مَثَلًا وَالْحِنْطَةَ بَاقِيَ الْعَشَرَةِ وَسِعْرَ كُلِّ قَفِيزِ شَعِيرٍ إِنْ شِئْتَ أَيَّ سِعْرٍ وَسِعْرَ الْقَمْحِ خِلَافَهُ فَسِعْرُ كُلِّ قَفِيزِ شَعِيرٍ شَيْءٌ قِيمَتُهُ شَيْئَانِ وَسِعْرُ قَفِيزِ الْقَمْحِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ شَيْءٍ يَكُونُ الْجَمِيعُ سِتَّةَ أَشْيَاءَ فَيَكُونُ جَمِيعُ الثَّمَنِ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ تُقَابِلُ بِهِ مَا بَيْنَ السِّعْرَيْنِ وَهُوَ رُبُعُ شَيْءٍ وَمَا بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ وَهُوَ سِتَّةٌ فَيَكُونُ بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ سَبْعَةَ أَشْيَاءَ وَثَلَاثَةَ أَربَاع شَيْء تعدل سِتَّة الْخَامِسَة بريد خرج مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَأَمَرْتَهُ أَنْ يَسِيرَ كل يَوْم عشْرين ميلًا فَصَارَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَ بَعْدَهُ بَرِيدًا آخَرَ وَأَمَرْتَهُ أَنْ يَسِيرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثِينَ مِيلًا فِي كَمْ يَوْمٍ يَلْحَقُهُ اجْعَلْ أَيَّامَ الْأَوَّلِ أَشْيَاءَ تَكُنْ أَيَّامُ الثَّانِي شَيْئًا إِلَّا خَمْسَةً اضْرِبْ مَا يَمْشِي كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمِ مِنْ أَمْيَالٍ فِي جَمِيعِ أَيَّامِهِ وَقَابِلْ كُلَّ وَاحِدٍ بِصَاحِبِهِ وَإِنْ شِئْتَ اجْعَلْ أَيَّامَ الثَّانِي شَيْئًا تَكُنْ أَيَّامُ الْأَوَّلِ شَيْئًا وَخَمْسَةً ثمَّ تعْمل على مَا تقدم
(فَائِدَة جَلِيلَةٌ)
تَقَدَّمَ اسْتِنْبَاطُ الصَّوَابِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَهُوَ عَجَبٌ كَيْفَ يَسْتَلْزِمُ الْخَطَأُ الصَّوَابَ وَقَدْ ذَكَرَ قِسْطَا بْنُ لُوقَا بُرْهَانًا شَافِيًا كَافِيًا بَيِّنًا سَهْلًا عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ طُرُقًا وَلَا تَرث طَرِيقه لِسُهُولَتِهَا أَضَعُهَا فِي كِتَابِي هَذَا تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَرَغْبَةً فِي الْفَضِيلَةِ يَنْتَفِعُ بِهَا أَهْلُ الْفَضْلِ والتحصيل الَّذين الْحِكْمَة صالتهم حَيْثُ وَجَدُوهَا عَقَلُوهَا فَأَقُولُ مِثَالًا قَبْلَ الْبُرْهَانِ وَهُوَ مَالٌ زِيدَ عَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِهِ وَرُبُعِهِ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ بَلَغَ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ فَنَفْرِضُ مَالَيْنِ أَيَّ مَالَيْنِ كَانَا فَإِنْ أَصَبْنَا فِي الْأَوَّلِ فَلَا خَطَأَ أَوْ فِي الثَّانِي فَهُوَ الْخَطَأُ الْأَصْغَرُ عِنْدَهُمْ أَوْ بَعْدَ الْخَطَأَيْنِ فَهُوَ الْخَطَأُ الْأَكْبَرُ وَيَجِبُ الصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِثَالِثٍ بِالضَّرُورَةِ فَنَفْرِضُ الْمَالَ اثْنَيْ عَشَرَ زِدْنَا عَلَيْهِ نِصْفَهُ سِتَّةً بَلَغَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَرُبُعُهُ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثٍ بِتِسْعَةٍ بَلَغَ الْجَمِيعُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ فَقَدْ أَخْطَأْنَا بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَفْرِضُهُ سِتَّةَ عَشَرَ نَزِيدُ عَلَيْهَا نِصْفَهَا ثَمَانِيَةً تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَرُبُعُهَا أَرْبَعَةٌ فِي أَرْبَعَةٍ مَضْرُوبَةٌ فِي نَفْسِهَا بِسِتَّةَ عَشَرَ تَبْلُغُ أَرْبَعِينَ فَقَدْ أَخْطَأْنَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ نُسْقِطُ أَحَدَ الْخَطَأَيْنِ مِنَ
الْآخَرِ يَفْضُلُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ احْفَظْهَا ثُمَّ اضْرِبِ الْخَطَأَ الْأَوَّلَ فِي الْمَالِ الثَّانِي بِثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَتَضْرِبُ الْخَطَأَ الثَّانِيَ فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ بِثَمَانِيَةٍ وَثَمَانِينَ فَتُسْقِطُ الْمُتَحَصِّلَ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَكْثَرِ يَفْضُلُ مِنَ الْأَكْثَرِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ تَقْسِمُهَا عَلَى الْبَاقِي مِنْ أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَخْرُجُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ إِلَّا كَسْرًا مَعَ أَنَّ أَصْلَ هَذَا الْمَالِ الْمَجْهُولِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِشْرِينَ فَهَذَا التَّمْثِيلُ فَاسِدٌ مَعَ أَنَّهُ هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْعَمَلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ لِذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا الْعَمَلِ شَرْطًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالَانِ الْمَأْخُوذَانِ لَهُمَا نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ مَتَى لَمْ تَحْصُلْ بَطَلَ الْعَمَلُ وَتِلْكَ النِّسْبَةُ أَنْ تَكُونَ نِسْبَةُ فَضْلِ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ الْمَأْخُوذَيْنِ لِلِامْتِحَانِ إِلَى فَضْلِ مَا بَيْنَ الْحَاصِلَيْنِ مِنْهُمَا كَنِسْبَةِ فَضْلِ مَا بَيْنَ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ الْمَأْخُوذَيْنِ وَالْمَالِ الْمَطْلُوبِ إِلَى خَطَأِ الْعَدَدِ الْمَأْخُوذِ مَعَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ مِثَالُهُ مَالٌ زِدْتَ عَلَيْهِ مِثْلَ نِصْفِهِ وَثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ عَلَى الْمَبْلَغِ مِثْلَ ثُلُثِهِ وَسِتَّةَ دَرَاهِمَ فَصَارَ ثَلَاثِينَ كَمْ أَصْلُ الْمَالِ فَتَضَعُهُ سِتَّةً وَتَزِيدُ عَلَيْهِ نِصْفَهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ عَلَى الْمَبْلَغِ ثُلُثَهُ وَسِتَّةَ دَرَاهِمَ يَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ فَقَدْ أَخْطَأْنَا بِثَمَانِيَةٍ نَاقِصَةٍ ثُمَّ تَضَعُهُ ثَمَانِيَةً وَتَفْعَلُ بِهَا مَا فَعَلْتَ بِالسِّتَّةِ تَبْلُغُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ فَأَخْطَأْنَا بِأَرْبَعَةٍ نَاقِصَةٍ فَاضْرِبِ الْمَوْضُوعَ الْأَوَّلَ وَهُوَ سِتَّةٌ فِي الْخَطَأِ الثَّانِي وَهُوَ أَرْبَعَةٌ تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ اضْرِبِ الْمَوْضُوعَ الثَّانِيَ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ فِي الْخَطَأِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ تَبْلُغُ أَرْبَعَة وَسِتِّينَ الخطآن ناقصان مَعًا عَن السُّؤَالِ فَأَسْقِطْ أَحَدَ الْمُرْتَفِعَيْنِ مِنَ الْآخَرِ يَبْقَى أَرْبَعُونَ اقْسِمْهَا عَلَى الْبَاقِي مِنْ أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْآخَرِ مِنْهُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يَخْرُجُ عَشَرَةٌ وَهُوَ الْجَوَابُ وَبَيَانُ تَحْقِيقِ النِّسْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ فَضْلَ مَا بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ الْمَأْخُوذَيْنِ اثْنَانِ لِأَنَّهُمَا سِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَفَضْلُ مَا بَيْنَ الْمُتَحَصِّلَيْنِ مِنْهُمَا أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُمَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ وَاثْنَانِ نِصْفُ أَرْبَعَةٍ فَهَذِهِ النِّسْبَةُ نِسْبَةُ النِّصْفِ وَإِذَا أَخَذْتَ أَحَدَ
الْمَالَيْنِ وَهُوَ سِتَّةٌ مَثَلًا مَعَ الْعَشَرَةِ وَهُوَ الْمَالُ الْمَطْلُوبُ وَجَدْتَ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَةً وَنِسْبَةُ هَذَا الْفَضْلِ لِخَطَأِ النِّسْبَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا نِسْبَةُ النِّصْفِ أَيْضًا لِأَنَّهُ ثَمَانِيَةٌ فَقَدْ تَحَقَّقَتِ النِّسْبَةُ فَلَا جَرَمَ صَحَّ الْعَمَلُ وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذْتَ الثَّمَانِيَةَ مَعَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ الْمِثَالُ الْأَوَّلُ يَفْضُلُ مَا بَيْنَ الْمَالَيْنِ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ وَسِتَّةَ عَشَرَ وَفَضْلُ مَا بَيْنَ الْحَاصِلَيْنِ مِنَ الْمَالَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لِأَنَّهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَالْآخَرُ أَرْبَعُونَ وَنِسْبَةُ أَرْبَعَةٍ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ نِسْبَةُ الثُّلُثِ إِلَّا ثُلُثَ رُبُعِ ثُلُثٍ وَفَضْلُ مَا بَيْنَ أَحَدِ الْمَالَيْنِ وَهُوَ الِاثْنَا عَشَرَ وَالْمَالِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ عِشْرُونَ فِي ذَلِكَ الْمِثَالِ ثَمَانِيَة فَإِذا نسبتها إِلَى خطأ الاثنى عَشَرَ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَجَدْتَ النِّسْبَةَ نِسْبَةَ الثُّلُثِ وَثُمُنِ الثُّلُثِ وَثُلُثِ ثُمُنِ الثُّلُثِ فَقَدِ اخْتَلَفَتِ النِّسْبَةُ فَلِذَلِكَ بَطَلَ الْعَمَلُ إِذَا تَقَرَّرَ تَمْيِيزُ الصَّوَابِ عَنِ الْخَطَأِ فِيمَا يُوجَدُ مِنَ الْأَعْدَادِ فِي الْعَمَلِ فَأَذْكُرُ كَلَامَ قِسْطَا بْنِ لُوقَا فَأَقُولُ قَالَ قِسْطَا بْنُ لُوقَا تَخُطُّ خَطًّا مُسْتَقِيمًا مَجْهُولَ الْقَدْرِ وَهُوَ الْعَدَدُ الْمَطْلُوبُ عَلَيْهِ أد ونتيجة الْمَفْرُوضَةُ خَطُّ د ع وَقَدْ أُخْرِجَ مِنْ نُقْطَةِ د عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ وَفَضَلَ خَطُّ أع فَإِذَا أَرَدْنَا مَعْرِفَةَ الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ أد ونتيجة د ع فَإِنَّمَا نَمْتَحِنُهُ بِعَدَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا زَائِدَيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا زَائِدٌ وَالْآخَرُ نَاقِصٌ فَلْيَكُنْ أَوَّلًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصًا وَهُمَا أَب وَيَخْرُجُ مِنْ نُقْطَتَيْ ب د عمودي ب ح خُطَّ عَلَى أد فَنِسْبَةُ خَطِّ أد إِلَى د ع كَنِسْبَةِ أَب إِلَى ب ح فَنَتِيجَةُ خَطِّ أَب هِيَ ب ح ونتيجة أج هِيَ خطّ وتمم سَطْحَ د م وَتُخْرِجُ مِنْ نُقْطَتَيْ ط ح خَطَّيْنِ مُوَازِيَيْنِ
لِخَطِّ أد عَلَيْهِمَا ز ص ي وَيَخْرُجُ خَطُّ ب ح خَطٌّ عَلَى اسْتِقَامَةٍ فَيَقَعَانِ عَلَى خَطِّ م ع عَلَى نُقْطَةِ ز س فالعدد الأول خطّ أَب مَعْلُوم ونتيجة خَط ب ح مَعْلُومَةٌ أَيْضًا وَخَطَؤُهُ عَنِ النَّتِيجَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ خَطُّ د ع وَهِيَ خَطُّ ج ز مَعْلُومٌ أَيْضًا وَالْعَدَدُ الثَّانِي خَطُّ أج مَعْلُومٌ وَنَتِيجَتُهُ خَطُّ ج ظ مَعْلُومٌ أَيْضًا وَخَطَؤُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ ط س فَإِذَا ضَرَبْنَا خَطَأَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ز ح فِي الْعَدَدِ الثَّانِي وَهُوَ أج كَانَ مِنْ ذَلِكَ سَطْحُ ز س وَإِذَا ضَرَبْنَا خَطَأَ الْعَدَدِ الثَّانِي وَهُوَ لَا ن فِي الْعَدَدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَب كَانَ مِنْ ذَلِكَ سَطْحُ لَا م فَإِذَا نَقَصْنَاهُ مِنْ سطح ز س بَقِي علم ص ح ط س وَسَطْحُ ظ ر مُسَاوٍ لِسَطْحِ ي ط لِأَنَّهُمَا الْمُتَمِّمَانِ فَالْعِلْمُ مُسَاوٍ لِسَطْحِ ر ك فَمُسَطَّحُ ر ك مَعْلُومٌ وَعَرْضُهُ ر ص مَعْلُومٌ لِأَنَّه
ُ فَصْلُ
مَا بَيْنَ الْخَطَأَيْنِ فَطُولُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ ز ي مِثْلُ أد الْمَطْلُوبِ
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدَيْنِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَطْلُوبِ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي هَذِه الصُّورَة خطي أهـ أووكل وَاحِد مِنْهُمَا مَعْلُوم وهما أَكْثَرُ مِنْ أد وَيَخْرُجُ أَوَّلًا خَطُّ أع عَلَى اسْتِقَامَةٍ إِلَى نُقْطَةِ ت وَتُتَمِّمُ سَطْحَ وش فالعدد الأول خطّ أهـ مَعْلُوم ونتيجة خَطُّ هـ ق مَعْلُومَةٌ أَيْضًا وَخَطَؤُهُ زَائِدٌ وَهُوَ خَطُّ ف ق وَالْعَدَدُ الثَّانِي خَطُّ أومَعْلُومٌ وَنَتِيجَتُهُ وت مَعْلُومَةٌ وَخَطَؤُهُ ص ت مَعْلُومٌ فَضُرِبَ خَطُّ الْمَالِ الْأَوَّلِ فِي الْمَالِ الثَّانِي هُوَ سَطْحُ ض ع وَضُرِبَ خَطُّ الْمَالِ الثَّانِي فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ هُوَ سَطْحُ وس وَإِذَا نَقَصَ الْأَقَلُّ مِنَ الْأَكْثَرِ بَقِيَ سَطْحُ ج ع لِأَنَّ سَطْحَ ح ف مِثْلُ سَطْحِ وض لِأَنَّهُمَا الْمُتَمِّمَانِ وَإِذَا قُسِمَ سَطْحُ ج ع الْمَعْلُومُ عَلَى خَطِّ ع ث الَّذِي هُوَ فَضْلُ أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ عَلَى الْآخَرِ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ خَطُّ ح ش مَعْلُومًا وَهُوَ مُسَاوٍ لِخَطِّ أد فَخَطُّ أد مَعْلُومٌ مِثَالُهُ رَجُلٌ اتَّجَرَ فِي مَالٍ فَرَبِحَ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ اتَّجَرَ فِي
