فَقبل الْعِوَض وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَهَذَا أَيْضا مُشكل على قِيَاس مَذْهَب الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي الْمَنْع من إِلْحَاق الزَّوَائِد والشروط
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي فَسَاد العقد لانضمام فَاسد إِلَيْهِ وَهُوَ الْمَعْرُوف بتفريق الصَّفْقَة وَذَلِكَ لَهُ ثَلَاث مَرَاتِب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْمرتبَة الأولى
أَن يجْرِي فِي الِابْتِدَاء كَمَا لَو بَاعَ ملكه وَملك الْغَيْر فِي صَفْقَة وَاحِدَة فسد فِي ملك الْغَيْر وَفِي ملكه قَولَانِ أَحدهمَا الصِّحَّة لَان الصَّحِيح لم يتأثر بالفاسد فَلَا يفْسد بمساوقته وَالثَّانِي الْفساد لعلتين أصَحهمَا أَن الصَّحِيح تأثر بِهِ إِذْ صَار مَا يَخُصُّهُ من الثّمن مَجْهُولا وَجَمِيع الْمُسْتَحق ثمنا يَنْبَغِي أَن يعلم وَحِصَّة ملكه من الْجَمِيع لم يعرف مبلغه فَصَارَ كَمَا إِذا قَالَ بِعْت مِنْك عَبدِي هَذَا بِمَا يَخُصُّهُ من الْألف لَو وزع عَلَيْهِ وعَلى قيمَة عبد فلَان وَالثَّانيَِة أَن الصِّيغَة المتحدة إِذا فَسدتْ فِي بعض مسمياتها لم تقبل التَّبْعِيض وَهَذِه الْعلَّة توجب الْفساد بِحكم التَّفْرِيق فِي النِّكَاح أَيْضا
وان عللنا بِجَهَالَة الْعِوَض لم يجز فِي الرَّهْن وَالْهِبَة إِذْ لَا عوض فيهمَا وَلَا فِي النِّكَاح فان الْجَهْل فِيهِ بِالْعِوَضِ لَا يفْسد وَلَا فِيمَا تتناسب أجزاؤه كَعبد مُشْتَرك انْفَرد أَحدهمَا بِبيعِهِ فانه يعلم أَن النّصْف مشترى بِالنِّصْفِ وَالثلث بِالثُّلثِ وَكَذَا فِي سَائِر الْأَجْزَاء المتناسبة وان فرعنا على الصِّحَّة ثَبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي فَإِن فسخ فَذَاك وان أجَاز فبقسطه من الثّمن وَفِيه قَول آخر انه يخبر بِكُل الثّمن حذارا من أَن يكون مبلغ الثّمن الْمُسْتَحق غير مَعْلُوم وَكَأن هَذِه زِيَادَة فَاسِدَة لم تقبل الْعِوَض كالعيب وَهُوَ بعيد وَالصَّحِيح أَن البَائِع لَا خِيَار لَهُ وان أُجِيز بقسط من الثّمن لانه سلم لَهُ كل بدل ملكه هَذَا إِذا بَاعَ مَمْلُوكا ومعصوبا فان ضم إِلَى الْمَمْلُوك حرا فَالْخِلَاف مُرَتّب وَالْفساد أولى إِذْ تَقْدِير قيمَة الْحر أبعد فَإِن ضم إِلَيْهِ خمرًا أَو خنزيرا أَو كَلْبا فَمر بِهِ على الْحر وَالْفساد أولى إِذْ لَا بُد من تَقْدِير صفة خلقته لمعْرِفَة الْقيمَة
ثمَّ إِن صححنا فقد قيل يقدر الْخِنْزِير نعجة وَالْخمر خلا ليمكن تقويمه وَهُوَ بعيد بل الْأَصَح أَن تقدر قِيمَته على حَاله عِنْد من لَهُ قيمَة عِنْده أما إِذا ضم إِلَى الصَّحِيح غَائِب مَجْهُول لَا مطمع فِي معرفَة قِيمَته فَيتَعَيَّن إبِْطَال العقد إِلَّا على القَوْل الضَّعِيف فِي أَن الْإِجَازَة تجْرِي بِكُل الثّمن فَأَما إِن أجزنا
بِقسْطِهِ لم نَعْرِف مبلغه بِحَال فان قيل قطعْتُمْ بِالْبُطْلَانِ فِيمَا إِذا قَالَ بِعْتُك عَبدِي بِمَا يَخُصُّهُ من الْألف لَو وزع على قِيمَته وَقِيمَة عبد آخر عينه وترددتم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَمَا الْفرق قُلْنَا إِن كَانَ المتعاقدان عَالمين بِحَقِيقَة الْحَال عِنْد العقد بَطل العقد إِذْ لَا فرق هَكَذَا قَالَه الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد وانما الْخلاف عِنْد الْجَهْل إِذْ قد ظنا أَن مبلغ الثّمن مَعْلُوم حَالَة العقد وللظن تَأْثِير فِي أَمْثَاله كَمَا سبق فِي نَظَائِره فِي فُصُول علم الْمَبِيع وَلَا وَجه إِلَّا مَا ذكره الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد رَحمَه الله
الْمرتبَة الثَّانِيَة التَّفْرِيق فِي الدَّوَام
وَذَلِكَ بِأَن يتْلف أحد الْعَبْدَيْنِ قبل الْقَبْض على وَجه يَنْفَسِخ فِيهِ فَفِي الِانْفِسَاخ فِي الْبَاقِي قَولَانِ مرتبان على العلتين
وَالصَّحِيح انه لَا يَنْفَسِخ لَان الْجَهْل مَحْذُور فِي الِابْتِدَاء وَالْعقد الْآن قد اسْتَقر وعَلى هَذَا يَأْخُذ الْبَاقِي بِقسْطِهِ وَقَول التَّكْمِيل هَا هُنَا فِي نِهَايَة الضعْف لِأَن العقد قد سبق مقتضيا للتوزيع
التَّفْرِيع
إِن جَوَّزنَا تَفْرِيق الصَّفْقَة فِي الدَّوَام فَلَو اشْترى عَبْدَيْنِ وَوجد بِأَحَدِهِمَا أَو بهما عَيْبا وَأَرَادَ إِفْرَاد وَاحِد بِالرَّدِّ وَهُوَ الْمَعِيب فَلهُ ذَلِك وَلَو أَرَادَ ردهما جَازَ أَيْضا وان كَانَ الْمَعِيب وَاحِدًا لانه لم يسلم لَهُ كل الْمُشْتَرى وَفِيه وَجه انه لَا يردهما إِلَّا إِذا كَانَا معيبين وَلَا خلاف فِي أَنه لَو أَرَادَ رد نصف عبد لم يجز لَان التَّبْعِيض عيب فِي حق البَائِع وان
فرع
نا على القَوْل الآخر فَلَيْسَ لَهُ إِفْرَاد أحد الْعَبْدَيْنِ بِالرَّدِّ أَن رَضِي البَائِع فَوَجْهَانِ أقيسهما الْمَنْع لَان اسْتِحَالَة تَفْرِيق الصَّفْقَة الْوَاحِدَة لَا تخْتَلف بِالتَّرَاضِي وَالثَّانِي الْجَوَاز وَكَأن هَذَا الْقَائِل يُعلل بتضرر البَائِع بِرُجُوع بعض الْمَبِيع إِلَيْهِ
وَلَو كَانَ الثَّانِي تَالِفا فَهَل يُمْهل عذره فِي إِفْرَاد الْقَائِم فِيهِ وَجْهَان فان منعناه فَلَو ضم قيمَة التَّالِف إِلَيْهِ فَهَل يتَمَكَّن مِنْهُ فِيهِ خلاف مُرَتّب على مَا إِذا أَرَادَ ضم ارش الْعَيْب الْحَادِث إِلَى الْمَبِيع ورده بِالْعَيْبِ الْقَدِيم وَهَا هُنَا أولى بِالْمَنْعِ لَان النُّقْصَان فِي حكم تَابع وَالْعَبْد مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَلَا يَجْعَل تَابعا للقائم
