الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقيصفحات 30-69
أهل الأثرالأرشيف العلمي

عَلَى الْأَصَحِّ كَمَوْتِ الشَّخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، وَأَرَادَ بِالتَّلَفِ التَّعَذُّرَ أَيْ تَعَذُّرَ اسْتِيفَاءِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ كَأَسْرٍ وَسَبْيٍ وَسُكُونِ وَجَعِ ضِرْسٍ وَعَفْوِ قِصَاصٍ وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ لَا بِهِ صَبِيَّيْنِ، وَفَرَسَيْنِ بِقَوْلِهِ (إلَّا صَبِيِّ تَعَلُّمٍ) بِالْإِضَافَةِ وَجَرِّ صَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنَى مِنْ ضَمِيرِ بِهِ الْوَاقِعِ بَعْدَ نَفْيٍ فَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ إلَّا مُتَعَلِّمٍ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْبَالِغَ مِنْ الِاخْتِصَارِ (وَرَضِيعٍ) مَاتَ كُلٌّ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهَا (وَفَرَسِ نَزْوٍ) مَاتَتْ مَثَلًا قَبْلَ النَّزْوِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَوْتُ الذَّكَرِ الْمُعَيَّنِ فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ، وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ.
(وَ) فَرَسِ (رَوْضٍ) أَيْ رِيَاضَةٍ أَيْ تَعْلِيمِهَا حَسَنِ الْجَرْيِ فَمَاتَتْ أَوْ عَطِبَتْ فَتَنْفَسِخُ، وَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ حَصْدُ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ وَحَرْثُ أَرْضٍ بِعَيْنِهَا لَيْسَ لِرَبِّهِمَا غَيْرُهُمَا وَبِنَاءُ حَائِطٍ بِدَارٍ فَيَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ فَتَنْفَسِخُ لِتَعَذُّرِ الْخَلَفِ وَقِيلَ لَا بَلْ يُقَالُ لِرَبِّهَا ادْفَعْ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ أَوْ ائْتِ بِغَيْرِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا

(وَ) فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى (سِنٍّ لِقَلْعٍ) أَيْ لِأَجْلِ قَلْعِهَا فَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ الْقَلْعُ، وَلَوْ قَالَ وَقَلْعِ سِنٍّ (فَسَكَنَتْ) أَيْ أَلَمُهَا كَانَ أَوْضَحَ (كَعَفْوِ) ذِي (الْقِصَاصِ) عَنْ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقِصَاصِ لِتَعَذُّرِ الْخَلَفِ، وَهَذَا إنْ عَفَا غَيْرُ الْمُسْتَأْجِرِ

[حاشية الدسوقي]

بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ رِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَسْخُهَا بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ كَمَا تَنْفَسِخُ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ التَّلَفُ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ فُسِخَتْ، وَلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا سَارَ، وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِسَمَاوِيٍّ لَمْ تَنْفَسِخْ وَيَأْتِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ وَقِيلَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ فُسِخَتْ، وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ لَمْ تَنْفَسِخْ وَيَأْتِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ كَذَا فِي الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: كَمَوْتِ الشَّخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ) أَيْ وَكَتَلَفِ الْمَحْمُولِ (قَوْلُهُ: وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْبَاقِيَةِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالتَّلَفِ) أَيْ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ لَا الْمُثْبَتِ فَقَطْ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ بِسُكُونِ وَجَعِ الضِّرْسِ؛ لِأَنَّ قَلْعَ الضِّرْسِ مِمَّا يُسْتَوْفَى بِهِ لَا مِنْهُ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ السَّبْيِ وَالْأَسْرِ يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِتَعَذُّرِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى كَأَسْرٍ وَسَبْيٍ لِأَجِيرٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى كَخِيَاطَةٍ مَثَلًا أَوْ لِمُسْتَأْجِرٍ اسْتَأْجَرَ الدَّابَّةَ أَوْ الدَّارَ مَثَلًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَعَفْوِ قِصَاصٍ فَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ، وَلَا مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ مَنَعَ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِيَشْمَلَ الْبَالِغَ) أَيْ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي شَأْنُهُ التَّعَلُّمَ (قَوْلُهُ: وَفَرَسِ نَزْوٍ) أَيْ اسْتَأْجَرَ صَاحِبُهَا ذَكَرًا يَنْزُو عَلَيْهَا جُمُعَةً مَثَلًا أَوْ عَشَرَ مَرَّاتٍ بِدِينَارٍ فَمَاتَتْ بَعْدَ مَرَّةٍ أَوْ حَمَلَتْ مِنْ مَرَّةٍ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَلِرَبِّ الذَّكَرِ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ، وَمِثْلُ الْفَرَسِ غَيْرُهَا مِنْ الدَّوَابِّ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَدَابَّةِ نَزْوٍ لَكَانَ أَشْمَلَ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَوْتُ الذَّكَرِ الْمُعَيَّنِ فَدَاخِلٌ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِشُمُولِ الْفَرَسِ لِلذَّكَرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ كُلٍّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَمَّا الذَّكَرُ فَلِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلِأَنَّهَا مِنْ الْمُسْتَثْنَى.
(قَوْلُهُ: وَفَرَسِ رَوْضٍ) أَيْ فَإِذَا اسْتَأْجَرَ رَبُّ الْفَرَسِ شَخْصًا يُعَلِّمُهَا حُسْنَ السَّيْرِ فَمَاتَتْ قَبْلَ تَعْلِيمِهَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ (قَوْلُهُ: فَتَنْفَسِخُ، وَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ) أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الْمُسْتَثْنَاةِ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا تَنْفَسِخُ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ، وَلَهُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لِرَبِّهِمَا غَيْرُهُمَا) أَيْ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ الْخَلَفُ أَوْ يَدْفَعُ الْأُجْرَةَ بِتَمَامِهَا، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ (قَوْلُهُ: فَيَحْصُلُ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الزَّرْعِ أَوْ الْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ كَأَنْ تَلِفَ الزَّرْعُ أَوْ يَبِسَتْ الْأَرْضُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْمَانِعَ بِكَوْنِهِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ قَبِيلِ تَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ إذْ لَوْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ عَلَى الْحَصْدِ أَوْ الْحَرْثِ أَوْ الْبِنَاءِ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ تَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لِاقْتِصَارِهِ إلَخْ) كَلَامُ التَّوْضِيحِ يُفِيدُ تَرْجِيحَ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ بْن ثُمَّ سَاقَ كَلَامَهُ فَانْظُرْهُ.

(قَوْلُهُ: وَفُسِخَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى سِنٍّ لِقَلْعٍ) هَذَا حَلُّ مَعْنًى لَا حَلُّ إعْرَابٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَسِنٍّ عَطْفٌ عَلَى صَبِيٍّ الْمَجْرُورِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَاَلَّذِي اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ أُمُورٌ خَمْسَةٌ لَا أَرْبَعَةٌ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ سَابِقًا (قَوْلُهُ: فَسَكَنَتْ) أَيْ فَسَكَنَ أَلَمُهَا قَبْلَ الْقَلْعِ أَيْ وَوَافَقَهُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا لِقَرِينَةٍ، وَفَائِدَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ لُزُومُ الْأُجْرَةِ لَا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ تَصْدِيقِ رَبِّهَا إذَا نَازَعَهُ الْحَجَّامُ، وَقَالَ لَهُ إنَّهُ سَكَنَ أَلَمُهَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ أَشْيَاخِ عج خِلَافَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ إنَّهُ يُصَدَّقُ فِي سُكُونِ الْأَلَمِ إلَّا لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ يَمِينَهُ تَجْرِي عَلَى أَيْمَانِ التُّهْمَةِ فِي تَوَجُّهِهَا وَعَدَمِ تَوَجُّهِهَا (قَوْلُهُ: كَعَفْوِ الْقِصَاصِ) إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْعَطْفِ؛ لِأَنَّ السِّنَّ مِمَّا يُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةَ، وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ

وَأَمَّا إنْ عَفَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْأُجْرَةُ.

(وَ) فُسِخَتْ (بِغَصْبِ الدَّارِ) الْمُسْتَأْجَرَةِ (وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا) إذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ.

(وَ) فُسِخَتْ بِ (أَمْرِ السُّلْطَانِ) أَيْ مَنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ وَقَهْرٌ (بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ) بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مُسْتَأْجِرُهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَيَلْزَمُ السُّلْطَانَ أُجْرَتُهَا لِرَبِّهَا إذَا كَانَ قَصْدُهُ غَصْبَ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ دُونَ الذَّاتِ (وَ) بِظُهُورِ (حَمْلِ ظِئْرٍ) أَيْ مُرْضِعٍ (أَوْ) حُصُولِ (مَرَضٍ) لَهَا (لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ) إنْ تَحَقَّقَ ضَرَرُ الرَّضِيعِ، وَإِلَّا كَانَ أَهْلُهُ بِالْخِيَارِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) بِسَبَبِ (مَرَضِ عَبْدٍ) لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى فِعْلِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ (وَهَرَبِهِ لِ كَعَدُوٍّ) بِأَرْضِ حَرْبٍ أَوْ مَا نَزَلَ مَنْزِلَتُهَا فِي الْبُعْدِ فَإِنْ هَرَبَ لِقَرِيبٍ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ لَمْ تَنْفَسِخْ لَكِنْ تَسْقُطُ أُجْرَتُهُ مُدَّةَ هَرَبِهِ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْعَبْدُ أَيْ يَعُودَ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ هَرَبِهِ (فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ الْعَقْدِ أَيْ زَمَنِهِ فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ الْعَمَلِ، وَكَذَا الظِّئْرُ تَصِحُّ فَيَلْزَمُهَا بَقِيَّةُ الْعَمَلِ وَيُسْقَطُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا عُطِّلَ زَمَنَ الْمَرَضِ أَوْ الْهَرَبِ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءَ لِقَوْلِهِ وَبِغَصْبِ الدَّارِ، وَمَا بَعْدَهُ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَانِعِ فَلَا فَسْخَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْفَسْخِ أَنَّ لَهُ جَمِيعَ الْمُسَمَّى بَلْ يَسْقُطُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عُطِّلَ زَمَنَ الْمَانِعِ كَمَا تَقَدَّمَ (بِخِلَافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ) فَلَا تَرْجِعُ الْإِجَارَةُ بَعْدَ الْفَسْخِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ فِي السَّفَرِ بِالصَّبْرِ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ مَرَضُ الْعَبْدِ فِي السَّفَرِ كَمَا أَنَّ الدَّابَّةَ فِي الْحَضَرِ مِثْلُ الْعَبْدِ فِيهِ فَحُكْمُهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ جَوَابُ الْإِمَامِ فِيهِمَا لِاخْتِلَافِ السُّؤَالِ عَنْ الْعَبْدِ فِي الْحَضَرِ وَالدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ، وَلَوْ عُكِسَ السُّؤَالُ لَكَانَ الْجَوَابُ مَا ذَكَرَ (وَخُيِّرَ) الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ (إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ مَثَلًا الْمُسْتَأْجَرَ

[حاشية الدسوقي]

بَلْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ عَفَا الْمُسْتَأْجِرُ) أَيْ وَحْدَهُ أَوْ عَفَا الْمُسْتَأْجِرُ وَغَيْرُهُ عَلَى الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: فَتَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْأُجْرَةُ) أَيْ فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ فَفَائِدَةُ عَدَمِ الْفَسْخِ لُزُومُ الْأُجْرَةِ، وَإِلَّا فَالْقِصَاصُ قَدْ سَقَطَ بِالْعَفْوِ عَنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ لُزُومِ الْأُجْرَةِ إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً كَمَا إذَا عُيِّنَتْ لَهُ الْأُجْرَةُ بِأَنْ قِيلَ لَهُ اقْتَصَّ مِنْ هَذَا وَلَك كَذَا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ اقْتَصَّ مِنْ هَذَا، وَأَنَا أُعْطِيك أُجْرَتَك ثُمَّ عَفَا عَنْهُ فَهَلْ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

(قَوْلُهُ: وَبِغَصْبِ الدَّارِ) الدَّارُ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ إذْ مِثْلُهَا غَصْبُ الدَّابَّةِ وَغَصْبُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ أَوْ غَصْبُ مَنْفَعَتِهَا، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ كَانَ حَكِرَ عَلَى بَيْتٍ ثُمَّ غَصَبَهُ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْبَيْتِ دَفْعُهُ.
اهـ. عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا) إنَّمَا صَرَّحَ بِلَفْظِ غَصْبِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِعَطْفِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الدَّارِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ كَوْنِ مَنْفَعَتِهَا مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ فَلَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ إلَّا بِغَصْبِ شَيْئَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ فَسْخِ الْإِجَارَةِ بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ غَصْبِ مَنْفَعَتِهَا إذَا شَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ، وَإِنْ شَاءَ بَقِيَ عَلَى إجَارَتِهِ فَإِنْ فَسَخَهَا كَانَ لِمَالِكِ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ أَبْقَاهَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ صَارَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَ الْغَاصِبِ إذَا زَرَعَ أَوْ سَكَنَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ فَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لَهُ، فَمَعْنَى الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْفَسْخِ لَا أَنَّهَا تُفْسَخُ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ) أَيْ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ فَلَا تَنْفَسِخُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِ مَا غُصِبَ مِنْهُ بِمَالٍ، وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ وَيَرْجِعُ عَلَى رَبِّهِ بِمَا خَلَّصَهُ بِهِ.

(قَوْلُهُ: دُونَ الذَّاتِ) أَيْ لَا إنْ كَانَ قَصْدُهُ غَصْبَ الذَّاتِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ غَاصِبَ الذَّاتِ لَا يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ إلَّا إذَا اسْتَعْمَلَهُ، وَلَا يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ مَا عَطَّلَ وَغَاصِبُ الْمَنْفَعَةِ يَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ أَوْ عَطَّلَ (قَوْلُهُ: وَحَمْلِ ظِئْرٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ قَبْلَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَظَهَرَ بَعْدَهُ أَوْ طَرَأَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: لَا تَقْدِرُ إلَخْ) مَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ قَدَرَتْ مَعَهُ عَلَى الرَّضَاعِ لَمْ تَنْفَسِخْ إلَّا أَنْ يَضُرَّ بِهِ فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ قَالَهُ عبق (قَوْلُهُ: إنْ تَحَقَّقَ ضَرَرُ الرَّضِيعِ) أَيْ بِلَبَنِ الْحَامِلِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ، وَإِلَّا يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ بَلْ شَكَّ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَبِمَرَضِ عَبْدٍ) أَيْ أُوجِرَ لِلْخِدْمَةِ فِي الْحَضَرِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ) أَيْ فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَرْجِعُ لِلْإِجَارَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ بِمَرَضِهِ وَهَرَبِهِ وَبِعَدَمِ الْفَسْخِ مَعَ الرُّجُوعِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إذَا عَادَ تَنَافٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَرِدُ إذَا أُرِيدَ بِفَسْخِهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَرَضِ وَمَا مَعَهُ مِنْ الْفَسْخِ بِالْفِعْلِ مِنْ الْآنَ أَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّعَرُّضُ لِلْفَسْخِ كَمَا قُلْنَا فَلَا يَرِدُ أَصْلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِثْنَاءِ حَالَةَ السُّكُوتِ لَا إنْ صَرَّحَ بِالْبَقَاءِ أَوْ الْفَسْخِ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا عَطَّلَ) أَيْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَضَاءِ مُدَّةِ الْهَرَبِ أَوْ الْمَرَضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَيَدْفَعُ الْأَجْرَ بِتَمَامِهِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ نَقَدَ الْأُجْرَةَ حِينَ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَنْقُدْهَا فَيَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْفَسْخِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: فَحُكْمُهُمَا سَوَاءٌ) أَيْ، وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا مَرِضَا فِي الْحَضَرِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فَإِنْ عَادَا فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ رَجَعَا لِلْإِجَارَةِ، وَإِنْ مَرِضَا فِي السَّفَرِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فَإِنْ عَادَا فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ لَمْ يَرْجِعَا لِلْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ جَوَابُ الْإِمَامِ) حَيْثُ قَالَ فِي الدَّابَّةِ لَا تَعُودُ لِلْإِجَارَةِ بَعْدَ صِحَّتِهَا وَقَالَ فِي الْعَبْدِ إنَّهُ يَعُودُ (قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ السُّؤَالِ إلَخْ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ

لِيَخْدُمَهُ فِي دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ فِيهِ (سَارِقٌ) أَيْ شَأْنُهُ السَّرِقَةُ؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي الْإِجَارَةِ كَالْبَيْعِ، وَأَمَّا لَوْ أَكْرَيْتَهُ عَلَى شَيْءٍ يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَتَحَفَّظُ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسَاقَاةِ.

(وَ) فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ (بِرُشْدِ صَغِيرٍ عَقَدَ عَلَيْهِ) نَفْسِهِ (أَوْ عَلَى سِلَعِهِ) كَدَابَّتِهِ وَدَارِهِ (وَلِيٌّ) أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ أَوْ مُقَامٌ فَبَلَغَ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ رَشِيدًا فَقَوْلُهُ: وَبِرُشْدٍ مَعْطُوفٌ عَلَى بِتَلَفٍ بِدَلِيلِ الْبَاءِ أَيْ، وَفُسِخَتْ بِتَلَفٍ مَا، وَفُسِخَتْ بِرُشْدٍ، وَمَعْنَى الْفَسْخِ إنْ شَاءَ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَعَطْفُهُ عَلَى إنْ تَبَيَّنَ يُبْعِدُهُ إعَادَةُ الْبَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ كَرُشْدِ صَغِيرٍ بِالْكَافِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ فِي التَّخْيِيرِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ وَالرُّشْدُ يُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى سِلَعِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: (إلَّا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ) قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (بَقِيَ) مِنْهَا الْيَسِيرُ (كَالشَّهْرِ) فَيَلْزَمُهُ بَقَاءُ الْمُدَّةِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْأُولَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ خِيَارِهِ فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَظُنَّ الْوَلِيُّ حَالَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا مُطْلَقًا أَوْ ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ فِيهَا فَبَلَغَ رَشِيدًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا كَثِيرٌ بِأَنْ زَادَ عَلَى كَالشَّهْرِ فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهُ فِيهَا فَبَلَغَ فِيهَا وَقَدْ بَقِيَ الْيَسِيرُ كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ لِتَمَامِهَا، وَأَمَّا فِي إجَارَةِ سِلَعِهِ فَإِنْ بَلَغَ سَفِيهًا فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ ظَنُّ رُشْدٍ، وَلَا عَدَمُهُ وَكَذَا إنْ بَلَغَ رَشِيدًا وَقَدْ ظَنَّ الْوَلِيُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا بَقِيَ الْيَسِيرُ أَوْ الْكَثِيرُ فَإِنْ ظَنَّ الْبُلُوغَ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فَلَهُ الْخِيَارُ فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي يَخُصُّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى هُوَ قَوْلُهُ: وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ وَشُبِّهَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى، وَهُوَ اللُّزُومُ قَوْلُهُ: (كَسَفِيهٍ) عَقَدَ وَلِيُّهُ عَلَى سِلَعِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ لِعَيْشِهِ (ثَلَاثَ سِنِينَ) أَوْ أَكْثَرَ

[حاشية الدسوقي]

الدَّابَّةِ إذَا مَرِضَتْ فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَحَّتْ هَلْ تَرْجِعُ لِلْإِجَارَةِ أَوْ لَا؟ . فَأَجَابَ بِعَدَمِ رُجُوعِهَا، وَسُئِلَ عَنْ الْعَبْدِ يَمْرَضُ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ يَصِحُّ فِي بَقِيَّةِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ هَلْ يَرْجِعُ أَوْ لَا؟ . فَأَجَابَ بِرُجُوعِهِ.

(قَوْلُهُ: وَبِرُشْدٍ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا اسْتَأْجَرْت صَغِيرًا مِنْ وَلِيِّهِ لِلْخِدْمَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ اسْتَأْجَرْت دَارِهِ كَذَلِكَ فَبَلَغَ رَشِيدًا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِي الْمُدَّةِ بَلْ يُخَيَّرُ فِي إتْمَامِهَا، وَفِي فَسْخِهَا فَإِنْ بَلَغَ سَفِيهًا فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَمَحَلُّ خِيَارِهِ إذَا بَلَغَ رَشِيدًا إنْ عَقَدَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يَظُنُّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ وَبَلَغَ فَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي كَثِيرًا خُيِّرَ (قَوْلُهُ: عُقِدَ عَلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ لِعَيْشِهِ أَوْ لِغَيْرِ عَيْشِهِ كَمَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلَا وَجْهَ لِتَرَدُّدِ عبق، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ إلَخْ) فَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ، وَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى الْبُلُوغِ فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ تَذْكُرْ الرُّشْدَ لَكِنْ قَيَّدَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَبْلُغَ رَشِيدًا قَالَ عِيَاضٌ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ.
اهـ. وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمْ أَنَّ مَا فِي عبق مِنْ اعْتِبَارِ الْبُلُوغِ فَقَطْ فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ إذَا بَلَغَ، وَلَوْ سَفِيهًا خُيِّرَ فِي الْفَسْخِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَدَمِهِ وَاعْتِبَارِ الرُّشْدِ فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلْعَةٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَالصَّوَابُ إبْقَاءُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ (قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ) أَيْ قَوْلُهُ: وَقَدْ بَقِيَ كَالشَّهْرِ وَقَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ إجَارَةِ الصَّغِيرِ، وَإِجَارَةِ سِلَعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْأُولَى) أَيْ؛ لِأَنَّ إجَارَةَ سِلَعِهِ تَلْزَمُهُ إنْ بَلَغَ رَشِيدًا إذَا كَانَ وَلِيُّهُ ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْإِجَارَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ كَمَا فِي عبق أَوْ أَكْثَرُ كَمَا فِي شب وَقَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْأُولَى أَيْ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ نَقَلَ الْمَوَّاقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِالْأُولَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ قَوْلُهُ: وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَرَكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي قَوْلِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَرْجِعُ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ فِي الْأُولَى فَقَطْ اهـ بْن، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِيَارِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إذَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْوَلِيُّ، وَهُوَ يَظُنُّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا بَقِيَ كَثِيرٌ أَوْ قَلِيلٌ، وَأَمَّا إذَا عَقَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَظُنُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنْ بَلَغَ وَالْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ شَهْرٌ وَنَحْوُهُ لَزِمَ الْإِتْمَامُ، وَإِلَّا خُيِّرَ، وَكَذَا الْحَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ أَشْهَبَ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَيَقُولُ فِيهَا إنْ عَقَدَ عَلَيْهِ ظَانًّا عَدَمَ بُلُوغِهِ لَزِمَ الْإِتْمَامُ، وَلَوْ بَلَغَ وَالْبَاقِي مِنْ الْمُدَّةِ كَثِيرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ سِتٌّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَظُنَّ الْوَلِيُّ بُلُوغَهُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ يَظُنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا، وَفِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ إمَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي صُورَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا ظَنَّ عَدَمَ الْبُلُوغِ فِيهَا وَبَلَغَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ يَسِيرٌ وَيُخَيَّرُ فِي الْبَاقِي، وَهِيَ مَا إذَا بَقِيَ كَثِيرٌ مُطْلَقًا ظَنَّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا وَكَذَا إذَا بَقِيَ يَسِيرٌ، وَالْحَالُ أَنَّهُ ظَنَّ بُلُوغَهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا وَقَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ زَادَ كَالشَّهْرِ حَلٌّ لِمَنْطُوقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَهُ فِيهَا حَلٌّ لِمَفْهُومِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ) أَيْ عَلَى سِلَعِ السَّفِيهِ ظَنُّ رُشْدٍ، وَلَا عَدَمُهُ أَيْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ هَذَا مِنْ هُنَا وَذِكْرَهُ بَعْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِ السَّفِيهِ بَلْ عَلَى سِلَعِ الصَّغِيرِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ سَفِيهًا (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ

فَرَشَدَ فِي أَثْنَائِهَا فَتَلْزَمُ الْإِجَارَةُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ حَيْثُ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ الثَّلَاثُ سِنِينَ فَدُونَ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهِ لَا لِعَيْشِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بَلْ عَلَى مَالِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ آجَرَ السَّفِيهُ نَفْسَهُ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ مَا لَمْ يُحَابِ، وَكَذَا لَا كَلَامَ لَهُ إنْ رَشَدَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كَالرَّشِيدِ.

(وَ) فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ (بِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ آجَرَ) ذَلِكَ الْوَقْفَ فِي حَيَاتِهِ مُدَّةً (وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا) وَانْتَقَلَ الِاسْتِحْقَاقُ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ أَوْ لِمَنْ يَلِيهِ، وَلَوْ وَلَدَهُ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْهَا يَسِيرٌ (عَلَى الْأَصَحِّ) ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ نَاظِرًا بِخِلَافِ نَاظِرٍ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ (لَا) تَنْفَسِخُ (بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ) لِلذَّاتِ الْمُؤَجَّرَةِ بِأَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ آجَرَهَا لِآخَرَ قَبْلَ الْإِجَارَةِ وَنَازَعَهُ الْمُكْتَرِي، وَلَا بَيِّنَةَ لِاتِّهَامِهِ عَلَى نَقْضِهَا وَيَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ فَيَأْخُذُهَا الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى الَّذِي أُكْرِيَتْ بِهِ وَكِرَاءُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُقِرِّ (أَوْ خُلْفِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى تَخَلُّفٍ أَيْ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَخَلُّفِ (رَبِّ دَابَّةٍ) مُعَيَّنَةٍ أَمْ لَا (فِي) الْعَقْدِ عَلَى زَمَنٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَأَنْ يَكْتَرِيَهَا لِيُلَاقِيَ بِهَا رَجُلًا أَوْ وَفْدًا أَوْ لِيُشَيِّعَ بِهَا رَجُلًا يَوْمَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا فَتَخَلَّفَ رَبُّهَا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ الزَّمَنَ

[حاشية الدسوقي]

بَقِيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ الْيَسِيرُ أَوْ الْكَثِيرُ فَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ لِلْحَالَتَيْنِ قَبْلَهُ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ صُوَرَ الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَبْلُغَ سَفِيهًا أَوْ رَشِيدًا وَقَدْ ظَنَّ الْوَلِيُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ بَقِيَ بَعْدَ رُشْدِهِ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا وَقَدْ ظَنَّ بُلُوغَهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فَلَهُ الْخِيَارُ كَانَ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: فَرَشَدَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ، وَلَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا (قَوْلُهُ: فَتَلْزَمُ الْإِجَارَةُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ) أَيْ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي السَّفِيهِ ظَنُّ عَدَمِ رُشْدِهِ، وَلَا ظَنُّ رُشْدِهِ حَالَ الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ لِعَيْشِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ ظَنُّ الْبُلُوغِ وَعَدَمُهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: حَيْثُ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ الثَّلَاثُ سِنِينَ فَدُونَ) أَيْ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَكْثَرَ خُيِّرَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا كَلَامَ لَهُ) أَيْ لِلسَّفِيهِ حَيْثُ آجَرَ نَفْسَهُ ثُمَّ رَشَدَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كَالرَّشِيدِ) أَيْ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي نَفْسِهِ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَتَصَرُّفِ الرَّشِيدِ.

(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ عِنْدَ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ، وَمُقَابِلُهُ عَدَمُ فَسْخِهَا بِمَوْتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ وَلَدَهُ) إنْ قُلْت أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ وَارِثِ الْمَالِكِ إذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَوَارِثِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَهُ ذَلِكَ قُلْت الْمَالِكُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي نَقْلِ الْمَنْفَعَةِ أَبَدًا، وَمُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ إنَّمَا لَهُ التَّصَرُّفُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَلِذَا كَانَ وَارِثُ الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَكَانَ لِوَارِثِ الثَّانِي الْفَسْخُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُؤَجِّرُ نَاظِرًا) اُنْظُرْ هَلْ مِثْلُ مَوْتِ النَّاظِرِ الْمُسْتَحِقِّ عَزْلُهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ لَا؟ . اهـ. قَالَهُ بْن، وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ مَنْ يَتَقَرَّرُ فِي رِزْقِهِ مَرْصَدَةٌ آجَرَهَا مُدَّةً، وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا فَإِنَّ لِمَنْ يَتَقَرَّرُ بَعْدَهُ فَسْخُ إجَارَتِهِ ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَمِثْلُ مَوْتِهِ فَرَاغُهُ عَنْهَا لِإِنْسَانٍ فَلِلْمَفْرُوغِ لَهُ إذَا قَرَّرَ فِيهَا فَسْخَ إجَارَتِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِفْرَاغَ أَسْقَطَ حَقَّ الْأَصْلِ، وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لِلثَّانِي إلَّا بِتَقْرِيرِهِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَإِنْ مَاتَ الْمَفْرُوغُ لَهُ قَبْلَ الْفَارِغِ صَارَتْ مَحْلُولًا (قَوْلُهُ: لَا بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا آجَرَ دَابَّةً أَوْ دَارًا مَثَلًا ثُمَّ بَعْدَ إجَارَتِهَا أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ آجَرَهَا لِإِنْسَانٍ قَبْلَ هَذِهِ الْإِجَارَةِ وَكَذَّبَهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ لِاتِّهَامِ الْمَالِكِ عَلَى نَقْضِ الْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا بَيِّنَةَ) أَيْ لِلْمَالِكِ وَقَوْلُهُ: لِاتِّهَامِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا تَنْفَسِخُ بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ.
(قَوْلُهُ: فَيَأْخُذُهَا الْمُقَرُّ لَهُ) أَيْ الَّذِي أَقَرَّ الْمَالِكُ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لَهُ وَقَوْلُهُ: وَلَهُ أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إجَارَةٍ عَلَى الْمُقِرِّ الْأَكْثَرُ إلَخْ، وَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ وَتَفْصِيلُهُ أَنْ تَقُولَ إنْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ بِفَوْرِ الْكِرَاءِ خُيِّرَ الْمَقَرُّ لَهُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الْمُؤَجِّرُ وَحِينَئِذٍ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي يَدَّعِي الْمَالِكُ أَنَّهُ بَاعَ بِهِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُ قَدْ حَالَ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ لِمَا عَلِمْت مِنْ عَدَمِ فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَعَدَمِ فَسْخِ الْبَيْعِ فَيَأْخُذُ الْأَكْثَرَ مِمَّا حَصَلَ الْكِرَاءُ بِهِ وَكِرَاءَ الْمِثْلِ وَيَأْخُذُ ذَلِكَ الْمُقَرَّ بِهِ أَيْضًا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إنْ لَمْ يَتْلَفْ، وَإِلَّا أَخَذَ قِيمَتَهُ فَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِالْبَيْعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا أُكْرِيَتْ بِهِ وَكِرَاءُ الْمِثْلِ وَيَأْخُذُ الْمُقَرَّ بِهِ أَيْضًا إنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِهِبَةٍ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا أُكْرِيَتْ بِهِ وَكِرَاءُ الْمِثْلِ، وَأَخَذَ قِيمَةَ الْمَوْهُوبِ إنْ فَاتَ أَوْ أَخَذَهُ بِذَاتِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَلِلْمُقَرِّ لَهُ بِالْإِجَارَةِ الْأَكْثَرُ مِمَّا أُكْرِيَتْ بِهِ وَكِرَاءُ الْمِثْلِ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: يَوْمَ كَذَا) أَيْ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِيهِ بِهَا يَوْمَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا (قَوْلُهُ: فَتَخَلَّفَ رَبُّهَا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) إنَّمَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ بِتَخَلُّفِ رَبِّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ اعْتِبَارِ الْأَخَصِّ، وَهُوَ الزَّمَنُ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ أَعَمِّهِ، وَفَوَاتُ الْأَخَصِّ الَّذِي اُعْتُبِرَ لِتَحْصِيلِ أَعَمِّهِ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعَمُّ، وَهُوَ بَاقٍ لَمْ يَفُتْ وَحَيْثُ كَانَ الْعَقْدُ

كَ أَكْتَرِيهَا يَوْمَ كَذَا أَوْ عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي أَوْ تَخِيطَ الثَّوْبَ لِي يَوْمَ كَذَا فَتَخَلَّفَ فَتَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِ الزَّمَنِ (أَوْ) فِي غَيْرِ (حَجٍّ) فَلَا تَنْفَسِخُ بِخِلَافِ الْحَجِّ إذَا أَخْلَفَ رَبُّهَا حَتَّى فَاتَ فَيَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ، وَإِنْ قَبَضَ الْكِرَاءَ رَدَّهُ لِزَوَالِ أَيَّامِهِ (وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ) مِنْ تَشْيِيعِ مُسَافِرٍ أَوْ مُلَاقَاتِهِ (أَوْ) بِظُهُورِ (فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ) لِ كَدَارٍ لَا تَنْفَسِخُ وَأُمِرَ بِالْكَفِّ (وَآجَرَ الْحَاكِمُ) عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُفَّ) ، وَهَذَا إنْ حَصَلَ بِفِسْقِهِ ضَرَرٌ لِلدَّارِ أَوْ الْجَارِ، وَهَذَا إنْ تَيَسَّرَ إيجَارُهَا عَلَيْهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أُخْرِجَ حَتَّى يُؤَجَّرَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ، وَمَنْ اكْتَرَى أَوْ اشْتَرَى دَارًا لَهَا جَارُ سُوءٍ فَعَيْبٌ تُرَدُّ بِهِ، وَمَالِكُ دَارٍ يَضُرُّ فِسْقُهُ بِجَارِهِ يُزْجَرُ وَيُعَاقَبُ فَإِنْ انْتَهَى وَإِلَّا أُخْرِجَ وَبِيعَتْ عَلَيْهِ أَوْ أُجِّرَتْ (أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ) مُؤَجَّرٍ لَا تَنْفَسِخُ إجَارَتُهُ (وَحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ) أَيْ يَسْتَمِرُّ رَقِيقًا إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ فِي شَهَادَتِهِ وَقِصَاصِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَإِرْثُهُ لَا فِي وَطْءِ السَّيِّدِ لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةَ وَطْءٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ بِالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَإِنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَجَّانًا أَوْ بِشَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ يَجُزْ عِتْقُهُ (وَأُجْرَتُهُ) فِي بَاقِي الْمُدَّةِ بَعْدَ الْعِتْقِ (لِسَيِّدِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَهُ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ يَوْمِ عِتْقِهِ فَأُجْرَتُهُ لِلْعَبْدِ مَعَ بَقَائِهِ إلَى تَمَامِهَا فَالشَّرْطُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ فَقَطْ لَا لِمَا قَبْلَهُ.

[دَرْسٌ] (فَصْلٌ) ذَكَرَ فِيهِ كِرَاءَ الدَّوَابِّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) وَالْكِرَاءُ بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا لَا يَعْقِلُ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: كَذَلِكَ أَيْ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ

[حاشية الدسوقي]

لَمْ يُفْسَخْ فَيَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ سَوَاءٌ أَخَذَ الدَّابَّةَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا.
(قَوْلُهُ: كَ أَكْتَرِيهَا يَوْمَ كَذَا) أَيْ لِمُلَاقَاةِ فُلَانٍ أَوْ تَشْيِيعِهِ أَوْ لِأُسَافِرَ عَلَيْهَا مِثْلُهُ مَا إذَا اكْتَرَاهَا أَيَّامًا مُعَيَّنَةً فَزَاغَ رَبُّهَا حَتَّى انْقَضَى ذَلِكَ الزَّمَنُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيمَا فَاتَ مِنْهَا، وَإِذَا عَمِلَ مِنْهَا شَيْئًا فَبِحِسَابِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِ الزَّمَنِ) أَيْ فَهُوَ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَخَصِّ لِقَصْدِ عَيْنِهِ، وَمَتَى اُعْتُبِرَ الْأَخَصُّ لِقَصْدِ عَيْنِهِ فُسِخَ الْعَقْدُ بِفَوَاتِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ فِي غَيْرِ حَجٍّ) أَيْ أَوْ فِي الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِ حَجٍّ كَ أَسْتَأْجِرُ دَابَّتَك لِأُسَافِرَ عَلَيْهَا لِبَلَدِ كَذَا فَتَخَلَّفَ رَبُّهَا أَيَّامًا ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَفُتْ مَقْصُودُهُ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى السَّفَرِ بَلْ، وَإِنْ فَاتَ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُسَافِرَ أَوْ يَدْفَعَ الْأُجْرَةَ بِتَمَامِهَا؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِلْبَلَدِ لَيْسَ لَهُ أَيَّامٌ مُعَيَّنَةٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحَجِّ) أَيْ كَأَنْ يَسْتَأْجِرَ دَابَّةً لِيَحُجَّ بِهَا فَتَخَلَّفَ رَبُّهَا حَتَّى فَاتَ الْحَجُّ فَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُسْتَأْجِرُ زَمَانَهُ لَكِنْ زَمَانُهُ مُعَيَّنٌ وَقَدْ فَاتَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَبَضَ الْكِرَاءَ رَدَّهُ) أَيْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي الرِّضَا مَعَ الْمُكْرِي عَلَى التَّمَادِي عَلَى الْإِجَارَةِ إذَا نَقَدَ الْكِرَاءَ لِلُزُومِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْقُدْ فَيَجُوزُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ فَاتَ مَقْصِدُهُ) أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ حِينَ عَقَدَ الْكِرَاءَ (قَوْلُهُ: أَوْ بِظُهُورِ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ) أَيْ أَنَّهُ إذَا آجَرَ الدَّارَ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً لِإِنْسَانٍ وَانْتَقَدَ مِنْهُ الْكِرَاءَ ثُمَّ ظَهَرَ فِسْقُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرِ بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ بِزِنًا فِيهَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ إيجَارُ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُفَّ إنْ حَصَلَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا إنْ تَيَسَّرَ إلَخْ) أَيْ، وَمَحَلُّ هَذَا أَيْ إيجَارُهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَبَيُّنِ عَدَمِ الْكَفِّ إنْ تَيَسَّرَ إلَخْ وَقَوْلُهُ: بِأَنْ تَعَذَّرَ أَيْ كِرَاؤُهَا وَقْتَ تَبَيُّنِ عَدَمِ الْكَفِّ أُخْرِجَ (قَوْلُهُ: وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ) أَيْ فِي مُدَّةِ خُرُوجِهِ مِنْهَا قَبْلَ كِرَائِهَا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَبِيعَتْ عَلَيْهِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ إجَارَتُهَا وَقَوْلُهُ: أَوْ أُجِرَتْ أَيْ إنْ أَمْكَنَ إجَارَتُهَا، وَهَذَا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَاَلَّذِي لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ إذَا لَمْ يَنْزَجِرْ بِالْعُقُوبَةِ بِيعَتْ عَلَيْهِ أَيْ مِنْ غَيْرِ كِرَاءٍ وَكَلَامُ بَهْرَامَ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَذْهَبُ لِتَصْدِيرِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِعِتْقِ عَبْدٍ مُؤَجَّرٍ) أَيْ أَوْ أَمَةٍ عِتْقًا نَاجِزًا فَلَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ وَكَذَا الْمُخْدَمُ مِنْهُمَا سَنَةً إذَا عَتَقَ قَبْلَهَا فَلَا يَنْفَسِخُ الِاسْتِخْدَامُ (قَوْلُهُ: أَيْ يَسْتَمِرُّ رَقِيقًا إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ) أَيْ سَوَاءٌ أَرَادَ السَّيِّدُ بِعِتْقِهِ لَهُ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ الْآنَ أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: فِي شَهَادَتِهِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِشَهَادَتِهِ (قَوْلُهُ: لَا فِي وَطْءٍ) أَيْ لَا بِالنِّسْبَةِ لِوَطْءِ السَّيِّدِ لَهَا فَلَا يُقَدَّرُ رِقًّا إذْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا (قَوْلُهُ: لِتَعَلُّقِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَيْ يَسْتَمِرُّ رَقِيقًا إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَسْقَطَ) أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ حَقَّهُ وَقَوْلُهُ: نَجَزَ عِتْقُهُ أَيْ، وَلَا كَلَامَ لِسَيِّدِهِ (قَوْلُهُ: حُرٌّ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ إلَخْ) أَيْ أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ (قَوْلُهُ: مَعَ بَقَائِهِ إلَى تَمَامِهَا) أَيْ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَا لِمَا قَبْلَهُ) أَيْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ عَلَى الرِّقِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ عَلَى الرِّقِّ لِتَمَامِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ، سَوَاءٌ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَهَا أَوْ مِنْ يَوْمِ الْعِتْقِ.

