تَأْوِيل الْمعَارض لأحاديث الْقرب وَالرَّدّ عَلَيْهِ:
وَذَكَرَ الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ1عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ2عَنْ مُجَاهِدٍ3قَالَ: "يَقُولُ دَاوُدُ4يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَدْنِنِي، فَيُقَالُ لَهُ: ادْنُهْ، فَيَدْنُوَ حَتَّى يَمَسَّ رُكْبَتَهُ"5 فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ تَأْوِيلَهُ: أَنَّهُ يُدْنِيهِ إِلَى خلق من
خَلْقِهِ، ذِي رُكْبَةٍ حَتَّى يَمَسَّ رُكْبَةُ دَاوُدَ رُكْبَةَ ذَلِكَ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَلَوْ كَانَ لِهَذَا الْمُعَارِضِ مَنْ يَقْطَعُ لِسَانَهُ كَانَ قَدْ نَصَحَهُ، وَيْلَكَ! أَيُّ زِنْدِيقٍ تَرْوِي عَنْهُ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ1وَلَا تُسَمِّيهِ2؟ وَأَيُّ دَرَكٍ3لِدَاوُدَ4إِذَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ لِذَنْبِهِ، وَلَجَأَ إِلَيْهِ وَاسْتَعَاذَ بِهِ فِي أَنْ يُدْنِيَهُ إِلَى خَلْقٍ سِوَاهُ، فَيَمَسَّ رُكْبَتَهُ وَمَا يُجْزِئُ عَنْ دَاوُدَ رُكْبَةُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي إِذَا مَسَّ دَاوُدُ النَّبِيُّ رُكْبَتَهُ غَفَرَ ذَنْبَهُ، وَآمَنَ رَوْعَتَهُ، إِنَّ ذَلِكَ خَلْقٌ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ أَكْرَمُ مِنْ دَاوُدَ وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي دَعْوَاكَ، إِذْ جَعَلَهُ مَفْزَعًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَمُعَوَّلًا عَلَيْهِ فِي ذُنُوبِهِمْ، يَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ فِي مَغْفِرَتِهِ، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَة دون الله!! ولابد لِمِثْلِ هَذَا الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ اسْمٌ فِي الْمَلَائِكَةِ أَوْ فِي النَّبِيِّينَ، فَمَا اسْمُهُ أَيُّهَا الْجَاهِلُ؟ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَذَا شَيْطَانٌ5أَوْ مُدْمِنُ خَمْرٍ سَكْرَانَ، مَا زَادَ عَلَيْكَ جهلا.
فَكيف إِنْسَان؟
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُكَ: إِنَّهُ يتقرَّب إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لَا بالدنو مِنْهُ، أوَ لم تَعْلَمْ أَيُّهَا الْمُعَارِضُ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ جَزَاءٍ لِلْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا؟ فَكَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ الْعَمَلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى دَاوُدَ1؟ قُلْتَ: وَكَذَلِكَ مَا رَوَى الْمَسْعُودِيُّ2عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو3عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ4عَنْ عَبْدِ اللَّهِ5: "أَنَّ الرَّب يَبْدُو لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ6، فَيَكُونُونَ مِنْهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا"7 فَادَّعَيْتَ أَنَّ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ هَذَا مِنَ الْقُرْبِ: أَنَّهُ يَبْدُو لَهُمْ بِظُهُور الدلالات،
وَبَذْلِ الْكَرَامَاتِ لِأَوْلِيَائِهِ، فَيَظْهَرُ بِمَا فَعَلَ دِلَالَاتُهُ1وَعَلَامَاتُهُ لَا هُوَ بِنَفْسِهِ2، فَيُقَالُ لَكَ: أَيُّهَا الْمُعَارِضُ، بِئْسَمَا أَثْبَتَّ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَبرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، وَمَا أَنْزَلَ فِي كُتُبِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَقَامِهِمْ حَتَّى يَعْرِفُوهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ إِذْ مَاتُوا كُفَّارًا فِي دَعْوَاكَ، جُهَّالًا بِاللَّهِ وَبِدِلَالَاتِهِ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ فِي دَعْوَاكَ لَمْ يَكُونُوا إِذا أَوْلِيَاء الله؛ إِذا لَمْ يَمُوتُوا3عَلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَةِ الله تَعَالَى4وَلَا استحقوا
الْكَرَامَاتِ مِنَ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُونُوا أَهْلًا فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُمْ فِي كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ1، بل يحتجب عَنهُ؛ إِذْ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ وَرِسَالَاتِ نَبِيِّهِ، إِلَّا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا2إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ؛ إِذْ كُلُّ كَافِر ومنافق يَعْرِفُهُ يَوْمَئِذٍ بِدِلَالَاتِهِ وَعَلَامَاتِهِ3، فَمَا فَضْلُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ فِي هَذَا عَلَى الْكَافِرِ؟ ثُمَّ فَسَّرْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ4: "أَنَّهُمْ5يَكُونُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ إِلَى الْجُمُعَةِ" أَنَّ6ذَلِكَ تَقَرُّبٌ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ7الصَّالَحِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى8: "مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعًا" 9.
وَيْلَكَ أَيُّهَا الْحَيْرَانُ! إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: "مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا" فِي الدُّنْيَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ عَنِ الْعباد.10
لَقَدْ تقلَّدت أَيُّهَا الْمُعَارِضُ مِنْ تَفَاسِيرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَى مِثْلِهَا فَصِيحٌ وَلَا أَعْجَمِيٌّ1، وَلَوْ قَدْ عِشْتَ سِنِينَ لَقَلَبْتَ الْعَرَبِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.2
ثُمَّ قُلْتَ: هَذَا3كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ4عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْوَى: "إِنَّهُ يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ ربِّه حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ 5 عَلَيْهِ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْم" 6 قلت: فتفسير
"كَنَفِهِ"1: نِعْمَتُهُ وَسَتْرُهُ وَعَافِيَتُهُ، فَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ عَلَى السَّتْرِ مَعَ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالْمُنَاجَاةِ الَّتِي قَالَهَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتَ لِجَمِيعِهَا2مُنْكِرٌ وَعَلَى مَنْ آمن بهَا مغتاظ.