وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ وَكَرِهَ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً وَأَجَازَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ فِي رِسَالَتِهِ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ أَنْ يُعَانِقَ قَرِيبَهُ إِذَا قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ وَقِيلَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ لَمْ تَثْبُتْ لِمَالِكٍ قَالَ مَالِكٌ وَيُقَالُ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ فَالرَّجُلُ يَقُومُ لِلرَّجُلِ لَهُ الْفَضْلُ وَالْفِقْهُ فَيُجْلِسُهُ فِي مَجْلِسِهِ قَالَ يُكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ قِيلَ فَالْمَرْأَةُ تَلْقَى زَوْجَهَا تُبَالِغُ فِي بِرِّهِ وَتَنْزِعُ ثِيَابَهُ وَنَعْلَيْهِ وَتَقِفُ حَتَّى يَجْلِسَ قَالَ ذَلِكَ حَسَنٌ غَيْرَ قِيَامِهَا حَتَّى يَجْلِسَ وَهَذَا فِعْلُ الْجَبَابِرَةِ وَرُبَّمَا كَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ فَإِذَا طَلَعَ قَامُوا لَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْإِسْلَامِ وَفُعِلَ ذَلِك لعمر ابْن عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوَّلَ مَا وَلِيَ حِينَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ إِنْ تَقُومُوا نَقُمْ وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمين وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) قِيلَ لَهُ فَالرَّجُلُ يُقَبِّلُ يَدَ الرَّجُلِ أَوْ رَأْسَهُ قَالَ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْأَعَاجِمِ لَا مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَأَمَّا تَقْبِيلُ رَأْسِ ابْنِهِ فَخَفِيفٌ وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنِهِ أَوْ عَمِّهِ قَالَ لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَاضُونَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْقِيَامُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ حَرَامٌ إِذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّهُ تَجَبُّرًا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمَكْرُوهٌ إِذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْجَبَابِرَةِ وَلِتَوَقُّعِ فَسَادِ قَلْبِ الْمَقُومِ لَهُ وَمُبَاحٌ إِذَا فُعِلَ إِجْلَالًا لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ وَمَنْدُوبٌ لِلْقَادِمِ مِنَ السَّفَرِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَوْ يَشْكُرَ إِحْسَانَهُ أَوْ لِلْقَادِمِ الْمُصَابِ لِيُعَزِّيَهُ فِي مصيبته وَبِهَذَا بِجمع بَين قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار وَبَين قِيَامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْيمن فَرحا بقدومه وَقيام طَلْحَة ابْن عُبَيْدِ اللَّهِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ لِيُهَنِّئَهُ بِتَوْبَةِ الله بِحُضُورِهِ ع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم ينكسر عَلَيْهِ وَلَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَكَانَ كَعْبٌ يَقُول لَا أَنْسَاهَا لطلْحَة وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَكْرَهُ أَنْ يُقَامَ لَهُ فَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لم يقومُوا لَهُ لعلمهم
بكراهية لِذَلِكَ وَإِذَا قَامَ إِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ تَعْظِيمه قبل علمهمْ بكراهيته لذَلِك وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِلْأَنْصَارِ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ قِيلَ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ لَا يحب ذَلِك وَقيل ليعينوه على النزور عَلَى الدَّابَّةِ تَنْبِيهٌ حَضَرْتُ عِنْدَ الشَّيْخِ عِزِّ الدّين ابْن عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ الرَّبَّانِيِّينَ فَحَضَرَتْهُ فُتْيَا مَا تَقُولُ فِي الْقِيَامِ الَّذِي أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي هَذَا الزَّمَانِ هَلْ يَحْرُمُ أَمْ لَا فَكَتَبَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) وَتَرْكُ الْقِيَامِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يُفْضِي لِلْمُقَاطَعَةِ وَالْمُدَابَرَةِ فَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ مَا كَانَ بَعِيدًا فَقَرَأْتُهَا بَعْدَ كِتَابَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالنَّاسُ تَحْدُثُ لَهُمْ أَحْكَامٌ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُونَ مِنَ السِّيَاسَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالِاحْتِيَاطَاتِ وَهِيَ عَلَى الْقَوَانِينِ الْأُولَى غَيْرَ أَنَّ الْأَسْبَابَ تَجَدَّدَتْ وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ وَقَدْ بَسَطْتُ مِنْ هَذَا طَرَفًا فِي وِلَايَةِ الْمَظَالِمِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَيُلْحَقُ بِالْقِيَامِ النُّعُوتُ الْمُعْتَادَةُ وَأَنْوَاعُ الْمُكَاتَبَاتِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ النَّاسُ فِي الْمُخَاطَبَاتِ وَهَذَا النَّوْعُ كَثِيرٌ لَمْ تَكُنْ أَسْبَابُهُ فِي السَّلَفِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرْعِ اعْتِبَارُهُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ اعْتِبَارُهَا وَفِي هَذَا التَّنْبِيه كِفَايَة
(النَّوْع الْخَامِس عشر تشميت العاطش)
وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ ثُمَّ إِنْ عَطَسَ فَقُلْ إِنَّكَ مَضْنُوكٌ قَالَ الرَّاوِي بَعْدَ الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ الْبَاجِيُّ يُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ فَبِالشِّينِ قَالَ ثَعْلَبٌ إِبْعَادُ الشَّمَاتَةِ وَالتَّسْمِيتُ إِثْبَاتُ السَّمْتِ الْحَسَنِ لَهُ وَقِيلَ التَّشْمِيتُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الشَّوَامِتِ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ أَيْ أَبْقَى اللَّهُ شَوَامِتَكَ عَلَى حَالِهَا وَسَبَبُهُ أَنَّ الْعُطَاسَ حَرَكَةٌ مِنَ الدِّمَاغِ لِدَفْعِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُؤْذِي كَمَا أَنَّ السُّعَالَ حَرَكَةُ الصَّدْرِ لِدَفْعِ مَا يُؤْذِيهِ وَالْفُوَاقُ حَرَكَةُ الْمَعِدَةِ لِدَفْعِ مَا يُؤْذِيهَا وَحَرَكَةُ الدِّمَاغِ فِي الْعُطَاسِ أَشَدُّ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْحَوَاسِّ وَمَبْدَأُ الْأَعْصَابِ وَتَسْتَعِينُ بِحَرَكَةِ الصَّدْرِ وَغَيْرِهِ فَتَكُونُ حَرَكَتُهُ
عَظِيمَةً فَرُبَّمَا انْصَبَّتْ مَادَّةُ خِلْطَتِهِ لِبَعْضِ الْحَوَاسِّ أَوْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَحَصَلَتْ لَقْوَةٌ أَوْ فَسَادٌ فَيَشْمَتُ بِهِ أَعْدَاؤُهُ لِتَغَيُّرِ سَمْتِهِ فَإِذَا دُعِيَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ اندفعت الشماتة من الأعذاء وَيُحْفَظُ السَّمْتُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَطَيَّرُ بِالْعُطَاسِ إِلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَتَجْعَلُهَا شُؤْمًا فَأَعْلَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ أَنَّهَا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاقْتَصَرَ بِقَوْلِنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَشَاءَمُ بِهَا إِثْبَاتًا لِلضِّدِّ وَلِهَذَا السِّرِّ قِيلَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ إِنَّهُ مضنوك أَي مزكوم ورد تفسره فِي الْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَخَصَّصَ الْأَفْعَالَ بِمَكَانِ التَّطَيُّرِ إِذْ هُوَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ لِلْمُضَادَّةِ وَإِبْطَالِ التَّطَيُّرِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَحَقُّ التَّحْمِيدِ إِنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهُ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا يُشَمِّتْهُ إِلَّا أَن يكون فِي حَلقَة كَبِيرَة ورأي الدّين يَلُونَهُ يُشَمِّتُونَهُ فَيُشَمِّتُهُ وَفِي الصَّحِيحِ عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْد رَسُول الله لله فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ فَقِيلَ لَهُ قَالَ هَذَا أَحْمد اللَّهَ وَهَذَا لَمْ يَحْمَدْهُ وَيَنْبَغِي لِلْعَاطِسِ أَنْ يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ التَّحْمِيدَ وَإِنْ عَطِسَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَحْمَدِ اللَّهَ إِلَّا فِي نَفْسِهِ لِشُغْلِهِ بِصَلَاتِهِ عَنِ الذِّكْرِ وَلَا يُشَمِّتْ أَيْضًا غَيْرَهُ وَعَنْ سَحْنُونٍ وَلَا فِي نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِكٍ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا رأى من يُعْجِبُهُ وَيُجْزِئُ فِي التَّشْمِيتِ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ كَالسَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ هُوَ بِخِلَافِ السَّلَامِ وَيُشَّمِتُ الْجَمِيعُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَالِاسْتِكْثَارُ مِنْهُ حَسَنٌ وَالسَّلَامُ إِظْهَارٌ لِشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ كَالْأَذَانِ يَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَالتَّشْمِيتُ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَاجِبٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد مَنْدُوب كابتداء السَّالِم وَوجه الأول الأول أَن ظَاهر أمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فَشَمِّتُوهُ الْوُجُوبُ وَعَنْ مَالِكٍ يَبْلُغُ بِالتَّشْمِيتِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ بَعْدَ التَّشْمِيتِ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ وَإِنْ شَاءَ قَالَ يَغْفِرُ لَنَا وَلَكُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ كَانَتْ تَقُولُهُ فَلَا يَسْتَغْفِرُونَ للنَّاس وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا كَانَ يَقُولُهُ لِلْيَهُودِ وَفِي الْقَبَسِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْعُطَاسُ مِنَ اللَّهِ وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَان) لِأَنَّ التَّثَاؤُبَ إِنَّمَا يَكُونُ عَنِ الْكَسَلِ فَأُضِيفَ لِلشَّيْطَانِ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام ﴿وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين﴾ وَعنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَإِذَا عَطَسَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَلْيُخَمِّرْ وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يَرُدُّ اللَّهُ شَوَامِتَهُ عَلَى حَالِهَا كَمَا إِذَا تَثَاءَبَ فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ وَلَا يَفْتَحْهَا لِلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَضْحَكُ بِهِ وَلَا يَصْرِفْ وَجْهَهُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا فَإِنَّ بَعْضَهُمْ صَرَفَهُ فَبَقِيَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ كَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ اخْتَارَ عَبْدُ الْوَهَّابِ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ عَلَى يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الذُّنُوبِ وَالْهِدَايَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الذَّنْبِ قَالَ وَعِنْدِي الْمَغْفِرَةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ ذَنْبٍ وَالْحَاجَةُ إِلَى الْمَغْفِرَة أَكثر فَإِن جمع بنيهما كَانَ أَحْسَنَ إِلَّا فِي الْكَافِرِ الَّذِي إِذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا يُقَالُ لَهُ يرحكم اللَّهُ بَلْ يَهْدِيكَ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يُؤْمِنَ
(النَّوْعُ السَّادِس عشر الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَاب لَكُمْ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ
