولا الله والمهر المفدى … لأبت 2 وأنت غربال الإهاب
فضمن "فراشة الحلم معنى: "طائش"، و"فرعون".
معنى: "أليم" و"غربال" معنى: مثقب".
فأجريت محراها في الإضافة إلى ما هو فاعل في المعنى.
ولو رفع بها أو نصب لم يمتنع.3
باب: التعجب
بـ"أفعل" انطق بعد "ما" تعجبا … أو جئ بـ"أفعل" قبل مجرور ببا وتلو "أفعل" انصبنه كـ"ما … أوفى خليلنا وأصدق بهما" و"ما" هنا ارفع بابتداء والخبر … "أفعل" رافعا ضميرا استتر وكـ"الذي أفعل": "ما أفعل" في … رأي وهي به سعيد اقتفي والصيغتين أنسب 1 إلى الفعلية … وبرئن "أفعل" من الأمريه بل هو في القول الأصح خبر … وما يليه فاعلا يقدر
وحذف ذي البا لا تجز وربما … تزال مع مجرورها إن علما
وربما استغنى بعد "أفعلا" … للعلم عن منصوبه فاختزلا
وفعلي التعجب الزم فيهما … منح تصرف لزوما حتما
للتعجب ألفاظ 1 كثرة لا يبوب لها كـ"لله أنت".
(704) -[و: وا بأبي أنت وفوك الأشنب] 2
(705) - و: واها لليلى ثم واها واها
وكقول النبي عليه السلام 3 لأبي هريرة رضي الله عنه 4:56
"سبحان الله إن المؤمن لا ينجس" 1
والمبوب له من ألفاظه "أفعل" و"أفعل".
وهما فعلان غير متصرفن:
أما "أفعل" فلا خلاف في فعلتيه، لأنه على صيغة لم يصغ عليها إلا فعل.
ولأن العرب قد تؤكده بالنون [الخفيفة كقول الشاعر:
(706) - ومستبدل من بعد غضبي صريمة … فأحر به بطول فقر وأحريا
والمؤكد بالنون] 2 لا يكون إلا فعلا
وأما "أفعل" فمختلف في فعليته عند الكوفين، ومجمع على فعليته عند البصريين.3
وهو الصحيح، للزوم اتصال نون الوقاية به عاملا في ياء المتكلم نحو "ما أفقرني إلى عفو الله" ولا يكون كذلك إلا فعل والمتعجب منه منصوب بـ"أفعل" على المفعولية إن وقع بعدها.
ومجرور بباء لازمة إن وقع بعد "أفعل" وموضعه رفع على الفاعلية لأن "أفعل" مسند إليه.
وليس بأمر، ولا المجرور منصوب المحل خلافا للكوفيين.
لأنه لو كان أمرا لاختلاف باختلاف المخاطب، إذ ليس في كلام العرب فعل أمر يكون مع المؤنث، والمثنى، والمجموع على حاله إذا أسند إلى الواحد المذكر.
وإنما يكون كذلك اسم فعل.
ولا خلاف في امتناع أن يكون "أفعل" اسم فعل، فوجب ألا يكون أمرا.
وإذا 1 انتفت أمريته، تعينت خبريته.
ووجب الحكم على ما يليه بالفاعلية، وإن كان مجرورا بالباء 2، كما كان فاعلا المجرور بالباء بعد "كفى".
لكن الباء بعد "كفى" قد تحذف، ويرتفع الاسم كما قال الشاعر 1:
(707) -. . . . . . . . . . . … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وروى الكسائي: "مررت بأبيات جاد بهن أبياتا 2 وجدن أبياتا 3 فحذف الباء، وجاء بضمير الرفع.
ولا تحذف 4 الباء بعد "أفعل" إلا مع مجرورها بشرط كون "أفعل" مسبوقا بآخر معه الفاعل المذكور كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ 5 ,
وقد تحذف الباء ومجرورها 6 بعد "أفعل" مفردا كقول الشاعر:
8 - فذلك إن يلق لامنية يلقها … حميدا وإن يستغن يوما فأجدر7
أي: فأجدر به:
وقد يحذف أيضا منصوب "أفعل للعلم به كقول الشاعر:
(709) - جزى الله عنا بختريا ورهطه … بني عبد عمرو ما أعف وأمجد
48 [أي: ما أعفهم وأمجدهم] 1
وكل واحد من فعلي التعجب ممنوع من التصرف، مسلوك به سبيل واحدة 2، ليكون 3 بذلك أدل على ما يراد به.
