وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ مُلَابَسَةَ الْخَبَثِ فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيَّاتِ فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الْبَحْثُ السَّادِسُ فِي شُرُوطِ النِّيَّةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبِ النَّاوِي فَإِنَّهَا مُخَصِّصَةٌ وَتَخْصِيصُ غَيْرِ الْمَفْعُولِ لِلْمُخَصَّصِ مُحَالٌ.
وَأَشْكَلَ هَذَا الشَّرْطُ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ الْإِمَامَةَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ حَالَةَ الْإِمَامَةِ مُسَاوِيَةٌ لِصَلَاتِهِ حَالَةَ الِانْفِرَادِ فَهَذِهِ النِّيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُكْتَسَبٍ وَلَا مُكْتَسَبٌ فَيُشْكِلُ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ النِّيَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِمُكْتَسَبٍ اسْتِقْلَالًا وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِتَوَابِعِ ذَلِكَ الْمُكْتَسَبِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُكْتَسَبَةً كَمَا تَتَعَلَّقُ بِالْوُجُوبِ فِي الصُّبْح وَالنَّدْب فِي صَلَاة الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ مُكْتَسَبًا لِلْعَبْدِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَاجِبَةُ الْوُجُودِ قَدِيمَةٌ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ فَحَسُنَ الْقَصْدُ إِلَيْهَا تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكْتَسِبِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِعْلًا زَائِدَةً عَلَى الصَّلَاةِ مُكْتَسَبًا فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَيْهَا تَبَعًا لِقَصْدِ الْمُكْتَسِبِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ مَعْلُومًا أَوْ مَظْنُونًا فَإِنَّ الْمَشْكُوكَ تَكُونُ فِيهِ النِّيَّةُ مُتَرَدِّدَةً فَلَا تَنْعَقِدُ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْكَافِرِ وَلَا غُسْلُهُ قَبْلَ انْعِقَادِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ وَلَا مَظْنُونَيْنِ.
فُرُوعٌ: الْأَوَّلُ لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَوْ كَانَ شَكُّهُ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إِلَى سَبَبٍ فَتَوَضَّأَ فِي الْحَالَتَيْنِ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ أَمَّا لَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ فَلَا تَرَدُّدَ.
الثَّانِي لَوْ تَوَضَّأَ مُجَدَّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ فَفِي كِتَابِ سَحْنُونَ لَا يُجْزِئُهُ وَعِنْدَ أَشْهَبَ يُجْزِئُهُ.
الثَّالِثُ لَوْ أَغْفَلَ لُمْعَةً مِنَ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَغَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ فَفِي الْإِجْزَاءِ قَوْلَانِ وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَنَحْوَهَا عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الْفَضَائِلِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَرَائِضِ فَقَدِ انْدَرَجَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ فِي نِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النِّيَّةَ مِنَ الْقُصُودِ وَالْإِرَادَاتِ لَا مِنْ بَابِ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّاسِيَ لِفَرْضِهِ الْفَاعِلَ لِلنَّفْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَرْضِ وَالِاعْتِقَادُ لَيْسَ بِنِيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
نَظَائِرُ ثَمَانِيَةٌ فِي الْمَذْهَبِ وَقَعَ فِيهَا إِجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ: أَرْبَعَةٌ فِي الطَّهَارَةِ وَهِيَ مَنْ جَدَّدَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدَثَ وَمَنْ غَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ وَقَدْ بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنَ الْأُولَى وَمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ وَمَنْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ.
وَثَلَاثَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عُقَيْبَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ وَفَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ سَلَّمَ أَوْ أَعَادَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي صَلَاتِهِ الْأُولَى.
وَالثَّامِنَةُ فِي الْحَجِّ وَهِيَ مَنْ نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ.
وَالْمَشْهُورُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَخْتَلِفُ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَمْسًا مَعَ شَكِّهِ فِي وُجُوبِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ شَكَّهُ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْجَمِيعِ فَالْجَمِيعُ مَعْلُومُ الْوُجُوب.
وَلَا يُشْكِلُ أَيْضًا مَنْ شَكَّ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَنْوِي صَلَاةَ رَكْعَةٍ رَابِعَةٍ لِيُتِمَّ صَلَاتَهُ مَعَ شَكِّهِ فِي وُجُوبِهَا لِأَنَّا نَمْنَعُ الشَّكَّ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّا نَقْطَعُ بِشَغْلِ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ عِنْد الْحَنَفِيّ أَو يقطع عِنْد الْمَالِكِي وَالشَّافِعِيّ بِإِيقَاعِ الْأَرْبَعِ وَمَا حَصَلَ ذَلِكَ فَالْقَطْعُ الْأَوَّلُ مُسْتَصْحَبٌ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلْمَنَوِيِّ لِأَنَّ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ لَوْ عَرَا عَنِ النِّيَّةِ لَكَانَ أَوَّلُهَا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَغَيْرِهَا وَآخِرُ الصَّلَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِهَا وَتَبَعٌ لَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ أَوَّلَهَا إِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً كَانَ آخِرُهَا كَذَلِكَ فَلَا تَصِحُّ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ لِلْمَشَقَّةِ وَالزَّكَاةُ فِي الْوِكَالَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا عَوْنًا عَلَى الْإِخْلَاصِ وَدَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ مِنْ بَاذِلِهَا فَتَتَقَدَّمُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْوَكَالَةِ وَلَا تَتَأَخَّرُ لِإِخْرَاجِ الْمَنْوِيِّ.
فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ جَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَقَدُّمَ النِّيَّةِ عِنْدَمَا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ الطَّهَارَةِ بِذَهَابِهِ إِلَى الْحَمَّامِ أَوِ النَّهْرِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَخَالَفَهُ سَحْنُونُ فِي الْحَمَّامِ وَوَافَقَهُ فِي النَّهْرِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ النَّهْرَ لَا يُؤْتَى غَالِبًا إِلَّا لِذَلِكَ فَتَمَيَّزَتِ الْعِبَادَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُؤْتَى لِذَلِكَ وَلِإِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالرَّفَاهِيَةُ غَالِبَةٌ فِيهِ فَلَمْ تَتَمَيَّزِ الْعِبَادَةُ وَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ النِّيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى تَتَّصِلَ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ وَقِيلَ إِذَا نَوَى عِنْدَ أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوَّلُ السُّنَنِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى السُّنَنِ وَالتَّقَرُّبُ بِهَا إِنَّمَا يَحْصُلُ عِنْدَ النِّيَّةِ وَقِيلَ إِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَبَعْدَ الْيَدَيْنِ لَا يُجْزِئُهُ وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِهِمَا وَعَزَبَتْ قَبْلَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الْوَجْهِ وَبِهَا غَسْلُ طَاهِرِ الْفَمِ وَهِيَ الشَّفَةُ مِنَ الْوَجْهِ.
الْبَحْثُ السَّابِعُ النِّيَّة على الْقسمَيْنِ فِعْلِيَّةٌ مَوْجُودَةٌ وَحُكْمِيَّةٌ مَعْدُومَةٌ وَكَذَلِكَ الْإِخْلَاصُ وَالْإِيمَانُ.
فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا دَامَ حَيًّا مُسْتَطِيعًا قَبْلَ حُضُورِهَا وَحُضُورِ أَسْبَابِهَا فَإِذَا حَضَرَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاص الفعليات فِي أَوَّلِهَا وَيَكْفِي الْحُكْمِيَّانِ فِي بَقِيَّتِهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي اسْتِمْرَارِهَا بِالْفِعْلِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ وَزَنَ زَكَاتَهُ وَعَزَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ ثُمَّ دَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ اكْتَفَى بِالْحُكْمِيَّةِ وَأَجْزَأَتْ وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ فِي ابْتِدَائِهَا لِصُعُوبَةِ الْجَمْعِ وَأَفْرَدَتِ النِّيَّةَ دُونَهُ لِأَنَّهَا مُسْتَلْزَمَةٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ تَكْفِي الْحكمِيَّة بشرك عَدَمِ الْمُنَافِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إِذَا تَوَضَّأَ وَبَقِيَتْ رِجْلَاهُ فَخَاضَ بِهَا نَهْرًا وَمَسَحَ بِيَدَيْهِ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ بِذَلِكَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ غَسْلُ رِجْلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْوُضُوءِ بَلْ إِزَالَةَ الْقَشْبِ وَقَالَ صَاحِبُ النكت مَعْنَاهُ أَنه ظن كَمَال وضوءه فَرَفَضَ نِيَّتَهُ أَمَّا لَوْ بَقِيَ عَلَى نِيَّتِهِ وَالنَّهْرُ قَرِيبٌ أَجْزَأَهُ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ تَتَنَاوَلُ الْفِعْلَ مَا لَمْ تَتَنَاوَلْهُ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّ النِّيَّةَ الْخَاصَّةَ بِهِ أَقْوَى كَمَا لَوْ قَامَ لِرَكْعَةٍ وَقَصَدَ أَنَّهَا خَامِسَةٌ وَهِيَ رَابِعَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَسَدَتِ الصَّلَاةُ أَوْ صَامَ يَوْمًا فِي الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ يَنْوِي بِهِ النَّذْرَ بَطَلَ التَّتَابُعُ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي صَلَاةِ مَنْ قَامَ إِلَى اثْنَيْنِ وَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ ثُمَّ ذَكَرَ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ وَعِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ يُجْزِئُهُ سَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا تَبْطُلُ إِلَّا بِرَفْضٍ الثَّانِي إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ التَّمْيِيزُ حَالَةَ الْفِعْلِ وَرُوِيَ عَنْهُ فَسَادُهَا لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الطَّهَارَةِ وَذَهَابُ جُزْءِ الطَّهَارَةِ يُفْسِدُهَا قَالَ صَاحِبُ
النُّكَتِ إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ أَوِ الْحَجِّ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ بِمَكَانِهِمَا وَهُوَ الْأَعْضَاءُ فِي الْوُضُوءِ وَالْأَمَاكِنُ الْمَخْصُوصَةُ فِي الْحَج فَكَانَ استغناؤها عَنِ النِّيَّةِ أَكْثَرَ وَلَمْ يُؤَثِّرِ الرَّفْضُ فِيهِمَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الثَّالِثُ قَالَ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْعَمَلِ الْمُتَّصِلِ فَلَوْ نَسِيَ عُضْوًا وَطَالَ ذَلِكَ افْتَقَرَ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فَإِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْحُكْمِيَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيَقْتَصِرُ فِيهَا الْعَمَلُ الْمُتَّصِلُ وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَشَرَعَ فِي غَسْلِ رِجْلَيْهِ الْبَحْثُ الثَّامِنُ فِي أَقْسَامِ الْمَنْوِيِّ وَأَحْوَالِهِ الْمَنْوِيُّ مِنَ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَعَ كَوْنِهِ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَيْضًا مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ كَالْوُضُوءِ وَالثَّانِي مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ فَقَطْ كَالتَّيَمُّمِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ وَالْمَقْصُودُ بِالنِّيَّةِ إِنَّمَا هُوَ تَمْيِيزُ الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّه الْمُهِمُّ فَلَا جَرَمَ إِذَا نَوَى التَّيَمُّمَ دُونَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُ لِكَوْنِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً وَالَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ يَتَخَيَّرُ الْمُكَلَّفُ بَيْنَ قَصْدِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ وَبَيْنَ قَصْدِهِ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ دُونَهُ فَالْأَوَّلُ كَقَصْدِهِ الْوُضُوءَ وَالثَّانِي كَقَصْدِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ فَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ أَوْ شَيْئًا لَا يُقْدَمُ عَلَيْهِ إِلَّا بِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِبَاحَةُ صَحَّ لِاسْتِلْزَامِ هَذِهِ الْأُمُورِ رَفْعَ الْحَدَثِ فُرُوعٌ سَبْعَةٌ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَحْدَهُ
فَالْمَشْهُورُ أَنَّ حَدَثَهُ لَا يَرْتَفِعُ لِأَنَّ الْحَدَثَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ وَصِحَّةُ هَذَا الْفِعْلِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِ الْمَنْعِ فَلَا تَسْتَلْزِمُهُ فَيَكُونُ حَدَثُهُ بَاقِيًا وَقِيلَ يَرْتَفِعُ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ.