[فَصْلٌ فِيهِ كِرَاءَ الدَّوَابِّ]

فَصْلٌ وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ أَيْ كَالْإِجَارَةِ أَيْ فِي اشْتِرَاطِ عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ فِي صِحَّتِهَا، وَفِيمَا جَازَ فِي الْإِجَارَةِ وَمُنِعَ، وَفِي أَنَّ الْكِرَاءَ لَازِمٌ لَهُمَا بِالْعَقْدِ (قَوْلُهُ: وَالْكِرَاءُ بَيْعُ مَنْفَعَةِ مَا لَا يَعْقِلُ إلَخْ) أَيْ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ

مِنْ لُزُومِ الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ، وَفَسَادِهِ، وَمَنْعِهِ وَجَوَازِهِ، وَأَنَّهُ إذَا اكْتَرَاهَا بِأَكْلِهَا أَوْ كَانَ أَكْلُهَا جُزْءًا مِنْ الْأُجْرَةِ فَظَهَرَتْ أَكُولَةً فَلَهُ الْخِيَارُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى مَسَائِلَ يُتَوَهَّمُ فِيهَا الْمَنْعُ لِلْجَهَالَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ بِقَوْلِهِ (وَجَازَ) أَنْ تَكْتَرِيَ دَابَّةً (عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا) لَوْ قَالَ وَجَازَ بِعَلَفِهَا كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ إذْ يُفْهَمُ مِنْهُ كِرَاؤُهَا بِدَرَاهِمَ وَعَلَفُهَا بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَلَفَ تَابِعٌ (أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا) أَيْ جَازَ بِأَحَدِهِمَا أَوْ بِهِمَا مَعًا فَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ، وَسَوَاءٌ انْضَمَّ لِذَلِكَ نَقْدٌ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدَهَا أَكُولَةً أَوْ وَجَدَ رَبَّهَا أَكُولًا فَلَهُ الْفَسْخُ مَا لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا بِالْوَسَطِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ يَجِدُهَا أَكُولَةً فَيَلْزَمُهُ شِبَعُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَالْعَلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمٌ لِمَا تَأْكُلُهُ الدَّابَّةُ، وَأَمَّا بِالسُّكُونِ فَالْفِعْلُ أَيْ تَقْدِيمُ ذَلِكَ لَهَا.
(أَوْ) بِدَرَاهِمَ مَثَلًا عَلَى أَنَّ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ (طَعَامَك) يَا مُكْتَرِي فَتَكُونُ الدَّرَاهِمُ فِي نَظِيرِ الرُّكُوبِ وَالطَّعَامِ مَا لَمْ يَكُنْ الْكِرَاءُ طَعَامًا، وَإِلَّا مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ غَيْرُ يَدٍ بِيَدٍ (أَوْ لِيَرْكَبَهَا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَهَا بِكَذَا لِيَرْكَبَهَا (فِي حَوَائِجِهِ) شَهْرًا حَيْثُ شَاءَ (أَوْ لِيَطْحَنَ بِهَا شَهْرًا) أَيْ حَيْثُ عُرِفَ كُلٌّ مِنْ الرُّكُوبِ وَالطَّحْنِ بِالْعَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَقَوْلُهُ: شَهْرًا أَيْ مَثَلًا فَالْمُرَادُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ وَيَظْهَرُ أَنَّ الزَّمَنَ الْكَثِيرَ يَمْنَعُ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ، وَلَوْ سَمَّى قَدْرَ مَا يَطْحَنُ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ الزَّمَنَ وَالْعَمَلَ مُنِعَ فَإِنَّهُ قَالَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْأَرَادِبِ وَالْأَيَّامِ الَّتِي يَطْحَنُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدِهِمَا.
اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ فِي قَوْلِهِ، وَهَلْ تَفْسُدَانِ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ (أَوْ) اكْتَرَى مِنْ شَخْصٍ دَوَابَّ (لِيَحْمِلَ عَلَى دَوَابِّهِ مِائَةً) مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَوْزُونٍ إنْ سَمَّى قَدْرَ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّ دَابَّةٍ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَا لِكُلٍّ) مِنْ الدَّوَابِّ (وَعَلَى حَمْلِ

[حاشية الدسوقي]

فَهِيَ بَيْعُ مَنْفَعَةِ الْعَاقِلِ (قَوْلُهُ: وَجَازَ أَنْ تَكْتَرِيَ دَابَّةً) أَيْ بِدَرَاهِمَ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا) أَيْ زِيَادَةً عَلَى الْأُجْرَةِ الَّتِي هِيَ الدَّرَاهِمُ وَنَحْوُهَا (قَوْلُهُ: كَانَ أَوْلَى) أَيْ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ كَانَ مُفِيدًا لِلْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ وَاحِدَةً (قَوْلُهُ: إذْ يُفْهَمُ مِنْهُ كِرَاؤُهَا) أَيْ جَوَازُ كِرَائِهَا (قَوْلُهُ: بِالْأَوْلَى) أَيْ مِنْ كِرَائِهَا بِعَلَفِهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَلَفَ تَابِعٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَا كَانَ مَعْلُومًا وَالْمَعْلُومُ الْكِرَاءُ بِالدَّرَاهِمِ (قَوْلُهُ: أَيْ جَازَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ جَازَ الْكِرَاءُ بِأَحَدِهِمَا أَيْ بِعَلَفِ الدَّابَّةِ أَوْ بِطَعَامِ رَبِّهَا، وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ النَّفَقَةُ كَذَا فِي خش (قَوْلُهُ: أَوْ بِهِمَا مَعًا) أَيْ بِعَلَفِ الدَّابَّةِ وَطَعَامِ رَبِّهَا (قَوْلُهُ: نَقْدًا أَمْ لَا) أَيْ فَالصُّوَرُ سِتٌّ (قَوْلُهُ: فَلَهُ) أَيْ فَلِلْمُكْتَرِي (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا بِالْوَسَطِ) أَيْ بِطَعَامٍ وَسَطٍ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِعَامِهِ إذَا كَانَ أَكُولًا، وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ حَيْثُ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ ذَلِكَ، وَلَوْ رَضِيَ بِهَا بِطَعَامٍ وَسَطٍ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ لَهَا رَبُّهَا كَمَا فِي المج.
(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ شِبَعُهَا) فَإِنْ كَانَ رَبُّ الدَّابَّةِ قَلِيلَ الْأَكْلِ أَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ قَلِيلَتَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا يَأْكُلَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ لَهُمَا الْفَاضِلُ يَصْرِفَانِهِ فِيمَا أَحَبَّا (قَوْلُهُ: أَيْ تَقْدِيمُ ذَلِكَ لَهَا) كَتَبَ شَيْخُنَا أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ عَلَى الْعُرْفِ كَحِفْظِهَا بَعْدَ النُّزُولِ عَنْهَا (قَوْلُهُ: أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك) أَيْ وَيَجْرِي فِيهِ مَا مَرَّ فِي الْمُكْتَرِي فَيُقَالُ إنْ وُجِدَ الْمُكْتَرِي أَكُولًا كَانَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَرْضَ بِالْوَسَطِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّابَّةِ إلَّا مَا يَأْكُلُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ شَاءَ) أَيْ حَيْثُ أَرَادَ الرُّكُوبَ (قَوْلُهُ: حَيْثُ عُرِفَ كُلٌّ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الرُّكُوبُ فِي الْبَلَدِ، وَمَا قَارَبَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَوَائِجُهُ الَّتِي يَرْكَبُ لِقَضَائِهَا تَقِلُّ تَارَةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْيِينِ مَا يَحْتَاجُهُ لَا إنْ كَانَ يُسَافِرُ عَلَيْهَا، وَكَانَ الطَّحْنُ لِلْبُرِّ وَنَحْوِهِ لَا لِلْحُبُوبِ الصَّعْبَةِ كَالتُّرْمُسِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ اسْتِئْجَارِهَا لِلطَّحْنِ بِهَا شَهْرًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمَنْعِ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْأَيَّامِ وَالْأَرَادِبِ مَبْنِيٌّ إلَخْ وَالتَّعْبِيرُ بِالظَّاهِرِ قُصُورٌ إذْ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ جَارٍ هُنَا كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ وَذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَهْرَامُ فِي كَبِيرِهِ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَى دَوَابِّهِ) أَيْ دَوَابِّ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُؤَجِّرِ (قَوْلُهُ: إنْ سَمَّى قَدْرَ مَا تَحْمِلُ) بَلْ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَكِنْ إنْ سَمَّى جَازَ إنْ اتَّحَدَ الْقَدْرُ كَأَحْمِلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ قَنَاطِيرَ، وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ مُنِعَ حَتَّى يُعَيَّنَ مَا يَحْمِلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا كَأَحْمِلُ عَلَى هَذِهِ خَمْسَةً وَعَلَى هَذِهِ عَشَرَةً إلَخْ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَحْمِلُ عَلَى وَاحِدَةٍ خَمْسَةً وَعَلَى وَاحِدَةٍ سِتَّةً وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا مُنِعَ فَمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ إذْ يَشْمَلُ تَسْمِيَةَ مَا لِكُلٍّ وَيَتَّحِدُ قَدْرُهُ أَوْ يَخْتَلِفُ وَيُعَيِّنُ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّ دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا فَهَاتَانِ جَائِزَتَانِ فَإِنْ اخْتَلَفَ قَدْرُهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّ دَابَّةٍ فَفَاسِدَةٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فَكَانَ مُخَاطَرَةً (قَوْلُهُ: بَلْ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَحْمِلُ عَلَى دَابَّةٍ بِقَدْرِ قُوَّتِهَا (قَوْلُهُ: وَعَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ) رَبُّ الدَّابَّةِ حِينَ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَقَارُبُ الْأَجْسَامِ وَالرُّؤْيَةُ هُنَا عِلْمِيَّةٌ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ رَبَّ الدَّابَّةِ (الْفَادِحُ) أَيْ حَمْلُهُ، وَهُوَ الثَّقِيلُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَلَيْسَتْ مِنْ الْفَادِحِ مُطْلَقًا نَعَمْ إنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ ذَكَرٍ فَأَتَاهُ بِأُنْثَى لَمْ يَلْزَمْهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَمِثْلُ الْفَادِحِ الْمَرِيضُ الَّذِي يُتْعِبُ الدَّابَّةَ إنْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَحَيْثُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْفَادِحُ فَلِيَأْتِ بِوَسَطٍ أَوْ تُكْرَى الدَّابَّةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَهُ الْفَسْخُ (بِخِلَافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ) الْمَرْأَةُ الْمُكْتَرِيَةُ فَيَلْزَمُهُ حَمْلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَدْخُولِ عَلَيْهِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُ صَغِيرِهَا مَعَهَا إلَّا لِنَصٍّ أَوْ عُرْفٍ.

(وَ) جَازَ لِمَالِكِ دَابَّةٍ (بَيْعُهَا وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا) أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا فِي شَيْءٍ (الثَّلَاثَ لَا جُمُعَةً) فَيُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ تَرْجِعُ لَهُ فَيُؤَدِّي إلَى الْجَهَالَةِ فِي الْمَبِيعِ (وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِلسَّبْعَةِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ الثَّوْبُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الْعِلَّةِ وَعَلَفُهَا فِي الْمُدَّةِ الْمُسْتَثْنَاةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَضَمَانُهَا فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الْمَمْنُوعَةِ مِنْهُ، وَفِي الْمَمْنُوعَةِ مِنْ الْبَائِعِ وَذَكَرَ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةَ بَيْعٍ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ (وَ) جَازَ (كِرَاءُ دَابَّةٍ) وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا (شَهْرًا) وَكَذَا شَهْرَيْنِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ نَصَّ عَلَيْهِمَا لَفُهِمَ الشَّهْرُ بِالْأَوْلَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ أَنَّهَا فِي الْكِرَاءِ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُكْرِي فَضَمَانُهَا مِنْهُ، وَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَمَمْلُوكَةٌ لِلْمُشْتَرِي، وَهُوَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَبْضِهَا بِشِرَائِهِ فَأُجِيزَ فِيهِ مَا قَلَّ كَالثَّلَاثَةِ لِضَرُورَةِ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فَخَفَّفَ فِي الْكِرَاءِ دُونَ الشِّرَاءِ، وَمَحَلُّ جَوَازِهِ مَا ذَكَرَ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْمُكْتَرِي يَعْنِي إنْ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ النَّقْدِ فَإِنْ اشْتَرَطَ مُنِعَ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّقْدِ بِالْفِعْلِ، وَلَكِنْ حَمَلُوا شَرْطَهُ عَلَى النَّقْدِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي شَرْطِهِ حُصُولُهُ وَلِسَدِّ الذَّرِيعَةِ.

(وَ) جَازَ (الرِّضَا بِغَيْرِ) الذَّاتِ الْمُكْتَرَاةِ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ (الْمُعَيَّنَةِ)

[حاشية الدسوقي]

آدَمِيٍّ) أَيْ وَجَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ وَيَلْزَمُهُ حَمْلُ مَا أَتَى بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيْثُ كَانَ غَيْرَ فَادِحٍ، وَأَمَّا الْفَادِحُ فَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ (قَوْلُهُ: لَمْ يَرَهُ) أَيْ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِيَارٍ بِالرُّؤْيَةِ هَذَا وَقَدْ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ تَعْيِينِ كَوْنِ الرَّاكِبِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّ رُكُوبَ النِّسَاءِ أَشَقُّ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرٍ الْمُصَنِّفِ كَالْمُدَوَّنَةِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَالرُّؤْيَةُ هُنَا عِلْمِيَّةٌ) أَيْ وَالْمَعْنَى جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ انْتَفَى عِلْمُ رَبِّ الدَّابَّةِ بِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرَهُ بِبَصَرِهِ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَتْ) أَيْ الْأُنْثَى مِنْ الْفَادِحِ مُطْلَقًا بَلْ يَنْظُرُ لَهَا فَإِنْ كَانَتْ فَادِحَةً لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْفَادِحِ الْمَرِيضُ) أَيْ فَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ أَوْ رَجُلٍ فَأَتَاهُ بِمَرِيضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ حَيْثُ جَزَمَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّهُ يُتْعِبُ الدَّابَّةَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَوْ عَادَتُهُ عَقْرُ الدَّوَابِّ بِرُكُوبِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) أَيْ الْكِرَاءُ وَقَوْلُهُ: فَلَهُ الْفَسْخُ فِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْفَسْخُ فَلَعَلَّ الْأَوْلَى فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْكِرَاءُ غَرِمَ الْأُجْرَةَ وَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ حَمْلُهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَحْمُولًا مَعَهَا فِي بَطْنِهَا حِينَ الْعَقْدِ أَوْ حَمَلَتْ بِهِ فِي السَّفَرِ (قَوْلُهُ: صَغِيرِهَا مَعَهَا) أَيْ الْمَوْجُودِ مَعَهَا حِينَ الْعَقْدِ عَلَى رُكُوبِهَا.

(قَوْلُهُ: وَاسْتِعْمَالُهَا فِي شَيْءٍ) أَيْ كَالدِّرَاسِ وَالطَّحْنِ وَالْحَرْثِ (قَوْلُهُ: لَا جُمُعَةً) هُوَ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الثَّلَاثِ وَقَوْلُهُ: فَيُمْنَعُ أَيْ، وَلَوْ لَمْ يَنْقُدْ (قَوْلُهُ: يَتَأَخَّرُ إلَخْ) أَيْ، وَإِنَّمَا يُغْتَفَرُ فِيهِ تَأَخُّرُ الْقَبْضِ إذَا كَانَ التَّأْخِيرُ قَلِيلًا كَالثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّخْمِيِّ) نُوقِشَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ اللَّخْمِيَّ يَجْعَلُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ الْمَكْرُوهِ لَا مِنْ الْجَائِزِ كَمَا فِي بْن فَالْمُنَاسِبُ لِمَشْيِهِ عَلَى طَرِيقَتِهِ أَنْ يَقُولَ وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا يَوْمَيْنِ لَا جُمُعَةً وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَمْنُوعَةِ مِنْ الْبَائِعِ) أَيْ إلَّا لِقَبْضٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ سَابِقًا، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ كِرَاءُ دَابَّةٍ وَاسْتِثْنَاءُ إلَخْ) مِثْلُ الدَّابَّةِ السَّفِينَةُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمَضْمُونَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الشُّرُوعِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ حَيْثُ كَانَ الْعَقْدُ فِي إبَّانِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي مِثْلِ الْحَجِّ يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ إبَّانِهِ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ الْيَسِيرِ (قَوْلُهُ: شَهْرًا) أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَاسْتِثْنَاءُ رُكُوبِهَا إلَى أَنَّ شَهْرًا مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ فِي جَوَازِ كِرَائِهَا وَاسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهَا شَهْرًا السَّفِينَةُ كَمَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْكِرَاءِ) أَيْ حَيْثُ امْتَنَعَ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ جُمُعَةً فَأَكْثَرَ، وَلَوْ لَمْ يَنْقُدْ وَجَازَ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْمُكْتَرِي شَهْرًا إذَا كَانَ لَمْ يَنْقُدْ (قَوْلُهُ: فَضَمَانُهَا مِنْهُ) أَيْ فَلِذَا جَازَ لَهُ اسْتِثْنَاءُ الْمَنْفَعَةِ شَهْرًا (قَوْلُهُ: فَأُجِيزَ فِيهِ مَا قَلَّ كَالثَّلَاثَةِ لِضَرُورَةِ إلَخْ) أَيْ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاءُ مَا كَثُرَ لِلْغَرَرِ إذْ لَا يَدْرِي الْمُشْتَرِي هَلْ تَصِلُ لَهُ سَالِمَةً أَمْ لَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَرَطَ مُنِعَ) أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ نَقْدٌ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ النَّقْدُ تَطَوُّعًا فَلَا مَنْعَ وَالْفَرْضُ فِي الْأُولَى أَنَّ مُدَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ شَهْرٌ أَمَّا لَوْ كَانَتْ أَقَلَّ فَأَجَازَ الْأَقْفَهْسِيُّ النَّقْدَ لِعَشَرَةٍ، وَفِي ابْنِ يُونُسَ مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ لِنِصْفِ شَهْرٍ لَكِنْ فَرَضَهُ فِي السَّفِينَةِ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى غَيْرِهَا كَالدَّابَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ يُونُسَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَ السَّفِينَةِ عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ مِثْلُهَا وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُمَا مُخْتَلِفٌ فَهُمَا قَوْلَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ

(الْهَالِكَةِ) صِفَةٌ لِلْمُعَيَّنَةِ يَعْنِي أَنَّ الدَّابَّةَ مَثَلًا الْمُعَيَّنَةَ الْمُكْتَرَاةَ إذَا هَلَكَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ يَجُوزُ الرِّضَا بِغَيْرِهَا (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) ، وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ (أَوْ نَقَدَ وَاضْطَرَّ) إلَى زَوَالِ الِاضْطِرَارِ لَا مُطْلَقًا فَإِنْ نَقَدَ، وَلَمْ يَضْطَرَّ مُنِعَ الرِّضَا بِالْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي مَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَاخِرِ لَيْسَ كَقَبْضِ الْأَوَائِلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ، وَهِيَ الْمَضْمُونَةُ إذَا هَلَكَتْ فَجَوَازُ الرِّضَا بِالْبَدَلِ ظَاهِرٌ مُطْلَقًا وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً.

(وَ) جَازَ لِلْمُسْتَأْجِرِ (فِعْلُ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ) ، وَمِثْلِهِ (وَدُونِهِ) قَدْرًا وَضَرَرًا لَا أَكْثَرَ، وَلَوْ أَقَلَّ ضَرَرًا، وَلَا دُونَهُ قَدْرًا، وَأَكْثَرَ ضَرَرًا فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ وَكَلَامُهُ فِي الْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ، وَأَمَّا الْمَسَافَةُ فَلَا يَفْعَلُ الْمُسَاوِي وَكَذَا الدُّونُ عَلَى قَوْلٍ وَسَيَأْتِي أَوْ يَنْتَقِلُ لِبَلَدٍ، وَإِنْ سَاوَتْ.

(وَ) جَازَ (حِمْلٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْمَحْمُولُ أَيْ جَازَ اكْتِرَاءُ دَابَّةٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِمْلًا (بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَرَى، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ أَوْ يُكَلْ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ جِنْسُهُ اكْتِفَاءً بِالرُّؤْيَةِ (أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ فَإِنْ تَفَاوَتَ كَإِرْدَبٍّ، وَأَطْلَقَ أَوْ قِنْطَارٍ أَوْ عِشْرِينَ بِطِّيخَةً لَمْ يَجُزْ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ النَّوْعِ فَإِنَّ الْفُولَ أَثْقَلُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْقِنْطَارُ الْحَطَبُ أَضَرُّ مِنْ الْقُطْنِ وَالْبِطِّيخُ قَدْ يَكُونُ كَبِيرًا وَصَغِيرًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا كَالْبِيضِ وَاللَّيْمُونِ فَيُغْتَفَرُ وَالْأَوْجَهُ رُجُوعُ الْقَيْدِ لِلْعَدَدِ فَقَطْ.

(وَ) جَازَ (إقَالَةٌ) بِزِيَادَةٍ مِنْ مُكْرٍ أَوْ مُكْتَرٍ (قَبْلَ النَّقْدِ) لِلْكِرَاءِ (وَبَعْدَهُ)

[حاشية الدسوقي]

مِنْ جَوَازِ كِرَاءِ الدَّابَّةِ وَاسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَتِهَا شَهْرًا فِي الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْمَضْمُونَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الشُّرُوعِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ حَيْثُ كَانَ الْعَقْدُ فِي إبَّانِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ لَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي مِثْلِ الْحَجِّ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ الْيَسِيرِ

(قَوْلُهُ: صِفَةٌ لِلْمُعَيَّنَةِ) أَيْ لَا لِغَيْرِ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهُ لَا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، وَالْهَالِكَةُ مُعَرَّفَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَعْنَى يُمَيِّزُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إلَى زَوَالِ إلَخْ) أَيْ يَجُوزُ الرِّضَا بِغَيْرِهَا إلَى زَوَالِ الِاضْطِرَارِ فَبَعْدَ زَوَالِهِ لَا يَجُوزُ لَا أَنَّ الْجَوَازَ مُطْلَقًا، وَلَوْ زَالَ الِاضْطِرَارُ قَالَ عبق وَانْظُرْ هَلْ الِاضْطِرَارُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ أَوْ خَوْفُ الْمَرَضِ أَوْ ضَيَاعُ الْمَالِ أَوْ الْمَوْتُ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ نَقَدَ أَمْ لَا اضْطَرَّ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ) أَيْ الَّتِي لَمْ يَنْقُدْهَا وَاَلَّتِي نَقَدَهَا.

(قَوْلُهُ: فِعْلُ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ) الْأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ أَنْ يَقُولَ الْمُكْتَرَى عَلَيْهِ لَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ الْكِرَاءِ عَلَى الْعَقْدِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنَافِعِ غَيْرِ الْعَاقِلِ، وَإِطْلَاقَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْعَقْدِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنَافِعِ الْعَاقِلِ اصْطِلَاحٌ غَالِبٌ (قَوْلُهُ: وَمِثْلِهِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ عَيْنُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَوَازُ فِعْلِهِ ضَرُورِيٌّ وَالنَّصُّ عَلَيْهِ قَلِيلُ الْجَدْوَى (قَوْلُهُ: قَدْرًا وَضَرَرًا) رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمِثْلِ وَالدُّونِ (قَوْلُهُ: لَا أَكْثَرَ) أَيْ قَدْرًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ خَالَفَ) أَيْ بِأَنْ فَعَلَ مَا هُوَ أَكْثَرُ قَدْرًا، وَلَوْ أَقَلَّ ضَرَرًا أَوْ مَا هُوَ دُونٌ فِي الْقَدْرِ وَالْحَالُ أَنَّهُ أَكْثَرُ ضَرَرًا وَقَوْلُهُ: ضَمِنَ أَيْ إذَا تَلِفَتْ الذَّاتُ الْمُسْتَأْجَرَةُ بِذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي حَمْلِ الْمَرْأَةِ وَالشَّجَرَةِ فَبِالْفَتْحِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِمْلًا) أَيْ مَحْمُولًا (قَوْلُهُ: بِرُؤْيَتِهِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ مُقَابَلَتِهَا بِالْكَيْلِ، وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ وَذَكَرَ شَيْخُنَا الْعَلَامَةُ الْعَدَوِيُّ تَبَعًا لِمَا كَتَبَهُ شَيْخُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهَا عِلْمِيَّةٌ بِأَنْ يَجُسَّهُ بِيَدِهِ فَيَعْلَمَ ثِقَلَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الرُّؤْيَةُ بِالْبَصَرِ، وَمُحَصَّلُهُ حَمْلُهُ عَلَى عِلْمٍ خَاصٍّ غَيْرِ الْمَعْطُوفِ بَعْدَهُ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: أَوْ كَيْلِهِ) أَيْ كَ أَسْتَأْجِرُ دَابَّتَك لِحَمْلِ إرْدَبِّ فُولٍ أَوْ قِنْطَارٍ مِنْ الزَّيْتِ أَوْ مِائَةٍ مِنْ اللَّيْمُونِ (قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ) أَيْ وَالْمَعْنَى إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ الْكَيْلُ فِي الثِّقَلِ وَالْوَزْنُ فِي الضَّرَرِ، وَلَمْ يَتَفَاوَتْ الْعَدَدُ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ النَّوْعِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَنْتَفِيَ التَّفَاوُتُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبِطِّيخَ الْكَبِيرَ نَوْعٌ وَالصَّغِيرَ نَوْعٌ فَبِبَيَانِ ذَلِكَ يَنْتَفِي التَّفَاوُتُ فِي الْمَعْدُودِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ رُجُوعُ الْقَيْدِ إلَخْ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِ الْمَحْمُولِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْقَلُ تَفَاوُتٌ إلَّا فِي الْعَدَدِ، وَهَذَا هُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ كَالْبِسَاطِيِّ وبن وَغَيْرِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيَانَ النَّوْعِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا بَيَانُ قَدْرِ الْمَحْمُولِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَنْوِيعِ الْمُصَنِّفِ وَقَالَ الْأَنْدَلُسِيُّونَ لَا يُشْتَرَطُ وَيُصْرَفُ الْقَدْرُ لِلِاجْتِهَادِ فَإِذَا قَالَ أَكَتْرِي دَابَّتَك لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا إرْدَبًّا قَمْحًا أَوْ قِنْطَارًا زَيْتًا أَوْ مِائَةَ بَيْضَةٍ جَازَ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ أَصْلًا أَوْ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ فَهُوَ يَسِيرٌ، وَلَوْ قَالَ أَحْمِلُ عَلَيْهَا إرْدَبًّا أَوْ قِنْطَارًا أَوْ مِائَةَ بِطِّيخَةٍ مُنِعَ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ ذِكْرِ النَّوْعِ الْمُوجِبِ لِوُجُودِ التَّفَاوُتِ الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْإِرْدَبَّ مِنْ الْفُولِ أَثْقَلُ مِنْ الْإِرْدَبِّ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْقِنْطَارَ مِنْ الْحَدِيدِ أَثْقَلُ مِنْ الْقِنْطَارِ مِنْ الْقُطْنِ وَالْمِائَةَ بِطِّيخَةٍ الْكَبِيرَةَ أَثْقَلُ مِنْ الصَّغِيرَةِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَحْمِلُ عَلَيْهَا قَمْحًا أَوْ قُطْنًا أَوْ بِطِّيخًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَدْرَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ، وَأَجَازَهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ وَصُرِفَ الْقَدْرُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى الدَّابَّةِ لِلِاجْتِهَادِ.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ إقَالَةٌ) أَيْ جَازَ لِمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِحَمْلٍ أَوْ لِحَجٍّ إقَالَةٌ، وَقَوْلُهُ: بِشَرْطٍ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ قَبْلَ النَّقْدِ وَبَعْدَهُ.
وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْإِقَالَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ بِأَنْ يَتْرُكَ

بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الزِّيَادَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الرُّكُوبَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمُكْتَرِي بِالزِّيَادَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْكِرَاءِ أَوْ لَا، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ عَلَى رَأْسِ مَالِ الْكِرَاءِ فَجَائِزَةٌ مُطْلَقًا بِلَا تَفْصِيلٍ (إنْ لَمْ يَغِبْ) الْمُكْرِي (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى النَّقْدِ أَيْ الْمَنْقُودِ مِنْ الْكِرَاءِ أَصْلًا أَوْ غَابَ غَيْبَةً لَا يُمْكِنُ انْتِفَاعُهُ بِهِ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُكْتَرِي لَكِنْ شَرَطَ تَعْجِيلَ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَحْصُلْ غَيْبَةٌ عَلَى النَّقْدِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ فَلَمْ يَحْصُلْ سَلَفٌ مِنْ الْمُكْرِي (وَإِلَّا) بِأَنْ غَابَ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا (فَلَا) تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِالزِّيَادَةِ (إلَّا مِنْ الْمُكْتَرِي فَقَطْ) لَا الْمُكْرِي لِتُهْمَةِ تَسَلُّفِهِ بِزِيَادَةٍ وَجَعْلِ الدَّابَّةِ مُحَلَّلَةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْغَيْبَةُ الْمَذْكُورَةُ سَلَفًا؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ تُعَدُّ سَلَفًا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ مِنْ الْمُكْتَرِي (إنْ اقْتَصَّا) أَيْ دَخَلَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ كَمَا لَوْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَشَرَةٍ وَنَقَدَ الْكِرَاءَ وَغَابَ الْمُكْرِي عَلَيْهِ ثُمَّ تَقَايَلَا عَلَى دَرَاهِمَ يَدْفَعُهُ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي فَإِنْ دَخَلَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ أَيْ عَلَى إسْقَاطِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْعَشَرَةِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِتِسْعَةٍ جَازَ، وَإِلَّا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْمِيرِ الذِّمَّتَيْنِ (أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ) عَطْفٌ عَلَى مِنْ الْمُكْتَرِي لَا عَلَى إنْ اقْتَصَّا أَيْ، وَإِلَّا بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ فَتَجُوزُ بِزِيَادَةٍ لِانْتِفَاءِ تُهْمَةِ السَّلَفِ حِينَئِذٍ وَيُشْتَرَطُ فِي زِيَادَةِ الْمُكْتَرِي فَقَطْ الْمُقَاصَّةُ، وَفِي زِيَادَةِ الْمُكْرِي تَعْجِيلُهَا مَعَ أَصْلِ الْكِرَاءِ فِي الْمَضْمُونَةِ لِلْعِلَّةِ السَّابِقَةِ.

(وَ) جَازَ (اشْتِرَاطُ حَمْلِ هَدِيَّةِ مَكَّةَ) أَيْ مَا يُهْدَى لَهَا مِنْ نَحْوِ كِسْوَةِ كَعْبَةٍ وَطِيبِهَا عَلَى الْجَمَّالِ أَوْ مَا يُهْدَى مِنْهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ

[حاشية الدسوقي]

الْمُكْرِي لِلْمُكْتَرِي الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِقَالَةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ مُطْلَقًا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، كَانَتْ قَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، غَابَ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ أَمْ لَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِي تَعْجِيلُ رَدِّ الْأُجْرَةِ لِلْمُكْتَرِي إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ النَّقْدِ وَكَانَتْ الدَّابَّةُ مَضْمُونَةً، وَإِلَّا مُنِعَتْ لِفَسْخِ الْمُكْتَرِي مَا فِي ذِمَّةِ الْمُكْرِي مِنْ كِرَاءِ مَنَافِعِ الْمَضْمُونَةِ فِي مُؤَخَّرٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِزِيَادَةٍ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَى النَّقْدِ غَيْبَةً يُمْكِنُ فِيهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ بِأَنْ لَمْ يَغِبْ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ أَصْلًا أَوْ غَابَ غَيْبَةً لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا جَازَتْ مُطْلَقًا، كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ مِنْ الْمُكْتَرِي، كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا بِشَرْطِ أَنْ تُعَجَّلَ الزِّيَادَةُ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي وَكَانَتْ الذَّاتُ الْمُكْتَرَاةُ مَضْمُونَةً لَا مُعَيَّنَةً، وَإِنْ كَانَتْ الْإِقَالَةُ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ فِيهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ فَتُمْنَعُ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمُكْرِي لِتُهْمَةِ سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْتَرِي جَازَتْ إنْ دَخَلَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ، وَإِلَّا مُنِعَتْ لِتَعْمِيرِ الذِّمَّتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَعَتْ قَبْلَ سَيْرٍ كَثِيرٍ بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ سَيْرٌ أَصْلًا أَوْ حَصَلَ سَيْرٌ يَسِيرٌ، أَمَّا إنْ وَقَعَتْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ جَازَتْ مُطْلَقًا بِرَأْسِ الْمَالِ وَبِزِيَادَةٍ مِنْ الْمُكْرِي وَمِنْ الْمُكْتَرِي حَصَلَتْ غَيْبَةٌ عَلَى النَّقْدِ أَمْ لَا، لَكِنْ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْتَرِي فَيُشْتَرَطُ الدُّخُولُ عَلَى الْمُقَاصَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي فَيُشْتَرَطُ تَعْجِيلُهَا مَعَ أَصْلِ الْكِرَاءِ فِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ.
(قَوْلُهُ: بِشَرْطِ تَعْجِيلِ الزِّيَادَةِ) أَيْ إذَا كَانَتْ مِنْ الْمُكْرِي وَكَانَتْ الدَّابَّةُ مَضْمُونَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعْجِيلُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ الَّتِي ذَكَرَهَا إنَّمَا تَظْهَرُ فِي الْمَضْمُونَةِ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمُعَيَّنَةِ لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَى تَأْخِيرِ الزِّيَادَةِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ) أَيْ، وَهُوَ عَيْنُ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ (قَوْلُهُ: بِالزِّيَادَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ) أَيْ فِي ذِمَّةِ الْمُكْرِي (قَوْلُهُ: عَلَى رَأْسِ مَالِ الْكِرَاءِ) بِأَنْ يَتْرُكَ الْمُكْرِي لِلْمُكْتَرِي رَأْسَ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِقَالَةِ (قَوْلُهُ: فَجَائِزَةٌ مُطْلَقًا بِلَا تَفْصِيلٍ) أَيْ سَوَاءٌ وَقَعَتْ الْإِقَالَةُ قَبْلَ النَّقْدِ أَوْ بَعْدَهُ غَابَ الْمُكْرِي عَلَى النَّقْدِ أَمْ لَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ النَّقْدِ وَجَبَ التَّعْجِيلُ لِرَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَضْمُونَةً، وَإِنَّمَا جَازَتْ مُطْلَقًا إذَا وَقَعَتْ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمَنْعِ، وَهِيَ التُّهْمَةُ عَلَى السَّلَفِ بِزِيَادَةٍ، وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّهَا عَلَى رَأْسِ الْمَالِ جَائِزَةٌ مُطْلَقًا وَالْمُصَنِّفُ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَغِبْ تَعْلَمُ أَنَّ مُرَادَهُ الْإِقَالَةُ بِزِيَادَةٍ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ إذَا كَانَتْ الْإِقَالَةُ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ عَلَى الْمَنَافِعِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمُكْتَرِي (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ) شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَحْصُلْ غَيْبَةٌ إلَخْ) هَذَا عِلَّةٌ لِجَوَازِ الْإِقَالَةِ بَعْدَ النَّقْدِ بِزِيَادَةٍ مِنْ الْمُكْرِي إنْ لَمْ يَغِبْ عَلَى النَّقْدِ (قَوْلُهُ: عَلَى النَّقْدِ) أَيْ عَلَى الْمَنْقُودِ الَّذِي هُوَ الْكِرَاءُ (قَوْلُهُ: تَسَلُّفِهِ) أَيْ الْمُكْرِي بِزِيَادَةٍ أَيْ مِنْهُ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ دَفَعَ عَشَرَةً أَخَذَ عَنْهَا تِسْعَةً فَقَدْ أَخَذَ أَقَلَّ مِمَّا دَفَعَ (قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى مِنْ الْمُكْتَرِي) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ الْمُكْرِي فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ إلَخْ الْمُفِيدُ لِتَعْمِيمِ الزِّيَادَةِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِلْفِقْهِ مِنْ خَارِجٍ (قَوْلُهُ: فَتَجُوزُ بِزِيَادَةٍ) أَيْ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ مِنْ الْمُكْتَرِي.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ اشْتِرَاطُ حَمْلِ هَدِيَّةِ مَكَّةَ) أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْجَمَّالِ حَمْلُ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا مِنْ مَكَّةَ مَعَهُ لِأَهْلِ بَيْتِهِ مَثَلًا أَوْ الَّتِي يَأْخُذُهَا مَعَهُ لِمَكَّةَ مِنْ كِسْوَةٍ وَطِيبٍ لِلْكَعْبَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا جَوَازُ كِسْوَةِ

أَنَّهُ يَجُوزُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ اشْتِرَاطُ هَدِيَّةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُجْرَةِ (إنْ عُرِفَ) قَدْرُ مَا يُهْدِي، وَإِلَّا مُنِعَ لِلْجَهْلِ.