حسن وَفِي الْجَوَاهِر إِنَّمَا يومر بِالْمَعْرُوفِ وَيُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ الثَّانِي أَنْ يَأْمَنَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إِلَى مُنْكَرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَنْهَى عَن شرب الْخمر فيؤول نَهْيُهُ عَنْهُ إِلَى قَتْلِ النَّفْسِ وَنَحْوِهِ الثَّالِثُ أَن يغلب على ظَنّه أَن إِنْكَاره الْمُنكر مُزِيلٌ لَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَنَافِعٌ وَفَقْدُ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَفَقْدُ الثَّالِثِ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ وَيَبْقَى الْجَوَازُ وَالنَّدْبُ ثُمَّ مَرَاتِبُ الْإِنْكَارِ ثَلَاثٌ أَقْوَاهَا أَنْ يُغَيِّرَ بِيَدِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْتَقَلَ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ فَيُغَيِّرُ بِلِسَانِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيَكُنْ بِرِفْقٍ وَلِينٍ وَوَعْظٍ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ أَمَرَ مِنْكُمْ بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ) وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ انْتَقَلَ لِلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الْإِنْكَار بِالْقَلْبِ وَهِي أضعفها قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي الصِّحَاحِ نَحْوُهُ وَفِيهِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَان حَبَّة خَرْدَل سُؤال سُؤَالٌ قَدْ نَجِدُ أَعْظَمَ النَّاسِ إِيمَانًا يَعْجَزُ عَنِ الْإِنْكَارِ وَعَجْزُهُ لَا يُنَافِي تَعْظِيمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِيمَانَهُ بِهِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنِ الْإِنْكَارِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي إِلَى مَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ أَوْ نَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَجْزِ عَنِ الْقُرْبَةِ نَقْصُ الْإِيمَانِ بِهَا كَالصَّلَاةِ فَمَا معنى قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ الْجَوَابُ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ الْوَارِدُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أَي صَلَاتكُمْ للبيت الْمُقَدّس وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْإِيمَان سَبْعٌ وَخَمْسُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) وَأَقْوَى الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ إِزَالَةُ الْيَدِ ثُمَّ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَثِّرُ فِي الْإِزَالَةِ وَإِنْكَارُ الْقَلْبِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إِزَالَةٍ فَهُوَ أَضْعَفُهَا أَوْ يُلَاحَظُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِي الْإِزَالَةِ فَيَبْقَى مُطلقًا وَهُوَ الرِّوَايَة الْأُخْرَى قَالَ مُحَمَّد ابْن يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ ضُرِبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَصْحَابُهُ فِي أَمْرِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَضُرِبَ رَبِيعَةُ وَحُلِقَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا وَضُرِبَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَأُدْخِلَ فِي تَبَّانٍ مِنْ شَعْرٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا أَغْبِطُ رِجَالًا لَمْ يُصِبْهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَذًى وَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عبد الرَّحْمَن وَعِكْرِمَة ابْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى ابْنِ الْمُسَيَّبِ فِي السِّجْنِ وَقَدْ ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَا لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّا نَخَافُ عَلَى دَمِكَ فَقَالَ اخْرُجَا عَنِّي أَتُرَانِي أَلْعَبُ بِدِينِي كَمَا لَعِبْتُمَا بِدِينِكُمَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ تَكَلَّمُوا بِالْحَقِّ تُعْرَفُوا بِهِ وَاعْلَمُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ قَالَ مَالِكٌ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَأْمُرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ فَإِنْ عَصَوْا كَانُوا شُهُودًا عَلَى مَنْ عَصَاهُ وَيَأْمُرُ وَالِدَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَخْفِضُ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ تَنْبِيهٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ الْمُلَابِسُ لَهُ عَاصِيًا بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ أَوْ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ الْحُصُولِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا أَمْرُ الْجَاهِلِ بِمَعْرُوفٍ لَا يِعْرِفُ إِيجَابَهُ أَوْ نَهْيُهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ وَثَانِيهَا قَتْلُ الْبُغَاةِ وَثَالِثُهَا ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَرَابِعُهَا قَتْلُ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَلم يُمكن دفعهم إِلَّا بِقَتْلِهِم وخامسا أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ يَعْفُوَ وَيُخْبِرَ الْوَكِيلَ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ أَوْ مُتَّهَمٌ فَلَا يُصَدِّقُهُ فَأَرَادَ الْقِصَاصَ فَلِلْفَاسِقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْقَتْلِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِلَّا بِهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَسَادِسُهَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ
فَبَاعَهَا فَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَطَأَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَبِعْهَا فَأَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَلِلْمُشْتَرِي دَفْعُهُ وَلَوْ بِالْقَتْلِ وَسَابِعُهَا ضَرْبُ الْبَهَائِمِ لِلتَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّرَاسِ وَالْجِمَاحِ
(فَرْعٌ)
قَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا عَلَى الْفَوْرِ فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَمْعُ مِثَالُهُ أَنْ يَرَى جَمَاعَةً تَرَكُوا الصَّلَاةَ يَأْمُرُهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قُومُوا لِلصَّلَاةِ
(فَرْعٌ)
مَنْ أَتَى شَيْئًا مُخْتَلَفًا فِيهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أُنْكِرَ عَلَيْهِ لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ وَإِنِ اعْتَقَدَ بِحِلِّيَّتِهِ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرِكُ الْحِلِّ ضَعِيفًا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ كَوَاطِئِ الْجَارِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ وشارب النَّبِيذ مُعْتَقدًا مَذْهَب أبي حنفية وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمًا وَلَا تَحْلِيلًا أُرْشِدَ لِاجْتِنَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ
(النَّوْعُ السَّابِعَ عشر مداواة الْأَمْرَاض وَالتَّمْرِيضُ وَالرِّفَادُ نَحْوُهُ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا مرض العَبْد بعث الله ملكَيْنِ فَقَالَ انْظُرُوا مَاذَا يَقُول لعواده فَإِن هُوَ إِذا جاؤه حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ أَنا شفيته أبدلته لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَفِيهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مُصِيبَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ وَإِنْ صَغُرَتْ إِلَّا أُوجِرَ بِهَا أَوْ كُفِّرَ بِهَا من خطاياه) شكّ الرَّاوِي وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ قَالَ عُثْمَان بن أبي العَاصِي أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَبِي وَجَعٌ كَادَ يُهْلِكُنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - امْسَحْهُ بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَقُلْ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ
شَرِّ مَا أَجِدُ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنِّي مَا كَانَ بِي فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَنَا أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا وَأَصَابَ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الدَّمُ فِي الْجُرْحِ فَدَعَا بِرَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيكما أطيب فَقَالَا أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا عَاد الرجل الْمَرِيض خَاضَ للرحمة فَإِذَا قَعَدَ عِنْدَهُ قَرَّ فِيهَا وَكُلُّهَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا فَقَالَ أَجَلْ كَمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم لم يرد بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - التَّشَكِّيَ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ السَّبع بالدواء قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قرب لم تحلل أَو كيتهن لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ النَّفْثُ شِبْهُ الْبَصْقِ وَلَا يُلْقِي شَيْئًا كَمَا يَنْفُثُ آكِلُ الزَّبِيبِ بَلْ يَسِيرًا مِنَ الرِّيقِ وَالثَّفْلُ إِلْقَاءُ الرِّيقِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَنْفُثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَعنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بقل هُوَ الله أحد وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ وَكَرِهَ مَالِكٌ الَّذِي يَرْقِي بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَالَّذِي يَكْتُبُ وَيَعْقِدُ فِيمَا يُعَلِّقُ عَقْدًا وَالَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَكَانَ الْعَقْدُ عِنْدَهُ أَشَدَّ كَرَاهَةً لِمُشَابَهَتِهِ لِلسِّحْرِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَثِيرَةَ الِاسْتِرْقَاءِ حَتَّى تَرْقِيَ الْبَثْرَةَ الصَّغِيرَةَ
قَالَ مَالِكٌ يَنْهَى الْإِمَامُ الْأَطِبَّاءَ عَنِ الدَّوَاءِ إِلَّا طَبِيبًا مَعْرُوفًا وَلَا يُشْرَبُ مِنْ دَوَائِهِمْ إِلَّا مَا يعرف وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْزَلَ الدَّوَاءَ أَيْ أَعْلَمَهُمْ إِيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُمْ فِيهِ وَعنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُعَالَجَةِ وَمِنَ الْمُعَالَجَةِ الْجَائِزَةِ حِمْيَةُ الْمَرِيضِ وَحَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرِيضًا حَتَّى كَانَ يَمُصُّ النَّوَى مِنَ الْجُوعِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَكْتَوُونَ مِنَ الذَّبْحَةِ وَاللَّقْوَةِ وَذَاتِ الْجنب وَهُوَ يعلم بهم وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ) وَهُوَ نَهْيُ كَرَاهَةٍ وَأَمَرَ بِالْأَخْذِ بِالْأَفْضَلِ وَهُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ قَالَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يكتؤون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ قَالَ الْبَاجِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ التَّوَكُّلُ مِنَ التَّدَاوِي لِعَدَمِ تَيَقُّنِ الْبُرْءِ قَالَ غيريه لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّوَكُّلُ أَفْضَلُ مِنَ الكي والمداواة والرقا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مازال يَرْقِي نَفْسَهُ إِلَى آخِرِ مَرَضِ مَوْتِهِ وَكَوَى وَأَمَرَ بِالْكَيِّ وَلَا يَتْرُكُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْأَفْضَلَ طُولَ عُمُرِهِ وَمُتَابَعَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى ذَلِكَ يَأْبَى الْأَفْضَلِيَّةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِلطِّبِّ وَقَالَ فِي الرُّطَبِ وَالْقِثَّاءِ يُذْهِبُ حَرَّ هَذِهِ بَرْدُ هَذِهِ وَكَانَ يُكْثِرُ الرِّيَاضَةَ وَاسْتِعْمَالَ الطِّيبِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الطِّبِّ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدَحًا مِنْ مَاءِ الْغسْل وَهُوَ يَجْلُو الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالْكُلَى وَيُنَقِّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ وَيُثِيرُ الْحَرَارَةَ وَكَانَ يَتَدَاوَى حَتَّى يَتَدَاوَى بِالْخَوَاصِّ الَّتِي يَتَوَهَّمُ نَفْعَهَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي سَبْعِ قِرَبٍ وَنَحْوِهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْإِعْرَاضِ لِمَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَيِّدَ الْمُتَوَكِّلِينَ وَكَانَ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَيَطْلُبُ فَضْلَهُ فِي أَسْبَابِهِ الْجَارِيَةِ بِهَا عَادَتُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَدَبِ وَالتَّوَكُّلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ
وَالصِّدِّيقِينَ وَخَوَاصِّ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَاجَاتِ مِنَ الْكَيِّ وَغَيْرِهَا تَارَةً تُسْتَعْمَلُ مَعَ تَعَيُّنِ أَسْبَابِهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِاسْتِعْمَالِهَا وَتَارَةً مَعَ الشَّكِّ فِيهَا مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَمَا يَفْعَلُ التَّرْكُ لِلْكَيِّ لِتَهَيُّجِ الطَّبِيعَةِ فَهَذِهِ الْحَالَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ الْمُرَادَةُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّهُ إِيلَامٌ وَعَيْبٌ حِينَئِذٍ فَحَسُنَ الْمَدْحُ بِتَرْكِهِ أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى فَلَا وَهَذَا طَرِيقٌ صَالِحٌ للْجمع بَين فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ وَخَوَاصِّهِ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ لَا سِيَّمَا وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي نَفْيِ المداواة لَكِنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ وَالْمُطْلَقُ يَتَأَدَّى بِصُورَةٍ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ نَقَلَ صَاحِبُ الْقَبَسِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا هَذَا وَالثَّانِي لَا يَسْتَرْقُونَ بِالتَّمَائِمِ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ وَالثَّالِثُ لَا يَسْتَرْقُونَ عِنْدَ النَّاسِ تَنْبِيهٌ فِي الصَّحِيحِ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلًا فَسَقَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ كَذِبُ الْبَطْنِ وَكَيْفَ يُوصَفُ الْعَسَلُ بِقَطْعِ الْإِسْهَالِ مَعَ أَنَّهُ مُسْهِلٌ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ شِفَاهُ فِي الْعَسَلِ وَلَكِنْ بَعْدَ تَكَرُّرِهِ إِلَى غَايَةٍ يُحْجَبُ فَلَمَّا لَمْ يُكَرِّرْهُ وَلَمْ يَحْصُلِ الْبُرْءُ صَدَقَ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ جَعَلَ الشِّفَاءَ فِيهِ وَإِنَّمَا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَةِ الْمُنَاوَلَةِ وَكَذَبَ الْبَطْنُ لِأَنَّهُ بِظَاهِرِ حَالِهِ يَقُولُ إِنَّ هَذَا لَيْسَ شِفَائِي وَهُوَ شِفَاءٌ لَهُ وَإِنَّمَا الْمُنَاوَلَةُ لَمْ تَقَعْ على الْوَجْه الائق وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْإِسْهَالَ قَدْ يَكُونُ عَنْ سَدَّةٍ كَمَا تَقَرَرَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ فَمُدَاوَاتُهَا بِمَا يَجْلُوهَا وَيُحَلِّلُهَا كَمَا يُدَاوَى فِي الزَّحِيرِ الْكَاذِبِ بِالْمُسَهِّلَاتِ وَبِالْمُسَخِّنَاتِ الْمُفَتِّحَةِ الْحُمَّيَاتِ الْكَائِنَةَ عَنِ السَّدَدِ وَهُوَ كَثِيرٌ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ الْمُدَاوَاةُ بِالْمِثْلِ وَإِنَّمَا الْغَالِبُ الْمُدَاوَاةُ بِالضِّدِّ فَلَوْ كَرَّرَ لَانْحَلَّتِ السَّدَّةُ وَانْقَطَعَ الْإِسْهَالُ
