الذخيرة للقرافيصفحات 287-328
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 287-328

فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ وَالتَّجْدِيدُ زِيَادَةٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تَوَضَّأَ ثَلَاثًا هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي وَوُضُوءُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ قَالَ الْأَصِيلِيُّ لَيْسَ هَذَا بِثَابِتٍ.
وَالْوُضُوءُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَيَكُونُ مَعْنَى مَا رُوِيَ فِي الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ وَيَكُونُ الِاخْتِصَاصُ بِالْغُرَّةِ لَا بِالْوُضُوءِ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا التَّأْكِيدُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اسْتَزَادَ مِنْ بَابِ الِاسْتِفْعَالِ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ وَالْإِنْسَانُ لَهُ حَالَتَانِ تَارَةً يَتَوَضَّأُ بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ إِنَّهُ زَادَ الرَّابِعَةَ وَتَارَةً يَسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ فِي سَكْبِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ فَيَطْلُبُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ زِيَادَةَ الرَّابِعَةِ فَيُقَالُ لَهُ اسْتَزَادَ.
وَجَوَّزَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَقَالَ أَيْضًا لَا أُحِبُّهَا إِلَّا مِنْ عَالِمٍ يَعْنِي لِأَنَّ مِنْ شَرط الِاقْتِصَار عَلَيْهَا الإسباغ وَذَلِكَ لَا بضبطه إِلَّا الْعُلَمَاءُ وَإِذَا لَمْ يُسْبِغْ وَأَسْبَغَ فِي الثَّانِيَةِ كَانَ بَعْضُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَهُوَ مَا حَصَلَ بِهِ الْإِسْبَاغُ فِي بَقِيَّةِ الْأُولَى وَبَقِيَّتُهَا فَضِيلَةٌ وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ وَإِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِرَابِعَةٍ تَخْتَصُّ بِهَا الْمَوَاضِعُ الْمَتْرُوكَةُ أَوَّلًا وَلَا تَعُمُّ لِئَلَّا يَقَعَ فِي النَّهْيِ.
فَرْعٌ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا شَكَّ فِي أَصْلِ الْغَسْلِ ابْتَدَأَهُ لِأَنَّهُ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ حَتَّى يَفْعَلَهُ وَإِنْ شَكَّ هَلْ هِيَ ثَالِثَةٌ أَوْ رَابِعَةٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ تَنَازَعَ الْأَشْيَاخُ فِي فِعْلِهَا هَلْ تُكْرَهُ مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً أَوْ لَا تُكْرَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ مُتَوَجِّهًا عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فِي الطَّهَارَة وركعات الصلات مِنَ الْعَدَدِ فَيُصَلِّي الرَّكْعَةَ وَإِنْ شَكَّ هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ وَاجِبَةٌ أَوْ خَامِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَيَلْحَقُ بِهَذَا صَوْمُ التَّاسِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِذَا شَكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْمُحَرَّمِ

قَاعِدَةٌ إِذَا تَعَارَضَ الْمُحَرَّمُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَفْسَدَةٍ وَعِنَايَةُ الشَّرْعِ وَالْعُقَلَاءِ بِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَلِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُحَرَّمِ يُفْضِي إِلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّرْكُ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ بالتراك وَمَنْ قَالَ يَغْسِلُ يَقُولُ الْمُحَرَّمُ رَابِعَةٌ بَعْدَ ثَالِثَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ ثَالِثَةً فَلَا يَحْرُمُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الصَّوْمِ وَمَا أَظُنُّ فِي الصَّلَاةِ خِلَافًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْفَضِيلَةُ الرَّابِعَةُ الِاقْتِصَادُ وَالرِّفْقُ بِالْمَاءِ مَعَ الْإِسْبَاغِ وَالْإِسْبَاغُ التَّعْمِيمُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ أَيْ عَمَّمَهَا وَأَنْكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَوْلَ مَنْ قَالَ حَدُّ الْوُضُوءِ أَنْ يَقْطُرَ أَوْ يَسِيلَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَيْ أَنْكَرَ التَّحْدِيدَ قَالَ مَالِكٌ رَأَيْتُ عَبَّاسًا قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ عَبَّاسٌ بِبَاءٍ وَاحِدَةٍ مِنْ تَحْتِهَا وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ وَمِنَ الشُّيُوخِ مَنْ يَقُولُ عَيَّاشًا بِالْيَاءِ وَالشِّينِ وَهُوَ خَطَأٌ يَتَوَضَّأُ بِثُلُثِ مُدِّ هِشَامٍ وَيَفْضُلُ لَهُ مِنْهُ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ وَفِي الْبُخَارِيِّ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَ الْمُغْتَسِلُ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ كَاعْتِدَالِ خَلْقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَلَا يَزِيدُ فِي الْمَاءِ عَلَى الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ وَإِنْ كَانَ ضَئِيلًا فَلْيَسْتَعْمِلْ مِنَ الْمَاءِ مَا يَكُونُ نِسْبَتُهُ إِلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى جَسَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنْ تَفَاحَشَ الْخَلْقُ فَلَا يَنْقُصُ عَنْ مِقْدَارِ أَنْ يَكُونَ نِسْبَتُهُ إِلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ إِلَى جَسَدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْفَضِيلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَنْ يَجْتَنِبَ الْخَلَاءَ لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ الْوَسْوَاسِ الْفَضِيلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَجْعَلُ الْإِنَاءَ عَنِ الْيَمِينِ لِفِعْلِهِ عَلَيْهِ

السَّلَامُ لِذَلِكَ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمُكْنَةَ إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الْأَقْدَاحِ وَمَا تَدْخُلُ الْأَيْدِي إِلَيْهِ أَمَّا الْأَبَارِيقُ فَالتَّمَكُّنُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِجَعْلِهِ عَلَى الْيَسَارِ لِيَسْكُبَ الْمَاءَ بِيَسَارِهِ فِي يَمِينِهِ الْفَضِيلَةُ السَّابِعَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي الرِّسَالَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بِأَثَرِ الْوُضُوءِ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ خَاتِمَةٌ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِي مُحْتَجِّينَ بِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا وَصَفَتْ غُسْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَتْ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ وَقَالَ إِنَّهُ يذهب بِنور الْوَجْه حجتناما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَتْ لَهُ خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ فِيهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ يُؤَدِّي إِلَى النَّظَافَةِ فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا بَقِيَ فِي شَعْرِهِ قَطَرَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الثَّوْبِ فَعَلِقَ بِهِ الْغُبَارُ فَيَنْطَمِسُ لَوْنُهُ وَكَذَلِكَ يَعْلَقُ مَاءُ رِجْلَيْهِ بِذُيُولِ ثَوْبِهِ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ لَا يُنَافِي مَا قُلْنَا لِأَنَّا نَقُولُ بِإِبَاحَةِ تَرْكِهِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ مَعَنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ غُسَالَةَ الْمَاءِ نَجِسَةٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَيَجِبُ إِزَالَتُهَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَرْعٌ وَإِذَا أُبِيحَ التَّنْشِيفُ فَهَلْ يُبَاحُ قَبْلَ الْفَرَاغِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَجُوزُ لِيَسَارَتِهِ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قُلْتُ لِمَالِكٍ أَيَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ وَإِنِّي لأفعله

(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْغُسْلِ وَفِيهِ فَصْلَانِ)

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَسْبَابِهِ

وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالشَّكُّ فِي أَحَدِهِمَا مَا لَمْ يُسْتَنْكَحْ ذَلِكَ وَتَجْدِيدُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْوِلَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ جَافًّا وَانْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُ دَمِ النِّفَاسِ وَالْمَوْتُ فِي غَيْرِ الشُّهَدَاءِ فَهَذِهِ أَسْبَابُ الْوُجُوبِ وَتَلِيهَا أَسْبَابُ النَّدْبِ وَهِيَ شُهُودُ الْجُمُعَةِ وَشُهُودُ صَلَاةِ عِيدِ الْأَضْحَى وَشُهُودُ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ وَإِحْرَامُ الْحَجِّ وَدُخُولُ مَكَّةَ وَالرَّوَاحُ لِعَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَمُبَاشَرَةُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَانْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَانْقِطَاعُ دَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي شَأْنُهَا أَلَّا تَحِيضَ فَإِنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِسَبَبِهِ وَتَغْتَسِلُ لِانْقِطَاعِهِ وَالْمَقْصُود بالْكلَام هَهُنَا الْخَمْسَةُ الْأُوَلُ فَغَيْرُهَا نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ هِيَ أَسْبَابُ الْجَنَابَةِ وَالْجَنَابَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّجَنُّبِ وَهُوَ الْبُعْدُ وَمِنْهُ الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْكَ أَيِ الْبَعِيدُ عَنْ قَرَابَتِكَ وَصُحْبَتِكَ وَمِنْهُ الْمَجَانَبَةُ لِلْقَبَائِحِ وَلَمَّا كَانَ الْمُتَّصِفُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ بَعِيدًا مِنَ الْعِبَادَاتِ سُمِّيَ جُنُبًا وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْجَنْبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي حُصُولِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مُبَاشَرَةُ النِّسَاءِ فَيَحْصُلُ اجْتِمَاعُ الْجَنْبِ مَعَ الْجَنْبِ حِسًّا لِذَلِكَ السَّبَبُ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ مِقْدَارُ

الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَالِسَةٌ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ أَغْتَسِلُ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُسْلِمٍ لِلْأَنْصَارِيِّ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ بِالْمَاءِ فَقَالَ لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاكَ؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ قَحَطْتَ فَلَا غُسْلَ وَمِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مُسْلِمٍ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَيْ إِنَّمَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الطُّهْرِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَتْ هَذِهِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَتْ وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّوْمِ فَإِنَّ الْوَطْءَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ لَا يُوجِبُ شَيْئًا إِجْمَاعًا وَهَذَا أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمَاءَيْنِ فَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْحَالَيْنِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ فَحَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ وَالتَّقْيِيدُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُوجِبُ الْغُسْلَ أَنَّهَا طَهَارَةُ حَدَثٍ فَتَتَعَلَّقُ بِنَوْعٍ مِنَ اللَّمْسِ كَالْوُضُوءِ وَلِأَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ سَبَبٌ قَوِيٌّ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُهُ كَاللَّمْسِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا قَوِيًّا لِلْمَذْيِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُهُ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ اللَّفْظُ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقْدِمُونَ عَلَى ذَلِكَ الْخَوْف غَزْوٍ أَوْ فَضِيحَةٍ فَلَا يَدُلُّ مَفْهُومُهُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْأَوْلَادِ إِذَا أُمِنَ ذَلِكَ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُولُ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ الْخِتَانُ لَمْ يَدُلَّ مَفْهُومُ اللَّفْظِ

عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْخِتَانَانِ فَلَا جَرَمَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِي الْحَيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ خِلَافًا ح فِي قَوْلِهِ فَرْجُ الْمَيِّتَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَأَشْبَهَ الْكُوَّةَ وَلَنَا عُمُومُ الْحَدِيثِ وَالنَّقْضُ عَلَيْهِ بِالْعَجُوزِ الْفَانِيَةِ وَالْمَجْذُومَةِ وَالْبَرْصَاءِ وَيَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِي فَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشكل خلافًا لأَصْحَاب الشَّافِعِي لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَقِيَاسًا عَلَى دُبُرِهِ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِالشَّكِّ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَجِبُ بِاسْتِدْخَالِ الْمَرْأَةِ ذَكَرَ الْبَهِيمَةِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِفَرْجِ الْبَهِيمَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَالنَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فَرْعَانِ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا عُدِمَ الْبُلُوغُ فِي الْوَاطِئِ أَوِ الْمَوْطُوءِ أَوْ فِيهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ يُرِيدُ لِنُقْصَانِ لَذَّتِهِ وَفُتُورِ شَهْوَتِهِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى أُصْبُعِ رَجُلٍ لَوْ غَيَّبَهُ فِيهَا وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ يَغْتَسِلُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ عَدَمُ الْبُلُوغِ فِي الْمَوْطُوءَةِ وَهِيَ مِمَّنْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَّادِ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا أُمِرَتْ بِالْوُضُوءِ لِتَكَرُّرِهِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ كَمَا أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ دُونَ الصَّوْمِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ عَدَمُ الْبُلُوغِ فِيهِمَا قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ أَلَّا غُسْلَ عَلَيْهِمَا وَقَدْ يُؤْمَرَانِ بِهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ

الثَّانِي إِذَا جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ وَوَصَلَ مَاؤُهُ إِلَى فَرْجِهَا فَإِنْ أَنْزَلَتْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ وَلَمْ تَلْتَذَّ لَمْ يَجِبْ وَإِنِ الْتَذَّتْ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا إِنْزَالٌ فَقَوْلَانِ الْوُجُوب لِأَن التذاذهاا قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْزَالُ وَهُوَ الْغَالِبُ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدِ الْتَذَّتْ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ رِوَايَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا تَبْطُلُ الطَّهَارَةُ بِرَفْضِ النِّيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مَالِكٍ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ فَالشَّرْطُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ تَمْهِيدٌ يُوجِبُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ نَحْوُ سِتِّينَ حُكْمًا وَهِيَ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَسُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ فِسْقَ مُتَعَمِّدِهِ وَالْكَفَّارَةَ لِذَلِكَ وَالتَّعْزِيزَ عَلَيْهِ وَفَسَادَ الِاعْتِكَافِ وَالتَّعْزِيزَ عَلَيْهِ وَفِسْقَ مُتَعَمِّدِهِ لَا سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَ أَوْ وَقَعَ فِي الْمَسْجِدِ وَفَسَادَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَفِسْقَ مُتَعَمِّدِهِ وَالتَّعْزِيزَ عَلَيْهِ وَالْهَدْيَ وَأَمَّا الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ فَمُسَبَّبٌ عَنِ الْإِحْرَامِ وَتَحْلِيلِ الْمَبْتُوتَةِ وَتَقْرِيرِ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الصَّحِيحِ وَالْمِثْلِ فِي الْفَاسِدِ وَوَطْءِ الشُّبْهَةِ وَالتَّفْوِيضِ وَالْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فِي الْمَمْلُوكَةِ قَبْلَ الْمِلْكِ وَبَعْدَهُ وَالْمُسْتَكْرَهَةِ وَالْجَلْدِ والتعزيز فِي الزِّنَا وَالرَّجْمِ وَالتَّفْسِيقِ وَتَحْرِيمِ الْمُظَاهَرَةِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ فِي الْحَلَالِ وَالْإِمَاءِ الْمُشْتَرَكَاتِ وَوَطْءِ الشُّبْهَاتِ وَجَعْلِ الْأَمَةِ فِرَاشًا وَإِزَالَةِ ولَايَة الْإِجْبَار عَن الْكَبِيرَة وتحصين الزَّوْجَيْنِ والفيتة فِي الْإِيلَاءِ وَالْعَوْدِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْخِلَافِ وَتَحْرِيمِ أُمِّ الزَّوْجَةِ وَجَدَّاتِهَا وَبِنْتِ الزَّوْجَةِ وَبَنَاتِهَا وَبَنَاتِ أَبْنَائِهَا وَفِسْقِ الْمُتَعَمِّدِ لِارْتِكَابِ الْمَمْنُوعِ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْإِمَاءِ وَتَفْسِيقِ فَاعِلِهِ وَتَحْرِيمِ وَطْءِ الزَّوْجِ فِي اسْتِبْرَاءِ وَطْء الشُّبْهَة وتعزيزه لِمَنْ فَعَلَ وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُرِّمَ عَلَى الرِّجْلِ الْمُبَاشَرَةُ حُرِّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ التَّمْكِينُ إِذَا عَلِمَتْ بِالتَّحْرِيمِ أَوْ ظَنَّتْهُ ظَنًّا مُعْتَبَرًا

تَنْبِيهٌ فَرْجُ الْمَرْأَةِ يُشْبِهُ عَقْدَ الْخَمْسَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَهُوَ جَمْعُ الْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ فَهَذِهِ الثَّلَاثُونَ وَإِلْصَاقُ الْوُسْطَى بِالْكَفِّ وَهُوَ الْخَمْسَةُ فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَإِذَا كَانَ بَطْنُ الْكَفِّ إِلَى فَوْقَ فَالثَّلَاثُونَ مَجْرَى الْبَوْلِ وَالْخَمْسَةُ مَجْرَى الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوَطْءِ وَالْوَلَدِ فَإِنْ قُلِبَتِ الْيَدُ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَمَوْضِعُ خِتَانِ الْمَرْأَةِ هُوَ فِي الْخَمْسَةِ الْعُلْيَا فَيَكُونُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ عِبَارَةً عَنْ مُقَابَلَتِهِمَا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ الْتَقَى الْفَارِسَانِ إِذَا تَقَابَلَا وَجَبَلَانِ مُتَلَاقِيَانِ إِذَا كَانَا مُتَقَابِلَيْنِ وَلَوِ الْتَقَيَا عَلَى التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَقَعَ خِتَانُهُ عَلَى خِتَانِهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْحَشَفَةِ وَلَا غَيْرِهَا فِي مَجْرَى الْوَطْءِ فَلَا يَجِبُ غُسْلٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِتَابِ بَلْ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ مُلَاقَاةُ خِتَانِ الرَّجُلِ بِخِتَانِ الْمَرْأَةِ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ فَهَذَا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ السَّبَبُ الثَّانِي فِي الْجَوَاهِرِ إِنْزَالُ الْمَاءِ الدَّافِقِ مَقْرُونًا بِلَذَّةٍ يُوجِبُ الْغُسْلَ وُجِدَ مِنَ الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مِنَ الرَّجُلِ فِي اعْتِدَالِ الْحَالِ أَبيض ثخنين دَفَّاقٌ يَخْرُجُ مَعَ الشَّهْوَةِ الْكُبْرَى رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ أَوِ الْعَجِينِ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَذْيِ خُرُوجُهُ مَعَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى بِخِلَافِ الْمَذْيِ قَالَ صَاحِبُ الطّراز وَلَا يشْتَرط فِي إِنْزَال الْمَرْأَة مَائَهَا لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يَنْدَفِعَ إِلَى دَاخِلِ الرَّحِمِ لِيُخْلَقَ مِنْهُ الْوَلَدُ وَرُبَّمَا دَفَعَهُ الرَّحِمُ إِلَى خَارج وَلَيْسَ عَلَيْهَا انْتِظَار خُرُوجه لَكمَا الْجَنَابَةِ بِانْدِفَاعِهِ إِلَى الرَّحِمِ فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْغُسْلِ غَسَلَتْ فَرْجَهَا وَتَوَضَّأَتْ وَإِنْ صَلَّتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَتَغْسِلُ فَرْجَهَا وَتَتَوَضَّأُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ تَقْدِيرُهُ إِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ مِنْ إِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ لَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ وَعَلَى

ذَلِكَ دَلَّ التَّشْرِيحُ فِي الطِّبِّ وَأَنَّ لِلْمَرْأَةِ أُنْثَيَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ فِي أَصْلِ مَجْرَى الْوَطْءِ يَتَدَفَّقُ مِنْهُمَا الْمَنِيُّ وَمَجْرَى الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ بِمَنْزِلَةِ الذَّكَرِ أُنْثَيَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَصْلِهِ وَالطُّولُ كَالطُّولِ وَقَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الطُّولَيْنِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَرِبَتْ يَمِينُكِ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى الْمُرَادُ نَفْيُ الْغِنَى وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَعْنَاهُ ضَعِيف عَقْلُكَ أَتَجْهَلِينَ هَذَا؟ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ مَعْنَاهُ التَّحْضِيضُ عَلَى التَّعَلُّمِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَقِيلَ أَصَابَتْ يَدُكِ التُّرَابَ وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ وَقِيلَ ثَرِبَتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنَ الثَّرْبِ الَّذِي هُوَ إِصَابَةُ الشَّحْمِ أَيِ اسْتَغْنَتْ وَهِيَ لُغَةٌ فِيهِ بِإِبْدَالِ الْمُثَنَّاةِ مِنَ الْمُثَلَّثَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لِلْإِنْكَارِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا افْتَقَرْتِ حَتَّى تَلْتَصِقَ يَدُكِ بِالتُّرَابِ تَقُولُ الْعَرَبُ تَرِبَ إِذَا افْتَقَرَ وَأَتْرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ آنَّثَ وَرُوِيَ إِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَوْ عَلَا أَشْبَهَ الْوَلَدُ أَخْوَالَهُ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَوْ عَلَا أَشْبَهَ أَعْمَامَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَعَلَا كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى لِأَجْلِ السَّبق وأسبه أَخْوَالَهُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ وَالْكَثْرَةِ وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ وَغَلَبَ مَاءُ الْمَرْأَةِ بَعْدَهُ وَكَانَ أَكْثَرَ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا يُشْبِهُ أَخْوَالَهُ وَإِنْ سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ أَكْثَرُ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى يشبه أَعْمَامه تَفْرِيغ فِي الْجَوَاهِرِ فَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ قِيَاسًا عَلَى دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي إِيجَابُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَظَ وَوَجَدَ الْمَنِيَّ وَلَمْ يَرَ احْتِلَامًا أَنَّ عَلَيْهِ الْغُسْلَ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى قَالَ مُجَاهِدٌ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَفِي الرَّجُلِ يَرَى الِاحْتِلَامَ وَلَا يَجِدُ بَلَلًا لَا غُسْلَ عَلَيْهِ

وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ أَوْ يَجِبُ يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخَارِجِ النَّادِرِ هَلْ يُوجِبُ أَمْ لَا وَلَوِ اقْتَرَنَتْ بِهِ لَذَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ كَمَنَ بِهِ حَكَّةٌ أَوِ اغْتَسَلَ بِمَاءٍ حَارٍّ فَوَجَدَ لَذَّةً فَأَنْزَلَ فييه خِلَافٌ فَأَوْجَبَهُ سَحْنُونُ وَلَوْ وُجِدَتِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْإِنْزَالِ كَمَنْ يُجَامِعُ أَوْ يَلْتَذُّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ يُنْزِلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْوُجُوبُ لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ أَكْتَفِي بِاللَّذَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ إِنِ اغْتَسَلَ أَعَادَ الْغُسْلَ لِأَنَّ الْإِيلَاجَ وَالْمَاءَ سَبَبَانِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ كَمَنْ بَالَ بَعْدَ وُضُوئِهِ مِنَ اللَّمْسِ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْمُقَارَنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالتَّفْرِقَةُ لِمُحَمَّدٍ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ لَهُ فَلَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مِمَّا أَدَّى حُكْمَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ الِاغْتِسَالِ فَيَغْتَسِلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي الْمُلَاعِبِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْغُسْلِ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَدَثِ يَقُومُ مَقَامَهُ كَاللَّمْسِ وَالنَّوْمِ وَأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الْوَدْيِ وَالرِّيحِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْمَنِيِّ وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَالْإِعَادَةُ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ السَّبَبِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ بَعْدَهُ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْمُلَاعَبَةِ وَمَنْ صَلَّى جُنُبًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُجَامِعِ يُعِيدُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَا يغْتَسل لِأَن سَبَب قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ غُسْلُهُ وَالْوُضُوءَ مَأْمُورٌ بِهِ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ بِجَامِعِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعَادَةِ وَأَمَّا إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مِنَ الْأَوَّلِ فَلَا يُنَافِي مَا هُنَا لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ جُنُبًا مِنْ حِينِ الْجِمَاعِ فَقَدِ اغْتَسَلَ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُلَاعِبِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِقَامَةُ السَّبَبِ مَقَامَ السَّبَب بِخِلَافِ الْأَصْلِ وَإِذَا وُجِدَ الْمُسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِ وَسَقَطَ سَبَبُهُ كَالْمَسِّ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِمْذَاءُ بَطَلَ حُكْمُهُ وَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَذْيِ حَتَّى يجب غسل الذّكر لَكِن يُقَال هَهُنَا إِذَا لَغَيْتُمُ الْأَوَّلَ تَكُونُ الصَّلَاةُ وَقَعَتْ قَبْلَ نَقْضِ الطَّهَارَةِ فَلَا إِعَادَةَ \ فَنُجِيبُ بِأَنَّ الْإِيلَاجَ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ كَانَتِ الْجَنَابَةُ قَائِمَةً لم ينْفَصل