(وَ) جَازَ لِلْمُكْتَرِي اشْتِرَاطُ (عَقَبَةِ الْأَجِيرِ) عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ وَالْأَجِيرُ الْجَمَّالُ الْمُسَمَّى بِالْعَكَّامِ أَيْ يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مُكْرِيهِ رُكُوبَ الْعَكَّامِ عَقِبَهُ، وَهِيَ رَأْسُ سِتَّةِ أَمْيَالٍ أَيْ الْمِيلِ السَّادِسِ (لَا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ) مِنْ الْجَمَّالَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ لِثِقَلِ الْمَرِيضِ فَهُوَ كَالْمَجْهُولِ (وَ) لَا (اشْتِرَاطِ إنْ مَاتَتْ) دَابَّةٌ (مُعَيَّنَةٌ أَتَاهُ بِغَيْرِهَا) إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ إنْ نَقَدَ الْكِرَاءَ، وَلَوْ تَطَوُّعًا لِمَا فِيهِ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ فَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ (كَدَوَابَّ) مُتَعَدِّدَةٍ (لِرِجَالٍ) لِكُلٍّ دَابَّةٌ أَوْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ لِوَاحِدٍ وَاحِدَةٌ وَلِغَيْرِهِ أَكْثَرُ وَاكْتُرِيَتْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَالْحِمْلُ مُخْتَلِفٌ، وَلَمْ يُبَيَّنْ لِكُلِّ دَابَّةٍ مَا تَحْمِلُهُ مُنِعَ، وَإِلَّا جَازَ (أَوْ) دَوَابَّ أُكْرِيَتْ (لِأَمْكِنَةٍ) مُخْتَلِفَةٍ لِوَاحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ فَيُمْنَعُ إلَّا أَنْ يُعَيَّنَ لِكُلِّ دَابَّةٍ مَكَانٌ (أَوْ) وَقَعَ الْكِرَاءُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَ (لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ نَقْدَ) أَيْ تَعْجِيلُ كِرَاءٍ (مُعَيَّنٍ، وَإِنْ نَقَدَ) أَيْ عَجَّلَ بِالْفِعْلِ فَلَوْ أَكْرَى شَيْئًا بِعَرَضٍ بِعَيْنِهِ أَوْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِعَيْنِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعْجِيلِهِ حَيْثُ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِهِ بِأَنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ مَضْبُوطٌ فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّعْجِيلَ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ عَجَّلَ بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَ الْمُعَيَّنِ جَازَ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْإِجَارَةِ

[حاشية الدسوقي]

الْكَعْبَةِ وَتَطْيِيبِهَا إلَّا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِلنَّهْيِ عَنْ كِسْوَةِ الْجِدَارِ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: اشْتِرَاطُ هَدِيَّةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ الْجَمَّالُ لِلْمُكْتَرِي حِينَ الْعَقْدِ أَشْتَرِطُ عَلَيْك حَلَاوَةَ السَّلَامَةِ عِنْدَ الْوُصُولِ لِمَكَّةَ مَثَلًا.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ لِلْمُكْتَرِي اشْتِرَاطُ عَقَبَةِ الْأَجِيرِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْمُكْتَرِي عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ عَقَبَةَ الْأَجِيرِ قِيلَ إنَّهُ مَنْدُوبٌ وَقِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ.
وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ رُكُوبَ خَادِمِ الْمُكْتَرِي الْعَقَبَةَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ قِيلَ إنَّهُ مَكْرُوهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِثْلُ الْمُسْتَأْجِرِ وَتَرْكِيبُ الْمُكْتَرِي لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ اكْتَرَى لِرُكُوبِهِ مَكْرُوهٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِثْلَهُ وَقِيلَ إنَّهُ حَرَامٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَضَرُّ لِكَثْرَةِ تَعَبِهِ فَاشْتِرَاطُ الْعَقَبَةِ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ يُخْرِجُ الْمُكْتَرِيَ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمِنْ الْحُرْمَةِ عَلَى الثَّانِي، فَلِذَا قِيلَ إنَّ اشْتِرَاطَهَا مَنْدُوبٌ وَقِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَالثَّانِي قَوْلُ أَصْبَغَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ (قَوْلُهُ: الْجَمَّالُ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأَجِيرِ أَجِيرُ الْمُكْتَرِي الَّذِي يَخْدُمُهُ (قَوْلُهُ: عَلَى مُكْرِيهِ) أَيْ، وَهُوَ رَبُّ الدَّابَّةِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْمِيلُ السَّادِسُ) أَيْ بِحَيْثُ يَنْزِلُ الْمُكْتَرِي مِنْ عَلَى الدَّابَّةِ وَيَرْكَبُ الْعَكَّامُ عِوَضَهُ الْمِيلَ السَّادِسَ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَيَانٌ لِأَصْلِ مَعْنَى الْعَقَبَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًّا فِي السِّتَّةِ أَمْيَالٍ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: لَا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ) صَوَّرَهُ بَعْضٌ بِمَا إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبِهِ وَشَرَطَ حَمْلَ مَنْ مَرِضَ مِنْ الْجَمَّالَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ خَدَمِهِ عِوَضًا عَنْهُ فَيُمْنَعُ لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِرِجَالٍ اكْتَرَوْا دَابَّةً عَلَى حَمْلِ أَزْوَادِهِمْ وَعَلَى حَمْلِ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمْ فَيُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ (قَوْلُهُ: وَلَا اشْتِرَاطِ إنْ مَاتَتْ) أَيْ لَا يَجُوزُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ اشْتِرَاطٌ (قَوْلُهُ: إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ) أَيْ إلَى انْتِهَاءِ مُدَّةِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ) أَيْ، وَهُوَ الْأُجْرَةُ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ مَنَافِعُ الدَّابَّةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا (قَوْلُهُ: كَدَوَابَّ) أَيْ لَا يَجُوزُ كِرَاءُ دَوَابَّ وَقَوْلُهُ: لِرِجَالٍ أَيْ كَائِنَةٍ لِرِجَالٍ (قَوْلُهُ: أَوْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ بِأَجْزَاءٍ مُسْتَوِيَةٍ وَكَانَ الْحَمْلُ مُخْتَلِفًا وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَتَى كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ وَكَانَ الْحِمْلُ مُخْتَلِفًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا تَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ فَالْمَنْعُ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّوَابُّ لِرِجَالٍ وَكَانَتْ غَيْرَ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ مُتَسَاوِيَةٍ (قَوْلُهُ: وَاكْتُرِيَتْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ) أَيْ وَبِأُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ لِكُلِّ دَابَّةٍ أُجْرَةً (قَوْلُهُ: وَالْحِمْلُ مُخْتَلِفٌ) أَيْ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ رَكَائِبُ بَعْضُهَا فِيهِ إرْدَبٌّ وَبَعْضُهَا فِيهِ إرْدَبٌّ وَثُلُثٌ وَبَعْضُهَا فِيهِ إرْدَبٌّ وَنِصْفٌ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ) أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْحِمْلُ مُتَّحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا وَبَيَّنَ لِكُلِّ دَابَّةٍ مَا تَحْمِلُهُ جَازَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِأَمْكِنَةٍ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَكْتَرِيَ دَوَابَّ مَمْلُوكَةً لِرَجُلٍ أَوْ لِرِجَالٍ لِأَمْكِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كَبَرْقَةَ، وَإِفْرِيقِيَّةَ وَطَنْجَةَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَكَانًا مُعَيَّنًا لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ الْمُتَكَارِيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ قَدْ يَرْغَبُ فِي رُكُوبِ الْقَوِيَّةِ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ وَرَبُّهَا يُرِيدُ رُكُوبَهُ الضَّعِيفَةَ لِلْمَكَانِ الْبَعِيدِ لِئَلَّا تَضْعُفَ الْقَوِيَّةُ فَتَدْخُلُهُ الْمُخَاطَرَةَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِأَمْكِنَةٍ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ كَكِرَاءِ دَوَابَّ كَائِنَةٍ لِرِجَالٍ لِلْحَمْلِ أَوْ لِأَمْكِنَةٍ، وَلَيْسَ عَطْفًا عَلَى لِرِجَالٍ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الرِّجَالَ مُكْتَرَوْنَ مَعَ أَنَّهُمْ مُكْرُونَ (قَوْلُهُ: لِوَاحِدٍ) أَيْ مَمْلُوكَةٍ لِوَاحِدٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ مُتَعَدِّدٍ أَيْ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَأُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ) هُوَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى دَوَابَّ فَيَكُونُ كِرَاءُ الْمُقَدَّرِ قَبْلَ دَوَابَّ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ أَيْ كَكِرَاءِ دَوَابَّ لِلْحَمْلِ أَوْ كِرَاءٍ لَمْ يَكُنْ لِلْعُرْفِ فِيهِ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ إذَا كَانَ بِمُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ فِي الْبَلَدِ تَعْجِيلَ الْأَجْرِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ عَجَّلَ بِالْفِعْلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ حِينَ الْعَقْدِ تَعَجُّلَ ذَلِكَ الْأَجْرِ الْمُعَيَّنِ، وَإِلَّا جَازَ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ مَضْبُوطٌ) أَيْ بِأَنْ كَانُوا يَتَكَارُونَ بِالْوَجْهَيْنِ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ لِلْمُعَيَّنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّعْجِيلَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ التَّعْجِيلِ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ الْكِرَاءُ، وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى

وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ قِيلَ كَرَّرَهُ لِأَجَلِ قَوْلِهِ، وَإِنْ نَقَدَ وَكَلَامُهُ فِي مُعَيَّنٍ غَيْرِ نَقْدٍ غَائِبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (أَوْ) كَانَ الْكِرَاءُ (بِدَنَانِيرَ) أَوْ دَرَاهِمَ (عُيِّنَتْ) ، وَهِيَ غَائِبَةٌ فَلَوْ قَالَ أَوْ بِعَيْنٍ غَائِبَةٍ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَأَشْمَلَ وَتَعْيِينُهَا إمَّا بِوَصْفٍ أَوْ بِكَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عِنْدَ قَاضٍ وَنَحْوِهِ أَوْ مَوْضُوعَةً فِي مَكَان مُسْتَبْعَدٍ، وَهُمَا مَعًا يَعْرِفَانِهَا فَيُمْنَعُ (إلَّا) أَنْ يَقَعَ الْكِرَاءُ (بِشَرْطِ الْخَلَفِ) لِمَا تَلِفَ مِنْهَا أَوْ ضَاعَ أَوْ ظَهَرَ زَائِفًا فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ يَقُومُ مَقَامَ التَّعْجِيلِ، وَأَيْضًا شَرْطُ الْخَلَفِ يُصَيِّرُهَا كَالْمَضْمُونَةِ أَمَّا الْحَاضِرَةُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا اشْتِرَاطُ الْخَلَفِ بَلْ إنْ كَانَ الْعُرْفُ نَقْدَهَا جَازَ، وَإِلَّا مُنِعَ إلَّا بِشَرْطِ النَّقْدِ نُقِدَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا (أَوْ) اكْتَرَاهَا (لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ) فَيُمْنَعُ وَكَذَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قَوْمٍ عُرِفَ حِمْلُهُمْ (أَوْ لِمَكَانٍ شَاءَ) مِنْ الْأَمْكِنَةِ لِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ وَالْأَمْكِنَةِ (أَوْ لِيُشَيِّعَ رَجُلًا) حَتَّى يَذْكُرَ مُنْتَهَى التَّشْيِيعِ أَوْ يَكُونَ عُرْفٌ بِمُنْتَهَاهُ (أَوْ بِمِثْلِ كِرَاءِ النَّاسِ) الَّذِي يَظْهَرُ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ بَيْنَهُمْ فَيَجُوزُ (أَوْ) قَالَ الْمُكْتَرِي (إنْ وَصَلْتُ) بِالدَّابَّةِ (فِي) زَمَنِ (كَذَا فَبِكَذَا) ، وَإِلَّا فَبِكَذَا أَوْ مَجَّانًا

[حاشية الدسوقي]

اشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ بَلْ عَلَى التَّعْجِيلِ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ تَعْجِيلَهُ، وَإِلَّا فَلَا فَسَادَ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ (قَوْلُهُ: أَوْ بِدَنَانِيرَ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْكِرَاءُ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةً غَائِبَةً حِينَ الْعَقْدِ بِأَنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى يَدِ قَاضٍ، وَهُمَا يَعْرِفَانِهَا مَعًا حَيْثُ كَانَ عُرْفُ الْبَلَدِ عَدَمَ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ، إلَّا إذَا اشْتَرَطَ الْمُكْتَرِي أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَخْلَفَ مَا تَلِفَ فَشَرْطُ الْخَلَفِ فِي الْعَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ شَرْطِ التَّعْجِيلِ فِي الْمُعَيَّنِ غَيْرِ الْعَيْنِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبِدَنَانِيرَ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَنْعِ الْكِرَاءِ بِالْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ إذَا كَانَتْ غَائِبَةً إلَّا إذَا شَرَطَ الْخَلَفَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ غَيْرُهُ بِالْجَوَازِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلَفَ وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ تَتَعَيَّنُ بِتَعَيُّنِهَا أَمْ لَا، وَالْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّانِي لِغَيْرِهِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) أَيْ كَمُودِعٍ (قَوْلُهُ: وَهُمَا مَعًا يَعْرِفَانِهَا) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَقَعَ الْكِرَاءُ) أَيْ بِالدَّنَانِيرِ الْمُعَيَّنَةِ الْغَائِبَةِ وَقَوْلُهُ: لِمَا تَلِفَ مِنْهَا أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْمُكْرِي لَهَا (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ) أَيْ الْكِرَاءُ بِهَا (قَوْلُهُ: يَقُومُ مَقَامَ التَّعْجِيلِ) أَيْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِذَاتِهَا غَائِبًا فَلِذَا اُغْتُفِرَ فِيهَا التَّأْخِيرُ مَعَ شَرْطِ الْخَلَفِ بِخِلَافِ غَيْرِ النَّقْدِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ تَتَعَلَّقُ بِهَا فَلِذَا اشْتَرَطَ تَعْجِيلَهَا، وَلَا يَكْفِي فِيهَا شَرْطُ الْخَلَفِ (قَوْلُهُ: أَمَّا الْحَاضِرَةُ) أَيْ أَمَّا الْكِرَاءُ بِالْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ الْحَاضِرَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا اشْتِرَاطُ الْخَلَفِ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَتَأَتَّى إلَّا أَنَّهُ لَا يَكْفِي، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَلَا يَكْفِي فِيهَا اشْتِرَاطُ الْخَلَفِ (قَوْلُهُ: بَلْ إنْ كَانَ الْعُرْفُ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْعَيْنُ الْحَاضِرَةُ مِثْلُ الْمُعَيَّنِ غَيْرِ الْعَيْنِ كَالْعَرَضِ (قَوْلُهُ: جَازَ) أَيْ الْعَقْدُ إنْ نُقِدَتْ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ، وَإِلَّا يَكُنْ الْعُرْفُ نَقْدَهَا بَلْ تَأْخِيرَهَا أَوْ كَانَ الْعُرْفُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ وَقَوْلُهُ: مُنِعَ أَيْ الْكِرَاءُ بِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ اكْتَرَاهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا بَلْ قَالَ أَحْمِلُ عَلَيْهَا مَا شِئْتُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كِرَاءَ جَمَّالٍ فَارِغٍ مَلْآنَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ حُجَّاجِ مِصْرَ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أَوْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ نَوْعَ الْمَحْمُولِ دُونَ قَدْرِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي وَيُحَمِّلُهَا مَا تُطِيقُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَقَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ وَحِمْلٌ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْمَحْمُولِ زِيَادَةً عَلَى بَيَانِ نَوْعِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَرَوِيِّينَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا) أَيْ، وَلَمْ يَقُلْ مَا شَاءَ (قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ قَوْمٍ إلَخْ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُكْتَرِي مِنْ قَوْمٍ عُرِفَ حِمْلُهُمْ بِكَوْنِهِ مِنْ الْحَطَبِ أَوْ الْمِلْحِ أَوْ الْقَمْحِ أَوْ يُحَمِّلُهَا مَا تُطِيقُ (قَوْلُهُ: أَوْ لِمَكَانٍ شَاءَ) أَيْ كَ أَكَتْرِي مِنْك دَابَّةً إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُرِيدُ الذَّهَابَ إلَيْهِ بِكَذَا وَقَوْلُهُ: أَوْ لِيُشَيِّعَ رَجُلًا أَيْ كَ أَكَتْرِي دَابَّتَك لِأُشَيِّعَ عَلَيْهَا فُلَانًا أَوْ لِأَجْلِ مُلَاقَاتِهِ مِنْ سَفَرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِمِثْلِ كِرَاءِ النَّاسِ) أَيْ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ بِأَنْ يَقُولَ أَكَتْرِي دَابَّتَك لِلْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ بِمِثْلِ مَا يَكْتَرِي بِهِ النَّاسُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ بِقِيمَتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَعْلُومُ) أَيْ كَمَا لَوْ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّ الْكِرَاءَ لِلْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ بِكَذَا وَقَالَ أَكْتَرِيهَا مِنْك بِمِثْلِ مَا يَكْتَرِي بِهِ النَّاسُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ (قَوْلُهُ: أَوْ إنْ وَصَلْت فِي كَذَا فَبِكَذَا) أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَمَنْ اكْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهُ إنْ وَصَلَ مَكَّةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ وَصَلَهَا فِي أَكْثَرَ فَلَهُ دُونَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَدْرِي مَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ.
اهـ. وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ قَبْلَ الرُّكُوبِ فَإِنْ رَكِبَ لِلْمَكَانِ الَّذِي سَمَّاهُ فَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِي سُرْعَةِ السَّيْرِ وَبُطْئِهِ، وَلَا يُنْظَرُ لِمَا سَمَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِكَذَا أَوْ مَجَّانًا) اعْلَمْ أَنَّ الْمَنْعَ فِي الثَّانِي مُطْلَقٌ، وَأَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ، وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا وَكَانَ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَدَّدُ فِيهِ النَّظَرُ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ الْأَسْهَلُ أَكْثَرَ أُجْرَةً، وَكَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ لِرَبِّ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ يَخْتَارُهُ، وَلَا مَحَالَةَ وَالْآخَرُ دَاخِلٌ عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْأَسْهَلُ لِلْمُكْتَرِي

(أَوْ يَنْتَقِلُ) الْمُكْتَرِي بِالدَّابَّةِ (لِبَلَدٍ) أُخْرَى (وَإِنْ سَاوَتْ) الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا مَسَافَةً وَسُهُولَةً أَوْ صُعُوبَةً لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ؛ وَلِأَنَّ أَحْوَالَ الطُّرُقِ تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَغْرَاضُ كَخَوْفِ الْأَعْدَاءِ وَالْغُصَّابِ فِي طَرِيقٍ دُونَ أُخْرَى وَقَدْ يَكُونُ الْعَدُوُّ لِخُصُوصِ رَبِّ الدَّابَّةِ وَضَمِنَ إنْ خَالَفَ، وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ وَلِذَا قِيلَ إنَّ انْتِقَالَهُ إلَى مَسَافَةٍ أُخْرَى أَقَلُّ مِنْ الْأُولَى كَذَلِكَ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ هَذَا إنْ زَادَتْ بَلْ، وَإِنْ سَاوَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ جَوَازُ الْمَسَافَةِ الْمُسَاوِيَةِ كَالْحِمْلِ الْمُسَاوِي دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ سَاوَتْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحِمْلِ الْمُسَاوِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَسَافَةَ تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَغْرَاضُ، فَرُبَّ مَسَافَةٍ تُظَنُّ سَالِمَةً، وَفِي الْوَاقِعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ نَعَمْ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدُّونَ جَائِزَةٌ وَقَدْ قِيلَ بِهِ بَلْ وَرُجِّحَ، وَفِيهِ نَظَرٌ (إلَّا بِإِذْنٍ) مِنْ رَبِّهَا فَيَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى أُخْرَى (كَإِرْدَافِهِ) أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْدِفَ رَبُّ الدَّابَّةِ شَخْصًا (خَلْفَك) يَا مُكْتَرِي (أَوْ حَمْلٍ) عَلَيْهَا (مَعَك) مَتَاعًا؛ لِأَنَّك بِاكْتِرَائِهَا مِنْهُ مَلَكْت مَنْفَعَةَ ظَهْرِهَا فَلَا كَلَامَ لِرَبِّهَا (وَالْكِرَاءُ لَك) حَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ (إنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً) قَيْدٌ فِي الْمَنْعِ، وَفِي كَوْنِ الْكِرَاءِ لَك أَيْ فَإِنْ اكْتَرَيْتهَا لِتَحْمِلَ عَلَيْهَا زِنَةً كَقِنْطَارِ كَذَا جَازَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ مَعَ حَمْلِك وَالْكِرَاءُ لَهُ وَقَوْلُهُ: (كَالسَّفِينَةِ) تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ إلَى هُنَا لَا فِي خُصُوصِ مَا قَبْلَهُ.

(وَضَمِنَ) الْمُكْتَرِي (إنْ أَكْرَى) الدَّابَّةَ مَثَلًا (لِغَيْرِ أَمِينٍ) أَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً أَوْ لِأَثْقَلَ مِنْهُ أَوْ أَضَرَّ وَلِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي حَيْثُ عَلِمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ، وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَتَعَمَّدَ الْجِنَايَةَ وَكَذَا إنْ كَانَتْ خَطَأً مِنْهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ

[حاشية الدسوقي]

أَقَلَّ أُجْرَةً وَكَانَ الْعَقْدُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ لَهُ فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يَخْتَارُهُ، وَلَا مَحَالَةَ حِينَئِذٍ فَالْعَقْدُ جَائِزٌ كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ الْعَقْدُ بِخِيَارٍ لَهُمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَنْتَقِلُ لِبَلَدٍ) يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِبَلَدٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّابَّةُ مَضْمُونَةً أَوْ مُعَيَّنَةً نَقَدَ أُجْرَتَهَا أَمْ لَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ تِلْكَ الْبَلَدِ وَيَسِيرَ لِغَيْرِهَا إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا فَيَجُوزُ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أَوْ يَنْتَقِلَ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى شَرْطِ الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ لَا حَمْلِ مَنْ مَرِضَ مِنْ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ الْخَالِصِ مِنْ التَّأْوِيلِ بِالْفِعْلِ لَا عَلَى حَمْلِ، وَإِلَّا كَانَ شَرْطُ الْمُقَدَّرِ مُسَلَّطًا عَلَيْهِ فَيَنْحَلُّ الْمَعْنَى لَا شَرْطُ حَمْلِ مَنْ مَرِضَ، وَلَا شَرْطُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَخْ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الِانْتِقَالِ لَا يُوجِبُ مَنْعًا، وَلَا فَسَادًا؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ بِالْإِذْنِ إلَى الْمُسَاوِي جَائِزٌ وَحِينَئِذٍ فَشَرْطُ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ لَا يُفْسِدُهُ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ) أَيْ، وَهِيَ الْأُجْرَةُ وَقَوْلُهُ: فِي مُؤَخَّرٍ أَيْ، وَهُوَ السَّيْرُ لِلْبَلَدِ الْأُخْرَى، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِهَذَا التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ انْتَقَلَ بِلَا إذْنٍ فَهُوَ مَحْضُ تَعَدٍّ، وَالْفَسْخُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْهُمَا فَالْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا التَّعْلِيلِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ أَحْوَالَ الطُّرُقِ تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَغْرَاضُ) أَيْ فَقَدْ يَكُونُ رَبُّهَا لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ ذَهَابِهِ بِهَا لِغَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكْرَاهَا لَهُ لِخَوْفِهِ عَلَيْهَا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَاصِبٍ (قَوْلُهُ: وَضَمِنَ إنْ خَالَفَ) أَيْ وَتَلِفَتْ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ أَيْ هَذَا إنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بَلْ، وَلَوْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ وَيُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا تَلِفَتْ الدَّابَّةُ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ التَّرْجِيحِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا خَالَفَ صَارَ بِمُخَالَفَتِهِ كَالْغَاصِبِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ جَارٍ فِي الْمُخَالَفَةِ لِلدُّونِ كَمَا هُوَ جَارٍ فِي الْمَسَافَةِ الزَّائِدَةِ وَالْمُسَاوِيَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ الْعُدُولُ عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لِغَيْرِهَا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّ الدَّابَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى أُخْرَى) أَيْ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُخْرَى أَزْيَدَ فِي الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ عَقْدٍ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يُمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ، وَهُوَ الْأُجْرَةُ فِي دَيْنٍ، وَهُوَ السَّيْرُ لِلْبَلَدِ الْأُخْرَى، وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْإِذْنُ مِنْ رَبِّهَا لَمْ يَقَعْ بَعْدَ إقَالَةٍ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ بَعْدَ إقَالَةٍ وَبَعْدَ رَدِّ النَّقْدِ إنْ كَانَ نَقَدَهُ جَازَ الْعُدُولُ لِلْأُخْرَى بِإِذْنِ رَبِّ الدَّابَّةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْدِفَ رَبُّ الدَّابَّةِ شَخْصًا خَلَفَك يَا مُكْتَرِي) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ بِإِذْنِك (قَوْلُهُ: أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا مَعَك مَتَاعًا) أَيْ مَعَ حَمْلِك أَوْ تَحْتِك (قَوْلُهُ: قَيْدٌ فِي الْمَنْعِ) أَيْ مَنْعِ حَمْلِهِ مَعَك مَتَاعًا (قَوْلُهُ: جَازَ لِرَبِّهَا أَنْ يَحْمِلَ مَعَ حَمْلِك) أَيْ إذَا كَانَ زِيَادَةُ الْحِمْلِ لَا تَضُرُّ بِالْمُكْتَرَى فَإِنْ ضَرَّتْ بِهِ كَمَا إذَا كَانَ يَصِلُ فِي يَوْمِهِ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَإِذَا زَادَ لَا يَصِلُ إلَّا فِي يَوْمَيْنِ فَإِنَّ الْمُكْرِيَ يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي بْن (قَوْلُهُ: لَا فِي خُصُوصِ مَا قَبْلَهُ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَالْكِرَاءُ لَك إنْ لَمْ تَحْمِلْ زِنَةً.

(قَوْلُهُ: وَضَمِنَ الْمُكْتَرِي) أَيْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ إنْ تَلِفَتْ، وَأَرْشَ عَيْبِهَا إنْ تَعَيَّبَتْ (قَوْلُهُ: إنْ أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ هُوَ أَيْ الْمُكْتَرِي غَيْرَ أَمِينٍ إذْ قَدْ يَدَّعِي رَبُّهَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُرَاعِي حَقَّهُ وَيَحْفَظُ مَتَاعَهُ بِخِلَافِ الثَّانِي (قَوْلُهُ: أَوْ أَضَرَّ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ دُونَهُ فِي الثِّقَلِ بِأَنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ عَقْرُ الدَّوَابِّ (قَوْلُهُ: وَلِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي) أَيْ، وَإِذَا أَكْرَى الْمُكْتَرِي لِغَيْرِ أَمِينٍ كَانَ لِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي بِقِيمَتِهَا إذَا تَلِفَ وَبِأَرْشِ عَيْبِهَا إنْ تَعَيَّبَتْ أَيْ، وَلَهُ اتِّبَاعُ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: حَيْثُ عَلِمَ إلَخْ أَيْ بِأَنْ عَلِمَ الثَّانِي أَنَّهَا بِيَدِ الْأَوَّلِ بِكِرَاءٍ، وَأَنَّ رَبَّهَا مَنَعَهُ مِنْ كِرَائِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ أَيْ هَذَا إذَا تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً بَلْ، وَلَوْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ وَقَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيْ الثَّانِي بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا أَوْ مُكْتَرٍ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ كَانَتْ خَطَأً إلَخْ) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي يَدِ الْأَوَّلِ بِكِرَاءٍ فَلِرَبِّهَا تَضْمِينُهُ إنْ أَعْدَمَ الْأَوَّلُ

(أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ) عَلَى الَّتِي أَكْرَى إلَيْهَا، وَلَوْ قَلَّتْ كَالْمِيلِ كَانَتْ تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ: بِزِيَادَةِ أَيْ بِسَبَبِهَا احْتَرَزَ بِهِ عَنْ السَّمَاوِيِّ فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ كِرَاءُ الزَّائِدِ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا فِي مَوْضُوعِ الْمُصَنِّفِ فَلَهُ الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ الزَّائِدِ أَوْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا (أَوْ) عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ (حِمْلٍ تَعْطَبُ بِهِ) أَيْ بِمِثْلِهِ فَيَضْمَنُ أَيْ يُخَيَّرُ رَبُّهَا فِي أَخْذِ كِرَاءِ الزَّائِدِ مَعَ الْأَوَّلِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَإِنْ اخْتَارَ الْقِيمَةَ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ كِرَاءٍ أَصْلِيٍّ، وَلَا زَائِدٍ، هَذَا إنْ زَادَ مِنْ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ فَإِنْ زَادَ أَثْنَاءَهَا خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ كِرَاءِ مَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَبَيْنَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ حِمْلَ مَا لَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ (فَالْكِرَاءُ) أَيْ كِرَاءُ الزَّائِدِ مَعَ الْأَوَّلِ (كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ) فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْحَمْلِ، وَلَا تَخْيِيرَ لِرَبِّهَا (إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا) الْمُكْتَرِي بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ زَمَنًا (كَثِيرًا) كَمَا لَوْ اكْتَرَاهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مَثَلًا فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ شَهْرًا أَوْ حَتَّى تَغَيَّرَ سُوقُهَا الَّذِي تُرَادُ لَهُ بَيْعًا أَوْ كِرَاءً (فَلَهُ) أَيْ لِرَبِّهَا مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ (كِرَاءُ الزَّائِدِ) الَّذِي حَبَسَهَا فِيهِ (أَوْ قِيمَتُهَا) يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُ كَثِيرًا أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهَا يَسِيرًا كَالْيَوْمَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ الزَّائِدِ.

(وَلَك) أَيُّهَا الْمُكْتَرِي (فَسْخُ) إجَارَةِ دَابَّةٍ (عَضُوضٍ) أَيْ تَعَضُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْعَضِّ (أَوْ جَمُوحٍ) أَيْ

[حاشية الدسوقي]

فَقَطْ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ أَعْدَمَ الْأَوَّلُ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَعَ زِيَادَةِ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الثَّانِي فَإِمَّا بِفِعْلِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِسَمَاوِيٍّ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ الثَّانِي بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الدَّابَّةَ بِيَدِهِ بِكِرَاءٍ، وَأَنَّ رَبَّهَا مَنَعَهُ مِنْ كِرَائِهَا أَوْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ الْمَالِكُ فَإِنْ تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ عَمْدًا ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ خَطَأً فَإِنْ عَلِمَ بِتَعَدِّيهِ ضَمِنَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ فَإِنْ عَلِمَ بِتَعَدِّيهِ ضَمِنَ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ ضَمِنَ، وَإِنْ أَعْدَمَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ ظَنَّ الْمِلْكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ مَسَافَةٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ إمَّا أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَسَافَةِ أَوْ فِي الْحِمْلِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ شَأْنَهَا أَنْ تَعْطَبَ بِهَا أَمْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَعْطَبَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَمِيعِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَلَّتْ) أَيْ الزِّيَادَةُ كَالْمِيلِ أَيْ، وَأَمَّا زِيَادَةُ خَطْوَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ إذَا تَلِفَتْ بِزِيَادَتِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عَطِبَتْ بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ يَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَطْوَةً وَهُوَ قَوْلُهُ: نَقَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا يَضْمَنُ فِي الْمِيلِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مِثْلُ مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْمَدِّ فَلَا ضَمَانَ (قَوْلُهُ: أَيْ بِسَبَبِهَا) أَيْ سَوَاءٌ عَطِبَتْ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ فِي الْمَسَافَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، لَكِنْ فِي حَالِ رُجُوعِهِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ إلَّا أَنَّ أَصْبَغَ قَيَّدَ الضَّمَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْ عَطَبِهَا فِي الْمَسَافَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِمَا إذَا كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ، وَأَمَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَلَمْ يُقَيِّدْ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا ضَمَانَ إذَا كَانَ الْعَطَبُ فِي الْمَسَافَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ الضَّمَانُ إذَا تَلِفَتْ فِي الْمَسَافَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي حَالَةِ الرُّجُوعِ، وَلَوْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ وَقَالَ شَيْخُنَا مُفَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: احْتَرَزَ بِهِ عَنْ السَّمَاوِيِّ) أَيْ عَمَّا إذَا زَادَ فِي الْمَسَافَةِ إلَّا أَنَّهَا تَلِفَتْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يَضْمَنُ أَيْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي مَوْضُوعِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ، وَهُوَ مَا إذَا زَادَ الْمُكْتَرِي فِي الْمَسَافَةِ وَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ الزَّائِدِ) أَيْ مَضْمُومًا لِلْكِرَاءِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ: أَوْ قِيمَةَ الدَّابَّةِ) أَيْ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ وَكِرَاءِ الزَّائِدِ مَضْمُومًا لِلْكِرَاءِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: مَعَ الْأَوَّلِ) أَيْ، وَهُوَ الْكِرَاءُ الْأَصْلِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَا زَائِدٍ) أَيْ، وَلَا شَيْءَ أَزْيَدَ مِنْ الْكِرَاءِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ زَادَ أَثْنَاءَهَا) أَيْ فَإِنْ زَادَ فِي الْحِمْلِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ (قَوْلُهُ: وَالزِّيَادَةِ) أَيْ وَكِرَاءِ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ) أَيْ، وَإِلَّا فَاللَّازِمُ لَهُ الْكِرَاءُ (قَوْلُهُ: كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْحِمْلِ) كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَعْطَبُ بِمِثْلِهَا أَمْ لَا فَلَهُ كِرَاءُ مَا زَادَ مِنْ مَسَافَةٍ أَوْ حِمْلٍ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَخْيِيرَ لِرَبِّهَا فِي قِيمَتِهَا (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِمَّا بَعْدَ الْكَافِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ زَادَ فِي الْمَسَافَةِ أَوْ فِي الْحِمْلِ، وَلَمْ تَعْطَبْ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْكِرَاءُ مَا لَمْ يَحْبِسْهَا إلَخْ ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يَحْتَمِلُ الِاتِّصَالَ فَيَكُونُ فِي مَوْضُوعِ مَا إذَا حَبَسَهَا مُسْتَعْمِلًا لَهَا فِي حَمْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ سَاكِتًا عَمَّا إذَا حَبَسَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ وَيُحْتَمَلُ الِانْقِطَاعُ فَيَشْمَلُ مَا إذَا حَبَسَهَا بِلَا اسْتِعْمَالٍ، وَلَا يُبْعِدُهُ قَوْلُهُ: كِرَاءُ الزَّائِدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدُ عَلَى مُدَّةِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ أَمْ لَا وَاحْتِمَالُ الِانْقِطَاعِ أَتَمُّ فَائِدَةً، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ سَوْقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَيِّزِ الِاسْتِثْنَاءِ يُوهِمُ تَفْرِيعَهَا عَلَى التَّعَدِّي بِزِيَادَةِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْحِمْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ حَبَسَهَا إلَخْ كَانَ أَخْصَرَ، وَأَوْضَحَ اهـ بْن (قَوْلُهُ: فَلَهُ كِرَاءُ الزَّائِدِ أَوْ قِيمَتُهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ الزَّائِدِ) أَيْ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ.

(قَوْلُهُ: وَلَك فَسْخُ عَضُوضٍ) أَيْ، وَلَك الْبَقَاءُ بِالْكِرَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إذْ خِيرَتُكَ تَنْفِي ضَرَرَك وَالْمُرَادُ أَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى كَوْنِهِ عَضُوضًا بَعْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ يَعَضُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ) أَيْ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي سَاعَاتٍ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْعَضِّ) أَيْ إنَّ تَكْرَارَهُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ لَيْسَ لَازِمًا، وَإِلَّا فَوُقُوعُ ذَلِكَ فَلْتَةٌ

صَعْبٍ لَا يَنْقَادُ بِسُهُولَةٍ (أَوْ أَعْشَى) لَا يُبْصِرُ لَيْلًا (أَوْ) مَا كَانَ (دُبُرُهُ فَاحِشًا) يَضُرُّ بِسَيْرِهِ أَوْ حَمْلِهِ أَوْ بِرَائِحَتِهِ رَاكِبَهُ (كَأَنْ) يَكْتَرِيَ ثَوْرًا عَلَى أَنْ (يَطْحَنَ) مَثَلًا (لَك كُلَّ يَوْمٍ) مَثَلًا (إرْدَبَّيْنِ) مَثَلًا (بِدِرْهَمٍ) مَثَلًا (فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ) فِي الْيَوْمِ (إلَّا إرْدَبًّا) مَثَلًا فَالْمُرَادُ أَقَلُّ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَلَكَ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِبْقَاءُ ثُمَّ انْفَسَخَ فَلَهُ فِي الْإِرْدَبِّ نِصْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ بَقِيَ فَهَلْ كَذَلِكَ أَوْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ خِبْرَتَهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ اُسْتُظْهِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا ثُمَّ إنَّ هَذَا الْفَرْعَ مِمَّا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الزَّمَنِ وَالْعَمَلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِمَّا يُفْسِدُ الْكِرَاءَ حَيْثُ تَسَاوَيَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَوْ زَادَ الْعَمَلُ عَلَى الزَّمَنِ اتِّفَاقًا فَإِنْ زَادَ الزَّمَنُ عَلَى الْعَمَلِ فَهَلْ تَفْسُدُ، وَهُوَ مَا شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا يُفِيدُ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اعْتِمَادَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُمَا حِينَ عَقَدَا الْكِرَاءَ اعْتَقَدَا أَنَّ الزَّمَنَ يَزِيدُ عَلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَوَجَدَ إلَخْ (وَإِنْ زَادَ) الْمُكْتَرِي فِي حَمْلِ الدَّابَّةِ أَوْ فِي الطَّحْنِ (أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ) الْمُتَعَارَفَ أَيْ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُزَادَ فِي كَيْلِهِ أَوْ يَنْقُصَ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَكَايِيلِ (فَلَا لَك) يَا مُكْرِي فِي الزِّيَادَةِ (وَلَا عَلَيْك) فِي النَّقْصِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهَا فَتَشْمَلُ مَسْأَلَةَ الثَّوْرِ وَغَيْرَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[دَرْسٌ] (فَصْلٌ) ذَكَرَ فِيهِ كِرَاءَ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ وَالْعَبْدِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافَ الْمُتَكَارِيَيْنِ فَقَالَ (جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَاءِ الْمُعَدُّ لِلْحُمُومِ فِيهِ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ لِتَنْظِيفِ الْبَدَنِ وَالتَّدَاوِي، وَإِنَّمَا جَازَ كِرَاؤُهُ لِجَوَازِ دُخُولِهِ بِمَرْجُوحِيَّةٍ إذَا كَانَ لِمُجَرَّدِ التَّنْظِيفِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ أَوْ عَدَمُ رُؤْيَتِهَا

[حاشية الدسوقي]

فِي الْعُمُرِ مَثَلًا لَيْسَ عَيْبًا هَذَا وَيَصِحُّ بَقَاءُ الْمُبَالَغَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ السَّاعَاتِ حَتَّى صَارَ شَأْنًا لَهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَعْشَى) أَيْ إذَا كَانَ اكْتَرَاهُ لِيَسِيرَ بِهِ لَيْلًا فَقَطْ كَمَا قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَمَتَى اكْتَرَاهُ لِيَسِيرَ بِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ فِيهِمَا فَوَجَدَهُ أَعْشَى ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ إمَّا أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَتَمَاسَكَ بِهِ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ الْمُسَمَّى كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْكِرَاءِ إذَا اكْتَرَاهُ لِيَسِيرَ بِهِ لَيْلًا أَوْ لَمْ يَسِرْ بِهِ إلَّا نَهَارًا، وَمَا فِي عبق مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهِ وَتَمَاسَكَ يُحَطُّ عَنْهُ أَرْشُ الْعَيْبِ بِأَنْ يُقَالَ مَا آجَرْته عَلَى أَنَّهُ سَالِمٌ، وَمَا آجَرْته عَلَى أَنَّهُ أَعْشَى وَيُحَطُّ عَنْهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ فَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ كَمَا فِي بْن نَعَمْ إذَا لَمْ يَطَّلِعْ الْمُكْتَرِي عَلَى أَنَّهُ أَعْشَى إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَسَافَةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحَسَبِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ دُبُرُهُ فَاحِشًا) أَيْ كَانَ دُبُرُهُ الْمَوْجُودُ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَهُ فَاحِشًا، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِتَقْدِيرِ كَانَ إلَى أَنَّ دُبُرَهُ اسْمُ كَانَ مَحْذُوفَةً، وَفَاحِشًا خَبَرُهَا وَالدَّاعِي لِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمَعْنَى إذْ التَّقْدِيرُ لَك فَسْخُ مَا كَانَ عَضُوضًا أَوْ جُمُوحًا أَوْ أَعْشَى أَوْ كَانَ دُبُرُهُ فَاحِشًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِرَائِحَتِهِ رَاكِبَهُ) أَيْ أَوْ يَضُرُّ بِرَائِحَتِهِ رَاكِبَهُ فَإِنْ كَانَ الرَّاكِبُ لَا يَتَضَرَّرُ بِرَائِحَتِهِ لِكَوْنِهِ لَا يَشُمُّ فَلَا خِيَارَ لَهُ (قَوْلُهُ: اُسْتُظْهِرَ كُلٌّ مِنْهُمَا) الْأَوَّلُ اسْتَظْهَرَهُ تت وَصَوَّبَهُ طفى وَالثَّانِي اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَوَجَدَ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى طَحْنِ إرْدَبٍّ، وَإِنَّمَا دَخَلَا عَلَى طَحْنِ إرْدَبَّيْنِ وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَمْلِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الزَّمَنَ أَزْيَدُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الْوَاقِعِ لَكِنْ وَجَدَ الثَّوْرَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا لِعَجْزِهِ لَا لِضِيقِ الزَّمَنِ (قَوْلُهُ: مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ) أَيْ زَادَ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً فِي الْكَيْلِ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَقْصًا فِي الْكَيْلِ كَأَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبٍّ فَيَطْحَنُ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً فِي كَيْلِهِ كَأَنْ يَطْحَنَ بِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ رُبُعًا أَوْ يَطْحَنَ عَلَيْهِ مَا يَنْقُصُ عَنْ الْإِرْدَبِّ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَنْقُصَ فِي كَيْلِهِ كَأَنْ يَطْحَنَ بِهِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ رُبُعًا (قَوْلُهُ: فَلَا لَك) أَيْ فَلَيْسَ لَك يَا مُكْرِي أُجْرَةٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْك يَا مُكْرِي بِأُجْرَةِ النَّقْصِ (قَوْلُهُ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهَا) أَيْ فَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: فَتَشْمَلُ مَسْأَلَةَ الثَّوْرِ) أَيْ السَّابِقَةَ لِذَلِكَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَى طَحْنِ إرْدَبٍّ كُلَّ يَوْمٍ فَوَجَدَهُ كَذَلِكَ ثُمَّ زَادَ الْمُكْتَرِي عَلَى ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً أَوْ نَقْصًا فِي الْكَيْلِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرَهَا) أَيْ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ إرْدَبِّ قَمْحٍ فَزَادَ الْمُكْتَرِي عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً أَوْ نَقْصًا فِي الْكَيْلِ.