(فَرْعٌ)
قَالَ الْبَاجِيُّ تُغْسَلُ الْقُرْحَةُ بِالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ إِذَا غَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إِنِّي لَأَكْرَهُ الْخَمْرَ فِي الدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُدْخِلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَنْ يُرِيدُ الطَّعْنَ فِي الدِّينِ وَالْبَوْلُ عِنْدَهُ أَخَفُّ وَلَا يُشْرَبُ بَوْلُ الْإِنْسَانِ لِيَتَدَاوَى بِهِ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ
وَرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْعَلُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا) أَيْ لَمْ يُشَرِّعْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ أَيْ لَمْ يُشَرِّعْ وَإِلَّا فَجَعْلُ الْخَلْقِ مَوْجُودٌ وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْأَنْعَامِ الثَّمَانِيَةِ قِيلَ لَهُ كل مَا يُؤْكَل لحمله قَالَ لَمْ أَقُلْ إِلَّا الْأَنْعَامَ الثَّمَانِيَةَ وَلَا خَيْرَ فِي أَبْوَالِ الْأُتُنِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْس بالكير من اللقوة
(مَسْأَلَة)
فِي الصِّحَاحِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ وَفِي الْمُوَطَّأِ كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا أُوتِيَتْ بِامْرَأَةٍ قد حمت صبَّتْ المَاء بَينهَا وَبَين حبيبها قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ شُرْبَ الْمَاءِ فَقَدْ ذَكَرَ فُضَلَاءُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْعَذْبَ الْبَارِدَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَشْرِبَةِ الْبَسِيطَةِ وَأَنَّ شُرْبَهُ يَمْنَعُ عَادِيَةَ الْحُمَّيَاتِ الْحَادَّةِ وَيُسَكِّنُ لَهَبَ الصَّفْرَاءِ وحر العفوفة وَيُرَطِّبُ مَا جَفَّ مِنْ رُطُوبَةِ الْجَسَدِ وَيُيَبِّسُ الصَّفْرَاءَ وَحَرَارَةَ الْحُمَّيَاتِ وَهُوَ سَرِيعُ الِانْحِدَارِ خَفِيفٌ عَلَى الْعَلِيلِ وَثَانِيهِمَا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْحُمَّى الْحَادِثَةِ عَنْ سُوءِ مِزَاجٍ حَارٍّ عَنْ مَادَّةٍ فَإِذَا حُمَّ بِالْمَاءِ مِنْ خَارِجٍ بَرُدَ مِزَاجُهُ وَاعْتَدَلَ فَتَزُولُ الْحُمَّى قَالَ فِي الْقَبَسِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى غَسْلِ الْأَطْرَافِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُنْعِشُ الْقُوَّةَ وَيُنْهِضُ النَّفْسَ مِنْ غَيْرِ اسْتِصْحَابٍ وَأَمَّا الْحُمَّى الْكَائِنَةُ عَنِ الْمَوَادِّ الْعَفِينَةِ مَتَى حُمَّ صَاحِبُهَا اسْتَصْحَبَ الْجَسَدُ وَاحْتَقَنَتِ الْأَبْخِرَةُ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَهْيِيجِ الْمَوَادِّ وَإِحْدَاثِ الْحُمَّيَاتِ وَرُبَّمَا قُتِلَ وَقَدْ وَقَعَ كَثِيرًا لِلْمَحْمُومِينَ حُمُّوا فَمَاتُوا وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدِيثٍ وَرَدَ فِي الطِّبِّ إِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَحْوَالِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ مُطَرِّفٌ إِنْ كَانَ الْمَرْضَى كَالْمَجْذُومِينَ وَنَحْوِهِمْ مَرَضُهُمْ يَسِيرٌ لَا يُخْرَجُونَ مِنَ الْقُرَى وَالْحَوَاضِرِ وَإِنْ كَثُرَ اتَّخَذُوا لِأَنْفُسِهِمْ موضعا كَمَا صنع مرضى مَكَّة عد التَّنْعِيمِ مَنْزِلَتُهُمْ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْأَسْوَاقِ لِحَاجَاتِهِمْ والتطرف لِلْمَسْأَلَةِ إِذَا لَمْ يُرْزَقُوا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ أَصْبَغُ يُخْرَجُونَ مِنَ الْحَوَاضِرِ وَإِذَا أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِمْ أُلْزِمُوا بُيُوتهم أَو التنحي إِن شاؤا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّنَحِّي إِذَا كَثُرُوا أَعْجَبُ إِلَيَّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ وَيُمْنَعُ الْمَجْذُومُ مِنَ الْمَسْجِدِ وَمِنَ الْجُمُعَةِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ التَّطَبُّبُ قَبْلَ نُزُولِ الدَّاءِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُوَ جَائِزٌ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ صَوْنًا لِلْجِسْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ قَالَ وَأَرَى إِنْ خَشِيَ نُزُولَهُ جَازَ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ عِيَادَةُ الْمَرِيض مُؤَكد طلبَهَا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي غُرْفَةِ الْجَنَّةِ) وَلِمَا فِيهَا من التأنيس وَالْخَيْر والألفة وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ) عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَرُبمَا وجده مُحْتَاجا لشَيْء فيسد خلته قَالَ التَّمْرِيضُ فَرْضُ كِفَايَةٍ صَوْنًا لِلْمَرِيضِ عَنِ الضَّيَاعِ فَأَوْلَى النَّاسِ الْقَرِيبُ ثُمَّ الصَّاحِبُ ثُمَّ الْجَارُ ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ كَرِهَ مَالِكٌ الرُّقَى بِالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الِاسْتِشْفَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَاسْتَخَفَّ أَنْ يَنْجُمَ الشَّيْءُ وَيَجْعَلَ عَلَيْهِ حَدِيدَهُ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي النُّجُومِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ بِالِاهْتِدَاءِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْخَيْطِ يُرْبَطُ فِي الْأُصْبُعِ لِلتَّذْكَارِ وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ وَجَوَّزَ تَعْلِيقَ الْخَرَزَةِ مِنَ الْحُمْرَةِ وَأَجَازَ مَرَّةً تَعْلِيقَ التَّمَائِمِ من الْقُرْآن وَكَرِهَهَا مَرَّةً فِي الصِّحَّةِ مَخَافَةَ الْعَيْنِ أَوْ لِمَا يُتَّقَى مِنَ الْمَرَضِ وَأَجَازَهَا مَرَّةً بِكُلِّ حَالٍ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ عَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ وَمَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا أَوْدَعَ اللَّهُ لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهَا فِي الْمَرَضِ دُونَ الصِّحَّةِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا عُلِّقَ بَعْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ فَلَيْسَ بِتَمِيمَةٍ وَأَمَّا الرُّقَى فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ مُطْلَقًا لِلسُّنَّةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَمَّا التَّمَائِمُ بِالْعِبْرَانِيِّ وَمَا لَا يُعْرَفُ فَيَحْرُمُ لِلْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ لِمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَنْ بِهِ لَمَمٌ فَقِيلَ لَهُ إِنْ شِئْتَ قَتَلْنَا صَاحِبَكَ فَقَالَ لَا عِلْمَ لِي بِهَذَا وَهَذَا مِنَ الطِّبِّ وَكَانَ مَعْدِنٌ لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ بِالْجِنِّ فَأَمَرَهُمْ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَرْفَعُونَ بِهِ أَصْوَاتَهُمْ فَفَعَلُوا فَانْقَطَعَ ذَلِك عَنْهُمْ
(النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ الْعَيْنُ وَالْوُضُوءُ إِلَيْهَا)
وَفِي الْمُوَطَّأِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْخَرَّارِ فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَنْظُرُ وَكَانَ سَهْلُ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِلْدِ فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ عَذْرَاءَ فَوُعِكَ سَهْلٌ مَكَانَهُ وَاشْتَدَّ وَعَكُهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ سَهْلًا وُعِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَا
بَرَّكْتَ إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ فَتَوَضَّأَ لَهُ عَامِرٌ فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فبرئ سهل قَالَ الْبَاجِيّ الْحرار مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ مَاؤُهَا وَمَعْنَى الْعَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّهُ إِذَا تَعَجَّبَ إِنْسَانٌ خَاصٌّ وَنَطَقَ وَلَمْ يُبَرِّكْ أَنْ يُصَابَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ وَذَلِكَ مَعْنًى فِي نَفْسِ الْعَائِنِ لَا يُوجَدُ فِي نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَتَى بَرَّكَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ أَوْ بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ لَمْ تَضُرَّ عَيْنُهُ وَأَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ الْوُضُوءَ شِفَاؤُهَا وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ بِالْوُضُوءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ يَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْيَدِ وَالْمِرْفَقِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ الَّذِي قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا يُؤْتَى الْعَائِنُ بقدح فِيهِ مَاء فيسمك مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فَيُمَضْمِضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ صَبَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى صَبَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى قَدَمِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى كُلُّ ذَلِكَ فِي قَدَحٍ ثُمَّ يُدْخِلُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ وَيَصُبُّ عَلَى رَأْسِ الْمُعَيَّنِ مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً وَقِيلَ يُعْتَقَلُ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ ثُمَّ يُكْفَى الْقَدَحُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَرَاءَهُ وَدَاخِلَةُ إِزَارِهِ هُوَ الطَّرَفُ الْمُتَدَانِي الَّذِي يُفْضِي مِنْ مِئْزَرِهِ إِلَى جِلْدِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمُرُّ بِالطَّرَفِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ حَتَّى يَشُدَّهُ بِذَلِكَ الطَّرَفِ الْمُتَدَانِي الَّذِي يَكُونُ مِنْ دَاخِلٍ وَعَنِ ابْنِ نَافِعٍ لَا يُغْسَلُ مَوْضِعُ الْخَرَزَةِ مِنْ دَاخِلِ الْإِزَارِ وَإِنَّمَا يُغْسَلُ الطَّرَفُ الْمُتَدَانِي قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْإِزَارُ الَّذِي تَحْتَ الْإِزَارِ مِمَّا يَلِي الْجَسَد قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الطَّرَفُ الدَّاخِلُ الْمُتَدَلِّي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الَّذِي يَضَعُهُ الْمُؤْتَزِرُ أَوَّلًا عَلَى حِقْوِهِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالرُّقْيَةِ لِلْعَيْنِ وَقَالَ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ تَنْبِيهٌ خَلَقَ اللَّهُ النُّفُوسَ مُخْتَلِفَةَ الهيآت فَنَفْسٌ مَهِيبَةٌ وَنَفْسٌ مَهِينَةٌ وَنَفْسٌ تُؤَثِّرُ بِالْعَيْنِ وَنَفْسٌ تُؤَثِّرُ بِالْقَتْلِ فَفِي الْهِنْدِ مَنْ إِذَا جَمَعَ نَفْسَهُ عَلَى إِنْسَانٍ ذَهَبَ
قَلْبُهُ مِنْ صَدْرِهِ فَمَاتَ وَيُجَرِّبُونَهُمْ فِي الرُّمَّانَةِ يَحُطُّونَهَا وَيَجْمَعُونَ هِمَّتَهُمْ عَلَيْهَا فَتُفْتَحُ فَلَا يُوجَدُ فِيهَا حَبٌّ وَكَذَلِكَ بَعْضُ النُّفُوسِ خُلِقَ شَفَّافَ النَّفْسِ إِذَا ارْتَاضَ حَصَلَتْ لَهُ الْمُكَاشَفَةُ وَإِدْرَاكُ الْمُغَيَّبَاتِ كَانَ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَدِلُّ بِالْمُكَاشَفَاتِ عَلَى الدِّيَانَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ خُلِقَ بِحَيْثُ إِذَا نَظَرَ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ بِزَعْمِهِ أَو ضرب الرمل أَو باليسر أَوْ بِالشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ أَرْبَابُ الزَّجْرِ لَا يَكَادُ يُخْطِئُ أَصْلًا لِخَاصِّيَّةٍ فِي نَفْسِهِ لَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى حق وَكَذَلِكَ الرقي الطلسات وَالسِّحْرِيَّاتُ تَابِعٌ لِخَوَاصِّ النُّفُوسِ فَرُبَّ رُقْيَةٍ تُؤَثِّرُ مَعَ شَخْصٍ دُونَ غَيْرِهِ وَمَنْ جَرَّبَ وَجَدَ وَلَا عَجَبَ فِي أَنْ تَكُونَ النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةَ الْخَواص بل الْحَيَوَان لِأَنَّهُ أبدع فِي المخوقات مِنَ النَّبَاتِ وَالْجَمَادِ وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى العقاقير النباتية والجمادية بأنواع السموميات والترياقيات وَالْمَنَافِعِ الْغَرِيبَةِ وَالْخَوَاصِّ الْعَجِيبَةِ وَجَمِيعِ هَذِهِ الْآثَارِ فِي الْجَمِيعِ إِنَّمَا هِيَ صَادِرَةٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ عِنْدَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَسُبْحَانَ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
(النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ الْمُهَاجَرَةُ)
وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاث يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يبْدَأ بِالسَّلَامِ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيغْفر لكل مُسلم لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) قَالَ الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ إِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ انْقَطَعَتِ الْمُهَاجَرَةُ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ لَمَا مُدِحَ وَعَنْهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا لَهُ فَلَا يخرج بِمُجَرَّد السَّلَام لِأَنَّ الْأَذَى أَشَدُّ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ وَعَنْ مَالِكٍ الْمُهَاجَرَةُ مِنَ الْغِلِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِذَا اعْتَزَلَ كَلَامَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ وَفِي
