يَعْنِي إزَالَتَهُ عَنْهَا وَلَوْ بِحَرْقٍ لِإِصْلَاحِهَا (وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا) أَيْ تَعْدِيلِهَا (لَا) يَكُونُ الْإِحْيَاءُ (بِتَحْوِيطٍ) إلَّا أَنْ تَجْرِيَ الْعَادَةُ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ إحْيَاءٌ أَوْ يُقْطِعَهُ لَهُ الْإِمَامُ فَيُحَوِّطَهُ وَالتَّحْوِيطُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّحْجِيرِ (وَ) لَا (رَعْيِ كَلَأٍ) أَيْ عُشْبٍ فِيهَا وَكَذَا إزَالَةُ شَوْكٍ أَوْ حَلْفَاءَ (وَ) لَا (حَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) أَوْ لِشُرْبِ النَّاسِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ فَإِنْ بَيَّنَهَا فَإِحْيَاءٌ.
وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِذِكْرِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ هُنَا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِلنَّاسِ كَالْمَوَاتِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ فَذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ) لَا لِمَرْأَةٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا، أَوْ يُكْرَهُ (تَجَرَّدَ) بِالسُّكْنَى فِيهِ (لِلْعِبَادَةِ) مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَإِلَّا كُرِهَ (وَعَقْدُ نِكَاحٍ) أَيْ مُجَرَّدُ إيجَابٍ وَقَبُولٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شُرُوطٍ وَلَا رَفْعِ صَوْتٍ، أَوْ تَكْثِيرِ كَلَامٍ، وَإِلَّا كُرِهَ (وَقَضَاءُ دَيْنٍ) يَسِيرٍ يَخِفُّ مَعَهُ الْوَزْنُ وَالْعَدَدُ وَإِلَّا كُرِهَ (وَقَتْلُ عَقْرَبٍ) أَوْ فَأْرٍ، أَوْ حَيَّةٌ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تُرِدْهُ وَجَازَ قَتْلُهَا فِي الصَّلَاةِ إنْ أَرَادَتْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ (وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ) أَيْ نَهَارٍ وَكَذَا بِلَيْلٍ لِمَنْ لَا مَنْزِلَ لَهُ، أَوْ عَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ (وَتَضْيِيفٌ) لِضَيْفٍ (بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ) (وَ) جَازَ (إنَاءٌ) أَيْ إعْدَادُهُ (لِبَوْلٍ) أَوْ غَائِطٍ (إنْ خَافَ) بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لِمَا ذُكِرَ (سَبُعًا) أَوْ لِصَائِمٍ يُخْرِجُهُ بَعْدَ الْأَمْنِ إذْ لَا يَجُوزُ الْمُكْثُ بِالنَّجَاسَةِ فِيهِ (كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ (وَمُنِعَ عَكْسُهُ) أَيْ سُكْنَى الْمَنْزِلِ بِأَهْلِهِ فَوْقَهُ إذَا حَدَثَ بِنَاؤُهُ بَعْدَ تَحْبِيسِهِ لَا بِغَيْرِ أَهْلِهِ، أَوْ بِنَاؤُهُ قَبْلَ جَعْلِهِ مَسْجِدًا
[حاشية الدسوقي]
أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يُغْنِي عَنْ الْأَوَّلِ تَبَعًا لِرِوَايَةِ عِيَاضٍ.
(قَوْلُهُ: إزَالَتَهُ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ بَابِ عُمُومِ الْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا حَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ حَفْرَ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ لَا يَكُونُ إحْيَاءً لِلْأَرْضِ الَّتِي هُوَ بِهَا وَكَذَا حَفْرُ بِئْرِ الشُّرْبِ قَالَهُ ابْنُ عَاشِرٍ.
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ) رَاجِعٌ لِبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَبِئْرِ الشُّرْبِ يَعْنِي أَنَّ حَفْرَ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَبِئْرِ الشُّرْبِ فِي أَرْضٍ لَا يَكُونُ إحْيَاءً لَهَا إلَّا إذَا بَيَّنَ الْمِلْكِيَّةَ عِنْدَ حَفْرِهَا فَإِنْ بَيَّنَهَا حَصَلَ إحْيَاءُ الْأَرْضِ بِحَفْرِهَا.
(قَوْلُهُ: هُنَا) أَيْ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ " بِذِكْرِ مَسَائِلَ " أَيْ وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِذِكْرِهِمْ هُنَا مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا) أَيْ وَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا هُنَا نَظَرًا وَقَوْلُهُ كَالْمَوَاتِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فَهُوَ كَالْمَوَاتِ بِالنَّظَرِ لِبَعْضِ أَحْوَالِهِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَوَاتُ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ مُحْيِيهِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ إلَخْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَإِنْ زَائِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: تَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي ذِكْرِهَا هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ يُحَجِّرْ فِيهِ وَيُضَيِّقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَإِلَّا مُنِعَ.
