المبحث الثَّانِي: حَيَاته
اسْمه، وكنيته، وَنسبه: هُوَ الإِمَام الْعَلامَة، الْحَافِظ النَّاقِد، شيخ تِلْكَ الديار.1
وَأحد الْأَعْلَام الثِّقَات2أَبُو سعيد عُثْمَان بن سعيد بن خَالِد بن سعيد التَّمِيمِي الدَّارمِيّ3السجسْتانِي4مُحدث هراة وَتلك الْبِلَاد.5
وِلَادَته: قَالَ الذَّهَبِيّ: ولد قبل الْمِائَتَيْنِ بِيَسِير6، وعاش فِي جرجان وهراة7
رحلته فِي طلب الْعلم وشيوخه: كَانَ الدَّارمِيّ وَاسع الرحلة طوف وَلَقي الْكِبَار1وَسمع خلقا كثيرا بالحرمين، وَالشَّام ومصر وَالْعراق، والجزيزة وبلاد الْعَجم2، أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الْأَعرَابِي وَالْفِقْه عَن الْبُوَيْطِيّ3، وَأخذ علم الحَدِيث وَعلله عَن عَليّ وَيحيى وَأحمد، وفَاق أهل زَمَانه.4
ويتبين لنا من أَسَانِيد الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْكتاب أَن الْمُؤلف قد رُوِيَ عَن عشرات من الْعلمَاء، وَقد أَشَارَ الْعلمَاء الَّذين ترجموا لحياة الْمُؤلف رَحمَه الله إِلَى أَنه قد تتلمذ وروى عَن عدد كَبِير من الجهابذة الْأَعْلَام وبرز فِي كثير من الْعُلُوم الْمُخْتَلفَة، وَكَانَ على رَأس من تلقى عَنْهُم: الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل5وَعلي بن الْمَدِينِيّ6ويحي بن معِين، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه7وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ8وَغَيرهم.
ولشهرة هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام وَكَثْرَة ورودهم فِي ثنايا الْكتاب، فقد عَمَدت إِلَى الْعزو إِلَى مَوَاضِع تَرْجَمَة جملَة مِنْهُم فِي حَوَاشِي هَذَا الْمُحَقق مكتفيًا بذلك عَن إِفْرَاد تَرْجَمَة لكل مِنْهُم فِي هَذَا الْمَوْضُوع.
فقد سمع بالعراق سُلَيْمَان بن حَرْب1، ومُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي2وَمُحَمّد بن كثير وَسُهيْل بن بكار3بِالْبَصْرَةِ وَكتب الحَدِيث بهَا مَعَ يحي بن معِين.
وَسمع أَبَا الرّبيع الزهْرَانِي4والهيثم بن خَارِجَة5نزيلًا بَغْدَاد، وَسمع بِالشَّام هِشَام بن عمار6، وَسليمَان بن عبد الرَّحْمَن التَّمِيمِي، وَهِشَام بن خَالِد، وَحَمَّاد بن الحرستاني بِدِمَشْق.
وَسمع أَبَا توبه، وَالربيع بن نَافِع7بحلب.
وَأَبا الْيَمَان الْحِمصِي، وَيحيى بن صَالح الوحاظي، وحيوة بن شُرَيْح8وَإِبْرَاهِيم بن الْعَلَاء بن زبر، وَالربيع بن روح، وَيزِيد بن عبد ربه بحمص، وَأَبا جَعْفَر مُوسَى بن إِسْمَاعِيل النُّفَيْلِي بحران. وَمُحَمّد بن عبد الله بن بكر الْخُزَاعِيّ الْمَقْدِسِي، ومحبوب بن مُوسَى الْأَنْطَاكِي.9
وَكتب مَعَه بِالشَّام الْحسن بن عَليّ، أَبُو عَليّ الْخلال الْحلْوانِي،
وَمُحَمّد بن صَالح كيلجة الْبَغْدَادِيّ.
وَسمع بخراسان إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه.