فرع
لَو حكمنَا برد قيمَة التَّالِف ضما الى الْقَائِم فتنازعا فِي مِقْدَاره فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي لانه الْغَارِم والاصل بَرَاءَة ذمَّته وَلَو تلف أحد الْعَبْدَيْنِ قبل الْقَبْض وَقُلْنَا يرد البَائِع مَا يَخُصُّهُ دون الْبَاقِي فتنازعا فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن القَوْل قَول البَائِع لانه الْغَارِم برد بعض الثّمن وَالثَّانِي بل القَوْل قَول المُشْتَرِي لانه الَّذِي يسلم بعض الثّمن للْبَاقِي والمنازع يرجع إِلَى مزِيد فِيهِ يَدعِيهِ البَائِع وينكره المُشْتَرِي
الْمرتبَة الثَّالِثَة أَن يجمع بَين عقدين مختلفي الحكم فِي الْفَسْخ والانفساخ
كَالْإِجَارَةِ وَالْبيع أَو النِّكَاح وَالْبيع أَو الصّرْف وَالسّلم الَّذِي يَنْفَسِخ بالتفرق قبل
الْقَبْض مَعَ غَيره مِمَّا لَا يَنْفَسِخ بِهِ أَو السّلم فِي جنس وَاحِد إِلَى آجال أَو فِي أَجنَاس إِلَى اجل وَاحِد فِيهِ قَولَانِ مرتبان على الْمرتبَة الثَّانِيَة وَأولى بِالصِّحَّةِ إِذْ آحَاد هَذِه الْعُقُود صَحِيحَة فَلَا مَانع فِي الْجمع فِي الحكم وَوجه الْفساد أَن انْفِسَاخ العقد فِي الْبَعْض لَو جرى لانفسخ الْبَاقِي وَذَلِكَ مترقب فان الْعُقُود المتفرقة لَا تنتظم أحوالها فِي الْمَآل فَجعل المتوقع كالواقع وَهَذَا بعيد جدا فان قيل إِذا كَانَ سَبَب الْفساد تفَرقا وَاقعا فِي صَفْقَة متحدة فَبِمَ يعرف اتِّحَاد الصَّفْقَة وتعددها قُلْنَا إِن اتَّحد البَائِع وَالْمُشْتَرِي والعوض اتّحدت الصَّفْقَة وتتعدد بِتَعَدُّد البَائِع قطعا وَكَذَا بِتَعَدُّد الْعِوَض فَإِذا قَالَ اشْتريت عَبدك بِدِينَار واستأجرت جاريتك بدرهم كَانَت الصَّفْقَة مُتعَدِّدَة فَإِذا قَالَ اشْتريت العَبْد واستأجرت الْجَارِيَة بِدِينَار فَعِنْدَ ذَلِك تتحد وَفِي التَّعَدُّد بِتَعَدُّد المُشْتَرِي مَعَ اتِّحَاد البَائِع وَصِيغَة العقد والعوض قَولَانِ أَحدهمَا الْقيَاس على البَائِع وَالثَّانِي الْفرق فان المُشْتَرِي كالقائل الثَّانِي على الْإِيجَاب السَّابِق فالنظر إِلَى من مِنْهُ الْإِيجَاب أما إِذا اتَّحد الْوَكِيل وتعدد الْمُوكل أَو على الْعَكْس فَثَلَاثَة أوجه أَحدهَا النّظر إِلَى الْوَكِيل فانه الْعَاقِد
وَالثَّانِي إِلَى الْمُوكل فانه من يَقع العقد لَهُ وَالثَّالِث أَن النّظر فِي الشِّرَاء إِلَى الْوَكِيل لانه الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ العقد ظَاهرا وَفِي البيع إِلَى الْمُوكل لانه سفير لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد المُشْتَرِي فَلَو قَالَ لِرجلَيْنِ بِعْت مِنْكُمَا فَقبل أَحدهمَا دون الآخر فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا الصِّحَّة للتعدد وَالثَّانِي الْمَنْع لَان الْجَواب غير منطبق على الْخطاب وَقد الْتبس جوابهما جَمِيعًا وَهَذَا بعيد إِذْ نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على انه لَو خَالع زوجتيه فَقبلت إِحْدَاهمَا صَحَّ مَعَ أَن فِيهِ معنى التَّعْلِيق وَالْمُعَلّق بصفتين لَا يحصل بِإِحْدَاهُمَا وَلَا خلاف أَنه لَو قَالَ لوَاحِد بِعْت مِنْك هذَيْن الصاعين بدرهم فَقَالَ اشْتريت أَحدهمَا بِنصْف دِرْهَم لَا يَصح وَإِن فرعنا فعلى جَوَاز تَفْرِيق الصَّفْقَة للخلل فِي الْقبُول وَعدم مطابقته للخطاب وَقطع الشَّيْخ أَبُو عَليّ بِأَنَّهُ لَو قَالَ لعَبْدِهِ زوجت مِنْك أمتِي فَقبل إِحْدَاهمَا صَحَّ النِّكَاح وَفرق بَينه وَبَين البيع وَلَا ينقدح فِيهِ فرق من حَيْثُ انتظام الْجَواب وَالْخطاب وَلَكِن النِّكَاح أبعد عَن قبُول الْفساد بانضمام فَاسد إِلَيْهِ فان غَايَته أَن يكون ضم الْفَاسِد إِلَيْهِ كَشَرط فَاسد وَالنِّكَاح لَا يفْسد بِهِ وَلَعَلَّه رأى تعدد الصَّفْقَة بِتَعَدُّد الزَّوْجَة فان منصبها منصب الْعَاقِد لَا منصب الْمَبِيع
إِلَّا أَن هَذَا التَّعْلِيل تخدشه مَسْأَلَة وَهِي انه لَو اصدق امرأتيه عبدا ثمَّ بَان الْفساد فِي نِكَاح إِحْدَاهمَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ للزَّوْج الْخِيَار على الَّتِي صَحَّ نِكَاحهَا فِي نصف العَبْد حَتَّى يَنْفَسِخ وَيسلم مهر الْمثل حَتَّى لَا يَتَبَعَّض عَلَيْهِ العَبْد قَالَ وَعرضت هَذَا على الْقفال فارتضاه وَلَا تنفك هَذِه الْمَسْأَلَة عَن احْتِمَال فَإِن الْمَرْأَتَيْنِ كالمشتريين للْعَبد فَلَا يبعد تعدد الصَّفْقَة بهما وَسَنذكر انْفِرَاد أحد المشتريين بِالرَّدِّ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا خلاف أَن أحد المشتريين لَو وفى نصِيبه من الثّمن وَقُلْنَا الصَّفْقَة مُتعَدِّدَة تسلم إِلَيْهِ حِصَّته من الْمَبِيع وان قُلْنَا الصَّفْقَة متحدة فهما كالمشتري الْوَاحِد وَفِيه إِذا سلم بعض الثّمن خلاف وَالظَّاهِر انه لَا يسلم إِلَيْهِ شَيْء من الْمَبِيع وان كَانَ يَنْقَسِم كالحنطة مثلا مَا لم يسلم تَمام الثّمن وَفِيه وَجه أَنه يسلم بِقَدرِهِ لِأَن الثّمن متوزع على الْمَبِيع لَا كَالدّين فِي حق الْمَرْهُون فَأَما إِذا كَانَ لَا يَنْقَسِم فَلَا خلاف فِي أَنا لَا نكلفه الْمُهَايَأَة فِي قدر مَا سلم ثمنه لِأَن حق الْجِنْس ضَعِيف لَا يحْتَمل التَّسْلِيم والاسترداد وَلذَلِك يبطل بالإعارة
