إِيرَاد الْمعَارض لحَدِيث اختصام الْمَلأ الْأَعْلَى ومناقشته:
وَرَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ1عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ2عَنْ أَبِي يَحْيَى3 عَنْ أَبِي يَزِيدَ4عَنْ أَبِي سَلَّامٍ5عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ6أَن الني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ فَقُلْتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَبِّ 7 فَوَضَعَ كَفَّهُ 8 بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي، فَتَجَلَّى لِي مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض" 9.
......
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ أَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ1: أَتَانِي رَبِّي مِنْ خَلْقِهِ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ فَأَتَتْنِي2تِلْكَ الصُّورَةُ، وَهِيَ غَيْرُ اللَّهِ، وَاللَّهُ فِيهَا مُدبر، وضع3كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ فِي صَدْرِي، يَعْنِي تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَنَامِلُ لِتِلْكَ الصُّورَةِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى اللَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُعَارِضِ: كَمْ تَدْحَضُ فِي قَوْلِكَ وَتَرْتَطِمُ4فِيمَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم، أرأتك إِذَا ادَّعيت أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صُورَةً مِنْ خَلْقِ اللَّهِ سِوَى اللَّهِ أَتَتْهُ، فَيُقَالُ لَهُ5: هَلْ تَدْرِي يَا محمدُ، فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ أَفَتَتَأَوَّلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَجَابَ صُورَةَ غَيْرِ اللَّهِ: لَا يَا رَبِّ لَا أَدْرِي6فَدَعَاهَا رَبًّا، دُونَ اللَّهِ، أَمْ أَتَتْهُ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَانِي رَبِّي"؟ إِنَّ هَذَا لَكُفْرٌ7عَظِيمٌ ادَّعَيْتَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيَّةُ صُورَةٍ
تَضَعُ أَنَامِلَهَا وَكَفَّهَا فِي كَتِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَيْرُ اللَّهِ؟ فَفِي دَعْوَاكَ ادَّعَيْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِصُورَةٍ مَخْلُوقَةٍ غَيْرِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِكَ أَنَّ الصُّورَةَ قَالَتْ لَهُ: "هَلْ تَدْرِي يَا مُحَمَّدُ" فَقَالَ لَهَا1: يَا رَبِّ2، وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صُورَةٌ مَخْلُوقَةٌ تَضَعُ أَنَامِلَهَا فِي كَتِفِ نَبِيٍّ مِثْلِ مُحَمَّدٍ، فَيَتَجَلَّى لَهُ بِذَلِكَ3فِيمَا بَيْنَ4السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أُمُورٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا قلَّ 5 أَنْ تَضَعَ تِلْكَ الصُّورَةُ كَفَّهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ وَيْحَكَ! لَا يُمْكِنُ هَذَا جِبْرِيل6وَلَا مِيكَائِيل7
وَلَا إِسْرَافِيلُ8، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا غَيْرُ اللَّهِ، فَكَمْ1تَجْلِبُ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخَطَإِ، وَتَتَقَلَّدُ مِنْ تَفَاسِيرِ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ2، مَا لَمْ يَرْزُقْكَ اللَّهُ مَعْرِفَتَهَا، وَلَا تَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَجُرَّكَ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ كَالَّذِي تَأَوَّلْتَ3عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صُورَةً مَخْلُوقَةً كَلَّمَتْهُ فَأَجَابَهَا مُحَمَّدٌ: "يَا رَبِّ"، أَمِ اللَّهُ صُورَةٌ لَمْ يَعْرِفْهَا، فَقَالَ: "أَتَانِي رَبِّي" لِمَا أَنَّ اللَّهَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مُدَبِّرٌ؟ فَفِي4دَعْوَاكَ يَجُوزُ لَكَ كُلَّمَا رَأَيْتَ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا قُلْتَ: "هَذَا رَبِّي" لِمَا أَنَّ اللَّهَ مُدَبِّرٌ فِي صُوَرِهِمْ فِي دَعْوَاكَ5، وَجَازَ لِفِرْعَوْنَ6فِي دَعْوَاكَ أَنْ يَقُولَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ 7 لِمَا أَنَّ اللَّهَ مُدَبِّرٌ فِي صُورَتِهِ بِزَعْمِكَ، وَهَذَا أَبْطَلُ بَاطِلٍ، لَا يَنْجَعُ8إِلَّا فِي أَجْهَلِ جَاهِلٍ.
وَيْلَكَ! إِنَّ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، لِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيث أبي ذرح "أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ"10، وَقَالَ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا" 1، وَقَالَتْ عَائِشَةُ2رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ"3، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى4: ﴿لَا تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ﴾ 5 يَعْنُونَ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى6عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة.
رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبِلٍ1عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَّيْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ وَضَعْتُ جَنْبِي، فَأَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ" 2، فَحِينَ وُجِدَ هَذَا لِمُعَاذٍ3كَذَلِكَ صُرِفَتِ الرِّوَايَاتُ الَّتِي فِيهَا إِلَى مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَهَذَا تَأْوِيلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَا مَا ذَهَبْتَ4إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْخُرَافَاتِ، فَزَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةً فِي الْيَقَظَةِ كَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَبِّ، غَيْرَ أَنِّي أَظُنُّكَ لَوْ دَرَيْتَ أَنَّهُ يُخْرِجُكَ تَأْوِيلُكَ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الضَّلَالَاتِ لَأَمْسَكْتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ عَلَى حَدِّ الْحِوَارِ5آمِنًا مِنَ الْجَوَابِ غَارًّا أَنْ يُنْتَقَدَ عَلَيْكَ.
وَقَدْ رَوَى الْمُعَارِضُ أَيْضًا عَنِ الْأَعْمَشِ6عَنْ أَبِي وَائِلٍ7قَالَ: "بَيْنَمَا
عَبْدُ اللَّهِ1يُمَجِّدُ رَبَّهُ إِذْ قَالَ مِعْضَدٌ2: نِعْمَ الْمَرْءُ رَبُّنَا3فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي أُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ"4.
فَادَّعَى الْمُعَارِضُ فِي تَفْسِيرِهِ تَخْلِيطًا مِنَ الْكَلَامِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: الشَّخْصُ فِي قَوْلِهِ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهَ، فَأَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْءَ5لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا، وَاللَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ شَيْءٌ.
فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُعَارِضُ ذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَهَذَا مَحْض الزندقة6
لِأَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ الْأَشْيَاءِ، وَأَعْظَمُ الْأَشْيَاءِ1وَخَالِقُ الْأَشْيَاءِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ 2 نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.3
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ4عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ5عَنِ الزُّبَيْرِ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ6عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيِّ7عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ8: "وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نُورٍ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَلَهُ مَرْأًى9وَمَنْظَرٌ، فَكَيْفَ النُّور الْأَعْظَم خَالق الْأَنْوَار10".