وروى أَيْضا فِي رحلاته هَذِه عَن خلائق، مِنْهُم: عبد الله بن رَجَاء الغداني الْبَصْرِيّ1وفروة بن أبي المغراء، وَمُحَمّد بن الْمنْهَال الْحزَامِي، وَعمر بن عون الوَاسِطِيّ الْبَصْرِيّ2، وَمُسلم بن إِبْرَاهِيم الْبَصْرِيّ.
ومسدد بن مسرهد3وَغَيرهم.4
تلاميذه: روى عَنهُ ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ من شُيُوخه، وروى عَنهُ أَبُو عَمْرو: أَحْمد بن الْحِيرِي، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الصرام، ومؤمل بن الْحُسَيْن، وَأحمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر، وَمُحَمّد بن يُوسُف الْهَرَوِيّ، وَأَبُو إِسْحَاق بن ياسين، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق الْهَرَوِيّ، وَأحمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس الطرائفي، وَأَبُو النَّضر مُحَمَّد بن مُحَمَّد الطوسي الْفَقِيه، وحامد الرفاء وَأحمد بن مُحَمَّد الْعَنْبَري وَأَبُو الْفضل يَعْقُوب القراب، وَخلق كثير من أهل هراة ونيسابور5وسأتناول جملَة مِنْهُم بالتعريف.
# 1- ابْن خُزَيْمَة: هُوَ الْحَافِظ الْكَبِير، إِمَام الْأَئِمَّة شيخ الْإِسْلَام، أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق ابْن حزيمة بن الْمُغيرَة النَّيْسَابُورِي. ولد سنة 223 وعني فِي حداثته بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْه حَتَّى صَار يضْرب بِهِ الْمثل فِي سَعَة الْعلم والإتقان، وانتهت إِلَيْهِ الْإِمَامَة وَالْحِفْظ فِي عصره بخراسان، سمع من إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَمُحَمّد بن حميد، وَلم يحدث عَنْهُمَا لصغره، وَسمع من مَحْمُود بن غيلَان وَأحمد بن منيع وَغَيرهم، وَحدث عَنهُ الشَّيْخَانِ خَارج صَحِيحَيْهِمَا، وَمُحَمّد بن عبد الله بن عبد الحكم أحد شُيُوخه وَغَيرهم. قَالَ الْحَاكِم/ ومصنفاته تزيد على مائَة وَأَرْبَعين كتاب سوى الْمسَائِل، والمسائل المصنفة مائَة جُزْء. توفّي فِي ثَانِي ذِي الْقعدَة سنة311 وَهُوَ فِي تسع وَثَمَانِينَ سنة.1
2- أَبُو الْعَبَّاس السجْزِي: الإِمَام الْحَافِظ، أَبُو الْعَبَّاس، أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر بن حريق السجْزِي.
روى عَن سعيد بن يَعْقُوب الطَّالقَانِي، وَعلي بن حجر وَأبي حَفْص الفلاس وَغَيرهم وَعنهُ أَبُو بكر بن عَليّ الْحَافِظ وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن مُسلم، وَطَائِفَة لكنه رَوَاهُ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيّ.
توفّي سنة 312 2. 3- أَبُو عَمْرو الْحِيرِي: الْحَافِظ الإِمَام الرّحال أَحْمد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَفْص بن مُسلم
النَّيْسَابُورِي الْحِيرِي كَانَ شيخ نيسابور فِي الحشمة والثروة والتزكية سمع مُحَمَّد بن رَافع، وَمُحَمّد بن سعيد الهطار، وطبقتهم بالعراق والحجاز وَالْجِبَال وخراسان، وارتحل الكهولة بالطلبة إِلَى عُثْمَان الدَّارمِيّ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمسند، مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة 317 وَهُوَ فِي عشر التسعين.1
4- الطرائفي: الشَّيْخ الْمسند الْأمين، أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد عَبدُوس بن سَلمَة الْعَنزي النَّيْسَابُورِي الطرائفي، سمع مُحَمَّد بن أشرش وَالسري ايْنَ خُزَيْمَة، وارتحل إِلَى عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فَأكْثر عَنهُ.
حدث عَنهُ: أَبُو عَليّ الْحَافِظ، وَالْحَاكِم، وَابْن محمش، والسلمي وَغَيرهم.