الْقسم الثَّانِي فِي بَيَان لُزُوم العقد وجوازه
وَهُوَ أهم مَا يذكر بعد بَيَان صِحَّته وفساده وَالْأَصْل فِي البيع اللُّزُوم وَالْجَوَاز بِأَسْبَاب خَاصَّة فنعقد فِيهَا ثَلَاثَة أَبْوَاب الْبَاب الأول فِي خِيَار الْمجْلس الْبَاب الثَّانِي فِي خِيَار الشَّرْط فِي خِيَار النقيصة
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي خِيَار الْمجْلس وَفِيه فصلان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الْفَصْل الأول فِي مجاريه
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْمُتَبَايعَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه بِالْخِيَارِ مَا لم يَتَفَرَّقَا إِلَّا بيع الْخِيَار قيل مَعْنَاهُ أَلا بيعا شرطا فِيهِ الْخِيَار فَلَا يلْزم بالتفرق وَقيل مَعْنَاهُ أَلا بيعا شَرط فِيهِ نفي خِيَار الْمجْلس فَيلْزم بِنَفسِهِ عِنْد قومه وَلما ثَبت خِيَار الْمجْلس بِالْحَدِيثِ اخْتصَّ بِالْبيعِ فَكل مَا يُسمى بيعا من الصّرْف وَالسّلم والإشراك أَن شرك بَينه وَبَين غَيره بَان يَقُول أَشْرَكتك فِي هَذَا البيع وَهُوَ مُسْتَعْمل فِي البيع وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَة وَالصُّلْح ثَبت فِيهِ الْخِيَار قطعا وَيسْتَثْنى أَربع مسَائِل الأولى بيع شَرط فِيهِ نفي خِيَار الْمجْلس وَفِيه وَفِي نفي خِيَار الرُّؤْيَة
وَالْعَيْب ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا لُزُوم العقد وَصِحَّة الشَّرْط وَالثَّانِي فَسَاد العقد لفساد الشَّرْط وَالثَّالِث أَن الشَّرْط لاغ وَالْعقد بَاقٍ على مُقْتَضَاهُ الثَّانِيَة كل بيع يستعقب عتقا كَشِرَاء الْوَالِد وَشِرَاء العَبْد نَفسه من سَيّده لَا خِيَار فِيهِ لانه لَيْسَ عقد مغابنة وَقَالَ أَبُو بكر الاودني يثبت الْخِيَار فِي شِرَاء الْقَرِيب وَاسْتدلَّ بقوله عَلَيْهِ السَّلَام لن يَجْزِي ولد وَالِده حَتَّى يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه فَيدل على تعلق الْعتْق بِاخْتِيَارِهِ وَهُوَ ضَعِيف
الثَّالِثَة إِذا بَاعَ مَال الطِّفْل من نَفسه فقد قيل لَا خِيَار لانه لَا يعقل فِي الْوَاحِد اجْتِمَاع وتفرق وَالصَّحِيح ثُبُوت الْخِيَار لانه فِي معنى شَخْصَيْنِ نعم الْخلاف يتَّجه فِي أَن خِيَاره يَنْقَطِع بمفارقة مجْلِس العقد أم لَا يَنْقَطِع أَلا بِصَرِيح الْإِلْزَام لانه ملازم نَفسه أبدا ثمَّ لاشك فِي انه يثبت لَهُ خياران وَاحِد لَهُ على طِفْله وَوَاحِد لطفله عَلَيْهِ الرَّابِعَة بيع الْغَائِب وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنه كَسَائِر الْبيُوع وَالثَّانِي لَا لانه بصدد خِيَار الرُّؤْيَة وكل وَاحِد مِنْهُمَا خِيَار يشتهى فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي عقد وَاحِد وَالْأول أظهر فان قُلْنَا يثبت فَوَجْهَانِ أَحدهمَا عِنْد العقد وَهُوَ الْقيَاس وَالثَّانِي عِنْد الرُّؤْيَة إِذْ قبلهَا لَا يتَصَوَّر حَقِيقَة الرِّضَا أما النِّكَاح وَالرَّهْن وَالْهِبَة وَالْكِتَابَة وكل عقد جَائِز من الْجَانِبَيْنِ أَو من أَحدهمَا فَلَا خِيَار فِيهَا لِأَنَّهَا لَيست فِي معنى البيع وَكَذَلِكَ كل مَا لَا يُسمى بيعا إِلَّا فِي سَبْعَة أُمُور أَحدهَا الْإِجَارَة وَفِي ثُبُوت خِيَار الْمجْلس وَالشّرط فِيهَا ثَلَاثَة أوجه وَجه
الْإِثْبَات أَنَّهَا صنف من الْبيُوع وَوجه الْمَنْع أَنه يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل الْمَنَافِع فمدة الْخِيَار بِخِلَاف البيع وَفِي الثَّالِث يثبت فِيهِ خِيَار الْمجْلس إِذْ الْغَالِب انه يتصرم على قرب فَلَا وزن لتِلْك الْمَنْفَعَة بِخِلَاف خِيَار الشَّرْط والمسابقة إِذا قُلْنَا إِنَّهَا لَازِمَة من الْجَانِبَيْنِ فِي معنى الْإِجَارَة وَلكنهَا أبعد عَن البيع قَلِيلا أما الْإِجَارَة الْوَارِدَة على الذِّمَّة فَيثبت فِيهَا الْخِيَار إِذْ لَا يحذر فِيهَا فَوَات مَنْفَعَة وَالْإِجَارَة بيع تَحْقِيقا الثَّانِي الْإِقَالَة وَيثبت فِيهَا الخياران على قَوْلنَا أَنَّهَا ابْتِدَاء بيع الثَّالِث الْحِوَالَة وفيهَا وَجْهَان على قَوْلنَا حكم الْمُعَاوضَة غَالب على الِاسْتِيفَاء وَوجه الْمَنْع أَن وجود معنى الِاسْتِيفَاء غير مُنكر وان كَانَ مَغْلُوبًا الرَّابِع الْهِبَة بِشَرْط الثَّوَاب إِن قُلْنَا تَنْعَقِد بيعا فَفِيهَا وَجْهَان كالخلاف فِي أَنَّهَا هَل تفِيد الْملك قبل الْقَبْض الْخَامِس الْقِسْمَة وَلَا يثبت فِيهَا خِيَار الشَّرْط على الْأَصَح لانه لَا مدْخل للفظ فِيهِ وَفِي خِيَار الْمجْلس على قَوْلنَا إِنَّه بيع خلاف وان كَانَ قهريا فَلَا
وَجه لإِثْبَات الْخِيَار أصلا السَّادِس الشَّفِيع إِذا بذل عوض الْمَشْفُوع فَمَا دَامَ فِي مجْلِس بذل الْعِوَض هَل يتَخَيَّر فِي الرُّجُوع وَهِي مُعَاوضَة مُحَققَة وَلكنه قهري لَا يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ فِيهِ وَجْهَان وَلَا يثبت خِيَار الشَّرْط بِحَال السَّابِع الصَدَاق وَالْمَشْهُور انه لَا يثبت فِيهِ الخياران وَحكى الصيدلاني قَوْلَيْنِ لانه عقد مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَا يَنْفَسِخ النِّكَاح بفسخه فَكل هَذِه الْمسَائِل منشأ التَّرَدُّد فِيهَا التَّرَدُّد فِي أَنَّهَا هَل هِيَ فِي معنى البيع لاشتمالها على الْمُعَاوضَة والمغابنة