و"ما" المستعملة قبل "أفعل" اسم لعود فاعل 4 "أفعل" إليها 5.6
وهي في موضع رفع بالابتداء 1:
نكرة عند سيبويه، وما بعدها خبر.
موصولة 2 عند الأخفس، والخبر محذوف، ملتزم الحذف كالتزام الحذف بعد "لولا" لأن ما لا تكون عنده تامة إلا شرطية أو استفهامية أو موصوفة، ولأن 3 النكرة المحضة لا يبتدأ بها غير معتمدة.
قال:
"وجعل المبتدأ في التعجب معرفة لا يخل بالإبهام اللازم للتعجب، لأن التزام حذف الخبر كاف في الإبهام".
فيقال له: الخبر المدعى حذفه أمعلوم أو مجهول؟
فإن كان معلوما فلا إبهام.
وإن كان مجهولا فحذف المجهول لا يجوز.
وادعاء حصر "ما" التامة في الاستفهام والشرط باطل بقولهم 1: "غسلته غسلا نعما".
فـ"ما" هذه إما زائدة، فزيادتها باطلة، لأن ذلك يخلي "نعم" من فاعل ظاهر أو مضمر، فوجب كونها تامة.
فكذا 2 وما التعجبية.
وصغهما من ذي ثلاث صرفا … قابل فضل تم غير ذي انتفا
وغير ذي وصف يضاهي "أفعلا" … وغير سالك سبيل "فعلا"
وإن ترد تعجبا بغير ما … حاز 3 الشروط فالتزم ما التزما
من ذكر "أشدد" أو 4 "أشد" بعد "ما" … أو ما يؤدي 5 ما يؤدي بهما
وبعد مصدر المعوق ينتصب … أو جئ به منخفضا بالبا تصب 1 كـ"ما أشد عجبه" و"أشدد … بعجبه، وباغترار 2 المفسد" ونادر مخالف لما ذكر … كصوغ "ما أخصره" من "أختصر" وفعل غير فاعل إن لم يضر … بناء ذي تعجب 3 منه اغتفر كذاك ذو "أفعل" وصفا مزكنا 4 … جهلا كمثل "أهوج" و"أرعنا" 5 ولا شذوذ عند سيبويه … في نحو "ما أعطى" فقس عليه وسبق فعلية ذي تعجب … شرط وللشذوذ غيره انسب كمثل "ما أذرعها" و"أقمن … به" أي: احقق فبحق أعلن
ومثل "أقمن" في الشذوذ 1 "أعس به" … كذاك "ما أعسى" فنبه وانتبه
الضمير في:
وضغهما.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . .
عائد على "فعلي التعجب" من قولي:
وفعلي التعجب الزم فيهما … منع تصرف.
. . . . . . . . . .
والغرض الآن بيان ما يصاغ منه الفعلان المشار إليهما.
وذلك كل فعل، ثلاثي، متصرف، تام، قابل معناه للتفاضل 2 غير مبني للمفعول، ولا منفي، ولا مدلول على فاعله 3 بـ"أفعل".
فاحترز بـ"ثلاثي" من غيره كـ"دحرج" و"انطلق" و"اقتدر" و"استخرج" و"احمر" و"احرنجم".
واحترز بـ"متصرف" من غيره كـ"نعم" و"بئس".
واحترز بـ"تام" من الفعل الناقص كـ"كان" و"صار"
واحترز بـ"قابل معناه للتفاضل" من "مات الإنسان" و"فني الشيء" ونحوهما.
واحترز بـ"غير مبني للمفعول" من نحو "ضرب زيد" و"شتم عمرو".
واحترز بـ"لا منفي" من نحو "ما عجت" 1 أي: "ما انتفعت".