قَالَ الْحَاكِم: كَانَ صَدُوقًا، قَالَ لي: أَقمت بِبَغْدَاد سنة284 على التِّجَارَة فَلم أسمع بهَا شَيْئا قَالَ: وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة346 2. تلطفه بتلاميذه: لقد قيض الله لهَذَا الْأمة من سلفنا الصَّالح عُلَمَاء أجلاء ملؤوا الدُّنْيَا بعلمهم، وَمَعَ مَا يمتازون بِهِ من جد ونشاط وحيوية وحرص على الْوَقْت وَجهد فِي سَبِيل تعلم الْعلم وتعليمه، إِلَّا أَنهم كانو على قدر كَبِير من اللطف بتلاميذهم ومراعاة أَحْوَالهم، كَيفَ لَا وهم وَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم،
فَفِي سنَن ابْن مَاجَه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "سَيَأْتِيكُمْ أَقوام يطْلبُونَ الْعلم، فَإِذا رأيتموهم فَقولُوا لَهُم: مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم وأقنوهم". قلت للْحكم: مَا "أقنوهم؟ " قَالَ: علموهم.1
وَعَن أبي هَارُون الْعَبْدي قَالَ: كُنَّا إِذا أَتَيْنَا أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: مرْحَبًا بِوَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا وَصِيَّة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم؟ قَالَ: قَالَ لنا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم: "إِنَّه سَيَأْتِي من بعدِي قوم يسألونكم الحَدِيث عني، فَإِذا جاءوكم فالطفوا بهم وحدثوهم" 2.
وَلَا شكّ أَن لهَذَا الاستئلاف والملاطفة أثر كَبِير فِي نفوس طلاب الْعلم، وحافز لَهُم على الإقبال عَلَيْهِ.
وللدارمي -رَحمَه الله- مَوَاقِف تكشف عَن مدى وداعته ولطفه ومراعاته لأحوال تلاميذه.
فَمن ذَلِك مَا أوردهُ الذَّهَبِيّ من طَرِيق ابْن عَبدُوس الطرائفي قَالَ: لما أردْت الْخُرُوج إِلَى عُثْمَان بن سعيد -يَعْنِي إِلَى هراة- أتيت بن خُزَيْمَة، فَسَأَلته أَن يكْتب إِلَيْهِ، فَدخلت هراة فِي ربيع الأول، سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، فأوصلته الْكتاب، فقرأه ورحب بِي وَسَأَلَ عَن ابْن خُزَيْمَة، ثمَّ قَالَ: يَا فَتى! متي قدمت؟ قلت: غَدا، قَالَ:
يَا بني! فَارْجِع الْيَوْم، فَإنَّك لم تقدم بعد حَتَّى تقدم غَدا.1
قلت: وَفِي تَارِيخ دمشق -وَإِن لم أكن وقفت عَلَيْهِ- قَالَ: فتسودت، فَقَالَ لي: لَا تخجل يابني فَإِنِّي أَقمت ببلدكم سِنِين فَكَانَ مشايخكم إِذْ ذَلِك يحْتَملُونَ عني ذَلِك.2
بعض مَا نقل عَنهُ من الْأَقْوَال والفوائد والغرائب: قَالَ عُثْمَان بن سعيد: من لم يجمع حَدِيث شُعْبَة وسُفْيَان، وَمَالك، وَحَمَّاد بن زيد، وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، فَهُوَ مُفلس فِي الحَدِيث.3
قَالَ الذَّهَبِيّ: يُرِيد أَنه مَا بلغ دَرَجَة الْحفاظ، وَلَا ريب أَن من جمع علم هَؤُلَاءِ الْخَمْسَة، وأحاط بِسَائِر حَدِيثهمْ، وَكتبه عَالِيا ونازلًا، وَفهم علله، فقد أحَاط بِشَطْر السّنة النَّبَوِيَّة بل بِأَكْثَرَ من ذَلِك.4
وَقَالَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْأَزْهَر: سَمِعت عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، يَقُول: أَتَانِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن السجْزِي، وَكَانَ قد كتب عَن يزِيد بن هَارُون، وجعفر بن عون، فَقَالَ: يَا أَبَا سعيد، إِنَّهُم يجيئوني فيسألوني أَن أحدثهم، وَأَنا أخْشَى أَلا يسعني ردهم.