(قَوْلُهُ: لَا لِمَرْأَةٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا) أَيْ السُّكْنَى فِيهِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَحِيضُ وَقَدْ يَلْتَذُّ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ فَتَنْقَلِبُ الْعِبَادَةُ مَعْصِيَةً وَظَاهِرُهُ الْحُرْمَةُ وَلَوْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ سَاقِطَةٍ لَهَا لَاقِطَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُكْرَهُ) أَيْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِكَرَاهَةِ سُكْنَاهَا حَيْثُ تَجَرَّدَتْ لِلْعِبَادَةِ وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ الَّذِي عُلِّلَتْ بِهِ الْحُرْمَةُ تَعْلِيلٌ بِالْمَظِنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِهَا) أَيْ كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ مُتَجَرِّدًا لِلْعِبَادَةِ فَيُكْرَهُ سُكْنَاهُ فِيهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ سَكَنًا إلَّا لِمُتَجَرِّدٍ لِلْعِبَادَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَنْبَغِيَ هُنَا لِلْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجْرِيدِ لِلْعِبَادَةِ مُمْتَنِعَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَغَيُّرٌ لَهُ عَمَّا حُبِّسَ لَهُ وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ هَدْمُ الْمَقَاصِيرِ الَّتِي اُتُّخِذَتْ فِي بَعْضِ الْجَوَامِعِ لِلسُّكْنَى مَا لَمْ يَكُنْ الْبَانِي لَهَا هُوَ الْوَاقِفَ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَعَقْدُ نِكَاحٍ) قَدْ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُهُمْ لِلْبَرَكَةِ وَلِأَجْلِ شُهْرَةِ النِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ الدَّيْنُ يَسِيرًا بَلْ كَانَ كَثِيرًا كُرِهَ قَضَاؤُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ قَتْلُهَا فِي الصَّلَاةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِمَسْجِدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ لَا مَنْزِلَ لَهُ) هَذَا رَاجِعٌ لِجَوَازِ نَوْمِ اللَّيْلِ وَأَمَّا نَوْمُ النَّهَارِ فَلَا بَأْسَ بِهِ مُطْلَقًا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَتَضْيِيفٌ) أَيْ إنْزَالُ الضَّيْفِ بِمَسْجِدِ الْبَادِيَةِ، وَإِطْعَامُهُ فِيهِ الطَّعَامَ النَّاشِفَ كَالتَّمْرِ لَا إنْ كَانَ مُقَذِّرًا كَالْبِطِّيخِ، أَوْ طَبِيخٍ فَيَحْرُمُ إلَّا بِنَحْوِ سُفْرَةٍ تُجْعَلُ تَحْتَ الْإِنَاءِ فَيُكْرَهُ وَمِثْلُ مَسْجِدِ الْبَادِيَةِ مَسْجِدُ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ وَأَمَّا التَّضْيِيفُ فِي مَسْجِدِ الْحَاضِرَةِ فَيُكْرَهُ وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ نَاشِفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ) رَجَّحَهُ عبق لِلْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ وَاعْتَرَضَهُ بْن بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ التَّقَيُّدَ بِالْبَادِيَةِ يَرْجِعُ لِنَوْمِ الْقَائِلَةِ أَيْضًا وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ النَّوْمُ فِي الْقَائِلَةِ جَائِزٌ فِي أَيْ مَسْجِدٍ كَانَ مَسْجِدَ بَادِيَةٍ، أَوْ حَاضِرَةٍ، وَإِنَّمَا التَّقَيُّدُ بِالْبَادِيَةِ فِي التَّضْيِيفِ وَالْمَبِيتِ لَيْلًا.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ إنَاءٌ) أَيْ وَجَازَ لِمَنْ بَاتَ فِيهِ إعْدَادُ إنَاءٍ وَاِتِّخَاذُهُ لِبَوْلٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَانَ الْإِنَاءُ مِمَّا يُرَشِّحُ كَالْفَخَّارِ أَمْ لَا كَالزُّجَاجِ لَكِنْ إنْ وُجِدَ مَا لَا يُرَشِّحُ تَعَيَّنَ وَلَا يُعْدَلُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ مَا لَا يُرَشِّحُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ بَاتَ فِي الْمَسْجِدِ إنَاءً وَالْحَالُ أَنَّهُ يَخَافُ سَبُعًا إنْ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ بَالَ فِيهِ وَتَغَوَّطَ، وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ لِلنَّوْمِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ سَاكِنٍ فِيهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَذَا الْغَرِيبُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُدْخِلُ عِنْدَهُ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ) أَيْ كَمَا تَجُوزُ السُّكْنَى بِمَنْزِلٍ تَحْتَهُ وَلَوْ بِأَهْلِهِ وَأَمَّا قَبْرٌ فِي أَرْضِهِ فَلَا يَجُوزُ الدَّفْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِنَبْشِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى عبق وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَلَا الْغَرْسُ فِيهِ وَإِنْ
(فَلَا يُمْنَعُ) (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) فِي مَسْجِدٍ فَيُمْنَعُ لِحُرْمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ (وَمُكْثٌ بِنَجِسٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فَيُمْنَعُ وَالْمُتَنَجِّسُ كَالنَّجِسِ وَلَوْ سُتِرَ بِطَاهِرٍ وَقِيلَ إنْ سُتِرَ بِهِ جَازَ فَيُوضَعُ النَّعْلُ الْمُتَنَجِّسُ فِي شَيْءٍ يُكِنُّهُ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلضَّرُورَةِ (وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَ) إنْ فَعَلَ (حَكَّهُ) وَهَذَا فِي الْمُبَلَّطِ وَالْمَفْرُوشِ فَوْقَ فُرُشِهِ وَكَذَا الْمُحَصَّبُ فَوْقَ الْحَصْبَاءِ وَأَمَّا الْمُتَرَّبُ فَيَجُوزُ كَتَحْتِ فُرُشِهِ وَفُرُشِ الْمُحَصَّبِ أَوْ خِلَالَ الْحَصْبَاءِ وَهَذَا مَا لَمْ يُكْثِرْ حَتَّى يُقَذِّرَهُ، وَإِلَّا مُنِعَ.
(وَ) كُرِهَ فِيهِ (تَعْلِيمُ صَبِيٍّ) قُرْآنًا، أَوْ غَيْرَهُ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ وَلَوْ كَانَ لَا يَعْبَثُ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ (وَ) كُرِهَ فِيهِ (بَيْعٌ وَشِرَاءٌ) بِغَيْرِ سَمْسَرَةٍ، وَإِلَّا مُنِعَ (وَسَلُّ سَيْفٍ) وَنَحْوِهِ (وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ) فِيهِ أَيْ تَعْرِيفُهَا وَكَذَا نَشْدُهَا وَهُوَ سُؤَالُ رَبِّهَا عَنْهَا (وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ) أَيْ صِيَاحٌ فِيهِ، أَوْ بِبَابِهِ لِلْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ وَأَمَّا الْإِعْلَامُ بِغَيْرِ صِيَاحٍ فَجَائِزٌ كَمَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ (وَ) كُرِهَ (رَفْعُ صَوْتٍ) فِيهِ وَلَوْ بِذِكْرٍ وَقُرْآنٍ (كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ) فَوْقَ إسْمَاعِ الْمُخَاطَبِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ (وَوَقِيدُ نَارٍ) فِيهِ لِغَيْرِ تَبْخِيرِهِ وَاسْتِصْبَاحِهِ (وَدُخُولُ كَخَيْلٍ) فِيهِ مِمَّا فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ (لِنَقْلٍ)
[حاشية الدسوقي]