الْبَاقِي فَرَبِحَ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ قِيَاسُهُ أَنْ تَجْعَلَ أَصْلَ الْمَالِ تِسْعَةً وَنِصْفًا فَتَزِيدُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ وَتَنْقُصُ مِنَ الْمَبْلَغِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ تَبْقَى تِسْعَةٌ تَزِيدُ عَلَيْهَا مثلهَا وَتَنْقُصُ مِنَ الْمَبْلَغِ عَشَرَةً تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ تَزِيدُ عَلَيْهَا مِثْلَهَا وَتَنْقُصُ مِنَ الْمَبْلَغِ عَشَرَةً تَبْقَى سِتَّةٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ فقد أَخْطَأنَا بِسِتَّة زَائِدَة فَتَقول أَصْلُ الْمَالِ تِسْعَةٌ وَتَفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ فَتُخْطِئُ بِدِرْهَمَيْنِ زائدين فالخطآن زائدان فتأخذ الْفضل بني الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ نِصْفٌ فَتَنْسُبُهُ إِلَى الْفَضْلِ بَيْنَ الْخَطَأَيْنِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ يَكُونُ ثُمُنًا فَإِنْ أَخَذْتَ بِذَلِكَ النِّسْبَةَ مِنَ السِّتَّةِ كَانَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ تُسْقِطُهَا مِنْ تِسْعَةٍ وَنِصْفٍ تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ وَرُبُعٌ وَهُوَ الْجَوَابُ وَإِنْ أَخَذْتَ بِهَا مِنَ اثْنَيْنِ كَانَ رُبُعًا تُسْقِطُهُ مِنْ تِسْعَةٍ تَبْقَى ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ وَرُبُعٌ وَهُوَ الْجَوَابُ
(فَصْلٌ)
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ زَائِدًا وَالْآخَرُ نَاقِصًا فَإِنَّا نَجْعَلُهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ خَطَّيْ أج أهـ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ فَالْمَالُ الْأَوَّلُ خَطُّ أج مَعْلُومٌ وَنَتِيجَتُهُ خَطُّ وق وَخَطَؤُهُ ط س وَالْمَالُ الثَّانِي خَطُّ أهـ مَعْلُومٌ وَنَتِيجَتُهُ خَطُّ وق وَخَطَؤُهُ خَطُّ وق فَإِذَا ضُرِبَ خَطُّ الْمَالِ الْأَوَّلِ فِي الْمَالِ الثَّانِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ سَطْحُ ف ص وَإِذَا ضُرِبَ خَطُّ الْمَالِ الثَّانِي فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ سَطْحُ س ع وَإِذَا جَمَعْنَاهُمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ سَطْحُ ك ع لِأَنَّ سَطْحَ ر ع مِثْلُ سَطْحِ ف ك لِأَنَّهُمَا الْمُتَمِّمَانِ فَسَطْحُ ك ع مَعْلُومٌ وَعَرْضُهُ مَعْلُومٌ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِمَجْمُوعِ الْخَطَأَيْنِ فَطُولُهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ ك ص وَهُوَ مُسَاوٍ لَا د الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ مَا أَرَدْنَا بَيَانَهُ مِثَالُهُ عَشَرَةٌ قَسَمْتَهَا بِقِسْمَيْنِ ثُمَّ زِدْتَ عَلَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ مِثْلَهُ ثُمَّ عَلَى الْمَبْلَغِ مِثْلَ رُبُعِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَبْلَغِ مِثْلَ خُمُسَيْهِ فَكَانَ الْمَبْلَغُ يَزِيدُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّانِي عَشَرَةً فَقِيَاسُهُ أَنْ تَجْعَلَ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ أَرْبَعَةً وَتَزِيدُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ وَعَلَى الْمَبْلَغِ رُبُعَهُ وَعَلَى الْمَبْلَغِ خُمُسَيْهِ تَصِيرُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَذَلِكَ يَزِيدُ عَلَى الْقِسْمِ الْآخَرِ
ثَمَانِيَةً فَقَدْ أَخْطَأْنَا بِدِرْهَمَيْنِ نَاقِصَةٍ فَنَقُولُ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ خَمْسَةٌ وَتَفْعَلُ بِهَا مِثْلَ مَا فَعَلْتَ بِالْأَرْبَعَةِ فَتَبْلُغُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَنِصْفًا وَذَلِكَ يَزِيدُ عَلَى الْقِسْمِ الْآخَرِ اثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفًا فَقَدْ أَخْطَأْنَا بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ زَائِدَةٍ فَضُرِبَ الْمَوْضُوعُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ فِي الْخَطَأِ الثَّانِي وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ تَبْلُغُ عَشَرَةً وَضُرِبَ الْمَوْضُوعُ الثَّانِي وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي الْخَطَأِ الْأَوَّلِ وَهُوَ اثْنَانِ تَبْلُغُ عَشَرَةً وَأَحَدُ الْخَطَأَيْنِ زَائِدٌ وَالْآخَرُ نَاقِصٌ فَتَقْسِمُ مَجْمُوع المرتفعين وَهُوَ عشرُون على مَجْمُوع الخطئين وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ يَخْرُجُ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ وَالثَّانِي خَمْسَةٌ وَخَمْسَةُ أَتْسَاعٍ وَاعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا قَوَاعِدَ يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الشَّكْلِ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى)
فِي قَوْلِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَنِسْبَةُ خَطِّ أد إِلَى د ع كَنِسْبَةِ خَطِّ أج إِلَى خَطِّ ج ط وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مِنْ هَذِهِ النِّسَبِ فَهُوَ عَلَى قَاعِدَةٍ ذَكَرَهَا إِقْلِيدِسُ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مُثَلَّثَيْنِ مُتَشَابِهَيْنِ انْطَبَقَتْ زَاوِيَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى زَاوِيَةِ الْآخَرِ وَانْطَبَقَ ضِلْعَاهُ على ضلعه فَإِنَّ نِسْبَةَ ضِلْعِ أَحَدِهِمَا إِلَى قَاعِدَتِهِ كَنِسْبَةِ ضِلْعِ الْآخَرِ إِلَى قَاعِدَتِهِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ فَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا كَذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ)
أَنَّهُمْ مَتَى قَالُوا تَتِمُّ سَطْحُ د م كَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْعَمَلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ فَمُرَادُهُمْ الْمُرَبَّعُ الَّذِي يَنْقَامُ هَاهُنَا مِنْ ضِلْعِ أد وَضِلْعِ ع م وضلع م أفمجموع ذَلِكَ سَطْحُ مُرَبَّعٍ وَهُوَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ)
أَنَّهُمْ مَتَى أَطْلَقُوا الْخَطَّيْنِ الْمُتَوَازِيَيْنِ فَمُرَادُهُمُ الْخَطَّانِ الْمُمْتَدَّانِ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ بِحَيْثُ إِذَا خَرَجَا إِلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا وَلَا يَتَّصِلُ طَرَفُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ
تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ خَطُّ أَب عَنِ النَّتِيجَةِ الْأُولَى الَّتِي هِيَ خَطُّ د ع وَهُوَ خَطُّ ج ن مَعْلُومٌ يُرِيدُ أَنَّهُ الْخَطّ الْكَائِن مِنْ ج إِلَى ن لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَدَدَ الْأَقَلَّ مِنَ الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ فَوق إِلَى جِهَة زَاوِيَة أوالعدد الْأَكْبَرَ مِنَ الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ أَسْفَلَ مِنْهُ إِلَى زَاوِيَة وولذلك أَنَّ الْقَوَاعِدَ النَّاشِئَةَ عَنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ أَوْسَعُ وَعَنِ الْعَدَدِ الْأَقَلِّ أَضْيَقُ وَقَوْلُهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إِذَا ضَرَبْنَا خَطَأَ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ز ح مَعَ أَن خطاه إِنَّمَا هُوَ ج ز لِأَنَّ خَطَّ ز ح الْأَعْلَى مُسَاوٍ لِخَطِّ ج ز الْأَسْفَلِ مِنْهُ وَضَرْبُ أَحَدِ الْمُسَاوِيَيْنِ كَضَرْبِ الْآخَرِ وَقَوْلُهُ كَانَ ذَلِكَ سَطْحَ ر س يُرِيدُ الْمُرَبَّعَ الَّذِي إِحْدَى زَوَايَاهُ س وَالْأُخْرَى م وَالثَّالِثَةُ ز وَالرَّابِعَةُ الَّتِي تَحْتَ ز قُبَالَةَ ج وَهَذَا الْمُرَبَّعُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ بُيُوتٍ وَإِنَّمَا حَدَثَ هَذَا الْمُرَبَّعُ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ لِأَنَّ خَطَّ أج وَهُوَ الْعَدَدُ الثَّانِي مُسَاوٍ لِخَطِّ ز د ور م مسَاوٍ ل د س وس مُسَاوٍ ل ز د وَالْقَاعِدَةُ فِي الْمِسَاحَةِ أَنَّا نَسْتَغْنِي بِأَحَدِ الضِّلْعَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ عَنِ الْآخَرِ فَنَسْتَغْنِي بِ د م عَنْ س د وي س عَنْ ز د وَبِضَرْبِ ز م فِي م س فَيَحْصُلُ الْمُرَبَّعُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ قَاعِدَة المساحاة فِي جَمِيعِ الْمُرَبَّعَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَوْلُهُ إِذَا ضَرَبْنَا خَطَّ الْعَدَدِ الثَّانِي وَهُوَ ط س فِي الْعَدَدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَب حَصَلَ سَطْحُ لَا م سَبَبُهُ أَنَّ خَطَّ أَب مُسَاوٍ لِخَطِّ لَا هـ وَخَطُّ ط س مُسَاوٍ لِخَطِّ أَن فَيُسْتَغْنَى بِخَطَّيْنِ عَنْ خَطَّيْنِ وَتَضْرِبُ أَحَدَ الْخَطَّيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فِي الْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْدُثُ الْمُرَبَّعُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ قَالَ إِذَا نَقَصْنَاهُ مِنْ سَطْحِ ز س بَقِيَ عَلَمُ ص ح ط س اصْطَلَحَ الْمُهَنْدِسُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَقِيَ ثَلَاثَةُ بُيُوتٍ مِنْ مُرَبَّعٍ يُسَمُّونَهُ عَلَمًا لِشَبَهِهِ بِعَلَمِ السُّلْطَانِ فِي الْحَرْبِ وَقَوْلُهُ وَسَطْحُ ظ ن مُسَاوٍ لِسَطْحِ ي ط لِأَنَّهُمَا الْمَتُمِّمَانِ يَعْنِي لِأَنَّ ح ن ع ي الَّذِي نَظَرُهُ الْخَارِجُ مِنْ نُقْطَةِ أع ظ مُتَّصِلًا ب ت ي ط رُبُعُهُ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالتَّتْمِيمِ
وَقَوْلُهُ فَالْعَلَمُ مُسَاوٍ لِسَطْحِ ز ك مَعْنَاهُ يُسْقَطُ مِنَ الْعَلَمِ سَطْحُ ظ ن وَيُسْتَغْنَى بِسَطْحِ ي ط فَيَحْصُلُ لَنَا سَطْحُ ر ك ثَلَاثَ بُيُوتٍ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنْ ي إِلَى ر إِلَى وَمن ك إِلَى ص وَقَامَ الْبُرْهَانُ أَيْ كُلُّ أَربع بيُوت انقام مِنْهَا مُرَبَّعٌ وَقَطَعَهُمَا خَطٌّ مَارٌّ بِالزَّوَايَا الثَّلَاثِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ الْمُتَمِّمَيْنِ يَكُونَانِ مُسْتَوِيَيْنِ بَيَّنَهُ إِقْلِيدِسُ وَعَرْضُ هَذَا السَّطْحِ مَعْلُومٌ لِأَنَّ ص ظ مُسَاوٍ لِخَطِّ أَب فَإِذَا زِدْنَا عَلَيْهِ ي د الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْمُتَمِّمَيْنِ الْمُسَاوِي لِلْمُتَمِّمِ الْآخَرِ الْمُسَاوِي لِضَرْبِ ص م الْمَعْلُومِ فِي ج ب الْمَعْلُومِ صَارَ الطُّولُ مَعْلُومًا وَالطُّولُ مُسَاوٍ لِخَطِّ أَب الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ فَعُلِمَ بِالْبُرْهَانِ الْهَنْدَسِيِّ أَنَّ الْأَعْمَالَ السَّابِقَةَ مُؤَدِّيَةٌ لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ بِالْخَطَأَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي إِنْ ضُرِبَ خَطَأُ الْمَالِ الْأَوَّلِ فِي الْمَالِ الثَّانِي هُوَ سَطْحُ ص ع تَقْدِيرُهُ أَنَّ خَطَأَ الْمَالِ الْأَوَّلِ هُوَ ف ق وَهُوَ مُسَاوٍ لِخَطِّ ص ت وَالْمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ أووهو مُسَاوٍ لِ ص م وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْآخَرِ فَتَضْرِبُ ص ت فِي ص م فَيَحْصُلُ سَطْحُ ص ع وَقَوْلُهُ ضَرْبُ خَطَأِ الْمَالِ الثَّانِي فِي الْمَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ سَطْحُ وش تَقْدِيرُهُ أَنَّ الْمَالَ الأول هُوَ أهـ ويساويه ر م وَخَطَأُ الْمَالِ الثَّانِي هُوَ ص ت وَيُسَاوِيهِ وط فَيُكْتَفَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسَاوِيَيْنِ عَنِ الْآخَرِ فَتَضْرِبُ وط فِي وم فَيَحْدُثُ مُرَبَّعُ وش عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ إِذَا قُسِمَ سَطْحُ ح ع عَلَى خَطِّ ع ش الَّذِي هُوَ فَضْلُ أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ عَلَى الْآخَرِ خَرَجَ خَطُّ ح س مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مُرَبَّعٍ وَهُوَ الْعَدَدُ الْمَضْرُوبُ أَحَدُ أَضْلَاعِهِ فِي الْآخَرِ إِذَا قُسِمَ الْمُتَحَصِّلُ عَلَى أَحَدِ أَضْلَاعِهِ خَرَجَ الْآخَرُ نَحْوُ إِذَا ضَرَبْنَا عَشَرَةً فِي اثْنَيْنِ بِعِشْرِينَ فَإِذَا قَسَمْنَاهُ على اثْنَيْنِ خرجت عَشَرَةٌ وَهُوَ الضِّلْعُ الْأَطْوَلُ وَجُعِلَ خَطُّ ع ش فَضْلَ أَحَدِ الْخَطَأَيْنِ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِ ث ت الَّذِي هُوَ فَضْلُ خَطَأِ وت وَبَحْثُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَبْنِيٌّ عَلَى إِقَامَةِ أَحَدِ الْأُمُورِ الْمُسْتَوِيَةِ مَقَامَ الْآخَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا بَيَانُ كَلَامِ قِسْطَا بْنِ لُوقَا وَتَحْرِيرُ شَكْلِهِ الْهَنْدَسِيِّ
