تغيظ الْمعَارض وتهكمه بِمن قَالَ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ:
بِرُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَاغْتِيَاظِكَ وَإِفْرَاطِكَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، فَانْتُدِبْتَ مختلطًا غضبانًا تَدَّعِي أَنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا تمييزعندهم وَلَا نَظَرَ لَدَيْهِمْ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ1، فَأَلْزَمَ بِجَهْلِهِ مَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ الْكُفْرَ، وَهُوَ الْكَافِرُ عيَانًا فِيمَا يتَكَلَّف ممالم2يُؤْمَرْ بِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ3فِيهِ السَّلَفُ، فَجَاءَ الظَّالِمُ4الْجَرِيءُ فَهُوَ آمِنٌ بِجَهْلِهِ5عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَرْضَى حَتَّى يَنْسِبَ الْمُؤْمِنَ التَّقِيَّ الْكَافَّ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ إِلَى الْكُفْرِ.
ثُمَّ وَصَفَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنَ النَّاطِقِ6لَا يُسَمَّى مُحْدَثًا مَتَّى مَا قَالَهُ، وَلَا يَتْرُكُونَ مَنْ عَرَفَ وَجْهَ الْكَلَامِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: لَا كل هَذَا الأخلاط غيرَة7، غير أَن الدَّلِيل
عَلَيْكَ أَنَّكَ1لَا تُبْدِي هَذَا2إِلَّا عَنْ حُرْقَةٍ3، فَأَهْلٌ4لَكَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْكَلَامَ مِنَ النَّاطِقِ مُحْدَثًا قَدْ5 فَهِمْنَا مُرَادَكَ مِنْ هَذَا، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا لِلَّهِ فَقَدْ صَدَقْتَ فِي دَعْوَاكَ عَلَيْهِمْ: لَا يَرَوْنَهُ مُحْدَثًا لِلَّهِ كَمَا ادَّعَيْتَ، وَمَنْ رَآهُ مُحْدَثًا لِلَّهِ عَدُّوُهُ كَافِرًا، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ6 وَلَا كَلَامَ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ7: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ السَّلَفُ، فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ فِي صدركتابنا هَذَا مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنَ السَّلَفِ8الَّذِينَ كَانُوا أَعَلْمَ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ مِنْ سَلَفِكَ الَّذِينَ احْتَجَجْتَ9بِهِمْ مِثْلِ الْمَرِيسِيِّ وَابْنِ الثَّلْجِيِّ وَنُظَرَائِهِمْ، وَأَمَّا مَا تَصِفُ عَنْ نَفْسِكَ مِنَ الْكَفِّ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، فَقَلَّمَا رَأَيْنَا أَسْفَقَ10عَيْنًا
مِنْكَ وَلَا أَقَلَّ حَيَاءً، أَوَلَيْسَ كُلُّ1مَا ضَمَّنْتَ هَذَا الْكِتَابَ من هَذِه العمايات خوض كُلَّهُ؟ فَإِنَّا مَا رَأَيْنَا خَائِضًا فِيهِ أَقْبَحَ مِنْكَ خَوْضًا، وَأَوْحَشَ مِنْكَ تَأْوِيلًا وَأَقَلَّ مِنْكَ إِصَابَةً، فَمِثْلُكَ فِي وَعْظِكَ كَالَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفَسَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَا يَتْرُكُونَ مَنْ عَرَفَ وُجُوهَ الْكَلَامِ مَا ضَمَّنْتَ هَذَا الْكَلَامَ2عَنْ نَفْسِكَ وَعِنْ إِمَامِكَ3الْمَرِيسِيِّ وَالثَّلْجِيِّ4، فَقَدِ انْقَلَبَتْ لُغَاتُ الْعَرَب، فصارالمنكرمنها مَعْرُوفًا5وَالْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْعَرَبِيُّ عَجَمِيًّا، وَالْعَجَمِيُّ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّ تَفَاسِيرَكُمْ هَذِهِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلُغَاتِهِمْ، وَلِلْكِتَابِ6وَالسُّنَّةِ مِنْ أَئِمَّتِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَنْسِبُهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْكَلَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا لِأَهْلِ السُّنَّةِ حُجَّةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ7وَالزَّنَادِقَةِ8إِلَّا نَقَضُوهَا بِخُرَافَاتٍ وَعَمَايَاتٍ، وَلَا تَرَكُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا نَاقِضًا لِمَذْهَبِهِمْ9إِلَّا ردُّوهُ بِتِلْكَ العمايات.