فإنه لم يستعمل غير منفي، والتعجب لا يكون إلا بمثبت.
واحترز من كونه 2 "لا يدل على فاعله 3 بـ"أفعل" من نحو "عور" و"لمي" ونحوهما.
فإن الأفعال التي احترزت منها لا يُبنى منها فعل تعجب إلا على سبيل الشذوذ، أو لعروض 4 مسوغ.
فإذا قصد التعجب من بعضها جيء بـ"ما أشد" 5 أو بـ"أشدد" أو بجار مجراهما، وأعطى مصدر الذي لم يصلح التعجب بلفظه 6 ما يعطي المتعجب منه من نصب أو جر 7.
وذلك نحو 8 قولك: "ما أشد عجبه" [و"أشدد بعجبه" و"ما أشدد اغتراره" و"أشدد باغتراره".
فعدلت عن فعل العجب، وفعل الاغترار؛ لأنهما زائدان.
على الثلاثة.
وفي فعل العجب مانع آخر 1: أنه "أعجب"] 2 على بناء ما لم يسم فاعله.
و: . . . . . . . . . . . المعوق ....
اسم مفعول من "عيق" بمعنى عوق 3 والمراد به ما فيه مانع من الموانع المذكورة.
ثم نبهت بقولي:
ونادر.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . .
إلى آخر الكلام على أن ما صيغ منه أحد الفعلين مع وجود أحد الموانع المذكورة: شاذ مقصور على السماع.
أو مجوز ذلك فيه لمسوغ.
فمن الشاذ قولهم في المختصر: "ما أخصره" والفعل المستعمل منه قبل التعجب: "اختصر" وهو خماسي مبني للمفعول.
ففيه مانعان.
ونبهت بقولي:
وفعل غير فاعل.
. . . . . . . . . . …. . . . . . . . . . .
إلى آخر الكلام على أن فعل المفعول إذا لم يجهل معناه 4
ببناء فعل التعجب منه جاز صوغ "أفعَل" و"أفعِل" من لفظه نحو: "ما أزهى زيدا، وما أعناه بحاجتك".
وأصلهما "زُهي" 1 و"عُني" فصيغ منهما فعل التعجب؛ لأن المراد لا يجهل.
بخلاف "ضرب زيد"
فإن قولك فيه "ما أضرب زيدا" يوهم خلاف المراد، فلم يجز.
ثم قلت:
كذاك ذو "أفعل" 2 وصفا مزكنا … جهلا.
. . . . . . . . . .
أي: كما خرج من فعل المفعول "زُهي"ونحوه مما لا يجهل معناه بالتعجب فجاز أن يتعجب منه كذاك يخرج من الأفعال التي يدل على فاعلها بـ"أفعل" 3 ما يزكن جهلا أي: يفهمه.
يقال: زكنته بمعنى فهمته، وأزكنته بمعنى: أفهمته
وأشرت بالمزكن جهلا 4 إلى 5: "حمق" فهو "أحمق" و"هوج" 6 فهو "أهوج" و"رعن" 7 فهو "أرعن" و"نوك" 8 فهو "أنوك".
فإنه يقال في التعجب منها: "ما أحمقه"، و"ما أهوجه"، وما "أرعنه"، و"ما أنوكه".
حملا على "ما أجهله" لتقاربهما في المعنى.
وغير ذلك مما يدل على فاعله بـ"أفعل" لا يتعجب منه إلا بـ"أشد" و"أشدد" وما جرى مجراهما.
ويستوي في ذلك أفعال العيوب كـ"حول" و"عمي" و"عمش" و"مرة" 1 و"برص" 2 و"لطع" 3 و"قلح" 4.
وأفعال غير العيوب كـ"لمي" 5 و"ظمي" 6 و"شنب" 7 و"دعج" 8 و"شهل" 9 و"شكل" 10.
فهذه وأمثالها لا يتعجب بها من لفظها وإن كانت ثلاثية؛ لأنها مشتركة في كون فاعلها مدلولا عليه بـ"أفعل" مع تعريها.
مما في "رعن" وأخواتهمن من مشابهة" "جهل".