وَقَعَ قُلِعَ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُمْنَعُ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذُكِرَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ مُعَدًّا لِلْكِرَاءِ، أَوْ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) أَيْ كَمَا يُمْنَعُ إخْرَاجُ رِيحٍ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وَعُدُولُهُ عَنْ خُرُوجٍ لِإِخْرَاجٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ تَعَمُّدُ إخْرَاجِهِ وَأَمَّا خُرُوجُهُ غَلَبَةً فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلِابْنِ الْعَرَبِيِّ يَجُوزُ إرْسَالُ الرِّيحِ فِي الْمَسْجِدِ اخْتِيَارًا كَمَا يُرْسِلُهُ فِي بَيْتِهِ إذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ أَيْ بِأَنْ كَانَ إبْقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجِهِ يُؤْذِيهِ اهـ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَعَ ضَعْفِهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى إخْرَاجِهِ أَذِيَّةُ حَاضِرٍ، وَإِلَّا حَرُمَ؛ لِأَنَّ الْأَذِيَّةَ حَرَامٌ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: لِحُرْمَتِهِ) أَيْ لِوُجُوبِ احْتِرَامِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَإِخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ يُنَافِي ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَمُكْثٌ بِنَجِسٍ) أَيْ مُنِعَ مُكْثٌ وَكَذَا مُرُورٌ فِيهِ بِنَجِسٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَجِّسُ كَالنَّجِسِ) الْمُرَادُ بِالْمُتَنَجِّسِ الَّذِي هُوَ كَالنَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا لَوْ أُزِيلَ عَيْنُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا فَلَا يُمْنَعُ الْمُكْثُ بِهِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سُتِرَ) أَيْ النَّجِسُ، أَوْ الْمُتَنَجِّسُ بِطَاهِرٍ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ سُتِرَ بِهِ) أَيْ وَقِيلَ يَجُوزُ الْمُكْثُ وَالْمُرُورُ بِالنَّجِسِ وَالْمُتَنَجِّسِ إذَا سُتِرَ بِطَاهِرٍ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ) أَيْ أَوْ يَمْخُطَ وَقَوْلُهُ بِأَرْضِهِ أَيْ أَوْ حَائِطِهِ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا إذَا قَلَّ، وَإِلَّا حَرُمَ لِلتَّقْدِيرِ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَسْجِدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُبَلَّطًا أَوْ مُحَصَّبًا، أَوْ مُتَرَّبًا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَبْصُقَ فَوْقَ فُرُشِهِ، أَوْ تَحْتَهُ أَوْ بِأَرْضِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا فُرُشَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْبَصْقُ فَوْقَ الْفُرُشِ كَانَ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ فَهُوَ جَائِزٌ إنْ كَانَ مُتَرَّبًا، أَوْ مُحَصَّبًا وَكُرِهَ إنْ كَانَ مُبَلَّطًا، وَإِنْ كَانَ الْبَصْقُ بِأَرْضِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوشٍ فَيُكْرَهُ إنْ كَانَ مُبَلَّطًا وَيَجُوزُ إنْ كَانَ مُتَرَّبًا، أَوْ مُحَصَّبًا لِلشَّارِحِ تَفْصِيلٌ آخَرُ فِي الْمُحَصَّبِ فَجَعَلَ الْبَصْقَ فَوْقَ الْحَصْبَاءِ مَكْرُوهًا وَفِي خِلَالِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوشٍ جَائِزًا وَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَعَلَ حَكَّهُ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَحَكَّهُ اسْتِئْنَافٌ وَجَعَلَهُ الْبِسَاطِيُّ عَطْفًا عَلَى أَنْ يَبْصُقَ مُقَدِّرًا فِيهِ الْمُتَعَلِّقَ وَالْمَعْنَى وَكُرِهَ حَكُّهُ بِأَرْضِهِ وَالْمَطْلُوبُ مَسْحُهُ بِكَخِرْقَةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَكَّ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ مَطْلُوبٌ لِإِزَالَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَعَلَى التَّقْرِيرِ الثَّانِي فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً ثَانِيَةً غَيْرَ كَرَاهَةِ الْبَصْقِ وَالنَّقْلُ مُسَاعِدٌ لِمَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَفْرُوشِ فَوْقَ فُرُشِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُبَلَّطًا، أَوْ مُحَصَّبًا، أَوْ مُتَرَّبًا.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ) أَيْ الْبَصْقُ فِيهِ فَوْقَ التُّرَابِ وَقَوْلُهُ: كَتَحْتِ فُرُشِهِ أَيْ الْمُتَرَّبِ وَقَوْلُهُ: وَفُرُشِ الْمُحَصَّبِ أَيْ وَتَحْتَ فُرُشِ الْمُحَصَّبِ وَأَمَّا تَحْتَ فُرُشِ الْمُبَلَّطِ فَيُكْرَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ خِلَالَ الْحَصْبَاءِ) قَالَ بْن لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْرِيقَ فِي الْمُحَصَّبِ بَلْ أَطْلَقُوا الْجَوَازَ فِيهِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي خِلَالِ الْحَصْبَاءِ، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمَوَّاقُ.
(قَوْلُهُ: وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ) أَيْ مُرَاهِقٍ أَوْ صَغِيرٍ لَا يَعْبَثُ، أَوْ يَعْبَثُ وَيَكُفُّ إذَا نُهِيَ وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْبَثُ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ فَالْحُرْمَةُ وَهَذَا التَّفْصِيلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ مَنْعُ تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ فِيهِ مُطْلَقًا كَانَ مَظِنَّةً لِلْعَبَثِ وَالتَّقْدِيرُ أَمْ لَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ تَحَفُّظِهِمْ مِنْ النَّجَاسَةِ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ سَمْسَرَةٍ) أَيْ بِأَنْ جَلَسَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَتَى الْمُشْتَرِي لَهَا يُقَلِّبُهَا وَيَنْظُرُ فِيهَا وَيُعْطِي فِيهَا مَا يُرِيدُ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا مُنِعَ أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ بِسَمْسَرَةٍ أَيْ مُنَادَاةٍ عَلَى السِّلْعَةِ حَرُمَ لِجَعْلِ الْمَسْجِدِ سُوقًا، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا جُعِلَ الْمَسْجِدُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِأَنْ أَظْهَرَ السِّلْعَةَ فِيهِ مُعَرِّضًا لَهَا لِلْبَيْعِ وَأَمَّا مُجَرَّدُ عَقْدِهِمَا فَلَا يُكْرَهُ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْبَيْعِ الْإِيجَابَ وَبِالشِّرَاءِ الْقَبُولَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْبَيْعِ الْعَقْدَ الْمُحْتَوِيَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَإِلَّا لَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْبَيْعِ عَنْ الشِّرَاءِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ لَوَازِمِ الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: وَسَلُّ سَيْفٍ) أَيْ لِغَيْرِ إخَافَةٍ وَإِلَّا حَرُمَ بَلْ فِي فَتَاوَى الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رِدَّةٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَعْرِيفُهَا) أَيْ تَعْرِيفُ الْمُلْتَقِطِ لَهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ صِيَاحٌ فِيهِ أَوْ بِبَابِهِ لِلْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ عَلَى بَابِهِ: أَخُوكُمْ فُلَانٌ قَدْ مَاتَ.
