كإيجاب خَمْسِ صَلَوَاتٍ لِتَحْصِيلِ صَلَاةٍ مَنْسِيَّةٍ أَوْ كَاخْتِلَاطِ النَّجِسِ بِالطَّاهِرِ وَالْمُذَكَّاةِ بِالْمَيْتَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ بِالْأُخْتِ أَوْ لِتَيَقُّنِ الِاسْتِيفَاءِ كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ أَوْ إِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ مَعَ نَهَار الصَّوْم
الثَّامِن فِي خطاب الْكفَّار
أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي خِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالك رَحمَه الله خِطَابُهُمْ بِهَا خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي حَامِدٍ الاسفرايني لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُمْ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ من الْمُصَلِّين﴾ وَلِأَنَّ الْعُمُومَاتِ تَتَنَاوَلُهُمْ وَقِيلَ مُخَاطَبُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَرْجِعُ إِلَى مُضَاعَفَةِ الْعِقَابِ فِي الدَّار الْآخِرَة أَوْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَبَسْطُهُ فِي غَيْرِ هَذِه المقدمه
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي النَّوَاهِي وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فَصُولٍ)
الْفَصْل الأول فِي مُسَمّى النَّهْي
وَهُوَ عِنْدَنَا التَّحْرِيمُ وَفِيهِ مِنَ الْخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إِفَادَتِهِ التَّكْرَارَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ إِفَادَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ لَا يُفِيدُ الْفَوْرَ عِنْدَهُ وَمُتَعَلِّقُهُ فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِأَنَّ الْعَدَمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَعِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ عَدَمُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ
الثَّانِي فِي أقسامه
وَإِذا تعلق بأَشْيَاء فإمَّا على الْجَمِيع نَحْو الْخمر وَالْخِنْزِير وَإِمَّا على الْجمع نَحْو الْأُخْتَيْنِ أَو على الْبَدَل نَحْو إِنْ فَعَلْتَ ذَا فَلَا تَفْعَلْ ذَلِكَ كَنِكَاحِ الْأُم بعد ابْنَتهَا أَو على الْبَدَلِ كَجَعْلِ الصَّلَاةِ بَدَلًا مِنَ الصَّوْمِ
الثَّالِثُ فِي لَازِمِهِ
وَهُوَ عِنْدَنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مِنَّا وَفَرَّقَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالْإِمَامُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ فَيَقْتَضِي وَبَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ فَلَا يَقْتَضِي لَنَا أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَكُونُ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْكَائِنَةِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنهُ والمتضمن للمفسدة فَاسِدٌ وَمَعْنَى الْفَسَادِ فِي الْعِبَادَاتِ وُقُوعُهَا عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ يُوجِبُ بَقَاءَ الذِّمَّةِ مَشْغُولَةً بِهَا وَفِي الْمُعَامَلَاتِ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِهَا مَا يُقَرِّرُ آثَارَهَا من التَّصَرُّفَات على تَفْضِيل يَأْتِي فِي البيع وَغَيره إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مُطْلَقًا وَيَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ لِاسْتِحَالَةِ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحِيلِ وَيَقْتَضِي الْأَمْرَ بِضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِ الْمَنْهِيِّ عَنهُ
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْعُمُومَاتِ وَفِيهِ سَبْعَةُ فُصُولٍ)
الْفَصْل الأول أَدَوَاتِ الْعُمُومِ
وَهِيَ نَحْوَ عِشْرِينَ صِيغَة قَالَ الْإِمَامُ وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ بذاتها نحول كُلٍّ أَوْ بِلَفْظٍ يُضَافُ إِلَيْهَا كَالنَّفْيِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَالْإِضَافَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَمِنْهَا كُلٌّ وَجَمِيعٌ وَمَنْ وَمَا وَالْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ جَمْعًا وَمُفْرَدًا وَالَّذِي وَالَّتِي وَتَثْنِيَتُهُمَا وَجَمْعُهُمَا وَأَيُّ وَمَتَى فِي الزَّمَانِ وَأَيْنَ وَحَيْثُ فِي الْمَكَان قَالَه عَبْدُ الْوَهَّابِ وَاسْمُ الْجِنْسِ إِذَا أُضِيفَ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَهَذِهِ عِنْدَنَا لِلْعُمُومِ وَاخْتُلِفَ فِي الْفِعْلِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ وَالله لَا آكل فَعِنْدَ الشَّافِعِي هُوَ للْعُمُوم فِي المواكيل وَله تَخْصِيصُهُ بِنِيَّتِهِ فِي بَعْضِهَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ من مَذْهَبنَا وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَصح لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ لَا وَاحِدَ وَلَا كَثِيرَ فَلَا تَعْمِيمَ وَلَا تَخْصِيصَ وَاتَّفَقَ الْإِمَامَانِ عَلَى قَوْلِهِ لَا أَكَلْتُ أَكْلًا أَنَّهُ عَامٌّ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ وَعَلَى عَدَمِ تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ بِبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ أَوِ الْبِقَاعِ لَنَا إِنْ كَانَ عَامًّا صَحَّ التَّخْصِيصُ وَإِلَّا فَمُطْلَقٌ يَصِحُّ تَقْيِيده بِبَعْض حَاله وَهُوَ الْمَطْلُوب وَقَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَرْكُ الْاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ يَقُومُ مَقَامَ الْعُمُوم فِي الْمقَال نَحْو قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ غيلَان حِينَ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ عَنْ تَقَدُّمِ عُقُودِهِنَّ أَوْ تَأَخُّرِهَا أَوِ اتِّحَادِهَا أَوْ تَعَدُّدِهَا وَخِطَابُ الْمُشَافَهَةِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يُحَدِّثُ بَعْدُ إِلَّا بِدَلِيل وَقَول الصَّحَابِيّ نهى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ أَوْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ أَوْ حكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين قَالَ الامام فَخر الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْمَحْكِيِّ لَا فِي
الْحِكَايَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ كَانَ يَفْعَلُ كَذَا وَقِيلَ يُفِيدُهُ عُرْفًا وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ إِنَّ سَائِرَ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا بَاقِي الشَّيْءِ لَا جُمْلَتُهُ وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُدَبَاءِ إِنَّهَا بِمَعْنَى جُمْلَةِ الشَّيْءِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ من سور الْمَدِينَة الْمُحِيط لَا مِنَ السُّؤْرِ الَّذِي هُوَ الْبَقِيَّةُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ لِلْعُمُومِ وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَالِاسْتِعْمَالُ وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ لِلْعُمُومِ خِلَافًا لِلْجَمِيعِ فِي حَمْلِهِمْ لَهُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَالْعَطْفُ عَلَى الْعَامِّ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاث قُرُوء﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ فَهَذَا الضَّمِيرُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْعَطْفَ مُقْتَضَاهُ التَّشْرِيكُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي سَبَقَ الْكَلَامُ لِأَجْلِهِ فَقَطْ وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ الْمَفْهُومُ لَا عُمُومَ لَهُ قَالَ الْإِمَامُ إِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَاما لفظا فَقَرِيبٌ وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ عُمُومَ انْتِفَاء الحكم فدليل كَون الْمَفْهُوم حجَّة بنفيه وَخَالَفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصِّيَغِ وَقَالَ بِالْوَقْفِ مَعَ الْوَاقِفِيَّةِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْوَاقِفِيَّةِ إِنَّ الصِّيَغَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَقِيلَ تُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَخَالَفَ أَبُو هَاشم مَعَ الواقفية فِي الْمجمع الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَخَالَفَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ مَعَ الْوَاقِفِيَّةِ فِي الْفَرْدِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ لَنَا أَنَّ الْعُمُومَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ فَيَكُونَ مُسَمَّى اللَّفْظِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ وَلِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كُلِّ فَرْدٍ وَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَجَبَ انْدِرَاجُهُ تَنْبِيهٌ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُسْتَثْنَى مِنْهَا صُورَتَانِ إِحْدَاهُمَا لَا رَجُلٌ فِي الدَّارِ بِالرَّفْعِ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ وَهِيَ تُبْطِلُ عَلَى الْحَقِيقَة مَا ادعوهُ من أَن النكرَة عَمَّتْ لِضَرُورَةِ نَفْيِ الْمُشْتَرَكِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ عَمَّتْ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لُغَةً لِإِثْبَاتِ السَّلْبِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا وَثَانِيَتُهُمَا سَلْبُ الْحُكْمِ عَنِ الْعُمُومَاتِ
نَحْو لَيْسَ كل بيع حَلَالا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فَإِنَّهُ لَا يعم لِأَن سَلْبٌ لِلْحُكْمِ عَنِ الْعُمُومِ لَا حُكْمٌ بِالسَّلْبِ عَلَى الْعُمُومِ فَائِدَةٌ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ سَوَاءٌ دَخَلَ النَّفْيُ عَلَيْهَا نَحْوَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ أَوْ دَخَلَ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا نَحْوَ مَا جَاءَنِي أَحَدٌ
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَدْلُولِهِ
وَهُوَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِد لَا الْكُلُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلٌّ فَهُوَ كُلِّيَّةٌ لَا كُلٌّ وَإِلَّا لَتَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ فِي حَالَة النَّفْي وَالنَّهْي وَيَنْدَرِجُ الْعَبِيدُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي صِيغَةِ النَّاس وَالدّين آمنُوا ويندرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْعُمُومِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقِيلَ عُلُوُّ منصبه يَأْبَى ذَلِك وَقَالَ الصير فِي إِنْ صَدَرَ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ وَإِلَّا تَنَاوَلَهُ وَكَذَلِكَ يَنْدَرِجُ الْمُخَاطَبُ فِي الْعُمُومِ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّ شُمُولَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي جَمِيعَ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا انْدِرَاجُ النِّسَاءِ فِي خِطَابِ التَّذْكِيرِ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إِنِ اخْتُصَّ الْجَمْعُ بِالذُّكُورِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَبِالْعَكْسِ كَشَوَاكِرَ وَشُكْرٍ وَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ كَصِيغَةِ مَنْ تَنَاوَلَهُمَا قَالَ وَقِيلَ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا فَإِنْ كَانَ متقيدا بعلامة الْإِنَاثِ لَا يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ كَمُسْلِمَاتٍ وَإِنْ تَمَيَّزَ بِعَلَامَةِ الذُّكُورِ كَمُسْلِمِينَ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَقِيلَ يتناولهن
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مُخَصَّصَاتِهِ
وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ تَخْصِيصُهُ بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِقَوْمٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالق كل شَيْء﴾ خَصَّصَ الْعَقْلُ ذَاتَ
الله وَصِفَاته وبالإجماع وَالْكتاب بِالْكتاب خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ للْكتاب وَالسّنة المتواترة ووافقنا الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَالْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَخَالَفَنَا الْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشم مُطْلَقًا وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إِنْ خُصَّ قَبْلَهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ الْكَرْخِي إِن خصب قَبْلَهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ وَاخْتُلِفَ فِي الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ فَقِيلَ الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْمَعْنَى وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ وَقِيلَ الْجَلِيّ مَا تفهم علته كَقَوْلِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْضِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ وَقِيلَ مَا يُنْقَضُ الْقَضَاءُ بِخِلَافِهِ وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ إِنِ اسْتَوَيَا تَوَقَّفْنَا وَإِلَّا طَلَبْنَا التَّرْجِيحَ وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا إِذَا كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مُتَوَاتِرًا فَإِن كَانَ خبر وَاحِد كَانَ الْخِلَافُ أَقْوَى لَنَا اقْتِضَاءُ النُّصُوصِ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ وَالْقِيَاسُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحُكْمِ فَيُقَدَّمُ وَيَجُوزُ عندنَا تَخْصِيص السّنة المتواترة بِالسنةِ المتواترة وَتَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَانَتْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِي وَأَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَفَصَلَ ابْنُ أَبَانَ وَالْكَرْخِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي فِيهِ وَعِنْدَنَا يُخَصِّصُ فعله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِقْرَارُهُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فَقَالَ إِنْ تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ كَانَ الْفِعْلُ مُخَصِّصًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ إِنْ عُلِمَ بِدَلِيلٍ أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِهِ لَكِنَّ الْمُخَصِّصَ فِعْلُهُ مَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْعَامُّ مُتَنَاوِلًا لِأُمَّتِهِ فَقَطْ وَعلم بِدَلِيل أَن حكمه حكم أمته وَكَذَلِكَ الْإِقْرَار مُخَصص للشَّخْص الْمَسْكُوت عَنهُ لما خَالف الْعُمُوم ومخصص لغيره إِن علم أَن حكمه على الْوَاحِد حكم عَلَى الْكُلِّ وَعِنْدَنَا الْعَوَائِدُ مُخَصِّصَةٌ لِلْعُمُومِ قَالَ الْإِمَامُ إِنْ عُلِمَ
وُجُودُهُا فِي زَمَنِ الْخِطَابِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ وَعِنْدَنَا يُخَصِّصُ الشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ الْعُمُومَ مُطْلَقًا وَنَصَّ الْإِمَامُ على الْغَايَة وَالصّفة وَقَالَ إِن تعقبت الصّفة حملا جَرَى فِيهَا الْخِلَافُ الْجَارِي فِي الِاسْتِثْنَاء وَالْغَايَةِ حَتَّى وَإِلَى فَإِنِ اجْتَمَعَ غَايَتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ لَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ قَالَ الْإِمَامُ فَالْغَايَةُ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَالْأُولَى سُمِّيَتْ غَايَةً لِقُرْبِهَا مِنْهَا وَنَصَّ عَلَى الْحس قَوْله تَعَالَى ﴿تدمر كل شَيْء﴾ قَالَ وَفِي الْمَفْهُومِ نَظَرٌ وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ حجَّة لكَونه أَضْعَف من الْمَنْطُوق لَنَا فِي سَائِرِ صُوَرِ النِّزَاعِ أَنَّ مَا يُدْعَى أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا وَأَخَصَّ مِنَ الْمُخَصِّصِ فَإِنْ أُعْمِلَا أَوْ ألغيا اجْتمع النقيضان وَإِن أعمل مُطْلَقًا بَطَلَتْ جُمْلَةُ الْخَاصِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَيَتَعَيَّنُ وَهُوَ الْمَطْلُوب
الْفَصْل الرَّابِع وَفِيمَا لَيْسَ من مخصصاته
لِلْعُمُومِ سَبَبُهُ بَلْ يُحْمَلُ عِنْدَنَا عَلَى عُمُومِهِ إِذا كَانَ مُسْتقِلّا خلافًا للشَّافِعِيّ وَالْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ ينْدَرج فِي الْعُمُوم أولى من وعَلى غَيره ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالضَّمِيرُ الْخَاصُّ لَا يُخَصِّصُ عُمُومَ ظَاهِرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وَهَذَا عَامٌّ ثُمَّ قَالَ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ وَهَذَا خَاصٌّ بِالرَّجْعِيَّاتِ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ مِنَّا خِلَافًا للشَّافِعِيّ وَالْمُزْنِيِّ وَمَذْهَبُ الرَّاوِي لَا يُخَصِّصُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَذِكْرُ بَعْضِ الْعُمُومِ لَا يُخَصِّصُهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ وَكَوْنُهُ مُخَاطَبًا لَا يُخَصِّصُ الْعَامَّ إِنْ كَانَ خَبَرًا وَإِنْ كَانَ أَمْرًا جُعِلَ جَزَاءً قَالَ الْإِمَامُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا وَذِكْرُ الْعَامِّ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ لَا يُخَصِّصُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَعَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عهد
فِي عَهْدِهِ فَإِنَّ الثَّانِيَ خَاصٌّ بِالْحَرْبِيِّ فَيَكُونُ الأول كَذَلِك عِنْدهم وَلَا يخصص الْعَام بتعقيبه باستثناء أَو صفه أَو حكم لَا يَأْتِي إِلَّا فِي الْبَعْضِ لَا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَقِيلَ يُخَصِّصُهُ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فَالِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالرَّشِيدَاتِ وَالصِّفَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا﴾ أَيِ الرَّغْبَةَ فِي الرَّجْعَةِ وَالْحُكْمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن﴾ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالرَّجْعِيَّاتِ فَتَبْقَى الْعُمُومَاتُ عَلَى عُمُومِهَا وتختص هَذِه الْأُمُور بِمن تصلح لَهُ وَلنَا فِي سياقها صُوَرُ النِّزَاعِ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعُمُومِ عَلَى عُمُومِهِ فَمَهْمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِلْأَصْلِ (
الْفَصْلُ الْخَامِسُ) فِيمَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَيْهِ
وَيجوز عِنْدَنَا لِلْوَاحِدِ هَذَا إِطْلَاقُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنَ الْأَصْحَابِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَحَكَى إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِي مَنْ وَمَا وَنَحْوِهِمَا قَالَ وَقَالَ الْقفال يجب أَيْضا أقل الْجمع فِي الجموع الْمعرفَة وَقِيلَ يَجُوزُ إِلَى الْوَاحِدِ فِيهَا وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ لَا بُدَّ مِنَ الْكَثْرَةِ فِي الْكُلِّ إِلَّا إِذا اسْتعْمل للْوَاحِد الْمُعظم نَفسه
(الْفَصْل السَّادِس) فِي حكمه بعد التَّخْصِيص
وَلنَا وللشافعية وللحنفية فِي كَوْنِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا قَوْلَانِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ تَخْصِيصِهِ بِقَرِينَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ سَمْعِيَّةٍ فَيَكُونُ مَجَازًا أَوْ تَخْصِيصِهِ بِالْمُتَّصِلِ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجمع إِلَّا عِيسَى ابْن أَبَانَ وَأَبَا ثَوْرٍ وَخَصَّصَ الْكَرْخِيُّ
التَّمَسُّكَ بِهِ إِذَا خَصَّصَ بِالْمُتَّصِلِ وَقَالَ الْإِمَامُ إِنْ خَصَّصَ تَخْصِيصًا إِجْمَالِيًّا نَحْوَ قَوْلِهِ هَذَا الْعَامُّ مَخْصُوصٌ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَمَا أَظُنُّهُ يُخَالِفُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ لَنَا أَنَّهُ وُضِعَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَلم يسْتَعْمل فِيهِ فَيكون مجَازًا ومقتضيا ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِكُلِّ أَفْرَادِهِ وَلَيْسَ الْبَعْضُ شَرْطًا فِي الْبَعْضِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ فَيَبْقَى حُجَّةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ إِذَا عُلِمَتْ جَائِزٌ عِنْدَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلَ منا وَعند جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ
(الْفَصْلُ السَّابِعُ) فِي الْفَرْقِ بَينه وَبَين النّسخ وَالِاسْتِثْنَاء
أَن التَّخْصِيص لَا يكون إِلَّا فِيمَا تنَاوله اللَّفْظُ بِخِلَافِ النَّسْخِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهَ وَيَجُوزُ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَلَا يَثْبُتُ بِالْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالتَّخْصِيصُ كَالْجِنْسِ لِلثَّلَاثَةِ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْإِخْرَاجِ فَالتَّخْصِيصُ وَالِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجُ الْأَشْخَاصِ والنسخ إِخْرَاج الْأَزْمَان.