الثَّانِي إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ نَاسِيًا لِغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَقَدْ حَصَلَ وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ نَوَى رَفْعَ سَبَبِ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ.
الثَّالِثُ قَالَ إِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا وَأَخْرَجَ غَيْرَهَا مِنْ نِيَّتِهِ فَقِيلَ يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ وَمَا لَمْ يَنْوِهِ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدِ ارْتَفَعَ بِاعْتِبَارِ مَا نَوَاهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَقْتَطِعَ مُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْهَا فَلَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُ وَلَا يَحِلُّ لِيَ الْوَطْءُ أَوْ أَشْتَرِي السِّلْعَةَ وَلَا يَحْصُلُ لِيَ الْمِلْكُ لم يعْتَبر ذَلِك فَكَذَلِك هَهُنَا وَقِيلَ تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ لِلتَّضَادِّ وَلَا تَسْتَبِيحُ شَيْئًا وَقِيلَ تَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِالْمَنْوِيِّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
(الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)
. الرَّابِعُ قَالَ الْمَازِرِيُّ إِذَا نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ مُخْرِجًا لِغَيْرِهِ مِنْ نِيَّتِهِ فَفِيهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِي تَخْصِيصِ الصَّلَاةِ بِالْإِبَاحَةِ.
الْخَامِسُ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ لَأَنَّ مَا نَوَاهُ مَعَهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَا تَضَادَّ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثَ على الْعِبَادَة طَاعَة الله تَعَالَى فَقَط وَهَهُنَا الْبَاعِثُ الْأَمْرَانِ.
السَّادِسُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ أَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ وَقَالَ لَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ أَوْ نَوَى امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَالَ لَا أَسْتَبِيحُ وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ لَمْ يَصِحَّ وُضُوؤُهُ لِلتَّضَادِّ.
السَّابِعُ إِذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَنَوَى الْوَجْهَ وَحْدَهُ ثُمَّ كَذَلِكَ الْيَدَيْنِ إِلَى آخِرِ الطَّهَارَةِ فَقَوْلَانِ مَنْشَؤُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ غسل الْجَمِيع؟
وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ وَهِيَ إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ فِي غُسْلِ جَنَابَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَأَعَادَ وُضُوءَهُ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ قَدِ ارْتَفَعَ عَنِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ أَعْضَائِهِ وَغَيْرُ الْجُنُبِ يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْوُضُوءِ وَلَا يُعِيدُ النِّيَّةَ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْأَعْضَاءِ السَّابِقَةِ فَهُوَ جُنُبٌ وَالْجُنُبُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَخَرَّجُ عَلَى رَأْيِ أَبِي الْحَسَنِ إِذَا مس ذكره بعد غسله بفور ذَلِك أَن لَا يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ كَمَا تُسْتَصْحَبُ فِي آخِرِ الْعِبَادَةِ تُسْتَصْحَبُ بِفَوْرِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يجرئ الْخلاف هَهُنَا.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَنْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا قَوْلَانِ.
الْبَحْثُ التَّاسِعُ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَطَهِّرُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ يُقَالُ أَحْدَثَ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَثَانِيهِمَا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَإِنَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ سَبَبٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وَلَيْسَ يُعْلَمُ لِلْحَدَثِ مَعْنًى ثَالِثٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
وَالْقَصْدُ إِلَى رَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ مُحَالٌ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْوِيُّ هُوَ رَفْعُ الْمَنْعِ وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَنْعُ ثَبَتَتِ الْإِبَاحَةُ فَيَظْهَرُ بِهَذَا الْبَيَانِ بُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ بَاقٍ بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى تَكْمُلَ الطَّهَارَةُ وَبُطْلَانُ الْقَوْلِ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثِ فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ حَاصِلَةٌ بِهِ فَيَكُونُ الْحَدَثُ مُرْتَفِعًا ضَرُورَةً وَإِلَّا لَاجْتَمَعَ الْمَنْعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ وَهُمَا ضِدَّانِ.
سُؤَالٌ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ مَنْعًا شَرْعِيًّا وَالْمَنْعُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ وَاجِبِ الْوُجُودِ؟ جَوَابُهُ هَذَا السُّؤَالُ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمَحْكُومِ بِتَجَدُّدِهَا عِنْدَ الْأَسْبَابِ
وَالْجَوَابُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الْحُكْمَ مُرْتَفِعٌ وَمُتَجَدِّدٌ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ لَا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ مُمْكِنُ الِارْتِفَاعِ وَلَوْ كَانَ قَدِيمًا فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ وُجُودِيًّا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الْفَرْضُ الثَّالِثُ اسْتِيعَابُ غَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ وَحَدُّهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ لِلْأَمْرَدِ وَاللِّحْيَةِ لِلْمُلْتَحِي وَنُرِيدُ بِقَوْلِنَا الْمُعْتَادِ خُرُوجَ النَّزْعَتَيْنِ وَالصَّلَعِ عَنِ الْغَسْلِ وَدُخُولَ الْغَمَمِ فِيهِ والنزعان هُمَا الْخَالِيَتَانِ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى جَنْبَيِ الْجَبِينِ وَالذَّاهِبَتَانِ عَلَى جَنْبَيِ الْيَافُوخِ وَالْغَمَمُ مَا نَزَلَ مِنَ الشَّعْرِ عَلَى الْجَبِينِ وَمِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ عَرْضًا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَاللَّحْيُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْوَجْهِ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَلَيْسَ مِنْهُ عِنْدَ التُّونِسِيِّ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ خُرُوجُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ وَأَطْرَافِ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ لِلْأُذُنَيْنِ عَنِ الْوَجْهِ وَفِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَين العذار وَالْأَذَان ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّه يُوَاجِهُ مَارِنَ الْأَنْفِ لِأَنَّه لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْوَجْهِ لَأُفْرِدَ بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ الْوَجْهِ كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ وَلَا يَجِبُ فِيهِمَا لِمَالِكٍ أَيْضًا وَلِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ لَا تَقَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَلْزَمُهَا فِدْيَةٌ إِذَا غَطَّتْهُ فِي الْإِحْرَامِ وَالْوُجُوبُ فِي الْأَمْرَدِ فَقَطْ لِلْأَبْهَرِيِّ لِأَنَّ الْعِذَارَ يَمْنَعُ الْمُوَاجَهَةَ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ غُسِلَ سُنَّةً فِي حَقِّ الْأَمْرَدِ وَالْمُلْتَحِي عِنْدَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْغَسْلِ فِي الْمُلْتَحِي لِأَنَّه خَرَجَ عَنْ وَصْفِ الْمُوَاجَهَةِ كَالَّذِي تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ وَإِذَا قُلْنَا بِالْغَسْلِ فَلَا يُجَدِّدُ مَاءً لِأَنَّه لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لِاتِّصَالِهِ فَلَوْ جَدَّدْنَا لَهُ الْمَاءَ لَزِمَ التَّكْرَارُ فِي الْوَجْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ
فَرْعَانِ الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَغْسِلُ مَا تَحْتَ مَارِنِهِ وَالْمَارِنُ طَرَفُ الْأَنْفِ وَمَا غَارَ مِنْ أَجْفَانِهِ وَأَسَارِيرِ جَبْهَتِهِ بِخِلَافِ الْجِرَاحِ الَّتِي بَرِئَتْ غَائِرَةً أَوْ كَانَتْ خَلْقًا وَبِخِلَافِ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْخَفِيفِ الَّذِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ مِنْهُ بِالتَّخْلِيلِ كَالْحَاجِبَيْنِ وَالْأَهْدَابِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجِبُ فِي الْكَثِيفِ وَقِيلَ يَجِبُ لِأَنَّ الْخِطَابَ مُتَنَاوِلٌ لَهُ بِالْأَصَالَةِ وَلِغَيْرِهِ بِالرُّخْصَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَيَجِبُ غَسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يُنْظَرُ إِلَى مَبَادِيهَا فَيَجِبُ أَوْ مُحَاذِيهَا فَلَا يَجِبُ كَمَا قِيلَ فِيمَا زَادَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي لِلْأَبْهَرِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُحَرَّكُ اللِّحْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُخَلِّلُهَا وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ وَجْهُ الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ثُمَّ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ وَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وبالقياس على غسل الْجِنَايَة وَقَالَ مَالك ذَلِك مَحْمُول على وضوء الْجِنَايَة لِأَنَّه مُطْلَقٌ فَلَا يَعُمُّ وَأَمَّا الْآيَةُ فَجَوَابُهَا أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ وَاللِّحْيَةَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ الْآنَ فَلَا جَرَمَ وَجَبَ غَسْلُهَا وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ بِغُرْفَةٍ وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَثَّ اللِّحْيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْغُرْفَةَ لَا تَعُمُّ الْوَجْهَ وَتَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ وَالْبَشَرَةَ الَّتِي تَحْتَهَا
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَكَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَاطِنِ إِذَا ظَهَرَ كَمَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الشَّفَةِ وَأَثَرِ الْجِرَاحِ الظَّاهِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ إِذَا بَطَنَ فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّرَّازِ الْأَوَّلُ إِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ اسْتَوَى عَلَى ذَلِكَ كَثِيفُ اللِّحْيَةِ وَخَفِيفُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ الْقَاضِي يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ لِلْخَفِيفِ لَا يُنَاقِضُهُ لِأَنَّه إِذَا أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهَا وَحَرَّكَهَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى الْمَحَالِّ الْمَكْشُوفَةِ فَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ لِقِلَّتِهِ هُنَا يَقُولُ الْقَاضِي لَا يُجْزِئُهُ خِلَافًا ح الثَّانِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ فِي الْجَنَابَةِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ تَخْلِيلَهَا قِيَاسًا عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ الثَّالِثُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ فِي الْجَنَابَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ أَنَّ الْوَجْهَ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ فَانْتَقَلَ الْحُكْمُ لِظَاهِرِ اللِّحْيَةِ وَالْجَنَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ الرَّابِعُ إِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ فِي الْوُضُوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِمْرَارِ الْيَدِ عَلَيْهَا بِالْمَاءِ وَتَحْرِيكِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الشَّعْرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَإِنْ حُرِّكَ حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ فِي غَسْلِ الظَّاهِرِ خِلَافًا ح فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْمَسْحِ الْفَرْضُ الرَّابِعُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين وَقِيلَ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ حُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ وَأَدَارَ الْمَاءَ عَلَيْهِمَا وَقَالَ عِنْدَ كَمَالِ وُضُوئِهِ هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فَقِيلَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِكَايَة عَن عِيسَى بن مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أَي مَعَ الله وَكَذَلِكَ ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهم إِلَى أَمْوَالكُم﴾ وَقيل هِيَ
لِلْغَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْغَايَةِ هَلْ تَدْخُلُ مَعَ الْمُغَيَّا أَوْ لَا تَدْخُلُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُوَ مِنَ الْجِنْسِ فَيَدْخُلُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَدْخُلُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْغَايَةِ الْمُنْفَصِلَةِ بِالْحِسِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِنَّ اللَّيْلَ مُنْفَصِلٌ عَنِ النَّهَارِ بِالْحِسِّ فَلَا تَدْخُلُ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ مُنْفَصِلًا بِالْحِسِّ كَالْمَرَافِقِ فَيَدْخُلُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ هَذَا خِلَافُهُمْ فِي الْغَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْغَايَةِ الَّتِي فِي الْآيَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا غَايَةً لِلْمَغْسُولِ لِأَنَّه الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْيَدُ اسْمٌ لِلْعُضْوِ والمغيا لَا بُدَّ أَنْ تَتَقَرَّرَ حَقِيقَتُهُ قَبْلَ الْغَايَةِ ثمَّ ينبسط إِلَى الْغَايَة وَهَهُنَا لَا تَكْمُلُ حَقِيقَةُ الْمُغَيَّا الَّذِي هُوَ غَسْلُ الْيَدِ إِلَّا بَعْدَ الْغَايَةِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لَهُ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ غَايَةً لِلْمَتْرُوكِ وَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا فِعْلًا مُضْمَرًا حَتَّى يَبْقَى مَعْنَى الْآيَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَاتْرُكُوا مِنْ آبَاطِكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَالْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا عَلَى الْخِلَافِ فَتَبْقَى الْغَايَةُ وَهِيَ الْمَرَافِقُ مَعَ الْمَغْسُولِ وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ يَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ هُنَاكَ فِي الْكَعْبَيْنِ تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ إِلَى غَايَةٌ لِلْمَغْسُولِ يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الْيَدِ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي بَعْضِهَا كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَايَةُ الْمَتْرُوكِ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَدَ اسْتُعْمِلَتْ حَقِيقَةً فِي كُلِّهَا لَكِنْ يَقْتَضِي الْإِضْمَارَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَجَازُ وَالْإِضْمَارُ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ أَرْجَحُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ؟ الثَّانِي الْمِرْفَقُ يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ الْأَوَّلُ مَنْ قُطِعَ مِنَ السَّاعِدِ أَوْ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَأْتِي عَلَيْهَا
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ وَالتَّيَمُّمُ مِثْلُهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ فِي اسْتِيعَابِ الْمِرْفَقَيْنِ لَا فِي الْوُجُوبِ لِاخْتِصَاصِ التَّيَمُّمِ عِنْدَنَا بِالْكُوعَيْنِ الثَّانِي فِي الطَّرَّازِ لَوْ وَقَعَ الْقَطْعُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَقَدْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْمِرْفَقَيْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ الْقَطْعِ الثَّالِثُ لَوْ بَقِيَتْ جِلْدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّرَاعِ أَوِ الْمِرْفَقِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَجِبُ غَسْلُهَا لِأَنَّ أَصْلَهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ جَاوَزَتْ إِلَى الْعَضُدِ لَمْ تَجِبِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهَا وَمَوْضِعِ اسْتِمْدَادِ حَيَاتِهَا وَإِنِ انْقَطَعَتْ مِنَ الْعَضُدِ وَتَعَلَّقَتْ بِالْمِرْفَقِ أَوِ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلِهَذَا الْمَعْنَى يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ وَبَيْنَ السَّلَعَةِ إِذَا ظَهَرَتْ فِي الذِّرَاعِ الرَّابِعُ إِذَا وَجَدَ الْأَقْطَعُ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِأَجْرٍ كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَدَرَ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَدُلُّكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْغَسْلِ الْإِمْسَاسُ مَعَ الدَّلْكِ فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا فَلَا غَسْلَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ وَجْهِهِ بِالْأَرْضِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ وَاعْتِبَارًا بِمَا لَا تَصِلُ الْيَدُ إِلَيْهِ مِنَ الظَّهْرِ الْخَامِسُ مَنْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ عَنْ أَصَابِعِهِ كَأَهْلِ السِّجْنِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ غَسْلُ الْخَارِجِ عَنِ الْأَصَابِعِ فَإِنْ تَرَكُوهُ خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا طَالَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الشَّعْرَ زِيَادَةٌ عَلَى الْعُضْوِ وَالظُّفُرُ مِنْهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ حَيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ وَإِنَّمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ لَمَّا طَالَ فَأَشْبَهَ الْأُصْبُعَ الشَّلَّاءَ
السَّادِسُ مَنْ لَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فِي كَفِّهِ قَالَ يَجِبُ غَسْلُهَا لِأَنَّهَا مِنَ الْيَدِ فَيَتَنَاوَلُهَا الْخِطَابُ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَهُ كَفٌّ زَائِدَةٌ فِي ذِرَاعِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا تَبَعًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْعَضُدِ أَوِ الْمَنْكِبِ وَلَهَا مِرْفَقٌ وَجَبَ غَسْلُهَا لِمِرْفَقِهَا لِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِرْفَقٌ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْخِطَابِ سَوَاءٌ بَلَغَتْ أَصَابِعُهَا لِلْمِرْفَقِ أَمْ لَا السَّابِعُ قَالَ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وُجُوبُهُ فِي الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِمَا لِابْنِ شَعْبَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ الرُّجُوعَ إِلَى تخليلها وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَمْرَانِ هَلْ خُلَلُ الْأَصَابِعِ مِنَ الْبَاطِنِ فَيَسْقُطُ كَدَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ أَوْ مِنَ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ؟ وَهَلْ مُحَاكَّتُهَا وَتَدَافُعُهَا حَالَةَ الْغسْل تقوم مقَام الْغسْل أَو لَا؟ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَبْدَأُ بِتَخْلِيلِ الرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى لِأَنَّه يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِهَا لِأَنَّه يُسْرَى أَصَابِعِهَا وَيَبْتَدِئُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى لِأَنَّه يُمْنَى أَصَابِعِهَا وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِهَا الثَّامِنُ قَالَ فِي الْخَاتَمِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ يُحَرِّكُهُ إِنْ كَانَ ضَيِّقًا وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يُحَرِّكُهُ مُطْلَقًا وَلِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُحَرِّكُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّه يَطُولُ لُبْسُهُ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ قَالَ وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَكَانَ ضَيِّقًا فَنَزَعَهُ بَعْدَ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَهُ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ إِصَابَةَ الْمَاءِ لِمَا تَحْتَهُ وَقَدْ عُلِمَ الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَعَلَى يَدِهِ خَيْطٌ مِنْ عَجِينٍ فَإِنْ كَانَ الْخَاتَمُ ذَهَبًا لَمْ يُعْفَ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ لِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ وَالْحُرْمَةُ تُنَافِي الرُّخْصَةَ قَالَ سَحْنُونُ لُبْسُهُ فِي الصَّلَاةِ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ
الْفَرْضُ الْخَامِسُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ وَدَلَالِيِّهِمَا وَلَا يُحَلُّ الْمَعْقُوصُ خِلَافًا ش فِي اقْتِصَارِهِ على أقل مَا يُسمى مسحا وَلأبي ح فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى النَّاصِيَةِ وَحَدُّهُ مِنْ مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى الْقَفَا وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إِلَى مُنْتَهَى مَنْبَتِ الشَّعْرِ مُحْتَجًّا بِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَلَغَ إِلَى الْقَفَا وَمِنَ الْأُذُنَيْنِ إِلَى الْأُذُنَيْنِ وَجَوَّزَ ابْنُ مَسْلَمَةَ تَرْكَ الثُّلُثَ وَالْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ تَرْكَ الثُّلُثَيْنِ وَأَوْجَبَ أَشْهَبُ النَّاصِيَةَ وَعَنْهُ أَيْضًا بَعْضٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ حُجَّةُ الْمَشْهُورِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُؤَكَّدُ بِمَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ لِقَوْلِهِمُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ كُلِّهِ وَالتَّأْكِيدُ تَقْوِيَة لما كَانَ ثَابتا فِي الأَصْل وَثَانِيهمَا أَنَّهَا صِيغَةٌ يَدْخُلُهَا الِاسْتِثْنَاءُ فَيُقَالُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ إِلَّا نِصْفَهُ أَوْ إِلَّا ثُلُثَهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَوْلَاهُ لَانْدَرَجَ الْمُسْتَثْنَى تَحْتَ الْحُكْمِ وَمَا مِنْ جُزْءٍ إِلَّا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ فَوَجَبَ انْدِرَاجُ جُمْلَةِ الْأَجْزَاءِ تَحْتَ وُجُوبِ الْمَسْحِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَثَالِثُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْرَدَهُ بِذِكْرِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَقَلَّ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْوَجْهِ لِأَنَّه لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ مُلَامَسَةِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ وَلَوْ كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ جَائِزًا لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالنَّاصِيَةِ
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَنَقُولُ عُضْوٌ شُرِعَ الْمَسْحُ فِيهِ بِالْمَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّهُ حُكْمُهُ قِيَاسًا عَلَى الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ أَوْ نَقُولُ لَوْ لَمْ يَجِبِ الْكُلُّ لَوَجَبَ الْبَعْضُ وَلَوْ وَجَبَ الْبَعْضُ لَوَجَبَ الْبَعْضُ الْآخَرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا قِيَاسٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْفَارِقُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّ الْفِعْلَ فِي الْآيَةِ مُتَعَدٍّ فيستغنى عَن الْبَاء فَتكون للتبغيض صَوْنًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ اللَّغْوِ قُلْنَا الْجَواب عَنهُ من وُجُوه أَحدهمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْبَاءِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ فِعْلَ الْمَسْحِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي بِالْبَاءِ إِجْمَاعًا كَقَوْلِنَا مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ فَالْمِنْدِيلُ الْمُزِيلُ عَنِ الْيَدِ وَإِذَا قُلْنَا مَسَحْتُ الْمِنْدِيلَ بِيَدِي فَالْيَدُ الْمُزِيلَةُ وَالْمِنْدِيلُ الْمُزَالُ عَنْهُ وَالرُّطُوبَةُ فِي الْوُضُوءِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْيَدِ فَتُزَالُ عَنْهَا بِالرَّأْسِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فامسحوا أَيْدِيكُم برؤوسكم فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَحْذُوفُ وَهُوَ الْمُزَالُ عَنْهُ وَالرَّأْسُ الْمَفْعُولُ الثَّانِي الْمُزَالُ بِهِ فَالْبَاءُ عَلَى بَابِهَا لِلتَّعْدِيَةِ الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّعْدِيَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تنْبت بالدهن﴾ بِضَمِّ التَّاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عُدِّيَ بِالْهَمْزَةِ فَتَتَعَيَّنُ الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ لِأَنَّه لَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْفِعْلِ مُعَدِّيَانِ وَكَقَوْلِنَا جَاءَ زَيْدٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْبَاءُ فِي هَذَا الْقَوْلِ لِلْمُصَاحَبَةِ دُونَ التَّعْدِيَةِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ لَحَسُنَ أَنْ تَقُومَ الْهَمْزَةُ مَقَامَهَا فَيُقَالَ أَجَاءَ زَيْدٌ مِائَةَ دِينَارٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّالِثُ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْمُصَاحَبَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ يُزَادُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ لِلتَّأْكِيدِ قَائِمٌ مُقَامَ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى والتأكيد أرجح مِمَّا ذكر تموه من التبغيض فَإِنَّهُ مجمع عَلَيْهِ والتبغيض مُنْكَرٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى إِنَّ ابْنَ جِنِّي شَنَّعَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبُ الْبَاء للتبغيض
فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَجَازًا مَرْجُوحًا وَحَمْلُ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَضْلًا عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ تَعْمِيمُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالسنةِ وَكَانَ مُقْتَضى الْبَاء فِيهِ التبغيض فَنَقُولُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ تَكُونُ السُّنَّةُ مُعَارِضَةً لِلْكِتَابِ وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَا تَكُونُ مُعَارِضَةً بَلْ مُبَيِّنَةً مُؤَكِّدَةً وَعَدَمُ التَّعَارُضِ أَوْلَى وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ بِالثُّلُثَيْنِ فَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالثُّلُثُ فِي حَيِّزِ الْقِلَّةِ بِدَلِيلِ إِبَاحَتِهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ مَعَ الْحَجْرِ عَلَيْهِمَا وَوَجْهُ الرُّبُعِ مَسْحُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّاصِيَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالنَّاصِيَةُ نَحْوُ الرُّبُعِ وَوَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى مسحا أَن الْبَاء للتبغيض وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُسَمَّى مَسْحًا وَقَدْ عَرَفْتَ مَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فُرُوعٌ أَحَدَ عَشَرَ الْأَوَّلُ حُكِي فِي تَعَالِيقِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ لِسَحْنُونَ فَقَالَ تَوَضَّأْتُ لِلصُّبْحِ وَصَلَّيْتُ بِهِ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ثُمَّ أَحْدَثْتُ وَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَذَكَّرْتُ أَنِّي نَسِيتُ مَسْحَ رَأْسِي مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ؟ فَقَالَ سَحْنُونُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ وَأَعِدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَذَهَبَ فَأَعَادَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَعَدْتُ الصَّلَوَاتِ وَنَسِيتُ مَسْحَ رَأْسِي فَقَالَ لَهُ امْسَحْ بِرَأْسِكَ وَأَعِدِ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا فَفَرَّقَ سَحْنُونُ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ مَعَ أَنَّ السَّائِلَ نَسِيَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَوَجْهُ الْفِقْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَوَّلًا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ لِلْجَمِيعِ وَالذِّمَّةُ مُعَمَّرَةٌ بِالصَّلَوَاتِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُبَرِّئَ فَلَمَّا أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ صَارَتِ الصَّلَوَاتُ الْأَرْبَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَدْ صُلِّيَتْ بِوُضُوءَيْنِ الْوُضُوءِ الْأَوَّلِ
وَالثَّانِي وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَصُلِّيَتْ بِوُضُوئِهَا أَوَّلًا وَأُعِيدَتْ بِوُضُوئِهَا أَيْضًا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا إِلَّا وُضُوءٌ وَاحِدٌ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي نَسِيَ مِنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهَا فَتَجِبُ إِعَادَتُهَا وَأَحَدُ الْوُضُوءَيْنِ فِي الصَّلَوَاتِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ جَزْمًا بِأَنَّهُ مَا نَسِيَ الْمَسْحَ إِلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا وَإِذَا وَقَعَتْ بِوُضُوءَيْنِ صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ صَحَّتْ بِالْوُضُوءِ الصَّحِيحِ فَلَا تُعَادُ وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ الْأُوَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِوُضُوءٍ أَوْ كُلُّهَا بِوُضُوءٍ وَهَذَا فَرْعٌ لَا يَكَادُ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ الثَّانِي مَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي لِحْيَتِهِ بَلَلٌ قَالَ مَالِكٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ لَا يُجْزِئُهُ مَسْحُهُ بِذَلِكَ الْبَلَلِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُجْزِئُهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً قَرِيبًا وَكَانَ فِي الْبَلَلِ فَضْلٌ بَيِّنٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ الْمَسْأَلَةُ تَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَحُجَّةُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْنِفْ لِرَأْسِهِ مَاءً الثَّالِثُ فِي الْجِلَابِ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ التَّكْرَارُ وَهِيَ إِحْدَى خَمْسِ مَسَائِلَ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّكْرَارُ هَذِهِ وَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْجَبَائِرُ وَالْخُفَّانِ لِأَنَّ حِكْمَةَ الْمَسْحِ التَّخْفِيفُ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَشَرَّعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَسْلًا فَلَوْ كُرِّرَ لَخَرَجَ بِتَكْرَارِهِ عَنِ التَّخْفِيفِ فَتَبْطُلُ حِكْمَتُهُ الرَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ يُجْزِئُ الْغَسْلُ عَنِ الْمَسْحِ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ شَعْبَانَ لِأَنَّ الْغَسْلَ إِنَّمَا سَقَطَ لُطْفًا بِالْمُكَلَّفِ فَإِذَا عَدَلَ إِلَيْهِ أَجْزَأَهُ كَالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمَسْحَ وَحَقِيقَتُهُ مُبَايَنَةٌ لِلْغَسْلِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ لِتَعَارُضِ الْمَآخِذِ الْخَامِسُ مَا انْسَدَلَ مِنَ الشَّعْرِ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ قَوْلَانِ كَالْمُنْسَدِلِ مِنَ اللِّحْيَةِ نَظَرًا إِلَى مَبَادِئِهِ فَيَجِبُ أَوْ مُحَاذِيهِ فَلَا يَجِبُ
قَالَ ابْنُ يُونُسَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ عَائِشَةَ وَجُوَيْرِيَّةَ زَوْجَتَيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَصَفِيَّةَ زَوْجَ ابْنِ عُمَرَ كُنَّ إِذَا تَوَضَّأْنَ أدخلن أَيْدِيهنَّ تَحت الْوِقَايَة فيمسحن جَمِيع رؤوسهن وَقَالَ مَالِكٌ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى مَا اسْتَرْخَى مِنْ دَلَالِيهَا وَإِنْ كَانَ شَعْرُهَا مَعْقُوصًا مَسَحَتْ عَلَى ضُفُرِهَا.
وَكَذَلِكَ الطَّوِيلُ الشَّعْرِ مِنَ الرِّجَالِ إِذَا ضَفَّرَهُ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُمِرُّ بِيَدَيْهِ عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ يُعِيدُهُمَا مِنْ تَحْتِ شِعْرِهِ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِذَا كَانَ فِي شَعْرِهَا خَيْطٌ أَوْ شَعْرٌ لَمْ يُجَزْ مَسْحُهَا حَتَّى تَنْزِعَهُ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى شَعْرِهَا بِشَيْءٍ لِلَعْنِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ.
السَّادِسُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا تَوَضَّأَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ مَسْحِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِم وَبَلغنِي عَن عبد الْعَزِيز ابْن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ إِلَّا ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ لِأَن الْفَرْض قد سقط أَولا فزاول الشَّعْرِ لَا يُوجِبُهُ كَمَا إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ قُطِعَ أَنْفُهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ بِمِنًى ثُمَّ يَنْزِلُونَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِعَادَةُ مَسْحِ رَأْسِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُعَادُ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ مَنَابِتَ الشَّعْرِ لَمْ تُغْسَلْ قَبْلَ الْحَلْقِ وَهِيَ مِنَ الْبَشَرَةِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا وَأَمَّا كَلَامُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْفِقْهِ فَكَلَامٌ مُحْتَمَلٌ.
قَالَ ابْنُ دُرَيْد اللّحن فطنة وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضِ أَيْ أَفْطَنَ لَهَا.
وَأَصْلُ اللَّحْنِ أَنْ تُرِيدَ الشَّيْءَ فَتُوَرِّيَ عَنْهُ وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ
(وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ وَهْوَ مِمَّا ... يَشْتَهِي النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وزنا)
(منطق صائب وتلحن أَحْيَانًا ... وَأَحْلَى الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنًا)
قَالَ ابْنُ يُونُسَ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ اللَّحْنَ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ الْخَطَأُ وَبِفَتْحِهَا الصَّوَابُ فَمَنْ رَوَاهَا بِالْإِسْكَانِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَطَأٌ وَبِالتَّحْرِيكِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ النَّقْضِ صَوَابٌ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَابَ قَوْلَ مَالِكٍ وَوَافَقَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقَالَ لَا يتلفت إِلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ أَرَادَ تَخْطِئَةَ غَيْرِنَا.
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ يَحْتَمِلُ كَلَامه التصويب والتخطئة فلإن اللَّحْنَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُفَّيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّ الشَّعْرَ أَصْلٌ وَالْخُفَّ فَرْعٌ فَإِذَا زَالَ رَجَعَ إِلَى الْأَصْلِ وَفَرَّقَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ بِأَنَّ مَاسِحَ الرَّأْسِ مَقْصُودُهُ الرَّأْسُ لَا الشَّعْرُ فَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ مِنَ التَّرَاوُسِ فَقَدْ صَادَفَ الْوَاجِبَ وَإِنْ كَانَ الرَّأْسُ الْعُضْوَ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْمَسْحِ وَالشَّعْرُ تَبَعٌ بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَظْفَارِ هِيَ تَبَعٌ أَيْضًا.
قَالَ وَقَدْ فَرَّعَ أَصْحَابُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْنِ الْخَطَأُ إِذَا قُطِعَتْ بَضْعَةٌ مِنْهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ أَوْ يَمْسَحُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغَسْلُ وَهُوَ تَخْرِيجٌ فَاسِدٌ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يُجْرَحُونَ وَيُصَلُّونَ بِجِرَاحِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنَّ رَجُلًا رُمِيَ بِسَهْمٍ وَهُوَ يُصَلِّي وَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ.
السَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ وَيَسْتَأْنِفُ لَهُمَا الْمَاءَ فَإِنْ نَسِيَ حَتَّى صَلَّى فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُهُمَا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ إِنْ نَسِيَ دَاخِلَهُمَا.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ هُمَا فِي الرَّأْسِ قِيلَ فِي وُجُوبِ الْمَسْحِ وَقِيلَ فِي الْمَسْحِ دُونَ الْوُجُوبِ وَاعْتُذِرَ بِهَذَا عَنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ وَالْقَوْلَانِ لِلْأَصْحَابِ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَغْسِلُ بَاطِنَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُغْسَلَانِ مَعَ الْوَجْهِ.
حُجَّةُ الْأَوَّلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِقْدَادَ وَالرَّبِيعَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذَكَرُوا وُضُوءَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكُلُّهُمْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِيهِمَا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِلَّا أَنَّهُ يَرْوِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَقَدْ تكلم فِيهِ.
حجَّة الثَّانِي قَالَ المزري إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ مَسْحَهُمَا لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الرَّأْسِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرَّأْسِ يُجْزِئُ مَسْحُهُ.
حُجَّةُ الثَّالِث قَول عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سُجُودِهِ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فَأَضَافَهُمَا لِلْوَجْهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُرَادُ بِهِ هُنَا الْجُمْلَةُ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخُضُوعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْمَجَازُ جَائِزٌ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبك﴾ أَيْ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ.
وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ فَأَضَافَهُمَا إِلَى الرَّأْسِ كَمَا أَضَافَ الْعَيْنَيْنِ إِلَى الْوَجْهِ.
وَأَمَّا تَجْدِيدُ الْمَاءِ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ مَسْحَهُمَا سُنَّةٌ وَإِلَّا لَمُسِحَا مَعَ الرَّأْسِ بِمَائِهِ كَالصُّدْغِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِي إنَّهُمَا سنة ويجدد المَاء لَهما.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَا يُجَدَّدُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ كل من وصف وضوء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَمْ يَنْقُلِ التَّجْدِيدَ بَلِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ لَمْ يَذْكُرِ الْأُذُنَ أَصْلًا لِاعْتِقَادِ أَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْس.
حجتنا أَنَّهُمَا مباينان للرأس حَقِيقَة وَحكما أم الْحَقِيقَة فبالمشاهدة فإنهماغضاريف مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الرَّأْسِ بِحَاجِزٍ خَالٍ مِنَ الشَّعْرِ وَأَمَّا حُكْمُهُمَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ مَسْحَهُمَا بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَالْمُحْرِمُ لَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِ شَعْرِهِمَا وَجِنَايَتُهُمَا مُنْفَرِدَةٌ بِأَرْشِهَا وَإِذَا تَحَقَّقَ التَّبَايُنُ وَجَبَ تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا.
وَفِي الْمُوَطَّأِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُجَدِّدُ لَهُمَا الْمَاءَ وَهُوَ شَدِيدُ الِاتِّبَاعِ جِدًّا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
فُرُوعٌ مُرَتَّبَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا مَسْحُهُمَا سُنَّةٌ فَلَا يَمْسَحُهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِنْ شَاءَ جَدَّدَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجَدِّدْ وَيَمْسَحُ بِمَاءِ الرَّأْسِ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ مَسَحَهُمَا وَاجِبٌ فَتَرَكَهُمَا سَهْوًا وَصَلَّى فَلَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَالَّذِي صَرَفَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الْإِعَادَةِ إِجْمَاعُ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الصِّحَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي التَّعْلِيلِ فَقِيلَ هُوَ اسْتِحْسَانٌ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ السَّبَبُ اجْتِمَاعُ خِلَافَيْنِ فِي كَوْنِهِمَا مِنَ الرَّأْسِ وَوُجُوبِ مَسْحِهِمَا.
فَإِنْ تَرَكَهُمَا عَمْدًا اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ فَتَعْلِيلُ الْأَبْهَرِيِّ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّلَاةِ وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يُعِيد الْوضُوء وَحمل قَول مَالك على السَّهْو اسْتِحْسَان.
الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِهِمَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ عِيسَى بن دِينَار يَقْبِضُ أَصَابِعَ يَدِهِ إِلَّا السَّبَّابَتَيْنِ يَبُلُّهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا أُذُنَيْهِ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْأَمْكَنُ أَنْ يَبُلَّ إِبْهَامَيْهِ وَسَبَّابَتَيْهِ فَيَمْسَحُ بِإِبْهَامَيْهِ ظُهُورَهُمَا وَبِسَبَّابَتَيْهِ بُطُونَهُمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصر وَيدخل أصبعيه
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُدْخِلُ أُصْبُعَيْهِ فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَتَبَّعَ غُضُونَهُمَا اعْتِبَارًا بِغُضُونِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَالْخُفَّيْنِ.
الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا إِنَّ مَسْحَهُمَا سُنَّةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيُفَارِقُ الْغَسْلَ وَالْوُضُوءَ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِكِهِمَا فِي الْوُضُوءِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ وَتَارِكِ دَاخِلِهِمَا فِي الْغُسْلِ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا مُسْتَوِيَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَدَاخِلُهُمَا فِي الْجَنَابَةِ مَسْنُونٌ فَقَطْ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ ظَاهِرُهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَاجِبًا وَدَاخِلُهُمَا سُنَّةً فَيَسْتَوِي الْمَسْنُونُ مِنْهُمَا فِي الطَّهَارَتَيْنِ.
الثَّامِنُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْحِنَّاءِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَ لِلضَّرُورَةِ جَازَ مِنْ حَرٍّ وَشِبْهِهِ أَوْ يَكُونُ فِي بَاطِنِ الشَّعْرِ لِتَغْيِيرِهِ وَقَتْلِ دَوَابِّهِ فَالْأَوَّلُ لَا يَمْنَعُ كَالْقِرْطَاسِ عَلَى الصُّدْغِ وَكَمَا مَسَحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مُنِعَ الْمَسْحُ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَيْهِ لَيْسَ مَاسِحًا.
فَرْعَانِ مُرَتَّبَانِ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَتِ الْحِنَّاءُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ مِنْهَا شَيْءٌ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّ مَسْحَ الْبَاطِنِ لَا يَجِبُ وَقَدْ أَجَازَ الشَّرْعُ التَّلْبِيدَ فِي الْحَجِّ وَفِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَبَّدَ رَأْسَهُ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْغُبَارُ وَالشَّعَثُ وَالتَّلْبِيدُ يَكُونُ بِالصَّمْغِ وَغَيْرِهِ.
الثَّانِي قَالَ إِذَا خَرَجَ الْحِنَّاءُ مِنْ بَعْضِ تَعَارِيجِ الشَّعْرِ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الرَّأْسِ.
التَّاسِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خِمَارِهَا وَلَا غَيْرِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ إِذَا أَمْكَنَهَا الْمَسْحُ على رَأسهَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِمَارِ وَالْعِمَامَةِ كَالْخُفَّيْنِ وَاشْتُرِطَ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَفِي أَبِي دَاوُدَ مَسَحَ عَلَى عمَامَته ومفرقه.
ومستندنا قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ قَالَ سِيبَوَيْهٍ بِالْبَاء للتَّأْكِيد مَعْنَاهُ رؤوسكم أَنْفُسِهَا وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ وَكَانَ قَدْ مَسَحَ رَأْسَهُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ عَلَى غَيْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ شَرْطًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَلَنَا أَيْضًا الْقِيَاسُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ.
الْعَاشِرُ قَالَ فِي الْكِتَابِ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى شَعْرِهَا الْمَعْقُوصِ وَالضَّفَائِرِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَلَوْ رَفَعَتِ الضَّفَائِرَ مِنْ أَجْنَابِ الرَّأْسِ وَعَقَصَتِ الشَّعْرَ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ حَائِلٌ كَالْعِمَامَةِ.
الْحَادِي عَشَرَ مَسْحُ الرَّقَبَةِ وَالْعُنُقِ لَا يُسْتَحَبُّ خِلَافًا ش لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي وُضُوئِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
إِيضَاحُ قَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ إِنْ رَاعَيْنَا الِاشْتِقَاقَ مِنَ التَّرَاوُسِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَلَا فَيَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الشَّعْرَ لِعُلُوِّهِ وَالْبَشَرَةَ عِنْدَ عَدَمِهِ لِعُلُوِّهَا مِنْ غَيْرِ تَوَسُّعٍ وَلَا رخصَة وَإِن قُلْنَا إِن الرَّأْس الْعُضْوُ فَيَكُونُ ثَمَّ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ امْسَحُوا شعر رؤوسكم فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَسْحُ عَلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّعْرِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ الشَّعْرُ أَصْلًا فِي الرَّأْسِ فَرْعًا فِي اللِّحْيَةِ وَالْأَصْلُ الْوَجْهُ.
الْفَرْضُ السَّادِسُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ، وَقِيلَ إِلَيْهِمَا دُونَهُمَا وَهُمَا النَّاتِئَانِ فِي السَّاقَيْنِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَيْلٌ
لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ فَلَوْ كَانَ مَعْقِدَ الشِّرَاكِ لَمَا عُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْعَقِبِ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ إِشَارَةٌ إِلَيْهِمَا لِأَنَّ الْيَدَ لَهَا مِرْفَقٌ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ النَّاتِئَ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ لَكَانَ لِلرَّجُلِ كَعْبٌ وَاحِدٌ فَكَانَ يَقُولُ
إِلَى الْكِعَابِ كَمَا قَالَ
إِلَى الْمَرَافِقِ لِتَقَابُلِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى التَّثْنِيَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْكَعْبَانِ اللَّذَانِ فِي طَرَفِ السَّاقِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ اغْسِلُوا كُلَّ رِجْلٍ إِلَى كَعْبَيْهَا.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا اللَّذَانِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ فَيَكُونُ غَايَةَ الْغَسْلِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْكِتَابِ وَالثَّانِي فِي غَيْرِهِ.
وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلَانِ فِي الْغَسْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمِرْفَقَيْنِ.
فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ وَاجِبٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ شِدَّةُ الِالْتِصَاقِ وَصِغَرُ الْحَجْمِ الْمُوجِبَانِ لِلتَّحَاكِّ وَالتَّدَلُّكِ.
الثَّانِي أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ يَغْسِلُ الْكَعْبَيْنِ بِخِلَافِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْقَطْعِ.
تَمْهِيدٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قُرِئَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ أَمَّا الرَّفْعُ فَتَقْدِيرُهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اغْسِلُوهَا وَالنَّصْبُ عطف على اليدن وَالْخَفْضُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَحَمَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَحَمَلَهُ الشِّيعَةُ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَسْحِ وَتَأَوَّلُوا قِرَاءَةَ النَّصْبِ بِأَنَّ الرِّجْلَ مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّأْسِ قَبْلَ دُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
(مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا)
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لَيْسَ تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا لِنَصْبِ خَبَرِهَا بِخِلَافِ الْمَسْحِ لَا يَتَعَدَّى لِمَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدَ مَفْعُولَيْهِ الْمَنْصُوبَ مُضْمَرٌ فَيَكُونُ الرَّأْسُ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ فَيَتَعَيَّنُ لَهُ حَرْفُ الْجَرِّ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخَفْضُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالنَّصْبُ عَلَى حَالَةِ عَدَمِهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْأَصْلُ النَّصْبُ وَإِنَّمَا الْخَفْضُ عَلَى الْجِوَارِ كَقَوْلِ الْعَرَب هَذَا حجر ضَبٍّ خَرِبٍ وَوَرَدَ عَلَيْهِمْ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمِثَالَ لَا لَبْسَ فِيهِ بِخِلَافِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْمَسْحَ فِي الرِّجْلَيْنِ مُمْكِنٌ وَلَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يُوصَفَ الضَّبُّ بِالْخَرَابِ.
وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعَطْفَ فِي الْآيَةِ يَأْبَى ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ التَّشْرِيكَ بِخِلَافِ الْمِثَالِ.
تَذْيِيلٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْبَغِي فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَنْ يَخْتِمَ الْمُتَطَهِّرُ أَبَدًا بِالْمَرَافِقِ وَالْكَعْبَيْنِ مُرَاعَاةً لِظَاهِرِ الْغَايَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ أَجْزَأَ لَكِنَّ الْأَدَبَ أولى.
الْفَرْض السَّابِع الْمُوَالَاة.
وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ فِي الْأَعْيَانِ وَهُنَا الْمُجَاوَرَةُ فِي الْأَفْعَالِ وَمِنْهُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْوَلَاءُ وَالتَّوَالِي.
وَفِي الْجَوَاهِرِ فِي حُكْمِهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْوُجُوبُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ فَلَا يَجِبُ وَبَيْنَ الْمَغْسُولِ فَيَجِبُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ الْبَدَلِيِّ كَالْجَبِيرَةِ وَالْخُفَّيْنِ فَيَجِبُ وَالْمَمْسُوحُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يَجِبُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَدُورُ عَلَى مَدَارِكَ أَحَدُهَا آيَةُ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا لِلْوُجُوبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لُغَوِيٌّ وَالشُّرُوطُ
اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وَالْأَصْلُ تَرْتِيبُ جُمْلَةِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ فَيَجِبُ تَعْقِيبُ الْمَجْمُوعِ لِلشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا﴾ صِيغَةُ أَمْرٍ وَالْأَمْرُ لِلْفَوْرِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ فَيَتَخَرَّجُ الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصْلِ.
الْمُسْتَنَدُ الثَّانِي أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوَضَّأَ مَرَّةً فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ فَنَفَى الْقَبُولَ عِنْدَ انْتِفَائِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبه ثمَّ هَهُنَا نَظَرٌ وَهُوَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَرَّةً مَرَّةً وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْقُيُودِ فَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَيَرُدُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْإِشَارَةُ لِقُيُودِهِ لَانْدَرَجَ فِي ذَلِكَ الْمَاءُ الْمَخْصُوصُ وَالْفَاعِلُ وَالْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَجْمُوعِ فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ بِالْإِجْمَاعِ بَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِصُورَةِ النِّزَاعِ وَأَمَّا إِسْقَاطُ الْوُجُوبِ مَعَ النِّسْيَانِ فَلِضَعْفِ مُدْرِكِ الْوُجُوبِ الْمُتَأَكِّدِ بِالنِّسْيَانِ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ وَغَيْرِهِ فَلِخِفَّةِ الْمَمْسُوحِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَأَمَّا الْمَمْسُوحُ الْبَدَلُ فَنَظَرًا لِأَصْلِهِ.
فُرُوعٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ لَا يَضُرُّ قَالَ الْقَاضِي لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ شَرَعَ فِي وُضُوءٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمِّ فَتَرَكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُضُوءَهُ وَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهِ مِنْ تَحْتِ ذَيْلِهِ حَتَّى غَسَلَهَا وَهَذَا تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ وَلِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَجَعْنَا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ فِي الطَّرِيقِ فَعَمَدَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ
فَإِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ يَسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَلُوحُ أَعْقَابُهُمْ وَمَا يُرَى ذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْبَلَلُ مَوْجُودًا.
الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا عَجَزَ الْمَاءُ فِي الْوُضُوءِ فَقَامَ لِأَخْذِهِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا بَنَى وَإِنْ تَبَاعَدَ وَجَفَّ وُضُوؤُهُ ابْتَدَأَ لِأَنَّ الْقَرِيبَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ أَمَرَ تَارِكِي الْأَعْقَابِ بِالْإِسْبَاغِ لَا بِالْإِعَادَةِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ فَرَّقَ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
وَالتَّقْيِيدُ بِالْجُفُوفِ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٍ فَكَانَ قِيَامُ الْبَلَلِ عِنْدَهُمْ بَقَاء أثر الْوضُوء فيتصل الْأَخير بأثر السغل السَّابِقِ وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ الطُّولُ فِي الْعَادَةِ حَكَاهُ الْقَابِسِيُّ لِاخْتِلَافِ الْجَفَافِ بِاخْتِلَافِ الْأَبْدَانِ وَالْأَزْمَانِ.