(قَوْلُهُ: بِغَيْرِ صِيَاحٍ) أَيْ بِغَيْرِ رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلُهُ: فَجَائِزٌ أَيْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ عَلَى بَابِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِذِكْرٍ وَقُرْآنٍ) أَيْ إلَّا التَّلْبِيَةَ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَمِنًى فَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِهَا فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَخْلِطْ عَلَى مُصَلٍّ، وَإِلَّا حَرُمَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ)
لِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ مِنْهُ بِخِلَافِ إبِلٍ فَيَجُوزُ لِذَلِكَ لَا لِغَيْرِهِ (وَفَرْشٌ) فِيهِ (أَوْ مُتَّكَأٌ) لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ أَوْ الِاتِّكَاءِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّوَاضُعَ الْمَشْرُوعَ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا هُنَا أَحْكَامَ الْمِيَاهِ وَالْكَلَإِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ (وَلِذِي مَأْجَلٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ كَمَقْعَدٍ، وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ كَمُعْظَمٍ مَا يُعَدُّ لِخَزْنِ الْمَاءِ كَالصِّهْرِيجِ (وَ) لِذِي (بِئْرٍ وَمِرْسَالِ مَطَرٍ) أَيْ مَحَلِّ جَرْيِهِ وَهُوَ مَنْ حَلَّ الْمَطَرُ بِأَرْضِهِ الْخَاصَّةِ بِمِلْكٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ (كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ) فِي آنِيَةٍ، أَوْ حُفْرَةٍ أَيْ كَكُلِّ مَاءٍ يَمْلِكُهُ أَعَمُّ مِنْ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ (مَنْعُهُ) مِنْ غَيْرِهِ (وَبَيْعُهُ) وَهِبَتُهُ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ وَخَصَّ الْمَنْعَ وَالْبَيْعَ بِالذِّكْرِ لِأَجْلِ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ (إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ) هَلَاكًا، أَوْ ضَرَرًا شَدِيدًا مِنْ عَاقِلٍ، أَوْ غَيْرِهِ (وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ) حِينَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا بِبَلَدِهِ مَثَلًا فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَنْعُهُ وَلَا بَيْعُهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ لَهُ مَجَّانًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ مَلِيًّا بِمَحَلٍّ آخَرَ أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ فَبِالثَّمَنِ بِاتِّفَاقٍ فَقَوْلُهُ (وَإِلَّا رُجِّحَ بِالثَّمَنِ) وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ كَانَ فَاسِدًا لِاتِّفَاقِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ فَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ لِابْنِ يُونُسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ نَقْلِهِ.
(كَفَضْلِ) مَاءِ (بِئْرِ زَرْعٍ) تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ مَجَّانًا الْمُسْتَفَادِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ كَوُجُوبِ دَفْعِ مَا فَضَلَ عَنْ الْحَاجَةِ مِنْ مَاءِ بِئْرٍ، أَوْ عَيْنٍ لِجَارِهِ حَيْثُ (خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ) أَوْ شَجَرِهِ التَّالِفِ مِنْ الْعَطَشِ (بِهَدْمِ بِئْرِهِ) أَيْ وَالْأَرْجَحُ بِسَبَبِ هَدْمِ بِئْرِ الْجَارِ (وَأَخَذَ) الْجَارُ (يُصْلِحُ) بِئْرَهُ الْمُنْهَدِمَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ مَلِيًّا خِلَافًا لِابْنِ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إنْ كَانَ مَعَهُ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَاءَ فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ وَجَارُهُ مَعْذُورٌ بِهَدْمِ بِئْرِهِ مَعَ أَخْذِهِ فِي الْإِصْلَاحِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُخْتَارٌ بِالسَّفَرِ مَعَ كَوْنِهِ يَحْتَاطُ لِنَفْسِهِ بِاسْتِعْدَادِ الثَّمَنِ لِمِثْلِ ذَلِكَ (وَأُجْبِرَ) رَبُّ الْمَاءِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى دَفْعِ الْفَضْلِ لِجَارِهِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهُ عَلَى الدَّفْعِ
[حاشية الدسوقي]
أَيْ فَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ مَكْرُوهٌ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ حَيْثُ جَوَّزَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ.
(قَوْلُهُ: لِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ أَوْ حَجَرٍ مِنْهُ أَوْ لَهُ.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ لِذَلِكَ) أَيْ لِلنَّقْلِ لَا لِغَيْرِهِ فَيُمْنَعُ وَأَمَّا طَوَافُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى بَعِيرٍ فَهُوَ لِأَجْلِ أَنْ يَرْتَفِعَ لِلنَّاسِ فَيَأْخُذُوا عَنْهُ الْمَنَاسِكَ فَكَانَ مِنْ الْأُمُورِ الْحَاجِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَفَرْشٌ) أَيْ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهِ فِيهِ إذَا كَانَ لِغَيْرِ اتِّقَاءِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ مُتَّكَأٌ أَيْ اتِّخَاذُ مَا يُتَّكَأُ عَلَيْهِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِذِي مَأْجَلٍ) أَيْ لِصَاحِبِ مَاءِ مَأْجَلٍ وَمَاءِ بِئْرٍ وَمَاءِ مِرْسَالِ مَطَرٍ أَيْ مَحَلِّ جَرْيِهِ مَنْعُ ذَلِكَ الْمَاءِ وَبَيْعُهُ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ الْعَطْفِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَنْقُصُ بِالِاغْتِرَافِ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْبِئْرِ وَمَا يَنْقُصُ وَلَا يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْبَاقِي.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ حَلَّ إلَخْ) الضَّمِيرُ لِذِي الْمِرْسَالِ أَيْ فَلِصَاحِبِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْرِي مَاءُ الْمَطَرِ فِيهِ مَنْعُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ تَعْبِيرُهُ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ.
(قَوْلُهُ: كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ فِي آنِيَةٍ) أَيْ كَجَرَّةٍ، أَوْ قِرْبَةٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ حُفْرَةٍ أَيْ كَبِرْكَةٍ فِيهَا مَاءٌ.