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ)
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَوَافَقَهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ والأستاذ أَبُو إِسْحَاق وَعبد الْملك ابْن الْمَاجشون من أَصْحَابه وَعند الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة رحمهمَا الله ثَلَاثَة وَحَكَاهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب عَن مَالك رحمهمَا الله وَعِنْدِي أَن مَحل الْخلاف مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ الَّتِي هِيَ الْجِيمُ وَالْمِيمُ وَالْعَيْنُ لَمْ يحسن إِثْبَاتُ الْحُكْمِ لِغَيْرِهَا مِنَ الصِّيَغِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْ صِيَغِ الْجُمُوعِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهُوَ جَمْعُ السَّلَامَةِ مُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا وَمِنْ جمع التكسير الْقلَّة مَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ (بِأَفْعُلٍ وَبِأَفْعَالٍ وَأَفْعِلَةٍ ... وَفِعْلَةٍ يُعْرَفُ الْأَدْنَى مِنَ الْعَدَدِ) وَجَمْعُ كَثْرَةٍ وَهِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَجُمُوعُ الْقِلَّةِ لِلْعَشَرَةِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ وَجُمُوعُ الْكَثْرَةِ لِلْأَحَدَ عَشَرَ فَأَكْثَرَ هَذَا هُوَ نَقْلُ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَدْ يُسْتَعَارُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مَجَازًا وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي جُمُوعِ الْكَثْرَةِ فَأَقَلُّ مراتبها أحد عشر فَلَا معنى لِلْقَوْلِ بالاثنين وَلَا بِالثَّلَاثَةِ وَإِن كَانَ فِي جموع الْقلَّة فَهُوَ يَسْتَقِيم لَكِنَّهُمْ لَمَّا أَثْبَتُوا الْأَحْكَامَ وَالِاسْتِدْلَالَ فِي جُمُوعِ الْكَثْرَةِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهَا وَأَنَّ مَحل الْخلاف مَا هُوَ أَعم مِنْهَا وَلَا هِيَ
(الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَدِّهِ
وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِخْرَاجِ بَعْضِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ ذَاتًا كَانَ أَوْ عَدَدًا أَوْ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ إِمَّا مَحَلُّ الْمَدْلُولِ أَوْ أَمْرٌ عَامٌّ بِلَفْظِ إِلَّا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَالذَّاتُ نَحْوَ رَأَيْتُ زَيْدًا إِلَّا يَدَهُ وَالْعَدَدُ إِمَّا متناه نَحْو قَوْله عِنْدِي عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ أَوْ غَيْرُ مُتَنَاهٍ نَحْوَ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ وَمَحَلُّ الْمَدْلُول نَحْو أعتق رَقَبَة إِلَّا الْكفَّار وصل إِلَّا عِنْد الزَّوَال إِذا قُلْنَا بِأَن الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فَإِنَّ الرَّقَبَةَ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ عَام تقبل أَن تعين فِي مَحَالٍّ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ فَإِنَّ كُلَّ شَخْصٍ هُوَ مَحَلٌّ لِأَعَمِّهِ وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ حَقِيقَةٌ كُلية تقبل أَن تقع فِي أَي زمَان كَانَ فالأزمنة محَال الْأَفْعَال والأشخاص محَال الْحَقَائِق وَالْأَمر الْعَام نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿لتأتنني بِهِ إِلَّا أَن يحاط بكم﴾ أَيْ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنَ الْحَالَاتِ إِلَّا فِي حَالَةِ الْإِحَاطَةِ بِكُمْ فَالْحَالَةُ أَمْرٌ عَامٌّ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ وَكَذَلِكَ مَحَالُّ الْمَدْلُولِ لَيْسَتْ مَدْلُولَةَ اللَّفْظِ فَإِنْ فُرِّعَتْ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ مَجَازٌ فَقَدْ كَمُلَ الْحَدُّ فَإِنَّا إِنَّمَا نَحِدُّ الْحَقِيقَةَ وَإِنْ قُلْتَ هُوَ حَقِيقَةٌ رُدَّتْ بَعْدَ قَوْلِكَ أَوْ أَمْرٌ عَامٌّ أَوْ مَا يَعْرِضُ فِي نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ وَتَكُونُ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ كَأَنَّكَ قُلْتَ أَيُّ شَيْءٍ وَقْعَ عَلَى وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَهُوَ اسْتثِْنَاء
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَقْسَامِهِ
وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى الْإِثْبَات وَالنَّفْي والمتصل
والمنقطع وضبطهما مُشْكِلٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفُضَلَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولى﴾ مُنْقَطِعٌ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِلَّا هُوَ بَعْضُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَمن جنسه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَة﴾ مُنْقَطِعٌ مَعَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِلَّا هُوَ عَيْنُ الْأَمْوَالِ الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهَا قَبْلَ إِلَّا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُتَّصِلَ عِبَارَةٌ عَنْ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى جِنْسِ مَا حكمت عَلَيْهِ أَولا بنقيض مَا حكمت عَلَيْهِ بِهِ أَولا فَمَتَى انحرم قَيْدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ كَانَ مُنْقَطِعًا فَيَكُونُ الْمُنْقَطِعُ هُوَ أَنْ تَحْكُمَ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ مَا حَكَمْتَ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَوْ بِغَيْرِ نَقِيضِ مَا حَكَمْتَ بِهِ أَوَّلًا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَتَيْنِ مُنْقَطِعًا لِلْحُكْمِ فِيهِمَا بِغَيْرِ النَّقِيضِ فَإِنَّ نَقِيضَ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ يذوقون فِيهَا الْمَوْت وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ بَلْ بِالذَّوْقِ فِي الدُّنْيَا وَنَقِيضُ لَا ﴿تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ كُلُوهَا بِالْبَاطِلِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ وَعَلَى هَذَا الضَّابِطِ تَخْرُجُ جَمِيعُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ولسان الْعَرَب
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِهِ
اخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدّين أَن الْمُنْقَطع مجَاز وَفِيه خلاف وَوَافَقَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب وَذكر أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ إِلَّا ثَوْبًا مِنْ هَذَا الْبَابِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ عَلَى الْمَجَازِ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْقيمَة خلافًا لمن قَالَ إِنَّه مُقَدّر بلكن وَلِمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَالْمُتَّصِلِ وَيَجِبُ اتِّصَالُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَادَةً خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُ قَالَ الإِمَام فَخر الدّين إِنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ يُحْمَلْ عَلَى مَا إِذَا نَوَى عِنْدَ التَّلَفُّظِ ثُمَّ أَظْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِك وَاخْتَارَ
القَاضِي عبد الْوَهَّاب جَوَاز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَوَافَقَهُ الإِمَام فَخر الدّين وَاخْتَارَ القَاضِي أَبُو بكر أَنه يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ وَقِيلَ قَدْ يَجُوزُ الْمُسَاوِي دُونَ الْأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَكْثَرُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ اتِّفَاقًا وَمن النَّفْي إِثْبَات خلافًا لأبي حنيفَة رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِنْ أَصْحَابِهِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَحْكِي التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي عدم إِثْبَات نفيض الْمَحْكُومِ بِهِ بَعْدَ إِلَّا لَنَا أَنْهُ الْمُتَبَادِرُ عرفا فَيكون لُغَة لِأَن الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَالتَّغْيِير وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُلَّ اتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ نَقِيضِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا بَعْدَهُ وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَنَحْنُ نُثْبِتُ نَقِيضَ الْمَحْكُومِ بِهِ وَالْحَنَفِيَّةُ يُثْبِتُونَ نَقِيضَ الْحُكْمِ فَيَصِيرُ مَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ وَإِذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءَ الْجُمَلُ يُرْجَعُ إِلَى جُمْلَتهَا عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله وَعند أصحابهما وَإِلَى الْأَخِيرَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ إِنْ تَنَوَّعَتِ الْجُمْلَتَانِ بِأَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا خَبَرًا وَالْأُخْرَى أَمْرًا عَادَ إِلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ تَتَنَوَّعِ الْجُمْلَتَانِ وَلَا كَانَ حُكْمُ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى وَلَا أُضْمِرَ اسْمُ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى فَكَذَلِكَ أَيْضًا وَإِلَّا عَاد إِلَى الْكل وَاخْتَارَهُ الإِمَام فَخر الدّين وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنَّا فِي الْجَمِيعِ وَإِذَا عُطِفَ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي بِحَرْفِ عَطْفٍ أَوْ هُوَ أَكْثَرُ مِنَ الِاسْتِثْنَاء الأول أَو مُسَاوِيا لَهُ عَاد إِلَى أصل الْكَلَام الاستحالة الْعَطْفِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَإِخْرَاجِ الْأَكْثَرِ أَوِ الْمُسَاوِي وَإِلَّا عَاد إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ تَرْجِيحًا لِلْقُرْبِ وَنَفْيًا لِلَغْوِ الْكَلَامِ
(فَائِدَتَانِ)