الثَّالِثُ فِي الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا إِنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الذِّكْرِ التَّمَكُّنُ أَمْ لَا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ إِذَا نَسِيَ عُضْوًا وَذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى طَالَ هَلْ يَبْتَدِئُ أَوْ يَبْنِي وَكَذَلِكَ إِذَا نَسِيَ النَّجَاسَةَ ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ هَلْ تَبْطُلُ عِنْدَ الذِّكْرِ أَوْ يَنْزِعُهَا وَيَتَمَادَى فِي ذَلِكَ خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ إِنْ أَخَّرَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ بَنَى.
وَإِنْ طَالَ وَلَمْ يَتَوَانَ فِي الطَّلَبِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيُّ هُوَ كَالْحَائِضِ تُبَادِرُ لِلطُّهْرِ لَا تُرَاعِي وَقْتَ ابْتِدَائِهَا وَقَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ عَجَزَ مَاؤُهُ فِي ابْتِدَاءِ الطَّهَارَةِ حَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ.
الرَّابِعُ قَالَ إِذَا نَسِيَ لُمْعَةً لَا يُعْفَى عَنْهَا وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ فِيمَنْ لَصِقَ بِذِرَاعَيْهِ قَدْرُ الْخَيْطِ مِنَ الْعَجِينِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ يُصَلِّي بِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ غَاسِلًا وَلِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى الصُّبْحَ وَقَدِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ فَكَانَ بِكَفَّيْهِ مِثْلُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَوْضِعٌ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَسَلَتَ مِنْ شَعْرِهِ الْمَاءَ وَمَسَحَ وَلَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ إِلَّا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ ضَعَّفَهُ وَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الرَّأْسِ وَمِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ وَالْخَاتَمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَمْ يُنْقَلْ حُكْمُ الْفَرْضِ إِلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ وَعَلَى يَدَيْهِ مِدَادٌ فَرَآهُ بعد
الصَّلَاةِ لَمْ يُغَيِّرْهُ الْمَاءُ إِذَا أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَاتِبًا فَإِنَّهُ رَأَى الْكَاتِبَ مَعْذُورًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ الْخَامِسُ الْمُوَالَاةُ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْمُوَالَاةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَالْوُضُوءُ أَعْضَاءٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَالْغَسْلُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْبَدَنُ السَّادِسُ إِذَا نَسِيَ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِ طَهَارَتِهِ إِنْ كَانَ فِي الْقُرْبِ فَعَلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ فَعَلَهُ وَحْدَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِنْ كَانَ مَغْسُولًا وَطَالَ ابْتَدَأَ وَإِنْ كَانَ مَمْسُوحًا مَسَحَهُ فَقَطْ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا إِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ مَسْنُونًا وَذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُعِيدُ مَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ نِسْيَانِ الْمَفْرُوضِ وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ خلاف ذَلِك
(الْفَصْلُ الثَّانِي) فِي مَسْنُونَاتِهِ
وَالسُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقَةُ لَكِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ خَصَّصَهُ بِبَعْضِ طَرَائِقِهِ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْفَرِيضَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ إِذَا تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِيَ لَا يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا إِذَا تَرَكَهَا وَلَا بِالْإِعَادَةِ وَالثَّالِثَ تُعَادُ لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ.
وَالْفَرْضُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفُرْضَةِ الْحِسِّيَّةِ وَهِيَ الْمُحَدَّدَةُ وَالْفُرُوضُ الشَّرْعِيَّةُ كَذَلِكَ فَسُمِّيَتْ فُرُوضًا.
وَالْفَضِيلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَضْلِ وَهُوَ الزَّائِدُ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ.
وَمَسْنُونَاتُ الْوُضُوءِ سَبْعَةٌ
: السُّنَّةُ الْأُولَى فِي الْجِلَابِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ لِكُلِّ مُرِيدِ
الْوُضُوءِ مُحْدِثًا أَوْ مُجَدِّدًا أَوْ يَدَاهُ طَاهِرَتَانِ خلافًا بن حَنْبَلٍ فِي إِيجَابِهِ لِذَلِكَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ
إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وُضُوئِهِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ
وَالْبَيَاتُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ مَعَ نَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَلْحَقْنَا بِهِ نَوْمَ النَّهَارِ وَالْمُسْتَيْقِظَ بِجَامِعِ الِاحْتِيَاطِ لِلْمَاءِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ أَلْحَقْنَا بِهِ الْوُضُوءَ مِنَ الْإِبْرِيقِ لِأَنَّ الْمُتَوَقَّعَ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ فِي الْمَاءِ مُتَوَقَّعٌ مِنْ وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْيَدِ لَا سِيَّمَا وَالْمَوْضُوعُ فِي الْيَدِ أَقَلُّ فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْفَسَادِ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ قِيلَ غَسْلُهُمَا تَعَبُّدٌ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ لِأَنَّ شَأْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ التَّعَبُّدِيَّةِ لَا يُغْسَلُ عُضْوٌ حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ الْآخَرِ وَلَا يُجْمَعَانِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى الْيُمْنَى فَيَغْسِلَهَا ثُمَّ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ ثُمَّ يَصُبَّ عَلَى الْيُسْرَى وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْرِغُ عَلَى يَدَيْهِ فَيَغْسِلُهُمَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَإِذَا كَانَتْ يَدَاهُ نَظِيفَتَيْنِ غَسَلَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتِيَارُهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ الْمَضْمَضَةُ فِي الْجَوَاهِرِ الْمَضْمَضَةُ مُعْجَمَةٌ وَهِيَ تَطْهِيرُ بَاطِنِ الْفَمِ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ وَأَصْلُهَا تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْإِنَاءِ وَكَذَلِكَ تَحْرِيكُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَالِاسْتِنْشَاقُ جَذْبُ الْمَاءِ بِالْخَيَاشِيمِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ تَقُولُ اسْتَنْشَقْتُ الشَّيْءَ إِذَا شَمَمْتُهُ وَالِاسْتِنْثَارُ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ الْأنف وَمن النثر وَهُوَ الْجَذْبُ.
وَأَمَّا ظَاهِرُ الشَّفَتَيْنِ فَغَسْلُهُمَا وَاجِبٌ وَأَوْجَبَهُمَا أَو حنيفَة وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْجَنَابَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
خَلِّلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً وَفِي الْأَنْفِ شَعْرٌ وَفِي الْفَمِ بَشَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى هُمَا وَاجَبَتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاظَبَ عَلَيْهِمَا فِي وُضُوئِهِ وَغَسْلِهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ الله تَعَالَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِنْشَاقَ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَإِنَّمَا فَعَلَ الْمَضْمَضَةَ وَفِعْلُهُ عَلَى النَّدْبِ.
السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ الِاسْتِنْشَاقُ وَهُوَ غَسْلُ دَاخِلِ الْأَنْفِ فَأَمَّا مَا يَبْدُو مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الْوَجْهِ فَيَجْذِبُ الْمَاءَ بِرِيحِ الْأَنْفِ وَأَنْكَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ الِاسْتِنْشَاق من غير وضع إبهامه وسباته عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ هَكَذَا يَفْعَلُ الْحِمَارُ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ
إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَنْثُرْ وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ وَلَا تَجِبُ هِيَ وَلَا الْمَضْمَضَةُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ بَاطِنِ الْجَسَدِ كَدَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَمَوْضِعِ الثُّيُوبَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا وَلَا مَسْحُهَا فَكَذَلِكَ هَاتَانِ لَا يتناولهما مَنْ يَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ وَلَا لِلْوُضُوءِ وَتُحْمَلُ السُّنَّةُ الْوَارِدَةُ فِيهِمَا عَلَى النَّدْبِ قِيَاسًا عَلَى نَظَائِرِهِمَا فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ لِصَلَاتِهِ
إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُهُمَا.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ
لَا تَتِمُّ صَلَاة أحدكُم حَتَّى يتَوَضَّأ كَمَا أمره الله تَعَالَى.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ تَطْهِيره من النَّجَاسَة وَإِذا وصل القئ إِلَيْهِ أَفْطَرَ فَمَدْفُوعٌ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَطْهِيرِ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ إِذَا اكْتَحَلَ بِمُرَاةِ خِنْزِيرٍ وَنَحْوه وبالقئ إِذَا اسْتَدْعَاهُ وَوَصَلَ إِلَى خَيَاشِيمِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى أَنْفِهِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَوْ وَصَلَ إِلَى فَمِهِ فَلَمْ يَمْتَلِئْ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ إِلَّا بِالِامْتِلَاءِ حَتَّى يَسِيلَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ لَنَقَضَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ.
أَصْلُهُ الدَّمُ فِي غَيْرِ الْفَمِ عِنْدَهُمْ وَبِبَلْعِ الرِّيقِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ وَهُوَ لَوْ بلعه
مِنَ الظَّاهِرِ أَفْطَرَ وَعِنْدَهُمْ لَوْ جُرِحَ فِي خَدِّهِ فَنَفَذَتْ إِلَى فَمِهِ كَانَتْ جَائِفَةً وَالْجَائِفَةُ لَا تَكُونُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً
فَالْمُرَادُ بِهِ الشُّعُورُ الْكَثِيرَةُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْغَسْلِ بِدَلِيلِ شَعْرِ دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ.
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا.
الثَّانِي قَالَ حَكَى ابْنُ سَابِقٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يَتَمَضْمَضُ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ وَيَسْتَنْشِقُ ثَلَاثًا كَذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي لِأَصْحَابِهِ غُرْفَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمَا.
وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ فَجَعَلَهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ.
الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ لَوْ تَرَكَهُمَا عَامِدًا حَتَّى صَلَّى فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَلِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ إِمَّا لِكَوْنِهِمَا عِنْدَهُ وَاجِبَتَيْنِ وَإِمَّا لِأَنَّ تَرْكَ السُّنَنِ لَعِبٌ وَعَبَثٌ.
وَقَالَ صَاحب الْجَوَاهِر إِن تَركهَا نَاسِيًا حَتَّى صَلَّى لَمْ يُعِدِ الصَّلَاةَ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ مَا تَرَكَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَالَ الْقَاضِي لَا يُعِيدُهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُعَادُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ أَرَادَ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ إِذَا لَمْ يُرِدْ صَلَاةً فَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ يفعلهما لما يستقيل إِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ
وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ عَدَمَ فِعْلِهِمَا مُطْلَقًا فَلَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ تَرْكَهُمَا نَقْصٌ فِي الطَّهَارَةِ كَتَرْكِ الِاسْتِنْجَاءِ فَتَكْمُلُ الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
الرَّابِعُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَفْعَلُهُمَا بِالْيَمِينِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَسْتَنْثِرُ بِالْيَسَارِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي النَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَضْمَضَ فَاسْتَنْشَقَ وَفَعَلَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ هَذَا طَهُورُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
تَنْبِيهٌ قُدِّمَتِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَهُمَا مِنَ الْمَسْنُونَاتِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِيَطَّلِعَ بِهِمَا عَلَى حَالِ الْمَاءِ فِي رِيحِهِ وَطَعْمِهِ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِطَهُورٍ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ وَتَرَكَهُ لِمَنَافِعِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ فَيَضِيعَ الْمَاءُ وَيَكْثُرَ التَّعَبُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ.
الثَّانِي أَنَّهُمَا أَكْثَرُ أَقْذَارًا وَأَوْضَارًا مِنْ غَيْرِهِمَا فَكَانَتِ الْعِنَايَةُ بِتَقْدِيمِهِمَا أَوْلَى.
السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ فِي الْجَوَاهِرِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَهُمَا ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا خِلَافًا ش فِي غَسْلِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنَ الصِّمَاخَيْنِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ وَلَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَضَرَّةِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْجلاب وَيدخل أصبعيه فِي صماخيه.