(قَوْلُهُ: مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ الْحَطَبَ وَالْمَاءَ وَالنَّارَ وَالْكَلَأَ وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا الْخِلَافَ بِمَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ، أَوْ الْعَيْنُ فِي أَرْضِهِ الَّتِي لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ فِيهَا لِلِاسْتِقَاءِ مِنْهَا وَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي فِي دَارِ رَجُلٍ، أَوْ فِي حَائِطِهِ الَّتِي حَظَرَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا وَيُقَيَّدُ الْمَنْعُ بِغَيْرِ مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مَنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ اتِّفَاقًا وَالْمُرَادُ بِالْحَطَبِ وَالْكَلَإِ اللَّذَانِ فِي الصَّحْرَاءِ لَا فِي مَنْزِلِهِ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ مَنْعُهُمَا اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الظَّنُّ وَأَوْلَى الْجَزْمُ أَيْ إلَّا مَنْ ظَنَّ هَلَاكَهُ أَوْ حُصُولَ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ لَهُ لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُوجَدَ مَاءٌ آخَرُ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ وَالْكَلَامُ فِي الزَّائِدِ عَلَى مَا يُحْيِي بِهِ صَاحِبُ الْمَاءِ نَفْسَهُ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ قَدْرَ مَا يُحْيِي نَفْسَهُ فَقَطْ كَانَ لَهُ مَنْعُهُ وَيُقَدَّمُ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ خِيفَ هَلَاكُ ذَلِكَ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَلِيًّا بِمَحَلٍّ آخَرَ) أَيْ خِلَافًا لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ يَتْبَعُهُ بِهِ وَلَوْ أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي لَأَبْدَلَ التَّرْجِيحَ بِالِاخْتِيَارِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ فَبِالثَّمَنِ بِاتِّفَاقٍ) أَيْ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الذَّكَاةِ بِقَوْلِهِ وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وُجِدَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ) أَيْ بِأَنْ جُعِلَ قَوْلُهُ: وَإِلَّا رُجِّحَ إنْ شَرْطِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مَعَ لَا أَيْ وَإِلَّا يَنْتَفِ الثَّمَنُ بِأَنْ وُجِدَ رُجِّحَ بِالثَّمَنِ.
(قَوْلُهُ: كَفَضْلِ مَاءِ بِئْرِ زَرْعٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ لَهُ بِئْرٌ يَسْقِي مِنْهَا زَرْعَهُ فَفَضَلَ عَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ فَضْلَةٌ مِنْ الْمَاءِ وَلَهُ جَارٌ لَهُ زَرْعٌ أَنْشَأَهُ عَلَى أَصْلِ مَاءٍ وَانْهَدَمَتْ بِئْرُ زَرْعِهِ وَخِيفَ عَلَى زَرْعِهِ الْهَلَاكُ مِنْ الْعَطَشِ وَشَرَعَ فِي إصْلَاحِ بِئْرِهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ الْفَضْلِ لِجَارِهِ بِالثَّمَنِ إنْ وُجِدَ مَعَهُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ وَالْمُعْتَمَدُ - وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ - أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهِ لَهُ مَجَّانًا وَلَوْ وُجِدَ مَعَهُ الثَّمَنُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَإِلَّا رُجِّحَ بِالثَّمَنِ " مُقَدَّمًا مِنْ تَأْخِيرِ مَحَلِّهِ بَعْدَ قَوْلِهِ " وَأَخَذَ يُصْلِحُ " قَدَّمَهُ مُخَرِّجُ الْمُبْيَضَّةِ سَهْوًا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ تَشْبِيهًا فِي الْأَخْذِ مَجَّانًا الْمُفَادِ بِالِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ وَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُعْتَمَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ بِقَوْلِهِ
بِأَنْ زَرَعَ لَا عَلَى أَصْلِ مَاءٍ، أَوْ لَمْ تَنْهَدِمْ بِئْرُهُ، أَوْ لَمْ يَأْخُذْ فِي الْإِصْلَاحِ، ثُمَّ شُبِّهَ فِي مُطْلَقِ الْجَبْرِ قَوْلُهُ،
(كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) حَفَرَهَا (بِصَحْرَاءَ) أَيْ بِمَوَاتٍ فَيُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ (هَدَرًا) أَيْ بِلَا ثَمَنٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ هَذَا (إنْ لَمْ يُبَيِّنْ) حِينَ حَفَرَهَا (الْمِلْكِيَّةَ) لِعَدَمِ الْإِحْيَاءِ بِمُجَرَّدِ الْحَفْرِ وَلِأَنَّ نِيَّتَهُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ فَقَطْ فَإِنْ بَيَّنَهُمَا بِإِشْهَادٍ عِنْدَ الْحَفْرِ كَانَ لَهُ الْمَنْعُ وَأَخْذُ الثَّمَنِ إنْ وُجِدَ؛ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ حِينَئِذٍ (وَ) إذَا اجْتَمَعَ عَلَى مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ مُسْتَحِقُّونَ (بُدِئَ) وُجُوبًا بَعْدَ رَيِّ رَبِّهَا (بِمُسَافِرٍ) لِاحْتِيَاجِهِ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ (وَلَهُ) بِالْقَضَاءِ عَلَى رَبِّ الْمَاءِ أَوْ عَلَى حَاضِرِهِ (عَارِيَّةُ آلَةٍ) وَعَلَيْهِمْ إعَارَتُهَا لَهُ وَهَذَا مَا لَمْ تُجْعَلْ الْآلَةُ لِلْإِجَارَةِ، وَإِلَّا فَبِالْأُجْرَةِ وَاتُّبِعَ بِهَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ (ثُمَّ حَاضِرٍ) إلَى أَنْ يَرْوِيَ (ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا) أَيْ الْبِئْرِ، ثُمَّ دَابَّةِ الْمُسَافِرِ، ثُمَّ مَوَاشِي رَبِّهَا ثُمَّ مَوَاشِي النَّاسِ.
(بِجَمِيعِ الرَّيِّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ أَنَّ مَنْ قُدِّمَ يُقَدَّمُ بِجَمِيعِ الرَّيِّ، وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ الْمَوَاشِي عَنْ الدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ فَتُؤْكَلُ بِخِلَافِ الدَّوَابِّ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَاءِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ وَلَا جَهْدَ (وَإِلَّا فَبِنَفْسِ الْمَجْهُودِ) مِنْ آدَمِيٍّ، أَوْ غَيْرِهِ وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ اُنْظُرْ الشُّرَّاحَ.