فرع
الْعَاقِد فِي الصّرْف إِذا الزم فِي الْمجْلس ثمَّ فَارق قبل الْقَبْض انْفَسَخ العقد وَعصى أَن فَارق دون إِذن صَاحبه فانه ابطل عَلَيْهِ حَقًا لَازِما وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا يعْصى لَان عِلّة الْقَبْض قَائِمَة فَلَا يلْزم وَلَا يثبت اللُّزُوم قبل الْقَبْض مَا دَامَ فِي الْمجْلس وان جرى صَرِيح الْإِلْزَام وَالظَّاهِر أَنه يلْزم وَإِن كَانَ يَنْفَسِخ بِفَوَات الْقَبْض
الْفَصْل الثَّانِي فِي قواطع الْخِيَار وَهُوَ قَول أَو فعل
أما القَوْل فَهُوَ كل مَا يُصَرح بِهِ كقولهما اخترنا والتزمنا ورفعنا الْخِيَار أَو مَا يتضمنه كَالْعِتْقِ وَالْبيع على مَا سَيَأْتِي وان انْفَرد أَحدهمَا وَقَالَ التزمت لم يسْقط خِيَار صَاحبه وَيسْقط خِيَاره على الْأَصَح وَفِيه وَجه من حَيْثُ إِنَّه أثبت هَذَا الْخِيَار للمتبايعين جَمِيعًا فَلَا يسْتَقلّ بِهِ أَحدهمَا أما الْفِعْل فَهُوَ الِافْتِرَاق وَذَلِكَ بالشخص وَالروح وَالْعقل أما التَّفَرُّق بالشخص فَهُوَ أَن يُفَارق صَاحبه الى حد لَو اسْتَقر فِيهِ عدا خَارِجين عَن مجْلِس التخاطب ثمَّ يبطل خِيَار الْقَاعِد أَيْضا لانه قَادر على مساوقته وَلَو تساوقا فِي مشي أَو سفينة دَامَ الْخِيَار إِلَى الِافْتِرَاق وَفِيه لطيف أَنه لَا يزِيد على ثَلَاثَة أَيَّام فانه مُنْتَهى أمد الشَّرْع فِي جَوَاز البيع وَتَخْصِيص الْمجْلس هَا هُنَا جرى بِنَاء على الْغَالِب أما التَّفَرُّق بِالروحِ فَهُوَ بِالْمَوْتِ وَقد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ على بَقَاء الْخِيَار للْوَارِث وَنَصّ فِي الْمكَاتب إِذا مَاتَ فِي مجْلِس العقد أَنه وَجب العقد فَمن الْأَصْحَاب من تكلّف فرقا وَهُوَ أَن الْخِيَار للْوَارِث وَالْمكَاتب لَا وَارِث لَهُ وَالسَّيِّد لَيْسَ وَارِثا تَحْقِيقا فَانْقَطع خِيَار الْمجْلس بِمَوْتِهِ إِذْ لم يُمكن نَقله
وَمِنْهُم من قَالَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَولَانِ منشؤهما أَن الْمُفَارقَة بِالروحِ هَل تنزل منزلَة الْمُفَارقَة بالشخص وَمِنْهُم من قطع بِالْبَقَاءِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ للْوَارِث وَللسَّيِّد لِأَنَّهُ حق مَقْصُود فَلَا يبطل بِالْمَوْتِ كَخِيَار الشَّرْط نعم ينقدح الْخلاف فِي أَن الْوَارِث إِذا بلغه الْخَبَر يَدُوم خِيَاره بدوام مجْلِس بُلُوغ الْخَبَر أم هُوَ على الْفَوْر من حَيْثُ إِن التَّفَرُّق بِالْمَوْتِ أبطل الْمجْلس وَبَقِي مُجَرّد الْحق فَثَبت اخْتِيَاره على الْفَوْر وَالْوَجْه الآخر أَن الْحق إِذا بَقِي بَقِي بوصفه وَمثل هَذَا الْخلاف جَار فِيمَا إِذا مَاتَ وَقد بَقِي من مُدَّة خِيَار الشَّرْط يَوْم وَبلغ الْوَارِث الْخَبَر بعد تصرم ذَلِك الْيَوْم أَن بَقِيَّة الْمدَّة هَل تبقى فِي حَقه من حَيْثُ إِ تعين إبْقَاء الْحق فوصف الْمدَّة والمجلس بعد جَرَيَان الِاخْتِصَاص فِيهِ قد بَطل أما الْعَاقِد الْحَيّ فَيَنْقَطِع خِيَاره أَيْضا إِن قَطعنَا خِيَار صَاحبه وَإِلَّا فَيبقى ويدوم إِلَى أَن يَسْتَوْفِي الْوَارِث خِيَار نفس إِذا بلغه الْخَبَر فَإِذا بَطل خِيَار الْوَارِث بَطل خِيَاره إِذْ ذَاك وَإِلَّا فَلَا وَقيل إِن الْحَيّ لَا يتَصَرَّف بِالْخِيَارِ بالفسح وَالْإِجَارَة
قبل بُلُوغ الْخَبَر إِلَى الْوَارِث كي لَا ينْفَرد أحد الْعَاقِدين وَهُوَ بعيد وَلَو أكره أَحدهمَا على الْخُرُوج أَو حمل قهرا فَفِيهِ وَجْهَان يقربان من الْمَوْت وَقيل إِنَّه يَنْقَطِع بِسُقُوط خِيَاره إِن كَانَ مَفْتُوح الْفَم فَإِنَّهُ قدر على الْفَسْخ وَلَا وَجه لَهُ فَإِن صدمة الْحَال قد تدهشه ثمَّ إِذا نَفينَا خِيَاره فمهما عَاد إِلَى اخْتِيَاره كَانَ كالوارث يبلغهُ الْخَبَر وَلَا فرق بَين أَن يحمل أَو يكره على الْخُرُوج وان فرقنا فِي الْيَمين على قَول لِأَن هَذَا حكم مَنُوط بِصُورَة الْمُفَارقَة وَذَلِكَ يتَعَلَّق بِالْحِنْثِ والمخالفة وللقصد فِيهِ مدْخل وَأما الْمُفَارقَة بِالْعقلِ بِأَن جن أَحدهمَا أَو أُغمي عَلَيْهِ فَالظَّاهِر أَن الْخِيَار يبْقى للقيم وَالْوَلِيّ وَلَا يبطل بمفارقته بعد الْجُنُون وَفِيه وَجه مخرج من الْمَوْت أَنه يَنْقَطِع إِذْ هَذَا الْخِيَار بعيد عَن قبُول النَّقْل وَقد تعذر إبقاؤه للعاقد
فرع
إِذا تنَازع المتعاقدان فِي التَّفَرُّق وجاءا متساوقين وَقَالَ أَحدهمَا لم أفارقه بعد ولي الْخِيَار فَالْقَوْل قَوْله إِذا الأَصْل عدم التَّفَرُّق وَلَو تنَازعا فَقَالَ أَحدهمَا فسخت فِي الْمجْلس وَأنكر الآخر قَالَ صَاحب التَّقْرِيب القَوْل قَول مدعي الْفَسْخ لِأَنَّهُ تصرف يستبد بِهِ وَقَالَ غَيره القَوْل قَول الآخر لِأَن العقد والتفرق معلومان وَهُوَ يَدعِي فسخا فَعَلَيهِ إثْبَاته
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي خِيَار الشَّرْط وَفِيه فصلان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
الأول فِي حكمه فِي نَفسه ومدته وَفِيه مسَائِل خَمْسَة
الأولى فِي آخر مدَّته
