تَحْقِيق الْمُؤلف أَن اللَّفْظ يصرف إِلَى الْمَعْنى الْأَغْلَب لَا الأغرب إِلَّا بقرينه:
وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى1مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ هَذِهِ الْمَجَازَاتِ الَّتِي اتَّخَذْتُمُوهَا دَلَسَةً وَأُغْلُوطَةً عَلَى الْجُهَّالِ، تَنْفُونَ بِهَا عَنِ اللَّهِ2حَقَائِقَ الصِّفَاتِ بِعِلَلِ الْمَجَازَاتِ، غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ: لَا يُحْكَمُ لِلْأَغْرَبِ5مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى الْأَغْلَب، وَلَكِن نصرف مَعَانِيهَا إِلَى الْأَغْلَبِ حَتَّى تَأْتُوا3بِبُرْهَانٍ أَنَّهُ عَنَى بِهَا الْأَغْرَبَ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي إِلَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ4أقرب، لَا أَن6
تَعْتَرِضَ1صِفَاتِ اللَّهِ الْمَعْرُوفَةَ الْمَقْبُولَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ فَنَصْرِفُ مَعَانِيَهَا بِعِلَّةِ الْمَجَازَاتِ إِلَى مَا هُوَ أَنْكَرُ، وَنَرُدُّ2عَلَى اللَّهِ3بِدَاحِضِ الْحجَج وبالتي هُوَ أَعْوَجُ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَجَمِيعُ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ تُصْرَفُ مَعَانِيهَا إِلَى الْعُمُومِ، حَتَّى يَأْتِيَ مُتَأَوِّلٌ بِبُرْهَانٍ بَيِّنٍ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْخُصُوصُ4؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى5قَالَ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ فَأَثْبَتُهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: أعمُه وأشدُه اسْتِفَاضَةً عِنْدَ الْعَرَبِ، فَمَنْ أَدْخَلَ مِنْهَا الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَّبِعَ فِيهَا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمُرَادُ جَهْمٍ6بِقَوْلِهِ7"لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِضَمِيرٍ" يَقُولُ: لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِسَابِقِ عِلْمٍ8فِي نَفْسِهِ، وَاللَّهُ مُكَذِّبُهُ بِذَلِكَ ثُمَّ رَسُولُهُ؛ إِذْ يَقُولُ: "سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فهم صائرون إِلَى ذَلِك" 9.
حَدَّثَنَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ1ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ2ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ3عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ4عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ5، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ6رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا7قَالَ: سمعتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "جفَّ الْقَلَمُ عَلَى علم الله" 8.
.
وَحَدَّثَنَا1نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ2ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ3أَنْبَأَ4رَبَاحُ بْنُ يزِيد5عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ6، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بزَّة7، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ8عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ9أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قَالَ:
"إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَأَمَرَهُ فَكَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ" 1 فَهَلْ جَرَى الْقَلَمُ إِلَّا بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ قَبْلَ حُدُوثِ الْخَلْقِ2وَأَعْمَالِهِمْ؟ وَاللَّهِ
مَا جَرَى1الْقَلَمُ بِمَا2يَجْرِي حَتَّى أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى3بِعِلْمِهِ، وعلَّمه مَا يَكْتُبُ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" 4.
فَهَلْ كَتَبَ ذَلِكَ5إِلَّا بِمَا عَلِمَ؟ فَمَا مَوْضِعُ6كِتَابِهِ هَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ
عَلِمَهُ فِي دَعْوَاهُمْ؟ حَدَّثَنَاهُ1عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمَصْرِيُّ2حَدَّثَنِي اللَّيْثُ3، عَنْ أَبِي هَانِئٍ حُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ4عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِّيِّ5، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو6قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: "كتب الله مقاديركل شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" 7، وَالْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِيمَانِ بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى8كَثِيرٌ9، يَطُولُ إِن ذَكرنَاهَا10
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ دَعْوَى جَهْمٍ1فِي أُغْلُوطَتِهِ2الَّتِي تَوَهَّمَ3عَلَى اللَّهِ فِي الضَّمِير.