[حاشية الدسوقي]
وَالْأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ، وَالظَّنُّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا هَكَذَا وَإِنَّمَا وَقَعَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ مِنْ الْكَاتِبِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِشُرُوطِ وُجُوبِ بَذْلِ الْمَاءِ لِزَرْعِ الْجَارِ الْأَرْبَعَةِ أَوَّلُهَا قَوْلُهُ: فَضْلٌ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ زَرْعِ رَبِّهِ شَيْءٌ لَمْ يَجِبْ وَيَنْبَغِي وُجُوبُ بَذْلِهِ إذَا خِيفَ تَلَفُ بَعْضِ زَرْعِ رَبِّهِ وَهَلَاكُ جَمِيعِ زَرْعِ الْجَارِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ مَعَ غُرْمِ قِيمَةِ بَعْضِ الزَّرْعِ الَّذِي يَتْلَفُ لِرَبِّ الْمَاءِ عَلَى مَنْ يَأْخُذُهُ ثَانِيهَا قَوْلُهُ: خِيفَ أَيْ ظُنَّ فَإِنْ لَمْ يُظَنَّ هَلَاكُهُ عَادَةً بَلْ شُكَّ فَقَطْ لَمْ يَجِبْ، ثَالِثُهَا مُفَادُ قَوْلِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ أَنَّهُ زَرَعَ عَلَى مَاءٍ فَلَوْ زَرَعَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى جَارِهِ الْبَذْلُ لِمُخَاطَرَتِهِ وَتَعَرُّضِهِ لِلْهَلَاكِ، رَابِعُهَا قَوْلُهُ: وَأَخَذَ يُصْلِحُ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي الْإِصْلَاحِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْجَارِ بَذْلُ فَضْلِ مَائِهِ.
(تَنْبِيهٌ) الْمُرَادُ بِالْجَارِ مَنْ يُمْكِنُهُ سَقْيُ زَرْعِهِ مِنْ مَاءِ بِئْرِ الْجَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَاصِقًا لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّاذِلِيُّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ زَرَعَ) أَيْ أَوْ لَمْ يَظُنَّ هَلَاكَ زَرْعِ الْجَارِ بَلْ شَكَّ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ شُبِّهَ فِي مُطْلَقِ الْجَبْرِ) أَيْ فِي الْجَبْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِالْقُيُودِ السَّابِقَةِ.
(قَوْلُهُ: كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) أَيْ كَبَذْلِهِ فَضْلَ بِئْرِ مَاشِيَةٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْبَادِيَةِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لِمَاشِيَةٍ، أَوْ لِشُرْبٍ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ فَضْلَةٌ وَطَلَبَهَا شَخْصٌ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ تِلْكَ الْفَضْلَةِ لِمَنْ طَلَبَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِمَّنْ طَلَبَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا وَلَا صَاحِبَ زَرْعٍ وَيَأْخُذُهُ الطَّالِبُ لَهُ بِلَا ثَمَنٍ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ، هَذَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ حِينَ حَفَرَهَا، وَإِلَّا كَانَ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ عَنْهَا فَالتَّشْبِيهُ فِي الْجَبْرِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ التَّشْبِيهَ تَامًّا لِئَلَّا يَقْتَضِيَ أَنَّ الْجَبْرَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُضْطَرِّ، وَلِذِي الزَّرْعِ الَّذِي انْهَدَمَتْ بِئْرُهُ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ.
(قَوْلُهُ: بِصَحْرَاءَ) أَيْ وَأَمَّا بِئْرُ الرَّجُلِ الَّذِي فِي حَائِطِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُ بِالدُّخُولِ لَهَا فَلَهُ الْمَنْعُ كَاَلَّتِي فِي دَارِهِ كَمَا نَقَلَهُ بْن عَنْ ابْنِ رُشْدٍ سَابِقًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ حِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِهِ كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ مُسْتَحِقُّونَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِيهَا يَكْفِيهِمْ.
(قَوْلُهُ: بُدِئَ وُجُوبًا بَعْدَ رَيِّ رَبِّهَا) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ هَذِهِ بُدَاءَةٌ إضَافِيَّةٌ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رَبَّ الْبِئْرِ هُوَ الْمُقَدَّمُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْمُسَافِرُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْكَلَامَ فِي الْفَضْلِ وَحِينَئِذٍ فَلَا دَاعِيَ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ) أَيْ وَحَقَّ لَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ وَأَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى " وَعَارِيَّةُ " بِمَعْنَى إعَارَةٍ وَضَمِيرُ لَهُ لِرَبِّ الْمَاءِ، أَوْ الْحَاضِرِ، أَيْ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيرَ لِلْمُسَافِرِ الْآلَةَ كَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَالْحَوْضِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا لَمْ تُجْعَلْ الْآلَةُ لِلْإِجَارَةِ إلَخْ) هَذَا الْقَيْدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ خِلَافُهُ لِأَنَّ شَأْنَ الْآلَةِ أَنْ لَا تُتَّخَذَ لِلْكِرَاءِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ مَوَاشِي النَّاسِ) أَيْ الْمُسَافِرِينَ وَالْحَاضِرِينَ هَذَا ظَاهِرُهُ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَوَاشِيَ الْمُسَافِرِينَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ دَوَابِّهِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ تَقْدِيمِهِ مِنْ احْتِيَاجِهِ لِسُرْعَةِ السَّيْرِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، إذْ تَقَدُّمُ دَوَابِّهِ وَتَأْخِيرُ مَوَاشِيهِ يُوجِبُ انْتِظَارَهُ فَالْوَجْهُ اسْتِوَاءُ دَوَابِّهِ مَعَ مَوَاشِيهِ فَفِي الْكَلَامِ تَسَاهُلٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِمَوَاشِي الْمُسَافِرِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا مَوَاشِيَ مَعَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَعَهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ مَعَ دَوَابِّهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ ثَمَّ مَوَاشِي النَّاسِ يَعْنِي الْحَاضِرِينَ وَإِذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ كَالْأَقْفَهْسِيِّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِتَأْجِيرِ مَوَاشِي الْمُسَافِرِ عَنْ دَوَابِّهِ وَأَنَّهَا بَعْدَ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ التَّالِيَةِ فِي الْمَرْتَبَةِ لِدَوَابِّ الْمُسَافِرِ فِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ.
(قَوْلُهُ: بِجَمِيعِ الرَّيِّ) مُتَعَلِّقٌ بِ بُدِئَ كَذَا قِيلَ وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَمْنُوعٌ صِنَاعَةً فَالْأَوْلَى جَعْلُهُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ قَوْلِهِ بِمُسَافِرٍ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَإِفَادَتُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لَا تَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعَلُّقَ التَّبْدِئَةِ بِالْمُسَافِرِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ رَيُّهُ بِالْمَاءِ فَالْمُبْدَلُ مِنْهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ هُنَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْطِئَةٌ لِلْبَدَلِ.