وَلَا يزِيد على ثَلَاثَة أَيَّام عندنَا لِأَنَّهُ ثَبت على خلاف الْقيَاس لحَاجَة دفع الغبينة إِذْ كَانَ حبَان بن منقذ يخدع فِي البيعات فَشَكا أَهله إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ قل لَا خلابة وَاشْترط الْخِيَار ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ أَبُو سيف لَا حصر فِيهِ أصلا وَقَالَ مَالك يتَعَذَّر بِهِ إِلَّا فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ فِي ثَلَاثَة أَيَّام مِمَّا تغمض مَعْرفَته
الثَّانِيَة أول مدَّته وَفِيه وَجْهَان
أظهرهمَا أَنه يحْسب من وَقت العقد وَالثَّانِي أَنه يحْتَسب من وَقت التَّفَرُّق لِأَن الْجمع بَين خيارين متجانسين لَا يعقل وَلِأَن الشارط يَبْغِي الْإِثْبَات لنَفسِهِ فِي وَقت يَقْتَضِي العقد لُزُومه وعَلى هَذَا فَلَو صرح بِشَرْط ابْتِدَائه من وَقت العقد انبنى على الْمَعْنيين فَإِن عللنا بِمُطلق إِرَادَته ظَاهرا فقد تغير بالتصريح وَإِن عللنا بِأَن اجْتِمَاع المتماثلين لَا يعقل لم يثبت هَذَا الشَّرْط وعَلى الأول لَو صرح بِاشْتِرَاط ابْتِدَائه من وَقت التَّفَرُّق فَالظَّاهِر الْبطلَان لِأَنَّهُ يصير مَجْهُول الأول ثمَّ إِذا اجْتمع الخياران فيرتفعان بقولهمَا ألزمنا وأسقطنا الْخِيَار الْجَوَاز وَلَو خصصا أحد الخيارين بالإسقاط لم يسْقط الآخر والوجهان وَهُوَ أَن يعْتَبر من وَقت العقد فِي أول مُدَّة الْأَجَل فِي الثّمن
جاريان لَان الْخِيَار أَيْضا يُفِيد قطع الْمُطَالبَة وَهُوَ أولى بِأَن يحْتَسب من أول العقد لما بَينهمَا من الِاخْتِلَاف وَأما مُدَّة الْإِجَازَة أَن حكمنَا بِثُبُوت خِيَار الشَّرْط فِيهَا فَفِي ابتدائها أَيْضا هَذَانِ الْوَجْهَانِ وَالأَصَح أَنه من وَقت العقد
الثَّالِثَة معرفَة قدر الْمدَّة الَّتِي لَا بُد مِنْهَا
فَلَو أجل الْخِيَار بِمَجْهُول فسد وَلم يَنْقَلِب صَحِيحا بالحذف بعده وَكَذَلِكَ لَو أبهم بِأَن أثبت الْخِيَار فِي أحد الْعَبْدَيْنِ لَا بِعَيْنِه وَلَو شَرط الْخِيَار فِي وَاحِد معِين من عَبْدَيْنِ فَيخرج على تَفْرِيق الصَّفْقَة فِي الْجمع بَين مختلفي الحكم
الرَّابِعَة من أَثَره إِفَادَة سلطة الْفَسْخ دون حُضُور الْخصم وَقَضَاء القَاضِي خلافًا لأبي حنيفَة
وَهل يُؤثر فِي دفع الْملك وبقائه للْبَائِع فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه لَا يَزُول ملك البَائِع وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة لِأَن الرِّضَا لم يتكامل مَعَ الشَّرْط الْخِيَار وَالثَّانِي يَزُول إِذْ ثَبت الْخِيَار على خلاف الْقيَاس دفع الغبينة فَيثبت بِقدر الضَّرُورَة وَلَا حَاجَة إِلَى إِخْرَاج البيع عَن كَونه مُفِيدا بِسَبَبِهِ وَالثَّالِث التَّوَقُّف فَمن اسْتَقر الْأَمر عَلَيْهِ بَينا ملكه فِي الِابْتِدَاء
الْخَامِسَة إِذا شَرط الْخِيَار لثالث ثَبت لَهُ وَهل يثبت لَهما وَفِيه وَجْهَان
أَحدهمَا لَا اتبَاعا للشّرط وَالثَّانِي بلَى لعلتين إِحْدَاهمَا أَن مُطلق الشَّرْط يبْنى على الثُّبُوت للثَّالِث بطرِيق النِّيَابَة فعلى هَذَا فَلَو صرح بِالنَّفْيِ انْتَفَى وَالثَّانيَِة أَن ثُبُوته للْغَيْر لَا يعقل اسْتِقْلَالا بل هُوَ بطرِيق النِّيَابَة ضَرُورَة فعلى هَذَا لَو صرحا بِالنَّفْيِ لم يعقل الثُّبُوت
للثَّالِث دون الثُّبُوت لَهما أما الْوَكِيل الْمَأْذُون فِي العقد بِشَرْط الْخِيَار إِذا أطلق شَرط الْخِيَار فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا أَنه يثبت للْمُوكل لانه وَقع العقد لَهُ وَالثَّانِي للْوَكِيل لانه الْعَاقِد وَالثَّالِث لَهما جَمِيعًا وَأما خِيَار الْمجْلس فَيخْتَص بالوكيل قطعا لانه الْحَاضِر فَلَو كَانَ الْمُوكل فِي الْمجْلس حجر على الْوَكِيل فِي الْخِيَار فَإِن قُلْنَا عَلَيْهِ الِامْتِثَال رَجَعَ حَقِيقَة الْخِيَار إِلَى الْمُوكل وَإِن قُلْنَا لَا يمتثل فَإِنَّهُ من لَوَازِم السَّبَب السَّابِق وَهَذَا وَإِن كَانَ بَعيدا أَيْضا فَفِيهِ تَأمل للنَّاظِر
الْفَصْل الثَّانِي فِي حكم الْخِيَار فِي الطوارئ فِي مدَّته
وَالنَّظَر فِي الزِّيَادَات والتصرفات وَالْوَطْء والتلف فالمتصلة مِنْهَا تَابِعَة والمنفصلة كَالْوَلَدِ وَالْكَسْب يسلم لمن حكمنَا لَهُ بِالْملكِ فِي حَالَة الْحُصُول فِي آخر الْأَمر فَإِن اقْتضى تَفْرِيع أَقْوَال الْملك الحكم بِالْملكِ فِي حَالَة الْحُصُول دون آخر الْأَمر أَو على الْعَكْس فَوَجْهَانِ منشؤهما تعَارض النّظر إِلَى الْحَال والمآل
أما التَّصَرُّفَات
فالعتق إِن صدر من الْمُنْفَرد بِالْخِيَارِ نفذ وَإِن كَانَ الْخِيَار لَهما وَصدر من البَائِع نفذ لِأَن عتقه فسخ وَهُوَ مستبد بِهِ وَإِن صدر من المُشْتَرِي لَا بِإِذن البَائِع فَإِن قُلْنَا لَا ملك لَهُ لم ينفذ وان قُلْنَا الْملك لَهُ فَوَجْهَانِ يقربان من الْقَوْلَيْنِ فِي عتق الرَّاهِن إِذْ للْبَائِع حق مُتَعَلق بِالْعينِ لَازم فان قُلْنَا ينفذ فَالظَّاهِر أَنه لَا يبطل خِيَار البَائِع وَلَكِن فِي فَائِدَته وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يفْسخ العقد وَيرجع إِلَى الْقيمَة إِذْ الْعتْق لَا مرد لَهُ وَالثَّانِي انه يرد الْعتْق وَكَأَنَّهُ نفذ بِشَرْط أَلا يرد