تَنْبِيهٌ قَدْ يَكُونُ الْمَالُ الْمَفْرُوضُ أَقَلَّ وَخَطَؤُهُ أَكْثَرَ وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ وَخَطَؤُهُ أَقَلَّ وَحِينَئِذٍ نقُول الخطآن لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون نَاقِصَيْنِ أَوْ زَائِدَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا نَاقِصٌ وَالْآخَرُ زَائِدٌ فَإِذَا كَانَا نَاقِصَيْنِ فَالْمَالَانِ الْمَفْرُوضَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا أَقَلَّ مِنَ الصَّوَابِ أَوْ أَكْثَرَ وَفِي الْقِسْمَيْنِ تَضْرِبُ فَاضِلَ الْعَدَدَيْنِ فِي أَصْغَرِ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ عَلَى تَفَاضُلِهِمَا فَمَا خَرَجَ زِيدَ على الْمَفْرُوض الْأَكْبَر إِن كَانَ المفروضان أقل مِنَ الصَّوَابِ وَنُقِصَ مِنْ أَصْغَرِ الْمَفْرُوضَيْنِ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ أَوْ تَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي أَصْغَرِ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ عَلَى تَفَاضُلِهِمَا فَمَا خرج زيد على الْمَفْرُوض الْأَكْبَر إِن كَانَ الْمَفْرُوضَانِ أَقَلَّ مِنَ الصَّوَابِ وَنُقِصَ مِنْ أَصْغَرِ الْمَفْرُوضَيْنِ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَفْرُوضَيْنِ نَاقِصًا وَالْآخِرُ زَائِدًا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي كَوْنِ الْخَطَأِ نَاقِصًا كَوْنَ الْمَفْرُوضِ دُونَ الصَّوَابِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ دُونَ الصَّوَابِ عِلَّةً فِي كَوْنِ الْخَطَأِ زَائِدًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ تُوجِبَ الْعِلَّةُ الْوَاحِدَةُ أَمْرَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ وَهُوَ مُحَالٌ فَإِنْ كَانَ الْخَطَآنِ زَائِدَيْنِ فَالْمَفْرُوضَانِ إِمَّا أَكْثَرُ مِنَ الصَّوَابِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ وَفِي الْقِسْمَيْنِ يَجِبُ ضَرْبُ الْعَدَدَيْنِ الْمَفْرُوضَيْنِ فِي أَعْظَمِ الْخَطَأَيْنِ وَيُقْسَمُ الْمَبْلَغُ عَلَى تَفَاضُلِهِمَا فَمَا خَرَجَ نُقِصَ مِنْ أَصْغَرِ الْمَفْرُوضَيْنِ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ زِيدَ الْخَارِجُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَفْرُوضَيْنِ زَائِدًا وَالْآخَرُ نَاقِصًا لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْخَطَأَيْنِ زَائِدًا وَالْآخَرُ نَاقِصًا فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجِبَ الْمُتَضَادَّيْنِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخَالِفًا لِلْآخَرِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ وَخَطَؤُهُ زَائِدٌ وَالْآخَرُ أَقَلَّ وَخَطَؤُهُ نَاقِصٌ فَتَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي النَّاقِصِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ الْمَجْمُوعَ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا فَمَا خَرَجَ زِيدَ عَلَى أَقَلِّ الْمَفْرُوضَيْنِ أَوْ تَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي الزَّائِدِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وتقسم على مجموعهما فِيمَا خَرَجَ نُقِصَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفْرُوضَيْنِ
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَفْرُوضَيْنِ أَقَلَّ مِنَ الصَّوَابِ وَخَطَؤُهُ زَائِدٌ وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنَ الصَّوَابِ وَخَطَؤُهُ نَاقِصٌ فَتَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي النَّاقِصِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ الْمَبْلَغَ عَلَى مَجْمُوعِهِمَا فَمَا خَرَجَ نُقِصَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفْرُوضَيْنِ أَوْ تَضْرِبُ بِفَاضِلِ الْعَدَدَيْنِ فِي الزَّائِدِ مِنَ الْخَطَأَيْنِ وَتَقْسِمُ عَلَى مجموعهما فَمَا خرج زيد على أَصْغَر المفروضيين وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَصْغَرُ الْخَطَأَيْنِ وَأَعْظَمُهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا كَقَوْلِكَ نُرِيدُ عَدَدًا إِنْ نَقَصَ ربعه بَقِي خَمْسَة عشر فنفرضه سِتَّةَ عَشَرَ يَبْقَى اثْنَا عَشَرَ وَالْخَطَأُ ثَلَاثَةٌ نَاقِصَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ وَالْخَطَأُ سِتَّةٌ زَائِدَةٌ فَجَاءَ هَاهُنَا الزَّائِدُ أَعْظَمَ أَوِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ تَبْقَى سِتَّةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَالْخَطَأُ وَاحِدٌ وَنِصْفٌ زَائِدٌ فَجَاءَ هَاهُنَا النَّاقِصُ أَعْظَمَ أَوِ الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ تَبْقَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالْخَطَأُ ثَلَاثَةٌ زَائِدَةٌ فَقَدْ تَسَاوَى الْخَطَآنِ وَهَذِهِ الْعَوَارِضُ مَأْمُونَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَطُرُقُ الْعَمَلِ بِالْخَطَأِ كَثِيرَةٌ غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ وَبَعْضَهَا أَعْسَرُ وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الصَّوَابَ يَخْرُجُ مِنْ خَطَأَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ إِذَا وَقَعَ التَّغَيُّرُ فِي الْعَدَدِ الْمَطْلُوبِ بِأَنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ أَو يسْتَثْنى مِنْهُ وَهَذِه بحار من الرياضيات مِنْهَا مَا أحاطت بِهِ الْأَفْكَارُ وَمِنْهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَسُبْحَانَ مَنْ يَعْلَمُ مَا لَا يَتَنَاهَى عَلَى التَّفْصِيلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
3
(الْقسم الثَّالِث كتاب الْجَامِع)
(فارغة)
(كِتَابُ الْجَامِعِ)
هَذَا الْكِتَابُ يَخْتَصُّ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ لَا يُوجَدُ فِي تَصَانِيفِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَذَاهِبِ وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ التَّصْنِيفِ لِأَنَّهُ تَقَعُ فِيهِ مَسَائِلُ لَا يُنَاسِبُ وَضْعُهَا فِي رُبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِ الْفِقْهِ أَعْنِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَقْضِيَةَ وَالْجِنَايَاتِ فَجَمَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي أَوَاخِرِ تَصَانِيفِهَا وَسَمَّوْهَا بِالْجَامِعِ أَيْ جَامِعِ الْأَشْتَاتِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقِيدَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَقْوَالِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَهُوَ الْأَفْعَالُ وَالتُّرُوكُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ
(الْجِنْسُ الْأَوَّلُ الْعَقِيدَةُ)
قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وُجُوبُ النَّظَرِ وَامْتِنَاعُ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ لَمْ يَرَ بِالتَّقْلِيدِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عِنْدَ أَوَّلِ بُلُوغِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ حَيٌّ بِحَيَاةٍ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ عَالِمٌ بِعِلْمٍ سَمِيعٌ بِسَمْعٍ بَصِيرٌ بِبَصَرٍ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ وَأَنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَاجِبَةُ الْوُجُودِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ عَامَّةُ التَّعَلُّقِ فَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَإِرَادَتُهُ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَعِلْمُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَبَصَرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الموجودات
0 - وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ وَالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ حَيْثُ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَأَنَّ قُدْرَتَهُ تَعَالَى عَامَّةُ التَّعَلُّقِ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ لَهُ أَن يفعل الْأَصْلَح لِعِبَادِهِ وَله أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسْأَلُون﴾ وَأَنَّهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شريك وَلَا يسْتَحق الْعباد غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ وَأَنَّ جَمِيعَ رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم صَادِقُونَ فِيمَا جاؤا بِهِ وَأَن مُحَمَّد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ وَمَا أَخْبَرَ بِهِ صِدْقٌ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَحْوَالِهِ وَالْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا مِنَ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَجَمِيعُ الْمُغَيَّبَاتِ عِبَادٌ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجَانِّ وَغَيْرِهِمْ وَأَدِلَّةُ جَمِيعِ هَذِهِ الْعَقَائِدِ مَبْسُوطَةٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ وَكَذَلِكَ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَتَفَارِيعِهَا وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ مَخْلُوقَتَانِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي النَّارِ بِكَبِيرَةٍ وَأَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ونطق بِاللِّسَانِ وَعمل بالجوراح وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمٌ بِذَاتِهِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ وَمَقْرُوءٌ بِالْأَلْسِنَةِ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُكَلِّمُهُمْ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَمَّا الْقِيَامُ بِدَفْعِ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ إِلَّا مَنْ طَالَعَ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ وَحَفِظَ الْكَثِيرَ مِنْهَا وَفَهِمَ مَقَاصِدَهَا وأحكامها وَأخذ ذَلِك عَن أيمة فاوضهم فِيهَا وراجعهم فِي ألفاظها وأعرضها وَبَلَغَ دَرَجَةَ الْإِمَامَةِ فِي هَذَا الْعِلْمِ بِصُحْبَةِ الأيمة الَّذِينَ أَرْشَدُوهُ لِلصَّوَابِ وَحَذَّرُوهُ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ حَتَّى ثَبَتَ الْحَقُّ فِي نَفْسِهِ ثُبُوتًا فَيَكُونُ الْقِيَامُ بِدَفْعِ الشُّبُهَاتِ حِينَئِذٍ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمُ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَعُفَ عَنْ رَدِّ تِلْكَ الشُّبْهَة فَيتَعَلَّق بِنَفسِهِ مِنْهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ فَيَكُونُ قَدْ تَسَبَّبَ إِلَى هَلَاكِهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعِصْمَةَ
وَكَذَلِكَ الْقِيَامُ بِالْفَتْوَى فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ قَبْلَ الطَّهَارَةِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا مِنَ الْفِقْهِ وَمَا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ بَلْ هُوَ علمك بِحَالَتِكَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا فَيُطَالَعُ مِنْ هُنَاكَ وَفِي التَّلْقِينِ يَجِبُ النَّظَرُ وَالِاعْتِبَارُ الْمُؤَدِّيَيْنِ لِلْعِلْمِ بِمَا افْتُرِضَ عَلَيْكَ أَوْ نُدِبْتَ إِلَيْهِ وَطَلَبُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفِي تَعَلُّمِهِ فَضِيلَة عَظِيمَة وَلَا يجوز لمن قيه فَضْلُ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَقُوَّةُ الِاسْتِدْلَالِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ وَمَنْ لَا فَضْلَ فِيهِ لِذَلِكَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنه أفقه وَأعلم وأدين وَأَوْرَع وقته وَيَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِمَا يُفْتِيهِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ خَيْرَ الْقُرُونِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّ أَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ وَقِيلَ ثُمَّ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَلَا يَفْضُلُ بَيْنَهُمَا وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ وَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ أَفْضَلُ عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَام وَأَن أفضلهم الْعشْرَة وَأفضل الْعشْرَة الأيمة الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمُهَاجِرُونَ على قدر الْهِجْرَة والسبق أَن مَنْ رَآهُ سَاعَةً أَوْ مَرَّةً أَفْضَلُ مَنْ التَّابِعين تنبه لَيْسَ هَذِهِ التَّفْضِيلَاتُ مِمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُكَلَّفِ اكْتِسَابَهُ أَوِ اعْتِقَادَهُ بَلْ لَوْ غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُطْلَقًا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي الدِّينِ نَعَمْ مَتَى خَطَرَتْ بِالْبَالِ أَوْ تَحَدَّثَ فِيهَا بِاللِّسَانِ وَجَبَ الْإِنْصَافُ وَتَوْفِيَةُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ ذِكْرِهِمْ إِلَّا بِخَيْرٍ وَأَنَّ الْإِمَامَةَ خَاصَّةٌ فِي قُرَيْشٍ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ
الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَأَنَّ نَصْبَ الْإِمَامِ لِلْأُمَّةِ وَاجِبٌ مَعَ الْقُدْرَةِ وَأَنَّهُ مَوْكُولٌ إِلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ دُونَ النَّصِّ وَأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَيجب طَاعَة الأيمة وَإِجْلَالُهُمْ وَكَذَلِكَ نُوَّابُهُمْ فَإِنْ عَصَوْا بِظُلْمٍ أَوْ تَعْطِيلِ حَدٍّ وَجَبَ الْوَعْظُ وَحَرُمَتْ طَاعَتُهُ فِي الْمعْصِيَة وإعانته عَلَيْهَا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَى مَنْ وَلِيَ وَإِنْ جَارَ وَيُغْزَى مَعَهُ الْعَدُوُّ وَيُحَجُّ الْبَيْتُ وَتُدْفَعُ لَهُ الزَّكَوَاتُ إِذَا طَلَبَهَا وَتُصَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ قَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلَّى خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَهُ فَيُصَلِّي وَاخْتُلِفَ فِي الْإِعَادَةِ قَاعِدَةٌ ضَبْطُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّة وَاجِبٌ وَلَا تَنْضَبِطُ إِلَّا بعظمة الأيمة فِي نَفْسِ الرَّعِيَّةِ وَمَتَى اخْتَلَف عَلَيْهِمْ أَوْ أُهِينُوا تَعَذَّرَتِ الْمَصْلَحَةُ وَلِذَلِكَ قُلْنَا لَا يَتَقَدَّمُ فِي إِمَامَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلَا غَيْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِأُبَّهَتِهِمْ
(فَرْعٌ)
قَالَ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ لِبِدْعَةٍ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْوِيلِ فَلَمْ يُعْذَرُوا وَسَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ وَجَعَلَ الْمُجْتَهِدَ فِي الْأَحْكَامِ مَأْجُورًا وَإِنْ أَخْطَأَ
(فَرْعٌ)
قَالَ أَنْكَرَ مَالِكٌ رِوَايَةَ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ التَّجْسِيمِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ حَدِيثَ الضَّحِكِ وَلَا حَدِيثَ التَّنْزِيلِ وَأَنْكَرَ حَدِيثَ أَنَّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ تَنْبِيهٌ الْأَصْحَابُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِنْكَارِ الْبِدَعِ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إِنْ خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ التَّبْلِيغَ لِمَنْ بَعْدَنَا مِنَ الْقُرُونِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا
وَمُحَرَّمَةٌ كَالْمُكُوسِ الْحَادِثَةِ وَغَيْرِهَا وَمَنْدُوبَةٌ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِقَامَة صور الأيمة وَالْقُضَاةِ بِالْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا مِنَ الزَّخَارِفِ وَالسِّيَاسَاتِ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ وَمَكْرُوهَةٌ كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَغَيْرِهَا بِنَوْعٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَمُبَاحَةٌ كَاتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ فَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - المناخل لَك إِصْلَاحَ الْأَغْذِيَةِ الْمُبَاحَةِ مُبَاحٌ فَالْبِدْعَةُ إِذَا عَرَضَتْ تُعْرَضُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتِهِ فَإِنِ اقْتَضَتْهَا قَاعِدَةُ تَحْرِيمٍ حُرِّمَتْ أَوْ إِيجَابٍ وَجَبَتْ أَوْ إِبَاحَةٍ أُبِيحَتْ وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مَعَ قَطْعِ النّظر عَمَّا يتقاضها كُرِهَتْ فَهَذَا تَفْصِيلُ أَحْوَالِ الْبِدَعِ فَيُتَمَسَّكُ بِالسُّنَنِ مَا أَمْكَنَ وَلِبَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُسَمَّى أَبَا الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيَّ الْأَنْدَلُسِيَّ ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفُرٍ لَوَسِعَهُنَّ وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اتَّبِعْ لَا تَبْتَدِعْ اتَّضِعْ لَا تَرْتَفِعْ مِنْ وَرَعٍ لَا تَتَّسِعْ وَسَيَأْتِي فِي الْأَفْعَالِ فُرُوعٌ عَدِيدَةٌ مِنَ الْبِدَعِ مُفْرَدَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْمَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلَامَهُ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ لَا كَلَامًا قَامَ بِغَيْرِهِ وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَدِلَّتُهَا ذَكَرْتُهُ مَبْسُوطًا سَهْلًا فِي كِتَابِ الْأَنْقَادِ فِي الِاعْتِقَادِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَبْسُوطَتَانِ وَأَنَّ يَدَهُ غَيْرُ نِعْمَتِهِ قُلْتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ لِأَهْلِ الْحَقِّ مَعَ جَمِيعِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْجَوَارِحِ كَالْوَجْهِ وَالْجَنْبِ والقدم قيل يتَوَقَّف على تَأْوِيلِهَا وَيُعْتَقَدُ أَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَيُحْكى أَنَّهُ مَذْهَبُ السَّلَفِ فَإِنَّهُ تَهَجَّمَ عَلَى جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالظَّنِّ
وَالتَّخْمِينِ وَقِيلَ يَجِبُ تَأْوِيلُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وَقَالَ ﴿ليدبروا آيَاته﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ وَتَدَبُّرُ الْكَلَامِ هُوَ رَدُّهُ إِلَى دُبُرِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْخَفِيُّ بِدَلِيلٍ مُرْشِدٍ لَهُ وَالْقَوْلَانِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّأْوِيلِ فَيُحْمَلُ مَذْهَبُ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى مَوَاطِنِ اسْتِوَاءِ الْأَدِلَّةِ وَعَدَمِ التَّرْجِيحِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَأَوَّلَ فَقِيلَ عَلَى صِفَاتٍ مَجْهُولَةٍ غَيْرِ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهَا وَقِيلَ بَلِ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُنَاسِبُ كُلَّ آيَةٍ فَالْيَدُ لِلْقُدْرَةِ وَالْعَيْنُ لِلْعِلْمِ وَالْقَدَمُ وَنَحْوُهُ لِلْقُدْرَةِ وَالْوَجْهُ لِلذَّاتِ وَالْجَنْبُ لِلطَّاعَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَحَامِلَ الْمُنَاسِبَةَ مِنَ الْمَجَازَاتِ لِهَذِهِ الْحَقَائِقِ وَمَتَى تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ تَعَيَّنَ صَرْفُهُ لِأَقْرَبِ الْمَجَازَاتِ إِلَيْهِ لُغَةً فَائِدَةٌ وَرَدَتِ النُّصُوصُ بِإِفْرَادِ الْيَدِ وتثنيتها وَجَمعهَا ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ﴿أولم يرو أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فهم لَهَا مالكون﴾ مَعَ أَنَّ الْمُتَجَوَّزَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَهَا مُتَعَلِّقٌ فَإِنْ عُبِّرَ عَنِ الْقُدْرَةِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا أُفْرِدَتْ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا جُمِعَتْ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مُتَعَلِّقَاتِهَا قِسْمَانِ ثُنِّيَتْ وَاخْتُلِفَ فِي تَقْدِيرِ التَّثْنِيَةِ فَقيل الْجَوَاهِر والأعراض إِذا لَمْ تُوجِدِ الْقُدْرَةُ غَيْرَهُمَا أَوْ أَمْرُ الدُّنْيَا وَأَمْرُ الْآخِرَةِ أَوِ الْخُيُورُ وَالشُّرُورُ
(مَسْأَلَةٌ)
مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من أَحْوَاله وَهِي أَقسَام نسبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قصي ابْن كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَالْمجْمَع عَلَيْهِ وأضافوا فيهمَا بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِيمَا بَيْنَ إِسْمَاعِيلَ وَآدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَسُمِّيَ هَاشِمٌ هَاشِمًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَقُصَيٌّ لِأَنَّهُ تَقَصَّى مَعَ أُمِّهِ لِأَخْوَالِهِ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فِي بَادِيَتِهِمْ فَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ وَكَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ جَمَّعَ قَبَائِلَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَاسْمُ هَاشِمٍ عَمْرٌو وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةُ وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْبَةُ لِشَيْبَةٍ كَانَتْ فِي ذُؤَابَتِهِ وَقِيلَ اسْمه عبد الْمطلب أمه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زهرَة بن كلاب قرشية زهرية ومرضعاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَحْمَةُ ابْنَةُ ثُوَيْبَةَ جَارِيَةِ أَبِي لَهَبٍ أَرْضَعَتْهُ مَعَ حَمْزَةَ وَأَرْضَعَتْ مَعَهُمَا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْب السعدية من بني سعد صفته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ربع الْقَامَة من الْقَوْم لَيْسَ بالطويل الباين وَلَا بالقصي ضَخْمَ الرَّأْسِ كَثِيرَ شَعْرِهِ رَجِلًا غَيْرَ سَبْطٍ جعد غَيْرَ قَطَطٍ كَثَّ اللِّحْيَةِ تُوُفِّيَ وَفِي عَنْفَقَتِهِ شَعرَات بيض أَزْهَر اللَّوْن أَبيض مشرب بِحُمْرَةٍ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَهُمَا مُشْرَبَهُمَا حُمْرَةً أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ جليل وَهُوَ رُؤْس الْمَنَاكِبِ لَهُ مَسْرُبَةٌ وَهِيَ شَعَرَاتٌ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى السُّرَّةِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ
مَعًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوءَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نبئ على رَأس الْأَرْبَعين أَوْلَاده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ زَيْنَبُ وَفَاطِمَةُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ أسلمن كُلهنَّ وهاجرن وأصغرهن زينت ثُمَّ رُقَيَّةُ ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ وَفِي ذَلِك اخْتِلَاف زوج - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رُقَيَّةَ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَتَزَوَّجَ عَلَيٌّ فَاطِمَةَ رَضِي الله عَن جَمِيعهم وَولده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ خَدِيجَةَ أَرْبَعَةٌ الْقَاسِمُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَبْدُ اللَّهِ وَالطَّاهِرُ وَفِيمَا عَدَا الْقَاسِمِ خِلَافٌ قِيلَ لَمْ يَلِدْ غَيْرَهُ وَقِيلَ اثْنَانِ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَمِنْ مَارِيَةَ أَزْوَاجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ خَدِيجَةُ ثُمَّ سَوْدَةُ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ ثُمَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْمُهَا هِنْدٌ ثُمَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عمر بن الْخطاب ثمَّ زينت بنت خُزَيْمَة الْهِلَالِيَّة ثمَّ زينت بِنْتَ جَحْشٍ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثُمَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أُخْتَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ثُمَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ثُمَّ صَفِيَّةَ بنت حييّ ابْن أَخْطَبَ ثُمَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَى خَدِيجَةَ فِي حَيَاتِهَا تُوُفِّيَ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ فِي حَيَاتِهِ خَدِيجَةُ وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ وَتُوُفِّيَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن التسع الْبَاقِيَات والمروية بطرِيق الْآحَاد سَبْعَة فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ وَالْعَالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيَانَ وَسَنَا بِنْتُ الصَّلْتِ وَقُبَيْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَأُمُّ شَرِيكٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ شُرَيْحٍ وَهِنْدُ بِنْتُ يَزِيدَ وَالشَّنْبَاءُ وَمُلَيْكَةُ بِنْتُ دَاوُدَ وَشِرَافُ بنت خَليفَة وليلى بنت الْحطيم وَخَوْلَة بنت الْهُذيْل وليل بنت الْحَكِيم سراريه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَارِيَة الْقبْطِيَّة وَرَيْحَانَة بنت شمعمون مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَجَارِيَتَانِ أُخْرَيَانِ