(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا) أَيْ مَصْدَرُ رَوِيَ بِالْكَسْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِنَفْسِ الْمَجْهُودِ) هَذَا مُرْتَبِطٌ بِمُقَدَّرٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ هَذَا إذَا كَانَ فِي الْمَاءِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ وَلَا جَهْدَ أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ فِي مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ
(وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ) أَيْ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَيَلِيهَا جِنَانٌ، أَوْ زَرْعٌ لِنَاسٍ شَتَّى (سُقِيَ الْأَعْلَى) أَوَّلًا وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِلْمَاءِ الْمَذْكُورِ (إنْ تَقَدَّمَ) فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى الْأَسْفَلِ أَيْ أَوْ تَسَاوَيَا فِي الْإِحْيَاءِ وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَسْفَلُ (لِلْكَعْبِ) أَيْ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِيهِ الْكَعْبَ ثُمَّ يُرْسَلُ لِلْآخَرِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ (وَأُمِرَ) الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ (بِالتَّسْوِيَةِ) لِأَرْضِهِ إنْ أَمْكَنَ (وَإِلَّا) تُمْكِنْ التَّسْوِيَةُ وَكَانَ لَا يَبْلُغُ الْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْمُرْتَفِعِ حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُنْخَفِضِ أَكْثَرَ (فَكَحَائِطَيْنِ) فَيُسْقَى الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلُ مِنْهَا أَيْ يَصِيرُ هَذَا الْحَائِطُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَعْلَى وَأَسْفَلَ كَحَائِطَيْنِ فَتُسْقَى كُلُّ جِهَةٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهَا، ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهَا ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ الْأَعْلَى أَيْ الْأَقْرَبِ بِقَوْلِهِ (وَقُسِمَ) الْمَاءُ الْمُبَاحُ (لِلْمُتَقَابَلَيْنِ) أَيْ لِلْحَائِطَيْنِ مَثَلًا الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقُرْبِ لِلْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَا فِي جِهَةٍ أَوْ إحْدَاهُمَا فِي جِهَةٍ وَالْأُخْرَى فِي جِهَةٍ أُخْرَى وَسَوَاءٌ اسْتَوَى زَمَنُ إحْيَائِهِمَا، أَوْ اخْتَلَفَتْ وَقَوْلُهُ (كَالنِّيلِ) تَشْبِيهٌ تَامٌّ فِي مَاءِ الْمَطَرِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ مِنْ سَقْيِ الْأَعْلَى إنْ تَقَدَّمَ إلَخْ.
وَذَكَرَ مَفْهُومَ " بِمُبَاحٍ " بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) (مُلِكَ) الْمَاءُ (أَوَّلًا) بِأَنْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عَلَى إجْرَائِهِ بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ أَرْضِهِمْ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ، أَوْ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ، أَوْ عَيْنٍ فِيمَا ذُكِرَ (قُسِمَ بَيْنَهُمْ) عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ (بِقِلْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ) وَالْقِلْدُ بِالْكَسْرِ الَّذِي عِبَارَةٌ عَنْ الْآلَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا لِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ الْمَاءِ وَمِنْهُ السَّاعَاتُ الرَّمْلِيَّةُ وَغَيْرُهَا، وَمُرَادُهُ بِغَيْرِ الْقَسْمِ بِالْأَيَّامِ (وَأُقْرِعَ)
[حاشية الدسوقي]
مَا يَكْفِي الْجَمِيعَ، أَوْ كَانَ فِيهَا مَا يَكْفِيهِمْ لَكِنْ يَحْصُلُ الْجَهْدُ لِبَعْضِهِمْ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بُدِئَ بِالذَّاتِ الْمَجْهُودَةِ عَاقِلَةً، أَوْ لَا وَلَوْ غَيْرَ رَبِّهِ وَغَيْرَ دَابَّتِهِ فَإِنْ كَانَ مَاءُ الْبِئْرِ يَكْفِي الْجَمِيعَ بِجَمِيعِ الرَّيِّ وَكَانَ بِتَقْدِيمِ أَرْبَابِهَا يَحْصُلُ الْجَهْدُ لِغَيْرِهِمْ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَبِتَقْدِيمِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ جَهْدٌ أَوْ بِعَكْسِ ذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ بِتَقْدِيمِ أَرْبَابِهَا لَا يَحْصُلُ الْجَهْدُ لِغَيْرِهِمْ وَبِتَقْدِيمِ غَيْرِهِمْ يَحْصُلُ الْجَهْدُ لَهُمْ فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْجَهْدُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الرَّيِّ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْبَاقِي، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بِئْرٍ مَا يَحْصُلُ بِهِ رَيُّ الْجَمِيعِ وَكَانَ يَحْصُلُ بِتَقْدِيمِ رَبِّهِ جَهْدٌ لِلْمُسَافِرِينَ دُونَ الْعَكْسِ أَوْ كَانَ يَحْصُلُ بِتَقْدِيمِ الْمُسَافِرِينَ عَلَى الْحَاضِرِينَ جَهْدٌ لِلْحَاضِرِينَ دُونَ الْعَكْسِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْبَاقِي قُدِّمَ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْجَهْدُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِمَا يُزِيلُ بِهِ الْهَلَاكَ لَا بِجَمِيعِ الرَّيِّ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ جَهْدًا قُدِّمَ فَإِنْ اسْتَوَيَا قَالَ أَشْهَبُ يَتَوَاسَوْنَ أَيْ يَشْرَبُ كُلٌّ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ الْجَهْدَ لَا أَنَّهُمْ يَرْوَوْنَ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ يُقَدَّمُ أَهْلُ الْمَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَتُقَدَّمُ دَوَابُّهُمْ عَلَى دَوَابِّ غَيْرِهِمْ وَالْقَوْلَانِ مُسْتَوِيَانِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ) احْتَرَزَ بِالْمُبَاحِ مِنْ السَّائِلِ بِمَكَانٍ مَمْلُوكٍ فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَدَّمَهُ فِي مِرْسَالِ مَطَرٍ فَمَا هُنَا مَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَيَلِيهَا جِنَانٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا لَمْ تَتَّصِلْ كُلُّهَا بِالْمَاءِ بَلْ بَعْضُهَا مُتَّصِلٌ بِهِ دُونَ بَعْضٍ وَأَمَّا لَوْ وَلِيَهَا بُسْتَانٌ وَرَحًا، أَوْ زَرْعٌ وَرَحًا قُدِّمَ غَيْرُ الرَّحَا مِنْ الزَّرْعِ، أَوْ الْبُسْتَانِ عَلَيْهَا وَلَوْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَنْ الرَّحَا فِي الْإِحْيَاءِ وَكَانَتْ أَقْرَبَ لِلْمَاءِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ الْأَصْلِيَّةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْمَاءِ النَّبَاتُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ لَا الرَّحَا وَلَا غَيْرُهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَسْفَلُ) مَحَلُّ تَقْدِيمِ الْأَسْفَلِ السَّابِقُ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى الْأَعْلَى الْمُتَأَخِّرِ فِي الْإِحْيَاءِ إذَا خِيفَ عَلَى زَرْعِ الْأَسْفَلِ الْهَلَاكُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي السَّقْيِ، وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَعْلَى الْمُتَأَخِّرُ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى الْأَسْفَلِ كَذَا قَيَّدَ سَحْنُونٌ وَاَلَّذِي حَقَّقَهُ طفى أَنَّ الْأَسْفَلَ يُقَدَّمُ إذَا تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَوْ لَمْ يُخَفْ عَلَى زَرْعٍ بِتَقْدِيمِ الْأَعْلَى.