الْمُقَدِّمَاتِ يَخْرُجُ بِالسَّلَامِ مِنَ الْهِجْرَانِ إِنْ كَانَ مُتَمَادِيًا عَلَى أَذِيَّتِهِ وَالسَّبَبُ الَّذِي هَجَرَهُ مِنْ أَجْلِهِ فَإِنْ كَانَ أَقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هِجْرَانِهِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعَوْدِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مَعَهُ قَالَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَيُهْجَرُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَالْفُسُوقِ لِأَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ فِيهِ وَاجِبٌ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْخَيْر والتنفير من الشَّرّ والفسوق
(النَّوْع العاشرون فِي الْمُنَاجَاة)
فِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْن دِينَار لَا يتسارى وَيَتْرُكَا صَاحِبَهُمَا وَحْدَهُ قَرِينَ الشَّيْطَانِ يَظُنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا يَغْتَابَانِهِ وَرُوِيَ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي السَّفَرِ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ لِلنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةً أَنْ يَتْرُكُوا وَاحِدًا لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ كُلَّمَا كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ كَانَ أَشَدَّ وَأَقَلَّ أَدَبًا فِي حَقِّهِ وَإِذَا خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ وَإِنْ أَمِنَا كُرِهَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمُنْفَرِدَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ
(النَّوْع الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ مَا يَجْرِي مِنَ الْغُرُورِ وَالتَّدْلِيسِ)
وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَصْلُ شَعْرِهَا وَلَا وَشْمُ وَجْهِهَا وَلَا يَدَيْهَا وَلَا وَشْرُ أسنانها لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّحِيحِ (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خلق الله فالوشم التغزير بِالْإِبْرَةِ ثُمَّ يُحْشَى مَوْضِعُهُ بِالْكُحْلِ فَيَخْضَرُّ وَالْوَشْرُ نحت الْأَسْنَان حَتَّى تتفلج وتحدد أَطْرَافُهَا وَالْمُتَنَمِّصَاتُ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ النَّامِصَةُ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنَ الْوَجْهِ وَالْمُتَنَمِّصَةُ الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَجُوزُ لَهَا خَضْبُ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا بِالْحِنَّاءِ وَأَجَازَ مَالِكٌ
تَطْرِيفَ أَصَابِعِهَا وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ اخْتَضِبْنَ وَإِيَّاكُنَّ وَالنَّقْشَ وَالتَّطْرِيفَ وَلْتَخْضِبْ إِحْدَاكُنَّ يَدَيْهَا إِلَى هَذَا وَأَشَارَ إِلَى مَوْضِعِ السِّوَارِ وَسَبَبُ الْمَنْعِ فِي وَصْلِ الشَّعْرِ وَمَا مَعَهُ التَّدْلِيسُ وَالْغُرُورُ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ تَنْبِيهٌ لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى الْأَزْوَاجِ لِيَكْثُرَ الصَّدَاقُ وَيُشْكِلُ ذَلِكَ إِذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَبِالْوَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَدْلِيسٌ وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّغْيِيرَ لِلْجَمَالِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِ وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ وَصَبْغِ الشَّعْرِ وَغير ذَلِك
(سُؤال)
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ لَعَّانًا) وَوَرَدَ اللَّعْنُ فِي هَذَا الحَدِيث وَفِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حَرَّمَتِ الشُّحُومَ) الْحَدِيثَ وَفِي وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) الْحَدِيثَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ بِوُقُوعِ اللَّعْنِ الَّذِي هُوَ الْبُعْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَا دُعَاءٌ وَإِنَّمَا حرم دُعَاء الثَّانِي أَن لعان صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِمَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ عَادَةٌ وَكَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَاتُ قَلِيلَةً فَلَمْ تَكُنْ عَادَةً فَلَمْ يَنْدَرِجْ فِي النَّهْيِ
(النَّوْع الثَّانِي وَالْعشْرُونَ مُخَالطَة الذُّكُور للإناث وَنَحْوِهِ)
فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلُو بِامْرَأَة لَيست مِنْهُ بِمحرم لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (إِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا) مَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ بَيْنَهُمَا وَإِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ خَشِيَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ تُحَدِّثُهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَيَجُوزُ النَّظَرُ لِلْمُتَجَالَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ متبرجات بزينة﴾ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ لِلشَّابَّةِ إِلَّا لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ عِلَاجٍ أَوْ
إِرَادَة زَوجهَا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (هَل نظرت إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يَدُوم بَيْنَكُمَا وَتَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي النِّكَاحِ) وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَرَى مِنْ سَيِّدَتِهِ مَا يَرَاهُ ذُو الْمَحْرَمِ مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْظَرٌ فَيُكْرَهُ أَنْ يرى مَا عدا وَجههَا وَلها أَن تواكله إِن كَانَ وَغدا دنيا يومن مِنْهُ التَّلَذُّذُ بِهَا بِخِلَافِ الشَّابِّ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ الَّذِينَ فِي الْآيَةِ فَقِيلَ الْأَحْمَقُ الْمَعْتُوهُ الَّذِي لَا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ وَقِيلَ الْحَصُورُ وَالْعِنِّينُ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ لِلنِّسَاءِ وَكَذَلِكَ الْخَصِيُّ وَالْأول لمَالِك وَيُؤَيِّدهُ قَول النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُخَنَّثِ الَّذِي كَانَ يَلِجُ عَلَى أَزْوَاجِهِ لَا يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنَّ وَلَا يَجُوزُ لِلْخَصِيِّ الدُّخُولُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَهَا واستخف إِذا كَانَ عبد زَوجهَا للْمَشَقَّة الداخلية عَلَيْهَا فِي اسْتِتَارِهَا مِنْهُ وَعَنْهُ جَوَازُ دُخُولِهِ عَلَيْهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا وَكَانَ عَبْدَ زَوْجِهَا أَوْ عَبْدَهَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا اسْتِحْسَانًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْمَضَاجِعِ قِيلَ لِسَبْعِ سِنِينَ وَقِيلَ لِعَشْرٍ إِذَا ضُرِبُوا عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ ظَاهر قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ متعريين فِي لِحَاف لنَهْيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ مُعَاكَمَةِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ بِغَيْرِ شِعَارٍ وَمُعَاكَمَةِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ وَالْمُعَاكَمَةُ هِيَ ذَلِكَ لُغَةً وَالْمَتَاعُ الْمَعْكُومُ أَيِ الْمَشْدُودُ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ وَعَكِيمُ الْمَرْأَةِ ضَجِيعُهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَجُوزُ لَهُ رُؤْيَةُ فَرْجِ امْرَأَتِهِ فِي الْجِمَاعِ وَمَنَعَ مَالك رُؤْيَة خَادِم
الزَّوْجَة فَخذ وَزوجهَا وَلَا يدْخلهُ عَلَيْهِ الْمِرْحَاضَ وَكَذَلِكَ خَادِمُ ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إِلَى شَعْرِ أُمِّ زَوْجَتِهِ وَلَا يَنْبَغِي إِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَنْ تُعَانِقَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا وَلْيَبْعُدْ مِنْ أُخْتِ امْرَأَتِهِ مَا اسْتَطَاعَ وَيَتَقَدَّمُ لِلصُّنَّاعِ فِي قُعُودِ النِّسَاءِ إِلَيْهِمْ وَلَا تَجْلِسُ الشَّابَّةُ عِنْدَ الصَّانِعِ إِلَّا الْخَادِمَ الدُّونَ وَمَنْ لَا يُتَّهَمُ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ فِي الْفَضَاءِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قِيلَ لِمَالِكٍ أَيُجَامِعُ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ إِنَّهُمْ يَرَوْنَ كَرَاهِيَتَهُ قَالَ أَلْغِ مَا يَتَحَدَّثُونَ قَدْ كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَغْتَسِلَانِ عُرْيَانَيْنِ فَالْجِمَاعُ أَوْلَى قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْتَزِرَ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَيُبْدِيَ سُرَّتَهُ إِنْ كَانَ عَظِيمَ الْبَطْنِ وَأُنْكِرُ مَا يَفْعَلُ جَوَارِي الْمَدِينَةِ يَخْرُجْنَ قَدْ كَشَفْنَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ قَالَ وَقَدْ كَلَّمْتُ فِيهِ السُّلْطَانَ فَلَمْ أُجَبْ لِذَلِكَ قِيلَ لَهُ فَغُلَامٌ بَعْضُهُ حُرٌّ هَلْ يَرَى شَعْرَ سَيِّدَتِهِ قَالَ لَا أُحِبُّهُ وَاحْتَجَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ أَعْمَى فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ لَا ينظر إِلَيْك فَقَالَت لَكِنْ أَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَ وَلَا يُعْجِبُنِي النَّظَرُ إِلَى شَعْرِ نِسَاءِ النَّصَارَى قَالَ اللَّخْمِيُّ يَرَى الْمُكَاتَبُ شَعْرَ سَيِّدَتِهِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ وَإِنْ كَانَ وَغْدًا
(النَّوْع الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ مُعَامَلَةُ مُكْتَسِبِ الْحَرَامِ كَمُتَعَاطِي الرِّبَا وَالْغُلُولِ وَأَثْمَانِ الْغُصُوبِ وَالْخُمُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ)
وَفِي الْجَوَاهِرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَرَامُ أَوِ الْحَلَالُ أَوْ جَمِيعُهُ حرَام إِمَّا بِأَن لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ حَلَالٌ أَوْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْحَرَامِ مَا يَسْتَغْرِقُ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْحَلَالِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَلَالُ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُعَامَلَتَهُ وَاسْتِقْرَاضَهُ وَقَبْضَ الدَّيْنِ مِنْهُ وَقبُول هديته وهيبة وَأَكْلَ طَعَامِهِ وَحَرَّمَ جَمِيعَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ وَكَذَلِكَ أَصْبَغُ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّ الْمَالَ إِذَا خَالَطَهُ حَرَامٌ يَبْقَى حَرَامًا كُلُّهُ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْقِيَاسُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ اسْتِحْسَانٌ وَقَوْلُ أَصْبَغَ تَشَدُّدٌ فَإِنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ
وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامَ امْتَنَعَتْ مُعَامَلَتُهُ وَقَبُولُ هَدِيَّتِهِ كَرَاهَةً عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَحْرِيمًا عِنْدَ أَصْبَغَ إِلَّا أَنْ يَبْتَاعَ سِلْعَةً حَلَالًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ من التباعات عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُعَامَلَتَهُ مَكْرُوهَةٌ وَيُخْتَلَفُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ فَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ حَرَامًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فَفِي مُعَامَلَتِهِ وَهَدِيَّتِهِ وَأَكْلِ طَعَامِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ يَحْرُمُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ الَّتِي وَهَبَ وَالطَّعَامُ الَّذِي أَطْعَمَ عُلِمَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ نَظَرًا إِلَى الثَّمَنِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَيَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْحَرَامِ مَا يَسْتَغْرِقُ مَا وَرِثَ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا اشْتَرَاهُ وَكَذَلِكَ مَا صَادَهُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ مُعَامَلَتَهُ تَجُوزُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فِيمَا ابْتَاعَهُ مِنَ السِّلَعِ وَمَا وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبِعَاتِ مَا يَسْتَغْرِقُهُ إِذَا عَامَلَهُ بِالْقِيمَةِ وَلَمْ يُحَابِهِ نَظَرًا لِتَجَدُّدِ الْمَالِكِ وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مُحَابَاتُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ بِمَا يَتَعَيَّنُ لَهُ هَذَا الْمَالُ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لَا تَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فَإِنِ اشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً جَازَ أَنْ تُشْتَرَى وَأَنْ تُقْبَلَ مِنْهُ هِبَتُهُ وَكَذَلِكَ مَا وَرِثَهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ وَإِنِ استغرقه