[فَصْل كِرَاءَ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ وَالْعَبْدِ وَالْأَرْض]

فَصْلٌ فِي كِرَاءِ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ (قَوْلُهُ: جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْكِرَاءِ الِاكْتِرَاءُ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِكْرَاءُ أَيْ جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكْتَرِيَ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ جَازَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ لِغَيْرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِكْرَاءَ وَالِاكْتِرَاءَ مُتَلَازِمَانِ فَمَتَى جَازَ أَحَدُهُمَا جَازَ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَكُونُ جَائِزًا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا وَجْهَ لِأَوْلَوِيَّةِ كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْكِرَاءِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاكْتِرَاءَ دُونَ الْإِكْرَاءِ (قَوْلُهُ: لِجَوَازِ دُخُولِهِ بِمَرْجُوحِيَّةٍ) الْمَرْجُوحِيَّةُ إنَّمَا هِيَ إذَا دَخَلَهُ مَعَ قَوْمٍ مُسْتَتِرِينَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ دُخُولَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَكْرُوهٌ إذْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَنْكَشِفَ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ فَيَقَعُ بَصَرُهُ أَوْ بَصَرُ غَيْرِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ وَقِيلَ إنَّ دُخُولَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَائِزٌ أَمَّا لَوْ دَخَلَهُ لِلتَّنْظِيفِ مَعَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ مُنْفَرِدًا فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ

وَلِلتَّدَاوِي يَجُوزُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِمَّا ذُكِرَ، وَإِلَّا حَرُمَ (وَدَارٍ) وَرُبُعِ فُرْنٍ وَحَانُوتٍ وَنَحْوِهَا (غَائِبَةٍ) فَأَوْلَى حَاضِرَةٍ (كَبَيْعِهَا) ، وَهِيَ غَائِبَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا، وَلَوْ بَعُدَتْ أَوْ بِوَصْفٍ، وَلَوْ مِنْ الْمُكْرِي أَوْ عَلَى خِيَارٍ بِالرُّؤْيَةِ (أَوْ) كِرَاءِ (نِصْفِهَا) مَثَلًا وَالْبَاقِي لَهُ أَوْ لِشَرِيكِهِ (أَوْ) كِرَاءِ (نِصْفِ عَبْدٍ) أَوْ دَابَّةٍ لِشَرِيكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَسْتَعْمِلُهُ الْمُكْتَرِي يَوْمًا وَالْمَالِكُ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ غَلَّةٌ اقْتَسَمَاهَا عَلَى الْحِصَصِ.

(وَ) جَازَ الْكِرَاءُ لِلدَّارِ مَثَلًا (شَهْرًا عَلَى) شَرْطِ (إنْ سَكَنَ) الْمُكْتَرِي (يَوْمًا) مَثَلًا مِنْ الشَّهْرِ (لَزِمَ) الْكِرَاءُ أَيْ الْعَقْدُ (إنْ مَلَكَ) الْمُكْتَرِي (الْبَقِيَّةَ) أَيْ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ بِالسُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ الْمُكْتَرِي رَجَعَتْ لِرَبِّهَا، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا الْمُكْتَرِي بِكِرَاءٍ، وَلَا غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ وَدُخُولُهُمَا عَلَى مِلْكِ الْبَقِيَّةِ إمَّا بِالشَّرْطِ أَوْ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ كَالْإِطْلَاقِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَا عَلَى مَا يُنَافِيهِ كَدُخُولِهِمَا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ رَجَعَتْ الذَّاتُ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِرَبِّهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِيهَا بِسُكْنَى، وَلَا غَيْرِهَا فَيُمْنَعُ وَيُفْسَخُ، وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ لِشِدَّةِ الْغَرَرِ بِخِلَافِ إسْقَاطِهِ فِي الثَّانِي فَيَصِحُّ.

(وَ) جَازَ (عَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ) لِمُكْتَرٍ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مَثَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَبْدَأٍ (وَحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً فَإِنْ وَقَعَ عَلَى شَهْرٍ فِي أَثْنَائِهِ فَثَلَاثُونَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ.

(وَ) جَازَ الْكِرَاءُ (مُشَاهَرَةً) ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عِنْدَهُمْ عَمَّا عَبَّرَ فِيهِ بِكُلٍّ نَحْوَ كُلِّ شَهْرٍ بِكَذَا أَوْ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ كُلِّ جُمُعَةٍ وَكُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا

[حاشية الدسوقي]

لِجَوَازِ دُخُولِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَوَازُ قَدْ يَكُونُ مَرْجُوحًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: يَجُوزُ) أَيْ بِدُونِ قَيْدِ الْمَرْجُوحِيَّةِ وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ (قَوْلُهُ: كَبَيْعِهَا) أَيْ وَيَكُونُ كِرَاؤُهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ كَبَيْعِهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ (قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ) أَيْ مِنْ الْمُكْتَرِي وَقَوْلُهُ: وَبِوَصْفٍ أَيْ أَوْ يَكُونُ كِرَاؤُهَا مُلْتَبِسًا بِوَصْفٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَى خِيَارٍ أَيْ لِلْمُكْتَرِي لَكِنْ إنْ كَانَ بِرُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ بِوَصْفٍ مِنْ غَيْرِ الْمُكْرِي جَازَ النَّقْدُ، وَإِنْ كَانَ بِوَصْفٍ مِنْ الْمُكْرِي امْتَنَعَ النَّقْدُ كَمَا فِي بْن عَنْ أَبِي الْحَسَنِ كَمَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ خِيَارٌ (قَوْلُهُ: أَوْ لِشَرِيكِهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ صَاحِبَ النِّصْفِ أَكْرَى حِصَّتَهُ لِغَيْرِ صَاحِبِ النِّصْفِ الثَّانِي خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ الْقَائِلَيْنِ بِمَنْعِ كِرَاءِ الْمُشَاعِ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَبَيْعِهِ أَوْ نِصْفِهِ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْحَمَّامِ وَالدَّارِ لَكَانَ أَحْسَنَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَنَّثَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورَاتِ أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِخُصُوصِ الدَّارِ وَيُعْلَمُ الْحَمَّامُ بِالْمُقَايَسَةِ (قَوْلُهُ: يَوْمًا) أَيْ مَثَلًا.

(قَوْلُهُ: وَشَهْرًا إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ كِرَاءُ الْعَقَارِ شَهْرًا مَثَلًا عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ إنْ سَكَنَ مُكْتَرٍ يَوْمًا فَأَكْثَرَ مِنْ الشَّهْرِ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ أَيْ الْعَقْدُ وَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ بِتَمَامِهَا، وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ بِالسُّكْنَى وَالْإِسْكَانِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ الْمُكْتَرِي مِنْهُ رَجَعَ الْعَقَارُ لِرَبِّهِ، وَلَا يَتَصَرَّفُ الْمُكْتَرِي فِيهِ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ لَا بِكِرَاءٍ وَلَا بِغَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِرَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَبِيلِ الْكِرَاءِ بِخِيَارٍ فَيُمْنَعُ فِيهَا النَّقْدُ، وَلَوْ تَطَوُّعًا كَمَا فِي بْن ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ عَيَّنَ الشَّهْرَ كَرَجَبٍ أَمْ لَا وَيَكُونُ الشَّهْرُ مَحْسُوبًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ فِي الثَّانِي، وَلَزِمَهُ الْكِرَاءُ بِسُكْنَى يَوْمٍ، وَلَوْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ لَا إنْ سَكَنَ بَعْضَ يَوْمٍ، وَلَا إنْ مَضَى شَهْرٌ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ أَوْ مَضَى الْمُعَيَّنُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا بَعْدَهُ، وَلَوْ سَكَنَ فِيهِ يَوْمًا (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ الْمُكْتَرِي) أَيْ بَعْدَ سُكْنَى الْيَوْمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُكْتَرِي عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ رَجَعَتْ الذَّاتُ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِرَبِّهَا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إسْقَاطِهِ فِي الثَّانِي) أَيْ، وَهُوَ مَا إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُكْتَرِي عَلَى أَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِسُكْنَى، وَلَا غَيْرِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا خَرَجَ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِسُكْنَى، وَلَا غَيْرِهَا فَإِنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ فَاسِدًا فَإِنْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ صَحَّ الْعَقْدُ، وَهَذَا مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْعَقْدُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فَلَا حَاجَةَ لِإِسْقَاطِهِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ بَيَانِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَقَوْلِهِ أَسْتَأْجِرُ مِنْك شَهْرًا أَوْ سَنَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: وَجِيبَةً إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ مُشَاهَرَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ السُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ لَازِمًا كَفَى ذَلِكَ مَا لَمْ يَحُلْ عَنْ نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ) أَيْ الْكِرَاءُ عَلَى شَهْرٍ فِي أَثْنَائِهِ فَثَلَاثُونَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَهْرٍ وَكَانَ الْعَقْدُ فِي أَوَّلِهِ لَزِمَهُ كُلُّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ تَمَامٍ وَكَذَا السَّنَةُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا لَزِمَهُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ السِّتَّةِ أَيَّامٍ لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ بِالْأَهِلَّةِ وَشَهْرٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فِيمَا إذَا ذَكَرَ لِلْكِرَاءِ مُدَّةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَبْدَأً فَإِنْ اكْتَرَاهَا لِيَرْكَبَهَا لِمَوْضِعِ كَذَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ ثُمَّ حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي فَلِرَبِّهَا كِرَاءُ الْمِثْلِ مُدَّةَ الْحَبْسِ وَالْكِرَاءُ الْأَوَّلُ بَاقٍ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْكِرَاءَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا الْكِرَاءُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَصَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ

(وَلَمْ يَلْزَمْ) الْكِرَاءُ (لَهُمَا) فَلِكُلٍّ مِنْ الْمُتَكَارِيَيْنِ حَلُّهُ عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ، وَلَا كَلَامَ لِلْآخَرِ (إلَّا بِنَقْدٍ فَقَدْرُهُ) أَيْ فَيَلْزَمُ بِقَدْرِ مَا نَقَدَ لَهُ فَإِذَا اكْتَرَاهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ وَعَجَّلَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَزِمَ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَمَحَلُّ اللُّزُومِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُهُ، وَإِلَّا فَسَدَ الْعَقْدُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ كِرَاءٍ بِخِيَارٍ وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ (كَوَجِيبَةٍ) ، وَهِيَ لَقَبٌ لِمُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ كَمَا أَنَّ الْمُشَاهَرَةَ لَقَبٌ لِمُدَّةٍ غَيْرِ مَحْدُودَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ فِي اللُّزُومِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ فَقَدْرُهُ نَقَدَ أَوْ لَا (بِشَهْرِ كَذَا) بِالْإِضَافَةِ أَوْ سَنَةِ كَذَا أَوْ يَوْمِ كَذَا أَوْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَعْوَامٍ أَوْ أَيَّامٍ بِكَذَا فَإِنْ بَيَّنَ الْمَبْدَأَ، وَإِلَّا فَمِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ كَمَا مَرَّ وَالْبَاءُ فِي كَلَامِهِ لِلتَّصْوِيرِ، وَلَوْ أَبْدَلَهَا بِكَافِ التَّمْثِيلِ لَكَانَ أَبْيَنَ (أَوْ هَذَا الشَّهْرُ) أَوْ هَذِهِ السَّنَةُ (أَوْ شَهْرًا) بِالتَّنْكِيرِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ وَجِيبَةً أَنَّهُ لَمَّا تُعُورِفَ إطْلَاقُ الشَّهْرِ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَإِذْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَبْدَأَ حُمِلَ مِنْ حِينَ الْعَقْدِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هَذَا الشَّهْرُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ التَّأْوِيلَانِ الْآتِيَانِ فِي سَنَةٍ إذْ لَا فَرْقَ (أَوْ إلَى شَهْرِ كَذَا) أَوْ إلَى سَنَةِ كَذَا أَوْ إلَى يَوْمِ كَذَا كُلُّ ذَلِكَ وَجِيبَةٌ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ نَقَدَ أَوْ لَا، مَا لَمْ يَشْتَرِطَا أَوْ أَحَدُهُمَا الْحَلَّ عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ فَيَكُونُ الْعَقْدُ مُنْحَلًّا مِنْ جِهَتِهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ (وَفِي) قَوْلِهِ أَكَتْرِي مِنْك هَذَا الشَّيْءَ (سَنَةً بِكَذَا تَأْوِيلَانِ) فِي كَوْنِهِ وَجِيبَةً لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَبْدَؤُهَا يَوْمَ الْعَقْدِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ هَذِهِ السَّنَةُ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ لُبَابَةَ، وَالْأَكْثَرُ بَلْ هُوَ ظَاهِرُهَا أَوْ غَيْرُ وَجِيبَةٍ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ كُلِّ سَنَةٍ، وَهُوَ تَأْوِيلُ أَبِي مُحَمَّدٍ صَالِحٍ، وَمِثْلُ سَنَةٍ شَهْرٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ خِلَافًا لِمَنْ تَمَحَّلَ فَرْقًا، وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ وَجِيبَةٌ يُشِيرُ لِتَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

(وَ) جَازَ كِرَاءُ (أَرْضُ مَطَرٍ) لِلزِّرَاعَةِ (عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا مَفْهُومَ لِعَشَرٍ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْكِرَاءَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ النَّقْدُ وَسَوَاءٌ حَصَلَ نَقْدٌ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، وَأَمَّا النَّقْدُ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ (وَإِنْ لِسَنَةٍ) مُبَالَغَةٌ فِي الْمَفْهُومِ أَيْ فَإِنْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ، وَإِنْ لِسَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ (إلَّا) الْأَرْضَ (الْمَأْمُونَةَ) أَيْ الْمُتَحَقِّقَ رَيُّهَا بِالْمَطَرِ عَادَةً كَبِلَادِ الْمَشْرِقِ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالنَّقْدِ الْأَرْبَعِينَ عَامًا فَمَحَلُّ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ أَرْضَ الْمَطَرِ غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا سِنِينَ بِشَرْطِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ وَيَجُوزُ فِي الْمَأْمُونَةِ مُطْلَقًا إذْ لَا يَتَرَدَّدُ الْكِرَاءُ فِيهَا بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ (كَالنِّيلِ) تَشْبِيهٌ فِي الْجَوَازِ

[حاشية الدسوقي]

لِمَا عَلِمْت أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا ذُكِرَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَبْدَأً.

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا) اللَّامُ زَائِدَةٌ فَلَا يُقَالُ أَنْ يَلْزَمَ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ فَلِأَيِّ شَيْءٍ عَدَّاهُ بِاللَّامِ أَوْ يُقَالَ إنَّ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفَاعِلِ يَلْزَمُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: ، وَمَا الْحَرْبُ إلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمْ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ (قَوْلُهُ: فَلِكُلٍّ مِنْ الْمُتَكَارِيَيْنِ حَلُّهُ عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْكِرَاءُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَيَلْزَمُهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ مَا سَكَنَ وَقِيلَ يَلْزَمُهُمَا الْمُحَقَّقُ الْأَقَلُّ كَالشَّهْرِ الْأَوَّلِ لَا مَا بَعْدَهُ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ الشَّهْرُ إنْ سَكَنَ بَعْضَهُ فَإِذَا سَكَنَ بَعْضَ الشَّهْرِ لَزِمَ كُلًّا مِنْ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي بَقِيَّتُهُ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا خُرُوجٌ قَبْلَهَا إلَّا بِرِضَا صَاحِبِهِ وَمَنْ قَامَ مِنْهُمَا عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: قَالَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ وَبِهَذَا الْأَخِيرِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَهُ) أَيْ عَدَمَ اللُّزُومِ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مَتَى شَاءَ (قَوْلُهُ: مِنْ كِرَاءٍ بِخِيَارٍ) أَيْ وَالْكِرَاءُ بِالْخِيَارِ يَمْتَنِعُ فِيهِ النَّقْدُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: لَقَبٌ لِمُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا كَمَا إذَا قَالَ هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ هَذَا الشَّهْرَ أَوْ سَنَةَ كَذَا أَوْ شَهْرَ كَذَا أَوْ يُسَمَّى الْعَدَدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فَقَالَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ ذَكَرَ انْتِهَاءَ الْأَجَلِ بِأَنْ قَالَ أَكْتَرِيهَا إلَى شَهْرِ كَذَا أَوْ إلَى سَنَةِ كَذَا وَأَمَّا لَوْ سَمَّى الْعَدَدَ وَكَانَ وَاحِدًا فَفِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ إنَّهُ مِنْ الْوَجِيبَةِ وَقِيلَ إنَّهُ مِنْ الْمُشَاهَرَةِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَيَّنَ الْمَبْدَأَ) أَيْ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ بَيَّنَ إلَخْ أَيْ فِي قَوْلِهِ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَمَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: مِثْلُ سَنَةً) أَيْ فِي جَرَيَانِ التَّأْوِيلَيْنِ شَهْرًا فَفِيهِ التَّأْوِيلَانِ أَيْضًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ عِيَاضٍ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّهُ وَجِيبَةٌ قَطْعًا حَيْثُ ذَكَرَ مَا فِيهِ الْخِلَافُ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ) أَيْ شَهْرًا حَيْثُ سَاقَهُ فِيمَا هُوَ وَجِيبَةٌ قَطْعًا.

(قَوْلُهُ: وَأَرْضِ مَطَرٍ) عَطْفٌ عَلَى حَمَّامٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرَ) أَيْ كَأَرْبَعِينَ سَنَةً (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ إلَخْ) تَعْمِيمٌ فِي الْمَفْهُومِ أَيْ فَإِنْ حَصَلَ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فَسَدَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ حَصَلَ نَقْدٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لِسَنَةٍ) أَيْ، وَإِنْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ لِسَنَةٍ (قَوْلُهُ: تَشْبِيهٌ فِي الْجَوَازِ) أَيْ لَا تَمْثِيلٌ لِئَلَّا يَكُونَ سَاكِتًا عَنْ أَرْضِ الْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ فَلَا يُعْلَمُ حُكْمُ النَّقْدِ فِيهَا مَعَ نَصِّ الْإِمَامِ عَلَى جَوَازِهِ فِيهَا، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ كَافِ التَّمْثِيلِ فَلَعَلَّ هَذَا الْقَائِلَ أَرَادَ السُّكُوتَ بِاعْتِبَارِ الصَّرَاحَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ كَالنِّيلِ يَصِحُّ جَعْلُهُ تَشْبِيهًا وَيَصِحُّ جَعْلُهُ تَمْثِيلًا

أَيْ كَجَوَازِ كِرَاءِ أَرْضِ النِّيلِ الْمَأْمُونَةِ (وَالْمَعِينَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي تُسْقَى بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ (فَيَجُوزُ) كِرَاؤُهَا بِالنَّقْدِ، وَلَوْ لِأَرْبَعَيْنِ عَامًا كَمَا مَرَّ (وَيَجِبُ) النَّقْدُ (فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ) بِالْفِعْلِ أَيْ يُقْضَى لِرَبِّهَا بِالْكِرَاءِ عَلَى الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَمَكِّنًا مِمَّا اكْتَرَاهُ، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْتَرِي نَقْدُ الْكِرَاءِ حَتَّى يَتِمَّ زَرْعُهَا وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ، وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمَأْمُونَةِ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ لَا يَجِبُ فِيهَا النَّقْدُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

(وَ) جَازَ كِرَاءُ (قَدْرِ) أَذْرُعٍ أَوْ فَدَادِينَ (مِنْ أَرْضِك) الْمُعَيَّنَةِ (إنْ عَيَّنَ) الْقَدْرَ أَيْ جِهَتَهُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا أَوْ (تَسَاوَتْ) الْأَرْضُ فِي الْجُودَةِ أَوْ فِي ضِدِّهَا، وَفِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَاخْتَلَفَتْ مُنِعَ وَاحْتَرَزَ بِالْقَدْرِ مِنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ كَرُبُعٍ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ مُفْرَدًا.

(وَ) جَازَ كِرَاءُ أَرْضٍ (عَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا) الْمُكْتَرِي (ثَلَاثًا) مَثَلًا وَيَزْرَعَهَا فِي الْحَرْثَةِ الرَّابِعَةِ وَالْكَلَامُ فِي الْمَأْمُونَةِ إذْ غَيْرُهَا يَفْسُدُ فِيهَا الْكِرَاءُ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ (أَوْ) عَلَى أَنْ (يُزَبِّلَهَا) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ (إنْ عُرِفَ) مَا يُزَبِّلُهَا بِهِ نَوْعًا وَقَدْرًا كَعَشَرَةِ أَحْمَالٍ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مُنِعَ، وَفَسَدَ الْكِرَاءُ، وَالْأُجْرَةُ فِي ذَلِكَ إمَّا الْحَرْثُ أَوْ التَّزْبِيلُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مَثَلًا؛ لِأَنَّ لِمَا ذُكِرَ مَنْفَعَةً تَبْقَى فِي الْأَرْضِ.

(وَ) جَازَ كِرَاءُ (أَرْضٍ) مُكْتَرَاةٍ (سِنِينَ) مَاضِيَةٍ (لِذِي شَجَرٍ بِهَا) غَرَسَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ هَذَا الْمُكْتَرِي أَيْ أَنْ يُكْرِيَهَا الْآنَ (سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً) تَلِي مُدَّةَ الْأُولَى إذَا كَانَ الشَّجَرُ لَك يَا مُكْتَرِي بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الشَّجَرُ (لِغَيْرِك) بِأَنْ تَكُونَ اكْتَرَيْتَ الْأَرْضُ سِنِينَ فَ أَكَرَيْتَهَا لِغَيْرِك فَغَرَسَ فِيهَا شَجَرًا ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَفِيهَا شَجَرُهُ أَرَدْت أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً فَيَجُوزُ، وَلَك أَنْ تَأْمُرَ الْغَارِسَ بِقَلْعِ شَجَرِهِ أَوْ تَدْفَعَ لَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: أَيْ كَجَوَازِ كِرَاءِ أَرْضِ النِّيلِ الْمَأْمُونَةِ) أَيْ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْمُونَةِ فَيَجُوزُ كِرَاؤُهَا، وَلَوْ لِأَرْبَعِينَ بِشَرْطِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ (قَوْلُهُ: إذَا رُوِيَتْ بِالْفِعْلِ) أَيْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَذَلِكَ بِانْكِشَافِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، وَلَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا إلَّا بِأَمْرَيْنِ الرَّيِّ بِالْفِعْلِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِالِانْكِشَافِ لَا بِأَحَدِهِمَا خِلَافًا لِظَاهِرِ الشَّارِحِ اُنْظُرْ بْن ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ فِيمَا أُكْرِيَتْ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ نَقْدٌ، وَلَا عَدَمُهُ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ اُشْتُرِطَ عَدَمُهُ حِينَ الْعَقْدِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ مَأْمُونًا مِنْ أَرْضِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ، وَأَرْضِ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ النَّقْدِ، وَلَوْ أُكْرِيَتْ لِأَعْوَامٍ كَثِيرَةٍ وَمَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ وَسَكَتَ عَنْ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ وَعَدَمِهِ أَوْ اشْتَرَطَ عَدَمَهُ حِينَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِكَشْفِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ فَلَا يَقْضِي بِالنَّقْدِ فِيهَا إلَّا إذَا تَمَّ زَرْعُهَا وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ كِرَاءُ قَدْرِ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَقَدْرِ عَطْفٌ عَلَى حَمَّامٍ (قَوْلُهُ: مِنْ أَرْضِك) أَيْ كَ أُكْرِيكَ فَدَّانَيْنِ مِنْ أَرْضِي الَّتِي بِحَوْضِ كَذَا أَوْ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضِي الْفُلَانِيَّةِ فَيَجُوزُ إذَا عَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا ذَلِكَ الْقَدْرُ، كَأَنْ يَقُولَ مِنْ الْجِهَةِ الْبَحْرِيَّةِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْجِهَةَ لَكِنْ تَسَاوَتْ الْأَرْضُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ بِالنِّسْبَةِ لِأَرْضِ الزِّرَاعَةِ أَوْ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَرْضِ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُعَيَّنْ) أَيْ الْجِهَةُ وَقَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَتْ أَيْ الْأَرْضُ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ كَمَا لَوْ قَالَ أُكْرِيكَ فَدَّانَيْنِ مِنْ أَرْضِي الْفُلَانِيَّةِ بِكَذَا وَالْحَالُ أَنَّ أَرْضَهُ الْفُلَانِيَّةَ بَعْضُهَا جَيِّدٌ وَبَعْضُهَا رَدِيءٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ) أَيْ تَعْيِينُ الْجِهَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْجُزْءُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ رُبُعُهَا شَائِعًا كَانَتْ كُلُّهَا جَيِّدَةً أَوْ رَدِيئَةً أَوْ بَعْضُهَا جَيِّدٌ وَالْبَعْضُ رَدِيءٌ.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ عَلَى حَمَّامٍ مَحْذُوفًا وَهُوَ أَرْضٌ (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ فِي الْمَأْمُونَةِ) أَيْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي الْمَأْمُونَةِ فَمَحَلُّ جَوَازِ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِشَرْطِ حَرْثِهَا ثَلَاثًا أَوْ شَرْطِ تَزْبِيلِهَا إنْ كَانَتْ مَأْمُونَةَ الرَّيِّ، وَإِلَّا فَسَدَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَنَقْدٍ بِشَرْطٍ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحَرْثِ وَالتَّزْبِيلِ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى بِالْأَرْضِ (قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ) صَوَابُهُ بِتَخْفِيفِهَا كَمَا قَالَ بْن؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ أَنَّ زَبَلَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَأَنَّهُ يُقَالُ زَبَلَ الْأَرْضَ يَزْبِلُهَا زِبْلًا إذَا أَصْلَحَهَا بِالزِّبْلِ (قَوْلُهُ: نَوْعًا) أَيْ إذَا عَرَفَ نَوْعَ مَا يَزْبِلُهَا بِهِ مِنْ كَوْنِهِ زِبْلَ حَمَامٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ رَمَادٍ أَوْ سِبَاخٍ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ نَوْعِ الزِّبْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَزْبِلُ بِهِ الْأَرْضَ أَنْوَاعٌ كَمَا عَلِمْت وَاشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَخْتَلِفُ فَبَعْضُهَا ضَعِيفُ الْحَرَارَةِ فَيُقَوِّيهَا كَثْرَةُ الزِّبْلِ وَبَعْضُهَا قَوِيُّ الْحَرَارَةِ فَيُحْرِقُ زَرْعَهَا كَثْرَةُ الزِّبْلِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مُنِعَ، وَفَسَدَ الْكِرَاءُ) قَالَ عبق، وَإِذَا فَسَدَ وَزَرَعَ فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهُ فَلَهُ مَا زَادَهُ عَمَلُهُ فِي كِرَائِهَا فِي الْعَامِ الثَّانِي، وَإِنْ تَمَّ زَرْعُهُ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ بِشَرْطِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: وَالْأُجْرَةُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا إذَا شَرَطَ حَرْثَهَا ثَلَاثًا أَوْ شَرَطَ تَزْبِيلَهَا.

(قَوْلُهُ: مُكْتَرَاةٍ سِنِينَ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ السِّنِينَ الْأُولَى مَعْمُولَةٌ لِنَعْتِ أَرْضٍ، وَهُوَ مُكْتَرَاةٌ وَقَوْلُهُ: مُسْتَقْبَلَةً صِفَةٌ لِسِنِينَ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَعْمُولَةٌ لِكِرَاءٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ أَنْ يُكْرِيَهَا الْآنَ سِنِينَ إلَخْ، وَلَوْ قَالَ

أَوْ يُرْضِيَك (لَا زَرْعٍ) لِلْغَيْرِ أَيْ لَا إنْ كَانَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ زَرْعًا لِغَيْرِك فَلَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَكْتَرِيَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُدَّةً مِنْهَا الْمُدَّةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الزَّرْعُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ بِخِلَافِ الشَّجَرِ، وَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ الْمَنْعَ بِمَا إذَا كَانَ الزَّارِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَإِلَّا جَازَ وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ كَالشَّجَرِ ضَعِيفٌ.

(وَ) جَازَ (شَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) عَلَى غَيْرِ مَنْ قَضَى الْعُرْفُ بِلُزُومِهِ لَهُ مِنْ مُكْرٍ أَوْ مُكْتَرٍ وَعُرْفُ مِصْرَ أَنَّ الدَّارَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الْوَقْفِ وَالْمَمْلُوكَةَ عَلَى الْمُكْرِي (وَ) شَرْطُ (مَرَمَّةٍ) عَلَى الْمُكْتَرِي أَيْ إصْلَاحُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّارُ أَوْ الْحَمَّامُ مَثَلًا مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ (وَ) شَرْطُ (تَطْيِينٍ) لِدَارٍ أَيْ جَعْلُ الطِّينِ عَلَى سَطْحِهَا إنْ احْتَاجَتْ عَلَى الْمُكْتَرِي بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ) عَلَى الْمُكْتَرِي إمَّا فِي مُقَابَلَةِ سُكْنَى مَضَتْ أَوْ بِاشْتِرَاطِ تَعْجِيلِ الْكِرَاءِ أَوْ يَجْرِي الْعُرْفُ بِتَعْجِيلِهِ (لَا إنْ لَمْ يَجِبْ) فَلَا يَجُوزُ (أَوْ) وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّارُ مِنْ الْمَرَمَّةِ وَالتَّطْيِينِ (مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي) فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ (أَوْ حَمِيمِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى إنْ لَمْ يَجِبْ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ (أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ أَوْ نُورَتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ لَمْ يَجُزْ (مُطْلَقًا) عَلِمَ الْمُكْتَرِي عَدَدَهُمْ أَمْ لَا لِلْجَهَالَةِ، وَلِذَا لَوْ عَلِمَ الْقَدْرَ وَعَلِمَ دُخُولَهُمْ فِي الشَّهْرِ مَثَلًا الْمَرَّةَ أَوْ الْمَرَّتَيْنِ جَازَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ شَيْئًا مَعْلُومًا

[حاشية الدسوقي]

الْمُصَنِّفُ، وَأَرْضٍ سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً لِذِي شَجَرٍ بِهَا أَوْ غَيْرِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ، وَفِي قَوْلِهِ، وَإِنْ لِغَيْرِك الْتِفَاتٌ مِنْ الْغَيْبَةِ لِلْحُضُورِ، وَمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ غَيْرُ مُنْدَرِجٍ فِيمَا قَبْلَهَا كَمَا كَتَبَ شَيْخُنَا فَفِيهِ رَكَاكَةٌ وَبَالَغَ عَلَى الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الشَّجَرُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ (قَوْلُهُ: أَوْ يُرْضِيَكَ) أَيْ فِي مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ الْمُدَّةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لِأَجْلِ بَقَاءِ غَرْسِهِ (قَوْلُهُ: مِنْهَا الْمُدَّةُ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ اكْتِرَاءِ غَيْرِ رَبِّ الزَّرْعِ لِلْأَرْضِ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْغَرَضِ مِنْ الزَّرْعِ لِتَلَفِ الزَّرْعِ إذَا قُلِعَ بِخِلَافِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا بَعْدَ تَمَامِ الزَّرْعِ جَازَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَطِبْ (قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ) أَيْ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ إلَى تَمَامِ الْغَرَضِ مِنْ الزَّرْعِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الشَّجَرِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ إجَارَتِهِ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ) أَيْ فَقَدَّرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ) أَيْ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ أَمْرُ الزَّرْعِ فِيهَا فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى تَلَفِ زَرْعِهِ (قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ) أَيْ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَقْبِضُ الْأَرْضَ قَبْلَ تَمَامِ الزَّرْعِ فَالْمَنْعُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ الزَّارِعُ أَنَّ الزَّرْعَ يَتِمُّ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَمْ لَا، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَقْبِضُ الْأَرْضَ بَعْدَ تَمَامِ الزَّرْعِ فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا.

(قَوْلُهُ: وَشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) أَيْ وَجَازَ لِمَنْ قَضَى الْعُرْفُ بِأَنَّ كَنْسَ الْمِرْحَاضِ عَلَيْهِ مِنْ مُكْرٍ أَوْ مُكْتَرٍ اشْتِرَاطُ كَنْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَنْسَ الْمِرْحَاضِ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعُرْفِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَإِنَّ انْتَفَيَا فَعَلَى الْمُكْرِي، وَهَلْ وَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الْكِرَاءِ أَوْ الْحَادِثِ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي ذَلِكَ خِلَافٌ (قَوْلُهُ: وَمَرَمَّةٍ وَتَطْيِينٍ) اعْلَمْ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا مَجْهُولَيْنِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُمَا عَلَى الْمُكْتَرِي إلَّا مِنْ الْكِرَاءِ لَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَأَنْ يَقُولَ كُلَّمَا احْتَاجَتْ لِمَرَمَّةٍ أَوْ تَطْيِينٍ فَرَمُّهَا أَوْ طِينُهَا مِنْ الْكِرَاءِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ كَأَنْ يُعَيِّنَ لِلْمُكْتَرِي مَا يَرُمُّهُ أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ التَّطْيِينَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فِي السَّنَةِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي أَوْ مِنْ الْكِرَاءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى إذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَرَمَّةِ وَالتَّطْيِينِ الْمَجْهُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا الْمُشْتَرَطُ فِيهِمَا كَوْنُهُمَا مِنْ الْكِرَاءِ، لَكِنْ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْيِيدُهُ لِلْكِرَاءِ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَجَعَلَهُ الْقَابِسِيُّ مَحَلَّ نَظَرٍ، وَجَزَمَ اللَّخْمِيُّ بِخِلَافِهِ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي اعْتِمَادِهِ قَالَهُ طفى (قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَتْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ جَوَازُ اشْتِرَاطِ التَّطْيِينِ مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ إذَا لَمْ يُسَمِّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بِأَنْ قَالَ كُلَّمَا احْتَاجَتْ، وَأَمَّا إذَا سَمَّى مَرَّاتٍ فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ أَوْ مِنْ كِرَاءٍ لَمْ يَجِبْ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي وَذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ) أَيْ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ وَكِرَاءٌ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا لَمُنِعَ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ مُطْلَقًا فِي كُلِّ كِرَاءٍ لَكِنَّ اللَّازِمَ بَاطِلٌ، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ شَرْطُ الْمُكْرِي الرَّمَّ أَوْ التَّطْيِينَ عَلَى الْمُكْتَرِي مِنْ عِنْدِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا مَجْهُولَانِ فَلِلْمُكْرِي قِيمَةُ مَا سَكَنَ الْمُكْتَرِي وَلِلْمُكْتَرِي قِيمَةُ مَا رَمَّ أَوْ طَيَّنَ مِنْ عِنْدِهِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ أَيْ لَا مِنْ كِرَاءٍ لَمْ يَجِبْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُكْرِي عَلَى مُكْتَرِي الْحَمَّامِ حَمِيمَ أَهْلِهِ أَوْ نُورَتَهُمْ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ عَلِمَ قَدْرَ عِيَالِ الْمُكْرِي أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: وَعَلِمَ دُخُولَهُمْ) أَيْ مِقْدَارَ دُخُولِهِمْ فِي الشَّهْرِ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَوَازَ مَنُوطٌ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ بِهِمَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَ دُخُولِهِمْ دُونَ قَدْرِهِمْ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَنْعِ الْجَهْلُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ أَوْ النُّورَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ شَيْئًا مَعْلُومًا) أَيْ مِنْ الْمَرَّاتِ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ مِنْ النُّورَةِ

(أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اُكْتُرِيَتْ (بِنَاءٌ) نَائِبُ فَاعِلِ يُعَيَّنْ (وَغَرْسٌ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ) مِنْ بَعْضٍ (وَلَا عُرْفَ) يُصَارُ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ فَإِنْ بَيَّنَ نَوْعَ الْبِنَاءِ أَوْ مَا يُبْنَى فِيهَا مِنْ دَارٍ أَوْ مَعْصَرٍ أَوْ رَحًا وَكَذَا الْغَرْسُ جَازَ كَمَا لَوْ جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.

(وَكِرَاءُ وَكِيلٍ) مُفَوَّضٍ أَمْ لَا لِأَرْضِ أَوْ دَارِ مُوَكِّلِهِ أَوْ دَابَّتِهِ (بِمُحَابَاةٍ أَوْ عَرَضٍ) لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ كِرَاءُ مَا ذَكَرَ بِالنَّقْدِ وَلِلْمُوَكِّلِ الْفَسْخُ إنْ لَمْ يَفُتْ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُحَابَاةِ كِرَاءِ الْمِثْلِ فِي الْعَرَضِ فَإِنْ أَعْدَمَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى الْمُكْتَرِي، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَمِثْلُ الْوَكِيلِ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَكَذَا الْوَصِيُّ بِجَامِعِ التَّصَرُّفِ فِي الْكُلِّ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ.

(أَوْ) كِرَاءُ (أَرْضٍ مُدَّةً) كَعَشْرِ سِنِينَ (لِغَرْسٍ) مَعْلُومٍ (فَإِنْ انْقَضَتْ) الْمُدَّةُ (فَهُوَ) أَيْ الْمَغْرُوسُ يَكُونُ (لِرَبِّ الْأَرْضِ) مِلْكًا (أَوْ نِصْفُهُ) مَثَلًا لَا يَجُوزُ لِلْجَهْلِ بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَاهَا بِشَجَرٍ لَا يَدْرِي أَيَسْلَمُ لِانْقِضَائِهَا أَمْ لَا، فَالْأُجْرَةُ هِيَ الشَّجَرُ أَوْ نِصْفُهُ صَاحَبَهُ دَرَاهِمُ أَمْ لَا وَقَوْلُهُ: فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَهُ النِّصْفَ مِنْ الْآنَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَا آجَرَ بِهِ مَعْلُومٌ مَرْئِيٌّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَقِيلَ إنَّهُ كِرَاءٌ فَاسِدٌ فَالْغَرْسُ لِمَنْ غَرَسَهُ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ الْمِثْلِ وَيَفُوتُ الْغَرْسُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُفْسَخُ مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهَا وَالْغَرْسُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَرْسِهِ وَأُجْرَةُ عَمَلِهِ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ) عَطْفٌ عَلَى إنْ لَمْ يَجِبْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَرْضًا عَلَى أَنَّهُ يَعْمَلُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا حِينَ الْعَقْدِ وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَضَرُّ مِنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ عُرْفٌ بِمَا يُفْعَلُ فِي الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمَنْعُ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُكْتَرِي اصْنَعْ بِهَا كَيْفَ شِئْت وَقِيلَ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى الْأَضَرِّ (قَوْلُهُ: وَلَا عُرْفَ) أَيْ فِيمَا يُفْعَلُ فِي الْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ بِأَنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَفْعَلُ الْبِنَاءَ وَبَعْضُهُمْ يَفْعَلُ الْغَرْسَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ إلَخْ) الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِجَوَازِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَصِحَّتِهِ عِنْدَ الْإِجْمَالِ لَكِنْ يُمْنَعُ الْمُكْتَرِي بَعْدَ الْعَقْدِ مِنْ فِعْلِ مَا فِيهِ ضَرَرٌ، وَأَنَّ غَيْرَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ، وَفَسَادِهِ حِينَئِذٍ، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا زَعَمَ عبق اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ بَيَّنَ نَوْعَ الْبِنَاءِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ يَبْنِي فِيهَا أَوْ يَغْرِسُ فِيهَا أَوْ بَيَّنَ أَنَّهُ يَبْنِي فِيهَا دَارًا إلَخْ جَازَ.