(الْجِنْس الثَّانِي الْأَقْوَال)
وَهِيَ نَوْعَانِ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْمَأْمُورُ بِهِ التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَحَكَى الْقَاضِي فِي الشِّفَا أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَبر من الْإِيمَانِ فَمَنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِمَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ وَإِنْ آمَنَ قَلْبُهُ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاجِبَةٌ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَالذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْهُورِ وَالتَّلْحِينُ حَرَامٌ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لِأَنَّ ثَمَرَةَ قِرَاءَتِهِ الْخَشْيَةُ وَتَجْدِيدُ التَّوْبَةِ وَالِاعْتِبَارُ بِقَصَصِهِ وَالشَّوْقُ لِوَعْدِهِ وَالْحَذَرُ مِنْ وَعِيدِهِ وَالتَّلْحِينُ يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُطْرِبٌ وَالطَّرَبُ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَن مشابهة الأغاني والمطربات لِأَن شَأْنُهَا اللَّهْوُ وَاللَّعِبُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ تُقَسَّمَ قِرَاءَتُهُ إِلَى تَفْخِيمٍ وَإِعْظَامٍ فِيمَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِك وَإِلَى تخزين وَتَرْقِيقٍ عَلَى حَسَبِ الْمَوَاعِظِ وَالْأَحْوَالِ الْمُقَرِّرِ لَهَا وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى هَذَا الْقِسْمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكرُوا اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادتهم إِيمَانًا﴾ وَمِنَ الْمَأْمُورِ إِقْرَاءُ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَتَعَلُّمُهَا وَالْحَثُّ عَلَى الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ النَّوْعُ الثَّانِي الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالْبُهْتَانُ وَالْكَذِبُ وَالْقَذْفُ وَالتَّلَفُّظُ بِفُحْشِ الْكَلَامِ وَإِطْلَاقُ مَا لَا يَحِلُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أَوْ أَنْبِيَائِهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ (الْخِيَانَةُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاس اتقاء شَره) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ أَنْ يَسْمَعَ) قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا قَالَ إِذَا قُلْتَ بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُسْتَثْنَى مِنَ الْغِيبَةِ خمس صور الأولى النَّصِيحَة لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأما أَوب جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَسِيسُ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمُشَاوَرِ فِيهَا أَوِ الَّتِي يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ يُسَارِعُ فِيهَا وَلَا يُثْلَمُ الْعِرْضُ مَعَ ذَلِكَ وَلَا يُبَيَّنُ ذَلِكَ الثَّانِيَةُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُودِ وَالرُّوَاةِ بِمَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ خَاصَّةً فَلَا يَقُول هُوَ ابْن زنا الثَّالِثَةُ الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: (فَمِثْلُكِ حُبْلَى قد طرقت ومرضعا ... ) يَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِأَنْ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْهُ وَالْغِيبَةُ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ الرَّابِعَةُ أَرْبَابُ الْبِدَعِ وَالتَّصَانِيفِ الْمُضِلَّةِ مِنَ الْكُتُبِ يَنْبَغِي أَنْ يُشَهَّرَ فِي النَّاسِ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ تَنْفِيرًا عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ الْخَامِسَةُ إِذَا كُنْتَ أَنْتَ وَالْمَقُولُ لَهُ الْغِيبَةُ قَدْ سَبَقَ لَكُمَا الْعِلْمُ بِالْمُغْتَابِ بِهِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ مِنْ قَدْرِ الْمُغْتَابِ عِنْدَهُ وَسَأَلْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّا يرْوى من قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ فَقَالُوا لَمْ
يَصِحَّ وَلَا يُتَفَكَّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ ثَلَاثَةٌ لَا غِيبَةَ فِيهِمْ الْإِمَامُ الْجَائِرُ وَالْفَاسِقُ الْمُعْلِنُ وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ وَفِي الْمُنْتَقَى لَا غِيبَةَ فِي تَجْرِيحِ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ وَلَا الْمُتَحَيِّلِ عَلَى النَّاس ليصرف كَيده عَنْهُم وَلَا رَاجِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْفَضْلِ حِفْظُ أَلْسِنَتِهِمْ مِمَّا لَا يَعْنِيهِمْ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِأَنَّ فِي الْإِكْثَارِ مِنَ الْكَلَامِ السَّقْطَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّةَ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ) وَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ فَقَالَ لَهُ مَهْ فَقَالَ إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) وَعنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ أَصْبَحَتِ الْأَعْضَاءُ تَسْتَعِيذُ مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ وَتَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ فِينَا إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) نَقَلَهُ فِي الْمُنْتَقَى
(مَسْأَلَةٌ)
الْفَرْقُ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْغَمْزِ وَاللَّمْزِ أَنَّ الْغِيبَةَ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ الْأَعْرَاضِ وَالنَّمِيمَةَ أَنْ يَنْقُلَ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِأَذَاهُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إِلْقَاءِ الْبَغْضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا أَنَّ فُلَانًا يَقْصِدُ قَتْلَكَ فِي مَوْضِعِ كَذَا أَوْ يَأْخُذُ مَالَكَ فِي وَقْتِ كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغِيبَةِ وَالْغَمْزَ أَنْ تَعِيبَ الْإِنْسَانَ بِحُضُورِهِ وَاللَّمْزَ بِغِيبَتِهِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي جَامِعِ الْمُخْتَصَرِ قَالَ مَالِكٌ الْإِيمَانُ عَمَلٌ وَقَوْلٌ يَزِيدُ
وَيَنْقُصُ وَعَنْهُ دَعِ الْكَلَامَ فِي نُقْصَانِهِ خَوْفًا مِنَ الذَّرِيعَةِ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ بِإِحْبَاطِ الْإِيمَانِ بِالذُّنُوبِ تَنْبِيهٌ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ إِنَّمَا يُوصَفُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إِذَا فُسِّرَ بِعَمَلِ الْجَوَارِحِ أَمَّا اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ فَلَا لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ فَقَدْ آمَنَ وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ وَالْحَقُّ أَنَّ الْجَمِيعَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَمَّا الْأَعْمَالُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا مَا فِي الْقَلْبِ فَبِاعْتِبَارِ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ وَمُتَعَلِّقِهِ أَمَّا زَمَانُهُ فَلِأَنَّهُ عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَإِذَا طَالَ زَمَانُهُ وَعُدِمَ طَرَيَانُ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِ فَقَدْ زَادَ وَإِلَّا نَقَصَ وَأَمَّا مَكَانُهُ فَلِأَنَّ النَّفْسَ ذَاتُ جَوَاهِرَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِجَوْهَرَيْنِ إِيمَانَانِ وَبِثَلَاثَةٍ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الْأَمْثَالِ فِي التَّعَلُّقِ دُونَ الْمَحَلِّ لَيْسَ مُحَالًا وَأَمَّا مُتَعَلِّقُهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ إِيمَانِهِ الْمُعْتَبَرِ إِذَا تَجَدَّدَ لَهُ الْعِلْمُ بِآيَةٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى تَجَدَّدَ لَهُ بِهَا إِيمَانٌ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ قِيلَ لِمَالِكٍ أَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ مَحْمُودٌ أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ قُلْ مُؤْمِنٌ وَلَا تَجْعَلْ مَعَهَا غَيْرَهَا مَعْنَاهُ لَا تَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَجُوزُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزْمُ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ وَقَالَ غَيْرُهُمْ بَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِ وُجُوهٍ إِمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُسْتَقْبَلَ وَهُوَ مَجْهُولٌ حُصُولُ الْإِيمَانِ فِيهِ أَوْ يُرِيدُ نَفْعَ الْإِيمَانِ الْحَاضِرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحُصُولِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِلْجَهْلِ بِالْخَاتِمَةِ أَوْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلتَّعْلِيقِ
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ رَجُلٌ لِمَالِكٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوَى قَالَ الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَأُرَاكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَخْرِجُوهُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ وَإِنَّهُ
فِي كُلِّ
مَكَانٍ بِعِلْمِهِ وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِلتَّأْوِيلِ مِنَ الْأَوَّلِ أَيْ بِغَيْرِ مُعِينٍ بَلْ بِذَاتِهِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَغَيْرِهِ وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ بِالِاسْتِوَاءِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ فَيَبْقَى غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ إِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْجِهَةَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا لم يصرحوا بِأَنَّهُ لَيْسَ كمثله شَيْء وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ النَّافِيَةِ لِلْجِهَةِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَيَقُولُونَ لَهَا مَعَانٍ لَا نُدْرِكُهَا وَيَقُولُونَ هَذَا اسْتِوَاءٌ لَا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَاتِ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ دُونَ أَرْضِهِ فَوْقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْفَوْقِيَّاتِ وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ وَمعنى قَول مَالك الاستواب غَيْرُ مَجْهُولٍ أَنَّ عُقُولَنَا دَالَّتُنَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ اللَّائِقِ بِاللَّهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ دُونَ الْجُلُوسِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ وَقَوْلُهُ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُوصَفُ بِمَا وَضَعَتِ الْعَرَب لَهُ كَيفَ وَهُوَ الْأَحْوَال المتنقلة والهيآت الْجَسِيمَةُ مِنَ التَّرَبُّعِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ فِي جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ مَعْنَاهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي سِيرَةِ السَّلَفِ بِالسُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُثِيرَةِ لِلْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَرَأَيْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَوَابًا لِكَلَامٍ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ مَالِكٌ إِنَّكَ تَتَحَدَّثُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَإِنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ تَكُنِ الْبِدَعُ ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِمْ فَكَانَ تَحْرِيكُ الْجَوَابِ عَنْهَا دَاعِيَةً لِإِظْهَارِهَا فَهُوَ سَعْيٌ فِي مُنْكَرٍ عَظِيمٍ فَلِذَلِكَ تُرِكَ قَالَ وَفِي زَمَانِنَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فَلَوْ سَكَتْنَا كُنَّا مُقِرِّينَ لِلْبِدَعِ فَافْتَرَقَ الْحَالُ وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ ظَهَرَتْ بِبِلَادِهِ بِالْعِرَاقِ وَمَالِكٌ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِبَلَدِهِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامَيْنِ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ وَجَدْتُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَضَرَبْتُهُمْ بِالْحَدِيدِ قَالَ لِي بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ
الشَّافِعِي تَحْرِيمُ الِاشْتِغَالِ بِأُصُولِ الدِّينِ قَلَتُ لَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْيَوْمَ فِي عُرْفِنَا إِنَّمَا هُوَ الْأَشْعَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يُدْرِكُوا الشَّافِعِيَّ وَلَا تِلْكَ الطَّبَقَةَ الْأُولَى إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَانِ الشَّافِعِيِّ عمر بْنُ عَبِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَلَوْ وَجَدْنَاهُمْ نَحْنُ ضَرَبْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ فَضْلًا عَنِ الْحَدِيدِ فَكَلَامُهُ ذَمٌّ لِأُولَئِكَ لَا لِأَصْحَابِنَا وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْقَائِمُونَ بِحُجَّةِ اللَّهِ وَالنَّاصِرُونَ لِدِينِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمُوا وَلَا يُهْتَضَمُوا لِأَنَّهُمُ الْقَائِمُونَ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ عَنِ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ لِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قُلْتُ لَهُ فَمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُمَا كَيْفَ تُقَامُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ بِهِمَا فَسكت تبيه قَالَ الْغَزَالِيُّ يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ الَّتِي تَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ عِلْمٌ دَقِيقٌ وَأَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا أَكْفَرَ مِنْ نِصْفِ أُصُولِيٍّ وَأَنْ يَكُونَ دَيِّنًا فَإِنَّ قَلِيلَ الدِّينِ إِذَا وَقَعَتْ لَهُ الشُّبْهَةُ لَا يَطْلُبُ لَهَا جَوَابًا وَأَنْ يَكُونَ فَصِيحًا لِأَنَّ الْفَدْمَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ
(الْجِنْس الثَّالِثُ الْأَفْعَالُ)
وَهِيَ أَنْوَاعٌ النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَفْعَالُ الْقُلُوبِ وَهِيَ مَأْمُورَاتٌ وَمَنْهِيَّاتٌ فَمِنَ الْمَأْمُورَاتِ الْإِخْلَاصُ وَالْيَقِين وَالتَّقوى وَالصَّبْر والرضى وَالْقَنَاعَةُ وَالزُّهْدُ وَالْوَرَعُ وَالتَّوَكُّلُ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ وَحُسْنُ النَّظَرِ وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ وَرُؤْيَةُ الْمِنَّةِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَنَحْوُهَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَمِنَ الْمَنْهِيَّاتِ الْغِلُّ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْبَغْيُ وَالْغَضَبُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغِشُّ وَالْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ وَالْبُخْلُ وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ اسْتِكْبَارًا وَالطَّمَعُ وَخَوْفُ الْفَقْرِ وَالسُّخْطُ بِالْقَضَاءِ وَالْبَطَرُ وَتَعْظِيمُ الْأَغْنِيَاءِ لِغِنَاهُمْ وَالِاسْتِهَانَةُ بِالْفُقَرَاءِ
لِفَقْرِهِمْ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ وَالتَّنَافُسُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُبَاهَاةُ والتزين للمخلوقين والمداهنة وَحب الْمَدْح بِمَا لَا يَفْعَلْ وَالِاشْتِغَالُ بِعُيُوبِ الْخَلْقِ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ وَنِسْيَانُ النِّعْمَةِ وَالرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَقِي عَذَابه كاتقاء السهْم بالترس والتقي جمع تقاة اخْتلف الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَتِهَا شَرْعًا فَقَالَ أَهْلُ الْحَقِّ هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ لِأَنَّ فِي الْجَمِيعِ عُقُوبَةً وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هِيَ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُم سيآتكم﴾ وَإِذَا كَانَتِ الْكَبَائِرُ يَقِينَا اجْتِنَابُهَا عَذَابَ الصَّغَائِرِ لَمْ يَكُنِ اجْتِنَابُ الصَّغِيرَةِ تَقْوَى لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السِّهَامِ جِدَارٌ أَنْ يُقَالَ اتَّقَى السِّهَامَ بِتُرْسِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ فِيهَا التعزيز وَالذَّمُّ عَاجِلًا وَالْعُقُوبَةُ آجِلًا فَاجْتِنَابُ الْكَبِيرَةِ إِنَّمَا يقي الْعقُوبَة الآجلة وَبَقِي التعزيز وَالذَّمُّ فَيُدْفَعَانِ بِاجْتِنَابِ الصَّغِيرَةِ فَصَحَّ أَنَّ اجْتِنَابَهَا تَقْوَى شَرْعِيَّةٌ وَدَلَّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وأَنْ تَذْكُرَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَا)
(مَسْأَلَةٌ)
لَيْسَ الزُّهْدُ عَدَمَ ذَاتِ الْيَدِ بَلْ عَدَمَ احْتِفَالِ الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّاهِدُ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ وَهُوَ زَاهِدٌ وَقَدْ يَكُونُ الشَّدِيدُ الْفَقْرِ غَيْرَ زَاهِدٍ بَلْ فِي غَايَةِ الْحِرْصِ بِحَسَبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالزُّهْدُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبٌ وَفِي الْوَاجِبَاتِ حَرَامٌ وَفِي الْمَنْدُوبَاتِ مَكْرُوهٌ وَفِي الْمُبَاحَاتِ مَنْدُوبٌ وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً لِأَنَّ الْمَيْلَ إِلَيْهَا يُفْضِي لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ أَوِ الْمَكْرُوهِ فَتَرْكُهَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمَنْدُوبَةِ
(مَسْأَلَةٌ)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ الْعَصْرِ الَّذِي أَدْرَكته هَل يدْخل الزّهْد والروع فِي الْمُبَاحِ فَسَلَّمَهُ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَصَنَّفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكْثَرُوا التَّشْنِيعَ فَقَالَ الْأَنْبَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِيهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيْهَا وَالْوَرَعُ مَنْدُوبٌ وَالنَّدْبُ مَعَ التَّسْوِيَةِ مُتَعَذِّرٌ وَعَمِلَ فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا وَقَالَ بَهَاءُ الدِّينِ بْنُ الْحِمْيَرِيِّ وَغَيْرُهُ بَلْ تَدْخُلُ وَمَا زَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا﴾ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْكُلُّ عَلَى الصَّوَابِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُبَاحَ لَا زُهْدَ فِيهِ وَلَا وَرَعَ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ وَهُمَا فِيهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْمُبَاحِ يُخْرِجُ إِلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ وَبَطَرِ النُّفُوسِ لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْإِنْسَان ليطْغى أَن رَآهُ اسْتغنى﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا الْمُبَاحُ وَسِيلَةٌ لَهُ فَهُوَ مَزْهُودٌ فِيهِ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ الزُّهْدُ غير الْوَرَعُ فَالزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ لَا فِي الْحَرَامِ وَحِفْظُ الْمَالِ خَوْفَ الْمَسْأَلَةِ مَأْمُورٌ بِهِ
(مَسْأَلَةٌ)
الْوَرَعُ هُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْس وَأَصله قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَمِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هُوَ مُبَاحٌ أَمْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ
التَّرْكُ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ أم مَشْرُوعٌ أَوْ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِأَنَّ الْمُثبت للشرعية مقدم كالبنية الْمُثْبِتَةِ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي شَرْعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاة الْجِنَازَة فمالك يَقُول لَيْسَ بِمَشْرُوعَةٍ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ مَشْرُوعَةٌ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْقِرَاءَةُ وَكَالْبَسْمَلَةِ قَالَ مَالِكٌ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ أَنْ تُقْرَأَ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَهَذَا مَعَ تَقَارُبِ أَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنِ الْوَرَعُ فِي مِثْلِ مَا لَو كَانَ دَلِيله فِيمَا تدخله قضايا الْحُكَّام وَلَا يُنْقَضُ وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفُوا بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَلَا وَرَعَ أَوِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ فَلَا وَرَعَ لِتَسَاوِي الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ تَنْبِيهٌ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَالِكِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ إِذا لم يتدلك فِي غسله أَو يسمح جَمِيعَ رَأْسِهِ وَنَحْوَهُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمَالِكِيِّ إِذَا لَمْ يُبَسْمِلْ وَأَنَّ الْوَرَعَ صَوْنُ الْعِبَادَةِ وَنَحْوِهَا عَنِ الْبُطْلَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ الْوَرَعُ لِتَحْصِيلِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ بَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ إِجْمَاعًا وَأَجْمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ خَصْمِهِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّقْلِيدِ الْمُعْتَبَرِ وَإِنَّمَا الْوَرَعُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لَيْسَ إِلَّا فَافْهَمْ ذَلِكَ وَنَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مِنَ الْوَرَعِ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمَكَاسِبُ وَالْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِينَ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لم يجب عَلَيْهِ رد الغضوب إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا وَلَا رَدُّ الرِّبَا إِذَا كَانَ ذِمِّيًّا وَلَوْ تَابَ الْمُسْلِمُ وَجَبَ عَلَيْهِ رد جَمِيع ذَلِك لمَكَان التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهِ أَغْلَظَ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّوَكُّلُ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَجْلِبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَدْفَعُهُ مِنْ ضُرٍّ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مِنْ شَرْطِهِ تَرْكُ الْأَسْبَابِ فَنَحَا إِلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلِ الْأَحْسَنُ مُلَابَسَةُ الْأَسْبَابِ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوا﴾ وَأَمَرَ تَعَالَى بِمُلَابَسَةِ أَسْبَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَقُولُ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنَ الْعَدُوِّ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ وَدَخَلَ مَكَّةَ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مِنَ الْحَدِيدِ وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَأَكْمَلِ أَحْوَالِهِ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إِذَا كَانَتْ لَهُ عَوَائِدُ فِي أَيَّامٍ لَا يُحْسِنُ إِلَّا فِيهَا أَوْ أَبْوَابٌ لَا يَخْرُجُ إِلَّا مِنْهَا أَوْ أَمْكِنَةٌ لَا يُوَقِّعُ إِلَّا فِيهَا فَالْأَدَبُ مَعَهُ أَنْ لَا يُطْلَبَ مِنْهُ فِعْلٌ إِلَّا حَيْثُ عَوَّدَهُ وَأَنْ لَا يُخَالِفَ عَوَائِدَهُ بَلْ يجْرِي عَلَيْهَا وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَالك الْمُلُوكِ وَأَعْظَمُ الْعُظَمَاءِ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ رَتَّبَ مُلْكَهُ عَلَى عَوَائِدَ أَرَادَهَا وَأَسْبَابٍ قَدَّرَهَا وَرَبَطَ بِهَا آثَارَ قُدْرَتِهِ وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَرْبِطْهَا فَجَعَلَ الرِّيَّ بِالشُّرْبِ وَالشِّبَعَ بِالْأَكْلِ وَالِاحْتِرَاقَ بِالنَّارِ وَالْحَيَاةَ بِالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ فَمَنْ رَامَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَحْصِيلَ هَذِهِ الْآثَارِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا فَقَدْ أَسَاءَ الْأَدَبَ بَلْ يَلْتَمِسُ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَوَائِدِهِ وَقَدِ انْقَسَمَتِ الْخَلَائِقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ عَامَلُوا الله تَعَالَى
بِاعْتِمَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ مَعَ إِهْمَالِ الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِدِ فَلَجُّوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ وَسَلَكُوا الْقِفَارَ الْعَظِيمَةَ الْمُهْلِكَةَ بِغَيْرِ زَادٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمُ الْأَدَبُ وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُبَّادِ وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَأَعْرَضُوا عَنِ التَّوَكُّلِ وَهُمْ عَامَّةُ الْخَلْقِ وَهُمْ شَرُّ الْأَقْسَامِ وَرُبَّمَا وَصَلُوا بِذَلِكَ لِلْكُفْرِ وَقِسْمٌ اعْتَمَدَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُوا فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ مُلَاحِظِينَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ مُسَبِّبَهَا وَمُيَسِّرَهَا فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَؤُلَاءِ هُمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَخَاصَّةُ عِبَادِ اللَّهِ الْعُلَمَاءُ بِاللَّهِ وَالْعَارِفُونَ بِمُعَامَلَتِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ
(مَسْأَلَةٌ)
حُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ الِاتِّصَافُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَوِ التَّسَبُّبُ إِلَيْهَا وَسُوءُ الْخُلُقِ هُوَ ارْتِكَابُ مَنَاهِي الشَّرِيعَةِ أَوِ التَّوَسُّلُ إِلَيْهَا وَتَحْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أُمُورٌ لَا يُحْصِيهَا الضَّبْطُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَوِ الْأَمِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَأْنِهِ حُبُّ الْمَدْحِ وَأَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ مِنْهُ ذَلِكَ فَيَقْتَحِمُونَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَيَضْحَكُونَ مِنْهُ بِهِ وَيَغْتَابُونَهُ بِهِ بَلْ تَكُونُ هِمَّتُهُ فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ فِي رضى ربه ورضى سُلْطَانِهِ إِنْ كَانَ فَوْقَ الْأَمِيرِ أَوِ الْقَاضِي سُلْطَان وَرَضي صَالِحِ مَنْ يَلِي عَلَيْهِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى حَالَةٍ أَخَذْتُ لِنَفْسِي بِالَّذِي أَوْلَى بهَا ونظم هَذَا الْمَعْنى الشَّيْخ الْحَافِظ زيد الدّين ابْن عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُحَدِّثُ فِي مَدْرَسَةِ الْكَامِلِ (اعْمَلْ لِنَفْسِكَ صَالِحًا لَا تَحْتَفِلْ ... بِكَبِيرِ قِيلٍ فِي الْأَنَامِ وَقَالِ)
(فَالنَّاسُ لَا يُرْجَى اجْتِمَاعُ قُلُوبِهِمْ ... لَا بُدَّ مِنْ مُثْنٍ عَلَيْكَ وَقَالِ)
(مَسْأَلَةٌ)
الْحَسَدُ تَمَنِّي الْقَلْبِ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ وَاتِّصَالَهَا بِكَ وَهُوَ أَخَفُّ الْحَسَدَيْنِ وَشَرُّهُمَا تَمَنِّي زَوَالِهَا وَإِنْ لَمْ تَصِلْ إِلَيْكَ وَأَصْلُ تَحْرِيمِهِ الْكتاب
وَالسُّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِد﴾ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ من فَضله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَا تمنوا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَالسّنة قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْفرق بَينه وَبني الْغِبْطَةِ تَمَنِّي مِثْلِ مَا لِغَيْرِكَ لَا عَيْنِ مَا لِغَيْرِكَ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْحَسَدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) أَيْ لَا غِبْطَةَ إِلَّا فِي هَاتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ وَهِيَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي الْأَرْضِ حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَمَ
(مَسْأَلَةٌ)
الْكِبْرُ لِلَّهِ عَلَى أَعْدَائِهِ حَسَنٌ وَعَلَى عِبَادِهِ احْتِقَارًا لَهُمْ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْكِبْرِ) فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً فَقَالَ (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجمال وَلَكِن الْكبر بطر الْحق وغمض النَّاسِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ بَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِله وغمض النَّاس احتقارهم وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْكِبْرَ مِنَ الْكَبَائِرِ) وَعَدَمُ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مُخَلَّدٌ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا يَدْخُلُ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ فِي الْمَبْدَأِ وَالنَّفْيُ الْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ إِذَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوص
وَالْقَوَاعِدُ وَالْكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِ الْقَلْبِ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ كُلُّ ذُنُوبِ الْقَلْبِ يَكُونُ مَعَهُ الْفَتْحُ إِلَّا الْكِبْرَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُجْبِ أَنَّ الْعُجْبَ رُؤْيَتُهُ لِلْعِبَادَةِ وَالْكِبْرَ رَاجِعٌ لِلْخُلُقِ
(مَسْأَلَةٌ)
الرِّيَاءُ هُوَ إِيقَاعُ الْقُرْبَةِ يَقْصِدُ بِهَا النَّاسَ فَلَا رِيَاءَ فِي غَيْرِ قُرْبَةٍ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ وَنَحْوِهِ لَا رِيَاء فِيهِ وَإِرَادَة غير النَّاس بالقربة لَيْسَ رِيَاءً كَمَنْ حَجَّ لِيَتَّجِرَ أَوْ غَزَا لِيَغْنَمَ لَا يُفْسِدُ بِذَلِكَ قُرْبَتَهُ وَالرِّيَاءُ قِسْمَانِ رِيَاءُ إِخْلَاصٍ وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَ الْقُرْبَةَ إِلَّا لِلنَّاسِ وَرِيَاءُ شِرْكٍ وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلنَّاسِ وَهُوَ أَخَفُّهُمَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاع وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذين هم يراؤن وَيمْنَعُونَ الماعون﴾ وَمَتَى شَمِلَ الرِّيَاءُ الْعِبَادَةَ بَطَلَتْ إِجْمَاعًا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشَرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لِلشَّرِيكِ فَإِنْ شَمِلَ بَعْضَ الْعِبَادَةِ وَهِيَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَقَدْ وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ فِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ حَكَاهُ المحاسبي فِي الرِّعَايَة وَالْغَزالِيّ فِي الإحباء وَمَتَى عَرَضَ الرِّيَاءُ فِي الْعِبَادَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا أَمر بِدفع الرقاء وَعَمَلِ الْعِبَادَةِ فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَلَصِقَ الرِّيَاءُ بِصَدْرِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْقُرْبَةُ مَنْدُوبَةً تَعَيَّنَ التَّرْكُ لِتَقَدُّمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمَنْدُوبِ أَوْ وَاجِبَةً أُمِرَ بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ إِذْ لَا سَبِيلَ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَأَغْرَاضُ الرِّيَاءِ ثَلَاثَةٌ اسْتِجْلَابُ الْخُيُورِ وَدَرْءُ الشُّرُورِ وَالتَّعْظِيمُ مِنَ الْخَلْقِ وَبَسْطُ هَذَا الْبَابِ وَمُدَاوَاتُهُ إِذَا عَرَضَ مَبْسُوطٌ فِي كِتَابِ الرَّقَائِقِ وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالرِّيَاءِ تَرْكُ الْعَمَلِ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ الْمُفْسِدَاتِ لَا بِتَرْكِ الْعَمَلِ لِأَجَلِ الْمُفْسِدَاتِ
(فَرْعٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ الْمُصَلِّي لِلَّهِ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مَحَبَّةُ عِلْمِ النَّاسِ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ قَالَ إِنْ كَانَ أَوَّلُ ذَلِكَ لِلَّهِ فَلَا بَأْسَ قُلْتُ كَوْنُ الْعَبْدِ يُحِبُّ أَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ غَيْرُ الْعَمَلِ لِهَذَا الْغَرَضِ الْأَوَّلُ جِبِلِّيٌّ وَالثَّانِي كسبي وتحويل الطَّاعَة عَن موضوعها
(فَرْعٌ)
التَّسْمِيعُ حَرَامٌ وَهُوَ غَيْرُ الرِّيَاءِ لِأَنَّهُ إِنْ عَمِلَ الْعَمَلَ خَالِصًا ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ لِغَرَضِ الرِّيَاءِ مِنَ التَّعْظِيمِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ بَعْدَ الْعَمَلِ وَالرِّيَاءُ مُقَارِنٌ وَفِي الْخَبَرِ مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ يُنَادِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا فُلَانٌ عَمِلَ لِي عَمَلًا ثُمَّ أَرَادَ بِهِ غَيْرِي
(مَسْأَلَةٌ)
السُّخْطُ بِالْقَضَاءِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَغَيره السخط بالمقدر وَهِي عبارَة رَدِيئَة قَالَ الْمُحَقِّقُونَ يجب الرضى بِالْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ وَبِالْقَدَرِ دُونَ الْمَقْدُورِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا وَصَفَ لِلْعَلِيلِ دَوَاءً مُرًّا أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْمُتَآكِلَةَ فَإِنْ قَالَ بِئْسَ مَا وَصَفَ الطَّبِيبُ فَهُوَ بُغْضٌ وَسُخْطٌ بِقَضَاءِ الطَّبِيبِ وَإِنْ قَالَ نِعْمَ مَا صَنَعَ غَيْرَ أَنِّي وَجَدْتُ لِلْقَطْعِ وَمَرَارَةِ الدَّوَاءِ أَلَمًا كَثِيرًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَدْحًا فِي الطَّبِيبِ بَلِ الْأَوَّلُ قَدْحٌ فِيهِ وَطَعْنٌ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا إِذَا ابْتُلِيَ الْإِنْسَانُ بِمَرَضٍ فَتَأَلَّمَ مِنَ الْمَرَضِ بِمُقْتَضى طبعه فَهَذَا لَيْسَ عدم رضى بِالْقضَاءِ بل عدم رضى بِالْمَقْضِيِّ وَإِنْ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ عَمِلْتُ حَتَّى أَصَابَنِي هَذَا وَمَا ذَنْبِي وَمَا كُنْتُ أَسْتَأْهِلُهُ فَهَذَا عدم رضى بِالْقَضَاءِ لَا بِالْمَقْضِيِّ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَهُوَ حَسَنٌ تَنْبِيهٌ كُلُّ مُؤْلِمٍ لِلْمُؤْمِنِ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ وَصَبٌ وَلَا نَصَبٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يَطَؤُهَا إِلَّا كُفِّرَ الله بِهَا مِنْ ذُنُوبِهِ) وَالسُّخْطُ مَعْصِيَةٌ وَالصَّبْرُ قُرْبَةٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ فَإِذَا تَسَخَّطَ حَصَلَتْ سَيِّئَةٌ قَدْرَ الَّتِي كفر بهَا الْمُصِيبَة أَو أقل وَأعظم بِحَسَبِ كَثِيرِ السُّخْطِ وَقَلِيلِهِ وَعِظَمِ الْمُصِيبَةِ وَصِغَرِهَا فَإِنَّ التَّكْفِيرَ تَابِعٌ لِذَلِكَ فَالتَّكْفِيرُ وَاقِعٌ قَطْعًا سَخِطَ أَوْ صَبَرَ غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ صَبَرَ اجْتَمَعَ التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ وَإِنْ سَخِطَ قَدْ يَعُودُ الْمُكَفَّرُ بِمَا جَنَاهُ ثَانِيًا بِالتَّسَخُّطِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَثُوبَاتِ عَلَى الْمَصَائِبِ أَيْ إِذَا صَبَرَ وَإِلَّا فَالْمُصِيبَةُ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا ثَوَابَ إِلَّا فِي مُكْتَسَبٍ وَالتَّكْفِيرُ يَكُونُ بِغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ كَالْعَذَابِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ
(مَسْأَلَةٌ)
الْمُدَاهَنَةُ قَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً أَوْ وَاجِبَةً كَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ الْفَاسِقِ مِنَ الْوِدَادِ ظَاهِرًا مَا يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ مَا كَانَ عَلَى بَاطِلٍ وَأَمَّا لِأَجْلِ التَّقِيَّةِ وَالتَّوَدُّدِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِكَلَامِ صِدْقٍ بِأَنْ يَشْكُرَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ كَثُرَ فُجُورُهُ وَفُحْشُهُ إِلَّا وَفِيهِ خَيْرٌ
(مَسْأَلَةٌ)
الرَّغْبَةٌ وَالرَّهْبَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ أُرِيدَ بِهَا خَوْفُ الظُّلْمَةِ أَوِ السِّبَاعِ أَوِ الْغَلَاءِ أَوِ الْأَمْرَاضِ إِنْ سَلَّطَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُنْهَى عَنْهُ وَقَدْ يُؤْمَرُ بِهِ كَمَا أُمِرْنَا أَنْ لَا نَقْدَمَ عَلَى الْوَبَاءِ وَأَنْ نَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَنَا مِنَ الْأَسَدِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَنَّا نَخَافُ الْأَسْبَابَ وَالْخَلْقَ مِنْ حَيْثُ هُمْ هُمْ بِحَيْثُ نَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى لِأَجْلِهِمْ فَهَذَا حَرَامٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كعذاب الله﴾ قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِي فِتْنَةُ النَّاسِ مُؤْلِمَةٌ وَعَذَابُ الله كَذَلِك