التَّبِعَاتُ الَّتِي عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ فِيمَا اشْتَرَوْهُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لِرَجُلٍ جَازَ لَهُ وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ يَجُوزُ مُبَايَعَتُهُ وَقَبُولُ هِبَتِهِ وَأَكْلُ طَعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ وَفِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنَ التَّبِعَاتِ اسْتَغْرَقَهُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ أَنْ تُورَثَ عَنْهُ وَاخْتُلِفَ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ مُعَامَلَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ وَقَبُولِ هِبَتِهِ وَأَكْلِ طَعَامه هَل يسوغ للْوَارِث الوارثة أَولا عَلَى قَوْلَيْنِ يَسُوغُ بِالْمُوَارَثَةِ لَا بِالْهِبَةِ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَالثَّانِي لَا يَسُوغُ بِالْمِيرَاثِ كَمَا لَا يَسُوغُ بِالْهِبَةِ وَيَلْزَمُ الْوَارِثَ التَّخَلِّي عَنْ هَذَا الْمَالِ وَالصَّدَقَةُ بِهِ كَمَا كَانَ يَلْزَمُ الْمَوْرُوثَ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ مَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً حَلَالًا بِمَالٍ حَرَامٍ وَالثَّمَنُ عَيْنٌ قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا مِنْهُ عَلِمَ صَاحِبُهَا بِخُبْثِ الثَّمَنِ أَمْ لَا لِأَنَّ النَّقْدَيْنِ لَا يَتَعَيَّنَانِ وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدُوسٍ مَعَ الْعِلْمِ بِخُبْثِ الثَّمَنِ دُونَ الْجَهْلِ وَكَرِهَ سَحْنُونٌ شِرَاءَهَا مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ فَأَمَّا شِرَاؤُهَا بِعَرَضٍ بِعَيْنِهِ حَرَامٍ فَلَا يَجُوزُ فَإِنْ بَاعَ شَيْئا حَرَامًا بِشَيْء حَلَال قَالَ أَحْمد ابْن نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْمَأْخُوذُ فِي الْحَرَامِ حَرَامٌ وَحُرِّمَ الْحَلَال بيد لأَخذه إِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ ابْنُ نَصْرٍ الدَّاودِيّ وَصَايَا السلاطين المعروفين بالظلم المستغرقي الذِّمَّةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَنْهُمْ مَرْدُودَةٌ وَلَا تُورَثُ أَمْوَالُهُمْ لِأَنَّ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِلْمَظْلُومِينَ إِنْ عُلِمُوا أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ إِنْ جُهِلُوا
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِحُضُورِ أَهْلِ الْفَضْلِ الْأَسْوَاقَ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ وَإِنْ سُومِحَ لِفَضْلِهِ وَحَالِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ كَانَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ دُونَ سُؤَالٍ وَكَانَ عُمَرُ ابْن الْخطاب رَضِي الله عته يَدْخُلُ السُّوقَ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ ردا لقَوْل الْمُشْركين ﴿مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق﴾
(مَسْأَلَة)
قَالَ مَال بِبَيْت الْمَالِ إِنْ كَانَ مَجْبَاهُ حَلَالًا وَقُسِمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَتَرْكُهُ إِنَّمَا يَكُونُ وَرَعًا وَإِيثَارًا لِغَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَهُوَ
مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة﴾ وَإِن كَانَ المجبا حَلَالًا وَلَمْ يُعْدَلْ فِي قِسْمَتِهِ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَرِهَ أَخْذَهُ وَأَكْثَرُهُمْ يُجِيزُهُ وَإِنْ كَانَ المجبا حَلَال وَحَرَامًا فَأَكْثَرُهُمْ كَرِهَهُ وَأَجَازَهُ أَقَلُّهُمْ فَإِنْ كَانَ حَرَامًا صِرْفًا حَرَّمَ مَالِكٌ الْأَخْذَ مِنْهُ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَهُمُ الْأَكْثَرُ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ غَيْرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَحْسَنُ مِنْهُ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ مُعَامَلَةُ الذِّمِّيِّ آكِلِ الرِّبَا وَبَائِعِ الْخَمْرِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ أَخَفُّ مِنَ الْمُسْلِمِ قَالَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ حَلَّ لَهُ ثَمَنُ الْخَمْرِ وَمَالُ الرِّبَا بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ لَوْ تَابَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِي الْجِزْيَةِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ جَزَمَ أَصْبَغُ بِتَحْرِيمِ كِرَاءِ الْقَيَاسِرِ وَالْحَوَانِيتِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَبْنِيَّةِ بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَلَا يُقْعَدُ عِنْدَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَوَانِيتِ وَلَا تُتَّخَذُ طَرِيقًا إِلَّا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَصْبَغُ وَمَا اكْتُسِبَ فِي الْحَوَانِيتِ فَهُوَ حَرَامٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مُقْتَضَى الْأُصُولِ عدم التَّحْرِيم فِي المكتسب من الْحَوَانِيتِ وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ لَهَا فِي الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ وَيَحْرُمُ الْمَقَامُ فِيهَا وَأَمَّا الْمَبْنِيَّةُ بِالْحَرَامِ فَلَا يَحْرُمُ كِرَاؤُهَا بَلْ يُكْرَهُ قَالَ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ لِبَانِيهِ وَالْحَرَامَ مُرَتَّبٌ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَطْ وَالْمَالُ الْحَرَامُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ رَبُّهُ سَبِيلُ الْفَيْءِ لَا سَبِيلُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ دُونَ كَرَاهَةٍ إِذَا جُهِلَ صَاحِبُ الْمَالِ الْحَرَامِ الَّذِي بَنَى بِهِ الْمَسْجِدُ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ إِذَا غَصَبَكَ وَقُضِيَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا مَالٌ حرَام قَالَ أصبغ لَا يَأْخُذ
ويتبعه بِمَالِه عَلَيْهِ وَإِنْ دَفَعَ لَكَ اللِّصُّ أَوِ الْغَاصِبُ غَيْرَ مَالِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ أَخْذُهُ قَالَ وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَخْذُ قِيمَةِ مَتَاعِهِ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ ذِمَّتَهُ الْحَرَامُ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ قَالَ أَصْبَغُ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ مَالُهُ كُلُّهُ فَاسِدٌ لَا يُعَامل وَلَا يُوكل مِنْهُ وَإِنْ عَامَلَهُ أَحَدٌ تَصَدَّقَ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ كَمُعَامِلِ الْغَاصِبِ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْمَسَاكِينِ بَلْ أَشَدُّ مِنَ الْغَاصِبِ وَلَيْسَ مَنْ ظَلَمَ وَاحِدًا كمن ظلم النَّاس أَجْمَعِينَ لِأَن الزَّكَاةِ ظُلْمُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ الرَّدُّ عَلَيْهِ قَالَ وَهَذَا مِنْ أَصْبَغَ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي بَعْضُهُ حَرَامٌ حَرَامٌ كُلُّهُ وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِذَا كَانَ غَالِبُ مَالِهِ الْحَلَالَ جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ نَاوِيًا إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ فَتَجُوزُ مُعَامَلَتُهُ وَهِبَتُهُ وَعَلَى الْوَاهِبِ إِثْمُ التَّأْخِيرِ وَقَوْلُهُ يَتَصَدَّقُ بِمَا عَامَلَهُ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ بَلْ يَتَصَدَّقُ بِنَائِبِ الْمَسَاكِينِ وَهُوَ رُبُعُ عُشْرِهِ وَقَوْلُهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا اشْتَرَاهُ سَوَاءٌ عَلَى أَصْلِهِ مَا ابْتَاعَ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يُزَكِّهِ أَوْ بَاعَ مِنْهُ شَيْئًا بِدَنَانِيرَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا وَقِيلَ لَا يَرُدُّ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْمُتَّجه على قَوْله ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إِذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَا يَأْخُذْهَا الْمُتَصَدِّقُ مِنَ الْمُشْتَرِي إِنْ كَانَ الْبَائِعُ عَدِيمًا وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ دُونَ الدَّنَانِيرِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى مِنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمُعَامَلَةِ الذِّمَّةِ الْحَرَامِ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْغِيَاثِيِّ لَوْ طَبَقَ الْحَرَامُ الْأَرْضَ جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَاتُ وَلَا تَقِفُ إِبَاحَة ذَلِك على الضرورات لَيْلًا يُؤَدِّيَ إِلَى ضَعْفِ الْعِبَادِ وَاسْتِيلَاءِ الْكَفَرَةِ عَلَى الْبِلَادِ وَتَنْقَطِعَ النَّاسُ عَنِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ وَلَا يَنْبَسِطُ فِيهِ كَمَا يَنْبَسِطُ فِي الْمُبَاحِ قَالَ وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُجْهَلَ الْمُسْتَحَقُّ بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مَعْرِفَتُهُ فَلَوْ حَصَلَ الْإِيَاسُ مِنْهُ
بَطَلَتِ الْمَسْأَلَةُ وَصَارَ ذَلِكَ الْمَالُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ جَازَ لِمَنْ حَصَلَتْ لَهُ ضَرُورَةُ غَصْبِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَهُوَ وَاحِدٌ فَجَمِيعُ النَّاسِ أَوْلَى وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فَاسِقًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغَالِبُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَخْلُو مِنْ وَلِيٍّ صَالِحٍ
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا دَفَعَ إِلَيْنَا الظَّلَمَةُ بَعْضَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَغْصُوبٌ وَالْآخِذَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَأَخْذَهُ يُفْسِدُ ظَنَّ النَّاسِ فِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ مَصَالِحِ الْفُتْيَا وَالِاقْتِدَاءِ وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ أَرْجَحُ مِنْ رَدِّ الْمَغْصُوبِ عَلَى رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقْتَدًى بِهِ وَأَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَوْ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ جَازَ فَإِنْ جُهِلَ مَالِكُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِّفَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرفَته صرف فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مَأْخُوذًا بِحَقٍّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَوِ الْخُمُسِ وَأُعْطِيَ قَدْرَ حَقِّهِ أَخَذَهُ أَوْ زَائِدًا أَخَذَ حَقَّهُ ويبقي الزَّائِد عَنهُ لِأَهْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ أَخَذَهُ إِنْ لَمْ تَفُتْ بِأَخْذِهِ مَصْلَحَةُ الْفُتْيَا وَالِاقْتِدَاءِ وَصَرَفَهُ فِي الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ قَاعِدَةٌ كُلُّ مُحَرَّمٍ إِمَّا لِأَجْلِ وَصْفِهِ كَالْخَمْرِ أَوْ سَبَبِهِ كَالْبُرِّ الْمَغْصُوبِ وَكُلُّ مَا حَرُمَ بِوَصْفِهِ فَلَا يَحِلُّ إِلَّا بِسَبَبِهِ كَالْمَيْتَةِ مَعَ الضَّرُورَةِ وَكُلُّ مَا حرم بِوَصْفِهِ فَلَا يَحْرُمُ إِلَّا بِسَبَبِهِ وَقَدْ يَقَعُ التَّعَارُض فِي الْوَصْف كالضبع مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَهَا نَابًا وَأَنَّهَا كَانَتْ تُبَاعُ فِي الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَقَدْ يَقع فِي السَّبَب كالعقد المتخلف فِيهِ وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْوَرَعِ ثُمَّ الشُّبْهَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ مَعَهُ كَشُبْهَةِ الْوَرَعِ وَشُبْهَةٍ يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ مَعَهَا كَشُبْهَةِ دَرْءِ الْحَدِّ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ تَنْبِيهٌ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَرْجُوحَةَ مُغْتَفَرَةٌ مَعَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فَكَيْفَ وَقَعَ الْخِلَافُ إِذَا خَالَطَ يَسِيرٌ حَرَامٌ كَثِيرًا حَلَالًا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْجَمْعَ هَاهُنَا مُتَيَسِّرٌ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْيَسِيرِ أَوِ الِانْتِظَارِ لِلْقِسْمَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ
(مَسْأَلَةٌ)
فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عِمَادُ الدِّينِ وَقِوَامُهُ هُوَ الْمَطْعَمُ وَطِيبُهُ فَمَنْ طيب مطعمه زكى عَمَلُهُ وَإِلَّا خِيفَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْقَبُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ وَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَت من الْمُؤمن قَالَ الَّذِي إِذا أَمْسَى سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصُهُ قَالَتْ يَا رَسُولَ الله مَنِ الْمُؤْمِنُ قَالَ الَّذِي إِذَا أَصْبَحَ سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصُهُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ قَالَ قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ وَلَكِنَّهُمْ غَشَمُوا الْمَعِيشَةَ غَشْمًا أَيْ تَعَسَّفُوا تعسفا وَنظر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى الْمُصَلِّينَ فَقَالَ لَا يَغُرُّنِي كَثْرَةُ رَفْعِ أَحَدِكُمْ رَأْسَهُ وَخَفْضِهِ الدِّينُ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْكَفُّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَالْعَمَلُ بِحَلَالِ اللَّهِ وَحَرَامِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ذِكْرُ اللِّسَانِ فَذَلِكَ حَسَنٌ وَأَفْضَلُ مِنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ تَنْبِيهٌ الدِّينُ أَنْ يَتَكَيَّفَ الْقَلْبُ بِخَوْفِ اللَّهِ وَإِجْلَالِهِ حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً أَنْ يَجِدَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ نَهَاهُ أَوْ يَفْتَقِدَهُ حَيْثُ اقْتَضَاهُ فَهَذَا هُوَ الرَّجُلُ الدَّيِّنُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَلَكِنْ هَذِهِ الْحَالَةُ قَدْ يَجْعَلُهَا اللَّهُ ثَمَرَةَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ تَنْبِيهٌ إِذَا وَقَعَتِ الْعِبَادَةُ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا فَقَدْ أَجْزَأَتْ إِجْمَاعًا وَبَرِئَتِ الذِّمَّةُ فَمَا مَعْنَى الْقَبُولِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْقَبُولُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْمُتَّقِينَ هُوَ تَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ بِهَا وَفَيْضُ الْإِحْسَانِ وَهُوَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَارَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ وَهَذَا عدم المواخذة وَلَا يلْزم من عدم المواخذة حُصُولُ الدَّرَجَاتِ وَالْمَثُوبَةُ
(فَرْعٌ)
فِي الْجَوَاهِرِ لَيْسَ مِنَ الْوَرَعِ شِرَاءُ مَا اشْتُرِيَ شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنَّ فَوَاتَهُ بِالْبَيْعِ
إِنَّمَا هُوَ يَمْنَعُ بَعْضَهُ وَالشُّبْهَةُ قَائِمَةٌ فِيهِ لِلْخِلَافِ فِي تَقَرُّرِ الْمِلْكِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ شِرَاءُ طَعَامٍ مِمَّنْ أَكْرَى الْأَرْضَ بِالطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لَهُ لِفَسَادِ الْعَقْدِ وَيُتَحَرَّى أَبَدًا الْأَشْبَهُ وَإِذَا أَخْبَرَ الْبَائِعَ أَنَّ طَعَامَهُ حَلَالٌ وَهُوَ ثِقَةٌ يَعْلَمُ حُدُودَ الشَّرْعِ صُدِّقَ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقِ الْوَرَعُ لَكِنَّهُ خَيْرٌ مِمَّنْ يَقُولُ لَا أَدْرِي وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الرِّيبَةُ فِي الْأَسْوَاقِ اجْتُنِبَ حَتَّى يَظْهَرَ صِحَّةُ أَصْلِهِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَتَحَرَّى بِهِ إِلَّا سُؤَالَ الْبَاعَةِ اعْتَمَدَ عَلَى أَصْدَقِهِمْ وَمَنَعَ سَحْنُونٌ رَجُلًا كَسْبُهُ مِنْ بِلَادِ السُّودَانِ أَنْ يَعْمَلَ قَنْطَرَةً يَعْبُرُ النَّاسُ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِي كَسْبِ بِلَادِ السُّودَانِ إِلَّا السَّفَرُ إِلَيْهَا فَيَجْتَهِدُ الْإِنْسَانُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ
(النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ تَرْكُ الْإِنْسَانِ مَا لَا يَعْنِيهِ)
وَفِي الْجَوَاهِرِ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُرَى إِلَّا مُحَصِّلَا حَسَنَةً لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمًا لِمَعَاشِهِ وَيَتْرُكُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَيَتَحَرَّسُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقِفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَيُقَلِّلُ الرِّوَايَةَ جَهْدَهُ وَيُنْصِفُ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينُ لَهُمْ جَانِبَهُ وَيَلْتَزِمُ الصَّبْرَ وَيَصْفَحُ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ وَإِنْ جَالَسَ عَالِمًا نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَيُنْصِتُ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ وَإِنْ رَاجَعَهُ رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ سَأَلَهُ فَإِنَّهُ يلبس بذلك على السَّائِل ويزري بالمسؤول وَبِقَدْرِ إِجْلَالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الِاسْتِعْلَاءِ وَحُسْنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الْأَدَبِ مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَالِمُ أَوْلَى النَّاسِ بِصِيَانَةِ نَفْسِهِ عَنِ الدَّنَاءَةِ وَإِلْزَامِهَا الْخَيْرَ وَالْمُرُوءَةَ وَلَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لَا يَلِيقُ بِهِ فَإِنِ ابْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فَلْيَقُمْ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِرْشَادِ مَنِ اسْتَحْضَرَهُ وَوَعْظِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ وَمِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى إِجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ وَالْإِمَامِ الْمُقْسِطِ وَمِنْ سِمَةِ الْعَالِمِ أَنْ يَعْرِفَ زَمَانَهُ وَيُقْبِلَ عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُتَحَذِّرًا مِنْ إِخْوَانِهِ فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إِلَّا مَعَارِفُهُمْ وَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ
(النَّوْعُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ)
قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْن دِينَار فِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُوَطَّأِ أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ يَثْرِبُ وَهِيَ الْمَدِينَةُ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ مَنْ سَمَّاهَا يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا الْمَدِينَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَسَمَّاهَا الْمُنَافِقُونَ يَثْرِبَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَهْلَ يثرب﴾ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ اسْمُهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَاسْمُهَا بَعْدَهُ الْمَدِينَةُ وَطَابَةُ وَطَيْبَةُ وَإِجْمَاعُ أَهْلِهَا حُجَّةٌ فِيمَا طرقه النَّقْلُ اتِّفَاقًا وَأَمَّا مَا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَالَ النَّخعِيّ لَو رَأَيْت الصَّحَابَة يتوضؤون إِلَى الْكُوعَيْنِ لَتَوَضَّأْتُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَا يُتَّهَمُونَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَهُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ وَأَحْرَصُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ كَوْنُ إِجْمَاعِهَا حُجَّةً وَفِي كِتَابِ الْحَجِّ التَّفْضِيلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ بِأَدِلَّةِ ذَلِكَ مُفَصَّلًا
(النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْفِرَارِ مِنَ الْوَبَاءِ وَالطَّاعُونِ)
فِي الصِّحَاحِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذَا سَمِعْتُمْ بِالْوَبَاءِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ قَالَ الْبَاجِيُّ لَا يُقْدَمُ عَلَى الْوَبَاءِ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالنَّفْسِ وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ لِأَنَّهُ اسْتِسْلَامٌ لِقَدَرِ اللَّهِ وَالرِّجْسُ الْعَذَابُ وَأَوَّلُ وُقُوعِ الطَّاعُونِ كَانَ عَذَابًا وَهُوَ الْيَوْمُ شَهَادَةٌ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَحَدُ التِّسْعَةِ الشُّهَدَاءِ وَيَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ بِلَادِ الْوَبَاءِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ الْفِرَارِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ
بِالْقُدُومِ عَلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ نَهْيُ إِرْشَادٍ لَا تَحْرِيمٍ مِنْ بَابِ نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَام أَن يحل الممرض على المصح لَيْلًا يَقَعَ فِي نَفْسِهِ إِنْ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْدَمْ لَنَجَا مِنْهُ بَلْ لَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ عَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى ويؤجر إِذا قدم عَلَيْهِ مُعْتَقدًا أَن أَنَّ مَا أَصَابَهُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ يُصِيبُهُ وَيُؤْجَرُ إِنْ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ اتِّبَاعًا لِلنَّهْيِ النَّبَوِيِّ قَالَ فَهَذَا وَجْهُ تَخْيِير مَالك وَكَذَلِكَ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ لَيْسَ بِتَحْرِيمٍ بَلِ الْمُقَامُ أَفْضَلُ اسْتِسْلَامًا لِلْقَدَرِ وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ) وَهُوَ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ تَخْرُجُ فِي التَّرَاقِي وَالْآبَاطِ وَفِي كَوْنِ الْأَفْضَلِ الْمُقَامَ بِبَلَدِ الْوَبَاءِ أَوِ الْخُرُوجَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْرُجَ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَشَارَ بِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي قَضِيَّةِ عُمَرَ بِالشَّامِ وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْقُدُومِ وَالْخُرُوج عَنهُ قَالَه عَمْرو ابْن الْعَاصِ وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْقُدُومِ وَعَدَمُ الْخُرُوجِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُنِعَ مِنَ الْقُدُومِ عَلَى الْوَبَاءِ لِأَنَّ هَوَاءَ ذَلِكَ الْبَلَدِ قَدْ عَفِنَ وَصَارَ مَفْسُودًا مَسْمُومًا وَالْقُدُومُ عَلَى مُهْلِكَاتِ النُّفُوسِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّ الْهَوَاءَ الْمَسْمُومَ وَغَيْرَهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ تَعَلَّقَ بِأَهْلِهَا عُلُوقًا شَدِيدًا بِوَاسِطَةِ التَّنَفُّسِ وَالْإِحَاطَةِ بِهِمْ فَلَا يَشْعُرُ بِهَا لِلْخُرُوجِ إِلَّا وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ فِي جِسْمِ الْخَارِجِ مَا يَقْتَضِيهِ مِزَاجُهُ الْخَاصُّ بِهِ وَذَلِكَ الْهَوَاءُ كَمَا أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَادَتَهُ فَلَا يَنْفَعُهُ الْخُرُوجُ فَهُوَ عَبَثٌ وَالْعَبَثُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَرُبَّمَا أَضَرَّهُ السَّفَرُ بِمَشَقَّتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَوْنًا لِلْهَوَاءِ عَلَى الْمَوْتِ وَالْمَرَضِ
(النَّوْعُ السَّابِع وَالْعشْرُونَ الْغناء وَقِرَاءَة الْقُرْآن بالألحان وَنَحْوِهِ)
وَفِي الْبَيَانِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ أَنَّهُ الْغِنَاءُ وَاسْتِمَاعُهُ بِشِرَاءِ الْمُغَنِّيَةِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي ذَاتَ لَهْوِ الْحَدِيثِ أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى يُحِبُّهُ أَوْ يَخْتَارُهُ {أُولَئِكَ الَّذِينَ
اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى} وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ يَشْتَرِي أَحَادِيثَ الرُّومِ وَفَارِسَ وَيُحَدِّثُ بِهَا قُرَيْشًا فيلهيهم بهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَكْلُ أَثْمَانِ الْمُغَنِّيَاتِ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ تَعْلِيمُهُنَّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنِ اشْتَرَى الْمُغَنِّيَةَ لَا يُرِيدُهَا لِعَمَلِهَا الْغِنَاءَ وَلَمْ يَزِدْ فِي ثَمَنِهَا لِغِنَائِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَثَمَنُ الْمُغَنِّيَاتِ حَرَامٌ فَإِنِ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لِأَجْلِ غِنَائِهَا فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْبَائِعِ مَكْرُوهٌ لِلْمُبْتَاعِ وَلَا يَحْرُمُ جَمِيعُ الثَّمَنِ بَلِ الزَّائِدُ لِأَجْلِ الْغِنَاءِ كَالْبَائِعِ خَمْرًا وَثَوْبًا صَفْقَةً وَاحِدَةً تَحْرُمُ حِصَّةُ الْخَمْرِ فَقَطْ
(فَرْعٌ)
فِي الْمُقَدِّمَاتِ إِنِ اشْتَرَاهَا فَوَجَدَهَا مُغَنِّيَةً وَالْغِنَاءَ يَزِيدُ فِي قِيمَتِهَا هَلْ لَهُ الرَّدُّ قَوْلَانِ قَالَ وَالَّذِي أَرَاهُ إِنْ كَانَت رفيعة للاتخاذ لَهُ الرَّد لخوف لخوق ذَلِكَ بِالْوَلَدِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَيْبًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
(النَّوْع الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ شَدُّ الْأَوْتَارِ وَنَحْوِهَا على الدَّوَابّ)
وَفِي مُسلم نهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ شَدِّ الْأَوْتَارِ عَلَى الْخَيْلِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - رَسُولًا وَالنَّاسُ فِي مَقِيلِهِمْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ إِلَّا قُطِعَتْ قَالَ مَالِكٌ أَرَى ذَلِكَ مِنَ الْعَيْنِ قَالَ الْبَاجِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِالْأَوْتَارِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْوَتَرِ فَإِنْ قَلَّدَ الْجِمَالَ لَا لِلْعَيْنِ جَازَ وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّ صَاحِبَ الْإِبِلِ يَعْتَقِدُ أَنَّ شَدَّ ذَلِكَ يَرُدُّ الْعَيْنَ وَالْقَدَرَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَحْرِيمِ التَّعْلِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ شَيْئًا مِنَ التَّمَائِمِ خَوْفَ الْعَيْنِ وَجَوَّزَهُ لِلسَّقِيمِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالْفُقَهَاءِ جَوَازُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَفْصِدَ خَوْفَ ضَرَرِ الدَّمِ قَبْلَ الْمَرَضِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ قَبْلَ الْعَيْنِ وَبَعْدَهَا بِالدُّعَاءِ وَالْحِرْزِ وَقيل فِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تُقَلِّدُوا الْخَيْلَ الْأَوْتَارَ مَعْنَاهُ لَا تَرْكَبُوهَا فِي الثَّأْرِ وَطَلَبِ الْفِتَنِ وَكَرِهَ مَالِكٌ الْجَرَسَ لِصَوْتِهِ وَقَالَ هُوَ أَشَدُّ وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْعَوْذَةِ فِيهَا الْقُرْآن