الْأُولَى قَدْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عِبَارَةً عَمَّا لَوْلَاهُ لَعُلِمَ دُخُولُهُ أَوْ مَا لَوْلَاهُ لَظُنَّ دُخُولُهُ أَوْ مَا لَوْلَاهُ لَجَازَ دُخُولُهُ أَوْ مَا لَوْلَاهُ لَقُطِعَ بِعَدَمِ دُخُولِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ فَالْأَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النُّصُوصِ نَحْوَ لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ إِلَّا اثْنَيْنِ وَالثَّانِي الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الظَّوَاهِرِ نَحْوَ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا زَيْدًا وَالثَّالِثُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمَحَالِّ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ نَحْوَ أَكْرِمْ رجلا إِلَّا زيدا أَو مروا وصل إِلَّا عِنْد الزول ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وَالرَّابِعُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ نَحْوَ رَأَيْتُ الْقَوْمَ إِلَّا حِمَارًا الثَّانِيَةُ أَنَّ إِطْلَاقَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاء يرد على الْإِثْبَات وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَمْ يُنْطَقْ بِهَا فَالْأَوَّلُ نَحْوَ لَا عُقُوبَةَ إِلَّا بِجِنَايَةٍ وَالثَّانِي نَحْوَ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ وَالثَّالِث نَحْو لَا تسْقط الصَّلَاة عَن امْرَأَة إِلَّا بِالْحَيْضِ وَالرَّابِعُ نَحْوَ قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا وَالْخَامِسُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بكم﴾ وَلَمَّا كَانَتِ الشُّرُوطُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَلَا الْعَدَمُ لَمْ يَلْزَمْ مِنَ الْحُكْمِ بِالنَّفْي قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ الْحُكْمُ بِالْوُجُودِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَجْلِ وُجُودِهِ فَيَكُونُ مُطَّرِدًا فِيمَا عدا الشَّرْط
(الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الشَّرْطِ)
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَدَوَاتِهِ
وَهِيَ إِنْ وَإِذَا وَلَوْ وَمَا تَضَمَّنَ مَعْنَى إِنْ فَإِنْ تَخْتَصُّ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ وَإِذَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَعْلُومِ وَالْمَشْكُوكِ وَلَوْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي بِخِلَافِهِمَا
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي حَقِيقَتِهِ
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ ثُمَّ هُوَ قَدْ لَا يُوجَدُ إِلَّا مُتَدَرِّجًا كَدَوَرَانِ الْحَوْلِ وَقَدْ يُوجَدُ دُفْعَةً كَالنِّيَّةِ وَقَدْ يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ كَالسُّتْرَةِ فَيُعْتَبَرُ مِنَ الْأَوَّلِ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ وَمِنَ الثَّانِي جُمْلَتُهُ وَكَذَلِكَ الثَّالِثِ لِإِمْكَانِ تَحَقُّقِهِ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ عَدَمَهُ اعْتُبِرَ أَوَّلُ أَزْمِنَةِ عَدَمِهِ فِي الثَّلَاثَةِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ
إِذَا رُتِّبَ مَشْرُوطٌ عَلَى شَرْطَيْنِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ حُصُولِهِمَا إِنْ كَانَا عَلَى الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَا عَلَى الْبَدَلِ حَصَلَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَإِلَى الْمُعَلق تَعْيِينه لِأَن الْحَاصِل أَن الشَّرْط هُوَ الْمُشْتَرك بَيْنَهُمَا وَإِذَا دَخَلَ الشَّرْطُ عَلَى جُمَلٍ رُجِعَ إِلَيْهَا عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِلَى مَا يَلِيهِ عِنْدَ بَعْضِ الْأُدَبَاءِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ التَّوَقُّفَ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ بِالْكَلَامِ وَعَلَى حُسْنِ التَّقْيِيدِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِي وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ فِي اللَّفْظِ وَتَأْخِيرُهُ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ تَقْدِيمَهُ خِلَافًا للقراء جَمْعًا بَيْنَ التَّقَدُّمِ الطَّبْعِيِّ وَالْوَضْعِيِّ
(الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ)
التَّقْيِيدُ وَالْإِطْلَاقُ أَمْرَانِ اعْتِبَارِيَّانِ فَقَدْ يَكُونُ الْمُقَيَّدُ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى قيد آخر كالرقبة الْمَمْلُوكَة هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالْمِلْكِ وَهِيَ مُطْلَقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَقَدْ يَكُونُ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا كَالرَّقَبَةِ مُطْلَقَةً وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالرِّقِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ حَقِيقَةٍ إِنِ اعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ مُضَافَةً إِلَى غَيْرِهَا فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ وَوُقُوعُهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مُتَّفِقُ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ كَإِطْلَاقِ الْغَنَمِ فِي حَدِيثٍ وَتَقْيِيدِهَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِالسَّوْمِ وَمُخْتَلِفُ الْحُكْمِ وَالسَّبَبِ كَتَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ بِالْعَدَالَةِ وَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ فِي الظِّهَارِ وَمُتَّحِدُ الْحُكْمِ مُخْتَلِفُ السَّبَبِ كَالْعِتْقِ مُقَيَّدٌ فِي الْقَتْلِ مُطْلَقٌ فِي الظِّهَارِ وَمُخْتَلِفُ الْحُكْمِ مُتَّحِدُ السَّبَبِ كَتَقْيِيدِ الْوُضُوءِ بِالْمَرَافِقِ وَإِطْلَاقِ التَّيَمُّمِ وَالسَّبَبُ وَاحِدٌ وَهُوَ الْحَدَثُ فَالْأَوَّلُ لَا يُحْمَلُ فِيهِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالثَّانِي لَا يُحْمَلُ فِيهِ إِجْمَاعًا
وَالثَّالِثُ لَا يُحْمَلُ فِيهِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا وَعند الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ فَيَقْتَضِي أَحَدُهُمَا التَّقْيِيدَ وَالْآخَرُ الْإِطْلَاقَ وَالرَّابِعُ فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ قُيِّدَ بِقَيْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ حُمِلَ عَلَى الْأَقْيَسِ مِنْهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَيَبْقَى عَلَى إِطْلَاقِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمُتَقَدِّمِي الشَّافِعِيَّةِ
(الْبَاب الْحَادِي عشر فِي دَلِيل الْخطاب)
وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَتُهُ وَأَنْوَاعُهُ الْعَشَرَةُ وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابه وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَخَالَفَ فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ من أَصْحَابنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَا يَجِبُ انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الِانْتِفَاءَ لَيْسَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ وَخَالَفَ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَبُو حنيفَة وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ ووافقنا الشَّافِعِي وَالْأَشْعَرِيُّ وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا الدَّقَّاقُ لَنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ لَوْ لَمْ يَقْتَضِ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنِ الْمَسْكُوتِ عَنهُ للَزِمَ التَّرْجِيح مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَهُوَ مُحَالٌ فَرْعَانِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَتَى خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ إِجْمَاعًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ وَلِذَلِكَ يُرَدُّ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَإِنَّ غَالِبَ أَغْنَامِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهَا السَّوْمُ الثَّانِي أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالصِّفَةِ فِي جِنْسٍ هَلْ يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ فَيَقْتَضِي الْحَدِيثُ مَثَلًا نَفْيَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْ سَائِرِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا أَوْ لَا يَقْتَضِي نَفْيَهُ إِلَّا عَنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ خَاصَّةً وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ
(الْبَاب الثَّانِي عشر فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ وَفِيهِ سِتَّةُ فُصُولٍ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْنَى أَلْفَاظِهِ
فَالْمُبَيَّنُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى مَعْنًى إِمَّا بِالْأَصَالَةِ وَإِمَّا بَعْدَ الْبَيَانِ وَالْمُجْمَلُ هُوَ الدَّائِرُ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ فَصَاعِدًا إِمَّا بِسَبَبِ الْوَضْعِ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ كَالْمُتَوَاطِئِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُزْئِيَّاتِهِ فَكُلُّ مُشْتَرَكٍ مُجْمَلٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُجْمَلٍ مُشْتَرَكًا وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ مُبَيَّنًا مِنْ وَجْهٍ مُجْمَلًا مِنْ وَجْهٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَاده﴾ فَإِنَّهُ مُبَيَّنٌ فِي الْحَقِّ مُجْمَلٌ فِي مِقْدَارِهِ وَالْمُؤَوَّلُ هُوَ الِاحْتِمَالُ الْخَفِيُّ مَعَ الظَّاهِرِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَآلِ إِمَّا لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الظُّهُورِ بِسَبَبِ الدَّلِيلِ الْعَاضِدِ أَوْ لِأَنَّ الْعَقْلَ يؤُولُ إِلَى فَهْمِهِ بَعْدَ فَهْمِ الظَّاهِرِ وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ بِمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً وَفِي الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ وَقَدْ لَا يَقَعُ فَيَكُونُ مَجَازًا مُطْلَقًا
الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا لَيْسَ مُجْمَلًا
إِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الْأَعْيَانِ لَيْسَ مُجْمَلًا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَدُلُّ الْعُرْفُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَيْنٍ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ فَيُحْمَلُ فِي الْمَيْتَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَفِي الْأُمَّهَاتِ عَلَى وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ وَإِذَا دَخَلَ النَّفْيُ عَلَى الْفِعْلِ كَانَ مُجْمَلًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَ
قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ لِدَوَرَانِ النَّفْيِ بَيْنَ الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ وَقِيلَ إِنْ كَانَ الْمُسَمَّى شَرْعِيًّا انْتَفَى وَلَا إِجْمَالَ وَقَوْلُنَا هَذِهِ صَلَاةٌ فَاسِدَةٌ مَحْمُولٌ عَلَى اللُّغَوِيِّ وَإِنْ كَانَ حَقِيقِيًّا نَحْوَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَلَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ انْتَفَى وَلَا إِجْمَالَ وَإِلَّا تَحَقَّقَ الْإِجْمَالُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَقْسَامِهِ
الْمُبَيَّنُ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ وَإِمَّا بِالتَّعْلِيلِ كَفَحْوَى الْخِطَابِ أَوْ بِاللُّزُومِ كَالدَّلَالَةِ عَلَى الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَالْبَيَانُ إِمَّا بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ أَوْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَوْ بِالتَّرْكِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا أَوْ بِالسُّكُوتِ بَعْدَ السُّؤَالِ فَيُعْلَمُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِلشَّرْعِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حكمه
وَيجوز وُرُود الْجمل فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافًا لِقَوْمٍ لَنَا أَنَّ آيَةَ الْجُمُعَةِ وَآيَةَ الزَّكَاةِ مُجْمَلَتَانِ وَهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَجُوزُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ خِلَافًا لقوم
وَإِذَا تَطَابَقَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ فَالْبَيَانُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ مُؤَكِّدٌ لَهُ وَإِنْ تَنَافَيَا نَحْوَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَلْيَطُفْ لَهما طَوافا وَاحِدًا وَطَاف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَهُمَا طَوَافَيْنِ فَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ لِكَوْنِهِ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَيَجُوزُ بَيَانُ الْمَعْلُومِ بِالْمَظْنُونِ خِلَافًا لَلْكَرْخِيِّ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي وَقْتِهِ
مَنْ جَوَّزَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ لِلْخِطَابِ ظَاهِرٌ أُرِيدَ خِلَافُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَّا فِي النَّسْخِ وَمَنَعَ أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْهُ فِيمَا لَهُ ظَاهِرٌ أُرِيدَ خِلَافُهُ وَأَوْجَبَ تَقْدِيمَ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ دُونَ التَّفْصِيلِيِّ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الظَّاهِرُ لَيْسَ مُرَادًا وَيَجُوزُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام تَأْخِيرُ مَا يُوحَى إِلَيْهِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثمَّ إِن علينا بَيَانه﴾ وَكلمَة ثمَّ للتراخي فَيجوز التَّأْخِير وَهُوَ الْمَطْلُوب
الْفَصْل السَّادِس فِي الْمُبين لَهُ
يجب الْبَيَان لمن أُرِيد إفهامه فَقَط دون غَيره ثُمَّ الْمَطْلُوبُ قَدْ يَكُونُ عِلْمًا فَقَطْ كَالْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَيْضِ أَوْ عَمَلًا فَقَطْ كَالنِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَفِقْهِهِ أَوِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ كَالْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَالِهِمْ أَوْ لَا عِلْمَ وَلَا عَمَلَ كَالْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَيَجُوزُ إِسْمَاعُ الْمَخْصُوصِ بِالْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وِفَاقًا وَالْمَخْصُوصِ بِالسَّمْعِ بِدُونِ بَيَانِ مُخَصِّصِهِ عِنْد النظام وَأبي هَاشم وَاخْتَارَهُ الإِمَام خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ
(الْبَاب الثَّالِث عشر فِي فعله عَلَيْهِ السَّلَام)
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي دَلَالَةِ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
إِنْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ فِي الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوِ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا وَفِيهِ قُرْبَةٌ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَالْأَبْهَرِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِلْوُجُوبِ وَعند الشَّافِعِي لِلنَّدْبِ وَعِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى الْوَقْفِ وَمَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ فَهُوَ عِنْدَ الْبَاجِيِّ لِلْإِبَاحَةِ وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لِلنَّدْبِ وَأَمَّا إِقْرَارُهُ عَلَى الْفِعْلِ فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي اتِّبَاعِهِ
قَالَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُعْتَزِلَةِ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي فِعْلِهِ إِذَا عُلِمَ وَجْهُهُ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا﴾ وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَلَّادٍ بِهِ فِي الْعِبَادَاتِ فَقَطْ
وَإِذَا وَجَبَ التَّأَسِّي بِهِ وَجَبَ مَعْرِفَةُ وَجْهِ فِعْلِهِ مِنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ إِمَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّا عُلِمَ فِيهِ وَجْهُ ثُبُوتِهِ فَيُسَوَّى بِهِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ قِسْمَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الثَّالِثُ أَوْ بِالِاسْتِصْحَابِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ أَوْ بِالْقُرْبَةِ عَلَى نَفْيِ الْإِبَاحَةِ فَيَتَعَيَّنُ النَّدْبُ وَبِالْقَضَاءِ عَلَى الْوُجُوبِ وَبِالْإِدَامَةِ مَعَ التَّرْكِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى النَّدْبِ وَبِعَلَامَةِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ كَالْأَذَانِ وَبِكَوْنِهِ جُزْءًا لِسَبَبِ الْوُجُوبِ كَالنَّذْرِ تَفْرِيعٌ إِذَا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ وَعَارَضَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ وَتَأَخَّرَ الْفِعْلُ نَسَخَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ كَانَ الْقَوْلُ خَاصًّا بِهِ أَوْ بِأُمَّتِهِ أَوْ عَمِّهِمَا وَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَوْلُ وَهُوَ عَامٌّ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُسْقِطَ حُكْمُ الْفِعْلِ عَنِ الْكُلِّ وَإِنِ اخْتُصَّ بِأَحَدِهِمَا خَصَّصَهُ عَنْ عُمُومِ حُكْمِ الْفِعْلِ وَإِنْ تَعَقَّبَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ وَعَمَّ القَوْل لَهُ الأمته عَلَيْهِ السَّلَامُ خَصَّصَهُ عَنْ عُمُومِ الْقَوْلِ وَإِنِ اخْتَصَّ بِالْأُمَّةِ تَرَجَّحَ الْقَوْلُ عَلَى الْفِعْلِ وَإِنِ اخْتَصَّ بِهِ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صُحِّحَ الْقَوْلُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِدَلَالَتِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَإِنْ عَارَضَ الْفِعْلُ الْفِعْلَ بِأَنْ يُقِرَّ شَخْصًا عَلَى فِعْلٍ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضِدَّهُ فَيُعْلَمُ خُرُوجُهُ عَنْهُ أَوْ يَفْعَلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضِدَّهُ فِي وَقْتٍ يُعْلَمُ لُزُومُ مِثْلِهِ لَهُ فِيهِ فَيَكُونُ نَسْخًا لِلْأَوَّلِ
الْفَصْل الثَّالِث فِي تأسيه عَلَيْهِ السَّلَام
مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَقِيلَ كَانَ مُتَعَبِّدًا لَنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَافْتَخَرَتْ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْمِلَّةِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ وَأَمَّا بَعْدَ نُبُوَّتِهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابه وَأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَكَذَلِكَ أُمَّتُهُ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَمَنَعَ مِنْهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتده﴾ وَهُوَ عَامٌّ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ
(الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي النَّسْخِ وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ
قَالَ الْقَاضِي مِنَّا وَالْغَزَّالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ خِطَابٌ دَلَّ عَلَى ارْتِفَاعِ حُكْمٍ ثَابِتٍ بِخِطَابٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ النَّاسِخُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِطَرِيقٍ لَا يُوجَدُ بَعْدَهُ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ بِحَيْثُ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابتا وَرَأى أَن الطَّرِيق أَعم من الْخطاب ليشْمل سَائل المدارك لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ وُقُوفَ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ فِي الْجِهَادِ بِثُبُوتِهِ لِلِاثْنَيْنِ وَهُمَا فِي الْقُرْآنِ وَقَوله مثل الحكم لِأَنَّ الثَّابِتَ قَبْلَ النَّسْخِ غَيْرُ الْمَعْدُومِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ مُتَرَاخِيًا لِئَلَّا يَتَهَافَتَ الْخِطَابُ وَقَوله لَكَانَ ثَابتا احْتِرَازًا من المغيات نَحْوَ الْخِطَابِ بِالْإِفْطَارِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ نَاسِخًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَقَالَ الْقَاضِي مِنَّا وَالْغَزَّالِيُّ الْحُكْمُ الْمُتَأَخِّرُ يُزِيلُ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْأُسْتَاذُ وَجَمَاعَةٌ هُوَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَائِمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَعَلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَائِمًا فَكَانَ يَسْتَحِيلُ نَسْخُهُ لِاسْتِحَالَةِ انْقِلَابِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ عَنْهُ
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِ
وَهُوَ وَاقِعٌ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ عَقْلًا وَبَعْضُهُمْ سَمْعًا وَبَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مُؤَوِّلًا لِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ بِالتَّخْصِيصِ لَنَا مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ لِآدَمَ تَزْوِيجَ الْأَخِ بِأُخْتِهِ غَيْرَ توءمته وَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْكَافَّةِ نسخ الْقُرْآن خلافًا لأبي مسلمة الْأَصْفَهَانِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَسَخَ وُقُوفَ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ فِي الْجِهَادِ بِثُبُوتِهِ لِلِاثْنَيْنِ وَهُمَا فِي الْقُرْآنِ وَيَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ كَنَسْخِ ذَبْحِ إِسْحَاقَ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْحُكْمِ لَا إِلَى بَدَلٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ كَنَسْخِ الصَّدَقَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ لِغَيْرِ بَدَلٍ وَنَسْخُ الْحُكْمِ إِلَى الْأَثْقَلِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَنَسْخِ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَنَسْخُ التِّلَاوَة دون الحكم وَبِالْعَكْسِ كَنَسْخِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ألْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ مَعَ بَقَاءِ الرَّجْمِ وَالْحُكْمُ دون تِلَاوَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ وَهُمَا مَعًا لِاسْتِلْزَامِ إِمْكَانِ الْمُفْرَدَاتِ إِمْكَانَ الْمُرَكَّبِ
وَنَسْخُ الْخَبَرِ إِذَا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِحُكْمٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا أَوْ مَنَعَ مُطْلَقًا وَهُوَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ لَنَا أَنَّ نَسْخَ الْخَبَرِ يُوجِبُ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ وَهُوَ مُحَالٌ فَإِذَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ جَازَ نَسْخُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَعَارٌ لَهُ وَنَسْخُ الْحُكْمِ جَائِزٌ كَمَا لَوْ عَبَّرْنَا عَنْهُ بِالْأَمْرِ وَيَجُوزُ نَسْخُ مَا قَالَ فِيهِ افْعَلُوا أَبَدًا خِلَافًا لِقَوْمٍ لِأَنَّ صِيغَةَ أَبَدًا بِمَنْزِلَةِ الْعُمُومِ فِي الْأَزْمَانِ وَالْعُمُومُ قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي النَّاسِخِ والمنسوخ
يَجُوزُ عِنْدَنَا نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَالسُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِمِثْلِهَا وَالْآحَادُ بِمِثْلِهَا وَبِالْكِتَابِ وَبِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ إِجْمَاعًا وَأَمَّا جَوَازُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْآحَادِ فَجَائِزٌ عَقْلًا غَيْرُ وَاقِعٍ سَمْعًا خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالْبَاجِيِّ مِنَّا مُسْتَدِلًّا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ عَن بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة لَنَا أَنَّ الْكِتَابَ مُتَوَاتِرٌ قَطْعِيٌّ فَلَا يُرْفَعُ بِالْآحَادِ الْمَظْنُونَةِ لِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ وَيَجُوزُ نسخ السّنة بِالْكتاب عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ لَنَا نَسْخُ الْقِبْلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وحيثما كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ وَلَمْ يَكُنِ التَّوَجُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِمُسَاوَاتِهَا لَهُ فِي الطَّرِيقِ الْعِلْمِيِّ عِنْدَ أَكثر الْأَصْحَاب
وَوَاقِعٌ كَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَنَسْخِ الْحَبْسِ فِي الْبُيُوتِ بِالرَّجمِ وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقَعْ لِأَنَّ آيَةَ الْحَبْسِ فِي الْبُيُوتِ نُسِخَتْ بِالْجَلْدِ وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْفَحْوَى الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ وَمَنَعَ أَبُو الْحُسَيْنِ مِنْ نَسْخِهِ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ مَثَلًا وَحِلِّ الضَّرْبِ وَيَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وِفَاقًا لَفْظِيَّةً كَانَتْ دَلَالَتُهُ أَوْ عَقْلِيَّةً عَلَى الْخِلَافِ وَالْعَقْلُ يَكُونُ نَاسِخًا فِي حَقِّ مَنْ سَقَطَتْ رِجْلَاهُ فَإِنَّ الْوُجُوب سَاقِط عَنهُ قَالَه الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يُتَوَهَّمُ أَنه نَاسخ
زِيَادَةُ صَلَاةٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ أَوْ عِبَادَةٍ عَلَى الْعِبَادَاتِ لَيْسَتْ نَسْخًا وِفَاقًا وَإِنَّمَا جَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْوِتْرَ نَاسِخًا لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ قَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوُسْطَى تَذْهَبُ لِصَيْرُورَتِهَا غَيْرَ وُسْطَى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ لَيْسَتْ نَسْخًا عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَقِيلَ إِنْ نَفَتِ الزِّيَادَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَفْهُومُ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ الْخِطَابِ أَوِ الشَّرْطُ كَانَتْ نَسْخًا وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَجُزِ الْأَصْلُ بَعْدَهَا فَهِيَ نَسْخٌ وَإِلَّا فَلَا فَعَلَى مَذْهَبِنَا زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ لَيْسَتْ نَسْخًا وَكَذَلِكَ تَقْيِيدُ الرَّقَبَةِ
بِالْإِيمَانِ وَإِبَاحَةُ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الثَّانِيَةِ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ إِقَامَةِ الْغَيْرِ مَقَامَهُ عَقْلِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَبَ الصَّوْمُ إِلَى الشَّفَقِ وَنُقْصَانُ الْعِبَادَةِ نَسْخٌ لِمَا سَقَطَ دُونَ الْبَاقِي إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَإِنْ تَوَقَّفَ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ هُوَ نَسْخٌ فِي الْجُزْءِ دُونَ الشَّرْطِ وَاخْتَارَ فَخْرُ الدِّينِ وَالْكَرْخِيُّ عَدَمَ النَّسْخِ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ النَّسْخُ
يُعَرَفُ بِالنَّصِّ عَلَى الرَّفْعِ أَوْ عَلَى ثُبُوتِ النَّقِيضِ أَوِ الضِّدِّ وَيُعْلَمُ التَّارِيخُ بِالنَّصِّ عَلَى التَّأْخِيرِ أَوِ السَّنَةِ أَوِ الْغَزْوَة أَو الْهِجْرَة وَيعلم نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى زَمَانِ الْحُكْمِ أَوْ بِرِوَايَةِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ رِوَايَةِ الْحُكْمِ الْآخَرِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ فِي الْخَبَرَيْنِ المتواترين وَهَذَا قَبْلَ ذَاكَ مَقْبُولٌ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي نَسْخِ الْمَعْلُومِ كَثُبُوتِ الْإِحْصَانِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ الرَّجْمِ وَشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْوِلَادَةِ دُونَ النَّسَبِ وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ هَذَا مَنْسُوخٌ لَا يُقْبَلُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادًا مِنْهُ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ إِنْ قَالَ ذَا نَسْخُ ذَاكَ لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ قَالَ هَذَا مَنْسُوخٌ قُبِلَ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَلِّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فَيَكُونُ قَاطِعًا بِهِ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ
(الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ
وَهُوَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَنَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ الِاشْتِرَاكَ إِمَّا فِي الْقَوْلِ أَوْ فِي الْفِعْلِ أَوِ الِاعْتِقَادِ وَبِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَبِأَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْعُرْفِيَّاتِ
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِهِ
وَهُوَ عِنْدَ الْكَافَّةِ حُجَّةٌ خِلَافًا لِلنَّظَّامِ وَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولى﴾ الْآيَةَ وَثُبُوتُ الْوَعِيدِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى منع القَوْل الثَّالِث وَعدم افصل فِيمَا جَمَعُوهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا خَالَفَهُمْ يَكُونُ خَطَأً لِتَعْيِينِ الْحَقِّ فِي جِهَتِهِمْ وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِحْدَاثُ
قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَجَوَّزَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فَقَالَ إِنْ لَزِمَ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ امْتَنَعَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قِيلَ لِلْجَدِّ كُلُّ الْمَالِ وَقِيلَ يُقَاسِمُ الْأَخَ فَالْقَوْلُ بِجَعْلِ الْمَالِ كُلِّهِ لِلْأَخِ مُنَاقِضٌ لِلْأَوَّلِ وَإِذَا أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ الْفَصْلِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَيَجُوزُ حُصُولُ الِاتِّفَاقِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَصْرِ الْوَاحِدِ خِلَافًا لِلصَّيْرَفِيِّ وَفِي الْعَصْرِ الثَّانِي لَنَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فِيهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى الْخِلَافِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْحَقُّ فَيَمْتَنِعُ الِاتِّفَاقُ أَوْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ لَيْسَ شَرْطًا خِلَافًا لِقَوْمٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لِتَجَدُّدِ الْوِلَادَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيَتَعَذَّرُ الْإِجْمَاعُ وَإِذَا حَكَمَ بعض الْأمة وَسكت الْبَاقُونَ فَعِنْدَ الشَّافِعِي وَالْإِمَام فَخر الدّين أَنه لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا إِجْمَاعَ وَعِنْدَ الْجُبَّائِيِّ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَعِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ حُجَّةٌ وَعِنْدَ أَبِي عَلِيِّ بن أبي هُبَيْرَة إِنْ كَانَ الْقَائِلُ حَاكِمًا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهُوَ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ فَإِنْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إِنْ كَانَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَلَمْ يَنْتَشِرْ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِيهِمْ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُخَالِفٌ لَمْ يَظْهَرْ فَيَجْرِي مَجْرَى قَوْلِ الْبَعْضِ وَسُكُوتِ الْبَعْضِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ وَإِذَا جَوَّزْنَا الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ فَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يعتبرانقراض الْعَصْرِ فِي الْقَوْلِيِّ اعْتَبَرَهُ فِي السُّكُوتِيِّ وَالْإِجْمَاعُ الْمَرْوِيُّ بِالْآحَادِ حُجَّةٌ خِلَافًا لِأَكْثَرِ النَّاسِ لِأَنَّ هَذِه الإجماعات