قلت: وَلم؟ قَالَ: لقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من سُئِلَ عَن علم فكتمه، ألْجم بلجان من نَار"، فَقَالَ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن علم
تعلمه، وَأَنت لَا تعلمه.1
وَقَالَ الإِمَام تَاج الدَّين السُّبْكِيّ: وَمن غرائب أبي سعيد الدَّارمِيّ وفوائده: قَالَ أَبُو عَاصِم: أَن أَبَا سعيد ذهب إِلَى أَن الثَّعْلَب حرَام أكله وروى فِيهِ خَبرا. قَالَ: وروى بُرَيْدَة بن سُفْيَان أَن أهل الْمَدِينَة يسمون النَّبِيذ خمرًا, وَهَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ. قَالَ السُّبْكِيّ: قَوْله بِتَحْرِيم الثَّعْلَب غَرِيب.2
اعتزازه بمكانته فِي الْعلم: لم يكن الدَّارمِيّ -رَحمَه الله- وَقد كرمه الله بِمَا هُوَ عَلَيْهِ من المكانة العلمية مِمَّن يَبْتَغِي الجاه والمكانة فِي الدُّنْيَا، فقد كَانَ مِثَالا لاعتدال الْعَالم الْعَامِل بِعَمَلِهِ مترفعًا بِتِلْكَ المكانة عَن الابتذال ومواطن الذلة وَالصغَار، أَو أَن يكون علمه سلما لمطمع دُنْيَوِيّ أَو مغنم زائل.
قَالَ أَبُو الْفضل القراب: كُنَّا فِي مجْلِس الدَّارمِيّ غير مرّة، وَمر بِهِ الْأَمِير عَمْرو بن اللَّيْث، فَسلم عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم، حَدثنَا مُسَدّد....
وَلم يزدْ على رد السَّلَام.1
وَعَن عُثْمَان بن سعيد: وَقَالَ لَهُ رجل كَانَ يحسده: مَاذَا كنت لَوْلَا الْعلم؟ فَقَالَ لَهُ: أردْت شَيْئا فَصَارَ زينًا.2
الْعُلُوم الَّتِي برز فِيهَا: كَانَ لنباهة هَذَا الْعلم وفطنته الَّتِي من الله بهَا عَلَيْهِ أثرهما الْجَلِيّ فِي تَحْصِيله ونبوغه فقد كَانَ مِثَالا فِي الْحِرْص على طلب الْعلم وملازمة الْعلمَاء، وَكَانَ لرحلاته فِي الأقاليم الْمُخْتَلفَة والتقائه بالجهابذة الْأَعْلَام، الَّذين كَانَ لَهُم الْأَثر الْوَاضِح فِي إثراء المكتبة الإسلامية، ببديع المصنفات وَأُمَّهَات الْكتب على اخْتِلَاف موضوعاتها -كَانَ لهَذَا كُله أَثَره الْبَالِغ فِي ثقافة الدَّارمِيّ وتحصيله.
فقد جَالس يحيى بن معِين وَدون عَنهُ سؤالاته فِي الرِّجَال3وَأخذ عَن الإِمَام أَحْمد وَعلي بن الْمَدِينِيّ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، وَغَيرهم.