(قَوْلُهُ: وَلِلْمُوَكِّلِ الْفَسْخُ إنْ لَمْ يَفُتْ) أَيْ وَلَهُ إجَازَتُهُ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ إلَخْ) قَالَ الْوَانُّوغِيُّ نَقْلًا عَنْ الْقَابِسِيِّ مَحَلُّ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُكْتَرِي بِأَنَّ الْوَكِيلَ الَّذِي أَكْرَاهُ غَيْرُ مَالِكٍ أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ كَانَ الْوَكِيلُ وَالْمُكْتَرِي غَرِيمَيْنِ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
اهـ بْن (قَوْلُهُ: وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُحَابَاةِ) أَيْ، وَلَا رُجُوعَ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْمُكْتَرِي بِهَا (قَوْلُهُ: وَلَا رُجُوعَ لَهُ) أَيْ لِلْمُكْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ كَمَا فِي عبق (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْوَكِيلِ نَاظِرُ الْوَقْفِ) أَيْ فَإِذَا حَابَى النَّاظِرُ فِي الْكِرَاءِ خُيِّرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ إنْ لَمْ يَفُتْ الْكِرَاءُ فَإِنْ فَاتَ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ الرُّجُوعُ عَلَى النَّاظِرِ بِالْمُحَابَاةِ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكْتَرِي فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ مُعْدِمًا رَجَعَ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْمُكْتَرِي، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى النَّاظِرِ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ إنْ أَكْرَى النَّاظِرُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ فَإِنْ أَكْرَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ، وَلَوْ بِزِيَادَةٍ زَادَهَا شَخْصٌ عَلَى الْمُكْتَرِي وَأَمَّا إنْ أَكْرَى بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ إذَا زَادَ عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا يُفْسَخُ، وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْلِهِمْ الزِّيَادَةُ فِي الْوَقْفِ مَقْبُولَةٌ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا هُنَا وَلَعَلَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَكْرَى بِمُحَابَاةٍ وَوَجَدَ مَنْ يَكْتَرِي بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: لِغَرْسٍ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إجَارَتُهَا مُدَّةً لِبِنَاءٍ وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يَكُونُ الْبِنَاءُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةً، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ آجَرْتَهُ أَرْضَكَ لِيَبْنِيَ فِيهَا وَيَسْكُنَ عَشَرَ سِنِينَ ثُمَّ يَخْرُجَ وَيَدَعَ الْبِنَاءَ فَإِنْ بَيَّنَ صِفَةَ الْبِنَاءِ وَالْمُدَّةَ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا الْمُكْتَرِي فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إجَارَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَصِفْهُ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا إذَا قَالَ أَسْكُنُ مَا بَدَا لِي فَإِنْ وَقَعَ فَلَكَ كِرَاءُ أَرْضِك، وَلَك أَنْ تُعْطِيَهُ قِيمَةَ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا (قَوْلُهُ: أَوْ نِصْفُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى هُوَ أَيْ فَهُوَ أَوْ نِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أُجْرَةً لَهَا مُدَّةَ غَرْسِ الْغَارِسِ فِيهَا (قَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ) أَيْ، وَهَذِهِ مُغَارَسَةٌ لَا إجَارَةٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهَا إجَارَةٌ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ مِنْ كَوْنِهِ جَعَلَ الْغَرْسَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (قَوْلُهُ: فَقِيلَ إنَّهُ كِرَاءٌ فَاسِدٌ) أَيْ أَنَّ رَبَّ الْغَرْسِ اكْتَرَى الْأَرْضَ كِرَاءً فَاسِدًا لِلْجَهْلِ بِالْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: وَيَفُوتُ بِالْغَرْسِ) أَيْ وَيَفُوتُ ذَلِكَ الْكِرَاءُ الْفَاسِدُ بِالْغَرْسِ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ فَسْخِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِمَنَافِعِ الْأَرْضِ وَحَكَمْنَا بِفَسَادِهِ وَشَأْنُ الْفَاسِدِ الْفَسْخُ وَالْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ، وَالْغَرْسُ مُغَيِّرٌ لِلْأَرْضِ فَلِذَا عُدَّ مُفَوِّتًا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ لِلْمُكْتَرِي الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُدَّةَ الْمُسَمَّاةَ، وَالْغَرْسُ لَهُ وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ الْمِثْلِ لِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ وَبَعْدَهَا يَكُونُ الْغَارِسُ كَالْغَاصِبِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي يَقُولُ بِالْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِمَنَافِعِ الْعَاقِدِ وَالْعَاقِدُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ تَغَيُّرًا فَلِذَا حَكَمَ بِالْفَسْخِ مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
انْتَهَى عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ)

وَيُطَالِبُهُ بِمَا اسْتَغَلَّهُ مِنْ الثَّمَرِ فِيمَا مَضَى.

(وَالسَّنَةُ فِي) أَرْضِ (الْمَطَرِ) وَكَذَا أَرْضُ النِّيلِ تَنْقَضِي (بِالْحَصَادِ) كَانَتْ تُزْرَعُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ فَمَنْ اسْتَأْجَرَهَا سَنَةَ أَيَّامِ نُزُولِ الْمَطَرِ أَوْ أَيَّامِ رَيِّهَا بِالنِّيلِ فَإِنْهَاءُ السَّنَةِ جَذُّ الزَّرْعِ، سَوَاءٌ كَانَ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ قَصَبًا أَوْ غَيْرَهَا وَيَشْمَلُ الْجَذُّ الرَّعْيَ فِي نَحْوِ الْبِرْسِيمِ، وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَخْلُفُ فَبِآخِرِ بَطْنٍ (وَفِي) أَرْضِ (السَّقْيِ بِالشُّهُورِ) اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الْعَقْدِ (فَإِنْ تَمَّتْ) السَّنَةُ (وَلَهُ) فِيهَا (زَرْعٌ أَخْضَرُ) أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَطِبْ لَزِمَ رَبَّ الْأَرْضِ إبْقَاؤُهُ، وَإِذَا أَبْقَاهُ (فَكِرَاءُ مِثْلِ الزَّائِدِ) عَلَى السَّنَةِ يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ السَّنَةِ شَهْرَيْنِ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهِمَا بِمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْمِثْلِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ ظَنَّ الزَّارِعُ تَمَامَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ الرَّاجِحُ (وَإِذَا انْتَثَرَ) بِآفَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (لِلْمُكْتَرِي) أَرْضًا فَزَرْعًا (حَبٌّ) مِنْ زَرْعِهِ فِي الْأَرْضِ (فَنَبَتَ) زَمَنًا (قَابِلًا) فِي عَامِهِ أَوْ الْعَامِ الْقَابِلِ (فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) لِإِعْرَاضِ رَبِّهِ عَنْهُ بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهِ بِالْحَصَادِ وَلِذَا لَوْ بَقِيَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ كَانَ الزَّرْعُ لَهُ، وَمَفْهُومُ انْتَثَرَ أَنَّهُ لَوْ زَرَعَهُ فَلَمْ يَنْبُتْ فِي سَنَتِهِ بَلْ فِي قَابِلٍ كَانَ لِرَبِّهِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْعَامِ الْمَاضِي إنْ كَانَ لِغَيْرِ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا يَأْتِي (كَمَنْ) أَيْ كَشَخْصٍ لَهُ أَرْضٌ (جَرَّهُ) أَيْ جَرَّ الْحَبَّ (السَّيْلُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى أَرْضِهِ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ فِيهَا فَالزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْمَجْرُورِ إلَيْهَا الْحَبُّ لَا لِرَبِّ الْحَبِّ، وَالنِّيلُ كَالسَّيْلِ وَالزَّرْعُ كَالْحَبِّ عَلَى قَوْلٍ، وَالثَّانِي لِرَبِّهِ.

[حاشية الدسوقي]

أَيْ أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ رَبَّ الشَّجَرِ عَلَى الْعَمَلِ وَالْغَرْسِ إجَارَةً فَاسِدَةً.
(قَوْلُهُ: وَيُطَالِبُهُ) أَيْ وَيُطَالِبُ رَبُّ الْأَرْضِ الْغَارِسَ.

(قَوْلُهُ: كَانَتْ تُزْرَعُ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ) أَيْ فَإِذَا كَانَتْ تُزْرَعُ مِرَارًا فَانْتِهَاءُ السَّنَةِ بِالْحَصَادِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: أَيَّامَ نُزُولِ الْمَطَرِ أَوْ أَيَّامَ رَيِّهَا) أَيْ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: جَذُّ الزَّرْعِ أَيْ سَوَاءٌ مَكَثَ فِي الْأَرْضِ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ: وَلَهُ فِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ) أَيْ فِي أَرْضِ السَّقْيِ (قَوْلُهُ: أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَطِبْ) أَيْ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُلْحَقُ بِالزَّرْعِ بِجَامِعِ الضَّرَرِ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَبَّرِ فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْأَرْضِ إبْقَاؤُهُ لِتَمَامِ طِيبِهِ بَلْ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبَهُ بِقَلْعِ النَّخْلِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إبْقَاؤُهُ) أَيْ إلَى تَمَامِ طِيبِهِ (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مِثْلِهِمَا) أَيْ فَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيهِمَا، وَقَوْلُهُ: بِمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ أَيْ، وَلَا يُعْتَبَرُ كِرَاؤُهُمَا بِالنَّظَرِ لِلسَّنَةِ الْمَاضِيَةِ بَلْ يَنْظُرُ لَهُمَا فِي حَدِّ ذَاتِهِمَا إذْ قَدْ يَكُونُ كِرَاؤُهُمَا أَغْلَى أَوْ أَرْخَصَ، وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ عَلَى حِسَابِ مَا أَكْرَى بِهِ السَّنَةَ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ فَإِذَا قِيلَ دِينَارٌ قِيلَ، وَمَا قِيمَةُ السَّنَةِ كُلِّهَا فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةٌ فَقَدْ وَقَعَ لِلزِّيَادَةِ مِثْلُ كِرَاءِ خُمُسِ السَّنَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ الْمُسَمَّى، وَمِثْلُ خُمُسِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الرَّاجِحُ) أَيْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ زَرَعَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ تَأَخُّرَهُ عَنْ مُدَّةِ الْكِرَاءِ بِأَمَدٍ كَثِيرٍ فَلِرَبِّهَا قَلْعُهُ أَوْ تَرْكُهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ كِرَاءِ الزَّائِدِ عَلَى حِسَابِ الْمُسَمَّى وَكِرَاءُ مِثْلِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ تَأَخُّرَهُ عَنْ أَمَدِ الْكِرَاءِ بِأَمَدٍ قَلِيلٍ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءُ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ قَالَ ابْنُ نَاجِيٍّ وَقَدْ وَقَعَ الْحُكْمُ مِنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَحَكَمْتُ بِهِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ ح فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ.
اهـ. قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ الْأَشْبَهَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاءُ مَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكُهُ فَصَارَ مَقْبُوضًا بِالْعَقْدِ وَمَا يَحْدُثُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ وَنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِكَوْنِ ضَمَانِهَا مِنْ الْبَائِعِ لِكَوْنِهَا فِي أُصُولِهِ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: بِآفَةٍ) أَيْ كَبَرَدٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ أَوْ شَرْدٍ (قَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ) أَيْ الَّتِي اكْتَرَاهَا وَزَرَعَهَا (قَوْلُهُ: فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ) اُنْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا رَبٌّ، وَأَعْرَضَ ذَلِكَ الزَّارِعُ عَنْهَا بَعْدَ حَصَادِ زَرْعِهِ مِنْهَا هَلْ يَكُونُ لِرَبِّ الْحَبِّ أَوْ مُبَاحًا كَالْعُشْبِ.
اهـ. عج (قَوْلُهُ: وَلِذَا لَوْ بَقِيَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ كَانَ الزَّرْعُ لَهُ) أَيْ لَا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَكَذَا لَوْ اكْتَرَاهَا قَابِلًا عَقِبَ اكْتِرَائِهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَكْرَاهَا رَبُّهَا لِغَيْرِهِ وَنَبَتَ فِي مُدَّتِهِ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ لَا لِلْمُكْتَرِي الثَّانِي وَيُحَطُّ عَنْ الْمُكْتَرِي الثَّانِي مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا أَشْغَلَهُ ذَلِكَ الْحَبُّ مِنْ الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لِغَيْرِ عَطَشٍ) أَيْ إنْ كَانَ عَدَمُ نَبَاتِهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي لِغَيْرِ عَطَشٍ (قَوْلُهُ: وَالزَّرْعُ كَالْحَبِّ) أَيْ فَإِذَا جَرَّهُ السَّيْلُ فِي أَرْضٍ وَنَبَتَ فِي الْأَرْضِ الْمَجْرُورِ إلَيْهَا فَهُوَ لِصَاحِبِهَا وَقَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ أَيْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا عَزَاهُ لَهَا اللَّخْمِيُّ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لِرَبِّهِ) أَيْ وَيَلْزَمُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ الْمَجْرُورِ إلَيْهَا وَعَلَى هَذَا اقْتَصَرَ فِي المج، وَلَوْ جَرَّ الرِّيحُ أَوْ السَّيْلُ حَبًّا مُلْقًى بِأَرْضٍ جَرِينٍ لِأَرْضٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَنْبُتْ فِيهَا فَهُوَ لِرَبِّهِ لَا لِرَبِّ الْأَرْضِ الْمُنْجَرِّ إلَيْهَا لِعَدَمِ نَبَاتِهِ بِهَا كَمَا لَوْ جَرَّ شَجَرَةً فَنَبَتَتْ وَكَانَتْ إذَا قُلِعَتْ نَبَتَتْ، وَأَرَادَ رَبُّهَا أَخْذَهَا لِيَغْرِسَهَا فِي أَرْضٍ أُخْرَى فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ إذَا قُلِعَتْ لَا تَنْبُتُ أَوْ كَانَتْ تَنْبُتُ، وَأَرَادَ رَبُّهَا قَلْعَهَا لِيَجْعَلَهَا حَطَبًا فَلِرَبِّ الْأَرْضِ مَنْعُهُ مِنْ قَلْعِهَا وَيَدْفَعُ لَهُ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً، وَأَمَّا لَوْ جَرَّ السَّيْلُ أَوْ الرِّيحُ تُرَابًا يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ رَمَادًا لِأَرْضِ آخَرَ وَطَلَبَ رَبُّهُ أَخْذَهُ فَلَهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ نَبَاتِهِ، وَإِنْ طَلَبَ مَنْ جَاءَ بِأَرْضِهِ مِنْ رَبِّهِ نَقْلَهُ وَأَبَى لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَمَّا إنْ جَرَّهُ بِطَرِيقٍ أَوْ مَسْجِدٍ لَزِمَ رَبَّهُ نَقْلُهُ كَمَوْتِ دَابَّتِهِ بِطَرِيقٍ فَيَلْزَمُ رَبَّهَا نَقْلُهَا لَا إنْ مَاتَتْ

(وَلَزِمَ) (الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ) مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي اكْتَرَاهَا مِنْ دَابَّةٍ أَوْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، ثُمَّ مَحَلُّ لُزُومِهِ بِالتَّمَكُّنِ مَا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ خَوْفًا عَلَى زَرْعِهِ مِنْ أَكْلِ فَأْرٍ وَنَحْوِهِ إبَّانَ الزَّرْعِ لَوْ زَرَعَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ إنْ امْتَنَعَ لِذَلِكَ، وَبَالَغَ عَلَى لُزُومِ الْكِرَاءِ بِالتَّمَكُّنِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ فَسَدَ) الزَّرْعُ (لِجَائِحَةٍ) لَا دَخْلَ لِلْأَرْضِ فِيهَا كَجَرَادٍ وَجَلِيدٍ وَبَرَدٍ وَجَيْشٍ وَغَاصِبٍ وَعَدَمِ نَبَاتِ حَبٍّ بِخِلَافِ نَحْوِ الدُّودِ وَالْعَطَشِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (أَوْ غَرَقٍ) لِلْأَرْضِ (بَعْدَ) فَوَاتِ (وَقْتِ الْحَرْثِ) وَاسْتَمَرَّ حَتَّى فَاتَ إبَّانُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا مُطْلَقًا لَا مَا حُرِثَتْ لَهُ فَقَطْ فَيَلْزَمُ الْكِرَاءُ فَأَوْلَى لَوْ انْكَشَفَتْ قَبْلَ الْإِبَّانِ، وَأَمَّا لَوْ غَرِقَتْ قَبْلَهُ وَانْكَشَفَتْ بَعْدَهُ فَلَا كِرَاءَ، وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ، وَلَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ (أَوْ) تَعَطَّلَ الزَّرْعُ (لِ) أَجْلِ (عُدْمِهِ) أَيْ الْمُكْتَرِي (بَذْرًا) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إيجَارِهَا لِغَيْرِهِ وَلِذَا لَوْ عَدِمَ أَهْلُ الْمَحَلِّ الْبَذْرَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْكِرَاءُ، فَقَوْلُهُ: أَوْ عُدْمِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى جَائِحَةٍ بِتَضْمِينِ فَسَدَ مَعْنَى تَعَطَّلَ (أَوْ سَجْنِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفِعْلُ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَالْمَكَانُ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ سُجِنَ ظُلْمًا أَوْ لَا لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ مِنْ سِجْنِهِ تَفْوِيتَهُ الزَّرْعَ، وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ عَلَى مَنْ سَجَنَهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى عَدَمِ زَرْعِهِ (أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ) فَيَلْزَمُ الْكِرَاءُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا إنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ، وَشُرُفَاتٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ أَوْ فَتْحِهَا

[حاشية الدسوقي]

بِدَارٍ، وَلَمْ يُدْخِلْهَا رَبُّهَا فِيهَا فَنَقْلُهَا عَلَى رَبِّ الدَّارِ، وَلَوْ انْهَدَمَ بِنَاءُ شَخْصٍ بِأَرْضِ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْ صَاحِبَهُ إلَّا نَقْلُ مَا لَهُ قِيمَةٌ كَالْأَخْشَابِ وَالْأَحْجَارِ لَا نَقْلُ التُّرَابِ إذْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ دَابَّةٍ دَخَلَتْ دَارًا وَحْدَهَا فَمَاتَتْ.

(قَوْلُهُ: وَلَزِمَ الْكِرَاءُ) أَيْ لِمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ وَقَوْلُهُ: بِالتَّمَكُّنِ أَيْ مِنْ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ أَوْ عَطَّلَ كَمَا إذَا بَوَّرَ الْأَرْضَ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِ النِّيلِ بِرَيِّهَا وَانْكِشَافِهَا، وَمِنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِ الْمَطَرِ بِاسْتِغْنَاءِ الزَّرْعِ عَنْ الْمَاءِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا فِي الشَّارِحِ وعبق وخش؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ حِينَ الْعَقْدِ، قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ) أَيْ بِأَنْ عَطَّلَ كَمَا لَوْ بَوَّرَ الْأَرْضَ أَوْ أَغْلَقَ الدَّارَ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ خَوْفًا عَلَى زَرْعِهِ) أَيْ أَوْ كَانَ عَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ لِفِتْنَةٍ أَوْ لِخَوْفِ مَنْ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ (قَوْلُهُ: فَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ) أَيْ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ (قَوْلُهُ: إنْ امْتَنَعَ لِذَلِكَ) أَيْ إذَا ثَبَتَ وُجُودُ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُ لِذَلِكَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ انْكِشَافِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ الدُّودِ أَوْ الْفَأْرِ وَامْتَنَعَ مِنْ زَرْعِهَا وَادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا بَوَّرَهَا خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا إذَا تَنَازَعَا فِي التَّمَكُّنِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي بِيَمِينِ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ، فَإِنْ أَقَرَّ الْمُكْتَرِي بِالتَّمَكُّنِ لَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَنَعَهُ مَانِعٌ مِنْ التَّمَكُّنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُكْرِي وَعَلَى الْمُكْتَرِي إثْبَاتُ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: وَغَاصِبٍ) أَيْ غَصَبَ الزَّرْعَ أَوْ غَصَبَ الْأَرْضَ أَوْ الْبَهَائِمَ قَبْلَ زَرْعِهَا وَكَانَ مِمَّنْ تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ كِرَاءٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِرَبِّ الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرَهُ بْن فِي بَابِ الْغَصْبِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ نَحْوِ الدُّودِ وَالْعَطَشِ) أَيْ بِخِلَافِ الْجَائِحَةِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ الْأَرْضِ كَالدُّودِ وَنَحْوِهِ مِثْلِ الْفَأْرِ وَالْعَطَشِ فَإِنَّ هَذِهِ تَارَةً تُسْقِطُ الْكِرَاءَ وَتَارَةً تُسْقِطُ بَعْضَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ لُزُومِ الْكِرَاءِ مَعَ فَسَادِ الزَّرْعِ بِالْجَائِحَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ بَعْدَ الْجَائِحَةِ مَا يُسْقِطُ الْكِرَاءَ، وَإِلَّا فَلَا كِرَاءَ كَمَا لَوْ حَصَلَتْ الْجَائِحَةُ السَّمَاوِيَّةُ مَثَلًا ثُمَّ حَصَلَ دُودٌ أَوْ فَأْرٌ أَوْ عَطَشٌ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ الزَّرْعُ بَاقِيًا لَسَقَطَ الْكِرَاءُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْحَرْثِ) سَوَاءٌ حَصَلَ الْغَرَقُ بَعْدَ حَرْثِهَا أَوْ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ: وَاسْتَمَرَّ أَيْ الْغَرَقُ حَتَّى فَاتَ إبَّانُ مَا يُزْرَعُ فِيهَا أَيْ بِحَيْثُ صَارَتْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إذَا انْكَشَفَتْ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَرَقَ بِمَنْزِلَةِ الْجَرَادِ.
(قَوْلُهُ: لَوْ انْكَشَفَتْ قَبْلَ الْإِبَّانِ) أَيْ لَوْ غَرِقَتْ قَبْلَهُ وَانْكَشَفَتْ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ غَرِقَتْ قَبْلَ الْإِبَّانِ وَانْكَشَفَتْ فِيهِ أَوْ غَرِقَتْ فِيهِ وَانْكَشَفَتْ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ فِيهِمَا بِالْأَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ فِيهِمَا فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْكِرَاءَ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ صُورَةِ الْمُصَنِّفِ وَالثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ بِالْأَوْلَى مِنْهَا (قَوْلُهُ: أَوْ لِعُدْمِهِ بَذْرًا) أَيْ يَبْذُرُهُ فِي الْأَرْضِ (قَوْلُهُ: لَوْ عَدِمَ أَهْلُ الْمَحَلِّ إلَخْ) أَيْ عَدِمُوهُ مِلْكًا وَتَسَلُّفًا حَتَّى مِنْ بَلَدٍ مُجَاوِرَةٍ لَهُمْ حَيْثُ عُرِفَ تَسَلُّفُهُمْ مِنْهُمْ، كَذَا يَظْهَرُ.
اهـ عبق (قَوْلُهُ: بِتَضْمِينِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فَسَادُ الزَّرْعِ الْمُقْتَضِي لِوُجُودِهِ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَذْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفِعْلُ) أَيْ، وَهُوَ وَضْعُهُ فِي السِّجْنِ وَقَوْلُهُ: فَالْمَكَانُ أَيْ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ) أَيْ، وَهِيَ تَمَكُّنُهُ مِنْ إيجَارِهَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ النَّاسُ يَدْخُلُونَ لَهُ فِي السِّجْنِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ الدُّخُولِ لَهُ فَالظَّاهِرُ سُقُوطُ الْكِرَاءِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَقْصِدْ إلَخْ) أَيْ وَيُعْلَمُ قَصْدُهُ بِقَرِينَةٍ أَوْ بِقَوْلِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ) : حَاصِلُ فِقْهِ

أَوْ سُكُونِهَا جَمْعُ شُرْفَةٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَلَوْ عَمَّرَ بِلَا إذْنٍ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَا شَيْءَ لَهُ.
(أَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ بَعْضَهُ) فَالْكِرَاءُ جَمِيعُهُ عَلَى الْمُكْتَرَى وَيَرْجِعُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا سَكَنَهُ (لَا إنْ نَقَصَ) الْمُنْهَدِمُ كَالشُّرُفَاتِ وَنَحْوِهَا شَيْئًا (مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ) فَيُحَطُّ عَنْهُ بِقَدْرِهِ (وَإِنْ قَلَّ) كَذَهَابِ تَبْلِيطِهَا أَوْ تَجْصِيصِهَا وَيَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ السُّكْنَى، وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ ضَرَرٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي وَخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ إلَخْ (أَوْ) (انْهَدَمَ بَيْتٌ مِنْهَا) أَيْ الدَّارِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ فَيُحَطُّ عَنْهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِشُمُولِ مَا قَبْلَهُ لَهُ لَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ بِأَوْ وَأُجِيبَ بِحَمْلِ مَا قَبْلَهُ عَلَى مَا لَا يَشْمَلُهُ (أَوْ سَكَنَهُ) أَيْ الْبَيْتَ مِنْهَا (مُكْرِيهِ) أَوْ شَغَلَهُ بِمَتَاعِهِ أَوْ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْهُ (أَوْ لَمْ يَأْتِ) مُكْرِيهِ (بِسُلَّمٍ لِلْأَعْلَى) الْمُحْتَاجِ لِلسُّلَّمِ (أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الْأَرْضِ) فِي الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ (أَوْ غَرِقَ) فِي الْإِبَّانِ وَاسْتَمَرَّ حَتَّى فَاتَ أَيْ، وَلَيْسَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ، وَإِلَّا انْفَسَخَ الْكِرَاءُ وَغَرِقَ وَعَطِشَ كَفَرِحَ وَقَوْلُهُ: (فَبِحِصَّتِهِ) قِيمَةً لَا مِسَاحَةً رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ السِّتِّ الْمُخَرَّجَةِ بِلَا، وَهَذَا إذَا أَقَامَ وَخَاصَمَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ (وَخُيِّرَ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِبْقَاءِ (فِي) حُدُوثِ (مُضِرٍّ) ، وَلَوْ مَعَ نَقْصِ مَنَافِعَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ (كَهَطْلٍ) أَيْ تَتَابُعِ مَطَرٍ وَالْمُرَادُ نُزُولُهُ مِنْ السَّقْفِ لِخِفَّتِهِ وَكَهَدْمِ أَوْ خَرَابِ بَاذَهَنْجُ، وَهَدْمِ سَاتِرٍ أَوْ بَيْتٍ مِنْهَا

[حاشية الدسوقي]

الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْهَدْمَ فِي الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ إمَّا يَسِيرٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ، وَلَا يُنْقِصُ شَيْئًا مِنْ الْكِرَاءِ كَالشُّرُفَاتِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ يَلْزَمُهُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِ حَطٍّ الثَّانِي مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ لَكِنْ يُنْقِصُ مِنْ الْكِرَاءِ كَقَلْعِ الْبَلَاطِ وَسُقُوطِ الْبَيَاضِ وَيَلْزَمُ السُّكْنَى وَيَحُطُّ بِقَدْرِهِ الثَّالِثُ مَا هُوَ مُضِرٌّ كَالْهَطْلِ فَيُخَيَّرُ الْمُكْتَرِي بَيْنَ السُّكْنَى بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ، وَإِمَّا كَثِيرٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا الْأَوَّلُ أَنْ يَعِيبَ السُّكْنَى، وَلَا يُبْطِلُ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ كَذَهَابِ تَحْصِينِهَا فَيُخَيَّرُ الْمُكْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ الثَّانِي أَنْ يُبْطِلَ بَعْضَ الْمَنَافِعِ كَانْهِدَامِ بَيْتٍ مِنْ ذَاتِ بُيُوتٍ فَيَسْكُنُ وَيُحَطُّ عَنْهُ بِقَدْرِهِ الثَّالِثُ أَنْ يُبْطِلَ مَنَافِعَ أَكْثَرِ الدَّارِ فَيُخَيَّرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ اسْتَوْفَى الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ السِّتَّةَ.
(قَوْلُهُ: جَمْعُ شُرْفَةٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ) أَيْ كَغُرْفَةٍ، وَفِي الْأَلْفِيَّةِ: وَالسَّاكِنُ الْعَيْنُ الثُّلَاثِيُّ اسْمًا أَنِلْ ... إتْبَاعَ عَيْنِ فَائِهِ بِمَا شُكِلَ وَسَكِّنْ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَوْ ... خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدْ رَوَوْا (قَوْلُهُ: فَلَوْ عَمَّرَ بِلَا إذْنٍ إلَخْ) أَيْ فَلَوْ عَمَّرَ الْمُكْتَرِي الشُّرُفَاتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ الَّذِي هُوَ الْمُكْرِي كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا أَنْفَقَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ، وَلَهُ أَخْذُ نَقْصِهَا إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ بَعْضَهُ) قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ يَعْنِي بِإِذْنِ الْمُكْتَرِي، وَلَوْ ضِمْنًا بِأَنْ سَكَتَ أَوْ غَصْبًا وَكَانَتْ تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ جَمِيعُ الْكِرَاءِ بَلْ يُحَطُّ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا سَكَنَ الْغَاصِبُ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَبِغَصْبِ الدَّارِ وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ، وَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالْفَسْخِ وَبَيْنَ مَا هُنَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَيَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا تَقَدَّمَ غَصَبَ جَمِيعَ الدَّارِ، وَهُنَا غَصَبَ بَعْضَهَا فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَلَا خِيَارَ لَهُ) أَيْ فِي الْفَسْخِ وَالْإِبْقَاءِ وَقَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ أَيْ مَحَلُّ اللُّزُومِ وَعَدَمُ الْخِيَارِ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ ضَرَرٌ إلَخْ قَدْ يُقَالُ يُحْتَمَلُ جَعْلُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ قَلَّ لِلْحَالِ وَيَكُونُ مَعْنَى الْقَلِيلِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُكْتَرِي وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ هَذَا قَيْدًا زَائِدًا (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمٍ لِلْأَعْلَى) أَيْ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ السُّلَّمُ قَالَ فِي الْمُنْتَخَبِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ أَبَى صَاحِبُ الْمَنْزِلِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْعُلُوِّ سُلَّمًا، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُكْتَرِي حَتَّى انْقَضَتْ السَّنَةُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ لِمَا يُصِيبُ ذَلِكَ الْعُلُوَّ مِنْ الْكِرَاءِ وَيُطْرَحُ عَنْ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ جَمِيعَ مَنَافِعِ الدَّارِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهَا وَتَسْلِيمُهُ لِلْعُلُوِّ هُوَ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ سُلَّمًا يَرْقَى عَلَيْهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ لَهُ الدَّارَ وَفِيهَا عُلُوٌّ لَا يَرْقَى إلَيْهِ إلَّا بِسُلَّمٍ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ سُلَّمًا يَرْتَقِي عَلَيْهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ دَلْوًا وَحَبْلًا يَصِلُ بِهِمَا لِمَاءِ الْبِئْرِ لِأَنَّ مَا بَاعَهُ إلَيْهِ قَدْ أَسْلَمَهُ إلَيْهِ فَهُوَ إنْ شَاءَ سَكَّنَهُ، وَإِنْ شَاءَ هَدَمَهُ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِمَا شَاءَ كَوْنُهُ بِلَا سُلَّمٍ.
اهـ. بْن.
(قَوْلُهُ: فِي الْإِبَّانِ) الْمُرَادُ بِالْإِبَّانِ وَقْتُ الْحَرْثِ الْغَالِبِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ لَا نَفْسُ الْأَرْضِ بِانْفِرَادِهَا.
وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ فَوَاتِ الْإِبَّانِ (قَوْلُهُ: أَوْ غَرِقَ فِي الْإِبَّانِ) أَيْ لَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغَرَقِ وَالْعَطَشِ أَنَّهُ فِي الْعَطَشِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ إذْ عَلَى الْمُكْرِي سَقْيُ أَرْضِهِ بِخِلَافِ الْغَرَقِ فَإِنَّهُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ حُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَالْغَرَقُ بَعْدَهُ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَبِحِصَّتِهِ) أَيْ فَيُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: قِيمَةً إلَخْ أَيْ بِحَسَبِ الْقِيمَةِ لَا بِحَسَبِ الْمِسَاحَةِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ) أَيْ مَا سَمَّى مِنْ الْأُجْرَةِ بِتَمَامِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ نَقْصِ مَنَافِعَ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُضِرُّ غَيْرَ مُصَاحِبٍ لِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَافِعِ كَالْهَطْلِ، وَمَا بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ مُصَاحِبًا لِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَافِعِ كَهَدْمِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدَّارِ خِلَافًا لعبق حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُضِرَّ الْمُصَاحِبَ لِإِسْقَاطِ الْمَنَافِعِ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ وَيُحَطُّ بِقَدْرِهِ.
(قَوْلُهُ: قَلَّ أَوْ كَثُرَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُضِرُّ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (قَوْلُهُ: بَاذَهَنْجُ) أَيْ، وَهُوَ مَلْقَفُ الْهَوَاءِ (قَوْلُهُ: وَهَدْمِ سَاتِرٍ) أَيْ، وَهَدْمِ سَاتِرِ الدَّارِ الْمُحَصِّنِ لَهَا (قَوْلُهُ: أَوْ بَيْتٍ مِنْهَا) أَيْ أَوْ هَدْمِ بَيْتٍ مِنْهَا وَالْحَالُ أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا كَثِيرًا عَلَى السَّاكِنِ، وَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ هَدْمَ الْبَيْتِ

(فَإِنْ بَقِيَ فَالْكِرَاءُ) جَمِيعُهُ لَازِمٌ لَهُ.

وَشُبِّهَ فِي لُزُومِ الْكِرَاءِ قَوْلُهُ: (كَعَطَشِ) (أَرْضُ صُلْحٍ) صَالَحَ السُّلْطَانُ الْكُفَّارَ عَلَيْهَا وَزَرَعُوهَا فَعَطِشَتْ فَإِنَّ الْكِرَاءَ لَازِمٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَإِنَّمَا صَالَحَهُمْ بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَلَا يُسَمَّى خَرَاجًا إلَّا مَجَازًا (وَهَلْ) يَلْزَمُهُمْ (مُطْلَقًا) عَيَّنُوهُ لِلْأَرْضِ أَوْ لِلْأَرْضِ مَعَ الرُّءُوسِ أَوْ مُجْمَلًا، وَأَمَّا لَوْ عَيَّنُوهُ لِلرُّءُوسِ فَقَطْ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِحَالٍ (أَوْ) مَحَلَّ اللُّزُومِ (إلَّا أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى الْأَرْضِ) وَحْدَهَا فَعَطِشَتْ فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْكِرَاءُ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا صَالَحَهُمْ بِشَيْءٍ عَلَى الْأَرْضِ وَالرُّءُوسِ، وَمُيِّزَ مَا لِكُلٍّ فَإِذَا زَرَعُوهَا فَعَطِشَتْ أَوْ لَمْ تُرْوَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ كِرَاءٌ فِيمَا قَابَلَ الْأَرْضَ، وَأَمَّا لَوْ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَقَطْ أَوْ مُجْمَلًا فَيَلْزَمُهُمْ قَطْعًا عَطِشَتْ أَوْ لَمْ تَعْطَشْ (تَأْوِيلَانِ) رُجِّحَ تَأْوِيلُ الْإِطْلَاقِ ثُمَّ إنْ أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَالْأَرْضُ مِلْكٌ لَهُمْ تُبَاعُ وَتُورَثُ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ كَأَرْضِ مِصْرَ فَإِنَّهَا أُجْرَةٌ مُحَقَّقَةٌ؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عَنْوَةٍ مَوْقُوفَةٍ آجَرَهَا السُّلْطَانُ؛ لِأَنَّهُ النَّاظِرُ وَالْخَلِيفَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا عَطِشَتْ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ كَمَا مَرَّ، وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ فَإِنْ مَاتَ وَاضِعُ الْيَدِ مِنْ الْفَلَّاحِينَ فَالنَّظَرُ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ وَالْعُرْفِ فَلَا يَنْزِعُ طِينَ أَحَدٍ لِآخَرَ، وَلَا طِينَ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَهْلِ بَلَدٍ أُخْرَى، وَلَا لِنَفْسِهِ، وَإِذَا مَاتَ وَاضِعُ يَدٍ وَكَانَ الْعُرْفُ أَنْ يُعْطِيَ لِوَرَثَتِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ عَمِلَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ سَدًّا لَبَاب الْمَفْسَدَةِ، وَمَا جَبَى مِنْ الْخَرَاجِ صُرِفَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ بَيْتُ مَالِهِمْ وَالسُّلْطَانُ نَاظِرٌ، وَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَأَمَّا الْمُلْتَزِمُونَ فَلَيْسَ لَهُمْ تَصَرُّفٌ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا إذْ لَيْسُوا بِنُوَّابٍ لِلسُّلْطَانِ، وَلَا لِنَائِبِهِ، وَإِنَّمَا هُمْ جُبَاةٌ

[حاشية الدسوقي]

مِنْ الدَّارِ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ بَلْ يُوجِبُ السُّكْنَى وَيُحَطُّ بِقَدْرِهِ فَمُقَيَّدٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ بِمَا إذَا كَانَ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ كَثِيرٌ عَلَى الْمُكْتَرِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَقِيَ) أَيْ فَإِنْ اخْتَارَ الْبَقَاءَ، وَلَمْ يَفْسَخْ.
(قَوْلُهُ: فَالْكِرَاءُ جَمِيعُهُ) أَيْ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَقَاءُ مَعَ إسْقَاطِ حِصَّةِ الْمُضِرِّ مِنْ الْكِرَاءِ.