ومذهب سيبويه فيما كان على "أفعل" قبل التعجب كـ"أعطى" أن يجري 1 مجرى الثلاثي [في بناءفعلي التعجب منه قياسا 2.
وإنما خصه من أبنية المزيد فيه لشبهه بالثلاثي] 3 لفظا، ولكثرة موافقته له في المعنى.
أما شبهه به لفظا فلأن مضارعه واسم فاعله، وزمانه، ومكانه في عدة الحروف، والحركات، وسكون الثاني كمضارع الثلاثي.
وأما الموافقة في المعنى فكثيرة.
فمن موافقة "فعل" و"أفعل".
"سري" و"أسرى".
و"طلع عليهم" و"أطلع" أي: أشرف.
و"طفلت الشمس" و"أطفلت" أي: دنت من الغروب
و"عند الجرح" و"أعند" أي 4: سال دمه.
و"عكل الأمر" و"أعكل" أي 1: أشكل
و"عتم الليل" و"أعتم": أظلم.
و"فلك" في الأمر" و"أفلك": لج.
و"عصفت الريح" وأعصفت: اشتد هبوبها
و"سف 2 الخوص" و"أسفه": نسجه.
و"غضب القرن" و"أعضبه": كسره
و"عسر الغريم" و"أعسره": طالبه على عسره.
و"قاله البيع و"أقاله" و"حزنه الأمر" و"أحزنه".
و"شغله الأمر" و"أشغله" 3 و"فغر فاه" و"أفغره" فتحه ومن توافق "فعل" و"أفعل".
"غطش الليل" و"أغطش": أظلم.
و"غدرت الليلة" و"أغدرت" 4: اشتد ظلامها.
و"عوز الشيء" و"أعوز": تعذر، وكذلك الرجل إذا افتقر.
و"عبست الإبل" و"أعبست" 1 بمنزلة: "وذحت الغنم" 2
و"عدم الشيء" و"أعدمه": فقده
ومن توافق "فعل" و"أفعل".
"خلق الثوب" 3 و"أخلق: أي: صار خلقا 4
و"بَطُؤَ الإنسان وغيره" و"أبطأ": تأخر
و"بؤس" و"أبأس": ساءت حاله.
فلكون "أفعل مختصا من بين الأفعال المغايرة للثلاثي بمشابهته لفظا، وموافقته معنى أجراه سيبويه مجراه في اطراد بناء فعلى التعجب منه.
وأشرت بقولي:
وسبق فعلية ذي تعجب … شرط.
. . . . . . . . . .
إلى أن المعاني التي لا أفعال لها لا يُبنى 5 من الألفاظ الدالة عليها فعل تعجب.
فلا يقال في "ربعة": "ما أربعه"، ولا في "طفل": "ما أطفله" ولا في "مرء": "ما أمرأه".
فإن شذ شيء حفظ ولم يقس عليه.
فمما شذ قولهم "ما أذرعها" بمعنى ما أخفها في الغزل.
وهو من قولهم: "امرأة ذراع" وهي الخفيفة اليد في الغزل ولم يسمع منه فعل غير فعل التعجب.
ومثله في البناء من وصف لا فعل له قولهم: "أقمن به" بمعنى: "أحقق به" اشتقوه من قولهم: "هو قمن بكذا" أي: حقيق به.
ومثل "أقمن" في المعنى والشذوذ قولهم: "ما أعساه" و"أعس به".
كل ذلك منقول عن العرب.
بهمز "أفعل" التعدي 1 حصلا … وصار ذا كذا بـ"أفعل" عقلا
وقبل صوغ الصيغتين قدرا … سلب تعدي المتعدي من دري
لذلك احتيج لحرف الجر 2 … في نحو: "ما أضرب ذا لعمرو"
ونحو: "ما أكساك للقوم البرد" … و"ما أظنني لسعد ذا جلد"
آخره ينصب أهل الكوفه … بتلو "ما" لشبهة 1 معروفة
وغيرهم يجعل نصبه بما … عليه دل ما يكون بعد "ما"
وفعل هذا الباب لن يقدما … معموله ووصله به الزما
وفصله بظرف أو بحرف جر … مستعمل والخلف في ذاك استقر
وقد تزاد 2 "كان" قبل "أفعلا" … دلالة على مضي حصلا
وبعد "ما أفعل" 3 أيضا قد يقع 4 … "ما" ثم 5 "كان"، بعده اسم ارتفع
قول العرب في "حسن" [زيد: "ما أحسن" 6] زيدا" يدل على أن همزة "أفعل" التعجبية همزة تعدية.