حُكْمُهَا وَلَمْ يُكْمُلِ السَّبَبُ أَوَّلًا وَلَا آخِرًا بَلِ الْمَجْمُوعُ هُوَ السَّبَبُ لِأَنَّ هَذَا الْإِنْزَالَ عَنْ تِلْكَ الْمُجَامَعَةِ فَأَشْبَهَ اسْتِدَامَةَ الْمُجَامَعَةِ فَكَأَنَّ حُكْمَ الْمُجَامَعَةِ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يُنْزِلَ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَيْضُ لَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ حَتَّى يَكْمُلَ جَمِيعُهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ آخَرُونَ يُعِيدُ الْغُسْلَ دُونَ الصَّلَاةِ مُلَاحَظَةً لِاسْتِقْلَالِ الْأَقْوَالِ بِالسَّبَبِيَّةِ وَإِنْ عُرِّيَ عَنِ اللَّذَّةِ وَمَتَى قُلْنَا بِعَدَمِ إِعَادَةِ الْغُسْلِ فَالْإِعَادَةُ اسْتِحْبَابٌ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ قُلْنَا فِيمَنْ أَوْلَجَ ثُمَّ اغْتَسَلَ إِنَّهُ يَغْتَسِلُ أَيْضًا إِذَا أَنْزَلَ فَلَوْ أَنَّهُ أَنْزَلَ أَوَّلًا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ مَاءٍ فَمُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ لِأَنَّ حَدثهُ الْآن كَمَا كمل فَأَشْبَهَ مَنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ إِيلَاجِهِ وَقَبْلَ إِنْزَالِهِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجِبُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِهِ قَبْلَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ خِلَافًا ش فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ فِي الْحَالَيْنِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة يَجِبُ قَبْلَ الْبَوْلِ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الْمُعْتَبَرِ وَلَا يَجِبُ بَعْدَهُ لِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ دَفْقٍ وَلَا شَهْوَةٍ وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ فَقِيلَ يَجِبُ الْوُضُوءُ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَنْبَلٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَذْيِ وَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجِبِ الْغُسْلَ فَلَا أقل من الْوُضُوءِ وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ الْجَلَّابِ هُوَ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَارْتِكَابُ هَذَا صَعْبٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لِمَنْ تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي إِيجَابِهِ الْغُسْلَ أَوِ الْوُضُوءَ فَالْخُرُوجُ عَنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ مَحْذُور

وَكَذَلِكَ مَنْ جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَنْزَلَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فُرُوعٌ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ قَالَ سَحْنُونُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَرَأَيْتَ الْمُسَافِرَ يَكُونُ عَلَى وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَيَطَأُ أَهْلَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ قَالَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وهما سَوَاء قَالَ صَاحب الطّراز اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ هُمَا سَوَاءٌ قِيلَ الْمُتَوَضِّئُ وَالْمُحْدِثُ وَقِيلَ الزَّوْجَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا لِحَقِّ الزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ وَالْأَوَّلُ بَيِّنٌ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَمْنَعَ وَيَسْقُطَ حَقُّهَا لأجل الْعِبَادَة وَقَالَ الشَّافِعِي لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعَهُمَا مَاءٌ يَغْسِلَانِ بِهِ النَّجَاسَةَ عَنْ فَرْجِهِمَا حُجَّتُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّلَاةَ بِالطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهُمَا قَادِرَانِ فَلَا يَتَسَبَّبَانِ فِي إِبْطَالِهَا وَيَرْجِعَانِ إِلَى لبتيمم قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَعَهُ مَاءٌ فَيُهْرِقُهُ وَيَتَيَمَّمُ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لِلزَّوْجَيْنِ الْمُتَوَضِّئَيْنِ أَنْ يُقَبِّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ إِذَا لم يكن مَعَهُمَا مَاء يتوضئان بِهِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَوْ طَالَ عَدَمُ الْمَاءِ فِي سَفَرِهِ جَازَ لَهُ الْوَطْءُ قِيَاسًا عَلَى الْجَرِيحِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجرْح يطول بُرْؤُهُ غَالِبا خلافًا عَدَمِ الْمَاءِ الثَّانِي إِذَا مَنَعْنَاهُ مِنَ الْوَطْءِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ مَنَعْنَاهُ مِنَ الْبَوْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ وَحَقْنَتُهُ خَفِيفَةٌ قَالَ ابْن الْقَاسِم فَإِذا كَانَتِ الْحَقْنَةُ مُثْقَلَةً لَا يُمْنَعُ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَوَقع الْخلاف فِي الْمُحدث بريق الْمَاءَ وَيَتَيَمَّمُ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ حُجَّتُنَا آيَةُ التَّيَمُّمِ الثَّالِثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لِلْمَجْرُوحِ أَوِ الْمَشْجُوجِ أَنْ يَطَأَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ

لِطُولِ أَمْرِهِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ الْمُرَادُ اللَّذَانِ يَتَيَمَّمَانِ لِأَنَّ مَنْ بِهِ شَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَمْنَعُهُ الْغُسْلَ هُوَ كَالْمُسَافِرِ لَا يَطَأُ أَهْلَهُ إِنْ عَدِمَ الْمَاءَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ هَذَا عُدُولٌ عَنِ الْمَقْصُودِ بِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّلَاةِ بِلَا جَنَابَةٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ وَوَرَدَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صَاحِبُ الشَّجَّةِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا بَدَلًا مِنَ الْغُسْلِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْهَى عَنِ الْوَطْءِ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ يَطُولُ الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَنَامُ الْجُنُبُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا خلافًا لأهل الْعرَاق ابْن حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا حُجَّتُنَا مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَضَّأْ ثُمَّ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَنَمْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ سُوَيْدٌ هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ طَعَنُوا فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ هَذَا الْوُضُوءِ فَقِيلَ لِيَنَامَ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ وَقِيلَ لِيَنْشَطَ فَيَغْتَسِلَ وَقِيلَ إِنَّ الْأَرْوَاحَ تُرْفَعُ إِلَى الْعَرْشِ لِتَسْجُدَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْحَائِضِ وَقِيلَ إِنَّ النُّفُوسَ إِذَا اسْتَشْعَرَتْ أَنَّهَا مُتَقَرِّبَةٌ مَالَتْ إِلَى جَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ فَإِنَّ مَنْ أَسَاءَ اسْتَوْحَشَ وَمَنْ أَحْسَنَ اسْتَبْشَرَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِهِ إِلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إِنِ اقْتَصَرَ الْجُنُبُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عمر رَضِي الله عَنْهُمَا فَحَسَنٌ فَفِي الْمُوَطَّأِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطْعَمَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَكَانَ يَتْرُكُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِسُقُوطِ غُسْلِهِمَا مَعَ الْخُفِّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ وَالْجُنُبُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَيْضَ مُسْتَمِرٌّ يُبْطِلُ كُلَّ وُضُوءٍ يُفْعَلُ لِلنَّوْمِ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالنَّشَاطِ لِلْغُسْلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا لِتَعَذُّرِهِ فِي حَقِّهَا مَعَ أَنَّهُ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ يَتَخَرَّجُ أَمْرُهَا بِالْوُضُوءِ عَلَى عِلَّةِ الْأَمْرِ بِهِ وَحَكَى قَوْلًا بِوُجُوبِ وُضُوءِ الْجُنُبِ فُرُوعٌ مُرَتَّبَةٌ الْأَوَّلُ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ لَا يَتَيَمَّمُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَتَيَمَّمُ الثَّانِي إِذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ أَوْ أَحْدَثَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ قَالَ اللَّخْمِيُّ عَلَى تَعْلِيلِنَا بِالْمَبِيتِ عَلَى إِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ يُعِيدُ حُجَّةُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَمْرَهُ بِغَسْلِ ذَكَرِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْقُضُهُ نَوَاقِضُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى قَالَ صَاحب الطّراز وَلِأَن الْوضُوء هَهُنَا طَهَارَةٌ عَنِ الْجَنَابَةِ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ فَلَا يَنْقُضُهُ إِلَّا الْجَنَابَةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَهُ الثَّالِثُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ وَيَأْكُلَ قَبْلَ الْوُضُوءِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَمْرَيْنِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ أَوِ النَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ وَفِي رِوَايَة وَهن تسع نسْوَة قيل لأنس أَو كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلِأَنَّ الْجِمَاعَ يَنْقُضُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ بَدَلٌ مِنَ الْغُسْلِ فَلَا يُشَرَّعُ الْوُضُوءُ لِنَاقِضِهِ وَإِنَّمَا تُشَرَّعُ الطَّهَارَةُ لِمَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ وَتَكْمُلُ مَصْلَحَتُهُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا فَيَدُلُّ عَلَى الشَّرْعِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَنَحْنُ لَا نَكْرَهُ الْوُضُوءَ وَأَمَّا الْأَكْلُ فَلِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَن فُقَهَاء الْأَمْصَار

مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ يُعِيدُ مَنْ أَحْدَثَ نَوْمَةً نَامَ فِيهَا مُحْتَجًّا بِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْحَرَّةِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ مَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَمْ يُعِدْ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَالْأَثَرُ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَلْبَسُهُ وَلَا يَنْزِعُهُ فَيُعِيدُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ نَامَ فِيهِ قَالَ الْبَاجِيُّ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ بَيِّنٍ بَلْ هُوَ اخْتِلَافُ قَوْلٍ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ.
قَالَ وَعُذْرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى شَكَّ فِي طَهَارَتِهِ أَوْ ظَنَّ نَقْضَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَهَلْ يَسْتَوِي فِي طَرَيَانِ الشَّكِّ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا قَوْلَانِ وَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الطَّهَارَةُ لَا إِعَادَةَ وَوَجَبَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الظَّنِّ فَلَو تَوَضَّأ وَوجد بللاعقيبه فَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّ ذَلِكَ الْبَلَلَ مِنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ فَإِنَّ الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ الشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ مُتَحَقِّقٌ فِي جُمْلَةِ لَيَالِيهِ وَالَّذِي يُفَارِقُهُ مَا يَدْرِي مَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ظَنُّ الطَّهَارَةِ سَالِمًا فِي مُعَارَضَةِ الشَّكِّ وَالطَّهَارَتَانِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سَوَاءٌ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَنِيُّ رَطْبًا أَعَادَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
فَرْعٌ مُرَتَّبٌ قَالَ إِذَا قُلْنَا يُعِيدُ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ وَكَانَ غَيْرُهُ يَنَامُ فِيهِ قَبْلَهُ قَالَ سَحْنُونُ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِي حَقِّهِ.
الْخَامِسُ إِذَا رَأَتِ امْرَأَةٌ فِي ثَوْبِهَا دَمَ حَيْضٍ لَا تَدْرِي أَنَّهُ مِنْهَا أَوْ مِنْ شَيْءٍ أَصَابَهَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ لَمْ يُفَارِقْهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا أَوْ كَانَ يَلِي جَسَدَهَا اغْتَسَلَتْ وَأَعَادَتْ جَمِيعَ صَلَاةٍ صَلَّتْهَا فِيهِ يُرِيدُ أَنَّهَا تُسْقِطُ أَيَّامَ الطُّهْرِ وَتُعِيدُ الصِّيَامَ الْوَاجِبَ مِنْ يَوْمِ أَنْ صَامَتْ فِيهِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَلْبَسُهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ أَعَادَتْ مِنْ أَحْدَثِ لُبْسَةٍ كَوَاجِدِ الْجَنَابَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ

تُعِيدُ صَوْمَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ انْقَطَعَ مَكَانُهُ قَالَ التُّونِسِيُّ إِنْ كَانَتْ نُقْطَةً أَعَادَتْ يَوْمًا وَإِنْ كَانَتْ نُقَطًا أَعَادَتْ بِعَدَدِهَا أَيَّامًا فَيُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُ دَمٌ كَثِيرٌ مُتَفَرِّقٌ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَاهِرِ الشَّكُّ فِي تَحَقُّقِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ فَإِنْ وَجَدَ بَلَلًا وَلَا يَدْرِي أَهْوَ مَذْيٌ أَوْ مَنِيٌّ وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَرَقٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي مَا هَذَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَغْتَسِلُ وَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْوُضُوءُ مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ وَقَالَ ابْنُ سَابِقٍ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ وَالشَّكِّ فِي الْحَدَثِ.
السَّبَبُ الرَّابِعُ تَجَدُّدُ الْإِسْلَامِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ عَلَيْهِ الْغُسْلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ مَنْ أَجْنَبَ فَيَغْتَسِلُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُجْنِبْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا الْوضُوء.
قَالَ ابْن شاش وَالْمَشْهُور اخْتِصَاص الْوُجُوب بِالْجِنَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَأَمَّا الْوُجُوبُ عَلَى مَنْ أَجْنَبَ وَمَنْ لَمْ يُجْنِبْ فَمُشْكِلٌ وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ فَقَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُضُوءِ إِجْمَاعًا وَإِذَا لَمْ يُسْقِطِ الْإِسْلَامُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ فَأَوْلَى أَلَّا يُسْقِطَ الْأَكْبَرَ وَلِأَنَّ الْحَائِضَ إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا لَا تَتَوَضَّأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هُوَ مُسْتَقْبِلُهَا مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثَيْنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ الشَّرْطِ لَا أَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِأَمْرِ تَقَدُّمِ الْإِسْلَامِ فَيَسْقُطُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ بَلْ هَذَا الْأَمْرُ أَوْجَبَهُ الْإِسْلَامُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالطَّهَارَةَ مِنْ آثَارِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُسْقِطُهُمَا الْإِسْلَامُ وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَمَا قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ وَأَكْثَرُ مَنْ أَسْلَمَ مُحْتَلِمٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَنَّ الْجَنَابَةَ صَدَرَتْ فِي وَقْتٍ لَمْ يُخَاطِبْ فِيهَا أَحْكَامَ الْفُرُوعِ وَإِذَا سَقَطَ الْخِطَابُ بِالْحُكْمِ سَقَطَ الْخِطَابُ بِأَسْبَابِهِ وَشُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِهَا لِأَجْلِهِ وَأَمَّا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ الصَّادِرُ فِي الْكُفْرِ فَيَلْزَمُ هَذَا التَّقْرِيرَ سُقُوطُهُ أَيْضًا لَكِنْ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْحَدَثِ السَّابِقِ بَلْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا﴾ الْآيَةَ فَدَلَّتْ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ دُونَ الْغُسْلِ.
فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ شَرْطٌ.
قُلْتُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى جَنَابَةِ الْإِسْلَامِ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَةِ وَعَدَمِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَنْ أَسْلَمَ بِالِاغْتِسَالِ.
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ أَعْظَمَ الْقُرَبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَطَهَّرَ لَهَا كَمَا يَتَطَهَّرُ للْإِحْرَام وَدخُول مَكَّة وشهود الْجُمُعَة وَهَهُنَا أَوْلَى.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَمر قبس بْنَ عَاصِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهِ النَّظَافَةُ لَا الْعِبَادَةُ بِدَلِيلِ أَمْرِهِ بِالسِّدْرِ وَالسِّدْرُ إِنَّمَا يُقْصَدُ لِلنَّظَافَةِ وَلَعَلَّهُ رَآهُ مُشَوَّهًا بِالدَّرَنِ.
فُرُوعٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ إِذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَطْلِقُوهُ إِلَى تَمَامِهِ فَانْطَلَقَ إِلَى جَبَلٍ قَرِيبٍ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَسْلَمَ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ يَحْصُلُ بِالِاعْتِقَادِ إِجْمَاعًا.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ لِأَنَّهُ ضِدَّهُ فَإِذَا ارْتَفَعَ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ تَعَيَّنَ الْآخَرُ وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبِلَ إِسْلَامَ الْجَارِيَةِ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا إِلَّا إِشَارَتُهَا إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَا يَحْصُلُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْإِقْرَارِ؟ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ بِشَرْطِ إِمْكَانِ التَّلَفُّظِ وَآيُ الْقُرْآنِ تَشْهَدُ لَهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَ الْإِيمَانَ فِي كِتَابِهِ ذَكَرَهُ مَقْرُونًا بِالْبَاءِ كَقَوْلِهِ ﴿وَمن لم يُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله﴾ وَآمَنَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ قَالَ أَرْبَابُ عِلْمِ الْبَيَانِ إِنَّمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الْبَاءُ لِأَنَّ الْفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنَى أَقَرَّ وَالْإِقْرَارُ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ بِقَلْبِهِ وَيُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْآيَاتِ كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ (كَيْفَ تَرَانِي قَالِبًا مِجَنِّي ... قَدْ قَتَلَ اللَّهُ زِيَادًا عَنِّي) أَيْ صَرْفَهُ بِالْقَتْلِ فَضُمِّنَ قَتَلَ مَعْنَى صَرَفَ فَعَدَّاهُ بِعْنَ كَمَا يَتَعَدَّى صَرَفَ وَهُوَ مِنْ أَسْرَارِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَجَوَامِعِ كَلِمِهَا لِتَعْبِيرِهَا عَنِ الْجُمْلَتَيْنِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ صَرَفَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ قَتَلَهُ عَنِّي فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ تَظْهَرُ صِحَّةُ الْغُسْلِ وَعَلَى الثَّانِي يُشْكِلُ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا لَمْ يُقْبَلْ فَأَوْلَى الْغُسْلُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ التَّلَفُّظَ اللَّاحِقَ لَمَّا صَحَّحَ التَّصْدِيقَ السَّابِقَ صَحَّحَ الْغُسْلَ السَّابِقَ أَيْضًا فَيَكُونُ الْإِيمَانُ الْقَلْبِيُّ وَالْغُسْلُ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى التَّلَفُّظِ فَإِذَا تَلَفَّظَ صَحَّا جَمِيعًا وَيَصِحُّ الْغُسْلُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْأَدْنَى يَتْبَعُ الْأَعْلَى الثَّانِي لَوْ كَانَ الْكَافِرُ يَعْتَقِدُ دِينًا يَقْتَضِي الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَاغْتَسَلَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ الظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ وَقَدْ خَرَّجَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ

عَلَى غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ بَعْدَهُ بِاعْتِبَارِ إِبَاحَةِ الْوَطْءِ بِهِ الثَّالِثُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَنْوِي بِغُسْلِهِ الْجَنَابَةَ فَإِنْ نَوَى الْإِسْلَامَ أَجْزَأَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّهُ نَوَى بِذَلِكَ الطُّهْرَ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ كَمَا أَنَّ الْوُضُوءَ إِذَا نَوَى بِهِ الصَّلَاةَ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ الرَّابِعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَاءَ اغْتَسَلَ وَيَنْوِي بِتَيَمُّمِهِ الْجَنَابَةَ عِنْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَيَمُّمُهُ عِنْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْمُتَيَمِّمِ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فَلَا يَتَيَمَّمُ الْخَامِسُ قَالَ ابْنُ شَاسٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ غُسْلُ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ تَعَبُّدٌ وَعَلَى الْمَشْهُورِ مُعَلَّلٌ بِالْجَنَابَةِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ غُسْلُ مَنْ لَمْ يُجْنِبْ السَّادِسُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُؤْمَرُ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ إِنْ كَانَ قَزَعًا وَنَحْوه وَاسْتحبَّ الشَّافِعِي حَلْقَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَن عثيم بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَ لِي عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ زِيُّ الْكُفْرِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا بِغَيْرِ حَلْقٍ السَّبَبُ الْخَامِسُ إِلْقَاءُ الْوَلَدِ جَافًّا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا وَمَعْنَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهَا بِخُرُوجِ مَائِهَا وَالْوَلَدُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَائِهَا لِأَنَّهُ مِنْهُ خُلِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا بِخُرُوجِهِ وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مَاءَهَا قَدِ اسْتَحَالَ عَنْ هَيْئَتِهِ الَّتِي مِنْهَا الْغُسْلُ فَأَشْبَهَ حَالَةَ السَّلَسِ بَلْ هَذَا أَشَدُّ بُعْدًا

(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ)

وَصِفَةُ سَائِرِ الْأَغْسَالِ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فُرُوضٍ وَسُنَنٍ وَفَضَائِلَ فَفُرُوضُهُ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ الْمَاءُ الطَّهُورُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ لَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الِاغْتِسَالَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَالْقَصْرِيَّةِ وَالْبِئْرِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ بدا وَفِي مُسلم قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام لايغتسل أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ وَهُوَ يُفْسِدُهُ إِمَّا لِنَجَاسَتِهِ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِمَّا لِأَنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ طَهُورًا وَفِي الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْبِئْرِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ يَأْتِيهَا الْجُنُبُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْرِفُ بِهِ وَفِي يَده قذره قَالَ يَحْتَالُ حَتَّى يَغْسِلَ يَدَهُ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَجْهُ الْحِيلَةِ أَنْ يَرْفَعَ الْمَاءَ بِفِيهِ وَيَغْسِلَ يَدَيْهِ بِهِ أَعْلَى الْبِئْرِ مِرَارًا إِنْ أَمْكَنَ الصُّعُودُ أَوْ يَسْكُبَ عَلَى يَدِهِ مِنْ فَمه ويغسلها عِنْد الْحَائِط الْبِئْرِ إِنْ تَعَذَّرَ الصُّعُودُ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي يَدِهِ مَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ فِي إِفْسَادِ الْمَاءِ.
الْفَرْضُ الثَّانِي النِّيَّةُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُهَا فِي الْوُضُوءِ فَلْنَكْتَفِ بِمَا هُنَاكَ وَنَذْكُرْ مَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ إِذَا اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ أَوْ لِلتَّبَرُّدِ وَلَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ لَا يُجْزِئُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِجْزَاءَ وَأَفْتَوْا بِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ لِلْفَرِيضَةِ.
وَلِأَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا شُرِعَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذْ لَا يُؤْمَرُ بِهِ مَنْ لَا يُصَلِّيهَا فَالْغُسْلُ لَهَا يَتَضَمَّنُ رَفْعَ مَا يَمْنَعُ مِنْهَا كَالْوُضُوءِ لِلنَّافِلَةِ.

وَالْفَرْقُ لِلْمَشْهُورِ أَنَّ النَّافِلَةَ تَتَضَمَّنُ رَفْعَ الْحَدَثِ لِتَحْرِيمِ فِعْلِهَا بِالْحَدَثِ فَإِذَا نَوَاهَا فَقَدْ نَوَى لَازِمَهَا عَلَى وَجْهِ الِالْتِزَامِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْحَدَثِ فَيَتَضَمَّنُ الْقِيَاسَ السَّابِقَ بَلْ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ وَنَقُولُ كُلُّ سَبَبَيْنِ بَيْنَهُمَا تَلَازُمٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّ الْقَصْدَ إِلَى أَحَدِهِمَا قَصْدٌ لِلْآخَرِ كَالصَّلَاةِ مَعَ رَفْعِ الْحَدَثِ وَالْعِبَادَةِ مَعَ أَجْزَائِهَا.
فَإِنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ نَاسِيًا لِجُمُعَتِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ خِلَافًا ش ح وَقَالَ ابْنُ عبد الْحَكِيم وَأَشْهَبُ وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ يُجْزِئُهُ قَالَ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْعَكْسَ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ عَنِ الْجَنَابَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ عَنِ الْجَنَابَةِ وَلَا تُجْزِئُ الْجَنَابَةُ عَنِ الْجُمُعَةِ.
أَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَرَأَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَا يَتَضَمَّنُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةُ تَتَضَمَّنُ النَّظَافَةَ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودَانِ وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَرَأَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَا يَصِحُّ مِنَ الْجُنُبِ وَإِنَّمَا شُرِعَ فِي حق الطَّاهِر فالقصد إِلَيْهَا قصد للزمها كَمَا تَقَدَّمَ.
فَرْقٌ يُجْزِئُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْوِيَهُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْوِيَهُ مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَأَخْفَضُ رُتْبَةً وَإِذَا أَجْزَأَ عَنِ الْأَعْلَى فَأَوْلَى أَنْ يُجْزِئَ عَنِ الْأَدْنَى وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْجَنَابَةِ وَالْأَقَلُّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ أَعْضَاء الْجَنَابَة.
وَثَانِيهمَا أَن الْوضُوء وَاجِب مِنَ الْجِنْسِ فَضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى جِنْسِهِ أَقْرَبُ مِنْ ضَمِّهِ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ.
وَلَوِ اغْتَسَلَ لِجُمُعَتِهِ وَجَنَابَتِهِ وَنَوَاهُمَا مَعًا فَالْإِجْزَاءُ فِي الْكِتَابِ لِأَن الْمَقْصُود