وَذِكْرُ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا خُرِزَ عَلَيْهَا جِلْدٌ وَلَا خَيْرَ فِي رَبْطِهِ بِالْخَيْطِ وَتُبَاحُ قشرة الْأَشْجَار وَعنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْعِيرُ الَّتِي يَصْحَبُهَا جَرَسٌ لَا تَصْحَبُهَا الْمَلَائِكَةُ قيل هُوَ لجلجل الْكَبِيرُ أَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْأَجْرَاسُ وَالْقَلَائِدُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَعْنَاقِ الْإِبِلِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِلْحَدِيثِ وَكُلَّمَا عَظُمَ الْجَرَسُ كَانَ أَشَدَّ كَرَاهَةً وَيُحْتَمَلُ فِي تَعْلِيلِهِ شَبَهُهُ بِالنَّاقُوسِ وَقِيلَ إِنَّمَا يُكْرَهُ الْوَتَرُ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ قَدْ تَخْتَنِقُ بِهِ فِي شَجَرَةٍ وَنَحْوِهَا وَالْخَيْطُ يَنْقَطِعُ سَرِيعًا
(النَّوْع التَّاسِعُ وَالْعشْرُونَ السوائب والبحار)
قَالَ صَاحب الْبَيَان قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ النُّصُبَ وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ وَغَيَّرَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَلَقَد رَأَيْته فِي النَّار يجر نَصبه يُؤْذِي أهل النَّار برائحته وَأَوَّلُ مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِج عمد إِلَى ناقتين لَهُ فجذع أذنيهما وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا وَظُهُورَهُمَا ثُمَّ احْتَاجَ إِلَيْهِمَا فَشَرِبَ أَلْبَانهَا وَركب ظهورهما وَلَقَد رَأَيْته وإياهما يخبطانه بأخفافهما ويعضانه بأفواههما) قَالَ صابح الْبَيَانِ كَانُوا إِذَا النَّاقَةُ تَابَعَتِ اثْنَيْ عَشَرَ أُنْثَى لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ وَلَا يُجَزُّ وَبَرُهَا وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إِلَّا ضَيْفٌ وَمَا أَنْتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثًى شُقَّ أُذُنُهَا وَخُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا فِي الْإِبِلِ لَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إِلَّا ضَيْفٌ فَهِيَ الْبَحِيرَةُ ابْنَةُ السَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةُ الشَّاةُ تُنْتِجُ عَشْرَ إِنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ جُعِلَتْ وَصِيلَةً وَكَانَ مَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ إناثهم إِلَّا أَن يَمُوت مِنْهَا شَيْء فيشركون فِي أَكْلِهِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ الْحَامِي الْفَحْلُ يَتِمُّ لَهُ عَشْرُ إِنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ فَيُحْمَى ظَهْرُهُ فَلَا يُرْكَبُ وَلَا يُجَزُّ وَبَرُهُ وَيُخَلَّى فِي إِبِلِهِ يَضْرِبُ فِيهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لغير
ذَلِكَ فَالسَّائِبَةُ مِنَ السَّيَابِ وَالْبَحِيرَةُ مِنَ الْبَحْرِ وَهُوَ الشَّقُّ وَمِنْهُ الْبَحْرُ لِأَنَّهُ شَقٌّ فِي الأَرْض والحام مِنَ الْحِمَى وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْوَصِيلَةُ مِنَ الصِّلَةِ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ أَرْبَابَهَا بِوَلَدِهَا وَقَالَ قَتَادَةُ الْبَحِيرَةُ النَّاقَةُ تَلِدُ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ فَإِنْ كَانَ الْخَامِسُ ذكرا كَانَ للرِّجَال دون النِّسَاء أَو اثنى شَقُّوا أُذُنَهَا وَأَرْسَلُوهَا لَا يُنْحَرُ لَهَا وَلَدٌ وَلَا يشرب لَهَا لبن وَلَا تركب والسايبة النَّاقة تسبب وَلَا تُمْنَعُ حَوْضًا تَشْرَبُ فِيهِ وَلَا مَرْعًى تَرْتَعُ فِيهِ وَالْوَصِيلَةُ الشَّاةُ تَلِدُ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ فَإِن كَانَ السَّابِع ذكرا ذيح وَأَكَلَهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تُرِكَتْ وَقِيلَ الْوَصِيلَةُ الشَّاةُ تَلِدُ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ فَيَذْبَحُونَ السَّابِعَ إِنْ كَانَ جَدْيًا وَإِنْ كَانَ عنَاقًا فاستحويهما كِلَيْهِمَا وَقَالُوا الْجَدْيُ وَصِيلَةُ أُخْتِهِ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرهم لَا يعْقلُونَ﴾ وَسِرُّ التَّحْرِيمِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِذَلِكَ وَكَيْفِيَّتِهِ فَمُثِّلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - النَّارُ فِي الدُّنْيَا فَرَأَى فِيهَا عَمْرًا مُمَثَّلًا فِيهَا يَجُرُّ قَصَبَهُ وَهِيَ مَصَارِينُهُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ
(النَّوْعُ الثَلَاثُونَ فِي مَسَائِلَ شَتَّى)
قَالَ صَاحب الاستذكار اخْتلف فِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَقِيلَ الْخِلْقَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ أَيْ خَالِقَهَا أَيْ فَارِغٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَقِيلَ الِاسْتِقَامَةُ كَقَوْلِ مُوسَى للخضر ﴿أقتلت نفسا زكية بِغَيْر نفس﴾ وَكَانَ طفْلا
وَقِيلَ الْإِسْلَامُ قَالَهُ عَامَّةُ السَّلَفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا﴾ أَيْ دِينَ اللَّهِ وَلِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ كَمَا تناتج الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَا هَلْ تُحِسُّ مِنْ جذعا أَيْ خُلِقَتْ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ وَكَذَلِكَ الْمَوْلُودُ خُلِقَ سَلِيمًا مِنَ الْكُفْرِ وَقِيلَ الْبَدْأَةُ أَيْ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى مَا ابْتَدَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ من الشَّقَاء أَو السَّعَادَة والفاطر المتبدئ ويعضده قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ) وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ فريقا هدى وفريقا حق عَلَيْهِم الضَّلَالَة﴾ وَقِيلَ الْفِطْرَةُ الْإِيمَانُ طَوْعًا وَكَرْهًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ لِلذُّرِّيَّةِ يَوْمَ الْبَذْرِ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بلَى﴾ فَأَهْلُ السَّعَادَةِ قَالُوهَا عَنْ عِلْمٍ وَأَهْلُ الشَّقَاءِ قَالُوهَا عَنْ إِكْرَاهٍ وَجَهْلٍ يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكرها﴾ قَالُوا وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ قَالَتْ طَائِفَةٌ أَوْلَادُ النَّاسِ كُلِّهِمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ الْأَطْفَالُ إِذَا مَاتُوا مَوْكُولُونَ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ مِنْ نَعِيمٍ وَعَذَابٍ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا بِهِ عَامِلِينَ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي الْمَشِيئَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَا من الْمُسلمين من يَمُوت لَهُ ثَلَاث مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ) وَقِيلَ الْأَطْفَالُ كآبائهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَقِيلَ أَوْلَادُ الْكُفَّارِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ
يُمْتَحَنُونَ بِنَارٍ تُؤَجَّجُ لَهُمْ مَنْ دَخَلَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِلَّا دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ الْكَلَامَ فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ فِي الْفِطْرَةِ وَسِتَّةٌ فِي الْأَطْفَالِ
(مَسْأَلَةٌ فِي التَّنَعُّمِ)
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ عمر رَضِي الله عَنهُ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ الْعَجَمِ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ بِالْمُبَاحِ يُسْأَلُ عَنْهُ وَعَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ يَوْمِكُمْ هَذَا وَرَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا مَعَكَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عته ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ قَالَ مَالِكٌ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلَيْسَ فِي الْمَدِينَةِ مُنْخُلٌ يُنْخَلُ بِهِ دَقِيقٌ بَلْ يُطْحَنُ الشَّعِيرُ ثُمَّ يُنْفَضُ فَمَا طَارَ طَارَ وَمَا بَقِيَ بَقِيَ وَلَكِنَّهُمُ اتَّسَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفُتُوحَاتِ فَكَانَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فَكَانَتْ تَرِكَةُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ بَعْدَ أَدَاءِ دَيْنِهِ وَهُوَ مِائَتَا أَلْفِ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ وَكَانُوا فِي الْحَالَيْنِ مَشْكُورِينَ صَبَرُوا عِنْدَ الْقِلَّةِ وَجَادُوا عِنْدَ الْكَثْرَةِ وَكُتِبَتْ لَهُمْ أُجُورُ الزَّكَاةِ وَالنَّفَقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ وَكَانَ مَالُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْف يقطع بالفؤس وَنَابَ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ فِي نَصِيبِهَا مِنَ الثّمن ثَمَانِينَ أَلْفًا وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى عَلَى أَرْبَعِةِ أَقْوَالٍ فَقِيلَ الْغِنَى أَفْضَلُ وَقِيلَ الْفَقْرُ وَقيل الكفاف وَقيل الْوَقْف وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَقُومُ فِي كُلِّ حَالَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا أَمَّا مَنْ لَا يَقُومُ بِمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِي حَالَةٍ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْحَالَةَ الْأُخْرَى أَفْضَلُ لَهُ فَفِي الْحَدِيثِ (إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى) وَالْفَقْرُ وَالْغِنَى لَيْسَا حَسَنَيْنِ لِذَاتِهِمَا بَلْ بِالنِّسْبَةِ لِآثَارِهِمَا فِي النَّاسِ قَالَ وَالَّذِي أَرَاهُ تَفْضِيلَ الْغِنَى عَلَى الْفَقْرِ وَتَفْضِيلَ الْفَقْرِ عَلَى الْكَفَافِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿واسألوا الله من فَضله﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَالله يَعدكُم مغْفرَة مِنْهُ وفضلا﴾ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: (ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ) وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي آخِرِ عُمْرِهِ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَكَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قبل ذَلِك وَنهي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن إِضَافَة الْمَالِ وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَكُلُّ مَا يتَصَوَّر من الْفَقِير من الصَّبْر والرضى يُتَصَوَّرُ مِنَ الْغَنِيِّ فِي الْإِيثَارِ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُتَصَوَّرُ مِنَ الْغَنَى مِنَ الْقُرُبَاتِ يُتَصَوَّرُ مِنَ الْفَقِيرِ قَالَ وَإِنَّمَا قُلْتُ إِنَّ الْفَقْرَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَفَافِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَفَافِ يَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْكَفَافِ وَالْفَقِيرُ يُؤْجَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ الصَّبْرُ وَالرِّضَا احْتَجُّوا لِتَفْضِيلِ الْفَقْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْر حِسَاب﴾ وَبِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَام وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْفُقَرَاءُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ أَيْسَرُ حسابا وَأَقل سؤالا لَا من أبن اكْتَسَبْتَ وَفِيمَا أَنْفَقْتَ
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يُسَاوُونَهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْإِيسَارِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى وَعَنِ الثَّانِي لَا يَلْزَمُ مِنْ سَبْقِهِمْ لِلدُّخُولِ أَنْ تَكُونَ دَرَجَتُهُمْ أَعْلَى وَلَا مُسَاوِيَةً وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ الْفُقَرَاءَ أَكْثَرُ فِي الدُّنْيَا فَهُمْ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عُلُوُّ الدَّرَجَةِ وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّ السُّؤَالَ يَقَعُ نَعِيمًا لِقَوْمٍ وَعَذَابًا لِقَوْمٍ فَالْمُحْسِنُ يُجِيبُ بِحَسَنَاتِهِ فَيَنْعَمُ بِذَلِكَ والمسيء يُجيب عَن السُّؤَال بِفِعْلِهِ الْقَبِيح وَتَصَرُّفِهِ الدَّنِيءِ فَيَتَعَذَّبُ بِجَوَابِهِ فَلَا يَضُرُّ الْغَنِيَّ الشاكر السُّؤَال بل يَنْفَعهُ وَاحْتج مفضل الْكَاف بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (اللَّهُمَّ ازرق آلَ مُحَمَّدٍ الْكَفَافَ وَاجْعَلْ قُوتَ آلِ مُحَمَّدٍ كَفَافًا) وَدَخَلَ عَبَّادٌ عَلَى ابْنِ هُرْمُزَ فِي بَيْتِهِ فَرَأَى فِيهِ أَسِرَّةً ثَلَاثَةً عَلَيْهَا ثَلَاثُ فُرُشٍ وَوَسَائِدُ وَمَجَالِسُ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا فَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ وَلَيْسَ الَّذِي تَقُولُ بِشَيْءٍ أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَى هَذَا وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَمَا فَضَلَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنَ الْمَالِ بَعْدَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَلَبِسَ مِنْ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَأَكَلَ مِنْ طَيِّبِ الطَّعَامِ وَرَكِبَ مِنْ جَيِّدِ الْمَرَاكِبِ فَحَسَنٌ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَفِي مُسْلِمٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (يَا عَبْدِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) تَنْبِيهٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحِسَابُ وَالْمُسَاءَلَةُ لايدخلان فِي الْمُبَاحِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُسَاءَلَةَ تَكُونُ نَعِيمًا لِقَوْمٍ وَعَذَابًا لِقَوْمٍ وَكَذَلِكَ الْحِسَابُ عِنْدَ الطَّاعَاتِ عَلَى الْعَبْدِ الْمُطِيعِ نَعِيمٌ لَهُ وَعِنْدَ الْعَاصِي عَذَابٌ لَهُ وَإِلَّا فَاللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَاءَلَةِ مَعْنًى وَلَا لِلْحِسَابِ مَعْنًى وَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلَانِ فِي الْمُبَاحِ لِانْتِفَاءِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مِنْهُ فَيَتَعَيَّنُ حَذْفُ مُضَافٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لتسألن يَوْمئِذٍ عَن النَّعيم﴾ تَقْدِيرُهُ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ شُكْرِ النَّعِيمِ