وقولهم في "ضرب زيد عمرا": "ما أضرب زيدا لعمرو"
يدل على أن الفعل المتعدي يسلب تعديه بقصد التعجب به، ويصير فاعله مفعولا مقتصرا عليه.
ولولا ذلك لبقي تعديه منضما إليه التعدي المتجدد بالهمزة.
فكان يقال: "ما أضرب زيدا عمرا" كما يقال في الاستفهام عن سبب ضربه إياه.
ففي اقتصارهم بعد دخول الهمزة على نصب ما كان فاعلا قبل دخولها دلالة على تجدد اللزوم والانتقال إلى بنية مخصوصة بعدم التعدي وهي بنية "فعل".
ويؤيد ذلك أن العرب قد تستغني في التعجب عن "أفعل" بـ"فعل" كقولهم: "قضو الرجل فلان بمعنى: "ما أقضاه".
و"علم الرجل هو" 1 بمعنى: "ما أعلمه".
فعلم بذلك أن "ضرب" حين قصد به التعجب 2 حول إلى "ضرب" ليصير على بنية 3 أفعال الغرائز 4؛ إذ لا يتعجب من معنى إلا وهو غريزة أو كالغريزة 5.
ثم بعد تحويله إلى "فعل" تقديرا تدخل عليه الهمزة كدخولها على "حسن" وغيره مما هو على "فعل" في أصله، ويعامل معاملته.
فإن كان قبل التعجب متعديا إلى اثنين دخلت اللام بعد التحويل على أولهما 1 ونصب ثانيهما نحو: "ما أكسى زبدا للقوم الثياب، و"ما أظنني لعمرو صديقا".
وهو منصوب عند البصريين بمحذوف دل عليه "أفعل" وعند الكوفيين بـ"أفعل" نفسه.
وأما "أفعل" فقد تقدم أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه التعجب وينبغي الآن أن يعلم أن همزته همزة الصيرورة 2.
فأصل "أحسن بزيد": أحسن زيد أي: صار ذا حسن كما يقال: "أثري الرجل، أي: صار ذا ثروة، و"أفلس" أي: صار ذا فلوس و"أظرف" أي: صار 3 ذا ظروف
و"أكلت الشجرة، وأجنت" أي: صارت ذات 4 أكل وجني.
و"ابسرت النخلة، وأتمرت" أي: صارت ذات بسر وتمر 5.
وإلى هذا أشرت بقولي: … وصار ذا كذا بـ"أفعل" عقلا
ولا خلاف في منع تقديم المتعجب منه على فعل التعجب، ولا في منع الفصل بينهما بغير ظرف، وجار ومجرور.
وفي الفصل بينهما بالظرف والجار والمجرور خلاف.
والصحيح جوازه لثبوت ذلك عن العرب كقول الشاعر:
(710) - وقال نبي المسلمين تقدموا … وأحبب إلينا أن تكون المقدما
[وكقول الآخر:
(711) - أقيم بدار الحزم ما دام حزمها … وأحر إذا حالت بأن أتحولا] 1
وكقول الآخر:23
(712) - فصدت وقالت بل تريد فضيحتي … وأحبب إلى قلبي بها متعضبا
(713) - خليلي ما أحرى بذي اللب أن يرى … صبورا، ولكن لا سبيل إلى الصبر
ومن كلام عمرو بن معد يكرب 1:
"ما أحسن في الهيجاء 2 لقاءها، وأكثر في اللزبات 3 عطاءها".