مِنَ الْجَنَابَةِ رَفْعُ الْحَدَثِ وَمِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ النَّظَافَةُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمَقْصُودَيْنِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِم يَنْفِي الْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغُسْلِ جُمْلَةِ جَسَدِهِ لِلْجَنَابَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلَ الْجُمُعَةَ مُشْتَرَكَةً فَلَا يَكُونُ آتِيًا بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ عَنْ جُمُعَتِهِ دُونَ جَنَابَتِهِ لِضَعْفِ الْغُسْلِ بِالتَّشْرِيكِ وَهُوَ أَضْعَفُ الْغُسْلَيْنِ وَتَوَهَّمَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى مَنْ مَشَى فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ لِنَذْرِهِ وَفَرْضِهِ فَإِنَّ فِيهَا اخْتِلَافًا وَقَالَ مَالِكٌ أَحَقُّهُمَا بِالْقَضَاءِ أَوْجَبُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَلِ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَرَى.
وَقَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا حَاضَتْ أَخَّرَتْ غُسْلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَنْبَغِي إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْجُنُبِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْوُضُوءِ قَبْلَ النَّوْمِ لِتَمَكُّنِهَا مِنَ الْغُسْلِ حِينَئِذٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُجْزِئُهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ لَهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إِنْ نَسِيَتِ الْجَنَابَةَ أَجْزَأَهَا لِأَنَّ الْحَيْضَ أَشَدُّهُمَا مَنْعًا وَقَالَ سَحْنُونُ إِنْ نَسِيَتِ الْحَيْضَ لَمْ يُجْزِئْهَا لِاخْتِصَاصِ الْحَيْضِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْوَطْءِ وَلِأَنَّهُ النَّاسِخُ لِحُكْمِ الْجَنَابَةِ وَالْحُكْمُ لِلنَّاسِخِ لِبُطْلَانِ الْمَنْسُوخِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُجْزِئُهَا قِيَاسًا عَلَى أَسْبَابِ الْأَحْدَاثِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَة فِي الشَّجَّة إِذا كَانَت مَوْضِعَ الْوُضُوءِ إِنْ غَسَلَهَا بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ يُجْزِئُ عَنِ الْجَنَابَةِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ عَنِ الْغُسْلِ وَيَبْنِي عَلَى الْمَغْسُولِ وَنِيَّةُ الْغُسْلِ عَنِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا فَرْضُ طَهَارَةٍ.
الْفَرْضُ الثَّالِثُ تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْغُسْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿حَتَّى تغتسلوا﴾ وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ.

الْفَرْضُ الرَّابِعُ التَّدْلِيكُ قَالَ فِي الْكِتَابِ فِي الْجُنُبِ وَالْمُتَوَضِّئِ يَأْتِي النَّهْرَ يَنْغَمِسُ فِيهِ نَاوِيًا الطُّهْرَ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا أَنْ يَتَدَلَّكَ خِلَافًا ش ح. قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَمَا شَكَّ فِيهِ عَاوَدَهُ بِالْمَاءِ وَالدَّلْكِ وَيُتَابِعُ عُمْقَ سُرَّتِهِ وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَحَاجِبَيْهِ وَبَاطِنَ رُكْبَتَيْهِ وَرُفْغَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُو الْفَرَجِ إِذَا وَالَى الصَّبَّ بِالْمَاءِ أَوْ أَطَالَ الْمُكْثَ تَحْتَ الْمَاءِ حَتَّى عَلِمَ وُصُولَهُ لِلْبَشَرَةِ أَجْزَأَهُ فَرَأَى أَنَّ الدَّلْكَ لَا يَجِبُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْإِيصَالِ.
وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ حَقِيقَةُ الْغُسْلِ لُغَةً الْإِيصَالُ مَعَ الدَّلْكِ فَيَجِبُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلِذَلِكَ تُفَرِّقُ الْعَرَبُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْغَمْسِ لِأَجْلِ التَّدْلِيكِ فَتَقُولُ غَمَسْتُ اللُّقْمَةَ فِي الْمَرَقِ وَلَا تَقُولُ غَسَلْتُهَا أَوْ نَقُولُ حَقِيقَتُهُ الْإِيصَالُ فَقَطْ لِقَوْلِ الْعَرَبِ غَسَلَتِ السَّمَاءُ الْأَرْضَ إِذَا أَمْطَرَتْهَا وَاعْتَبَرَ أَصْحَابُنَا التَّدْلِيكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالتَّيَمُّمِ وَالْخُفَّيْنِ لِأَنَّهَا طَهَارَاتٌ فَتُسَوَّى فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ أَوْ تَلَقَّى الْمَطَرَ بِرَأْسِهِ أَجْزَأَهُ.
حُجَّتُنَا أَنَّ الْمُحْدِثَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ وِفَاقًا وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ وَأَمَّا مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأُمِّ سَلَمَةَ إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تُحْثِي الْمَاءَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي الْمَاءَ عَلَيْكِ فَتَطْهُرِينَ وَفِي أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ فَتُحْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَيَكُونُ أَرْجَحَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ.
فَرْعٌ إِنْ عَجَزَ عَنْ تَدْلِيكِ بَعْضِ جَسَدِهِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ سَحْنُونُ يُعِدُّ لَهُ خِرْقَةً وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ يَسْقُطُ كَمَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ عَن

الْأَخْرَسِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ اتِّخَاذُ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَشَاعَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَفَرَّقَ أَيْضًا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكثير.
الْفَرْض الْخَامِس الْفَوْر قَالَه ابْنُ يُونُسَ وَدَلِيلُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا سُنَنُهُ قَالَ الْقَاضِي ثَلَاثٌ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْوُجُوب وَزَاد ابْن يُونُس رَابِعَة دَاخِلِ الْأُذُنَيْنِ.
وَأَمَّا فَضَائِلُهُ فَفِي التَّلْقِينِ خَمْسٌ الْبَدَاءَةُ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ ثُمَّ بِإِزَالَةِ الْأَذَى ثُمَّ الْوُضُوءُ ثُمَّ تَخْلِيلُ أُصُولِ شَعْرِهِ ثُمَّ يَغْرِفُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرُفَاتٍ بِيَدِهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جلده كُله فَغسل الْيَدَيْنِ هَهُنَا إِنْ كَانَ مِنْ نَجَاسَةٍ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ نَوْمٍ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَقدم لكَون أَعْضَاء الْوضُوء أشرف الْجَسَدِ وَمَحَلَّ الْعِبَادَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ اتَّفَقَ أئئمة الْفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ سَوَاءٌ طَرَأَتِ الْجَنَابَة على الْحَدث أَو الطَّهَارَة إِلَّا الشَّافِعِي فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِنْ كَانَ مُحْدِثًا قَبْلَ الْجَنَابَةِ.
وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِدُخُولِهِ مَعَهُ إِذَا اجْتمعَا أَو سبقت الْجَنَابَة فَكَذَلِك هَهُنَا وَلِأَنَّ الْكُبْرَى تَدْخُلُ فِي الْكُبْرَى فَالصُّغْرَى أَوْلَى.
فَإِنِ اغْتَسَلَ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بَعْدَ الْغُسْلِ لَا وَجْهَ لَهُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ يُسْبِغُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ غَسَلَ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ وَحْدَهُ وَقَدْ فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ.
تَمْهِيدٌ يَقَعُ التَّدَاخُلُ فِي الشَّرِيعَةِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ

الْأَوَّلُ الطَّهَارَاتُ كَالْوُضُوءِ إِذَا تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهُ أَوْ تَكَرَّرَ السَّبَبُ الْوَاحِدُ وَالْغُسْلُ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ أَوْ تَكَرَّرَ السَّبَبُ الْوَاحِدُ وَالْوُضُوءُ مَعَ الْجَنَابَةِ وَفِي تَدَاخُلِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ خِلَافٌ.
الثَّانِي الْعِبَادَاتُ كَسُجُودِ السَّهْوِ إِذَا تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهُ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ مَعَ الْفَرْضِ وَالْعُمْرَةُ مَعَ الْحَجِّ.
الثَّالِثُ الْكَفَّارَاتُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِرَارًا بِخِلَافِ الْيَوْمَيْنِ أَوِ الْأَكْثَرِ خِلَافًا ح فِي إِيجَابِهِ كَفَارَّةً وَاحِدَةً فِي جُمْلَةِ رَمَضَانَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الرَّمَضَانَيْنِ.
الرَّابِعُ الْحُدُودُ إِذَا تَمَاثَلَتْ وَهِيَ أَوْلَى بِالتَّدَاخُلِ مِنْ غَيْرِهَا لِكَوْنِهَا أَسْبَابًا مُهْلِكَةً وَحُصُولُ الزَّجْرِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيلَاجَ سَبَبُ الْحَدِّ وَالْغَالِبُ تَكَرُّرُ الْإِيلَاجَاتِ فَلَوْلَا تَدَاخُلُ الْحُدُودِ هَلَكَ الزَّانِي وَإِنَّمَا يَجِبُ تَكَرُّرُهَا إِذَا تَخَلَّلَتْ بَيْنَ أَسْبَابِهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهَا مُوجِبٌ لِسَبَبِهِ السَّابِقِ فَلَوِ اكْتَفَيْنَا بِهِ لَأَهْمَلْنَا الْجَنَابَةَ فَيَكْثُرُ الْفَسَادُ وَلِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَفِ بِزَجْرِهِ فَحَسُنَ الثَّانِي.
الْخَامِسُ الْعَدَدُ يَقَعُ التَّدَاخُلُ فِيهَا عَلَى تَفْصِيلٍ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
السَّادِسُ الْأَمْوَالُ كَدِيَةِ الْأَطْرَافِ مَعَ النَّفْسِ إِذَا سَرَتِ الْجِرَاحَةُ وَالصَّدَقَاتُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَاتِ وَيَدْخُلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمُتَأَخِّرِ وَالْمُتَأَخِّرُ فِي الْمُتَقَدِّمِ وَالطَّرَفَانِ فِي الْوَسَطِ وَالْقَلِيلُ فِي الْكَثِيرِ وَالْكَثِيرُ فِي الْقَلِيلِ.
فَالْأَوَّلُ نَحْوَ الْأَطْرَافِ مَعَ النَّفْسِ إِذَا سَرَتِ الْجِرَاحَةُ وَالْجَنَابَةِ مَعَ الْحَيْضِ وَالْوُضُوءِ مَعَ الْغُسْلِ وَالصَّدَاقِ الْمُتَقَدِّمِ مَعَ الْمُتَأَخِّرِ إِنِ اتَّحَدَتِ الشُّبْهَةُ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمَذْهَبِ اعْتِبَارُ الْحَالَةِ الْأُولَى كَيْفَ كَانَتْ لِأَنَّ الْوُجُوبَ حَصَلَ عِنْدَهَا فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا وَالِانْتِقَالُ مَذْهَب الشَّافِعِي.
وَالثَّانِي نَحْوَ الْحَيْضِ فِي الْجَنَابَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ وَالْحُدُودِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَعَ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهَا مِنْ جِنْسِهَا عددا وَالْكَفَّارَات.