وَكَذَلِكَ فِي قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَتُسْأَلُنَّ عَنْ شُكْرِ نَعِيمِ يَوْمِكُمْ هَذَا وَشُكْرُ الله تَعَالَى طَاعَته وطاعته مسؤول عَنْهَا)
(مَسْأَلَةٌ فِي الْحَيَاءِ)
فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ) قَالَ الْبَاجِيُّ مَعْنَى خُلُقُ الْإِسْلَامِ أَيْ شَأْنُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ وَجُعِلَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِهِ وَالْمُرَادُ فِيهَا شُرِعَ الْحَيَاءُ فِيهِ دُونَ الْحَيَاءِ الْمُفْضِي لِتَرْكِ تَعْلُّمِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مستحي وَلَا مُتَكَبِّرٌ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحُكْمُ بِالْحَقِّ وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الشَّهَادَةِ وَالْجِهَادُ فِي الله تَعَالَى وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ) أَيْ مِنْ جِنْسِهِ بَيْنَهُمَا جِنْسٌ عَامٌّ وَهُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ يَحُثُّ عَلَى الْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَكَذَلِكَ الْحَيَاءُ يَحُثُّ عَلَى الْمَكَارِمِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَسَاوِئِ
(مَسْأَلَةٌ فِي الْغَضَبِ)
فِي الْمُوَطَّأِ جَاءَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تغْضب وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) قَالَ الْبَاجِيُّ جَمَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَوَامِعَ الْخَيْرِ فِي قَوْلِهِ لَا تَغْضَبْ فَإِنَّ الْغَضَبَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْآثَامَ وَعَلَى النَّاسِ فِي مُعَادَاتِهِ وَتَفُوتُ عَلَيْهِ مَصَالِحُ دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ وَمَعْنَى لَا تغْضب لَا تمْضِي مَا يَبْعَثُكَ عَلَيْهِ غَضَبُكَ فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ آثَارُ الْغَضَبِ لَا الْغَضَبُ لِأَنَّهُ يَهْجِمُ عَلَى النَّفْسِ قَهْرًا عِنْدَ أَسْبَابِهِ وَيَتَفَاضَلُ النَّاسُ أَيْضًا فِي مُدَافَعَةِ الْغَضَبِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَبِسَبَبِ الْمُدَافَعَةِ لَا يَغْضَبُ مِنَ السَّبَبِ الْحَقِيرِ وَهَذَا فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا وَأَمَّا فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ فَقَدْ يَجِبُ الْغَضَبُ فِي الْجِهَادِ وَأَهْلِ الْعِنَادِ بِالْبَاطِلِ
وَغَيْرِهِ وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى الْخَيْرِ وَيَحُثُّ عَلَى تَرْكِ الشُّرُورِ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْكَ فَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا السَّائِلُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلِمَ مِنْهُ كَثْرَة الْغَضَب فخصه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِالْوَصِيَّةِ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ وَالصُّرَعَةُ الَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ أَنْ يَصْرَعَ النَّاسَ كَالْهُزَأَةِ وَالضُّحَكَةِ وَالنُّوَمَةِ وَقَوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْهُ فَإِنَّهُ بِالضَّرُورَةِ شَدِيدٌ بَلْ أَرَادَ نَفْيَ الشِّدَّةِ التَّامَّةِ أَوِ الشِّدَّةِ النَّافِعَةِ فَإِنَّ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ هُوَ أَعْظَمُ شِدَّةً وَانْفَتح نفعا عَظِيما كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّمَا الْكَرِيمُ يُوسُفُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ بَلْ أَرَادَ إِثْبَاتَ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ مَنْفِيَّةٍ عَنْ غَيْرِهِ
(مَسْأَلَةٌ فِي الضِّيَافَةِ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَضِيَافَتُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ قَالَ الْبَاجِيُّ أَوَّلُ مَنْ ضَيَّفَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيم الْمُكرمين﴾ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَخَالَفَهُ جَمِيعُ الْفُقَهَاء لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلْيُكْرِمْ وَالْإِكْرَامُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَوْ قَالَ فَلْيُضِفْهُ اتَّجَهَ وَقَدْ يَجِبُ لِلْمُجْتَازِ الْمَضْرُورِ بِالْجُوعِ قَالَ مَالِكٌ الضِّيَافَةُ إِنَّمَا تَتَأَكَّدُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَلَا ضِيَافَةَ فِي الْحَضَرِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا وَلِأَنَّ الْقُرَى يَقِلُّ الْوَارِدُ إِلَيْهَا فَلَا مَشَقَّةَ بِخِلَافِ الْحَضَرِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَعْرِفَةِ وَمَنْ بَيْنَكُمَا مَوَدَّةٌ وَإِلَّا فَالْحَضَرُ
والقرى سَوَاء قَالَ عِيسَى ابْن دِينَارٍ جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنْ يُتْحِفَهُ وَيُكْرِمَهُ جَهْدَهُ أَوْ تَخْتَصُّ الْجَائِزَةُ بِمَنْ لَمْ يُرِدِ الْمُقَامَ وَالثَّلَاثُ بِمَنْ أَرَادَهَا وَالزِّيَادَةُ صَدَقَةٌ أَيْ غَيْرُ مُتَأَكَّدَةٍ
(مَسْأَلَةٌ فِي الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ)
فَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي) قَالَ الْبَاجِيُّ يَكُونُ النَّاسُ فِي حَرِّ الشَّمْسِ إِلَّا مَنْ يُظِلُّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ مَعْنَاهُ أَمْنَعُهُ مِنَ الْمَكَارِهِ وَأَصْرِفُ عَنْهُ الْأَهْوَالَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ حر وَلَا شمس وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي) وَفِي هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ طَاعَتِي يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَقَوْلُنَا أَحَبَّ فِي اللَّهِ وَأَبْغَضَ فِي اللَّهِ أَيْ بِسَبَبِ طَاعَةِ اللَّهِ يُحِبُّ وَبِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ يُبْغِضُ
(مَسْأَلَةٌ فِي قَتْلِ الْكِلَابِ وَاقْتِنَائِهَا)
وَفِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ ضَرْعًا وَلَا زَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهُ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قِيرَاطَانِ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ مَالِكٌ تُتَّخَذُ الْكِلَابُ لِلْمَوَاشِي قِيلَ لَهُ فَالنَّخَّاسُونَ الَّذِينَ يَدَعُونَ دَوَابَّهُمْ قَالَ هِيَ كَالْمَوَاشِي لَا تُتَّخَذُ خَوْفَ اللُّصُوصِ فِي الْبُيُوتِ إِلَّا أَنْ تَسْرَحَ مَعَ الدَّوَابِّ فِي الرَّعْيِ وَلَا يتَّخذ الْمُسَافِر كَلْبا يحسره وَسَبَبُ الْمَنْعِ تَرْوِيعُ النَّاسِ بِهَا وَتَجُوزُ لِلصَّيْدِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ قِيرَاطٍ وَقِيرَاطَيْنِ أَنَّ الْقِيرَاطَيْنِ فِي الْجِنْسِ الَّذِي يَكْثُرُ تَرْوِيعُهُ لِلنَّاسِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِقَتْلِ الْكِلَابِ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ مَالِكٌ تُقْتَلُ الْكِلَابُ مَا يُؤْذِي مِنْهَا وَمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا حَالَ حَيَاتِهَا وَلَا تُتَّخَذُ عَرَضًا وَلَا
تقتل جوعا وَلَا عطشا لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَقَالَ (ش) لَا تُقْتَلُ الْكِلَابُ وَهَذَا الحَدِيث مَنْسُوخ بنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَن قتل الْكلاب إِلَّا الْأسود البيهم وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ نَسْخَهُ إِمَّا لِعَدَمِ بُلُوغِ النَّاسِخِ لَهُ أَوْ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ
(مَسْأَلَةٌ فِيمَا يُكْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ)
وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ لِنَعْجَةٍ تُحْلَبُ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا اسْمُكَ فَقَالَ مُرَّةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْلِسْ ثمَّ قَالَ من يحلب هَذِه فَقَالَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا اسْمُكَ فَقَالَ حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَا اسْمُكَ فَقَالَ يَعِيشُ فَقَالَ احْلُبْهَا قَالَ الْبَاجِيُّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَكْرَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا يَقْبُحُ مِنْهَا وَسَأَلَهُمْ عَنْ أَسْمَائِهِمْ لِيُنَادِيَهُمْ بِهَا أَوْ لِيَتَفَاءَلَ بِهَا وَغَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْمَ ابْنَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ اسْمُهَا عَاصِيَةَ فَسَمَّاهَا جَمِيلَةَ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الطِّيَرَةِ أَنَّ الطِّيَرَةَ لَيْسَ فِي لَفْظِ مَا يُتَطَيَّرُ بِهِ وَلَا فِي مَعْنَاهُ مَا يُكْرَهُ بَلْ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ الْفَاسِدِ وَسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَالْمَنْعُ فِي الْأَسْمَاءِ لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ الْقُبْحُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِمُخَالَفَةِ الدِّينِ كَمَا كَرِهَ اسْمَ امْرَأَةٍ اسْمُهَا بَرَّةُ فَقَالَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زَيْنَب قَالَ مَالك وَلَا يُسمى بياسمين وَلَا بِمَهْدِيٍّ وَلَا جِبْرِيلَ وَالْهَادِي أَقْرَبُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ يَقُولُ اللَّهُ ﴿يس وَالْقُرْآن الْحَكِيم﴾ يَقُولُ هَذَا اسْمِي يس قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قِيلَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ هُوَ اسْمُ الْقُرْآنِ فَعَلَى هَذَيْنِ تَمْتَنِعُ التَّسْمِيَةُ بِهِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ يَا إِنْسَانُ بِالْحَبَشِيَّةِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ مِفْتَاحٌ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِ كَلَامَهُ فَعَلَى هَذَيْنِ تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ للْخلاف فِيهِ
وَفِي المنتفى نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن نسمي رفيقنا بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ أَفْلَحَ وَرَبَاحٍ وَيَسَارٍ وَنَافِعٍ لِأَنَّهُ يُقَالُ ثَمَّ هُوَ فَتَقُولُ لَا وَقَدْ تَمْتَنِعُ التَّسْمِيَةُ مَنْعَ تَحْرِيمٍ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعَاظُمِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّ أَخْنَعَ الْأَسْمَاءِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِشَاهٍ شَاهْ مَالِكِ الْأَمْلَاكِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَلْحَقُ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بحياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَقَوْلِه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (سموا باسمي وَلَا تتكنوا بكنيتي وَإِمَّا أَنَا قَاسِمٌ أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ) فَنَهَى أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ أَحَدًا أَبَا الْقَاسِمِ لِأَنَّ رَجُلًا نَادَى رَجُلًا بِالْبَقِيعِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ رَسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَعْنِكَ وَهَذَا عدم بعده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلِذَلِكَ كَانَ يُكَنَّى بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرُهُمَا قَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إِلَّا رَأَوْا خَيْرًا وَرُزِقُوا وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَسْمَاءِ مَا فِيهِ عبودية لله تَعَالَى قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّحِيحَيْنِ (أَحَبُّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالْكُنَى عَلَى ضَرْبَيْنِ صَادِقَةٌ وَكَاذِبَةٌ نَحْوُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ وَأَبُو مُحَمَّدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو إِبْرَاهِيم لإسماعيل فَأخْبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّ كُنْيَتَهُ صَادِقَةٌ فَإِنْ قِيلَ الْكُنْيَةُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ قَاسِمُ الْغَنَائِمِ لَا أَبُو الْقَاسِمِ قُلْنَا الْأَبُ هُنَا لَيْسَ عَلَى بَابِهِ كَالِابْنِ فِي ابْنِ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ السَّبِيلَ وَالْقِسْمَةُ أَشْبَهَتْ مُلَازَمَةَ الِابْنِ أُمَّهُ أَوِ الْأَبِ ابْنَهُ وَمِنْهُ أَبُو الْفَضْلِ وَأَبُو الْمَكَارِمِ
(مَسْأَلَةٌ فِي الرِّفْقِ بالمملوك)
فِي الْمُوَطَّأ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - للملوك كِسْوَتُهُ وَطَعَامُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ قَالَ الْبَاجِيُّ مَعْنَى بِالْمَعْرُوفِ مَا يَلِيق بِهِ فِي حَاله ونفاده فِي