قال الشيخ أبو على الشلوبين رحمه الله 4:
"حكى الصيمري 5 أن 6 مذهب سيبويه منع الفصل بالظرف بين فعل التعجب ومعموله.78
والصواب أن ذلك جائز، وهو المشهور والمنصور".
هكذا قال الأستاذ أبو علي، وهو المنتهى في المعرفة بهذا الفن نقلا وفهما 1.
وقال السيرافي في قول سيبويه: "ولا تزيل شيئا عن موضعه" 2.
"إنما أراد أنك تقدم "ما" وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل، والمتعجب منه.
وكثير من أصحابنا يجيز ذلك، منهم الجرمي 3
وكثير منهم يأباه منهم الأخفش والمبرد 4.
وقال الزمخشري بعد أن حكم بمنع الفصل 5:
"وقد أجاز الجرمي وغيره من أصحابنا الفصل، وينصرهم قول القائل: "ما أحسن بالرجل أن يصدق".
ومن العجب اعترافه بنصرهم، والتنبيه على بعض حججهم بعد أن خالفهم بلا دليل.
ولما كان فعل التعجب مسلوب الدلالة على المضي، وكان 1 المتعجب منه صالحا للمضي أجازوا زيادة "كان" إشعارا بذلك عند قصده نحو: "ما كان أحسن زيدا" 2.
وكقول الشاعر في مدح رسول الله 3 صلى الله عليه وسلم:
(714) - ما كان أسعد من أجابك آخذا … بهداك مجتنبا هوى وعنادا 4
وأما وقوع "ما كان" بعد أفعل" نحو "ما أحسن ما كان زيد" فكثير.
وما -فيه- مصدرية
و"كان" تامة رافعة ما بعدها بالفاعلية.
وفي ذلك أيضا دلالة على مضي المتعجب منه.
فلو قصد استقباله لجيء بـ"يكون".5
باب: "نعم" و"بئس" وما جرى مجراهما 1
فعلين لا اسمين على الأولى جعل … "نعم" و"بئس" الأصل فيهما "فَعِل"
واستعمل الأصل و"فِعْل" و"فِعِل".
… الأربع استعملن في نحو: "كحل"
والاسم أيضا هكذا، ففي "فخذ".
… يقال "فخذ" مع "فِخْذ" و"فِخِذ".
كلاهما فعل به الإنشا قصد … لذلك 2 التصريف منهما 3 فقد
في "نعم" و"بئس" أربع لغات:
"نعم" و"بئس" وهو الأصل.
و"نعم" و"بئس" 1 و"نعم" و"بئس" بالإتباع و"نعم" و"بئس" بالسكون بعد الاتباع.
وهذه اللغات الأربع جائزة في كل ما كان من الأفعال أو الأسماء ثلاثيا، أوله مفتوح، وثانيه حلقي مكسور.
فيقال في "شهد": 2 "شهد" و"شهد" و"شهد"
وكذا يقال في 3 "فَخِذ": "فَخْذ" و"فِخِذ" و"فِخْذ"
قال الشاعر:
(715) - إذا غاب عنا غاب عنا ربيعنا … وإن شهد أجدى خيره ونوافله
ومن مجيء "نعم" على الأصل قوله طرفة:
(716) - ما أقلت قدم 4 إنهم … نعم الساعون في الأمر المبر56
وحكى أبو علي: "بيس" -بفتح الباء، وياء ساكنة-
و"نعم" و"بئس" فعلان غير متصرفين.
ويدل على فعليتهما اتصال تاء التأنيث الساكنة بهما في كل اللغات، واتصال ضمير الرفع بهما في لغة حكاها الكسائي.
والقول بفعليتهما هو قول البصريين، والكسائي.
وزعم الفراء، وأكثر 1 الكوفيين أنهما اسمان 2
واستدلوا على ذلك بدخول حرف الجر عليهما كقول بعض العرب لمن بشره ببنت:
"والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة" 3 وكقول بعضهم، نعم السير على بئس العير.
ولا حجة في هذا؛ لأن حرف الجر قد 4 يدخل 5 على ما
لا خلاف في فعليته كقول القائل:
(717) - عمرك 1 ما ليلى بنام صاحبه
(718) -[ولا مخالط الليان جانبه] 2
فيتأول ذلك بما يتأول هذا.
