عود الْمعَارض إِلَى إِنْكَار الْمَجِيء:
ثُمَّ عَادَ الْمُعَارِضُ أَيْضًا إِلَى إِنْكَارِ مَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى1بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ 2 فَادَّعَى أَنَّ3الْمَجِيءَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ مَكَان إِلَى
مَكَانِ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ، وَاللَّهُ يَأْتِي فِي ظُلُلٍ مِنَ الْغَمِامِ فَتَثْبُتُ الظُّلَلُ وَمَجِيئُهَا؛ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ.
فَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ 1 يَعْنِي يَأْتِيهِمْ أَمْرُهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ2عَلَى إِضْمَارِ "أَمْرِهِ" كَمَا قَالَ3: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ 4 يُرِيدُ: أَهْلَ الْعِيرِ5بِإِضْمَارِ الْأَهْلِ6، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ 7، بِإِضْمَارِ أَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ 8 يُرِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ9الصُّفُوفُ دونه جاءون10بأَمْره،
فَفَسَّرُوا1: جَاءَ الْمَلَائِكَةُ صَفًّا صَفًّا وَرَبُّكَ فِيهِمْ مُدَبِّرٌ مُحْكِمٌ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ 2، وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ ربُكَ﴾ 3، فبيَّن الْأَمْرَ هَا هُنَا4وَأَضْمَرَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ الْمُفْتَرِي عَلَى اللَّهِ: قَدْ5فَسَّرْتَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى خِلَافِ مَا عَنَى6وَفَسَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُهُ.7
قَدْ8رَوَيْنَا تَفْسِيرَهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ ذَا الْكتاب بأسانديها الْمَعْرُوفَةِ الْمَشْهُورَةِ، عَلَى خِلَافِ مَا فَسَّرْتَ وادَّعيت عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ9، فَمَنْ مُفَسِّرُوكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَحْكِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِيهَا كَذَا، وَقَالَ آخَرُونَ فِيهَا كَذَا؟.
فَمَنْ هَؤُلَاءِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ؟ فَاكْشِفْ عَنْ رؤوسهم وسمِّهم
بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِنَّكَ لَا تَكْشِفُ إِلَّا عَنْ زِنْدِيقٍ1أَوْ جَهْمِيٍّ2، لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلَا حكم لَكَ بِتَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ الْمُعَنْعِنِينَ3عَلَى تَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ الْمَكْشُوفِينَ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ، أَصْحَابُ4التَّفْسِيرِ مَعْرُوفُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ مِثْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ5وَابْنِ عُمَرَ6وَزَيْدِ بْنِ ثَابت7وأُبي ابْن كَعْبٍ8وَنُظَرَائِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ9، وَمِنَ التَّابِعِينَ مِثْلُ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ1، وَمُجَاهِدٍ2، وَأَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ3وَالسُّدِّيِّ4وَقَتَادَةَ5وَغَيْرِهِمْ، فَعَنْ أَيِّهِمْ تَحْكِي6هَذِهِ التَّفَاسِيرَ الَّتِي تَرُدُّ بِهَا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فإنَّا لَمَّا وَجَدْنَاهُمْ7مُخَالِفِينَ لِمَا ادَّعَيْتَ عَلَى اللَّهِ8فِي كِتَابِهِ أَتَيْنَاكَ بِهَا عَنْهُمْ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ9، مَنْصُوصَةً مُفَسَّرَةً، فَعَمَّنْ تَرْوِي هَذِهِ الضَّلَالَاتِ وَإِلَى مَنْ تُسْنِدُهَا؟ فَصَرِّحْ بِهِمْ كَمَا صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ.
وَمَا نَرَاكَ صَرَّحْتَ بِبِشْرٍ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ10وَكَنَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ إِلَّا وَأَنَّهُمْ أَسْوَأُ مَنْزِلَةً عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَشَدُّ ظِنَّةً فِي الدِّينِ مِنْهُمَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَشَفْتَ عَنْهُمْ كَمَا كَشَفْتَ عَنْ بِشْرٍ، وَقَدْ فَسَّرْنَا لَكَ أَمْرَ إِتْيَانِ اللَّهِ وَمَجِيئِهِ وَالْمَلَكُ11صَفًّا صَفًّا، فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ12لَمْ نُحِبَّ أَنْ
نعيده1هَاهُنَا فَيَطُولُ الْكِتَابُ.
وَأَمَّا مَا ادَّعيت من انْتِقَال مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ2أَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّا لَا نُكَيِّفُ مَجِيئَهُ وَإِتْيَانَهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَ النَّاطِقُ مِنْ كِتَابِهِ، ثُمَّ مَا وَصَفَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ3رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا4فِي تَفْسِيرِهَا: أَنَّ السَّمَاءَ تَشَقَّقُ لِمَجِيئِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَتَنَزَّلُ5مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَفِيكُمْ رَبُّنَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، وَهُوَ آتٍ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ دُونِهِمْ6، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ هَذَا الْكتاب7وَهُوَ مكذب لِدَعْوَاكَ أَنَّهُ إِتْيَانُ الْمَلَائِكَةِ بِأَمْرِهِ، دُونَ مَجِيئِهِ، لَكِنَّهُ8فِيهِمْ مدبِّر9، وَيْلَكَ! لَوْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وَتَأْتِي10دُونَهُ11مَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: "لَمْ يأتِ12رَبُّنَا وَهُوَ آتٍ".
وَالْمَلَائِكَةُ آتِيَةٌ نَازِلَةٌ، حِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
أَرَأَيْتُمْ دَعْوَاكُمْ أَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، أَوَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى الْعَرْشِ فَوْقَ الْمَاءِ؟ فَكَيْفَ صَارَ بَعْدُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي دَعْوَاكُمْ، وَفِي دَعْوَانَا اسْتَوَى1إِلَى السَّمَاءِ دُونَ الْأَرْضِ؟ فَكَمَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَيَأْتِيَ مَتَى شَاءَ2وَكَيْفَمَا شَاءَ.3
أَرَأَيْتَكَ4إِذَا5فَسَّرْتَ قَوْلَهُ: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ 6 فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَضْمَرَ فِي ذَلِكَ "أَمْرَهُ" كَمَا أَضْمَرَ فِي الْقرْيَة وَالْعير أَهلهَا، أوَ لست قَدِ ادَّعَيْتَ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ أَنْ7لَا يُوصَفَ بِالضَّمِيرِ؛ فإنَّ الضَّمِيرَ يُنْفَى8عَنِ اللَّهِ تَعَالَى9وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِشَيْء
وَهُوَ1عَنْهُ مَنْفِيٌّ فَهُوَ الْكَافِرُ عِنْدَكَ، فَكَيْفَ نَفَيْتَ عَنْهُ هَذَا الضَّمِير هُنَاكَ، وثبته2لَهُ هَهُنَا؟ أَوَلَمْ تَخْشَ عَلَى نَفْسِكَ مَا3تَخَوَّفْتَ عَلَى غَيْرِكَ مِنَ الْكُفْرِ؟ وَلَكِنَّكَ تَدَّعِي الشَّيْءَ فَتَنْسَاهُ حَتَّى تَدَّعِيَ بعدُ خِلَافَهُ، فَيُأْخَذَ بِحَلْقِكَ غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ تَكَلَّمْتَ4بِهِ بِالْخِرَافِ5، وَأَنْتَ آمِنٌ مِنَ الْجَوَابِ.