وَالثَّالِثُ نَحْوَ الْمَوْطُوءَةِ بِالشُّبْهَةِ وَكَانَتْ حَالُهَا الْوُسْطَى أَعْظَمَ صَدَاقًا.
وَالرَّابِعُ كَالْأُصْبُعِ مَعَ النَّفْسِ إِذَا سَرَتِ الْجِرَاحَةُ وَالصَّدَاقِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ إِذَا كَانَ أَقَلَّ وَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ وَالْوُضُوءِ مَعَ الْغُسْلِ.
وَالْخَامِسُ كَالْأَطْرَافِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ النَّفْسِ وَالْحُدُودِ مَعَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالِاغْتِسَالَاتِ وَالْوُضُوءَاتِ إِذَا تَعَدَّدَتْ أَسْبَابُهَا أَوِ اخْتَلَفَتْ.
فَرْعٌ جَوَّزَ فِي الْكِتَابِ أَنْ يُؤَخِّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْ وُضُوئِهِ حَتَّى يَفْرُغَ الْغُسْلُ فَيَغْسِلَهُمَا فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ لما فِي البُخَارِيّ من مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَدْنَيْتُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ أَفْرَغَ بِهِمَا عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مَلْءَ كَفَّيْهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ وَلِأَنَّ الْبَدَاءَةَ لَمَّا كَانَتْ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِشَرَفِهَا كَانَ الْخَتْمُ بِهَا شَرَفًا وَفَضْلًا.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَعَنْهُ فِي الْمَبْسُوطِ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا إِذَا أَخَّرَهُمَا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَرَاعَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُوَالَاةَ وَرَاعَى فِي الْأُولَى تَبَعِيَّةَ الْوُضُوءِ لِلْغُسْلِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تَفْرِيقَ.
وَإِذَا قُلْنَا يُؤَخِّرُ غَسْلَهُمَا فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ لَا يَمْسَحُ بَلْ إِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ غَرَفَ عَلَى رَأْسِهِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ تَمَضْمَضَ واستنشق وَغسل وَجهه وَيَديه ثمَّ صب عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَبِأَيِّ نِيَّةٍ يَغْسِلُهُمَا قَالَ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ يَنْوِي بِذَلِكَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ.

وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ تَمَامَ الْوُضُوءِ دُونَ غُسْلِهِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى فِيهِ مَصَالِحُ إِحْدَاهَا تَسْهِيلُ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ وَأُصُولِ الشَّعْرِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْوَاضِحَةِ وَثَانِيهمَا مُبَاشَرَةُ الشَّعْرِ بِالْيَدِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَجْمُوعَة.
وَثَالِثهَا تَأْنِيسُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ لِئَلَّا يَقْشَعِرَّ فَيَمْرَضَ.
قَالَ الْبَاجِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ لِحْيَتِهِ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الشَّعْرِ فَيَسْقُطُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَشَرَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى أَقْرَبُ لِلتَّخْفِيفِ لِجَوَازِ الْبَدَلِ فِيهَا عَنِ الْغُسْلِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بِخِلَافِ الْغُسْلِ.
فُرُوعٌ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ لَا تَنْقُضُ شَعْرَهَا فِي غُسْلِهَا وَلَكِنْ تَضْغَثُهُ خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ فِي الْحَائِضِ وَاللَّخْمِيِّ فِيهِمَا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَلِّ ضَفْرِ شَعْرِ رَأْسِهَا فِي الْجَنَابَةِ فَقَالَ إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تُحْثِي عَلَى رَأْسِكَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ.
الثَّانِي إِذَا كَانَ عَلَى ذَكَرِ الْجُنُبِ نَجَاسَةٌ فَغَسَلَهُ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ الْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ وَقِيلَ لَا يُجْزِئُ حَتَّى يَغْسِلَهُ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ فَقَطْ.

الثَّالِثُ فِي الْجِلَابِ الْجُنُبُ طَاهِرُ الْجَسَدِ وَالْعَرَقِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَقِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ فَتَفَقَّدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ الرَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ عُبُورُهُ وَلُبْثُهُ فِي الْمَسْجِد خلافًا لداود والمزني فيهمَا وَالشَّافِعِيّ فِي الْعُبُورِ لِمَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِض حجَّة الشَّافِعِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ فاستثناء السَّبِيلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِقَاعٌ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ.
جَوَابُهُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِضْمَارِ بَلِ الْمُرَادُ الصَّلَاةُ نَفْسُهَا نُهِينَا عَنْ قُرْبَانِهَا سُكَارَى وَجُنُبًا إِلَّا فِي السَّفَرِ فَإِنَّا نَقْرَبُهَا جُنُبًا بِالتَّيَمُّمِ وَخُصَّ السَّفَرُ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيهِ غَالِبًا وَهَذَا تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَوَّلُ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
حُجَّةُ الثَّالِثِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ عَدَمِ تَنَجُّسِهِ وَمَنْعِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ كَالْقِرَاءَةِ.
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَسْجِدِ بَيْتِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ حَانُوتًا.
الْخَامِسُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهُوَ مُرَتَّبٌ إِذَا احْتَاجَ لِيَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ يُبَاحُ لَهُ بِالتَّيَمُّمِ إِذَا عُدِمَ

الْمَاءُ وَإِذَا احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ.
حُجَّتُنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَخَرَجَ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ وَلِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالتَّيَمُّمِ لُبْثٌ مَعَ الْجَنَابَةِ.
السَّادِسُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَدْخُلُ الْكَافِرُ الْمَسْجِدَ خِلَافًا ش ح زَادَ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِن أذن لَهُ الْمُسلم وَمنعه الشَّافِعِي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيَشْتَرِطُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذْنَ الْمُسْلِمِ فِي دُخُولِهِ.
حُجَّتُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْجُنُبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَمَّا رَبْطُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ فِي الْمَسْجِدِ فَذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
السَّابِعُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا صَلَّى نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ ذَكَرَهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى السُّوقِ يَرْجِعُ وَلَا يَتَمَادَى لِغَرَضِهِ وَيَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ضِيقِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى قَضَائِهَا فَإِنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عِنْدَ الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاة لذكري﴾ . الثَّامِنُ فِي الطَّرَّازِ يُفَارِقُ الْجُنُبُ الْحَائِضَ فِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ظَاهِرًا وَمَسِّ الْمُصْحَفِ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْحَائِضِ لِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ وَخَوْفِ النِّسْيَانِ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَوُّذِ وَلَا يُعَدُّ قَارِئًا وَلَا لَهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ.
تَنْبِيهٌ حَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى قسمَيْنِ أَحدهمَا لَا يَذْكُرُ إِلَّا قُرْآنًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى

﴿كذبت قوم لوط الْمُرْسلين﴾ فَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقُرْآنِ وَلَا تَعَوُّذَ فِيهِ وَثَانِيهِمَا هُوَ تَعَوُّذٌ كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فَتَجُوزُ قِرَاءَتُهُمَا لِضَرُورَةِ دَفْعِ مَفْسَدَةِ الْمُتَعَوَّذِ مِنْهُ.
وَالْأَصْلُ فِي الْمَنْعِ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُتَعَوِّذُ لَا يُعَدُّ قَارِئًا وَكَذَلِكَ الْمُبَسْمِلُ وَالْحَامِدُ فَبَقِيَ مَا عَدَا هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى الْمَنْعِ.

(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْمَسْحِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْغُسْلِ)

وَفِيهِ فَصْلَانِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ

قَالَ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا خِلَافًا ح فِي قَوْلِهِ بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجِبُ عِنْدَهُ لِاقْتِضَاءِ الْقُرْآنِ الْغُسْلَ وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ عِنْدَهُ وَنَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُمْتَنَعٌ إِجْمَاعًا وَقَالَ بِمَسْحِ الْخُفَّيْنِ لِوُصُولِ أَحَادِيثِهِ إِلَى التَّوَاتُرِ عِنْدَهُ فَأَمْكَنَ النَّسْخُ.
احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ فَأَمَرَنِي عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ وَاهِيَةٌ فَنَعْدِلُ إِلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بِجَامِعِ الضَّرُورَةِ وَبِطْرِيقِ الْأَوْلَى لِمَزِيدِ الشِّدَّةِ وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْقِيَاسَ مَا فِي أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَصَائِبُ الْعَمَائِمُ وَالتَّسَاخِينُ الْخِفَافُ وَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ لِضَرُورَةِ الْبَرْدِ فَأَوْلَى الْجِرَاحُ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَلَا فَرْقَ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ تَرْكِ الْجَبِيرَةِ أَوْ بَعْضِهَا وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُجْزِئُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
حُجَّتُنَا أَنَّ الْعُضْوَ كَانَ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ

وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ مِنَ الطَّهَارَةِ.
سُؤَالٌ مَسْحُ الْخُفِّ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلَانِ مِنَ الْغُسْلِ وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُهَا فِي مَوَاضِعِ الْغَسْلِ لِجَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَعْلَى الْخُفَّيْنِ وَالْكُوعَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ.
جَوَابُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفَّيْنِ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْغَسْلِ بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بَدَلٌ عَنْ أَصْلِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ لَا بَدَلَ عَنْ أَجْزَائِهِمَا فَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ لَمْ يُهْجَرَا بَلْ هُمَا مَطْلُوبَانِ فَوَجَبَتِ الْعِنَايَةُ بِمُرَاعَاةِ أَجْزَائِهِمَا وَالتَّيَمُّمُ فَقَدَ أَعْرَاضَ الطَّهَارَتَيْنِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ أَجْزَاؤُهُمَا.
فُرُوعٌ سِتَّةٌ: الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا كَانَ الْجُنُبُ يَنْكَبُّ الْمَاءُ عَنْ جُرْحِهِ أَوْ شَجَّتِهِ غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ إِذَا صَحَّ فَإِنْ لم يغسل حَتَّى صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْوُضُوءُ أَعَادَ صَلَاتَهُ مِنْ حِينِ قَدَرَ عَلَى مَسِّهِ بِالْمَاءِ كَاللُّمْعَةِ.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُرِيدُ فِي غَسْلِ جَسَدِهِ لَا أَنَّهُ لَا يَمْسَحُهَا فَإِذا صَحَّ غسل الْموضع الَّذِي كَانَ بمسح عَلَيْهِ كَالْخُفِّ إِذَا نَزَعَهُ إِلَّا أَنْ يَبْرَأَ الْجُرْحُ وَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ الْأَوَّلِ كَمَا إِذَا نَزَعَ خُفَّهُ وَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَتِ الشَّجَّةُ فِي رَأْسِهِ وَمَسَحَهَا لِلْوُضُوءِ لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَنِ الْجَنَابَةِ وَهَذَا الْفَرْعُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَابَةَ تُجْزِئُ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ لِأَنَّهُمَا فَرْضَانِ فَأَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ كَالْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فَإِنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَتِهِ أَعَادَ حِينَ الْغُسْلِ قَالَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُعِيدُ الْمَوْضِعَ إِذَا تَرَكَهُ نَاسِيًا فَقَطْ وَالْمُتَأَوِّلُ وَالْعَامِدُ يُعِيدَانِ الْغُسْلَ.
سُؤَالٌ تَنُوبُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ عَنْ نِيَّةِ الْجَنَابَةِ وَلَا تَنُوبُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ للْوُضُوء عَن

نِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِلْغُسْلِ إِذَا نَسِيَهُ وَإِنْ كَانَ بَدَلًا مِنَ الْوُضُوءِ فَرْضًا كَالْجَنَابَةِ وَنَقَلَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا.
جَوَابُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنِ الْوُضُوءِ بَدَلَ الْوُضُوءِ وَهُوَ بَعْضُ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَبَدَلُ الْبَعْضِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَالْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ أَصْلَانِ فِي لُمْعَةِ الْجَبِيرَةِ مُتَسَاوِيَانِ فِيهَا بِإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ.
الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ عَلَى الدَّوَاءِ وَالْمَرَارَةِ عَلَى الظُّفُرِ وَالْقِرْطَاسِ عَلَى الصُّدْغِ لِلضَّرُورَةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ مُتْلِفًا بَلْ لِمُجَرَّدِ الضَّرُورَةِ أَوْ خَوْفَ زِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ تَأْخِيرِ الْبُرْءِ خِلَافًا ش فِي اشْتِرَاطِهِ التَّلَفَ.
الثَّالِثُ لَوْ سَقَطَتِ الْجَبِيرَةُ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ حَلَّهَا لِلتَّدَاوِي قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِنْ قَدَرَ أَنْ يَمْسَحَ نَفْسَ الْجُرْحِ وَجَبَ وَإِلَّا رَدَّ الْجَبِيرَةَ فِي حِينِهِ وَمَسَحَ عَلَيْهَا فَإِنِ احْتَاجَتِ الْمُدَاوَاةُ إِلَى طُولٍ فَهَلْ يُعِيدُهَا أَوْ يَبْنِي عَلَى قَصْدِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي نَاسِي بَعْضِ طَهَارَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَهُ بِحَيْثُ لَا مَاءَ وَطَالَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ لِلْمَاءِ أَوْ هُرِيقَ مَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَطَالَ ذَلِكَ.
قَالَ فَإِنْ كَانَتِ الْجَبِيرَةُ فِي ذِرَاعِهِ فَمَسَحَ عَلَيْهَا لَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهَا لِأَنَّ التَّرْتِيبَ قَدْ وَقَعَ فِي وُضُوئِهِ أَوَّلًا وَاتَّصَفَ بِالْكَمَالِ بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ بَعْضَ طَهَارَتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سُقُوطِ الْجَبِيرَةِ وَالْعُصَابَةِ الْعُلْيَا الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْحُ كَالْخُفِّ الْأَعْلَى إِذَا نَزَعَهُ.
الرَّابِعُ إِذَا كَثُرَتِ الْخِرَقُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ إِنْ أَمْكَنَ الْمَسْحُ عَلَى السُّفْلَى لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعُلْيَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ يُجْزِئُ وَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى لُبْسِ خُفٍّ عَلَى خُفٍّ لِأَنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ الْفَرْضُ لِلْجَبِيرَةِ لَا يَجِبُ مَحَلٌّ مَخْصُوصٌ بَلِ الْإِمْرَارُ بِالْيَدِ.
فَرْعٌ مُرَتَّبٌ مِنَ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا لَا يَمْسَحُ إِلَّا عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ لَا يَمْسَحُ عَلَى الْكَثِيفِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الِارْتِفَاعِ وَأَمَّا الْعَرْضُ فَلَا يجوز

أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الْمَوْضِعِ السَّالِمِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ شَدِّهِ وَكَذَلِكَ الْعُصَابَةُ إِنْ أَمْكَنَ حَلُّهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ حَلَّهَا وَمَسَحَ عَلَى الْجُرْحِ إِنْ تَعَذَّرَتْ مُبَاشَرَتُهُ بِالْمَسْحِ.
الْخَامِسُ قَالَ فِي الطَّرَّازِ لَا يُعِيدُ مَا صَلَّى بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ خِلَافًا ش قِيَاسًا عَلَى مَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَالْخُفَّيْنِ وَصَلَاةِ الْمَرِيضِ وَالْخَائِفِ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِي هِيَ شَرْطٌ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا شَجَّةٌ فِي رَأسه فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابه على تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذا لم يعلمُوا وَإِنَّمَا شِفَاء الغى السُّؤَالُ وَإِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَشُدَّ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَوْ كَانَ طَهَارَةً لَمْ يُحْتَجْ إِلَى الْغُسْلِ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالطَّهَارَةِ إِلَّا مَا أَزَالَ الْمَانِعَ الشَّرْعِيَّ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ طَهَارَتَيْنِ خِلَافُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فِي الْأَحْدَاثِ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى حَالَتَيْنِ حَتَّى يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِنْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَيَشُدَّ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِضْمَارِ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَحُمِلَ كَلَامُ الشَّارِعِ عَلَى مُوَافَقَةِ قَوَاعِدِهِ وَطَرْدِ عَوَائِدِهِ وَمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْتُمُوهُ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَإِنِ ابْتَدَأَ لُبْسَهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْإِعَادَةِ وَإِذَا ثَبَتَ الْجَوَازُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ لَا تَكُونُ شَرْطًا فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَمُنْدَفِعٌ بِفَارِقِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْجُرْحَ يَأْتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ.

السَّادِسُ فِي الْجَوَاهِرِ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ لَا يُمْكِنُ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَيْهِ وَلَا مُلَاقَاتُهُ بِالْمَاءِ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ التَّيَمُّمِ وَلَا يُمْكِنُ مَسُّهُ بِالتُّرَابِ وَجَبَ تَرْكُهُ فَلَا غُسْلَ وَلَا مَسْحَ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ التَّيَمُّمُ لِيَأْتِيَ بِطَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَالْغُسْلُ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا فَائِدَتَانِ الْأُولَى إِيقَاعُ الطَّهَارَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَدَثِ عَبَثٌ لَكِنَّهُ جَازَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَالْخِفَافِ لمسيس الْحَاجة لهَذِهِ الْأُمُور لَيْلًا يَعْتَادَ الْمُكَلَّفُ تَرْكَ الْمَسْحِ وَالْغُسْلَ فَيَثْقُلَا عَلَيْهِ عِنْدَ إِمْكَانِهِمَا الثَّانِيَةُ يُفَرَّقُ الْفَصْلُ مِنَ الْجَسَدِ إِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ قِيلَ لَهُ شَجَّةٌ أَوْ فِي الْجِلْدِ قِيلَ لَهُ خَدْشٌ أَوْ فِيهِ وَفِي اللَّحْمِ قِيلَ لَهُ جُرْحٌ وَالْقَرِيبُ الْعَهْدِ الَّذِي لَمْ يُفْتَحْ يُقَالُ لَهُ خُرَّاجٌ فَإِنْ فُتِحَ قِيلَ لَهُ قَرْحٌ أَوْ فِي الْعَظْمِ قِيلَ لَهُ كَسْرٌ أَوْ فِي الْعَصَبِ عَرْضًا قِيلَ لَهُ بَتْرٌ وَطُولًا قِيلَ لَهُ شَقٌّ وَإِنْ كَانَ عَدَدُهُ كَثِيرًا سُمِّيَ شَدْخًا أَوْ فِي الْأَوْرِدَةِ وَالشَّرَايِينِ قِيلَ لَهُ انْفِجَارٌ وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا فِي قَوْلِ الْجَلَّابِ وَالتَّهْذِيبِ مَنْ كَانَتْ لَهُ شِجَاجٌ أَوْ جِرَاحٌ أَوْ قُرُوحٌ فَيَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهَا فِي اللُّغَةِ

(الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ)

وَالْكَلَامُ فِي حُكْمِهِ وَشُرُوطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ أَمَّا حُكْمُهُ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ ثُمَّ قَالَ لَا يَمْسَحُ الْمُقِيمُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ إِنِّي لَأَقُولُ الْيَوْمَ مَقَالَةٌ مَا قُلْتُهَا قَطُّ قَدْ أَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمَدِينَةِ عشر سنسن وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ فِي خِلَافَتِهِمْ وَذَلِكَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فَلَمْ يَرَهُمْ أَحَدٌ يَمْسَحُونَ وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْقَوْلِ وَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ وَيُعْمَلَ بِهِ

وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ لَا أَمْسَحُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهَا آخِرُ مَا فَارَقْتُهُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ وَالْمَازِرِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ وَقَدْ يَتْرُكُ الْعَالِمُ مَا يُفْتِي بِجَوَازِهِ فَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَخْبَارُ الْمَسْحِ قَدْ وَرَدَتْ فِي الصِّحَاحِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ بَعْدَهَا كَمَا يَزْعُمُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ رَأَيْتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ كَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ الْمَائِدَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَسِيرٍ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْحَضَرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بِالْخَفْضِ إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَتَى سُبَاطَةَ قوم فَبَال قَائِما وَمسح على خفيه والبساطة الْمِزْبَلَةُ وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْحَضَرِ وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ وَقَّتَ لِلْحَاضِرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالتَّوْقِيتُ فَرْعُ الْجَوَازِ وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ إِنَّمَا تَعْظُمُ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فِي السَّفَرِ لِفَوَاتِ الرِّفَاقِ وَقَطْعِ الْمَسَافَاتِ مَعَ تَكْرَارِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ سَفَرُ الْبَحْرِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِجِنْسِ السَّفَرِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ السَّفَرُ فِي الْبَرِّ فَكَانَ سَفَرُ الْبَحْرِ تَبَعًا لَهُ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُشَابِهَةٌ لِلصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا شَرْطَهَا وَلِإِبْطَالِ الْحَدَثِ لَهُمَا وَرُخْصَةُ الْقَصْرِ فِي الصَّلَاةِ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ فَتَكُونُ رُخْصَةً فِي عِبَادَةٍ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ أَصْلُهُ الصَّوْمُ فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قُلْنَا لَا يَمْسَحُ إِلَّا الْمُسَافِرُ فَيُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الْإِبَاحَةُ قِيَاسًا عَلَى الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَلِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعَاصِي وَإِذَا قُلْنَا يَمْسَحُ الْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ فَهَلْ يَمْسَحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ؟ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ الْمَسْحُ لِأَنَّ عَدَمَ الِاخْتِصَاصِ يَصِيرُ طَرْدِيًّا فِي الرُّخْصَةِ الثَّانِي قَالَ فِي الْكِتَابِ لَيْسَ لِلْمَسْحِ تَوْقِيت خلافًا ح وش قَالَ صَاحب

الطَّرَّازِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهَذَا الْقَوْلُ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ السِّرِّ الَّذِي بَعَثَهُ إِلَى الرَّشِيدِ وَالْأَصْحَابُ يُنْكِرُونَهُ فَقَالَ فِيهِ عَلَى زَعْمِ النَّاقِلِ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَفِي مُسْلِمٍ رَخَّصَ لَنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْغُسْلُ بِالْقُرْآنِ فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا لِدَلِيلٍ مَعْلُومٍ رَاجِحٍ عَلَيْهِ وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ مَا رَوَاهُ سَحْنُونُ فِي الْكِتَابِ عَنْ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ مِنْ فَتْحِ الشَّامِ وَعَلَيَّ خُفَّايَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَقَالَ كَمْ لَكَ مُنْذُ لَمْ تَنْزِعْهُمَا؟ فَقُلْتُ لَبِسْتُهُمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْيَوْمَ الْجُمُعَةُ ثَمَانٍ فَقَالَ أَصَبْتَ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ لَبِسْتُ الْخُفَّيْنِ وَرِجْلَايَ طَاهِرَتَانِ وَأَنَا على وضوء لم أبال أَن لَا أَنْزِعَهُمَا حَتَّى أَبْلُغَ الْعِرَاقَ وَأَقْضِيَ سَفَرِي وَلِأَنَّ التَّوْقِيتَ يُنَافِي أُصُولَ الطَّهَارَاتِ فَإِنَّهَا دَائِرَةٌ مَعَ أَسْبَابِهَا لَا مَعَ أَزْمَانِهَا وَإِذَا تَقَابَلَتِ الْأَخْبَارُ بَقِيَ مَعَنَا النَّظَرُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ مَعِينٍ حَدِيثَانِ لَا أَصْلَ لَهُمَا وَلَا يَصِحَّانِ حَدِيثُ التَّوْقِيتِ وَحَدِيثُ التَّسْلِيمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنْكَارُ الْمَسْحِ أَصْلًا وَأَنَّ الْمَائِدَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الْمَسْحِ وَفِي أَبِي دَاوُد عَن أبي عُمَارَةِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ يَوْمًا قَالَ يَوْمَيْنِ قَالَ وَثَلَاثًا قَالَ نَعَمْ وَمَا شِئْتُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سَنَدِهِ اخْتِلَافٌ الثَّالِثُ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَمَسْحِ الْمُقِيمِ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّتِهِ هَلْ يَبْنِي عَلَى ذَلِكَ مُدَّةَ الْمُسَافِرِ أَمْ لَا؟ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْمُسَافِرِ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ هَلْ يَبْنِي عَلَيْهَا صَلَاةَ الْمُقِيم أم لَا؟ وَقَالَ الشَّافِعِي ينْزع بعد يَوْم وَلَيْلَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة يُقيم مُدَّة الْمُسَافِر

وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَعَشَرَةٌ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ جِلْدًا طَاهِرًا مَخْرُوزًا سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ لِذَوِي الْمُرُوءَةِ لُبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ بِالْمَاءِ كَامِلَةٍ وَأَنْ يَكُونَ لَابِسُهُ حَلَالًا غَيْرَ مُرَفَّهٍ فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الْخِرَقِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ خُفًّا لِلْعَرَبِ وَلَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا وَلَا وَرَدَتْ بِهَا الرُّخْصَةُ الثَّانِي احْتِرَازٌ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ بِالنَّجِسِ لَا تَجُوزُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُعْتَادُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ السُّنَّةُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ الثَّالِثُ احْتِرَازٌ مِنَ الْمَرْبُوطِ لِمَا تَقَدَّمَ الرَّابِعُ فِي الْجَوَاهِرِ احْتِرَازٌ مِمَّا دُونَ الْكَعْبَيْنِ فَإِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَصُرَ الْبَدَلُ عَنِ الْمُبْدَلِ وَالْأَصْلُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ غَسَلَ مَا بَقِيَ جَمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْبَدَلَ هُوَ الْمَشْرُوعُ سَادًّا مَسَدَّ الْمُبْدَلِ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُحْرِمِ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا قَطَعَهُمَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ وَيُمِرُّ الْمَاءَ عَلَى مَا بَدَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَالَّذِي قَالَ هَذَا إِنَّمَا هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ كَثِيرُ الرِّوَايَةِ فَلَعَلَّهُ وَهِمَ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ غَسْلَ الْكَعْبَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَرْعٌ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ إِذَا قَطَعَ الْخُفَّ إِلَى فَوْقِ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ خرج عَن مَوضِع الْغسْل قإن كَانَ ذَلِكَ لَا يُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ جَازَ الْمَسْحُ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ حَتَّى قَالَ الشَّافِعِي إِنْ كَانَ فِيهِ شَرْجٌ يُفْتَحُ وَيُغْلَقُ إِنْ أُغْلِقَ جَازَ الْمَسْحُ وَإِنْ فُتِحَ غَلْقُهُ بَطَلَ الْمَسْحُ الْخَامِسُ احْتِرَازٌ مِنَ الْوَاسِعِ جِدًّا أَوِ الْمَقْطُوعِ قَطْعًا فَاحِشًا قَالَ فِي الْكِتَابِ إِنْ كَانَ قَلِيلًا مَسَحَ وَإِلَّا فَلَا وَتَحْدِيدُ الْكَثِيرِ بِالْعرْفِ خلافًا لأبي ح فِي تَحْدِيدِهِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَإِنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنَّهُمْ لَا يَعْزِفُونَ عَنِ الْقطع

الْيَسِيرِ لَا سِيَّمَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ غَزْوِهِمْ وَكَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ فَكَانَ الْجَوَازُ فِي الْقَلِيلِ مَعْلُومًا وَأَمَّا مَنْ حَدَّهُ بِغَيْرِ الْعُرْفِ فَرِوَايَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ ظُهُورُ الْقَدَمِ أَوْ جُلُّهَا وَحَدَّهُ الْبَغْدَادِيُّونَ بِإِمْكَانِ الْمَشْيِ فِيهِ فَرَاعَى الْأَوَّلُونَ ظُهُورَ الْمُبْدَلِ وَالْآخَرُونَ فَقْدَ الْحَاجَةِ إِلَى اللُّبْسِ فَإِنْ شَكَّ فِي مُجَاوَزَةِ الْقَطْعِ لِلْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَمْسَحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ السَّادِسُ احْتِرَازٌ مِنَ الْمُحْدِثِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ أَبَاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفِّ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا وَرَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ ثُمَّ أَهَوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ يَعْنِي رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْلَا الطَّهَارَةُ لَمَا جَازَ الْمَسْحُ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الطَّهَارَةِ وَقَالَ صَاحب الطّراز قَالَ أَبُو حنيفَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ حَالَةَ اللُّبْسِ بَلْ لَوْ لَبِسَهُمَا مُحْدِثًا وَأَدْخَلَ الْمَاءَ فِيهِمَا حَتَّى عَمَّ رِجْلَيْهِ صَحَّ فَالشَّرْطُ عِنْدَهُ وُرُودُ الْحَدَثِ وَهُوَ لَابِسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ قَالَ ابْن اللُّبْسَ عَادَةٌ لَا عِبَادَةٌ وَالطَّهَارَةُ إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْعِبَادَاتِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ حُكْمُ الطَّهَارَةِ فِي اللُّبْسِ عِنْدَ طُرُوِّ الْحَدَثِ وَالرِّجْلُ مَكْنُونَةٌ فِي الْخُفِّ فَلَا يُصَادِفُهَا الْحَدَثُ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَيْسَ جِسْمًا يُحْجَبُ بِالْخِفَافِ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا دَلَّ النَّصُّ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِهِ ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُشْكِلُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَعَلَّلَ الطَّهَارَةَ بِالْمُقَارَنَةِ الثَّانِي إِذَا كَانَ اكْتِنَانُ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ الْحَدَثِ فَيَنْبَغِي إِذا نزع الْخُف أَو الْجَبِيرَة لَا يَجِبُ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الْمَسْتُورَةِ بِهِمَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحَدَثِ بِهَا السَّابِعُ احْتِرَازٌ مِنَ التَّيَمُّمِ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ أَصْبَغُ يَمْسَحُ إِذَا لَبِسَهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا لَا يَمْسَحُ لِانْتِفَاضِ تَيَمُّمِهِ بِتَمَامِ صَلَاتِهِ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ فَأَصْبَغُ يَرَاهُ وَمَالِكٌ لَا يرَاهُ

تَحْقِيقٌ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ كَالرِّيحِ وَنَحْوِهِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ أَحْدَثَ إِذَا وُجِدَ مِنْهُ سَبَبٌ مِنْهَا وَالثَّانِي الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ وَهُوَ الَّذِي تُرِيدُهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ يَنْوِي فِي وُضُوئِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالتَّيَمُّمُ يُبِيحُ إِجْمَاعًا وَمَعَ الْإِبَاحَةِ لَا مَنْعَ فَيَكُونُ الْحَدث قد ارْتَفع ضَرُورَة قلا مَعْنَى لِقَوْلِنَا إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمَنْعِ مَعَ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ فَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ مُفَسَّرًا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْرَزَ حَتَّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ أَوِ الْقَبُولِ فَإِنَّا لَا نَجِدُ غَيْرَ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الثَّامِنُ احْتِرَازٌ مِنْ غَسْلِ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ وَإِدْخَالِهَا فِي الْخُفِّ قَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يَمْسَحُ حَتَّى يَخْلَعَ ثُمَّ يَلْبَسُهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ خلافًا لأبي ح وَمُطَرِّفٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَغْسِلَ رِجْلَيْهِ بَعْدَ وُضُوئِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فالأصحاب يخرجُون هَذَا الْفَرْع بطريقين يبْقى أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ أم لَا يرْتَفع إِلَّا بعد كَمَا الطَّهَارَةِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالِارْتِفَاعِ فَمَذْهَبُ مُطَرِّفٍ وَإِلَّا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَهِيَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ الْمُحْدِثُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ قَبْلَ الْكَمَالِ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُقَالَ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ وَمَا يَظْهَرُ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِبَعْضِ طَهَارَتِهِ وَهُوَ مُحْدِثٌ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ الْمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ كَانَتِ الطَّهَارَةُ تَحْصُلُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ يُوجَبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بعض

الْأَعْضَاء كمن مَعَه لَا يَكْفِيهِ لإزالته النَّجَاسَةِ إِلَّا عَنْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ فَإِنَّهُ يُزِيلُ مِنْهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَالطَّرِيقُ الْأُخْرَى أَنَّ الْمُسْتَدِيمَ لِلشَّيْءِ هَلْ يَكُونُ كَالْمُبْتَدِئِ لَهُ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ وَهُوَ دَاخِلُهَا أَوْ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ وَهُوَ لَابِسُهُ أَمْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَهُوَ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ الشَّرْطُ حُصُولُ الطَّهَارَةِ غُسْلًا أَوْ وُضُوءًا وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يَمْسَحُ عَلَى طَهَارَةِ الْغُسْلِ.
الثَّانِي قَالَ لَوْ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ لُمْعَةً فِي وَجْهِهِ أَوْ يَدَيْهِ فَغَسَلَ ذَلِكَ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ لَا يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُمَا بَعْدَ غَسْلِ اللُّمْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَعَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ يَمْسَحُ.
التَّاسِعُ احْتِرَازٌ مِنَ الْمُحْرِمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ فَإِنْ لَبِسَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا قَالَ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ لُبْسِهِمَا.
سُؤَالٌ الْمُحْرِمُ وَالْغَاصِبُ لِلْخُفِّ كِلَاهُمَا عَاصٍ بِاللُّبْسِ وَالْغَاصِبُ إِذَا مَسَحَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَمَا الْفَرْقُ؟ جَوَابُهُ أَنَّ الْغَاصِبَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا أَدْرَكَهُ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ فَأَشْبَهَ الْمُتَوَضِّئَ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَالذَّابِحَ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ فَيَأْثَمَانِ وَتَصِحُّ أَفْعَالُهُمَا وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ الْمَسْحُ أَلْبَتَّةَ.
الْعَاشِرُ احْتِرَازٌ مِنَ الْمُتَرَفِّهِ قَالَ فِي الْكِتَابِ إِذَا اخْتَضَبَتِ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ وَهِيَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَلَبِسَتِ الْخُفَّ فَتَمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا أَحْدَثَتْ أَوِ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ فَيَلْبَسُهُ لِيَمْسَحَ إِذَا اسْتَيْقَظَ لَا يُعْجِبُنِي وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُرِيدُ الْبَوْلَ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ يُعِيدُ أَبَدًا

وَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ وَأَصْبَغُ يُكَرَهُ ذَلِكَ وَالصَّلَاةُ تَامَّةٌ لِأَنَّ الْخُفَّ لَا يُشْتَرَطُ فِي لُبْسِهِ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فَلَا يَضُرُّهُ فِيهِ الرَّفَاهِيَةُ.
حُجَّةُ مَالِكٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْخُفَّ إِنَّمَا شُرِّعَ لُبْسُهُ لِلْوُضُوءِ لَا لِمُتْعَةِ اللُّبْسِ فَلَا تتْرك عَزِيمَة غسل الرجلَيْن لغير ضَرُورَة.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْمَسْحِ فَقَالَ فِي الْكِتَابِ يَمْسَحُ ظُهُورَ الْخُفَّيْنِ وَبُطُونَهُمَا وَلَا يَتَتَبَّعُ غُصُونَهُمَا وَهِيَ كَسْرُوهُمَا وَيَنْتَهِي إِلَى الْكَعْبَيْنِ مَارًّا عَلَى الْعَقِبَيْنِ من أَسْفَل وَمن فَوق وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَمْسَحُ أَسْفَلَهُمَا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى مِنْ أَعْلَاهُ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَمْسَحُ ظَهْرَ خُفَّيْهِ وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ وَضَعَّفَهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَخَالَفَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي غُضُونِ الْخُفَّيْنِ وَالْجَبْهَةِ فِي التَّيَمُّمِ.
حُجَّةُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُضُونَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ وَالْبَاطِنُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
فُرُوعٌ اثْنَا عَشَرَ: الْأَوَّلُ قَالَ سَحْنُونُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَمْسَحُ عَلَى الْمَهَامِيزِ قَالَ الْبَاجِيُّ قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ لَا يَجِبُ الْإِيعَاب وَالْوَاجِب عِنْد الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْم وَعند أبي حنيفَة ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ وَعِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ مَسْحُ أَكْثَرِهِ.
حُجَّتُنَا أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صَحَّ فِيهِ الْفِعْلُ وَجب إِذْ لوانتفى الْوُجُوبُ لَمَا صَحَّ أَصْلُهُ السَّاقُ وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ مُتَقَرِّرًا فِي آخِرِ الْعُضْوِ وَجَبَ إِيعَابُهُ كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
الثَّانِي صِفَةُ الْمَسْحِ فِي الْكِتَابِ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ مِنْ ظَهْرِهَا وَالْيُسْرَى تَحْتَ أَصَابِعِهَا مَارًّا بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْوُضُوءِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَعِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ

فصول الكتاب · 14 فصل · 3389 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الذخيرة للقرافي · 3389 صفحة
المقدمة
كتاب الْإِيمَان
كِتَابُ النِّكَاحِ
كتاب الْبيُوع
كِتَابُ الْجَعَالَةِ
كِتَابُ الْمُسَاقَاةِكِتَابُ الْمُزَارِعَةِكِتَابُ الْمُغَارَسَةِ
كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمُوَاتِ
كتاب الْهِبَة وَالصَّدَََقَة
كتاب الْعدة
كِتَابُ الْوَقْفِ
كتاب الرهون
كتاب الدعاوي
جارٍ التحميل