(قَوْلُهُ: فَعَطِشَتْ) أَيْ حَتَّى تَلِفَ الزَّرْعُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ حَقِيقِيَّةٍ) أَيْ بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ كَأَرْضِ مِصْرَ فَإِنَّهَا أُجْرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عَنْوَةٍ آجَرَهَا السُّلْطَانُ فَإِذَا عَطِشَتْ سَقَطَتْ الْأُجْرَةُ (قَوْلُهُ: وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ مُطْلَقًا) أَيْ، وَهَلْ يَلْزَمُ الْخَرَاجُ أَهْلَ الصُّلْحِ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: عَيَّنُوهُ لِلْأَرْضِ إلَخْ) أَيْ كَمَا لَوْ جَعَلُوا لِلسُّلْطَانِ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ صُلْحًا عَلَى أَرْضِهِمْ أَوْ عَلَى أَرْضِيهِمْ وَرُءُوسِهِمْ سَوَاءٌ مَيَّزُوا مَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَمْ لَا وَقَوْلُهُ: أَوْ مُجْمَلًا أَيْ أَوْ صَالَحُوهُ عَلَى شَيْءٍ مُجْمَلًا أَيْ صُلْحًا مُجْمَلًا بِأَنْ جَعَلُوا لَهُ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ صُلْحًا، وَأَجْمَلُوا فَلَمْ يَذْكُرُوا أَرْضًا، وَلَا رُءُوسًا (قَوْلُهُ: أَوْ مَحَلُّ اللُّزُومِ إلَّا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الْأَرْضِ) أَيْ أَوْ مَحَلُّ اللُّزُومِ فِي كُلِّ حَالَةٍ إلَّا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الْأَرْضِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الرُّءُوسِ، وَمُيِّزَ مَا لِكُلٍّ وَذَلِكَ إذَا صَالَحُوا بِشَيْءٍ عَلَى الْأَرْضِ وَالرُّءُوسِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزِ مَا لِكُلٍّ أَوْ صَالَحُوا بِشَيْءٍ، وَأَجْمَلُوا فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرُوا أَرْضًا، وَلَا رُءُوسًا أَوْ كَانَ صُلْحُهُمْ عَلَى الرُّءُوسِ فَقَطْ، وَأَمَّا لَوْ صَالَحُوا عَلَى الْأَرْضِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى الرُّءُوسِ وَمُيِّزَ مَا لِكُلٍّ فَلَا يَلْزَمُهُمْ كِرَاءُ الْأَرْضِ إذَا عَطِشَتْ وَتَلِفَ زَرْعُهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْجَمَاجِمِ) أَيْ الرُّءُوسِ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) هُمَا فِي صُورَتَيْنِ: مَا إذَا صَالَحُوا عَلَى الْأَرْضِ فَقَطْ أَوْ عَلَيْهَا وَعَلَى الرُّءُوسِ، وَمُيِّزَ مَا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُمْ الْكِرَاءُ إذَا عَطِشَتْ الْأَرْضُ وَتَلِفَ زَرْعُهَا وَعَلَى الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُمْ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى الرُّءُوسِ فَقَطْ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ وَالرُّءُوسِ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يُمَيَّزْ مَا لِكُلٍّ أَوْ صَالَحُوا بِشَيْءٍ صُلْحًا مُجْمَلًا، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَرْضًا، وَلَا رُءُوسًا فَلَا تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ اتِّفَاقًا فِيهِمَا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا خِلَافًا لعبق حَيْثُ جَعَلَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُمَيِّزُوا مَا عَلَى كُلٍّ كَمَا لَوْ مَيَّزُوا فَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي صُوَرٍ ثَلَاثٍ (قَوْلُهُ: رُجِّحَ تَأْوِيلُ الْإِطْلَاقِ) أَيْ، وَهُوَ لُزُومُهُمْ مَا صَالَحُوا بِهِ مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ الْخَمْسَةِ إذَا عَطِشَتْ أَرْضُهُمْ وَتَلِفَ الزَّرْعُ أَوْ لَمْ تُرْوَ، سَوَاءٌ صَالَحُوا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى الرُّءُوسِ أَوْ عَلَيْهَا وَمَيَّزُوا مَا عَلَى كُلٍّ أَوْ لَمْ يُمَيِّزُوا أَوْ صَالَحُوا بِشَيْءٍ مُجْمَلًا (قَوْلُهُ: وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ) نَعَمْ يَجُوزُ فِيهَا إسْقَاطُ الْحَقِّ فَمَنْ اسْتَحَقَّ طِينًا مِنْ الْفِلَاحَةِ بِأَنْ كَانَ أَثَرًا لَهُ فَلَهُ إسْقَاطُ حَقِّهِ فِيهِ لِغَيْرِهِ مَجَّانًا، وَفِي مُقَابَلَةِ الشَّيْءِ، وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الزَّرْقَانِيِّ وَالشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الشَّبْرَخِيتِيِّ وَالشَّيْخِ يَحْيَى الشَّاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ بِالتَّوَارُثِ فِيهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ لِلْفَلَّاحِ فِيهَا حَقًّا يُشْبِهُ الْخُلُوَّ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ خِدْمَتِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْحَرْثِ وَالتَّصْلِيحِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ تَخْرِيسِهَا الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ زَرْعِهَا وَبِالْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْإِرْثِ لَكِنْ الَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ اتِّبَاعُ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْإِرْثِ لِمَا عَرَفْت؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَعُ لِلنِّزَاعِ وَالْفِتَنِ بَيْنَ الْفَلَّاحِينَ.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ ) أَيْ فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ: فَلَا يَنْزِعُ إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ (قَوْلُهُ: أَنْ يُعْطِيَ لِوَرَثَتِهِ الذُّكُورِ) أَيْ أَوْ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مَعًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَحَلَّهُ) أَيْ مَحَلَّ مَا جَبَى مِنْ الْخَرَاجِ (قَوْلُهُ: وَالسُّلْطَانُ نَاظِرٌ) أَيْ عَلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: وَلَهُ) أَيْ لِلسُّلْطَانِ الْآخِذُ مِنْهُ أَيْ لِلنَّفَقَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ (قَوْلُهُ: إذْ لَيْسُوا بِنُوَّابٍ لِلسُّلْطَانِ) أَيْ فِي صَرْفِهِ

مَضْرُوبٌ عَلَى أَيْدِيهِمْ كَالْجَابِي فِي الزَّكَاةِ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ إلَّا فِي جَبْيِ الزَّكَاةِ وَيُعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْهَا لَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ كَذَلِكَ الْمُلْتَزِمُ أَيْ الَّذِي الْتَزَمَ لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِنَائِبِهِ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ خَرَاجَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيَّةِ، وَلَهُ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ مَا يُسَمُّونَهُ الْفَائِضَ أُجْرَةً ثُمَّ إنَّ هَذَا الْفَائِضَ إنْ كَانَ جَعَلَهُ السَّلَاطِينُ الْمَاضُونَ عَلَى الْفَلَّاحِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَرَاجِ بِرِضَاهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْمُلْتَزِمِ، وَإِلَّا فَهُوَ سُحْتٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ الْفَلَّاحِينَ لَا يُقَالُ الْمُلْتَزِمُ قَدْ اسْتَأْجَرَ الْبَلَدَ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِلْفَلَّاحِينَ بِمَا شَاءَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا مَوْقُوفَةً عَلَى مُسْتَحَقِّينَ مِنْ نَاظِرِهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِغَيْرِهِ بِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَذَا ظَنَّ بَعْضُ الْحَمْقَى الْأَغْبِيَاءِ فَأَفْتَوْهُمْ بِمَا لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا فَإِنَّمَا الْمَالُ الَّذِي يَدْفَعَهُ الْمُلْتَزِمُ مِمَّا يُسَمُّونَهُ بِالْحُلْوَانِ لِلسُّلْطَانِ أَوْ لِنَائِبِهِ فِي نَظِيرِ وَضْعِ الْيَدِ وَالتَّقْرِيرِ الْمُسَمَّى دَالَّةً بِالتَّقْسِيطِ نَظِيرُهُ مَا لَوْ مَاتَ جُنْدِيٌّ عَنْ عُلُوفَةِ فَيَدْفَعُ رَجُلٌ لِلسُّلْطَانِ مَالًا لِيُقَرِّرَهُ مَكَانَهُ فِي قَبْضِ الْعُلُوفَةِ لِنَفْسِهِ كَذَلِكَ الْمُلْتَزِمُ دَفَعَ مَالٍ لِلسُّلْطَانِ لِيُمَكِّنَهُ عَلَى الْجِبَايَةِ لِيَأْخُذَ الْفَائِضَ لِنَفْسِهِ فَلَيْسَ هَذَا بِإِجَارَةٍ وَلَا بَيْعٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْبَدَاهَةِ إذْ الْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ فِي زَمَنٍ مَعْلُومٍ بِمَالٍ مَعْلُومٍ، وَلَا يُقَالُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ كُلَّ سَنَةٍ يَكْتُبُ تَقْرِيرًا وَتَقْسِيطًا لِلْمُلْتَزِمِ بِصُورَةِ إجَارَةٍ وَيَدْفَعُ الْمُلْتَزِمُ لِلسُّلْطَانِ الْخَرَاجَ الْمُسَمَّى بِالْمَيْرَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمِيرَى لَيْسَ مَالًا لِلْمُلْتَزِمِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَرَاجٌ قَدْ فَرَضَهُ السَّلَاطِينُ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى الْمُزَارِعِينَ لِيَدْفَعُوهُ لِلنَّاظِرِ الْمُتَوَلِّي أَمْرَ الْمَصَالِحِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَنَاظِرٍ عَلَى وَقْفِ عَيْنٍ جَابِيًا عَلَى جَمْعِ مَالِ الْوَاقِفِ لِيَصْرِفَهُ النَّاظِرُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَكُلُّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ وَقْفٌ كَمَا هُوَ عِنْدَنَا وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ كَمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قُرَى مِصْرَ فُتِحَتْ صُلْحًا فَظَاهِرٌ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ لَا تَصَرُّفَ لَهُ وَقَدْ أَفْتَاهُمْ مَنْ اتَّبَعَ وَهْمَهُ أَنَّ لَهُمْ التَّصَرُّفَ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ لَهُمْ التَّمْكِينَ وَالنَّزْعَ وَالزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ حَتَّى قَالُوا لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْفَلَّاحِينَ مَا شَاءَ، وَلَوْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ، وَالْفَلَاحُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى فَيَزْرَعَ، وَأَنْ يَتْرُكَ وَاشْتُهِرَتْ هَذِهِ الْفَتْوَى الْبَاطِلَةُ ضَرُورَةً بِمِصْرَ حَتَّى صَالَ الْأُمَرَاءُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَيَقُولُ الظَّالِمُ بَلَدِي اشْتَرَيْتُهَا بِمَالِي أَفْعَلُ فِيهَا وَفِي الْفَلَّاحِينَ مَا شِئْتُ كَمَا أَفْتَانِي بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ أَوْ صَارَ الْمَفْتُونُ يُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَزَادُوا أَنْ قَالُوا لَوْ كَانَ لِلْبَلَدِ مُلْتَزِمَانِ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ فَلِلثَّانِي الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلُوهُ شَرِيكًا مَالِكًا، وَأَنَّ هَذَا الْإِسْقَاطَ بَيْعٌ، وَأَنَّ شَرِيكَهُ يَسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ، وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مِنْ أَيْنَ جَاءَكُمْ هَذَا لَقَالُوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ قَوْلَهُ (عَكْسُ) (تَلَفِ الزَّرْعِ) بِآفَةٍ مِمَّا لِلْأَرْضِ مَدْخَلٌ فِيهَا، وَأَرَادَ بِالْعَكْسِ الْمُقَابَلَةَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَيْ عَكْسُ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ وُجُوبِ الْكِرَاءِ وَعَكْسُهُ أَيْ نَقِيضُهُ عَدَمُ وُجُوبِهِ بِآفَةٍ مِنْ أَرْضِهِ (لِكَثْرَةِ دُودِهَا أَوْ فَأْرِهَا) لَوْ قَالَ لَدُودِهَا إلَخْ كَانَ أَحْسَنَ، وَأَخْصَرَ إذْ لَا تُشْتَرَطُ الْكَثْرَةُ (أَوْ عَطَشٍ) فَتَلِفَ كُلُّهُ (أَوْ بَقِيَ) مِنْهُ (الْقَلِيلُ) كَسِتَّةِ أَفْدِنَةٍ مِنْ مِائَةٍ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِجِهَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا وَقِيلَ مَحَلُّهُ إنْ كَانَ مُتَفَرِّقًا فِي جُمْلَةِ الْفَدَادِينِ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: مَضْرُوبٌ عَلَى أَيْدِيهِمْ) أَيْ مُلْزَمُونَ بِجِبَايَةِ الْخَرَاجِ مِنْ الزُّرَّاعِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ حَلَالٌ لِلْمُلْتَزِمِ) أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُلْتَزِمُ اسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ بِأَنْ كَانَ اسْتِيلَاؤُهُ بِتَقْسِيطٍ دِيوَانِيٍّ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيطٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِهِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْبَلَدِ فَائِضًا سُحْتٌ مَحْضٌ كَذَا قَرَّرَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: فَأَفْتَوْهُمْ) أَيْ فَأَفْتَوْا الْمُلْتَزِمِينَ (قَوْلُهُ: بِمَا لَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِهِ مِنْ سُلْطَانٍ) أَيْ بِشَيْءٍ لَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا أَيْ حُجَّةً وَدَلِيلًا أَيْ فَأَفْتَوْهُمْ بِشَيْءٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ قَدْ اسْتَأْجَرَ الْبَلَدَ مِنْ نَائِبِ السُّلْطَانِ فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِلْفَلَّاحِينَ بِمَا شَاءَ (قَوْلُهُ: فَضَلُّوا) أَيْ فَتَاهُوا عَنْ الْحَقِّ، وَأَضَلُّوا الْمُلْتَزِمِينَ الَّذِينَ أَفْتَوْهُمْ (قَوْلُهُ: فِي نَظِيرِ وَضْعِ الْيَدِ) أَيْ عَلَى الْبَلَدِ لِأَجْلِ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ مِنْهَا لَا أَنَّهُ أُجْرَةٌ اسْتَأْجَرَ بِهَا الْبَلَدَ (قَوْلُهُ: إذْ الْإِجَارَةُ تَمْلِيكُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ إلَخْ) أَيْ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَقَدْ أَفْتَاهُمْ) أَيْ الْمُلْتَزِمُونَ (قَوْلُهُ: عَكْسُ تَلَفِ الزَّرْعِ بِآفَةٍ إلَخْ) أَيْ فَيَسْقُطُ الْكِرَاءُ فَكَمَا يَجِبُ الْكِرَاءُ فِيمَا مَرَّ يَسْقُطُ هُنَا (قَوْلُهُ: مِنْ وُجُوبِ الْكِرَاءِ) بَيَانٌ لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَوْلُهُ: وَعَكْسِهِ الْأَوْلَى حَذْفُهُ وَقَوْلُهُ: أَيْ نَقِيضِهِ تَفْسِيرٌ لِعَكْسِ الْحُكْمِ وَقَوْلُهُ: أَيْ عَكْسُ الْحُكْمِ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: عَدَمُ وُجُوبِهِ أَيْ الْكِرَاءِ خَبَرُهُ وَقَوْلُهُ: بِآفَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ إذَا تَلِفَ الزَّرْعُ بِالْآفَةِ مِنْ أَرْضِهِ (قَوْلُهُ: لِكَثْرَةِ دُودِهَا) أَوْ بِمَا يَنْشَعُ مِنْهَا مِنْ الْمَاءِ وَنَحْوِ حَامُولٍ وَقُضَّابٍ وَهَالُوكٍ وَعَاقُولٍ وَالْمُرَادُ تَلَفُ الزَّرْعِ بِوُجُودِ مَا ذَكَرَ فِي الْمُدَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مُعْتَادَةً بِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا فِي عبق وَكَمَا يَسْقُطُ الْكِرَاءُ بِتَلَفِ الزَّرْعِ بِآفَةٍ مِنْ أَرْضِهِ يَسْقُطُ أَيْضًا بِمَنْعِ الزَّرْعِ وَتَبْوِيرِ الْأَرْضِ لِفِتْنَةٍ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: أَوْ عَطَشٍ) أَيْ لِجَمِيعِ الْأَرْضِ حَتَّى تَلِفَ الزَّرْعُ بِتَمَامِهِ أَوْ بَقِيَ مِنْهُ الْقَلِيلُ بِلَا تَلَفٍ فَلَا يَلْزَمُهُ كِرَاءٌ أَصْلًا، وَإِلَّا لِمَا بَقِيَ بِلَا تَلَفٍ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ لَوْ انْفَرَدَ بِجِهَةٍ) أَيْ ظَاهِرُهُ عَدَمُ وُجُوبِ الْكِرَاءِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الزَّرْعِ بِلَا تَلَفٍ، وَلَوْ انْفَرَدَ ذَلِكَ الْبَاقِي بِجِهَةٍ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَحَلُّهُ) أَيْ مَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ الْكِرَاءِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الزَّرْعِ بِلَا تَلَفٍ إنْ كَانَ إلَخْ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَنْ اللَّخْمِيِّ (قَوْلُهُ: جُمْلَةِ الْفَدَادِينِ) أَيْ الْمُكْتَرَاةِ

فَلَوْ كَانَ مُجْتَمِعًا فِي جِهَةٍ لَوَجَبَ كِرَاؤُهُ بِخُصُوصِهِ (وَلَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ) بِالْمَدِّ، وَهُوَ الْمُؤَجِّرُ كَمَالِكِ دَارٍ (عَلَى إصْلَاحٍ) لِمُكْتَرٍ سَاكِنٍ مَثَلًا (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَا اُحْتِيجَ لِلْإِصْلَاحِ يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ أَمْ لَا حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَمْ لَا أَمْكَنَ مَعَهُ السُّكْنَى أَمْ لَا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُخَيَّرُ السَّاكِنُ بَيْنَ السُّكْنَى فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا فَلَوْ أَنْفَقَ الْمُكْتَرِي شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ حُمِلَ عَلَى التَّبَرُّعِ فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ خُيِّرَ رَبُّهَا فِي دَفْعِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا أَوْ أَمَرَهُ بِنَقْضِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِصْلَاحِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ قَائِمًا إنْ لَمْ يَقُلْ، وَمَا صَرَفْتَهُ فَهُوَ عَلَيَّ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا صَرَفَهُ (بِخِلَافِ) (سَاكِنٍ أَصْلَحَ لَهُ) رَبُّ الدَّارِ أَوْ نَاظِرُهَا مَا انْهَدَمَ فَيُجْبَرُ عَلَى السُّكْنَى (بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ) وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ (قَبْلَ خُرُوجِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلَحَ فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْإِصْلَاحِ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَبْرُهُ عَلَى عَوْدِهِ إلَيْهَا بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ.

(وَإِنْ) (اكْتَرَيَا) أَوْ اشْتَرَيَا (حَانُوتًا) وَتَنَازَعَا (فَأَرَادَ كُلٌّ مُقَدَّمَهُ) لِوُقُوعِ الْعَقْدِ مُجْمَلًا (قُسِمَ) بَيْنَهُمَا (إنْ أَمْكَنَ) الْقَسْمُ (وَإِلَّا) يُمْكِنْ (أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا) لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَدَّمِ وَاخْتَلَفَا فِي الْجِهَةِ فَالْقُرْعَةُ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ وَالْبَيْتُ الْمُطِلُّ بَعْضُهُ عَلَى نَهْرٍ أَوْ بُسْتَانٍ كَذَلِكَ (وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ) غَيْطٍ (مُكْرًى) لِلزِّرَاعَةِ (سِنِينَ) الْمُرَادُ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ الشَّامِلِ لِلسَّنَتَيْنِ فَأَوْلَى سَنَةٌ فَقَطْ (بَعْدَ زَرْعِهِ) فَلَوْ غَارَتْ قَبْلَ زَرْعِهِ

[حاشية الدسوقي]

لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْهَالِكِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ إلَخْ) أَخَذَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ مَنْ لَهُ خَرِبَةٌ بِجِوَارِ شَخْصٍ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا ضَرَرٌ كَسَارِقٍ وَنَحْوِهِ عَلَى عِمَارَتِهَا، وَلَا عَلَى بَيْعِهَا وَيُقَالُ لَهُ احْمِلْ مَا يَنْدَفِعُ عَنْك بِهِ الضَّرَرُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا إنْ صَعِدَ مِنْهَا سَارِقٌ لِبَيْتِ جَارِهَا وَبِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ السَّنْبَاطِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِلُزُومِ رَبِّ الْخَرِبَةِ بِفِعْلِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرَرُ جَارِهِ مِنْ عِمَارَتِهَا أَوْ بَيْعِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (قَوْلُهُ: يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ) أَيْ بَقَاؤُهُ بِلَا إصْلَاحٍ (قَوْلُهُ: حَدَثَ) أَيْ مُوجِبُ الْإِصْلَاحِ، وَهُوَ الْهَدْمُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ) أَيْ، وَأَمَّا غَيْرُهُ، وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ فَيَقُولُ يُجْبَرُ الْآجِرُ عَلَى الْإِصْلَاحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ الْعَمَلُ وَالْخِلَافُ لَيْسَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ بَلْ خَاصٌّ بِالْمُضِرِّ الْيَسِيرِ كَالْهَطْلِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِصْلَاحُ إجْمَاعًا كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ اهـ بْن (قَوْلُهُ: وَيُخَيَّرُ السَّاكِنُ) هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْهَدْمُ مُضِرًّا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقِصًا لِلْكِرَاءِ فَقَطْ، وَأَبَى الْمَالِكُ مِنْ الْإِصْلَاحِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي وَيُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِهِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَوَّاقِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ مِنْ تَخْيِيرِ السَّاكِنِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِلتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَنْفَقَ الْمُكْتَرِي شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ) أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكْرِي عَلَى إصْلَاحِ الْمُنْهَدِمِ حُمِلَ عَلَى التَّبَرُّعِ هَذَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَقَارُ مِلْكًا، وَأَمَّا مَنْ اسْتَأْجَرَ وَقْفًا يَحْتَاجُ لِإِصْلَاحِهِ فَأَصْلَحَهُ الْمُكْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِ نَاظِرِهِ فَإِنَّهُ يُعْطَى قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لِوُجُوبِ إصْلَاحِ الْوَقْفِ عَلَى النَّاظِرِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِأَجْلِ الْمُسْتَأْجِرِ (قَوْلُهُ: حُمِلَ عَلَى التَّبَرُّعِ) أَيْ فَلَا يَأْخُذُ مَا أَنْفَقَهُ لَا يُقَالُ مَنْ بَنَى مَا انْهَدَمَ فَقَدْ قَامَ عَنْ رَبِّهِ بِوَاجِبٍ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْغُرْمِ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْغُرْمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَارُ هَدْمَ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِيَبِيعَهُ عَرْصَةً، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَيَأْخُذُهُ) أَيْ الْمُكْرِي بِقِيمَتِهِ قَائِمًا أَيْ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِقَلْعِهِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ مَنْقُوضًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْإِصْلَاحُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ أَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ كَمَا فِي عبق (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إلَخْ) هَذَا مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلَحَ) أَيْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ لَا بِأَصْلَحَ لِإِغْنَاءِ الظَّرْفِ أَعْنِي قَوْلَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ عَنْهُ حِينَئِذٍ.

(قَوْلُهُ: فَأَرَادَ كُلٌّ مُقَدَّمَهُ) أَيْ وَصَلُحَتْ صَنْعَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمُقَدَّمِهِ عُرْفًا سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ صَنْعَتُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَتْ (قَوْلُهُ: قُسِمَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُقَدَّمُ وَقَوْلُهُ: إنْ أَمْكَنَ الْقَسْمُ أَيْ قَسْمُ الْمُقَدَّمِ لِإِتْسَاعِهِ وَقَبُولِهِ لِلْقَسْمِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا) أَيْ مَا لَمْ يَصْطَلِحَا عَلَى الْجُلُوسِ عَلَى التَّعَاقُبِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: لِلضَّرُورَةِ) أَيْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالْمُنَازَعَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَدَّمِ) أَيْ عَلَى جُلُوسِهِمَا مَعًا فِي الْمُقَدَّمِ لِاتِّسَاعِهِ وَقَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَا فِي الْجِهَةِ أَيْ الَّتِي يَجْلِسُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهَا (قَوْلُهُ: لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْجِهَةِ لَيْسَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ كَمَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْقَسْمِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا، وَلَا كَلَامَ لِرَبِّ الْبَيْتِ ولَا الْحَانُوتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ فَغَارَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَارَتْ بِئْرُهَا، وَأَبَى رَبُّهَا مِنْ الْإِصْلَاحِ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُنْفِقَ مِنْ الْأُجْرَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ زَرَعَ قَبْلَ غَوْرِ الْعَيْنِ وَكَانَتْ أُجْرَةُ سَنَةٍ تَكْفِي فَلَهُ الْإِنْفَاقُ حِينَئِذٍ وَيُحْسَبُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ قَهْرًا عَنْ الْمُكْرِي فَإِنْ كَانَ لَمْ يَزْرَعْ أَوْ زَرَعَ وَكَانَ لَا تَكْفِي أُجْرَةُ السَّنَةِ فِي الْعِمَارَةِ فَلَيْسَ لَهُ الْإِنْفَاقُ فَإِنْ أَنْفَقَ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقَهُ فِي الْأُولَى وَبِمَا زَادَ عَلَى

حُمِلَ مَا أَنْفَقَهُ الْمُكْتَرِي عَلَى التَّبَرُّعِ (نَفَقْتَ) أَيُّهَا الْمُكْتَرِي أَيْ صَرَفْت مِنْ عِنْدِك فِي إصْلَاحِ الْعَيْنِ إنْ أَبَى الْمُكْتَرِي (حِصَّةَ) أَيْ أُجْرَةَ (سَنَةٍ فَقَطْ) لِيَتِمَّ زَرْعُك فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيَلْزَمُ الْمُكْرِيَ مَا أَنْفَقْت؛ لِأَنَّك قُمْت عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا إذَا كَانَ حِصَّةُ السَّنَةِ يَتَأَتَّى بِهَا إصْلَاحٌ فَلَوْ كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إلَّا أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ سَنَةٍ، وَأَبَى رَبُّهَا مِنْ الْإِصْلَاحِ، وَمِنْ الْإِذْنِ لَهُ فَأَنْفَقَ الْمُكْتَرِي كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالزَّائِدِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يُنْفِقَ أَيْضًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الزَّرْعِ مِنْ الْعَطَشِ، وَمِثْلُ الْغَوْرِ انْهِدَامُ الْبِئْرِ وَقَوْلُهُ: نَفَقْتَ بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا كَعَتَقَ، وَفَرِحَ، وَهُوَ لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِهَمْزَةِ النَّقْلِ فَالصَّوَابُ أَنْفَقْت، وَقِيلَ إنَّهُ يَتَعَدَّى فِي لُغَةٍ كَأَعْتَقَهُ وَعَتَقَهُ.

(وَإِنْ) (تَزَوَّجَ) رَجُلٌ امْرَأَةً رَشِيدَةً (ذَاتَ بَيْتٍ، وَإِنْ) مَلَكَتْ مَنْفَعَتَهُ (بِكِرَاءٍ) لَازِمٍ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً وَنَقَدَتْ جُمْلَةً (فَلَا كِرَاءَ) عَلَى الزَّوْجِ لَهَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ (إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ) ، وَلَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْبَيَانِ فَيَكُونُ لَهَا الْكِرَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا مَا تَقَدَّمَهُ وَبَيْتُ أُمِّهَا أَوْ أَبِيهَا كَبَيْتِهَا لِجَرْيِ الْعَادَةِ بِعَدَمِ مُطَالَبَتِهِ (وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ) عَلَى إيصَالِ كِتَابٍ بِأُجْرَةٍ (أَنَّهُ وَصَّلَ كِتَابًا) أَوْ رِسَالَةً لِمُرْسَلٍ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُصَدَّقُ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ الضَّمَانُ إنْ أَنْكَرَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْوُصُولَ فَكَلَامُهُ هُنَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ لَا فِي نَفْيِ الضَّمَانِ فَلَا يُخَالِفُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ قَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا فِيهِ الضَّمَانُ أَوْ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْمُنْكِرُ، وَلَا بَيِّنَةَ وَقَوْلُهُ: فِي الْوَكَالَةِ وَضَمِنَ إنْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُشْهِدْ، وَمِثْلُ الدَّيْنِ غَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) الْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ الصَّانِعِ فِيمَا بِيَدِهِ (أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ وَقَالَ) رَبُّهُ (وَدِيعَةً) عِنْدَك؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيمَا يُدْفَعُ لِلصَّانِعِ الِاسْتِصْنَاعُ وَالْإِيدَاعُ نَادِرٌ فَلَا حُكْمَ لَهُ (أَوْ خُولِفَ) الصَّانِعُ (فِي الصِّفَةِ)

[حاشية الدسوقي]

أُجْرَةِ السَّنَةِ فِي الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: حُمِلَ مَا أَنْفَقَهُ الْمُكْتَرِي عَلَى التَّبَرُّعِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حِصَّةَ سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ: حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ) أَيْ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ الزَّرْعَ لَا يَتِمُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ يُنْفِقُ أُجْرَةَ السِّنِينَ كُلِّهَا حَيْثُ اكْتَرِي سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَظَاهِرُهُ أَيُّ سَنَةٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الْكِرَاءُ وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ يُفِيدُ أَنَّهُ يُنْفِقُ حِصَّةَ السَّنَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الْغَوْرُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ يَجْرِي فِيهَا مَا جَرَى لِلْمُصَنِّفِ هُنَا فَإِذَا سَاقَى الْحَائِطَ سِنِينَ وَغَارَتْ عَيْنُهَا، وَأَبَى رَبُّهَا مِنْ إصْلَاحِهَا فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُنْفِقَ قَدْرَ قِيمَةِ ثَمَرِهِ سَنَةَ لَا أَزْيَدَ كَمَا فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّك قُمْت عَنْهُ بِوَاجِبٍ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ إذْ لَا يَلْزَمُ الْمُكْرِيَ الْإِصْلَاحُ لِلْمُكْتَرِي كَمَا مَرَّ وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ كَمَا فِي بْن أَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَتَى تَرَكَ ذَلِكَ فَسَدَ زَرْعُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ كِرَاءٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا فِيهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَى) أَيْ الْمُكْتَرِي وَقَوْلُهُ: أَيْضًا أَيْ كَمَا أَبَى الْمُكْرِي (قَوْلُهُ: مِنْ الْعَطَشِ) أَيْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أَرْضَ السَّقْيِ لَا يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ أُجْرَتُهَا إلَّا إذَا اسْتَغْنَى الزَّرْعُ عَنْ السَّقْيِ.

(قَوْلُهُ: رَشِيدَةً) أَيْ، وَإِلَّا كَانَ الْكِرَاءُ لَازِمًا لِلزَّوْجِ، وَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا التَّبَرُّعُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَنَقَدَتْ جُمْلَةً) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ سَاكِنَةً فِي بَيْتٍ مُشَاهَرَةً، وَلَمْ تَنْقُدْ شَيْئًا فَإِنَّ الْكِرَاءَ يَلْزَمُهُ سَوَاءٌ بَيَّنَتْ أَنَّ الْكِرَاءَ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ.
اهـ. شب (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا بَيَانٌ فِي أَيِّ وَقْتٍ، وَلَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّ الْكِرَاءَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَبَيْتُ أُمِّهَا أَوْ أَبِيهَا كَبَيْتِهَا) أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهُ إلَّا إذَا حَصَلَ بَيَانٌ فَيَلْزَمُهُ مِنْ وَقْتِ الْبَيَانِ لَا مَا قَبْلَهُ وَالْمُرَادُ بِبَيْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا مَا يَمْلِكَانِ ذَاتَهُ أَوْ مَنْفَعَتَهُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً وَنَقَدَا جُمْلَةً وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ، وَأَمَّا سُكْنَى الزَّوْجِ بِالزَّوْجَةِ فِي بَيْتِ أَخِيهَا أَوْ عَمِّهَا فَقَالَ اللَّخْمِيُّ أَرَى إنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَصُرَتْ حَلَفَا أَنَّهُمَا لَمْ يُسْكِنَاهُ إلَّا بِأُجْرَةٍ، وَأَخَذَاهَا مِنْهُ، وَسُكْنَاهُ بِهَا فِي بَيْتِ أَبَوَيْهِ كَسُكْنَاهُ بِهَا فِي بَيْتِ أَبَوَيْ الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا سُكْنَاهُ بِهَا فِي بَيْتِ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إذَا قَالَا إنَّمَا أَسْكَنَّاهُ بِالْأُجْرَةِ طَالَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فِي أَخِيهَا وَعَمِّهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ ضَمُّهَا لَهُمَا عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا حِفْظًا لِعِرْضِهَا، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِضَمِّهَا لِأَخِيهِ وَعَمِّهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا.
(تَنْبِيهٌ) اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ حِينَ الْعَقْدِ سُكْنَاهُ بِبَيْتِهَا بِلَا كِرَاءٍ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ هُنَا قَالَهُ عبق.
(قَوْلُهُ: أَوْ رِسَالَةً إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِ كِتَابًا بَلْ مِثْلُهُ أَنَّهُ وَصَّلَ خَبَرًا أَوْ حُمُولَةً.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا عَلَى إيصَالِ كِتَابٍ أَوْ خَبَرٍ أَوْ حِمْلٍ لِشَخْصٍ بِبَلَدٍ أُخْرَى فَبَعْدَ مُدَّةٍ ادَّعَى الْأَجِيرُ أَنَّهُ وَصَّلَ ذَلِكَ وَنَازَعَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَجِيرِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ وَصَّلَهُ إذَا ادَّعَى وُصُولَهُ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَوْ كَذَّبَهُ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فِي أَمَدٍ) أَيْ حَيْثُ ادَّعَى وُصُولَهُ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً وَهَذَا مَعْنَى رُجُوعِ الشَّبَهِ لِهَذَا فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا شِبْهُهُمَا، وَلَا عَدَمُ شِبْهِ وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: وَضَمِنَ) أَيْ الْوَكِيلُ، وَالرَّسُولُ الْمَذْكُورُ وَكِيلٌ.

(قَوْلُهُ: أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ) أَيْ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ رَبُّهُ وَدِيعَةً عِنْدَك) سَيَأْتِي أَنَّ مَحَلَّ قَبُولِ قَوْلِ الصَّانِعِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ إنْ أَشْبَهَ، وَمَعْنَى الشَّبَهِ هُنَا أَنْ لَا تَقُومَ قَرِينَةٌ عَلَى نَفْيِ

عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ الْقَوْلُ لِلصَّانِعِ إنْ خُولِفَ فِي الِاسْتِصْنَاعِ أَوْ خُولِفَ فِي الصِّفَةِ يَعْنِي أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهُ لِيَصْنَعَهُ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الصَّنْعَةِ فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ إنْ أَشْبَهَ فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ حَلَفَ رَبُّهُ وَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ وَدَفْعِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَتَرْكِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ فَإِنْ نَكَلَ اشْتَرَكَا هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ مَثَلًا غَيْرِ مَصْبُوغٍ، وَهَذَا بِقِيمَةِ صَبْغِهِ (وَ) الْقَوْلُ لِلصَّانِعِ (فِي) قَدْرِ (الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ) الْأَجِيرُ فِي الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ بِيَمِينِهِ أَشْبَهَ رَبُّهُ أَمْ لَا فَيَأْخُذُ مَا ادَّعَى مِنْ الْأَجْرِ فَإِنْ انْفَرَدَ رَبُّهُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَكَانَ لِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَأَنْ نَكَلَا وَقَوْلُهُ: (وَحَازَ) مِنْ الْحَوْزِ خَاصٌّ بِالْفَرْعِ الْأَخِيرِ أَيْ الْقَوْلُ لِلصَّانِعِ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ إنْ حَازَ مَصْنُوعَهُ بِأَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً، وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ لِلصَّانِعِ فِي الْأُجْرَةِ بِشَرْطَيْنِ الشَّبَهِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَبِشَرْطٍ وَاحِدٍ فَإِنْ أَخَذَهُ رَبُّهُ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْفَرِدْ الصَّانِعُ بِالشَّبَهِ فَيَنْبَغِي كَمَا قِيلَ إنَّهُ إذَا انْفَرَدَ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَإِذَا لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَلَفَا، وَلَزِمَ كِرَاءُ الْمِثْلِ.
وَذَكَرَ مَفْهُومَ وَحَازَ بِقَوْلِهِ (لَا كَبِنَاءٍ) فَلَيْسَ الْقَوْلُ فِيهِ لِلصَّانِعِ لِعَدَمِ الْحَوْزِ وَكَذَا إذَا كَانَ الصَّانِعُ يَخِيطُ أَوْ يَنْجُرُ مَثَلًا فِي بَيْتِ رَبِّ الْمَصْنُوعِ وَيَنْصَرِفُ، وَلَمْ يُمَكِّنْهُ رَبُّهُ مِنْ أَخْذِهِ مَعَهُ فَالْقَوْلُ لِرَبِّهِ أَيْ إنْ أَشْبَهَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا فِي رَدِّهِ) أَيْ الْمَصْنُوعِ لِرَبِّهِ وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ (فَلِرَبِّهِ) الْقَوْلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (، وَإِنْ) كَانَ دَفَعَهُ لِلصَّانِعِ (بِلَا بَيِّنَةٍ) ، وَأَمَّا مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيُقْبَلُ دَعْوَى رَدِّهِ لِقَبُولِ دَعْوَاهُ فِي تَلَفِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ رَدًّا، وَلَا تَلَفًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَارِيَّةِ.

(وَ) الصَّانِعُ (إنْ ادَّعَاهُ) أَيْ الِاسْتِصْنَاعَ الْمَفْهُومَ مِنْ اسْتَصْنِعْ (وَقَالَ) رَبُّهُ (سُرِقَ مِنِّي، وَأَرَادَ) رَبُّهُ (أَخْذَهُ) (دَفَعَ) لِلصَّانِعِ (قِيمَةَ الصِّبَغِ) بِكَسْرِ الصَّادِ مَعَ عَمَلِهِ إذْ الْمُرَادُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ (بِيَمِينٍ) مِنْ رَبِّهِ أَنَّهُ مَا اسْتَصْنَعَهُ (إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى قِيمَةِ الصِّبَغِ، وَإِلَّا أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ وَدَفَعَ لِلصَّانِعِ مَا ادَّعَاهُ فَالْيَمِينُ لِإِسْقَاطِ مَا زَادَ عَلَى دَعْوَى الصَّانِعِ (وَإِنْ اخْتَارَ) رَبُّهُ (تَضْمِينَهُ) قِيمَةَ الثَّوْبِ (فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ) يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَظْهَرِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (وَإِلَّا) بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا (حَلَفَا)

[حاشية الدسوقي]

الِاسْتِصْنَاعِ كَمَا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ لِلصَّانِعِ شَاشًا أَبْيَضَ وَرَبُّهُ مُسْلِمٌ غَيْرُ تَاجِرٍ، وَالصَّانِعُ يَصْبُغُ الْأَزْرَقَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّهِ فِي دَعْوَى الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ هُنَا تُكَذِّبُ الصَّانِعَ فِي دَعْوَاهُ (قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى) أَيْ لَا عَلَى قَوْلِهِ اسْتَصْنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ خُولِفَ فِي الصِّفَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الصَّانِعَ يَدَّعِي الْمُخَالَفَةَ فِي الصِّفَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا يَدَّعِي أَنَّك أَمَرْتنِي أَنْ أَصْنَعَهُ عَلَى صِفَةِ كَذَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ) أَيْ بِيَمِينٍ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ خِلَافًا لعبق (قَوْلُهُ: إنْ أَشْبَهَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ كَصَبْغِهِ شَاشًا أَخْضَرَ لِشَرِيفٍ، وَأَزْرَقَ لِنَصْرَانِيٍّ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى شَرِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَبْغِهِ أَزْرَقَ لِيُهْدِيَهُ لِنَصْرَانِيٍّ وَالصَّانِعُ يَدَّعِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَبْغِهِ أَخْضَرَ، وَلَا دَعْوَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَبْغِهِ أَخْضَرَ لِيُهْدِيَهُ لِشَرِيفٍ وَقَالَ الصَّانِعُ بَلْ أَمَرْتنِي بِصَبْغِهِ أَزْرَقَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِقَرِينَةٍ قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ مَا لَمْ تَكُنْ الْقَرِينَةُ قَوِيَّةً، وَإِلَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَشْبَهَ الْأَجِيرُ فِي الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ) فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فِي الْفُرْعِ الْأَوَّلِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ شِبْهُهُمَا، وَلَا عَدَمُ شِبْهِ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَا يَتَأَتَّيَانِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَلَا فِي الثَّالِثِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ الْأَجِيرُ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي نَظَرًا لِمَا زَادَتْهُ صَنْعَتُهُ فِي الْمَصْنُوعِ عَنْ قِيمَتِهِ بِدُونِهَا فَيَرْجِعُ الْأَجِيرُ بِهِ أَوْ يَدْفَعُ قِيمَتَهُ بِدُونِ الصَّنْعَةِ وَيَأْخُذُهُ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ حَلَفَ رَبُّهُ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فِي الْفَرْعِ الرَّابِعِ فَقَدْ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ انْفَرَدَ رَبُّهُ بِالشَّبَهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَأَنْ نَكَلَا) أَيْ وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدِهِ) أَيْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: فِي قَدْرِ الثَّمَنِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ اشْتِرَاطُ الْحِيَازَةِ فِي الْأَجِيرِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَنْفَرِدْ الصَّانِعُ بِالشَّبَهِ) أَيْ بِأَنْ أَشْبَهَا مَعًا (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ حَائِزٍ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ كِرَاءُ الْمِثْلِ) أَيْ وَلَا يُنْظَرُ لِحَوْزٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذَا أَشْبَهَا مَعًا فَالْقَوْلُ لِلْحَائِزِ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَلَا يُنْظَرُ لِحَوْزٍ، وَإِنْ أَشْبَهَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحُزْ.
اهـ بْن (قَوْلُهُ: لَا كَبِنَاءٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً، وَيَجُوزُ فَتْحُ مُوَحَّدَتِهِ وَتَشْدِيدُ نُونِهِ (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ الْحَوْزِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَائِزَ لَهُ رَبُّهُ فَإِذَا قَالَ الصَّانِعُ اسْتَأْجَرْتَنِي بِأَرْبَعَةٍ مَثَلًا وَقَالَ رَبُّهُ بِثَلَاثَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهِ بِيَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ أَشْبَهَ الصَّانِعُ أَيْضًا أَمْ لَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ إنْ أَشْبَهَ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا فَكِرَاءُ الْمِثْلِ (قَوْلُهُ: وَلَا فِي رَدِّهِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الصَّانِعُ رَدَّ الْمَصْنُوعِ لِرَبِّهِ، وَأَنْكَرَ رَبُّهُ أَخْذَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَصْنُوعُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنَا، وَإِنْ بِلَا بِبَيِّنَةٍ وَبَيْنَ الْمُودَعِ إذَا قَبَضَ الْوَدِيعَةَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَادَّعَى رَدَّهَا لِرَبِّهَا أَنَّهُ يُصَدَّقُ أَنَّ الْمُودَعَ قَبَضَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الضَّمَانِ وَالصَّانِعَ قَبَضَ مَا فِيهِ صَنْعَتُهُ وَيُغَابُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ.