وَإِنْ لَمْ تُفِدِ الْقَطْعَ فَهِيَ تُفِيدُ الظَّنَّ وَالظَّنُّ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَحْكَامِ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرَ أَنَّا لَا نُكَفِّرُ مُخَالِفَهَا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ وَإِذا اسْتدلَّ أهل الْعَصْر الأول بِدَلِيلٍ وَذَكَرُوا تَأْوِيلًا وَاسْتَدَلَّ الْعَصْرُ الثَّانِي بِدَلِيلٍ آخَرَ وَذَكَرُوا تَأْوِيلًا آخَرَ فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُ التَّأْوِيلِ الْقَدِيمِ وَأَمَّا الْجَدِيدُ فَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ الْقَدِيمِ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ حُجَّةٌ خِلَافًا لِلْجَمِيعِ وَمِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَإِجْمَاعَ الْعِتْرَةِ عِنْدَ الْإِمَامِيَّةِ وَإِجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَازِمٍ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ زِيدٍ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ مَنْ أَدْرَكَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ قَالَ وَمُخَالَفَةُ مَنْ خَالَفَنَا فِي الْأُصُولِ إِنْ كَفَّرْنَاهُمْ لَمْ نَعْتَبِرْهُمْ وَلَا يَثْبُتُ تَكْفِيرُهُمْ بِإِجْمَاعِنَا لِأَنَّهُ فَرْعُ تَكْفِيرِهِمْ وَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُمُ اعْتَبَرْنَاهُمْ وَيُعْتَبَرُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مُخَالَفَةُ الْوَاحِدِ فِي إِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِ مُخَالِفِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقِيلَ ظَنِّيٌّ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مُسْتَنَدِهِ
وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ انْعِقَادُهُ عَنِ الْقِيَاسِ وَالدَّلَالَةِ وَالْأَمَارَةِ وَجَوَّزَهُ قَوْمٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشُّبْهَةِ وَالْبَحْثِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَنْعَقِدُ عَنِ الْأَمَارَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْأَمَارَةِ الْجَلِيَّةِ وَغَيْرِهَا
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْمُجْمِعِينَ
فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ جُمْلَةُ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ الْإِجْمَاعِ وَلَا الْعَوَامُّ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ خِلَافًا لِلْقَاضِي لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فَرْعُ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا أَهْلِيَّةَ فَلَا اعْتِبَارَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ فَنٍّ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي غَيْرِهِ فَيُعْتَبَرُ فِي الْكَلَامِ الْمُتَكَلِّمُونَ وَفِي الْفِقْهِ الْفُقَهَاءُ قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَقَالَ لَا عِبْرَةَ بِالْفَقِيهِ الْحَافِظِ لِلْأَحْكَامِ وَالْمَذَاهِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَالْأُصُولِيُّ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الِاجْتِهَادِ غَيْرُ الْحَافِظِ لِلْأَحْكَامِ خِلَافه مُعْتَبَرٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُ الْمُجْمِعِينَ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ بَلْ لَوْ لَمْ يَبْقَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ إِلَّا وَاحِدٌ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً وَإِجْمَاعُ غَيْرِ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ
الْفَصْل الْخَامِس فِي الْمجمع عَلَيْهِ
كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ كَوُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَالنُّبُوَّةِ وَمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ فَيَثْبُتُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْحُرُوبِ وَالْآرَاءِ وَيَجُوزُ اشْتِرَاكُهُمْ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يُكَلَّفُوا بِهِ
(الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْخَبَرِ وَفِيهِ عَشَرَةُ فُصُولٍ)
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ
وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِذَاتِهِ احْتِرَازًا مِنْ خَبَرِ الْمَعْصُومِ وَالْخَبَر عَن خلاف الضَّرُورَة وَقَالَ الجاحظ وَيجوز عُرُوُّهُ عَنِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاط الْإِرَادَة فِي حَقِيقَته كَوْنِهِ خَبَرًا وَعِنْدَ أَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ الْخَبَرِيَّةُ مُعَلَّلَةٌ بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ وَأَنْكَرَهُ الْإِمَامُ لِخَفَائِهَا فَكَانَ يلْزم أَن لَا يُعْلَمَ خَبَرٌ الْبَتَّةَ وَلِاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْخَبَرِيَّةِ بِمَجْمُوعِ الْحُرُوفِ لِعَدَمِهِ وَلَا بِبَعْضِهِ وَإِلَّا لَكَانَ خَبَرًا وَلَيْسَ فَلَيْسَ
الْفَصْل الثَّانِي فِي التَّوَاتُر
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ مَجِيءِ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ بِفَتْرَةٍ بَيْنَهُمَا وَفِي الِاصْطِلَاحِ خَبَرُ أَقْوَامٍ عَنْ أَمْرٍ مَحْسُوسٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً وَأَكْثَرُ الْعُقَلَاءِ عَلَى أَنَّهُ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ فِي الْمَاضِيَاتِ وَالْحَاضِرَاتِ وَالسُّمَنْيَةُ أَنْكَرُوا الْعِلْمَ وَاعْتَرَفُوا بِالظَّنِّ وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَرَفَ بِهِ فِي الْحَاضِرَاتِ فَقَطْ
وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ مِنْهُ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيِّ وَالْمُرْتَضِي وَالْأَرْبَعَةُ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَتَوَقَّفَ فِي الْخَمْسَةِ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَدَهُمْ غَيْرُ مَحْصُورٍ خِلَافًا لِمَنْ حَصَرَهُمْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ عِدَّةَ نُقَبَاءِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ عِشْرِينَ عِنْدَ أَبِي الْهُذَيْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ أَوْ أَرْبَعِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ وَكَانُوا حِينَئِذٍ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَدَدَ الْمُخْتَارِينَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ ثَلَاثَمِائَةٍ عَدَدَ أَهْلِ بَدْرٍ أَوْ عَشَرَةً عَدَدَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى اللَّفْظِيِّ وَهُوَ أَنْ تَقَعَ الشَّرِكَةُ بَيْنَ ذَلِكَ الْعَدَدِ فِي اللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ وَالْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ وُقُوعُ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنًى عَامٍّ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَسَخَاءِ حَاتِمٍ وَشَرْطُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ لَنَا غَيْرَ الْمُبَاشِرِ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرَ فَيَكُونُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ مَحْسُوسًا فَإِنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْعَقْلِيَّاتِ لَا يُحَصِّلُ الْعِلْمَ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الطُّرُقِ المحصلة للْعلم غير التَّوَاتُر
وَهِيَ سَبْعَةٌ كَوْنُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ أَوِ الِاسْتِدْلَالِ أَوْ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ خَبَرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ خَبَرِ مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ أَوِ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ عَنِ الْوِجْدَانِيَّاتِ فِي نُفُوسِهِمْ أَوِ الْقَرَائِنِ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيِّ وَالنَّظَّامِ خِلَافًا لِلْبَاقِينَ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الدَّالِّ عَلَى كَذِبِ الْخَبَرِ
وَهُوَ خَمْسَةٌ مُنَافَاتُهُ لِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَوِ النَّظَرِ أَوِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ أَوْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا وَلَمْ يَتَوَاتَرْ كَسُقُوطِ الْمُؤَذِّنِ يَوْم الْجُمُعَة وَلم يخبر إِلَّا وَاحِد وكقواعد الشَّرْع أَولهمَا جَمِيعًا كَالْمُعْجِزَاتِ أَوْ طُلِبَ فِي صُدُورِ الرُّوَاةِ أَوْ كُتُبِهِمْ بَعْدَ اسْتِقْرَاءِ الْأَحَادِيثِ فَلَمْ يُوجَدْ
الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ
وَهُوَ خَبَرُ الْعَدْلِ أَوِ الْعُدُولِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ حُجَّةٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ فِي الدُّنْيَوِيَّاتِ وَالْفَتْوَى وَالشَّهَادَاتِ وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ لِمُبَادَرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِ الْعَقْلُ وَالتَّكْلِيفُ وَإِنْ كَانَ تَحَمُّلُ الصَّبِيِّ صَحِيحًا وَالْإِسْلَامُ وَالضَّبْطُ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُبْتَدِعَةِ إِذَا كَفَّرْنَاهُمْ فَعِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مِنَّا وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بَيْنَ مَنْ يُبِيحُ الْكَذِبَ وَغَيْرِهِ وَالصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عُدُولٌ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ وَالْعَدَالَةُ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَبَعْضِ الصَّغَائِرِ وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَالْمُبَاحَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْمُرُوءَةِ ثُمَّ الْفَاسِقُ إِنْ كَانَ فِسْقُهُ مَظْنُونًا قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا
بِهِ قبل الشَّافِعِي رِوَايَةَ أَرْبَابِ الْأَهْوَاءِ إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ لِتَجْوِيزِهِمُ الْكَذِبَ لِمُوَافَقَةِ مَذْهَبِهِمْ وَمَنَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَبُولِهَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَارِبِ النَّبِيذ من غير سكر فَقَالَ الشَّافِعِي أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِسْقَهُ مَظْنُونٌ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ كَأَنَّهُ قَطَعَ بِفِسْقِهِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَجْهُولِ وَتَثْبُتُ الْعَدَالَةُ إِمَّا بِالِاخْتِبَارِ أَوْ بِالتَّزْكِيَةِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي التَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ فَشَرَطَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِي التَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَاشْتَرَطَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي تَزْكِيَةِ الشَّهَادَةِ فَقَطْ وَاخْتَارَهُ الإِمَام فَخر الدّين وَقَالَ الشَّافِعِي يُشْتَرَطُ إِبْدَاءُ سَبَبِ التَّجْرِيحِ دُونَ التَّعْدِيلِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ وَالْعَدَالَةُ شَيْءٌ وَاحِدٍ وَعَكَسَ قَوْمٌ لِوُقُوعِ الِاكْتِفَاءِ بِالظَّاهِرِ فِي الْعَدَالَةِ دُونَ التَّجْرِيحِ وَنَفَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيهِمَا وَيُقَدَّمُ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيلِ إِلَّا أَنْ يُجَرِّحَهُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ فَيَقُولُ الْمُعَدِّلُ رَأَيْتُهُ حَيًّا وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْمُعَدِّلُ إِذَا زَادَ عَدَدُهُ
الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي مُسْتَنَدِ الرَّاوِي
فَأَعْلَاهُ أَنْ يَعْلَمَ قِرَاءَتَهُ عَلَى شَيْخِهِ أَوْ إِخْبَارَهُ بِهِ أَوْ بِتَفَكُّرِ أَلْفَاظِ قِرَاءَتِهِ وَثَانِيهَا أَنْ يَعْلَمَ قِرَاءَةَ جَمِيعِ الْكِتَابِ وَلَا يَذْكُرَ الْأَلْفَاظَ وَلَا الْوَقْتَ وَثَالِثُهَا أَنْ يَشُكَّ فِي سَمَاعِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَته يخلاف الْأَوَّلِينَ وَرَابِعُهَا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى خَطِّهِ فَيَجُوزُ عِنْد الشَّافِعِي وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد خلافًا لأبي حنيفَة
الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي عَدَدِهِ
وَالْوَاحِدُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ يَكْفِي خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ فِي اشْتِرَاطِهِ
اثْنَيْنِ أَوْ يُعَضِّدُ الْوَاحِدَ ظَاهِرٌ أَوْ عَمَلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوِ اجْتِهَادٌ أَوْ يَكُونُ مُنْتَشِرًا فِيهِمْ وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الزِّنَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ لَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ قَبِلُوا خَبَرَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَحْدَهَا وَهُوَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى
الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِيمَا اخْتلف فِيهِ من الشُّرُوط فِي الْقَبُولِ
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا لَمْ يَقْبَلْ رَاوِي الْأَصْلِ الْحَدِيثَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْفَرْعِ قَالَ الْإِمَامُ إِنْ جَزَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ تُقْبَلْ وَإِلَّا عُمِلَ بِالرَّاجِحِ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِذَا شَكَّ الْأَصْلُ فِي الْحَدِيثِ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فَإِنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ رِوَايَتَهُ وَوَافَقَهُ أَبُو حنيفَة وَخَالَفَهُ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةٌ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَلَا يُخِّلُ بِالرَّاوِي تَسَاهُلُهُ فِي غَيْرِ الْحَدِيثِ وَلَا جَهْلُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا الْجَهْلُ بِنَسَبِهِ وَلَا خِلَافُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ لِرِوَايَتِهِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْحُفَّاظِ لَا تَمْنَعُ مِنَ الْقَبُولِ وَلَا كَوْنَهُ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ خِلَافًا لِعِيسَى بْنِ أَبَانَ وَلَا كَوْنَ مَذْهَبِهِ بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ قَالَ الْحَنَفِيَّة إِن خصصه زجع إِلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي لِأَنَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ظَاهر الْخَبَر أولى وَقَالَ الشَّافِعِي إِنْ خَالَفَ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ رُجِعَ إِلَى الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ رُجِعَ إِلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ إِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ عَلَى خِلَافِ الضَّرُورَةِ تُرِكَ وَإِلَّا وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِك
وَإِذَا وَرَدَ الْخَبَرُ فِي مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَلَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ مَا يُعَضِّدُهُ رُدَّ لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يَكْفِي فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَإِلَّا قُبِلَ وَإِنِ اقْتَضَى عَمَلًا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى قُبِلَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ لَنَا حَدِيثُ عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا الْمُتَقَدّم فِي التقاء الْخِتَانَيْنِ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي كَيْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ
إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ شَافَهَنِي فَهَذَا أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَثَانِيهَا أَنْ يَقُولَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَثَالِثُهَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَذَا أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَرَابِعُهَا أَنْ يَقُولَ أُمِرْنَا بِكَذَا أَوْ نهينَا عَن كَذَا فعندنا وَعند الشَّافِعِي يُحْمَلُ عَلَى أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَخَامِسُهَا أَنْ يَقُولَ السُّنَّةُ كَذَا فَعِنْدَنَا يُحْمَلُ عَلَى سُنَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَسَادِسُهَا أَنْ يَقُولَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قِيلَ يُحْمَلُ عَلَى سَمَاعِهِ هُوَ وَقِيلَ لَا وَسَابِعُهَا كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ شَرْعًا وَأَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ فَأَعْلَى مَرَاتِبِهِ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي أَوْ سَمِعْتُهُ وَلِلسَّامِعِ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي وَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ فُلَانٍ إِنْ قَصَدَ إِسْمَاعَهُ خَاصَّةً أَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَإِلَّا فَيَقُولُ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ
وَثَانِيهَا أَنْ يُقَالَ لَهُ أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ فُلَانٍ فَيَقُولَ نَعَمْ أَوْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ الْأَمْرُ كَمَا قُرِئَ فَالْحُكْمُ فِيهِ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَرِوَايَةِ السَّامِعِ وَثَالِثُهَا أَنْ يَكْتُبَ إِلَى غَيْرِهِ سَمَاعَهُ فَلِلْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِكِتَابِهِ إِذَا تَحَقَّقَهُ أَوْ ظَنَّهُ وَلَا يَقُولُ سَمِعْتُ وَلَا حَدَّثَنِي وَيَقُولُ أَخْبَرَنِي وَرَابِعُهَا أَنْ يُقَالَ لَهُ هَلْ سَمِعْتَ هَذَا فَيُشِيرُ بإُصْبُعِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَقُولُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْبَرَنِي وَلَا حَدَّثَنِي وَلَا سَمِعْتُهُ وَخَامِسُهَا أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَلَا يُنْكِرُ بِإِشَارَةٍ وَلَا عِبَارَةٍ وَلَا يَعْتَرِفُ فَإِنْ غُلِبَ عَلَى الظَّنِّ اعْتِرَافُهُ لَزِمَ الْعَمَلُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ جَوَّزُوا رِوَايَتَهُ وَأَنْكَرَهَا الْمُتَكَلِّمُونَ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِلَّا أَخْبَرَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ لَوْ قَالَ الْقَارِئُ لِلرَّاوِي بَعْدَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ أَرْوِيهِ عَنْكَ قَالَ نَعَمْ وَهُوَ السَّادِسُ وَفِي مِثْلِ هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ شَبَّهَ السُّكُوتَ بِالْإِخْبَارِ وَسَابِعُهَا إِذَا قَالَ لَهُ حَدِّثْ عَنِّي مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ سَمِعْتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُحَدِّثًا لَهُ بِهِ وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّحَدُّثِ عَنْهُ وَثَامِنُهَا الْإِجَازَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ وَذَلِكَ إِبَاحَةٌ لِلْكَذِبِ لَكِنَّهُ فِي عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا صَحَّ عِنْدَكَ أَنِّي سَمِعْتُهُ فَارْوِهِ عَنِّي وَالْعَمَلُ عِنْدَنَا بِالْإِجَازَةِ جَائِزٌ خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فِي اشْتِرَاطِهِمُ الْمُنَاوَلَةَ وَكَذَلِكَ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ رَوَيْتُهُ فَارْوِهِ عَنِّي إِذَا صَحَّ عِنْدَكَ فَإِذَا صَحَّ عِنْدَهُ جَازَتْ لَهُ الرِّوَايَةُ وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهُ مُشَافَهَةً مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ حَدِيثِي فاروه عني
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى
فَالْأُولَى الْمَرَاسِيلُ عِنْد مَالك وَأبي حنيفَة وَجُمْهُور الْمُعْتَزلَة حجَّة خلافًا للشَّافِعِيّ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ حَيْثُ جَزَمَ بِالْعَدَالَةِ فَتَكُونُ حُجَّةً.
وَنَقْلُ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى عِنْدَ أَبِي الْحُسَيْنِ وَالشَّافِعِيّ وَأبي حنيفَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ جَائِزٌ خِلَافًا لِابْنِ سِيرِينَ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَلَّا تَزِيدَ التَّرْجَمَةُ وَلَا تَنْقُصَ وَلَا تَكُونَ أَخْفَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِنَّمَا هُوَ إِيصَالُ الْمَعَانِي فَلَا يَضُرُّ فَوَاتُ غَيْرِهَا وَإِذَا زَادَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى وَالْمَجْلِسُ مُخْتَلِفٌ قُبِلَتْ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَيَتَأَتَّى الذُّهُولُ عَنْ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فِيهِ قُبِلَتْ وَإِلَّا لم تقبل