فَالشَّبَهُ وَاقِعٌ فَلِمَ أُنْكِرَ التَّشْبِيهُ وَأَجَابُوا بِأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ تَعَالَى حَاثٌّ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَانِعٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ هَذَا وَضْعُهُ فَمَنْ أُوذِيَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَيْ بِسَبَبِهَا فَجَعَلَ ذَلِكَ حَاثًّا عَلَى طَاعَةِ الْخَلْقِ فِي مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَمُلَابَسَةِ الْمَعْصِيَةِ فَهَذَا جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ فَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ فِي إِيقَاعِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
(مَسْأَلَةٌ)
التَّطَيُّرُ وَالطِّيَرَةُ حرَام لما فِي الحَدِيث أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يُحِبُّ الْفَألَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ وَلِأَنَّهَا مِنْ بَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَن التطير هُوَ الظَّن السيىء بِاللَّهِ وَالطِّيَرَةَ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ وَلَا يَكَادُ الْمُتَطَيِّرُ يَسْلَمُ مِمَّا تَطَيَّرَ مِنْهُ إِذَا فَعَلَهُ وَغَيْرُهُ لَا يَتَأَذَّى بِهِ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ الْمُتَطَيِّرُ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَضُرُّهُ فَضَرَّهُ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى سُوءِ الظَّن وَغير المتطير لم يسيء ظَنّه بِاللَّه فَلم يواخذه وأصل ذَلِك قوه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ) وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا ثُمَّ هَذَا الْمَقَامُ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ خَافَ الْهَلَاكَ عِنْدَ مُلَاقَاةِ السَّبُعِ لَمْ يَحْرُمْ إِجْمَاعًا فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ فِي الْعَالَمِ قِسْمَانِ مَا جَرَتِ الْعَادة بِأَن مُؤْذٍ كَالسُّمُومِ وَالسِّبَاعِ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ وَالتُّخُمِ وَأَكْلِ الأغذية الثَّقِيلَة المنفخة عِنْد سيىء الْهَضْمِ وَنَحْوِهَا فَالْخَوْفُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّهُ خَوْفٌ عِنْدَ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا عَدْوَى مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ الْوَبَاءِ وَقِسْمٌ لَمْ تَطَّرِدِ الْعَادَةُ بِأَذِيَّتِهِ كَالشَّقِّ وَالْعُبُورِ بَيْنَ الْغَنَمِ وَشِرَاءِ الصَّابُونِ يَوْمَ السَّبْتِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا حَرَامٌ الْخَوْفُ مِنْهُ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَمِنَ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مَنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَلم تتمخض كَالْعَدْوَى فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ وَنَحْوِهَا فَالْوَرَعُ تَرْكُ الْخَوْفِ حَذَرًا مِنَ الطِّيَرَةِ وَمِنْ ذَلِكَ الشُّؤْمُ
الْوَارِد فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي الصِّحَاحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ (الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ) وَفِي بَعْضِهَا إِنْ كَانَ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَقِيلَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ مُجْمَلًا أَوَّلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ وَاقِعًا فِي الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ كَمَا قَالَ فِي الدَّجَّالِ إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَامْرؤ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَالله خليفتي عَلَيْكُم ثمَّ أخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ الدَّجَّالَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَذَلِكَ سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ أَكْلِ الضِّبَابِ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُسُوخَ لَمْ تُعَقِّبْ فَقَدْ أَخْبَرَ بِالْمَسْخِ مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَبِهَا يَحْصُلُ لَكَ الْجَمْعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَلَا مَانِعَ أَنْ تَجْرِيَ عَادَتُهُ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ أَحْيَانًا سَبَبًا لِلضَّرَرِ فَفِي الصِّحَاحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دَعُوهَا ذَمِيمَةٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِنَّمَا تَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَلَا بُعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ وَلَا يَحُلَّ الْمُمْرِضُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلْيَحُلَّ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ لَا يعدي مَرِيض مَرِيضا خلاف لما كَانَت الْعَرَب تَفْعَلهُ وتعتقده فَبين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا هَامَ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ وَلَا يُتَطَيَّرُ بِالْهَامِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ إِذَا وَقَعَتْ هَامَّةٌ
عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ إِذَا قُتِلَ أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ لَا يَزَالُ يَقُولُ اسْقُونِي اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يكون الْخَيْر نَهْيًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَكْذِيبًا وَلَا صَفَرَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ فِيهِ شَهْرَ صَفَرٍ لِتَسْتَبِيحَ الْمُحَرَّمَ وَقِيلَ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ هُوَ دَاءٌ فِي الْفَرْجِ يَقْتُلُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا يَمُوتُ إِلَّا بِأَجْلِهِ وَالْمُمْرِضُ ذُو الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ ذُو الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ لَا يُؤْذِي الْمُمْرِضُ الْمُصِحَّ بِإِيرَادِ مَاشِيَتِهِ على مَا شيته فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَقِيلَ لَا يَحُلُّ الْمَجْذُومُ مَحَلَّ الصَّحِيحِ مَعَهُ يُؤْذِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَكْرَهُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنَ الْعَدْوَى وَقيل هُوَ نَاسخ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا عَدْوَى تَنْبِيهٌ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ إِنَّ أَخْذَ الفال بالمصحف وَضرب الرمل وَالشعر وَنَحْوِهِ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ مَعَ أَنَّ الْفَأْلِ حَسَنٌ بِالسُّنَّةِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْفَالَ الْحَسَنَ هُوَ مَا يَعْرِضُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ مِثْلُ قَائِلٍ يَقُولُ يَا مُفْلِحُ وَنَحْوِهِ وَالتَّفَاؤُلُ الْمُكْتَسَبُ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ
(النَّوْع الثَّانِي الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ)
فَفِي الْجَوَاهِرِ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَيَحْمَدُهُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ قَالَ باسم الله اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيمَا رزقنا وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كثيرا أطيبا مُبَارَكًا فِيهِ وَلَا يَأْكُل مُتكئا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَأَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا) قِيلَ
مَعْنَاهُ عَلَى جَنْبِهِ وَقِيلَ يَتَهَيَّأُ لِلطَّعَامِ تَهَيُّئًا كُلِّيًّا اهْتِمَامًا بِهِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ إِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ وَيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِذا أكل أحدكُم فَليَأْكُل يَمِينه وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ) وَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُخْتَلِفًا أَلْوَانًا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكَلَ مَعَ أَعْرَابِيٍّ ثَرِيدًا فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَتَعَدَّى جِهَته فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَلَمَّا حَضَرَ التَّمْرُ جَعَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَأْكُل من جِهَات عديد فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّرِيدِ أَوْ نَحْوِهِ وَلِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ سُوءُ أَدِبٍ مِنْ جِهَةِ وَضْعِهِ أَصَابِعَهُ الْوَاصِلَةَ إِلَى فَمِهِ وَرُبَّمَا اسْتَصْحَبَتْ رِيقَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَتِهِ لِذَلِكَ وَمَعَ الِاخْتِلَافِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ وَرَخَّصَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنْ يَتَعَدَّى مَا يَلِيهِ مُطْلَقًا إِذَا أَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ وَمَعَ مَنْ لَا يلْزمه الْأَدَب مَعَه وَقَالَ مَالِكٌ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَانَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ وَإِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ فَأُدِيرَ عَلَيْهِمْ مَا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيَأْخُذْهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأعربي لِأَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أحد فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ وَلِأَنَّ الْأَيْمَنَ أفضل فَيقدم
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مَعَ الْقَوْمِ مِثْلَ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقَمِ وَإِطَالَةِ الْمَضْغِ وَالرِّسْلِ فِي الْأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْهَمَ فِي الْأَكْلِ وَيُكْثِرَ مِنْهُ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ وَثُلُثَهُ لِلْمَاءِ وَثُلُثَهُ لِلنَّفَسِ كَذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنَ الدَّسَمِ وَفَاهُ وَإِنْ كَانَ لَبَنًا وَأَمَّا تَعَمُّدُ الْغَسْلِ لِلْأَكْلِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ زِيّ الْأَعَاجِم وَفِي الصَّحِيح قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ أَمَانٌ مِنَ الْفَقْرِ وَبَعْدَهُ أَمَانٌ مِنَ اللَّمَمِ قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِيَ إِنَّمَا أَمْنٌ مِنَ الْفَقْرِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ مَنِ اسْتَهَانَ بِالطَّعَامِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجُوعَ بِالْقَحْطِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا لَمْ يَغْسِلْ قَبْلَ الطَّعَامِ فَقَدْ أَهَانَهُ بِخَلْطِ الْوَسَخِ الَّذِي عَلَى الْيَدِ مَعَهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرُ وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ بَعْدَ الطَّعَامِ خُشِيَ عَلَيْهِ إِلْمَامُ الْجَانِّ بِهِ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعِيشُونَ بِالرَّوَائِحِ فَإِذَا شَمُّوهُ رُبَّمَا عَبَثُوا بِهِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ وَسَخٌ لَا يَغْسِلُ لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ لِلْمَاءِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ وَلَا يَنْفُخُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ لِمَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِ رِيقِهِ مَعَ النَّفْخِ فَهُوَ قَذَارَةٌ وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ وَلَكِنْ يُنَحِّيهِ عَنْ فِيهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يَشْرَبُ وَيُنَحِّي عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَشْرَبُ وَلِأَنَّ النَّفَسَ تَنْبَعِثُ مَعَهُ الْفَضَلَاتُ فَيُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْتِنُ الْإِنَاءَ مَعَ الطُّولِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا وَشَرِبَ قَائِمًا لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي ابْن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا لَا تَرَى بِالشُّرْبِ قَائِمًا بَأْسًا قَالَ الْبَاجِيُّ عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ لَا يشربأحد مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَبْصُقْ قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنه مَوْقُوف