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا أَخَذَهُ) أَيْ، وَإِلَّا تَزِدْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ بَلْ تَسَاوَيَا أَوْ نَقَصَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَنْ قِيمَةِ الصَّبْغِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا) أَيْ كَمَا لَوْ

وَبَدَأَ الصَّانِعُ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَهُ وَقِيلَ يَبْدَأُ رَبُّهُ أَنَّهُ مَا اسْتَصْنَعَهُ (وَاشْتَرَكَا) إنْ حَلَفَا كَأَنْ نَكَلَا هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ أَبْيَضَ، وَهَذَا بِقِيمَةِ صَبْغِهِ وَقَضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ (لَا إنْ تَخَالَفَا) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (فِي لَتِّ) أَيْ خَلْطِ (السَّوِيقِ) فَقَالَ اللَّاتِي أَمَرْتنِي أَنْ أَلِتَّهُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنْ سَمْنٍ مَثَلًا وَقَالَ رَبُّهُ مَا أَمَرْتُك بِشَيْءٍ أَصْلًا بَلْ سُرِقَ مِنِّي أَوْ غُصِبَ فَلَا يَحْلِفَانِ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ بَلْ يُقَالُ لِرَبِّهِ ادْفَعْ لَهُ قِيمَةَ مَا قَالَ فَإِنْ دَفَعَ فَظَاهِرٌ (وَ) إنْ (أَبَى مِنْ دَفْعِ مَا قَالَ اللَّاتُّ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ) غَيْرَ مَلْتُوتٍ يَدْفَعُهُ الصَّانِعُ لَهُ لِوُجُودِ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ مُقَوَّمٌ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ لَهُ مَلْتُوتًا مَجَّانًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ غَيْرُهُ يَتَعَيَّنُ الْمِثْلُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالرَّاجِحُ مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا إذَا رَضِيَ بِأَخْذِهِ مَلْتُوتًا فَإِنْ لَمْ يَرْضَ تَعَيَّنَ دَفْعُ الْمِثْلِ فَبَيْنَهُمَا وِفَاقٌ.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا إنْ تَخَالَفَا فِي اسْتِصْنَاعِ مِثْلِيٍّ لِيَشْمَلَ الْمَلْتُوتَ وَغَيْرَهُ كَطَحْنِ قَمْحٍ وَعَصْرِ زَيْتُونٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَنْسَبَ ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ فِي اخْتِلَافِ الْجَمَّالِ وَالْمُكْتَرِي الْأُولَى فِي قَبْضِ الْأُجْرَةِ وَعَدَمِهِ.
الثَّانِيَةَ فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ.
الثَّالِثَةَ فِيهِمَا وَبَدَأَ بِالْأُولَى فَقَالَ (وَ) الْقَوْلُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَجِيرِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ (وَلِلْجَمَّالِ) وَنَحْوِهِ أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ (بِيَمِينٍ) مِنْ كُلٍّ (فِي عَدَمِ قَبْضِ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ بَلَغَا الْغَايَةَ) زَمَانِيَّةً أَوْ مَكَانِيَّةً أَيْ الَّتِي تَعَاقَدَا إلَيْهَا أَيْ إلَّا لِعُرْفٍ بِتَعْجِيلِهَا أَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَدَعْوَاهُ تُؤَدِّي لِلْفَسَادِ وَدَعْوَى الْمُكْتَرِي لِلصِّحَّةِ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ، وَفِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ السِّلْعَةِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُمَا إلَّا لِعُرْفٍ إلَخْ (إلَّا لِطُولٍ) بَعْدَ تَسْلِيمِ الْجَمَّالِ الْأَمْتِعَةَ لِرَبِّهَا (فَ) الْقَوْلُ (لِمُكْتَرِيهِ بِيَمِينٍ) لَا قَبْلَ تَسْلِيمِهَا فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ، وَلَوْ طَالَ وَيُعْتَبَرُ الطُّولُ بِالْعُرْفِ وَقِيلَ مَا زَادَ عَلَى الْيَوْمَيْنِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَحْمَالِ لِرَبِّهَا الَّذِي هُوَ الْمُكْتَرِي.
ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَهُمَا فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْأُجْرَةِ بِأَنْ (قَالَ) الْجَمَّالُ (بِمِائَةٍ لِبَرْقَةَ وَقَالَ) الْمُكْتَرِي (بَلْ) بِهَا (لِإِفْرِيقِيَّةَ) تَخْفِيفُ الْيَاءِ أَكْثَرُ مِنْ تَشْدِيدِهَا وَهِيَ مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْمُدَوَّنَةِ

[حاشية الدسوقي]

امْتَنَعَ رَبُّهُ مِنْ دَفْعِ قِيمَةِ الصَّبْغِ (قَوْلُهُ: وَبَدَأَ الصَّانِعُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ بَائِعٌ لِلْمَنَافِعِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَهُ وَيَحْلِفُ رَبُّهُ أَنَّهُ مَا اسْتَصْنَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ سُرِقَ مِنِّي وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ غُرْمَ الصَّانِعِ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا اسْتَصْنَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ أَنَّهُ سُرِقَ مِنِّي فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَتِهِ فِي الْيَمِينِ، وَأَنَّهُ سُرِقَ مِنِّي فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَبْدَأُ رَبُّهُ) هَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الصَّقَلِّيِّ عَنْ الشَّيْخِ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وح (قَوْلُهُ: وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ) أَيْ فَإِذَا حَلَفَ رَبُّ الثَّوْبِ فَقَطْ قُضِيَ لَهُ بِقِيمَتِهِ أَبْيَضَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَدَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ، وَلَوْ نَقَصَ الثَّوْبُ؛ لِأَنَّ خِيرَتَهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ، وَإِنْ حَلَفَ الصَّانِعُ فَقَطْ قُضِيَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ أُجْرَةِ الصَّبْغِ (قَوْلُهُ: بَلْ سُرِقَ مِنِّي أَوْ غُصِبَ) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ رَبُّهُ إنَّهُ وَدِيعَةٌ فَالْقَوْلُ لِلصَّانِعِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ وَقَالَ وَدِيعَةً كَذَا قَالَ عبق وَالرَّاجِحُ كَمَا فِي بْن التَّعْمِيمُ أَيْ سَوَاءٌ ادَّعَى رَبُّهُ الْوَدِيعَةَ أَوْ السَّرِقَةَ، وَلَا يُقَالُ دَعْوَاهُ الْوَدِيعَةَ يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الصَّانِعِ لِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمُقَوَّمِ، وَمَا هُنَا عَلَى الْمِثْلِيِّ.
(قَوْلُهُ: ادْفَعْ لَهُ قِيمَةَ مَا قَالَ) الْأَوْلَى مِثْلَ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ السَّمْنَ مِثْلِيٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمِثْلِيَّاتِ يُقْضَى فِيهَا بِالْمِثْلِ لَا بِالْقِيمَةِ (قَوْلُهُ: لِوُجُودِ الْمِثْلِ فِي ذَلِكَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَحْلِفَانِ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الثَّوْبِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا طَلَبَ رَبُّهَا قِيمَتَهَا بَيْضَاءَ، وَأَبَى الصَّانِعُ فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ وَيَشْتَرِكَانِ (قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ) أَيْ فَحَاصِلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ رَبَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ مَا قَالَهُ الصَّانِعُ مِنْ السَّمْنِ خُيِّرَ الصَّانِعُ إمَّا أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ السَّوِيقِ لِرَبِّهِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ السَّوِيقَ مَلْتُوتًا مَجَّانًا (قَوْلُهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ) أَيْ وَهُوَ أَشْهَبُ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ) أَيْ مُتَفَاضِلًا؛ وَلِأَنَّ مِنْ حُجَّةِ رَبِّهِ أَنْ يَقُولَ لَا أَرْضَى بِهِ مَلْتُوتًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَا يَبْقَى بَلْ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ لَتَّ السَّوِيقِ بِالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ نَاقِلٌ لَهُ عَنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ مَلْحَظُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ غَيْرُ نَاقِلٍ لَهُ، وَهُوَ مَلْحَظُ أَشْهَبَ (قَوْلُهُ: فَبَيْنَهُمَا وِفَاقٌ إلَخْ) . الْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ خِلَافًا نَظَرًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ لَتَّ السَّوِيقِ بِالسَّمْنِ نَاقِلٌ لَهُ أَوْ لَا وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ بَيْنَهُمَا وِفَاقًا قَالَ ح وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْخِلَافِ وَتَرَكَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِتَرْجِيحِ قَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لِلْأَجِيرِ) أَيْ الَّذِي اسْتَأْجَرْته لِخِدْمَةٍ أَوْ خِيَاطَةٍ مَثَلًا (قَوْلُهُ: فِي عَدَمِ قَبْضِ الْأُجْرَةِ) أَيْ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْمُكْتَرِي أَنَّهُ قَبَضَهَا (قَوْلُهُ: إلَّا لِعُرْفٍ بِتَعْجِيلِهَا) أَيْ، وَإِلَّا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي فِي قَبْضِهَا (قَوْلُهُ: وَدَعْوَاهُ) أَيْ دَعْوَى الْأَجِيرِ وَالْجَمَّالِ بِعَدَمِ قَبْضِهَا وَقَوْلُهُ: وَدَعْوَى الْمُكْتَرِي أَيْ بِقَبْضِهَا (قَوْلُهُ: إلَّا لِطُولٍ) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ تَنَازُعُهُمَا بَعْدَ طُولٍ بَعْدَ تَسْلِيمٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِمُكْتَرِيهِ) أَيْ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَمْتِعَةِ فِي أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ الْأُجْرَةَ، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَمْتِعَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ قَبُولِ قَوْلِ الْمُكْتَرِي بَعْدَ الطُّولِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَمْتِعَةِ مَا لَمْ يُقِمْ الْجَمَّالُ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْمُكْتَرِي بَعْدَ تَسْلِيمِ الْأَمْتِعَةِ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي فِي دَفْعِهَا (قَوْلُهُ: لَا قَبْلَ تَسْلِيمِهَا) أَيْ لَا إنْ كَانَ تَنَازُعُهُمَا قَبْلَ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَمَّالَ إذَا سَلَّمَ الْأَمْتِعَةَ فَإِنْ تَنَازَعَا بَعْدَ طُولٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي، سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لَهُ الْأُجْرَةَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْأَمْتِعَةِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ تَنَازَعَا قَبْلَ الطُّولِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَمَّالِ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الْأَمْتِعَةَ لِرَبِّهَا فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ: مُطْلَقًا، وَلَوْ طَالَ (قَوْلُهُ: مَا زَادَ عَلَى الْيَوْمَيْنِ) أَيْ كَالثَّلَاثِ فَأَكْثَرَ

فَالْمُرَادُ مَدِينَةُ الْقَيْرَوَانِ أَيْ الْمَدِينَةُ الْمَعْلُومَةُ، وَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ بَرْقَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَبْدَأَ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ كَمِصْرِ (حَلَفَا) وَبَدَأَ الْجَمَّالُ؛ لِأَنَّهُ بَائِعٌ (وَفَسَخَ) بِالْحُكْمِ أَوْ التَّرَاضِي (إنْ عُدِمَ السَّيْرُ) مِنْ أَصْلِهِ (أَوْ قَلَّ) بِحَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْجَمَّالِ فِي رُجُوعِهِ، وَلَا عَلَى رَبِّ الْأَحْمَالِ فِي طَرْحِهَا (وَإِنْ نَقَدَ) مُبَالَغَةً فِي التَّخَالُفِ وَالْفَسْخِ، وَلَا يَنْظُرُ فِي هَذِهِ لِشَبَهٍ، وَلَا عَدَمِهِ بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ هُنَا وَتَفْصِيلِهِ فِي الْآتِيَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ أَوْ بُلُوغِ الْغَايَةِ عَلَى دَعْوَى الْجَمَّالِ (فَكَفَوْتِ الْمَبِيعِ) فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُكْتَرِي إنْ أَشْبَهَ فَقَطْ وَحَلَفَ، وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ نُقِدَ الْكِرَاءُ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْجَمَّالُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَيَكُونُ لَهُ حِصَّةُ مَسَافَةِ بَرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَيُفْسَخُ الْبَاقِي.
وَالْمُصَنِّفُ، وَإِنْ شَمِلَ بِمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ شِبْهَهُمَا مَعًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ لِمَا يَأْتِي قَرِيبًا فَالتَّشْبِيهُ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا فَاتَ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ سَوَاءٌ أَشْبَهَ الْبَائِعُ أَمْ لَا، وَلَيْسَ الْمُكْتَرِي كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَا إذَا أَشْبَهَ الْمُكْرِي فَقَطْ بِقَوْلِهِ (وَلِلْمُكْرِي) ، وَهُوَ الْجَمَّالُ إذَا اخْتَلَفَا (فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ) بِأَنْ قَالَ لِبَرْقَةَ وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ لِإِفْرِيقِيَّةَ (إنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ: فَقَطْ) دُونَ الْمُكْتَرِي انْتَقَدَ أَمْ لَا (أَوْ أَشْبَهَا) مَعًا (وَانْتَقَدَ) الْمُكْرِي الْكِرَاءَ لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالنَّقْدِ (وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي) عَلَى مَا ادَّعَاهُ (وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ) الْمُكْتَرِي مِنْ بَقِيَّةِ الْمَسَافَةِ (إلَّا أَنْ يَحْلِفَ) الْجَمَّالُ أَيْضًا (عَلَى مَا ادَّعَى) بَعْدَ حَلِفِ الْمُكْتَرِي (فَلَهُ) أَيْ الْجَمَّالِ (حِصَّةُ الْمَسَافَةِ) الَّتِي ادَّعَاهَا، وَهِيَ بَرْقَةُ الْقَرِيبَةُ (عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي) أَنَّ الْمِائَةَ لِإِفْرِيقِيَّةَ (وَفَسَخَ الْبَاقِيَ) بَعْدَ بَرْقَةَ فَيُقَالُ مَا تُسَاوِي حِصَّةُ بَرْقَةَ مِنْ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِالْمِائَةِ فَإِنْ قِيلَ النِّصْفُ مَثَلًا أُعْطِيَ لِلْجَمَّالِ (وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا) وَالْمَوْضُوعُ بِحَالِهِ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ أَوْ بُلُوغِ بَرْقَةَ (حَلَفَا، وَفَسَخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى) وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ.
وَأَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْمَسَافَةِ وَالْأُجْرَةِ مَعًا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ) (قَالَ) الْجَمَّالُ لِلْمُكْتَرِي (أَكْرَيْتُك لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا) أَوْ سَارَا كَثِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغَاهَا (وَقَالَ) الْمُكْتَرِي (بَلْ لِمَكَّةَ) الْأَبْعَدِ (بِأَقَلَّ) كَخَمْسِينَ (فَإِنْ نَقَدَهُ) الْمُكْتَرِي الْأَقَلَّ (فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ) أَيْ مَعَ شِبْهِ الْمُكْتَرِي أَيْضًا كَمَا قَيَّدَهَا بِهِ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ وَيَدُلُّ لَهُ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ شِبْهَ الْجَمَّالِ وَحْدَهُ وَقَوْلُهُ: (وَحَلَفَا) أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ وَعُمِلَ بِقَوْلِ الْجَمَّالِ حِينَئِذٍ لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالنَّقْدِ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِهَا مَدِينَةُ الْقَيْرَوَانِ) أَيْ لَا الْإِقْلِيمُ الَّتِي هِيَ مَدِينَتُهُ (قَوْلُهُ: حَلَفَ) أَيْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَائِعٌ أَيْ لِمَنْفَعَةِ جِمَالِهِ (قَوْلُهُ: إنْ عُدِمَ السَّيْرُ أَوْ قَلَّ) فِيهِ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَرَامِهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ عُدِمَ، وَأَوْ وَيَقُولَ إنْ قَلَّ السَّيْرُ لِاسْتِفَادَةِ حُكْمِ مَا إذَا عُدِمَ السَّيْرُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قَلَّ بِالْأَوْلَى إلَّا أَنْ يُقَالَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ إنْ قَلَّ لَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ فِي حَالَةِ عَدَمِ السَّيْرِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بِدُونِ يَمِينٍ (قَوْلُهُ: مُبَالَغَةً إلَخْ) رَدَّ الْمُصَنِّفُ بِهَا عَلَى غَيْرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْجَمَّالِ إذَا أَشْبَهَ وَانْتَقَدَ.
اهـ شب.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَكَفَوْتِ الْمَبِيعِ) حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُمَا إذَا تَنَازَعَا فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي إذَا انْفَرَدَ بِالشَّبَهِ وَحَلَفَ نَقَدَ أَمْ لَا، وَإِنْ انْفَرَدَ الْمُكْرِي بِالشَّبَهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ انْتَقَدَ أَمْ لَا، وَإِنْ أَشْبَهَا مَعًا فَإِنْ حَصَلَ انْتِقَادٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْرِي، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي إنْ حَلَفَ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا، وَفُسِخَ وَقَضَى بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ) أَيْ مِنْ السَّيْرِ لِإِفْرِيقِيَّةَ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا ادَّعَاهُ) أَيْ، وَهُوَ أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِمِائَةٍ بَرْقَةُ (قَوْلُهُ: لِمَا يَأْتِي قَرِيبًا) أَيْ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ حُصُولِ الِانْتِقَادِ وَعَدَمِهِ إذَا أَشْبَهَا (قَوْلُهُ: غَيْرُ تَامٍّ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَبُولَ قَوْلِ الْمُكْتَرِي مَشْرُوطٌ بِحَلِفِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالشَّبَهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي عِنْدَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ فَقَبُولُ قَوْلِهِ مَشْرُوطٌ بِحَلِفِهِ وَشِبْهِهِ سَوَاءٌ أَشْبَهَ الْبَائِعُ أَيْضًا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْمُكْتَرِي كَذَلِكَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إلَّا إذَا انْفَرَدَ بِالشَّبَهِ، وَأَمَّا إذَا أَشْبَهَا فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي (قَوْلُهُ: وَلِلْمُكْرِي) أَيْ وَالْقَوْلُ لِلْمُكْرِي عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ دُونَ الْأُجْرَةِ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَيْهَا وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ الْجَمَّالَ إلَخْ) الْجَمَّالَ مَفْعُولُ لَزِمَ مُقَدَّمًا، وَمَا قَالَ فَاعِلٌ مُؤَخَّرٌ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْجَمَّالُ أَيْضًا عَلَى مَا ادَّعَى) أَيْ مِنْ أَنَّ غَايَةَ الْمَسَافَةِ بَرْقَةُ فَلَا يَلْزَمُ تَبْلِيغَهُ لِإِفْرِيقِيَّةَ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ فَلَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَفَسَخَ الْبَاقِي بَعْدَ بَرْقَةَ) أَيْ أَوْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفَسَخَ الْبَاقِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّيْرِ يَفْسَخُ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ الْأُولَى، وَفِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ يُوَصِّلُهُ لِبَرْقَةَ نَظِيرَ مَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ) أَيْ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ فَقَطْ بَعْدَ السَّيْرِ الْكَثِيرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَبَلَغَاهَا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا بَلَغَاهَا أَيْ قَبْلَ مَكَّةَ كَمِصْرِيٍّ سَافَرَ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَلَغَاهَا أَوْ سَارَا كَثِيرًا إلَى أَنَّ مَحَلَّ التَّفْصِيلِ الْآتِي إذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ أَوْ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا إذَا تَنَازَعَا قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ يَسِيرٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مِنْ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ (قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ) أَيْ فِي أَنَّ الْمَسَافَةَ الَّتِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إلَى الْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ شِبْهِ الْمُكْتَرِي) أَيْ الْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ إذَا حَصَلَ شِبْهٌ مِنْهُمَا مَعًا (قَوْلُهُ: بِالنَّقْدِ) أَيْ بِسَبَبِ انْتِقَادِهِ مِنْ

وَالشَّبَهِ فَيَحْلِفُ لِإِسْقَاطِ زَائِدِ الْمَسَافَةِ وَيَحْلِفُ الْمُكْتَرِي لِإِسْقَاطِ الْخَمْسِينَ عَنْهُ (وَفُسِخَ) الْعَقْدُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْفَسْخُ عَلَى حَلِفِ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ حَلِفَهُ لِإِسْقَاطِ الْخَمْسِينَ عَنْهُ (وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْجَمَّالُ شَيْئًا وَقَدْ أَشْبَهَا مَعًا (فَلِلْجَمَّالِ) الْقَوْلُ (فِي الْمَسَافَةِ) الْقَرِيبَةِ (وَ) الْقَوْلُ (لِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا) أَيْ الْمَدِينَةِ (مِمَّا ذَكَرَ) مِنْ الْكِرَاءِ، وَهُوَ كَوْنُهُ بِخَمْسِينَ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لِمَكَّةَ (بَعْدَ يَمِينِهِمَا) عَلَى مَا ادَّعَيَاهُ (وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ) نَقَدَ أَمْ لَا فَيَأْخُذُ الْمِائَةَ، وَلَا يَلْزَمُهُ السَّيْرُ إلَى مَكَّةَ، وَإِنْ أَشْبَهَ الْمُكْتَرِي فَقَطْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا أَشْبَهَا، وَلَمْ يَنْقُدْ أَيْ الْقَوْلُ لِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذَكَرَ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَلَفَا، وَفُسِخَ، وَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى (وَإِنْ أَقَامَا) أَيْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بَيِّنَةً) عَلَى مَا ادَّعَاهُ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِلَّا سَقَطَتَا) وَيَقْضِي بِذَاتِ التَّارِيخِ وَبِقِدَمِهِ.

(وَإِنْ) (قَالَ اكْتَرَيْت عَشَرًا) مِنْ الْأَفْدِنَةِ أَوْ مِنْ السِّنِينَ مَثَلًا (بِخَمْسِينَ وَقَالَ) رَبُّ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ (بَلْ) اكْتَرَيْت مِنِّي (خَمْسًا بِمِائَةٍ) ، وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا (حَلَفَا، وَفُسِخَ) الْعَقْدُ وَيَبْدَأُ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَهَذَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ زَرْعٌ، وَلَا سُكْنَى (وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا) أَوْ سَكَنَهُ (وَلَمْ يَنْقُدْ) مِنْ الْكِرَاءِ شَيْئًا (فَلِرَبِّهَا) بِحِسَابِ (مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي) فِيمَا مَضَى (وَإِنْ أَشْبَهَ) الْمُكْتَرِي أَشْبَهَ رَبُّهَا أَمْ لَا (وَحَلَفَ) أَيْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ (وَإِلَّا) يُشْبِهُ حَلَفَ أَمْ لَا أَوْ أَشْبَهَ، وَلَمْ يَحْلِفْ فَالنَّفْيُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ مَعًا (فَقَوْلُ رَبِّهَا) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ (إنْ أَشْبَهَ) وَحَلَفَ أَيْضًا فَلَهُ بِحِسَابِ مَا قَالَ (فَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا) مَعًا (حَلَفَا) أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى دَعْوَاهُ نَافِيًا لِدَعْوَى الْآخَرِ.
(وَوَجَبَ) لِرَبِّ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ (كِرَاءُ الْمِثْلِ)

[حاشية الدسوقي]

الْمُكْتَرِي (قَوْلُهُ: وَالشَّبَهَ) أَيْ وَدَعْوَاهُ الشَّبَهَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي بَلَغَاهَا (قَوْلُهُ: لِإِسْقَاطِ زَائِدِ الْمَسَافَةِ) أَيْ لِإِسْقَاطِ الْمَسَافَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ لِمَكَّةَ (قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُكْتَرِي لِإِسْقَاطِ الْخَمْسِينَ عَنْهُ) أَيْ وَيَلْزَمُهُ خَمْسُونَ فَقَطْ وَيُبَلِّغُهُ الْجَمَّالُ لِلْمَدِينَةِ إذَا كَانَ نِزَاعُهُمَا بَعْدَ سَيْرٍ كَثِيرٍ قَبْلَ الْوُصُولِ لِلْمَدِينَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذَا أَشْبَهَا وَحَلَفَا وَانْتَقَدَ الْمُكْتَرِي الْأَقَلَّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَمَّالِ بِالنَّظَرِ لِلْمَسَافَةِ وَقَوْلَ الْمُكْتَرِي بِالنَّظَرِ لِلْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَوَقَّفُ الْفَسْخُ عَلَى حَلِفِ الْمُكْتَرِي) أَيْ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حَلِفِ الْجَمَّالِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِأَجْلِ إسْقَاطِ زَائِدِ الْمَسَافَةِ وَهَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى حَلِفِ الْجَمَّالِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَلِفَهُ لِإِسْقَاطِ الْخَمْسِينَ عَنْهُ) أَيْ عَلَى دَعْوَى الْجَمَّالِ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ عَنْهُ خَمْسُونَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ غَرِمَ الْمِائَةَ بِتَمَامِهَا (قَوْلُهُ: فَلِلْجَمَّالِ) أَيْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِي أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ، وَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا) هَذَا مَحَلُّ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ النَّقْضِ وَعَدَمِهِ وَيَتَّفِقَانِ فِيمَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذَكَرَ مِنْ الْكِرَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِخَمْسِينَ) أَيْ وَيُفَضُّ ذَلِكَ الْكِرَاءُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَنَّهُ لِمَكَّةَ) أَيْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ بُلُوغِ الْمَسَافَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا يُرَجِّحُ قَوْلَ الْمُكْرِي (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ) أَيْ مِنْ أَنَّ الْأُجْرَةَ مِائَةٌ لِلْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْبَابِ فَهَذَا رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَسَائِلِ الْبَابِ كُلِّهَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا سَقَطَتَا) أَيْ، وَإِلَّا تَكُنْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ بَلْ تَكَافَأَتَا فِي الْعَدَالَةِ سَقَطَتَا (قَوْلُهُ: وَيُقْضَى بِذَاتِ التَّارِيخِ) أَيْ فَتُقَدَّمُ الْمُؤَرَّخَةُ عَلَى غَيْرِ الْمُوَرَّخَةِ وَتُقَدَّمُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَارِيخًا عَلَى مُتَأَخِّرَتِهِ.

(قَوْلُهُ: وَيَبْدَأُ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَوْ الدَّارِ) أَيْ لِأَنَّهُ دَافِعٌ لِمَنْفَعَةِ أَرْضِهِ أَوْ دَارِهِ (قَوْلُهُ: كَحَلِفِهِمَا) أَيْ فَكَمَا يُفْسَخُ الْعَقْدُ إذَا حَلَفَا يُفْسَخُ إذَا نَكَلَا، وَلَا يُرَاعَى هُنَا نَقْضٌ، وَلَا عَدَمُهُ بَلْ حَيْثُ كَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَ الزَّرْعِ وَالسُّكْنَى فُسِخَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ حَصَلَ نَقْدٌ أَوْ لَا سَوَاءٌ أَشْبَهَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا أَوْ أَشْبَهَ الْمُكْتَرِي أَوْ الْمُكْرِي فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ، سَوَاءٌ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا) أَيْ مِنْ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ: أَوْ سَكَنَهُ أَيْ بَعْضًا مِنْ الْمُدَّةِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثَمَانُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يُشْبِهَا أَوْ لَا يُشْبِهَا أَوْ يُشْبِهَ الْمُكْرِي فَقَطْ أَوْ الْمُكْتَرِي فَقَطْ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَنَازُعُهُمَا بَعْدَ الِانْتِقَادِ أَوْ قَبْلَهُ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِأَرْبَعَةٍ مِنْهَا بِقَوْلِهِ، وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا، وَلَمْ يَنْقُدْ إلَخْ.
وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُكْتَرِيَ إذَا زَرَعَ بَعْضَ الْأَرْضِ أَوْ سَكَنَ الْبَيْتَ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَلَمْ يَنْقُدْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي فِيمَا مَضَى وَفُسِخَ فِي الْبَاقِي إنْ أَشْبَهَ، قَوْلُهُ: وَحَلَفَ سَوَاءٌ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي أَيْضًا أَمْ لَا فَهَذِهِ صُورَةٌ، وَإِنْ انْفَرَدَ الْمُكْرِي بِالشَّبَهِ أَوْ أَشْبَهَ الْمُكْتَرِي وَلَمْ يَحْلِفْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي فِيمَا مَضَى، وَفُسِخَ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى، وَفُسِخَ فِي الْبَاقِي فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَإِنْ كَانَ تَنَازُعُهُمَا بَعْدَ الِانْتِقَادِ فَفِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يُشْبِهَا أَوْ لَا يُشْبِهَا أَوْ يُشْبِهَ الْمُكْرِي أَوْ الْمُكْتَرِي وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِحُكْمِهَا بِقَوْلِهِ وَإِنْ نَقَدَ فَتَرَدُّدٌ وَحَاصِلُ ذَلِكَ التَّرَدُّدِ الْوَاقِعِ فِيهَا قِيلَ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي إذَا أَشْبَهَ أَشْبَهَ الْمُكْتَرِي أَمْ لَا وَحِينَئِذٍ فَلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ فِيمَا مَضَى بِحِسَابِ مَا قَالَ وَيُفْسَخُ فِي الْبَاقِي مِثْلَ مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ، وَقِيلَ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي، وَلَا فَسْخَ، وَيَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ الْمُكْتَرِي

(فِيمَا مَضَى) مِمَّا زَرَعَ أَوْ سَكَنَ (وَفُسِخَ الْبَاقِي) أَيْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ (مُطْلَقًا) أَشْبَهَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَمْ لَا (وَإِنْ نَقَدَ) هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ لَمْ يَنْقُدْ أَيْ، وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا وَقَدْ نَقَدَ (فَتَرَدُّدٌ) هَلْ الْقَوْلُ لِلْمُكْرِي لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالنَّقْدِ، وَلَا فَسْخَ وَيَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ جَمِيعُ الْكِرَاءِ أَوْ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ بَلْ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ لِلْأَشْبَهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقُدْ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ.

(صِحَّةُ الْجُعْلِ) أَيْ الْعَقْدِ تَحْصُلُ (بِالْتِزَامِ) أَيْ بِسَبَبِ الْتِزَامِ (أَهْلِ الْإِجَارَةِ) أَيْ الْمُتَأَهِّلِ لِعَقْدِهَا (جُعْلًا) أَيْ عِوَضًا مَعْمُولُ " الْتِزَامِ " وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرْطَ قَاصِرٌ عَلَى الْجَاعِلِ دُونَ الْمَجْعُولِ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِأَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَاعِلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ فَائِدَةُ الِالْتِزَامِ مِنْ لُزُومِ الْعَقْدِ بَعْدَ الشُّرُوعِ بِخِلَافِ الْمَجْعُولِ لَهُ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ لُزُومٌ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ بَلْ وَلَا حُصُولُ قَبُولٍ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ مَنْ يَأْتِينِي بِعَبْدِي الْآبِقِ مَثَلًا فَلَهُ كَذَا فَأَتَاهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاطُؤٍ مَعَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ كَمَا يَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ (عُلِمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ صِفَةُ جُعْلٍ فَلَا يَصِحُّ بِمَجْهُولٍ (يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ) مِنْ الْجَاعِلِ.

[حاشية الدسوقي]

بِالشَّبَهِ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَمْ يَنْقُدْ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا مَضَى) تَنَازَعَ فِيهِ جَمِيعُ الْعَوَامِلِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِرَبِّهَا وَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ وَقَوْلُهُ: وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ (قَوْلُهُ: وَفُسِخَ الْبَاقِي) أَيْ لِدَعْوَى رَبِّهَا فِي كِرَاءِ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ أَكْثَرَ مِنْ دَعْوَى الْمُكْتَرِي (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَقَدَ) أَيْ، وَأَشْبَهَا مَعًا أَوْ أَشْبَهَ الْمُكْرِي فَقَطْ (قَوْلُهُ: أَوْ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَوْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا مَضَى وَيُفْسَخُ فِي الْبَاقِي مِثْلَ مَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا نَقَدَ وَأَشْبَهَا أَوْ أَشْبَهَ الْمُكْرِي فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا نَقَدَ وَلَمْ يُشْبِهَا أَوْ أَشْبَهَ الْمُكْتَرِي فَقَطْ فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ مَا تَقَدَّمَ إذَا لَمْ يَنْقُدْ، هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ بْن مَا نَصُّهُ قَدْ أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي ذِكْرِ هَذَا التَّرَدُّدِ وَيَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَشُرَّاحِهَا وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ قَالَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مَفْهُومُهُ لَوْ نَقَدَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهَا، وَلَا تُفْسَخُ فِي بَقِيَّةِ السِّنِينَ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ أَيْ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ إذَا انْتَقَدَ، وَالْحُكْمُ عِنْدِي سَوَاءٌ فِيهِمَا.
اهـ. وَاَلَّذِي قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا هُوَ أَنَّهُ إذَا انْتَقَدَ، وَأَتَى رَبُّ الْأَرْضِ بِمَا يُشْبِهُ أَوْ أَتَيَا مَعًا بِمَا يُشْبِهُ لَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ فَيَكُونُ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مُخَالِفًا لِمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ، فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْتَقِدْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَفْسَخُ فِي الْبَاقِي، وَأَمَّا إذَا انْتَقَدَ فَلَا يَفْسَخُ يُرِيدُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَيَكُونُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَفْسَخُ مُطْلَقًا فَيَكُونُ قَوْلُ الْغَيْرِ خِلَافًا، وَهَذَا تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَحَلَّ لِلتَّأْوِيلَيْنِ لَا لِلتَّرَدُّدِ.

[بَابٌ فِي أَحْكَامِ الْجَعَالَةِ]

(بَابٌ فِي الْجَعَالَةِ) (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُتَأَهِّلِ لِعَقْدِهَا) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَحَالَ عَاقِدَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ مَا نَصُّهُ وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ إلَّا بِكَسْرٍ فَتَرَدُّدٌ وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ إلَخْ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُحِلْ عَاقِدَ الْجُعْلِ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ عَلَى الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ لِلْإِجَارَةِ أَقْرَبُ، وَإِشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الْمَنَافِعِ الْإِجَارَةُ وَالْجُعْلُ رُخْصَةٌ اتِّفَاقًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ (قَوْلُهُ: أَيْ عِوَضًا) بِهَذَا التَّفْسِيرِ يَسْقُطُ مَا قِيلَ: إنَّهُ جُعْلُ الْتِزَامِ الشَّيْءِ شَرْطًا لِنَفْسِهِ وَهُوَ فَاسِدٌ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجُعْلِ الْأَوَّلِ الْعَقْدَ وَبِالثَّانِي الْعِوَضَ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ التَّبَادُرَ مِنْ قَوْلِهِ " الْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا " أَيْ دَفْعِ جُعْلٍ وَعِوَضٍ فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُفِيدًا أَنَّ دَافِعَ الْعِوَضِ - وَهُوَ الْجَاعِلُ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَهِّلًا لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَأَمَّا الْمَجْعُولُ لَهُ وَهُوَ الْعَامِلُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ أَيْضًا، وَإِذَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ مِنْ الْمُجَاعِلِ فَقَطْ الدَّافِعِ لِلْعِوَضِ (قَوْلُهُ: أُجِيبَ إلَخْ) أَيْ وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ الْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ جُعْلًا أَيْ دَفْعًا وَقَبُولًا أَيْ دَفْعَ جُعْلٍ وَقَبُولَهُ، بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَوَقُّفَ الْعَقْدِ عَلَى الِالْتِزَامِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِالْتِزَامِ الصُّدُورُ أَيْ صِحَّةُ الْجُعْلِ بِصُدُورِ جُعْلٍ وَعِوَضٍ مِنْ أَهْلِ الْإِجَارَةِ، وَالْبَحْثُ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ وَالْجَوَابُ لعبق قَالَ شَيْخُنَا وَالْبَحْثُ سَاقِطٌ مِنْ أَصْلِهِ أَمَّا أَوَّلًا فَالشَّخْصُ قَدْ يَلْتَزِمُ مَالًا يَلْزَمُهُ وَأَمَّا ثَانِيًا فَشَرْطُ صِحَّةِ الْجُعْلِ الْتِزَامُ الْعِوَضِ بِشَرْطِ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لَا مُطْلَقًا وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عُلِمَ) أَيْ قَدْرُهُ وَهَذَا شَامِلٌ لِلْعَيْنِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى عِلْمِ الْعِوَضِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِهِ مِثْلُ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِهِ وَحُصُولِ الصِّحَّةِ بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْمَجْعُولِ عَلَيْهِ بَلْ تَارَةً يَكُونُ مَجْهُولًا كَالْآبِقِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْجُعْلِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ أَنْ لَا يُعْلَمَ مَكَانُهُ فَإِنْ

وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَهُ (بِالتَّمَامِ) لِلْعَمَلِ بِتَمْكِينِ رَبِّهِ مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا (كَكِرَاءِ السُّفُنِ) هَذَا تَشْبِيهٌ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ الْأَجْرَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ وَهُوَ إجَارَةٌ لَا جَعَالَةٌ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِكِرَاءٍ فَإِذَا غَرِقَتْ السَّفِينَةُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، أَوْ فِي آخِرِهَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا قَالَ فِيهَا وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ أَيْ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ بِلَفْظِ إجَارَةٍ أَوْ جَعَالَةٍ وَمِثْلُ السَّفِينَةِ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ وَالْمُعَلِّمِ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ، أَوْ بَعْضِهِ، أَوْ صَنْعَةٍ، وَالْحَافِرِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ بِمَوَاتٍ مَعَ عِلْمِ شِدَّةِ الْأَرْضِ وَبُعْدِ الْمَاءِ، أَوْ ضِدِّهِمَا وَكَذَا إرْسَالُ رَسُولٍ لِبَلَدٍ لِتَبْلِيغِ خَبَرٍ أَوْ إتْيَانٍ بِحَاجَةٍ فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ إجَارَةٌ لَازِمَةٌ إلَّا أَنَّ لَهَا شَبَهًا بِالْجَعَالَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْكِرَاءَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ بِالتَّمَامِ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ شَيْئًا قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَ) رَبُّهُ بَعْدَ تَرْكِ الْعَامِلِ، أَوْ يُجَاعِلَ آخَرَ (عَلَى التَّمَامِ) ، أَوْ يُتِمَّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبِيدِهِ (فَبِنِسْبَةِ) عَمَلِ (الثَّانِي) أَيْ فَيَسْتَحِقَّ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَجْرِ بِنِسْبَةِ عَمَلِ الْعَامِلِ الثَّانِي سَوَاءٌ عَمِلَ الثَّانِي قَدْرَ الْأَوَّلِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَجْرُ أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ قَدْ انْتَفَعَ بِمَا عَمِلَهُ لَهُ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ مِثَالُهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْأَوَّلِ خَمْسَةً عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ خَشَبَةً إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فَحَمَلَهَا وَتَرَكَهَا أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ فَجَعَلَ لِغَيْرِهِ عَشَرَةً مَثَلًا عَلَى إيصَالِهَا لِلْمَكَانِ الْمَعْلُومِ فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَلَّغَهَا النِّصْفَ فَلَهُ عَشَرَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ فِعْلَ الْأَوَّلِ مِنْ عَمَلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا اُسْتُؤْجِرَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ

[حاشية الدسوقي]