ومما يستدل به من زعم اسميتها قول الراجز:
(719) - صبحك الله بخير باكر
(720) - بنعم طير وشباب فاخر
ولا حجة فيه أيضا لأن "نعم" فيه 3 محكية، ولذلك فتحت ميمها مع دخول حرف الجر عليها.
ويطلبان فاعلا تالي "أل" … أو ما يتاليها مضافا 4 اتصل
أو مضمرا مميزا بنكرة … كـ"نعم مجموعا كتاب التذكرة"
ومع ظهور الفاعل التمييز دع … في رأي عمرو وهو في ذا لم يطع
والعلم بالتمييز أغنى عنه في … "بها ونعمت" فلذا به اكتفي 1
وبعضهم فاعل "نعم" نكرا … بغير قيد نحو: "نعم ذو قرى".
وهكذا "نعم خليل العلا".
… و"نعم من هو" رووا مستعملا
ويذكر المخصوص بعد مبتدا … أو 2 خبر اسم لا يبين أبدا
وإن يقدم مشعر به كفى … كـ"العلم نعم المقتنى والمقتفى"
ورفع "نعم" مضمر اسم قدما … لم يأت إلا في شذوذ فاعلما
وانصب على التمييز "ما" في "نعم ما" … و"بئسما" والرفع بعضهم نمى
لسيبويه، وادعى التعريف مع … تمام "ما" وظاهرا قد اتبع الغالب في غالب "نعم" و"بئس" أن يكون معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى ما هما فيه، [أو مضافا إلى مضاف إلي ما هما فيه] 1، أو ضميرا مستترا مفسرا بنكرة منصوبة على التمييز فالأول كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ 2. والثاني كقوله تعالى 3: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِين﴾ 4. والثالث كقول الشاعر: (721) - فنعم ابن أخت القوم غير مكذب … زهير حسام مفرد من حمائل ومثال الرابع قوله 5 تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ 67
وقول 1 الشاعر:
(722) - نعم موئلا المولى إذا حذرت … بأساء ذي البغي واستيلاء ذي الإحن
وقد يعلم جنس الضمير فيستغنى عن التمييز كقوله عليه الصلاة 2 والسلام: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت" 3.
[أي: ونعمت سنة الوضوء] 4
ومنع سيبويه 5 الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل.
وأجاز المبرد 6 ذلك.
وإجازته أولى كقول 7 الشاعر:8
(723) - تزود مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزاد زاد أبيك زادا وأظهر من هذا البيت 1 قول الآخر: (724) - والتغلبيون بئس 2 الفحل فحلهم … فحلا وأمهم زلاء منطيق ولا يمنع منه زوال الإبهام بدونه؛ لأن التمييز 3 قد 4 يجاء به توكيدا كقوله عز وجل 5: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ 6 ومثله قول أبي طالب: 9 - ولقد علمت بأن دين محمد … من خير أديان البرية دينا78
وحكى الأخفش أن ناسا من العرب يرفعون بـ"نعم" النكرة مفردة، ومضافة 1.
فإلى 2 ذلك أشرت بقولي:
وبعضهم فاعل "نعم" نكرا … بغير قيد.
. . . . . . . . . .
أي: بغير اشتراط 3 إضافة أو إفراد.
فيقال: "نعم خليلٌ العلاءُ" و"نعم جليسُ قومٍ هو "
[4 ومنه قول الشاعر:
بئس قرينا يفن هالك … أم عبيد، وأبو مالك5
ويقال أيضا:
"نعم من هو" و"نعم ملجأ من قصده"] 1 ومنه قول الشاعر.
(727) - ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه … ونعم من هو في سر وإعلان
فجعل فاعل "نعم" مضافا إلى "من" وهي نكرة موصوفة أو موصولة.
وجعل فاعل "نعم" الثانية ضميرا مفسرا بـ"من" وهي هنا نكرة غير موصوفة، والضمير بعدها مخصوص "نعم".
كذا 2 قال أبو علي في التذكرة.3