وَقيل إِن خِيَار البَائِع يبطل لانه لَا يُقَاوم قُوَّة الْعتْق كحق الْمُرْتَهن من الِاخْتِصَاص وَالْبيع كَالْعِتْقِ وَفِي صُورَة الْخلاف وَجه مُرَتّب عَلَيْهِ وَأولى بِأَن لَا ينفذ وَإِن نفذ فَلَا يتَّجه إبِْطَال خِيَار البَائِع بل يتَعَيَّن أَن يُسَلط على فسخ البيع الثَّانِي وَالْأول إِن شَاءَ إِذْ البيع يحْتَمل الرَّد وان قُلْنَا لَا ينفذ الْعتْق وَالْبيع فَهَل ينفذ بِإِجَازَة البَائِع أما البيع فَلَا فَإِنَّهُ لَا يقبل الْوَقْت وَفِي الْعتْق خلاف وَإِن قُلْنَا ينفذ فيستند إِلَى وَقت الْعتْق أَو من وَقت الْإِجَازَة ينفذ فِيهِ وَجْهَان وَهل يَجْعَل التَّصَرُّف الْمَرْدُود إجَازَة من الْمُتَصَرف فِي جَانِبه فِيهِ وَجْهَان إِذا فهمنا انه إجَازَة لانه وَاقع من ضَرُورَته وَالرَّدّ جرى لحق الْغَيْر
فرع
لَو اشْترى عبدا بِجَارِيَة وَالْخيَار للْمُشْتَرِي فَلهُ أَن يستبد بِعِتْق أَيهمَا
شَاءَ على الْبَدَل لانه مستبد بِالْفَسْخِ وَالْإِجَازَة فَلَو أعتقهما جَمِيعًا قَالَ أَبُو حنيفَة يعتقان وَهُوَ متناقض لِأَنَّهُ جمع بَين الْفَسْخ وَالْإِجَازَة فَالْوَجْه التَّرْجِيح وَحكى الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَجها أَنَّهُمَا يتدافعان كالجمع بَين أُخْتَيْنِ فِي النِّكَاح وَاخْتَارَ ابْن الْحداد وَهُوَ الْأَصَح انه يرجح جَانب العَبْد لانه إجَازَة للْعقد فَهُوَ أولى من الْفَسْخ ولان الصَّحِيح أَن العَبْد ملكه وَمِنْهُم من قَالَ الْجَارِيَة أولى لَان الْفَسْخ أقوى من الْإِجَازَة وَلَو فرعنا على أَن الْملك فِي زمَان الْخِيَار للْبَائِع وَهُوَ بعيد فِي هَذِه الصُّورَة فَتكون الْجَارِيَة مُعتقة أولى لِاجْتِمَاع الْملك وسلطان الْفَسْخ أما الْوَطْء إِن صدر من البَائِع وَله خِيَار فَلَا حد وَلَا مهر وَلَا تَحْرِيم لانه فسخ نَص الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ عَلَيْهِ وَخرج بعض أَصْحَاب الْخلاف وَجها من إِبْهَام الْعتْق بَين أمتين وانه لَا يكون فسخا كَمَا لَو وطئ إِحْدَى الأمتين وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ تعرض بِالْوَطْءِ للتَّحْرِيم وان جَعَلْنَاهُ فسخا إِذْ كَانَ من حَقه أَن يفْسخ ثمَّ يطَأ وَقطع الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بِنَفْي التَّحْرِيم لجَرَيَان الْملك مَعَ الْوَطْء غير مُتَأَخّر عَنهُ وَقَالَ لَو رَأينَا الْوَطْء رَجْعَة لأحللناه فِي الرَّجْعِيَّة
أما المُشْتَرِي فَهُوَ كالبائع فِي الْإِبَاحَة وَكَونه إجَازَة إِن لم يكن للْبَائِع خِيَار وان كَانَ لَهُ خِيَار حرم الْوَطْء وحصلت الْإِجَازَة من جَانِبه على الْأَصَح وَقيل انه يحمل من جَانِبه على الامتحان كالخدمة وَلَو وطئ بِإِذن البَائِع لزم من جَانب البَائِع أَيْضا وان كَانَ بمرأى مِنْهُ وَهُوَ سَاكِت فَوَجْهَانِ إِذْ السُّكُوت عَلَيْهِ مَعَ خطره حُضُور دَلِيل على الرِّضَا وَأما الْحَد فساقط للشُّبْهَة وَالْمهْر حكمه حكم الْكسْب فَإِن جرى الإحبال مَعَ الْوَطْء فحرية الْوَلَد وَنسبه ثَابت للشُّبْهَة وَقِيمَة الْوَلَد لَهَا حكم الْكسْب وَالْمهْر وَأُميَّة الْوَلَد لَهَا حكم الْعتْق وَأولى بالتنفيذ لِأَنَّهُ فعل وَقيل خِلَافه لِأَن الْعتْق حريَّة منجزة وَالتَّرْتِيب متقادم وَأما تلف الْمَبِيع فان كَانَ فِي يَد البَائِع انْفَسَخ العقد وان كَانَ فِي يَد المُشْتَرِي وَقُلْنَا الْملك للْبَائِع انْفَسَخ العقد لَان بَقَاء الْملك أقوى من بَقَاء علقَة الْيَد وان قُلْنَا أَن الْملك للْمُشْتَرِي فَوَجْهَانِ وَوجه الِانْفِسَاخ بَقَاء علقه الْخِيَار للْبَائِع
وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَنْفَسِخ فَفِي بَقَاء الْخِيَار وَجْهَان أَحدهمَا أَنه لَا يبْقى لفَوَات الْمَعْقُود عَلَيْهِ فيضاهي فَوَات الرَّد بِالْعَيْبِ عِنْد فَوَات الْمَبِيع وَالثَّانِي يبْقى لِأَن الرَّد يعْتَمد الْمَرْدُود وَهَا هُنَا الْخِيَار يقوم بِالْعقدِ وَالْعقد قَائِم وان قُلْنَا يَنْفَسِخ وَجَبت الْقيمَة على المُشْتَرِي وَيعْتَبر يَوْم الْقَبْض أَو التّلف حكمه حكم الْمُسْتَعَار إِن قُلْنَا الْملك للْبَائِع وان قُلْنَا الْملك للْمُشْتَرِي يعْتَبر حَالَة التّلف وان كَانَ قبله ملكا لَهُ فَإِن قيل بِمَاذَا يَنْقَطِع الْخِيَار قُلْنَا بِمَا يدل على الرِّضَا من البيع وَالْعِتْق وَالْهِبَة مَعَ الْقَبْض وكل تصرف مزيل للْملك وَكَذَلِكَ بِالْهبةِ وَالتَّسْلِيم مَعَ الْوَلَد وان كَانَ خِيَار الرُّجُوع ثَابتا لَان ذَلِك اسْتِدْرَاك بعد ثبات الْملك وَلَا يَنْقَطِع الْخِيَار بِالْهبةِ قبل الْقَبْض وَلَا بِالْبيعِ بِشَرْط الْخِيَار إِن قُلْنَا انه لَا يزِيل الْملك وَلَا بِالْعرضِ على البيع وَالْإِذْن فِي البيع فانه هم دون الْإِتْمَام بخلا ف الْوَصِيَّة فَإِنَّهَا تَنْقَطِع بِالْعرضِ على البيع لغاية الضعْف وَلَا يَنْقَطِع الْخِيَار بِالتَّسْلِيمِ والتسلم وَلَا بالاستخدام وركوب الدَّابَّة وَيَنْقَطِع بِالْوَطْءِ على الصَّحِيح