قَالَ الذَّهَبِيّ: قَالَ الْحَاكِم: أَخذ الْأَدَب عَن ابْن الْأَعرَابِي، وَالْفِقْه عَن أبي يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ، والْحَدِيث عَن ابْن معِين وَابْن الْمَدِينِيّ، وَتقدم فِي هَذِه الْعُلُوم رَحمَه الله.4
كَمَا برز هَذَا الْعَالم فِي علم الحَدِيث وَعلله وَرِجَاله وَفِي الْفِقْه والعربية، فَإنَّا لَا ننسى مَاله من دور بارز فِي المنافحة والدفاع بِلِسَانِهِ وبنانه فِي جَانب النُّصْرَة لعقيدة أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي الله وأسمائه وَصِفَاته، وَلَعَلَّ فِيمَا بَين أَيْدِينَا من مؤلفاته فِي هَذَا الْجَانِب مَا يُغني عَن الحَدِيث عَن مدى مَا كَانَ لَدَى هَذَا الرجل من الحماس والغيرة، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الْحفاظ على صفاء هَذِه العقيدة وسلامتها والذود عَن حماها فرحمه الله رَحْمَة الْأَبْرَار. ثَنَاء الْعلمَاء عَلَيْهِ: قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الضَّبِّيّ، سَمِعت أَبَا الْفضل يَعْقُوب بن إِسْحَاق القراب يَقُول: مَا رَأينَا مثل عُثْمَان بن سعيد وَلَا رأى عُثْمَان مثل نَفسه.1
وَقَالَ أَبُو حَامِد الأعمشي: مَا رَأَيْت فِي الْمُحدثين مثل مُحَمَّد بن يحيي وَعُثْمَان بن سعيد، وَيَعْقُوب الْفَسَوِي. وَقَالَ آخر: هُوَ نَظِير إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ.2
وَقَالَ الْمُحدث يحيى بن أَحْمد بن زِيَاد الْهَرَوِيّ صَاحب ابْن معِين: رَأَيْت فِي النّوم كَأَن قَائِلا يَقُول، إِن عُثْمَان -يَعْنِي الدَّارمِيّ- لذُو حَظّ عَظِيم.3
وَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْذر شكر: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ، وَسَأَلته عَن عُثْمَان بن سعيد فَقَالَ: ذَاك رزق حسن التصنيف.1
وَقَالَ أَبُو الْفضل الجارودي: كَانَ عُثْمَان بن سعيد إِمَامًا يقْتَدى بِهِ فِي حَيَاته وَبعد مماته2. وَقَالَ الْحسن بن صَاحب الشاسي: سَأَلت أَبَا دَاوُد السجسْتانِي عَن عُثْمَان بن سعيد: فَقَالَ مِنْهُ تعلمنا الحَدِيث.3
وَقَالَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق: مَا رَأينَا أجمع مِنْهُ.4
وَقَالَ الْعَبَّادِيّ: وَأَبُو سعيد كَانَ فِي الْعلم بِمحل لَو كَانَ فِي زمن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لقدموه على أنفسهم، هَكَذَا حُكيَ.5
موقفه من المبتدعة: عَاشَ الدَّارمِيّ -رَحمَه الله- فِي الْقرن الثَّالِث الهجري، وَذَلِكَ بعد أَن ظَهرت آراء المتبدعة وبدت ماثلة للعيان، وَكَانَ لَهُم فِي أثْنَاء هَذ الْقرن دولة وسلطان، جرت على عُلَمَاء الْمُسلمين من الويلات والأذى الشَّيْء الْكثير ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون﴾.
وانبرى لهَذِهِ المحنة الجهابذة الْأَعْلَام من عُلَمَاء الْإِسْلَام وعَلى رَأْسهمْ
الإِمَام الْعلم أَحْمد بن حَنْبَل رَحمَه الله، وَمُحَمّد بن نوح، وعشرات غَيرهم يذودون عَن حمى الْإِسْلَام وعرينه وَعَن حرماته أَن تنتهك.
وَكَانَ لهَذَا الْبَصِير النَّاقِد رَحمَه الله دوره الفعال فِي مُوَاجهَة المبتدعة بِلِسَانِهِ وَبَيَانه فِي ثبات وَقُوَّة وغيرة عَليّ دين الله.
وَمن تَأمل كِتَابيه: الرَّد على الْجَهْمِية، وَالرَّدّ على بشر المريسي، فسيقف على مدى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الرجل من مناصرة للسّنة ومحاربة للبدعة، مَعَ مَا تميز بِهِ من قُوَّة الرَّد وَشدَّة الْحِرْص على إِثْبَات صِفَات الله وأسمائه الَّتِي كَانَ بشر المريسي وَأَضْرَابه يبالغون فِي نَفيهَا.
قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: كَانَ لهجًا بِالسنةِ بَصيرًا بالمناظرة1جذعًا فِي أعين المبتدعة.2
وَهُوَ الَّذِي قَامَ على مُحَمَّد بن كرام الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الكرامية وطرده عَن هراة فِيمَا قيل.3
وَقَالَ يَعْقُوب القراب: سَمِعت عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ يَقُول: قد نَوَيْت أَلا أحدث عَن أحد أجَاب إِلَى خلق الْقُرْآن إِلَّا أَن الْمنية عاجلته.4
قَالَ الذَّهَبِيّ: من أجَاب تقية فَلَا بَأْس وَترك حَدِيثه لَا يَنْبَغِي.1
وَيَقُول الدكتور مُحَمَّد نور يُوسُف مُعَلّقا على مَا ذكره القراب: "وتعليل القراب بِأَن الْمنية عاجلته، غير مستساغ؛ لِأَن وَفَاته تَأَخَّرت كثيرا عَن هَذِه الْفِتْنَة بِمَا يقرب خمسين عَاما. إِلَّا أَن يكون ذَلِك قد بدا لَهُ فِي آخر عمره، وَهَذَا بعيد، وَالَّذِي يَبْدُو أَن الَّذِي عدل بِهِ عَن ذَلِك، أَن الْكِبَار قد أجَاب مِنْهُم تقية كعلي بن الْمَدِينِيّ وَيحيى بن معِين وَأَبُو مسْهر عبد الْأَعْلَى بن مسْهر وَغَيرهم. فَلَو رد حَدِيث هَؤُلَاءِ وأمثالهم، لرد حَدِيثا كثيرا من حَدِيث شُيُوخه. ثمَّ لَا يصلح ذَلِك مبررًا للرَّدّ كَمَا ذكر الذَّهَبِيّ"2. وَفَاته: توفّي -رَحمَه الله- فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقد ناهز الثَّمَانِينَ من عمره.3
وَكَانَت وَفَاته بهراة.4
قَالَ الذَّهَبِيّ: وَمَا رَوَاهُ أَبُو عبد الله الضَّبِّيّ عَن شُيُوخه، أَنه مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، فَوَهم ظَاهر.5
آثاره: قَالَ مُحَمَّد بن الْمُنْذر شكر: سَمِعت أَبَا زرْعَة الرَّازِيّ، وَسَأَلته عَن عُثْمَان بن سعيد فَقَالَ: ذَلِك رزق حسن التصنيف.1
وتشير المصادر الَّتِي بَين أَيْدِينَا عَنهُ إِلَى أَن لَهُ أَرْبَعَة مصنفات، هِيَ: 1- الْمسند الْكَبِير.2
2- النَّقْض على بشر المريسي3وَهُوَ كِتَابه هَذَا.
3- الرَّد على الْجَهْمِية4وَقد طبع غير مرّة5وَلَدي صُورَة لَهُ مخطوطًا حصلت عَلَيْهَا مَعَ كتاب الرَّد على بشر المريسي.
4 سؤالالت فِي الرِّجَال ليحيى بن معِين6وَهُوَ الْمَعْرُوف الْآن بـ" تَارِيخ
عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ، عَن أبي زَكَرِيَّا يحيى بن معِين فِي تَخْرِيج الروَاة وتعديلهم" وَقد قَامَ بتحقيقه مُؤَخرا الدكتور: أَحْمد مُحَمَّد نور يُوسُف الْأُسْتَاذ المساعد فِي كُلية الشَّرِيعَة بِمَكَّة، وطبع ضمن مطبوعات مَرْكَز الْبَحْث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة الْملك عبد الْعَزِيز آنذاك.
وَيذكر إِسْمَاعِيل باشا الْبَغْدَادِيّ فِي هِدَايَة العارفين أَن من مصنفاته "الرَّد على الكرامية"1 وَلَعَلَّه يُرِيد كِتَابه الْمَعْرُوف بِالرَّدِّ على الْجَهْمِية فَوَهم.
وَالله أعلم.