لَقَدْ تَرَكُوا مَعْرِفَةَ كِتَابِ اللَّهِ وَالسُّنَّةِ شَرْقًا وَمَغْرِبًا مِثْلَ1انْتِحَالِكَ لِهَؤُلَاءِ بِحُسْنِ الْكَلَامِ مِمَّا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "المتشيع بمالم يعطِ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زورٍ" 2؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْتَوْا فِيهَا مِنَ الْبَصَرِ إِلَّا خِلَافَ مَا مَضَى عَلَيْهِ أَسْلَافُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ، فَإِنْ جَحَدْتَهُ فَهَا هُنَا رِوَايَاتُهُمْ وَتَفَاسِيرُهُمْ إِذَا نَظَرَ فِيهَا النَّاظِرُ اسْتَيْقَنَ بِضَلَالِ تَفْسِيرِكُمْ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى قِلَّةِ عِلْمِكُمْ بِالْمُسْتَحَالَاتِ مِنْهَا، فَمَا تَدْرِي3أَيُّ زُعَمَائِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ وُجُوهَ الْكَلَامِ؟ فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْتَ عَنْهُمْ هَذِهِ الْعَمَايَاتِ، فَقَدْ أَنْبَأْنَاكَ بِنَاقِضِهَا4وَاسْتِحَالَتِهَا، مِمَّا يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا، فَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُبْصِرُونَ وُجُوهَ الْكَلَامِ5مِنْ زُعَمَائِكَ؟ أَهُوَ المريسي الْمَشْهُور
بالتجهم؟ فقد أنبأناك عورةكلامه، وَكَذَلِكَ الثَّلْجِيُّ1، وَكَذَلِكَ ضِرَارٌ، ذَلِكَ2الزِّنْدِيقُ الَّذِي تَنْتَحِلُ3بَعْضَ كَلَامِهِ، وَتُكَنِّي4عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ البصرهؤلاء، وَأَحْسَنُ الْكَلَامِ عِنْدَكَ مَا حَكَيْتَ عَنْ هَؤُلَاءِ، فَإِلَى اللَّهِ نَبْرَأُ مِمَّا حَكَيْتَ عَنْهُمْ.
لَلْغناء وَالنَّوْحُ وَنُبَاحُ5الْكِلَابِ أَحْسَنُ مِمَّا حَكَيْتَ عَنْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الَّتِي لَا تنقاس فِي كتاب، ولاسنة، وَلَا إِجْمَاعٍ.
أَحَسَدْتَهُمْ6أَيُّهَا الْمُعَارِضُ فِيمَا أَصَابُوا بِهَذِهِ الْعَمَايَاتِ مِنْ وُجُوه الْحق أم
فِيمَا نَالُوا1مِنَ الْمَرَاتِبِ السَّنِيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالثَّنَاءِ الْحَسَنِ عَلَى أَلْسُنِ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى انْتَحَلْتَ مَذْهَبَهُمْ وَاحْتَجَجْتَ بِكَلَامِهِمْ، حَتَّى تَنَالَ بِذِكْرِهِمْ2مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا مِثْلَ3مَا نالو؟ إِذْ يُدعى أَحَدُهُمْ زِنْدِيقٌ4وَالْآخَرُ جَهْمِيٌّ5وَالآخَرُ تِرْسُ.
الْجَهْمِيَّةِ يَعْنُونَ6: ابْنَ الثَّلْجِيِّ وَهَنِيئًا لَكَ مِيرَاثُهُمْ غيرمحسون وَلَا مَغْبُوطٍ، فَبِأَيِّ مُتَكَلِّمٍ مِنْهُمْ تَسْتَطِيلُ؟ أَبِالَّذِي7زَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ8مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ؟ أَمْ بِالَّذِي قَالَ: أَسْمَاءُ اللَّهِ مُحْدَثَةٌ مُسْتَعَارَةٌ مَخْلُوقَةٌ؟ أَمْ بِالَّذِي زَعَمَ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جِبْرِيلَ9فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ: يارب؟ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ فَضَائِحِ مَا حكيت عَنْهُم فِي كتابك هَذَا كثيرا.10