وَالْأَظْهَر أَنه يَنْقَطِع بِالْإِجَارَة وَالتَّزْوِيج وَقد تنخل مِنْهُ أَن الْوَصِيَّة أَضْعَف من البيع بِشَرْط الْخِيَار وَحقّ الشُّفْعَة وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ أَضْعَف من الْوَصِيَّة لانقطاعها بِالتَّأْخِيرِ وَأما الرُّجُوع عَن الْهِبَة فَلَا يحصل إِلَّا بالتصريح وَفِي حُصُوله بِالْإِعْتَاقِ خلاف فَهَذِهِ مَرَاتِب الْحُقُوق وَالله أعلم وَأحكم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي خِيَار النقيصة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَمَا سبق كَانَ ثَابتا على طَرِيق التشهي وَهَذَا الْخِيَار لَا يثبت إِلَّا بِفَوَات أَمر مظنون ينشأ الظَّن فِيهِ من الْتِزَام شرطي أَو قَضَاء عرفي أَو تغرير فعلي وَالنَّظَر فِيهِ يَنْقَسِم إِلَى بَيَان الْأَسْبَاب المثبتة والموانع المبطلة
السَّبَب الأول الِالْتِزَام الشرطي
وَهُوَ الأَصْل وَمَا عداهُ مُلْحق بِهِ فمهما شَرط وَصفا يتَعَلَّق بِفَوَات نُقْصَان مَالِيَّة لكَونه خبازا أَو كَاتبا أَو متجعد الشّعْر وَغَيره فَإِذا فقد ثَبت الْخِيَار للْمُشْتَرِي وان شَرط مَا لَا غَرَض فِيهِ وَلَا مَالِيَّة فِيهِ كَكَوْنِهِ مُشَوه الْخلق ألغى الشَّرْط وَلزِمَ العقد كَأَن شَرط مَا فِيهِ غَرَض وَلَا مَالِيَّة كالثيابة فِي الْجَارِيَة وَالْكفْر فِي العَبْد وَهُوَ فِي بِلَادنَا فَفِيهِ تردد وَوجه ظَاهر
السَّبَب الثَّانِي الْعَيْب
وَهُوَ كل وصف مَذْمُوم اقْتضى الْعرف سَلامَة الْمَبِيع عَنهُ غَالِبا وَقد يكون ذَلِك
بِنُقْصَان وصف أَو زِيَادَته وَقد يكون نُقْصَان عين كالخصي أَو زِيَادَته كالإصبع الزَّائِدَة والخصي وَإِن زَادَت قِيمَته وَلَكِن مَا فَاتَ مِنْهُ مَقْصُود وَيتَعَلَّق بِهِ مَالِيَّة وَإِنَّهَا الزِّيَادَة الْجب بالْخبر لغَرَض آخر حصل بِهِ فَلم يَنْفَكّ عَن نُقْصَان وَالْبَوْل فِي الْفراش والبخر الَّذِي ينشأ من تَغْيِير الْمعدة والصنان الَّذِي يُخَالف الْعَادة وَلَا يقبل العلاج عيب فِي العبيد وَالْإِمَاء خَالف أَبُو حنيفَة فِي العبيد واعتياد الأباق وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا عيب فيهمَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة الزِّنَا هُوَ عيب فِي الْإِمَاء دون العبيد واحتباس الْحيض عيب فِي الْجَوَارِي وَكَون الْجَارِيَة أُخْتا للْمُشْتَرِي أَو وَلَده لَيْسَ بِعَيْب وَإِن اقْتضى ذَلِك تَحْرِيم الْوَطْء أَو حُصُول عتق لِأَنَّهُ نقص فِي نفس الْجَارِيَة وَثقل الْخراج فِي الضَّيْعَة واعتياد الْجند النُّزُول فِي الدَّار عيب فيهمَا لقلَّة الرغبات بِسَبَبِهِ وشق الْأذن فِي الشَّاة لَيْسَ بِعَيْب إِن لم يمْنَع الْأَجْزَاء فِي الْأُضْحِية وَحَيْثُ يمْنَع ألحقهُ صَاحب التَّقْرِيب بالخصي لِأَن فِيهِ فَوَات غَرَض
هَذَا كُله فِي عيب تقدم وجوده على العقد أَو على الْقَبْض فَأَما مَا حدث بعد الْقَبْض فَلَا يرد بِهِ إِلَّا إِذا اسْتندَ إِلَى سَبَب قديم كَمَا إِذا اشْترى عبدا مُرْتَدا فَقيل إِن كَانَ فِي يَد البَائِع فَهُوَ من ضَمَانه وَإِن قتل فِي يَد المُشْتَرِي فَهَل هُوَ من ضَمَان البَائِع فِيهِ وَجْهَان وان كَانَ عَالما حَال العقد بردته فَوَجْهَانِ مرتبان وَأولى بألا يكون من ضَمَان البَائِع وَوجه كَونه من ضَمَان البَائِع قيام علقَة الرِّدَّة السَّابِقَة فِي الْوُجُود على العقد أَو الْقَبْض فَإِن قُلْنَا لَا يَنْفَسِخ فَلهُ أرش التَّفَاوُت بَين الْمُرْتَد وَالْمُسلم إِن كَانَ جَاهِلا عِنْد العقد فان قيل هلا أبطلتم بيع الْمُرْتَد وَهُوَ هَالك حكما قُلْنَا حكى الشَّيْخ أَبُو عَليّ وَجها أَنه بَاطِل وَلكنه بعيد لِأَن الْمَالِيَّة فِي الْحَال مُحَققَة وَالْعود إِلَى الْإِسْلَام مُمكن نعم فِي العَبْد الْمُسْتَحق قَتله فِي قطع الطَّرِيق وَجه نظر أظهر مِنْهُ أَنه يمْتَنع بَيْعه إِذْ لَا محيص من الْقَتْل وَالظَّاهِر صِحَة بَيْعه أَيْضا نظرا إِلَى الْحَال أما إِذا مَاتَ العَبْد بِمَرَض تقدم على البيع فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْهُم من ألحقهُ بِالرّدَّةِ فِي كَونه من ضَمَان البَائِع وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ من ضَمَان المُشْتَرِي إِذْ الْمَرَض يتزايد وَالرِّدَّة فِي حكم الشَّيْء الْوَاحِد فَأَما إِذا اسْتحق قطع يَده فِي السّرقَة فَقطع بعد الْقَبْض إِن قُلْنَا إِن الْمُرْتَد من ضَمَان البَائِع فَهَذَا أَيْضا من ضَمَانه حَتَّى يُطَالب بِأَرْش التَّفَاوُت بَين الأقطع والسليم عِنْد تعذر الرَّد وَإِلَّا فَلهُ الرَّد وان قُلْنَا لَيْسَ الْمُرْتَد من ضَمَان البَائِع فَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا إِلَّا التَّفَاوُت بَين عبد اسْتحق قطعه وَبَين المنفك عَن هَذَا الِاسْتِحْقَاق والاقتراع بعد الْقَبْض بتزويج سَابق على العقد حكمه حكم الْقطع
السَّبَب الثَّالِث التصرية وَفِيه فصلان
الأول فِي حد السَّبَب
قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا تصروا الْإِبِل وَلَا الْغنم وَمن اشْتَرَاهَا فَهُوَ بِخَير النظرين بعد أَن يحلبها ثَلَاثَة إِن رضيها أمْسكهَا وان سخطها ردهَا ورد مَعهَا صَاعا من التَّمْر وَمعنى التصرية أَن يشد إخلاف النَّاقة ليجتمع فِيهَا اللَّبن فيظن المُشْتَرِي غزارة اللَّبن وَلَو تخلفت النَّاقة بِنَفسِهَا فَفِيهِ وَجْهَان مستندهما أَن سَبَب الْخِيَار فَوَات ظن اسْتندَ إِلَى قرينَة حَالية حَتَّى ينزله منزلَة ظن السَّلامَة إِذا اسْتندَ إِلَى الْعرف أَو