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يُرْسِلُ لِلْآخَرِ) أَيْ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَاءُ كُلُّهُ لِلْآخَرِ إلَى الْكَعْبَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ يُرْسَلُ الْبَاقِي وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِيَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ نَصُّهَا: ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يُرْسَلُ لِلْأَسْفَلِ جَمِيعُ الْمَاءِ وَلَا يَبْقَى مِنْهُ لِلْأَعْلَى شَيْءٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ يُرْسَلُ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ اهـ وَمَعْنَاهُ فِي الثَّانِي أَنْ يُرْسَلَ الْمَاءُ مِنْ وَرَاءِ جِنَانِ الْأَعْلَى وَيَبْقَى مِنْهُ مَا وَصَلَ لِلْكَعْبَيْنِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَأُمِرَ الْمُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ فِي السَّقْيِ وَهُوَ صَاحِبُ الْأَعْلَى إنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ، أَوْ سَاوَى غَيْرَهُ وَصَاحِبُ الْأَسْفَلِ إنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَوْلُهُ: وَأُمِرَ الْمُقَدَّمُ أَيْ بِالْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا تُمْكِنْ التَّسْوِيَةُ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَهُ، وَإِلَّا رَاجِعٌ لِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ كَمَا قَدَّرَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْعِلْمِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرْ بِالتَّسْوِيَةِ إلَّا وَهِيَ مُمْكِنَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَسَمَ لِلْمُتَقَابَلَيْنِ) اُنْظُرْ هَلْ يُقْسَمُ الْمَاءُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مِسَاحَتُهُمَا، أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِسَاحَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج.
(قَوْلُهُ: سَوَاءٌ اسْتَوَى زَمَنُ إحْيَائِهِمَا، أَوْ اخْتَلَفَ) قَالَ بْن فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السَّبْقَ فِي الْإِحْيَاءِ يَقْتَضِي التَّقَدُّمَ وَلَوْ فِي الْأَسْفَلِ وَأَحْرَى فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا اسْتَوَى زَمَنُ إحْيَائِهِمَا.
(قَوْلُهُ: قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَيَّ حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَبْدِئَةٍ لِأَعْلَى عَلَى أَسْفَلَ لِمِلْكِهِمْ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لِأَرْضِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ إذَا قُسِمَ بِالْقِلْدِ وَنَحْوِهِ يُرَاعَى اخْتِلَافُ كَثْرَةِ الْجَرْيِ وَقِلَّتِهِ فَإِنَّ جَرْيَهُ عِنْدَ كَثْرَتِهِ أَقْوَى مِنْ جَرْيِهِ عِنْدَ قِلَّتِهِ فَيَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنْ قَالُوا: جَرْيُهُ عِنْدَ كَثْرَتِهِ خَمْسُ دَرَجٍ يَعْدِلُ جَرْيُهُ عِنْدَ قِلَّتِهِ ثَمَانِيَ دَرَجٍ عُمِلَ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِلْدُ بِالْكَسْرِ عِبَارَةٌ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْقِلْدُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ الْقِدْرُ
(لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ) أَيْ التَّبْدِئَةِ أَيْ إذَا تَشَاحُّوا فِي التَّبْدِئَةِ بِأَنْ طَلَبَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا فَالْقُرْعَةُ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ بِالتَّقْدِيمِ قُدِّمَ.
(وَلَا يُمْنَعُ صَيْدُ سَمَكٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ صَيْدِهِ (وَإِنْ مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ مِلْكِ الذَّاتِ، أَوْ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فَلِكُلِّ أَحَدٍ صَيْدُهُ (وَهَلْ) عَدَمُ الْمَنْعِ فِيمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ (فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ) صَادَ الْمَالِكُ لِمَنْفَعَتِهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ لَا تُمْلَكُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ خَرَاجٍ وَاسْتِمْتَاعٍ بِزَرْعِهَا لَا غَيْرُ وَأَمَّا الْمَمْلُوكَةُ حَقِيقَةً فَلَهُ الْمَنْعُ (أَوْ) عَدَمُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا أَرْضَ عَنْوَةٍ وَغَيْرَهَا (إلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ) أَيْ يُرِيدَ الِاصْطِيَادَ لِنَفْسِهِ فَلَهُ الْمَنْعُ (تَأْوِيلَانِ) فَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي مَطْوِيٌّ فِي كَلَامِهِ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْمَنْعِ مُطْلَقًا إلَّا لِضَرَرٍ شَرْعِيٍّ كَالِاطِّلَاعِ عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ إفْسَادِ زَرْعِهِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ.
(وَ) لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ (كَلَأً) أَيْ رَعْيَهُ وَهُوَ بِالْقَصْرِ مَنُونٌ مَهْمُوزٌ مَا يَنْبُتُ فِي الْمَرْعَى مِنْ غَيْرِ زَرْعٍ (بِفَحْصٍ) وَهِيَ أَرْضٌ تَرَكَهَا رَبُّهَا اسْتِغْنَاءً عَنْهَا وَلَمْ يُبَوِّرْهَا لِلرَّعْيِ فَنَبَتَ بِهَا الْكَلَأُ (وَعَفَاءٍ) بِالْمَدِّ وَهِيَ أَرْضٌ تُرِكَتْ عَنْ الزَّرْعِ لِعَدَمِ قَبُولِهَا الزَّرْعَ كَأَرْضِ الْخَرْسِ وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا (لَمْ يَكْتَنِفْهُ زَرْعُهُ) فَإِنْ اكْتَنَفَهُ فَلَهُ الْمَنْعُ (بِخِلَافِ مَرْجِهِ) وَهُوَ مَحَلُّ رَعْيِ الدَّوَابِّ (وَحِمَاهُ) وَهُوَ مَا بَوَّرَهُ مِنْ أَرْضِهِ لِرَعْيِ مَا يَنْبُتُ فِيهِ فَلَهُ الْمَنْعُ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ الْمَرْجِ؛ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ مَرْجٌ وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَأَمَّا غَيْرُهَا كَالْفَيَافِيِ فَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ إلَّا السُّلْطَانَ فَلَهُ أَنْ يَحْمِيَ لِمَصْلَحَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