من ظَاهِرُ الْأُذُنَيْنِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَقِيلَ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ وَيُقَالُ إِنَّ الْأُذُنَ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِهَا تَكُونُ مُغْلَقَةً كَزِرِّ الْوَرْدِ فَإِذَا كَمُلَ خَلْقُهَا انْفَتَحَتْ عَلَى الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ لِلْحِسِّ الْآنَ كَانَ بَاطِنًا أَوَّلًا وَالْبَاطِنُ كَانَ ظَاهِرًا فَيَبْقَى النَّظَرُ هَلْ يُعْتَبَرُ حَالُ الِانْتِهَاءِ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ حَالَ وُرُودِ الْخِطَابِ أَوْ يُعْتَبَرُ الِابْتِدَاءُ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ.
السُّنَّةُ الْخَامِسَةُ قَالَ رَدُّ الْيَدَيْنِ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى مُقَدَّمِهِ وَأَنْ يَبْدَأَ بِهِ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَن عمر بن يحي الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة
وَالسَّلَامُ يَتَوَضَّأُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ نَعَمْ فَدَعَا بِوَضُوئِهِ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَقِيلَ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ إِذِ الْوَاقِعُ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ وَقِيلَ أَقْبَلَ بِهِمَا عَلَى قَفَاهُ وَأَدْبَرَ بِهِمَا عَنْ قَفَاهُ فَإِنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ وَقِيلَ بَدَأَ مِنْ وَسَطِ الرَّأْسِ وَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَدْبَرَ بِهِمَا عَلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ وَيَمْنَعُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ
مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَأَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ كُلَّهَا تُبْتَدَأُ مِنْ أَطْرَافِهَا لَا مِنْ أَوْسَاطِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ يَبْدَأُ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى قَفَاهُ وَاضِعا أَصَابِعه عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ رَافِعًا رَاحَتَيْهِ عَنْ فَوْدَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ بِهِمَا لَاصِقًا رَاحَتَيْهِ بِفَوْدَيْهِ مُفَرِّقًا أَصَابِعَ يَدَيْهِ فَهَذِهِ الصِّفَةُ لَمْ تُعْلَمْ لِغَيْرِهِ قَصَدَ بِهَا عَلَى زَعْمِهِ عَدَمَ التَّكْرَارِ وَخَالَفَ السُّنَّةَ إِذِ التَّكْرَارُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ مَا قَالَهُ لِأَنَّ التَّكْرَارَ إِنَّمَا يَكُونُ بِتَجْدِيدِ الْمَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ دَلْكَ الْيَدِ مِرَارًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا يُعَدُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَذَلِكَ هَهُنَا.
السُّنَّةُ السَّادِسَةُ فِي الْجَوَاهِرِ التَّرْتِيبُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِوُجُوبِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِهِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَدَلَ عَنْ حُرُوفِ التَّرْتِيبِ وَهِيَ الْفَاءُ وَثُمَّ إِلَى الْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي إِلَّا مُطْلَقَ الْجَمْعِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أُبَالِي إِذَا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا بَأْسَ بِالْبِدَايَةِ بِالرِّجْلَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ خَرَّجَ الْأَثَرَيْنِ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَ
صُحْبَةِ عَلِيٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طُولَ عُمُرِهِ فَلَوْلَا اطِّلَاعُهُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْقِيَاسُ عَلَى الْعُضْوِ الْوَاحِدِ بِجَامِعِ أَنَّ الْآيَةَ إِذَا دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي الْجُمْلَةِ فَعَدَمُ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَعْضَاءِ أَوْلَى لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْأَعْضَاءِ بِصِيغَةِ إِلَى الدَّالَّةِ عَلَى الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فَأَوْلَى أَلَّا يَجِبَ مَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا نُبَالِي بَدَأْنَا بِأَيْمَانِنَا أَوْ بِأَيْسَارِنَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ على الشَّافِعِي لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ.
حُجَّةُ الْوُجُوبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَاتِ فِي الْغَسْلِ وَهِيَ الرِّجْلَانِ وَمَا قَبْلَ الرَّأْسِ بِالرَّأْسِ وَالْأَصْلُ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مُنَاسِبِهِ وَمَا خُولِفَ الْأَصْلُ إِلَّا لِغَرَضِ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ وَكَانَ مُرَتَّبًا وَإِلَّا كَانَ التَّنْكِيسُ وَاجِبًا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى قُرُبَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا مَمْسُوحَتَانِ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ الْخَفْضِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ حَالَةَ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ الْمَاسِحَ عَلَى خُفَّيْهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاسِحُ رِجْلَيْهِ كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْمَسْحِ بِالذِّرَاعِ إِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَلَا يَحْصُلُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَاتِ بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهَا.
وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى غَسْلِ الْمَرَّةِ لَا إِلَى الْجَمِيعِ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّخْصِيصُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ خِلَافُ الأَصْل أم تَجِبُ هَذِهِ الْقُيُودُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَعَنِ الثَّالِثِ بِالْفَرْقِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصِدٌ وَالطَّهَارَةَ وَسِيلَةٌ وَالْمَقَاصِدُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الْوَسَائِلِ فَلَا يَلْزَمُ الْإِلْحَاقُ.
وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَيُشَبَّهُ بِقَارِعِ بَابٍ عَلَى رَبِّهِ لمناجاته فَكَانَ
الْوَاجِبُ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَسْتَفْتِحَ أَمْرَهُ بِالْجُلُوسِ وَيُثَنِّيَ بِالرُّكُوعِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَالَةِ الْقِيَامِ ثُمَّ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَى رَبِّهِ بِالثَّنَاءِ عَلَى جَلَالِهِ وَالتَّذَلُّلِ بِرُكُوعِهِ لِعَظِيمِ عَلَائِهِ حَسُنَ مِنْهُ حِينَئِذٍ هَيْئَةُ الْجُلُوسِ.
وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ طَرَفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الْأَعْضَاءِ.
وَثَالِثُهَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُرَتَّبَةً لَبَطَلَتِ الْإِمَامَةُ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْإِمَامِ عِنْدَ الْمَأْمُومِ ضَابِطٌ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَيِّ رُكْنٍ شَرَعَ فِيهِ الْإِمَامُ فَتَبْطُلُ مَصَالِحُ الْإِمَامَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْوُجُوبِ فَأَخَلَّ بِهِ ابْتَدَأَ عبد ابْن زِيَادٍ وَقِيلَ لَا يُعِيدُ لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ فَلَيْسَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ.
وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ فَتَرْكُهُ عَمْدًا فَهُوَ كَالنِّسْيَانِ وَقِيلَ يُعِيدُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَمُّدِ تَرْكِ السُّنَنِ هَلْ يُبْطِلُ أَمْ لَا وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَضِيلَةٌ وَاسْتِحْبَابٌ فَلَا إِعَادَةَ وَحَيْثُ قُلْنَا يَبْدَأُ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ ابْتَدَأَ لِلْيَسَارَةِ وَإِنْ بَعُدَ وَجَفَّ وُضُوؤُهُ فَقَوْلَانِ بِالْبِنَاءِ وَالِابْتِدَاءِ.
تَفْرِيعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا بَدَأَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ بِوَجْهِهِ ثُمَّ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِرِجْلَيْهِ أَعَادَ وُضُوءَهُ إِنْ كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا قَالَ مَالِكٌ أَخَّرَ مَا قَدَّمَ مِنْ غَسْلِ ذِرَاعَيْهِ وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ غَسْلَهُمَا حَتَّى طَالَ أَعَادَهُمَا فَقَطْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤَخِّرُ مَا قَدَّمَ ثُمَّ يَغْسِلُ مَا يَلِيهِ طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ لِتَحْصِيلِ حَقِيقَةِ التَّرْتِيبِ فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُعِدْ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَقَعَ غَسْلُ ذِرَاعَيْهِ آخِرًا فَلَوْ بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ أَعَادَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ رَأْسَهُ فَقَطْ فَيَرْتَفِعُ الْخَلَلُ حَيْثُ قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعِدْ مَسْحَ رَأْسَهُ فَكَأَنَّهُ أَسْقَطَهُ فَوَقَعَ غَسْلُ يَدَيْهِ بَعْدَ وَجْهِهِ وَلَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ ذِرَاعَيْهِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ مَا وَقَعَ بَعْدَ يَدَيْهِ وَيُعِيدُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لهَذِهِ الْعلَّة ويتفق ابْن الْقَاسِم وَغَيره هَهُنَا وَإِذَا قُلْنَا يُعِيدُ مَسْحَ رَأْسِهِ
وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ فَبَدَأَ بِرِجْلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْإِجْزَاءَ لِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ يُعْتَدُّ بِهِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَوَقَعَ غَسْلُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ فَلَا خَلَلَ فِيهِ فَإِذَا أَعَادَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ فَقَطْ وَقَعَ بَعْدَ ذِرَاعَيْهِ وَبَعْدَ الرَّأْسِ أَعْنِي فِي الطَّهَارَةِ الْأُولَى فَيَحْصُلُ التَّرْتِيبُ بِمَجْمُوعِهِمَا وَأَعَادَ رَأْسَهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ إِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَعَادَ رِجْلَيْهِ لِيَكُونَ آخِرَ فِعْلِهِ.
فَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يُعِيدُ رَأْسَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُمَا وَرَأْسَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَيُؤَخِّرُ مَا قُدِّمَ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ لِيَقَعَ ذَلِكَ بَعْدَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ.
فَلَوْ أَنَّهُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ بِرَأْسِهِ فَيَحْتَمِلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يُجْزِئَهُ لِأَنَّ مَسْحَهُ رَأْسَهُ الْأَوَّلَ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ الرِّجْلَيْنِ أَوَّلًا وَإِنَّمَا مَسَحَ رَأْسَهُ الْآنَ لِيَقَعَ بَعْدَ ذِرَاعَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يُعِيدُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ رَأسه ليَكُون آخر فعله.
فول بَدَأَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ أَعَادَ رِجْلَيْهِ فَقَطِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ يَدَيْهِ غُسِلَتْ بَعْدَ وَجْهِهِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بَعْدَ يَدَيْهِ فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بَعْدَ رَأْسِهِ وَقَدْ ذَهَبَ الْخَلَلُ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَعِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ يُلْغَى وَالْمُقَدَّمَ عَلَى الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ يُلْغَى وَالْمُؤَخَّرَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ مِنْ قَبْلِ الرَّأْسِ يُلْغَى وَالْمُؤَخَّرَ بَعْدَ الرَّأْسِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ يُلْغَى.
وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُقَدَّمُ فِي حُكْمِ الْمُلْغَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ وَمَا وَقَعَ بَعْدَ الْمُقَدَّمِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ فَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمُقَدَّمُ مُلْغًى فِي حَقِّ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ثَابِتًا فِي حَقِّ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَالَّذِي بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ كَانَ غَسْلُ ذِرَاعَيْهِ مُلْغًى وَيُعِيدُ وَجْهَهُ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَفْتَى حِينَئِذٍ عَالِمًا لَقَالَ لَهُ اغْسِلْ وَجْهَكَ وَيَكُونُ غَسْلُ وَجْهِهِ أَوَّلًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ ثُمَّ كَانَ شَأْنُهُ بَعْدَ وَجْهِهِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ فَمَسْحُهُ رَأسه بعد وَجهه ملغى للوقوعه قَبْلَ مَوْقِعِهِ وَلَوِ اسْتَفْتَى حِينَئِذٍ لَقِيلَ لَهُ اغْسِلْ ذِرَاعَيْكَ وَإِذَا أُلْغِيَ مَسْحُ رَأْسِهِ كَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ فَغَسْلُ رِجْلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُلْغًى لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهُ فَيُعِيدُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى آخِرِ وُضُوئِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمَّا قَدَّمَ يَدَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ كَانَ ذَلِكَ مُلْغًى فِي حَقِّ الْوَجْهِ فَيَقَعُ مَسْحُ رَأْسِهِ بَعْدَ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَذَلِكَ مَوْضِعُهُ فَرَتَّبَ الرَّأْسَ عَلَى سَبْقِ الْيَدَيْنِ لَهُ وَالرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ وَيَبْقَى الْخَلَلُ بَيْنَ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ فَقَطْ فَإِذَا أَعَادَ غَسْلَ يَدَيْهِ انْجَبَرَ الْخَلَلُ.