مُسْتَنده تغرير الْعَاقِد بِفِعْلِهِ ونزوله منزلَة الْتِزَامه حَتَّى ينزل منزلَة شَرط الغزارة وكل قَائِل يتشوف إِلَى التَّقْرِيب من اصل مُتَّفق عَلَيْهِ من خِيَار الْعَيْب أَو خِيَار الْحلف والأخير أولى وَقد اخْتلف الْأَصْحَاب فِيمَا لَو لطخ ثوب العَبْد بالمداد مخيلا انه كَاتب أَو صرى ثدي الْجَارِيَة أَو حفل الأتان أَو علف الدَّابَّة حَتَّى رَبًّا بَطنهَا وخيل أَنَّهَا حَامِل وَوجه التَّرَدُّد أَن اعْتِقَاد صفة الْكِتَابَة بِمُجَرَّد المداد كاعتقاد الْحمل بكبر الْبَطن لقُصُور فِي الْعقل وَأما الأتان فلبنها نجس وان قصد لاجل الجحش وَالْجَارِيَة لَا يرى ثديها غَالِبا فَلَا يقْصد بهَا التَّغْرِير
الْفَصْل الثَّانِي فِي حكم السَّبَب
وَفِيه مسَائِل ثَلَاثَة إِحْدَاهَا أَن الْخِيَار على الْفَوْر أَن عرف التصرية بعد ثَلَاثَة أَيَّام وان اطلع قبله فَوَجْهَانِ أفقههما أَنه على الْفَوْر وَالتَّقْدِير فِي الحَدِيث مَحْمُول على مهلة النّظر للمعرفة إِذْ لَا يتَحَقَّق عرفان جَرَيَان التصرية قبله غَالِبا الثَّانِيَة الْوَاجِب صَاع من التَّمْر بَدَلا عَن اللَّبن الَّذِي كَانَ فِي الضَّرع لَدَى العقد فان قيل هلا وَجب رد الْعين أَو الْمثل أَو الْقيمَة قُلْنَا لَا لَان عين اللَّبن لَا تبقى غَالِبا وان بقى فيمزج بأجزاء اجْتمعت فِي الضَّرع بعد جَرَيَان العقد إِلَى تَمام الْحَلب وَإِنَّمَا لم يُكَلف رد الْمثل لَان الْقدر إِذا لم يكن مَعْلُوما بمعيار الشَّرْع كَانَت الْمُقَابلَة من بَاب الرِّبَا وَإِنَّمَا قدر بِالتَّمْرِ لَا من جنس النَّقْد لفقد النَّقْد غَالِبا ولان التَّمْر يُشَارك اللَّبن فِي الْمَالِيَّة وَكَونه قوتا وَهُوَ قريب مِنْهُ إِذْ يُؤْكَل مَعَه فِي بِلَادهمْ نعم ولفهمهم هَذَا الْمَعْنى نَص الشَّافِعِي رَحمَه الله على انه لَو رد الشَّاة الْمُصراة بِعَيْب آخر سوى التصرية رد صَاعا من التَّمْر لأجل اللَّبن نعم قَالَ قَائِلُونَ يجب صَاع من التَّمْر أبدا وان زَادَت قِيمَته على قيمَة الشَّاة مثلا بَعيدا وَمِنْهُم من قَالَ أَن زَادَت على الشَّاة أَو على نصفهَا لم توجب كَمَال الصَّاع فَأَنا نعلم انه عَلَيْهِ السَّلَام قدر بِهِ لانه وَقع فِي ذَلِك الْوَقْت قَرِيبا من قيمَة
اللَّبن الْمجمع فِي الضَّرع فعلى هَذَا يعدل بِالْقيمَةِ فَيقدر قيمَة شَاة وسط وَقِيمَة صَاع وسط فِي أَكثر الْأَحْوَال فَإِذا قيل هُوَ عشر الشَّاة مثلا أَوجَبْنَا من التَّمْر مَا قِيمَته عشر الشَّاة الثَّالِثَة لَو أخرج بدل التَّمْر زبيبا أَو قوتا آخر فَفِيهِ تردد مِنْهُم من اتبع التَّوْفِيق وَمِنْهُم من رَآهُ فِي مَعْنَاهُ سَوَاء كَمَا فِي صَدَقَة الْفطر وَقد ورد فِي بعض أَلْفَاظ الْمُصراة لَفْظَة الْحِنْطَة وترددوا أَيْضا فِي أَن صَاعا من التَّمْر هَل يجب فِي رد الْجَارِيَة الْمُصراة إِذا رَأينَا ردهَا فَمن صائر إِلَيْهِ تعبدا وَمِمَّنْ قَائِل إِن لَبنهَا على حَاله غير مَقْصُود فَإِن قيل إِذا فَاتَ اللَّبن الْكَائِن فِي الضَّرع وَهُوَ بعض الْمَعْقُود عَلَيْهِ فَهَلا خرج رد الشَّاة دونه على تَفْرِيق الصَّفْقَة قُلْنَا لَا لانه لَا يُقَابله قسط من الثّمن على رَأْي فَهُوَ فِي حكم وصف لَا يُوجب زَوَاله عيب الْبَاقِي بِخِلَاف الْعَيْب الْحَادِث وان قُلْنَا يُقَابله قسط من الثّمن فَلَا وَجه لمُخَالفَة الحَدِيث فليؤيد بِهِ قَول جَوَاز تَفْرِيق الصَّفْقَة فَإِنَّهُ الْمُخْتَار سِيمَا فِي الدَّوَام
الْقسم الثَّانِي فِي مبطلات الْخِيَار ودوافعه وَهِي خَمْسَة
الْمَانِع الأول شَرط الْبَرَاءَة من الْعُيُوب
وَقد قضى عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ بِبَرَاءَة البَائِع عَن كل عيب لم يُعلمهُ دون مَا علمه وكتمه وَكَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ يدل فِي ابْتِدَاء الْبَاب على مُوَافَقَته وَقَالَ فِي آخر الْبَاب لَوْلَا أثر عُثْمَان رَضِي الله عَنهُ لَكَانَ الْقيَاس أَن يبرأ عَن الْجَمِيع أَولا يبرأ عَن الْجَمِيع فَقَالَ الْأَصْحَاب كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ مردد بَين ثَلَاث احتمالات فَهِيَ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يبرأ لِأَن مُسْتَند الْخِيَار أَنه مُلْتَزم للسلامة بِمُطلق العقد عرفا وَقدرا وَقد انْتَفَى مُوجب الْإِطْلَاق بالتصريح وَمِنْهُم من علل ذَلِك بِالْحَاجةِ لخفاء الْعُيُوب حَتَّى خصص فريق بِالْحَيَوَانِ لِكَثْرَة عيوبه وَقَطعُوا فِي غَيره بِبُطْلَان الشَّرْط وَمِنْهُم من سوى وَالثَّانِي أَنه لَا يبرأ لَان هَذَا خِيَار ثَبت شرعا فَلَا يَنْتَفِي شرطا وَلِأَنَّهُ إِبْرَاء عَن مَجْهُول لَا يدرى وعَلى العلتين انبنى خلاف فِيمَا إِذا عين عَيْبا وابرأ عَنهُ وَالثَّالِث انه يبرأ عَمَّا لم يُعلمهُ لَان الْحَاجة متحققة فِيهِ دون مَا كتمه وَاخْتلفُوا على هَذَا فِي أَن مَا تيَسّر الِاطِّلَاع عَلَيْهِ هَل يلْحق بِمَا علمه لتَقْصِيره فِي عدم الْبَحْث وَاخْتلفُوا فِي أَن قَول صِحَة الشَّرْط هَل يجْرِي فِي عيب يحدث بعد العقد وَقبل الْقَبْض من حَيْثُ انه بعد لم يُوجد سَببه ثمَّ مهما فسد هَذَا الشَّرْط فَفِي فَسَاد العقد بِهِ قَولَانِ نبهنا عَلَيْهِمَا فِيمَا قبل
الْمَانِع الثَّانِي من الرَّد التَّقْصِير
وَذَلِكَ بِالتَّأْخِيرِ وَالِانْتِفَاع فان كَانَ الْعَاقِد حَاضرا فليرد عَلَيْهِ كَمَا اطلع على الْعَيْب فِي الْحَال