وَإِذَا بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَعَ الْيَدَانِ مُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ وَكَذَلِكَ الرَّأْس وَالرجلَانِ مُؤَخَّرَتَيْنِ عَنِ الْجَمِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ فَيُعِيدُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ فَقَطْ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يُعِيدُ يَدَيْهِ وَرَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ.
فَإِنْ بَدَأَ بِالرَّأْسِ ثُمَّ الْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ رَأْسَهُ لِيَتَأَخَّرَ عَنْ يَدَيْهِ وَلَا يُعِيدُ رِجْلَيْهِ لِيُوقِعَهُ بَعْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يَمْسَحُ رَأْسَهُ ثُمَّ وَجْهَهُ فَإِنْ بَدَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ أَعَادَ رَأْسَهُ ثُمَّ رِجْلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ أَعَادَ رِجْلَيْهِ وِفَاقًا.
وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ رَأْسِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَقَطْ لِأَنَّ رِجْلَيْهِ مُقَدَّمَتَانِ عَلَى مَا حَقُّهُمَا أَنْ تَتَأَخَّرَا عَنْهُ وَكَذَلِكَ يَدَاهُ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْوَجْهِ وَحُكْمُهُمَا التَّأْخِيرُ وَمَسْحُ الرَّأْسِ لَمْ يَقَعْ مُقَدَّمًا عَلَى مَا يَتَقَدَّمُهُ وَعِنْدَ الْغَيْرِ يُعِيدُ يَدَيْهِ ثُمَّ رَأْسَهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْيَدَيْنِ ثُمَّ رِجْلَيْهِ وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَأْسِهِ ثُمَّ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ لَأَعَادَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ وفَاقا وَلَو قلت هَهُنَا بِيَدَيْهِ ثُمَّ بِالْوَجْهِ أَعَادَ يَدَيْهِ إِلَى آخِرِ وُضُوئِهِ وِفَاقًا.
فُرُوعٌ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ يُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِالْيَمِينِ مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِقَوْلِهِ
عَلَيْهِ السَّلَامُ
إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِمَيَامِنِهِ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَدْخَلَهُ سَحْنُونُ فِي الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ // (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) //.
الثَّانِي قَالَ الْمَازِرِيُّ إِذَا أَمَرَ الْمُتَوَضِّئُ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ أَنْ يُطَهِّرُوا أَعْضَاءَهُ مَعًا فَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَكِّسِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ مَا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ.
الثَّالِثُ فِي الطَّرَّازِ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ مُخْتَصٌّ بِالْوَاجِبِ دون الْمسنون وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ أَصْلُهُ كَيْفَ يَجِبُ وَصْفُهُ.
الرَّابِعُ لَوْ تَرَكَ التَّرْتِيبَ حَتَّى صَلَّى قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُعِيدُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ قَالَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ لِأَجْلِهِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ إِعَادَةَ الْوُضُوءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِالتَّجْدِيدِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
لَا تُصَلُّوا فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ.
الْخَامِسُ إِذَا نَكَّسَ مَسْنُونُ وُضُوئِهِ فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ قَبْلَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ كَانَ سَاهِيًا لم يعد وَجهه قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ عَامِدًا فَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ وَسَوَّى بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ.
سُؤَالٌ نَدَبَ الشَّرْعُ لِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى مِنَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْجَنْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ وَلَمْ يَنْدُبْ لِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى مِنَ الْأُذُنَيْنِ أَوِ الْفَوْدَيْنِ أَوِ الْخَدَّيْنِ أَوِ الصُّدْغَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمَا الْفَرْقُ؟ جَوَابُهُ أَنَّ أُولَئِكَ الْأَعْضَاءَ الْمُقَدَّمَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَنَافِعَ تَقْتَضِي شَرَفَهَا فَقَدَّمَهَا الشَّرْعُ لِذَلِكَ.
بَيَانُهُ الْيَدُ الْيُمْنَى فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَالْقُوَّةِ وَوُفُورِ الْخَلْقِ وَالصَّلَاحِيَّةِ لِلْأَعْمَالِ مَا لَيْسَ فِي الْيَسَارِ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَاتَمَ يَضِيقُ فِي الْيُمْنَى
وَيَتَّسِعُ فِي الْيَسَارِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَمَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ وَجَدَهُ مُقْتَضَى الْخِلْقَةِ الْأُولَى مَا لَمْ تُعَارِضْهُ عَادَةٌ فَاسِدَةٌ عَنِ الْخَلْقِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَمَّا الْأُذُنَانِ وَنَحْوُهُمَا فَمُسْتَوِيَانِ فِي الْمَنَافِعِ وَصِفَاتِ الشَّرَفِ فَلَمْ يُقَدِّمِ الشَّرْعُ يَمِينَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَسَارِهِ وَقَدَّمَ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ.
تَذْيِيلٌ يَبْدَأُ بِالْأَعَالِي فِي الطَّهَارَةِ لِشَرَفِهَا لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْوَجْهُ مِنَ الْحَوَاسِّ وَالنُّطْقِ وَيُثَنِّي بِالْيَدَيْنِ لِكَثْرَةِ دُخُولِهِمَا فِي الطَّاعَةِ وَغَيْرِهَا وَيُقَدِّمُ الرَّأْسَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ لِشَرَفِهِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَى الْمُدْرِكَةِ وَالْحِكْمَةِ وَقُدِّمَ الْفَمُ عَلَى الْأَنْفِ لِشَرَفِهِ بِالذَّوْقِ وَالنُّطْقِ وَقُدِّمَ الْفَرْجَانِ مُحَافَظَةً عَلَى الطَّهَارَةِ مِنَ النَّقْضِ.
السُّنَّةُ السَّابِعَةُ غَسْلُ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الصُّدْغَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ قَالَ الْمَازِرِيُّ انْتَقَدَ هَذِهِ السُّنَّةَ عَلَى الْقَاضِي أَصْحَابُنَا وَقَالُوا إِنْ كَانَ مِنَ الْوَجْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَالْقَفَا سَاقِطٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَ وَلَعَلَّهُ ظَفِرَ بِحَدِيثٍ يُوجِبُ كَوْنَهُ سُنَّةً أَوْ يَكُونُ سُنَّةً مُرَاعَاةً للْخلاف على سَبِيل التَّوَسُّع.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي فَضَائِلِهِ وَهِيَ سَبْعَةٌ
الْفَضِيلَةُ الْأُولَى التَّسْمِيَةُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ اسْتَحْسَنَهَا مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مَرَّةً وَأَنْكَرَهَا مَرَّةً وَقَالَ أَهُوَ يَذْبَحُ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْهُ التَّخْيِيرَ وَعَنِ ابْنِ زِيَادٍ الْكَرَاهَةَ.
وَأَفْعَالُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا شُرِّعَتْ فِيهِ التَّسْمِيَةُ وَمِنْهَا مَا لَمْ تُشَرَّعْ فِيهِ وَمِنْهَا مَا تُكْرَهُ فِيهِ.
الْأَوَّلُ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى الْخِلَافِ وَذَبْحِ النُّسُكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مُبَاحَاتٌ لَيْسَتْ بِعِبَادَاتٍ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ.
وَالثَّانِي كَالصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ والأذكار وَالدُّعَاء.
وَالثَّالِثُ الْمُحَرَّمَاتُ إِذِ الْغَرَضُ مِنَ التَّسْمِيَةِ حُصُولُ الْبَرَكَةِ فِي الْفِعْلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا وَالْحَرَامُ لَا يُرَادُ كَثْرَتُهُ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ.
وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَتَحَصَّلُ مِنْ تَفَارِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ فَمَا ضَابِطُ مَا شُرِعَ فِيهِ التَّسْمِيَةُ مِنَ الْقُرُبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ مِمَّا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ؟ قُلْتُ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُضَلَاءِ وَعَسُرَ الْفَرْقُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ إِنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ مَعَ الْأَذْكَارِ وَمَا ذكر مَعهَا لِأَنَّهَا بركَة فِي نَفسهَا.
وَورد عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَكَاتِ مَعَ أَنَّهَا شُرِعَتْ فِيهِ.
وَالْأَصْلُ فِي شَرْعِيَّتِهَا فِي الْوُضُوءِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِوُجُوبِهَا مَعَ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ عَنْهُ لَا أَعْرِفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا // (جَيِّدَ الْإِسْنَادِ) //.
الْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْجَوَاهِرِ السِّوَاكُ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ
لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ
وَفِي أَبِي دَاوُدَ
كَانَ يُوضَعُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وُضُوؤُهُ وَسِوَاكُهُ
وَالْكَلَامُ فِي وَقْتِهِ وَآلَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ.
أَمَّا وَقْتُهُ فَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَسْتَاكُ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَيَتَمَضْمَضُ بَعْدَهُ لِيَخْرُجَ الْمَاءُ بِمَا يَنْثُرُهُ السِّوَاكُ وَلَا يَخْتَصُّ السِّوَاكُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ فِي الْحَالَاتِ الَّتِي يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْفَمُ كَالْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوْ بِتَغْيِيرِ الْفَمِ لِمَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ أَوْ صَمْتٍ كَثِيرٍ أَوْ مَأْكُولٍ مُتَغَيِّرٍ.
وَأَمَّا الْآلَةُ فَهِيَ عِيدَانُ الْأَشْجَارِ لِأَنَّهُ سُنَّةُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَسُنَّةُ السَّلَفِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ لِأَنَّهُ يُخَفف القلح
وَالْقَلَحُ صُفْرَةُ الْأَسْنَانِ فَإِنِ اسْتَاكَ بِأُصْبُعٍ فَجَعَلَهَا سِوَاكًا لِلسِّنِّ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ السِّنِّ سِوَاكًا لِلْأُصْبُعِ وَيَتَجَنَّبُ مِنَ السِّوَاكِ مَا فِيهِ أَذًى لِلْفَمِ كَالْقَصَبِ فَإِنَّهُ يَجْرَحُ اللِّثَةَ وَيُفْسِدُهَا وَكَالرَّيْحَانِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ فِيهِ فَسَادٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَيُرْوَى عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
اسْتَاكُوا عَرْضًا وَادَّهِنُوا غِبًّا أَيْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَاكْتَحِلُوا وِتْرًا فَالسِّوَاكُ عَرْضًا أَسْلَمُ لِلَّثَةٍ مِنَ التَّقَطُّعِ وَالْأَدْهَانُ إِنْ كَثُرَتْ تُفْسِدُ الشَّعْرَ وَتَنْثُرُهُ.
وَالسِّوَاكُ وَإِنْ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى فَعِنْدِي أَنَّهُ مَا عَرِيَ مِنْ شَائِبَةِ تَعَبُّدٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوِ اسْتَعْمَلَ الْغَسُولَاتِ الْجَلَّاءَةَ عِوَضًا مِنَ الْعِيدَانِ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ.
الْفَضِيلَةُ الثَّالِثَةُ فِي التَّلْقِينِ تَكْرَارُ الْمَغْسُولِ وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ لَمْ يُوَقِّتْ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي التَّكْرَارِ إِلَّا مَا أَسْبَغَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ الْوُجُوبِ لَا نَفْيَ الْفَضِيلَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي التَّوْقِيتِ قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ التَّوْقِيتُ التَّقْدِيرُ مِنَ الْوَقْتِ وَهُوَ الْمِقْدَارُ مِنَ الزَّمَانِ فَمَعْنَاهُ لَمْ يُقَدِّرْ عَدَدًا قَالَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ لَمْ يُوجِبْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَيْ فَرْضًا لَازِمًا وَلَيْسَ بِصَوَابٍ وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ
هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ
فَأَثْبَتَ الْقَبُولَ عِنْدَ ثُبُوتِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ غَيْرِهِ وَيُرْوَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ
مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ فَالْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ وَالثَّالِثَةُ فَضِيلَةٌ وَالرَّابِعَةُ مُخْتَرَعَةٌ إِذَا أَتَى بِهَا عُقَيْبَ الثَّالِثَةِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فَإِنْ صَلَّى بِهِ كَانَ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ فَضِيلَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ
وَقَوْلِهِ فِي الرَّابِعَةِ