عَلِمَهُ رَبُّهُ فَقَطْ لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا سَمَّى وَجُعْلُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَلِمَهُ الْعَامِلُ فَقَطْ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ تَعَبِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ لَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ عَلِمَاهُ مَعًا فَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ جُعْلَ مِثْلِهِ نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِلِ بِالْعَدَاءِ وَتَارَةً يَكُونُ مَعْلُومًا كَالْمُجَاعَلَةِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْخِبْرَةُ بِالْأَرْضِ وَبِمَائِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ) أَيْ وَلَوْ كَانَ سَمَاعُهُ بِوَاسِطَةٍ (قَوْلُهُ: إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَالَهُ) أَيْ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِتَمْكِينِ رَبِّهِ مِنْهُ) هَذَا تَصْوِيرٌ لِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَتَمْكِينُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَالضَّمِيرُ فِي مِنْهُ عَائِدٌ عَلَى الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ أَيْ وَتَمَامُ الْعَمَلِ مُصَوَّرٌ بِأَنْ يُمَكِّنَ الْمُجَاعِلُ رَبَّ الشَّيْءِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِنْ أَبَقَ قَبْلَ قَبْضِهِ بَعْدَ مَجِيءِ الْعَامِلِ بِهِ لِبَلَدِ رَبِّهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ جُعْلًا (قَوْلُهُ: هَذَا تَشْبِيهٌ إلَخْ) أَيْ لَا تَمْثِيلٌ خِلَافًا لتت وَبَهْرَامَ (قَوْلُهُ: كَمَا يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِكِرَاءٍ) أَيْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْإِجَارَةَ وَالْكِرَاءَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ (قَوْلُهُ: قَالَ فِيهَا إلَخْ) نَصُّ كَلَامِهَا مَنْ اكْتَرَى سَفِينَةً فَغَرِقَتْ فِي ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ كِرَاءَ السَّفِينَةِ دَائِمًا إجَارَةٌ عَلَى الْبَلَاغِ فَهُوَ لَازِمٌ سَوَاءٌ صَرَّحَ عِنْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِالْإِجَارَةِ، أَوْ الْجَعَالَةِ إلَّا أَنَّهُ إنْ صَرَّحَ بِالْجَعَالَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ مَجَازًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ إجَارَةً مَوْصُوفَةً بِكَوْنِهَا عَلَى الْبَلَاغِ أَشْبَهَتْ الْجُعْلَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْعِوَضُ إلَّا بِالتَّمَامِ اهـ عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ السَّفِينَةِ) أَيْ فِي أَنَّهَا إجَارَةٌ عَلَى الْبَلَاغِ لَا جَعَالَةٌ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْفُرُوعِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْبَلَاغِ مُسَاوِيَةٌ لِلْجَعَالَةِ فِي أَنَّ الْأُجْرَةَ فِيهَا لَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا مِنْ الْجَعَالَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي هَذَا الْوَجْهِ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْبَلَاغِ لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ صَنْعَةٍ) أَيْ وَالْمُشَارَطَةُ عَلَى تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ وَقَوْلُهُ: وَالْحَافِرِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ بِمَوَاتٍ أَيْ وَمُشَارَطَةُ الْحَافِرِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ بِمَوَاتٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَلَاغِ إنْ صَرَّحَ عِنْدَ الْعَقْدِ بِالْإِجَارَةِ، أَوْ سَكَتَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِشَيْءٍ أَمَّا إنْ صَرَّحَ عِنْدَهُ بِالْجَعَالَةِ كَانَتْ جَعَالَةً وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بِمَوَاتٍ أَنَّهُ لَوْ شَارَطَهُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ بِمِلْكٍ كَانَتْ إجَارَةً لَا عَلَى الْبَلَاغِ إنْ صَرَّحَ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ سَكَتَ فَيَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِنِسْبَةِ مَا عَمِلَ إنْ تَرَكَ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْجَعَالَةِ كَانَتْ جَعَالَةً فَاسِدَةً.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُتِمُّهُ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِالْعَمَلِ السَّابِقِ بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ، أَوْ يُجَاعِلَ عَلَى تَمَامِ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ، أَوْ يُتِمَّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبِيدِهِ.
(قَوْلُهُ: فَيَسْتَحِقَّ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَجْرِ) أَيْ عَلَى عَمَلِهِ بِنِسْبَةِ مَا يَأْخُذُهُ الثَّانِي عَلَى عَمَلِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَمَلُ الثَّانِي قَدْرَ عَمَلِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ قِيمَةُ عَمَلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَجْرُ) أَيْ الَّذِي يَأْخُذُهُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: فَجَعَلَ لِغَيْرِهِ عَشَرَةً عَلَى إيصَالِهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ) أَيْ نِصْفَهَا بِحَسَبِ التَّعَبِ لَا مُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ وَقَوْلُهُ فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بَلَّغَهَا النِّصْفَ إلَخْ أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ بَلَّغَهَا ثُلُثَ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا وَاسْتُؤْجِرَ الثَّانِي عَلَى كَمَالِ الْمَسَافَةِ بِعَشَرَةٍ كَانَ لِلْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَهَكَذَا فَلَوْ أَوْصَلَهَا الْجَاعِلُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِعَبِيدِهِ، أَوْ أَوْصَلَهَا لَهُ غَيْرُهُ مَجَّانًا يُقَالُ مَا قِيمَةُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ اسْتَأْجَرَ رَبُّهُ، أَوْ جَاعَلَ عَلَيْهِ، وَيُعْطِي الْأَوَّلَ بِنِسْبَتِهِ فَلَوْ

عَلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ عِشْرُونَ اُنْظُرْ الشُّرَّاحَ، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَرْجِعُ لِمَا بَعْدَهَا وَعَلَيْهِ فَمَنْ اسْتَأْجَرَ سَفِينَةً لِحَمْلٍ كَقَمْحٍ فَغَرِقَتْ أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَمْحِ وَبَقِيَ الْبَعْضُ فَاسْتَأْجَرَ رَبُّهُ عَلَى مَا بَقِيَ فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ كِرَاءَ مَا بَقِيَ إلَى مَحَلِّ الْغَرَقِ عَلَى حِسَابِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَا ذَهَبَ بِالْغَرَقِ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا اخْتِيَارًا لَكَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ لَهُمَا كَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِمَحَلٍّ وَتَرَكَهَا فِي الْأَثْنَاءِ بِلَا عُذْرٍ وَكَذَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ لَوْ فَرَّطَ فِي نَقْلِ مَتَاعِهِ بَعْدَ بُلُوغِ الْغَايَةِ حَتَّى غَرِقَ وَقَوْلُهُ (إنْ اُسْتُحِقَّ وَلَوْ بِحُرِّيَّةٍ) مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ بِالتَّمَامِ أَيْ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْعَبْدِ الْآبِقِ فَاسْتَحَقَّهُ شَخْصٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ بِحُرِّيَّةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ عَلَى الْجَاعِلِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ لِأَنَّهُ وَرَّطَهُ فِي الْعَمَلِ وَلَوْلَا الِاسْتِحْقَاقُ لَقَبَضَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ الْجَاعِلُ بِالْجُعْلِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (بِخِلَافِ مَوْتِهِ) أَيْ الْآبِقِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لِرَبِّهِ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ (بِلَا تَقْدِيرِ زَمَنٍ) مُتَعَلِّقٌ بِصِحَّةٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ صِحَّةُ الْجُعْلِ بِشَرْطِ عَدَمِ تَقْدِيرٍ أَيْ تَعْيِينِ زَمَنٍ سَوَاءٌ شَرَطَ عَدَمَهُ، أَوْ سَكَتَ عَنْهُ فَإِنْ شَرَطَ تَقْدِيرَهُ مُنِعَ (إلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ

[حاشية الدسوقي]

جَاعَلَ رَبُّهُ نَفْسَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّمَامِ لَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: عَلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ) أَيْ يَوْمَ اُسْتُؤْجِرَ الْأَوَّلُ عِشْرُونَ لَا يُقَالُ الْأَوَّلُ رَضِيَ بِحَمْلِهَا جَمِيعَ الطَّرِيقِ بِخَمْسَةٍ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْطَى نِصْفَهَا وَالْمُغَابَنَةُ جَائِزَةٌ فِي الْجُعْلِ كَالْبَيْعِ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْجُعْلِ مُنْحَلًّا مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَمَّا تَرَكَ بَعْدَ حَمْلِهِ نِصْفَ الْمَسَافَةِ صَارَ تَرْكُهُ لِلْإِتْمَامِ إبْطَالًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَصَارَ الثَّانِي كَاشِفًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَوَّلُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ الَّذِي أَحَالَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ لِمَا بَعْدَهَا) أَيْ وَهُوَ كِرَاءُ السُّفُنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَهَا لَازِمٌ فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ فِي السَّفِينَةِ وَاسْتَأْجَرَ رَبُّ الْمَحْمُولِ سَفِينَةً أُخْرَى عَلَى التَّمَامِ كَانَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ نَفْسِهِ لَا بِحَسَبِ كِرَاءِ السَّفِينَةِ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَاسْتَأْجَرَ رَبُّهُ عَلَى مَا بَقِيَ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَاعَ ذَلِكَ الْبَاقِيَ فِي مَحَلِّ الْغَرَقِ وَلَوْ بِرِبْحٍ فَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ لَا لِمَا غَرِقَ وَلَا لِمَا بَاعَهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ عج فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ إلَخْ) لَا يُقَالُ هَذَا مُعَارِضٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ كِرَاءَ السَّفِينَةِ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالتَّمَامِ، وَأَنَّهُ إذَا غَرِقَ مَا فِيهَا أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ فَلَا كِرَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسْتَأْجِرْ رَبُّ الْمَحْمُولِ سَفِينَةً أُخْرَى عَلَى التَّمَامِ، وَإِلَّا كَانَ لِلْأَوَّلِ بِحَسَبِ كِرَاءِ نَفْسِهِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَا ذَهَبَ بِالْغَرَقِ) أَيْ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ رَبِّهِ مِنْ قَبْضِهِ.
(قَوْلُهُ: اخْتِيَارًا) أَيْ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهَا لِوَحَلِهَا، ثُمَّ خَلَصَتْ فَانْظُرْ هَلْ يَكُونُ كَمَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثُمَّ تَصِحُّ فَلَا يَلْزَمُ عَوْدُهُ لَهَا أَمْ لَا قَالَهُ عبق قَالَ شَيْخُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنْ خَلَصَتْ مِنْ الْوَحَلِ سَلِيمَةً فَلَيْسَ كَمَرَضِ الدَّابَّةِ وَيَلْزَمُ الْعَوْدُ لَهَا، وَإِذَا حَصَلَ فِيهَا أَثَرٌ مَخُوفٌ وَأُصْلِحَ فَهُوَ مِثْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ إلَخْ) فِي ح إذَا صَبَّ الْقَمْحَ فِي سَفِينَةٍ لِجَمَاعَةٍ وَغَرِقَ بَعْضُهُ فَإِنْ عَزَلَ قَمْحَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ فَهُوَ عَلَى حُكْمِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا اشْتَرَكُوا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ اُسْتُحِقَّ) أَيْ بَعْدَ وُصُولِ الْمُجَاعِلِ لِلْبَلَدِ وَقَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ أَمَّا لَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْهُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ إتْيَانِهِ لِلْبَلَدِ فَلَا جُعْلَ لَهُ كَمَا ارْتَضَاهُ بْن.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِحُرِّيَّةٍ) رَدَّ بِلَوْ عَلَى أَصْبَغَ الْقَائِلِ بِسُقُوطِ الْجُعْلِ إذَا اُسْتُحِقَّ بِحُرِّيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ بِالتَّمَامِ) أَيْ وَإِلَّا لَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ إذْ اُسْتُحِقَّ الْآبِقُ قَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى التَّمَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلِذَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: اللَّائِقُ أَنْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ اُسْتُحِقَّ وَلَوْ بِحُرِّيَّةٍ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ التَّمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ الْجَاعِلُ بِالْجُعْلِ) أَيْ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْعَامِلِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ) أَيْ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ الْقَائِلِ لِلْجَاعِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْأَقَلِّ مِنْ الْمُسَمَّى وَجُعْلِ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَوْتِهِ) أَيْ فِي يَدِ الْعَامِلِ بَعْدَ مَجِيئِهِ بِهِ لِبَلَدِ رَبِّهِ وَقَبْلَ تَسْلِيمِهِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ تَسْلِيمِهِ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ مَاتَ بَعْدَ مَا تَسَلَّمَهُ رَبُّهُ وَلَوْ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيِّ فِي مَسَائِلَ كَمَا لَوْ مَاتَ إنْسَانٌ عَنْ وَارِثٍ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ فَإِنَّهُ يَرِثُ وَكَمَا هُنَا قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ بِحُرِّيَّةٍ وَبَيْنَ مَوْتِهِ عَدَمُ النَّفْعِ بِالْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَقِّ فَإِنَّ فِيهِ نَفْعًا فِي ذَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَاعِلِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِصِحَّةٍ) أَيْ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ أَيْ صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ التَّبَرُّعِ جُعْلًا حَالَةَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِعَدَمِ تَقْدِيرِ الزَّمَنِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ) الْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ التَّعْمِيمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْتِبَاسَهُ بِعَدَمِ تَقْدِيرِ الزَّمَنِ صَادِقٌ بِمَا إذَا سَكَتَ عَنْ تَقْدِيرِهِ وَبِمَا إذَا شَرَطَ عَدَمَ تَقْدِيرِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ شَرْطِ عَدَمِ التَّقْدِيرِ قَاصِرٌ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ إلَخْ) أَيْ كَ أُجَاعِلُكَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِعَبْدِي الْآبِقِ بِدِينَارٍ بِشَرْطِ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي شَهْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ شَرَطَ إلَخْ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ مُسْتَثْنًى مِنْ مَفْهُومِ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ) أَيْ فَيَجُوزُ إنْ قِيلَ شَأْنُ هَذَا الْعَقْدِ التَّرْكُ فِيهِ مَتَى شَاءَ فَلِمَ كَانَ الْعَقْدُ غَيْرَ جَائِزٍ إذَا قُدِّرَ بِزَمَنٍ

أَنَّ لَهُ تَرْكَ الْعَمَلِ مَتَى شَاءَ فَيَجُوزَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ رَجَعَ حِينَئِذٍ لِأَصْلِهِ وَسُنَّتِهِ مِنْ كَوْنِ الزَّمَانِ مُلْغًى، وَإِنَّمَا ضَرَّ تَقْدِيرُ الزَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ فَقَدْ يَنْقَضِي الزَّمَنُ قَبْلَ التَّمَامِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا فَفِيهِ زِيَادَةُ غَرَرٍ، وَإِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ سُنَّتِهِ، وَمِثْلُ شَرْطِ التَّرْكِ مَتَى شَاءَ إذَا جَعَلَ لَهُ الْجُعْلَ بِتَمَامِ الزَّمَنِ تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا فَيَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ الْجَعَالَةِ إلَى الْإِجَارَةِ (وَلَا نَقْدٍ مُشْتَرَطٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى بِلَا تَقْدِيرِ زَمَنٍ أَيْ وَبِلَا نَقْدٍ مُشْتَرَطٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَبِلَا شَرْطِ نَقْدٍ فَإِنَّ شَرْطَ النَّقْدِ مُضِرٌّ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ بِالْفِعْلِ لِتَرَدُّدِ الْمَنْقُودِ بِشَرْطٍ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ وَلَا يَضُرُّ النَّقْدُ تَطَوُّعًا وَالْجُعْلُ يَصِحُّ (فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ) أَيْ كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ جَازَ فِيهِ الْجَعَالَةُ (بِلَا عَكْسٍ) فَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْجَعَالَةُ جَازَ فِيهِ الْإِجَارَةُ فَالْجَعَالَةُ أَعَمُّ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ، وَإِلَّا فَهُمَا عَقْدَانِ مُتَبَايِنَانِ وَهَذَا سَهْوٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ عَكْسُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فَالْإِجَارَةُ أَعَمُّ وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ الْوَجْهِيَّ فَيَجْتَمِعَانِ فِي نَحْوِ بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ، أَوْ أَثْوَابٍ قَلِيلَةٍ، أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ بِفَلَاةٍ وَاقْتِضَاءِ دَيْنٍ وَتَنْفَرِدُ الْإِجَارَةُ فِي خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ وَحَفْرِ بِئْرٍ فِي مِلْكٍ وَسُكْنَى بَيْتٍ وَاسْتِخْدَامِ عَبْدٍ وَدَابَّةٍ وَتَنْفَرِدُ الْجَعَالَةُ فِيمَا جُهِلَ حَالُهُ وَمَكَانُهُ كَآبِقٍ وَنَحْوِهِ، نَعَمْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ أَقْرَبُ لِلصَّوَابِ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا جُهِلَ مَكَانُهُ تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ

[حاشية الدسوقي]

عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ شَأْنَهُ يُغْنِي عَنْ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ.؟ قُلْت: الْمَجْعُولُ لَهُ إذَا قُدِّرَ عَمَلُهُ بِزَمَنٍ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ دَاخِلٌ عَلَى التَّمَامِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ فِي الْوَاقِعِ وَحِينَئِذٍ فَغَرَرُهُ قَوِيٌّ وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْطِ فَقَدْ دَخَلَ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَغَرَرُهُ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: أَنَّ لَهُ تَرْكَ الْعَمَلِ مَتَى شَاءَ) أَيْ وَأَنَّ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ وَالْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْفِرَارُ مِنْ إضَاعَةِ الْعَمَلِ بَاطِلًا كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا قَالَ لَهُ أُجَاعِلُكَ عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي بِعَبْدِي فِي شَهْرٍ بِدِينَارٍ عَمِلْت أَمْ لَا انْقَلَبَتْ الْجَعَالَةُ إجَارَةً وَيُنْظَرُ حِينَئِذٍ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ فَإِنْ عَمِلَ اسْتَحَقَّ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَا شَيْءَ لَهُ كَذَا قَرَّرَ سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَبِلَا شَرْطِ نَقْدٍ) أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِلَا نَقْدٍ مُشْتَرَطٍ صَادِقٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ نَقْدٌ أَصْلًا، أَوْ كَانَ هُنَاكَ نَقْدٌ تَطَوُّعًا، أَوْ كَانَ هُنَاكَ اشْتِرَاطُ نَقْدٍ وَلَمْ يَحْصُلْ بِالْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الثَّالِثَةِ مَمْنُوعٌ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ) أَيْ إنْ لَمْ يُوصِلْهُ لِرَبِّهِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ أَصْلًا أَوْ وَجَدَهُ وَهَرَبَ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ وَقَوْلُهُ: وَالثَّمَنِيَّةِ أَيْ إنْ وَجَدَ الْآبِقَ وَأَوْصَلَهُ لِرَبِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَالْجَعَالَةُ أَعَمُّ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ الَّذِي تَعَلَّقَا بِهِ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُمَا عَقْدَانِ مُتَبَايِنَانِ أَيْ وَإِلَّا نَقُلْ إنَّ أَعَمِّيَّةَ الْجُعْلِ مِنْ الْإِجَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ بَلْ قُلْنَا إنَّ أَعَمِّيَّتَهُ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِمَا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُتَبَايِنَانِ مَفْهُومًا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا سَهْوٌ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَ " كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالضَّمِيرُ فِي جَازَ لِلْجُعْلِ فَوَافَقَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُ: فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سَابِقًا صِحَّةُ الْجُعْلِ، وَأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاعِلُ " جَازَ " حَتَّى يَأْتِيَ الِاعْتِرَاضُ الْمَذْكُورُ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَخْ) نَصُّهَا كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي الْمَوَاتِ جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةِ جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ أَلَا تَرَى أَنَّ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ وَخِدْمَةَ عَبْدٍ شَهْرًا وَبَيْعَ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ وَحَفْرَ الْآبَارِ فِي الْمِلْكِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى مَا ذُكِرَ يَصِحُّ إذَا كَانَ إجَارَةً لَا جَعَالَةً؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى لِلْجَاعِلِ مَنْفَعَةٌ إنْ لَمْ يُتِمَّ الْمَجْعُولُ لَهُ الْعَمَلَ وَالْجُعْلُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ لِلْجَاعِلِ نَفْعٌ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّ بَيْنَهُمَا إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: فَيَجْتَمِعَانِ فِي نَحْوِ بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ) أَيْ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى بَيْعِ مَا ذُكِرَ، أَوْ شِرَائِهِ يَصِحُّ إجَارَةً وَجَعَالَةً.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَثْوَابٍ قَلِيلَةٍ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِمَا سَتَعْلَمُهُ.
(قَوْلُهُ: وَتَنْفَرِدُ الْإِجَارَةُ فِي خِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَبَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ جَعَالَةً بِأَنْ تُجَاعِلَهُ عَلَى شَرْطِ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُجَاعِلَ قَدْ يَنْتَفِعُ بِخِيَاطَةِ الْبَعْضِ، أَوْ بَيْعِ الْبَعْضِ بَاطِلًا إنْ لَمْ يُتِمَّ الْعَامِلُ الْعَمَلَ وَيَصِحُّ فِي الْعَقْدِ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنْ يَكُونَ إجَارَةً بِأَنْ يَدْخُلَا عَلَى أَنَّ لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ إنْ تَرَكَ فَقَوْلُهُ وَبَيْعُ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ أَيْ إذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِبَيْعِ الْجَمِيعِ، ثُمَّ إنَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّارِحِ مِنْ جَوَازِ الْجُعْلِ عَلَى بَيْعِ الثِّيَابِ الْقَلِيلَةِ وَمَنْعِهِ عَلَى بَيْعِ الْكَثِيرَةِ فِيهِ نَظَرٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ فِي أَنَّهُ مَتَى انْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِالْبَعْضِ بِأَنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِالتَّمَامِ مُنِعَ الْجُعْلُ عَلَى بَيْعِ الْقَلِيلِ وَبَيْعِ الْكَثِيرِ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجَاعَلَةَ عَلَى بَيْعِ مَا زَادَ عَلَى ثَوْبٍ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ لَهُ فِي كُلِّ مَا بَاعَ بِحِسَابِهِ إذَا تَرَكَ جَازَ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِبَيْعِ الْجَمِيعِ مُنِعَ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّائِدِ عَلَى الثَّوْبِ كَثِيرًا، أَوْ قَلِيلًا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَاشِرٍ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: كَآبِقٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ بِغَيْرِ شَارِدٍ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إلَّا بِالتَّمَامِ جُعْلٌ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ سَابِقًا تَبَعًا لعج وَالْحَقُّ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ عج مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ الْإِجَارَةِ بِمَحَلٍّ وَمَا جُهِلَ حَالُهُ وَمَكَانُهُ كَمَا يَصِحُّ فِيهِ الْجُعْلُ يَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ كَأَنْ يُؤَاجِرَهُ عَلَى التَّفْتِيشِ عَلَى عَبْدِهِ الْآبِقِ بِكَذَا أَتَى بِهِ أَمْ لَا

عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ وَبَالَغَ عَلَى صِحَّةِ الْجُعْلِ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ) كَعَبِيدٍ كَثِيرَةٍ أَبَقَتْ، أَوْ إبِلٍ كَثِيرَةٍ شَرَدَتْ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ الْكَثِيرِ قَوْلُهُ (إلَّا) عَلَى (كَبَيْعِ) ، أَوْ شِرَاءِ (سِلَعٍ كَثِيرَةٍ) مِنْ ثِيَابٍ، أَوْ رَقِيقٍ، أَوْ إبِلٍ فَلَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَيْهَا إذَا كَانَ (لَا يَأْخُذُ شَيْئًا) مِنْ الْجُعْلِ (إلَّا بِالْجَمِيعِ) أَيْ إلَّا بِبَيْعِ أَوْ شِرَاءِ الْجَمِيعِ أَيْ وَقَعَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، أَوْ عُرْفٍ فَإِنْ شَرَطَ، أَوْ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّ مَا بَاعَهُ، أَوْ اشْتَرَاهُ فَلَهُ بِحِسَابِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ السِّلَعِ بِمَنْزِلَةِ عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ بِانْتِهَاءِ عَمَلِهَا وَلَمْ يَذْهَبْ لَهُ عَمَلٌ بَاطِلٌ.

(وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَةِ الْجَاعِلِ) أَيْ هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُعْلِ تَوَقُّفُهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ لِلْجَاعِلِ بِمَا يُحَصِّلُهُ الْعَامِلُ كَآبِقٍ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ كَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَصْعَدَ جَبَلًا مَثَلًا لَا لِشَيْءٍ يَأْتِي بِهِ (قَوْلَانِ) الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَلَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ شَخْصٍ وَلَا عَلَى حَلِّ سِحْرٍ وَلَا حَلِّ مَرْبُوطٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ ذَلِكَ (وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ) الْجَاعِلَ يَقُولُ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا (جُعْلُ مِثْلِهِ) وَلَوْ زَادَ عَلَى مَا سَمَّاهُ الْجَاعِلُ عَلَى فَرْضِ لَوْ سَمَّى شَيْئًا (إنْ اعْتَادَهُ) وَلَوْ كَانَ رَبُّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ (كَحَلِفِهِمَا) أَيْ الْمُتَجَاعِلَيْنِ (بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا) أَيْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ - وَلَمْ يُشْبِهَا - فَيُقْضَى لَهُ بِجُعْلِ الْمِثْلِ فَإِنْ أَشْبَهَ أَحَدُهُمَا فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا فَإِنْ أَشْبَهَا مَعًا فَالْقَوْلُ لِمَنْ الْعَبْدُ - مَثَلًا - فِي حَوْزِهِ مِنْهُمَا (وَلِرَبِّهِ) أَيْ الْآبِقِ مَثَلًا (تَرْكُهُ) لِلْعَامِلِ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ مَنْ عَادَتُهُ طَلَبُ الضَّوَالِّ وَأَتَى بِهِ لِرَبِّهِ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ جُعْلِ

[حاشية الدسوقي]

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْآبِقِ إنْ كَانَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِالتَّمَامِ فَهُوَ جَعَالَةٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَتَى بِهِ، أَوْ لَا فَهُوَ إجَارَةٌ فَالْحَقُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا وَأَنَّ الْإِجَارَةَ أَعَمُّ.
(قَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِ الْعَامِلِ بِالْمَحَلِّ وَقَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ لِلتَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ بَلْ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عِنْدَ جَهْلِ الْعَامِلِ لِلْمَحَلِّ كَمَا مَثَّلْنَا عَلَى أَنَّ عج إنَّمَا جَعَلَ مَحَلَّ انْفِرَادِ الْجُعْلِ فِيمَا جُهِلَ حَالُهُ وَمَكَانُهُ وَمَا عُلِمَ مَحَلٌّ آخَرُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ بَعْضَهَا، أَوْ اشْتَرَى بَعْضَهَا وَتَرَكَ فَقَدْ انْتَفَعَ الْجَاعِلُ وَذَهَبَ عَمَلُ الْعَامِلِ بَاطِلًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْجُعْلِ) أَيْ الْعِوَضِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَقَعَ ذَلِكَ) أَيْ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِالْجَمِيعِ بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ إلَخْ) عِلَّةٌ لِلْجَوَازِ وَانْدَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ: الْحُكْمُ بِالْجَوَازِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ سَابِقًا يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِالتَّمَامِ.

(قَوْلُهُ: وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَةِ الْجَاعِلِ) أَيْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُحَصِّلُهُ الْعَامِلُ مَنْفَعَةٌ تَعُودُ عَلَى الْجَاعِلِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ.؟ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْوُقُوفُ عَلَى كَوْنِ الْجَانِّ خَرَجَ، أَوْ لَا، ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ النَّفْعُ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِلِ وَجُرِّبَ وَعُلِمَتْ الْحَقِيقَةُ جَازَ الْجُعْلُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَتْ الرُّقْيَةُ عَرَبِيَّةً، أَوْ عَجَمِيَّةً مَعْرُوفَةَ الْمَعْنَى مِنْ عَدْلٍ وَلَوْ إجْمَالًا لِئَلَّا تَكُونَ أَلْفَاظًا مُكَفِّرَةً.
(قَوْلُهُ: وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْجَاعِلَ) أَيْ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا بِوَاسِطَةٍ، وَإِلَّا اسْتَحَقَّ الْمُسَمَّى بِتَمَامِ الْعَمَلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمَالِكُ مَنْ أَتَى بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ كَذَا فَجَاءَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ رَبِّهِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا بِوَاسِطَةٍ، وَأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَجَاءَ بِهِ شَخْصٌ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْلَ الْمِثْلِ، سَوَاءٌ كَانَ جُعْلُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ بِشَرْطِ كَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الْآتِي بِهِ مِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الْأُبَّاقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فَلَا جُعْلَ لَهُ وَلَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ رَبَّهُ " صَادِقٌ بِأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ رَبِّهِ قَوْلٌ أَصْلًا يَسْمَعُهُ وَبِمَا إذَا حَصَلَ مِنْهُ قَوْلٌ وَلَكِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ الْعَامِلُ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا بِوَاسِطَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ رَبُّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ) أَيْ شَأْنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: كَحَلِفِهِمَا) أَيْ وَيَبْدَأُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ كَذَا قِيلَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَبْدَأُ الْعَامِلُ لِأَنَّهُ بَائِعٌ لِمَنَافِعِهِ اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ) حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ مُتَعَيَّنٌ خِلَافًا لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي السَّمَاعِ وَعَدَمِهِ بِأَنْ ادَّعَى الْعَامِلُ أَنَّهُ سَمِعَ رَبَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَتَى بِعَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَقَالَ رَبُّهُ: لَمْ تَسْمَعْ بَلْ أَتَيْتَ بِهِ وَلَمْ تَسْمَعْ مِنِّي شَيْئًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِي السَّمَاعِ وَعَدَمِهِ لَا يَتَحَالَفَانِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْعَامِلِ هَلْ عَادَتُهُ طَلَبُ الْإِبَاقِ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ أَمْ لَا فَلَهُ النَّفَقَةُ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَنُكُولُهُمَا) فِي حَالَةِ عَدَمِ شَبَهِهِمَا كَحَلِفِهِمَا فِي كَوْنِهِ يُقْضَى لِلْعَامِلِ بِجُعْلِ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ لِمَنْ الْعَبْدُ مَثَلًا فِي حَوْزِهِ مِنْهُمَا) فَإِنْ وُجِدَ وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ كَانَ بِيَدِ أَمِينٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا إذَا لَمْ يُشْبِهْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَتَحَالَفَانِ وَيُقْضَى بِجُعْلِ الْمِثْلِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُمَا إذَا أَشْبَهَا فَالْقَوْلُ لِمَنْ الْعَبْدُ فِي حَوْزِهِ هُوَ مَا ارْتَضَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: إذَا أَشْبَهَا مَعًا فَالْقَوْلُ لِلْجَاعِلِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَظْهَرُ اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ) هَذَا رَاجِعٌ لِمَا فِيهِ جُعْلُ الْمِثْلِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ الْعَامِلُ الَّذِي شَأْنُهُ طَلَبُ الْإِبَاقِ بِالْآبِقِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ رَبُّهُ مَنْ أَتَى بِعَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَرْكُهُ لِمَنْ جَاءَ بِهِ عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْلِ الْمِثْلِ فَإِنْ الْتَزَمَ رَبُّهُ جُعْلًا وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْآتِي بِهِ فَهَلْ كَذَلِكَ لِرَبِّ الْعَبْدِ تَرْكُهُ لِمَنْ جَاءَ بِهِ عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْلِ الْمِثْلِ وَهُوَ مَا قَالَهُ عج وَنَازَعَهُ طفى بِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جُعْلَ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَ طَلَبَ الْإِبَاقِ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اُنْظُرْ بْن

الْمِثْلِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا مَقَالَ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا سَمِعَهُ سَمَّى شَيْئًا وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ فَلَهُ مَا سَمَّاهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ رَبَّهُ وَرَّطَهُ (وَإِلَّا) يَكُنْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مُعْتَادًا لِطَلَبِ الْأُبَّاقِ (فَالنَّفَقَةُ) فَقَطْ أَيْ فَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ فِي تَحْصِيلِهِ وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَرُكُوبٍ احْتَاجَ لَهُ وَلَا جُعْلَ لَهُ (وَإِنْ) (أَفْلَتَ) الْعَبْدُ مِنْ يَدِ الْعَامِلِ قَبْلَ إيصَالِهِ لِرَبِّهِ (فَجَاءَ بِهِ آخَرُ) قَبْلَ أَنْ يَصِلَ لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ (فَلِكُلٍّ) مِنْ الْعَامِلَيْنِ (نِسْبَتُهُ) مِنْ الْجُعْلِ فَإِنْ جَاءَ بِهِ الْأَوَّلُ ثُلُثَ الطَّرِيقِ مَثَلًا وَالثَّانِي بَاقِيَهَا كَانَ لِلْأَوَّلِ الثُّلُثُ فِي الْجُعْلِ الْمُسَمَّى وَلِلثَّانِي ثُلُثَاهُ فَإِنْ أَتَى بِهِ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ وَصَلَ لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ (وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ) سَمَّاهُ لَهُ (وَذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ) أَيْ فِي الدِّرْهَمِ فَيَقْتَسِمَانِهِ بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ لِكُلٍّ فَلِذِي الدِّرْهَمِ ثُلُثَاهُ وَلِذِي النِّصْفِ ثُلُثُهُ فَإِنْ تَسَاوَى مَا سَمَّاهُ لِكُلٍّ قُسِمَ مَا سَمَّاهُ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَيْنِ فَإِنْ سَمَّى لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا عَرَضًا اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ (وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ (وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ) فِيهِ دُونَ الْعَامِلِ.

(وَفِي) الْجُعْلِ (الْفَاسِدِ) لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ (جُعْلُ الْمِثْلِ) إنْ تَمَّ الْعَمَلُ رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ (إلَّا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا) أَيْ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْجُعْلَ مُطْلَقًا تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا (فَأُجْرَتُهُ) أَيْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[حاشية الدسوقي]

وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: مَا إذَا سَمِعَهُ) أَيْ مَا إذَا سَمِعَ الْعَامِلُ رَبَّهُ سَمَّى شَيْئًا.
(قَوْلُهُ: فَالنَّفَقَةُ فَقَطْ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَادَهُ وَوَجَبَ لَهُ جُعْلُ الْمِثْلِ، أَوْ وَجَبَ لَهُ الْمُسَمَّى فَإِنَّ نَفَقَةَ الْآبِقِ عَلَى الْعَامِلِ وَلَوْ اسْتَغْرَقَتْ الْجُعْلَ اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: أَيْ فَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَيْ فَلَهُ مَا أَنْفَقَهُ حَالَ تَحْصِيلِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْعَبْدِ مِنْ أُجْرَةِ دَابَّةٍ، أَوْ مَرْكَبٍ اُضْطُرَّ لَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ عَلَى صَرْفِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ إلَّا تَحْصِيلَهُ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الدَّرَاهِمَ بِمَثَابَةِ مَا فَدَى بِهِ مِنْ ظَالِمٍ وَأَمَّا مَا شَأْنُهُ أَنَّهُ يُنْفِقَهُ الْعَامِلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَضَرِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ مُتَفَاوِتًا بِأَنْ كَانَ الْمَأْكُولُ فِي مَحَلِّ الْعَامِلِ أَرْخَصَ مِنْهُ فِي الْبَلَدِ الَّتِي سَافَرَ إلَيْهَا لِتَحْصِيلِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ السَّفَرَيْنِ فِي التَّفَاوُتِ اهـ تَقْرِيرُ شَيْخِنَا عَدَوِيٍّ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ ذَلِكَ لِأَنَّ نَفَقَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسْوَةِ عَلَى رَبِّهِ وَلَوْ وَجَبَ لِلْعَامِلِ جُعْلُ الْمِثْلِ، أَوْ الْمُسَمَّى فَإِذَا قَامَ بِهَا الْعَامِلُ رَجَعَ بِهَا عَلَيْهِ فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ أَيْ فَلَهُ مَا أَنْفَقَهُ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ أُجْرَةِ مَرْكَبٍ، أَوْ دَابَّةٍ احْتَاجَ لَهُمَا وَأُجْرَةِ مَنْ يَقْبِضُهُ لَهُ إنْ احْتَاجَ الْحَالُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَفْلَتَ) يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا يُقَالُ أَفْلَتَهُ وَأَفْلَتَ بِنَفْسِهِ فَيَصِحُّ فِي الْمَتْنِ قِرَاءَتُهُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
(قَوْلُهُ: فَجَاءَ بِهِ آخَرُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ وَلَا مُجَاعَلَةٍ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ عَادَةَ ذَلِكَ الْآخَرِ طَلَبُ الْإِبَاقِ.
(قَوْلُهُ: لِمَكَانِهِ الْأَوَّلِ) أَيْ الَّذِي كَانَ آبِقًا فِيهِ.
(قَوْلُهُ: نِسْبَتُهُ) أَيْ نِسْبَةُ عَمَلِهِ مَنْظُورًا فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا لَا لِمُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَاءَ بِهِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ رَبَّ الْآبِقِ إذَا جَعَلَ لِرَجُلٍ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَبْدِهِ الْآبِقِ وَجَعَلَ لِآخَرَ نِصْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ بِعَبْدِهِ فَأَتَيَا بِهِ مَعًا فَأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِكَ الدِّرْهَمِ إذْ هُوَ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ رَبَّ الْعَبْدِ بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَجْمُوعِ التَّسْمِيَتَيْنِ فَيَأْخُذُ الْأَوَّلُ ثُلُثَيْهِ وَيَأْخُذُ الثَّانِي ثُلُثَهُ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ نِصْفِ الدِّرْهَمِ إلَى دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ ثُلُثٌ وَنِسْبَةُ الدِّرْهَمِ كَذَلِكَ ثُلُثَانِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا جُعِلَ لَهُ وَرَجَّحَهُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ فَقَوْلُهُ: وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ أَيْ سَمَّاهُ لَهُ وَقَوْلُهُ: وَذُو أَقَلَّ أَيْ سَمَّاهُ لَهُ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ لِكُلٍّ أَيْ لِمَجْمُوعِ التَّسْمِيَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: قُسِمَ مَا سَمَّاهُ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَيْنِ) أَيْ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
(قَوْلُهُ: اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ فَلَوْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا عَشَرَةً وَلِلْآخَرِ عَرَضًا وَأَتَيَا بِهِ مَعًا فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُقَوَّمُ الْعَرَضُ فَإِنْ سَاوَى خَمْسَةً فَلِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ ثُلُثَاهَا وَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْعَرَضِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الْعَشَرَةِ، أَوْ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنْ الْعَرَضِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ نِصْفُهَا وَلِصَاحِبِ الْعَرَضِ نِصْفُهُ فَإِنْ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَرَضًا وَاخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، أَوْ اتَّفَقَتْ جَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ) أَيْ التَّرْكُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْعَقْدُ الْغَيْرُ اللَّازِمِ لَا يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِهِ فَسْخٌ إلَّا بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ إذْ حَقُّ الْفَسْخِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي تَرْكِ الْأَمْرِ اللَّازِمِ وَالْعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْعَقْدِ اللَّازِمِ فِي الْجُمْلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ) الْمُرَادُ بِهِ مُلْتَزِمُ الْجُعْلِ لَا مَنْ تَعَاطَى عَقْدَهُ فَقَطْ كَالْوَكِيلِ الَّذِي لَمْ يَلْتَزِمْ جُعَلًا وَظَاهِرُهُ اللُّزُومُ لِلْجَاعِلِ بِالشُّرُوعِ وَلَوْ فِيمَا لَا بَالَ لَهُ فَلَا مَقَالَ لَهُ فِي حَلِّهِ بَلْ يَلْزَمُهُ الْبَقَاءُ بِخِلَافِ الْعَامِلِ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى خِيَارِهِ.

(قَوْلُهُ: جُعْلُ الْمِثْلِ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَوَاءٌ تَمَّمَ الْعَمَلَ أَمْ لَا رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ أَصْلِهِ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَأَنَّمَا كَانَتْ أَصْلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا فِي عَاقِدِي الْجُعْلِ مَا اشْتَرَطُوهُ فِي عَاقِدِي الْإِجَارَةِ.
(قَوْلُهُ: رَدًّا إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ فَلَا شَيْءَ لَهُ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: رَدًّا لَهُ إلَخْ رَاجِعًا لِلْأَمْرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِجُعْلٍ مُطْلَقًا) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاسِدُ مُلْتَبِسًا بِجُعْلٍ أَيْ بِعِوَضٍ مُطْلَقًا كَمَا إذَا قَالَ إنْ أَتَيْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ فَلَكَ كَذَا فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةً عِنْدَ جَعْلِ الْعِوَضِ لَهُ مُطْلَقًا لَا جُعْلًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْعِوَضَ

دَرْسٌ (بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ مَوَاتَ الْأَرْضِ، وَإِحْيَاءَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَقَالَ (مَوَاتُ الْأَرْضِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (مَا سَلِمَ) أَيْ أَرْضٌ سَلِمَتْ أَيْ خَلَتْ (عَنْ الِاخْتِصَاصِ) بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ وَهُنَا تَمَّ التَّعْرِيفُ وَقَوْلُهُ (بِعِمَارَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَالِاخْتِصَاصُ كَائِنٌ بِسَبَبِ عِمَارَةٍ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ، أَوْ تَفْجِيرِ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) تِلْكَ الْعِمَارَةُ فَإِنَّ الِاخْتِصَاصَ لِمَنْ عَمَّرَهَا بَاقٍ (إلَّا لِإِحْيَاءٍ) مِنْ آخَرَ بَعْدَ انْدِرَاسِهَا أَيْ مَعَ طُولِ زَمَانِهِ كَمَا فِي النَّقْلِ فَإِحْيَاؤُهَا مِنْ ثَانٍ قَبْلَ الطُّولِ لَا تَكُونُ لَهُ بَلْ لِلْأَوَّلِ كَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا، أَوْ وُهِبَتْ لَهُ أَوْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ مِمَّنْ أَحْيَاهَا وَانْدَرَسَتْ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ عَنْهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ إلَّا الْحِيَازَةَ بِشُرُوطِهَا فِي غَيْرِ الْوَقْفِ كَمَا يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَفْهُومُ إلَّا لِإِحْيَاءٍ أَنَّهُ إنْ أَحْيَاهَا ثَانٍ بَعْدَ طُولٍ اخْتَصَّ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا فَإِنْ عَمَّرَهَا جَاهِلًا بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ، وَإِلَّا فَمَنْقُوضًا وَهَذَا مَا لَمْ يَسْكُتْ الْأَوَّلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَعْمِيرِ الثَّانِي، وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى تَسْلِيمِهِ الْأَرْضَ لِمُعَمِّرِهَا (وَبِحَرِيمِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ

[حاشية الدسوقي]

الَّذِي يَأْخُذُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ لَيْسَ جُعْلًا حَقِيقَةً بَلْ نَفَقَةً بِخِلَافِ مَا يَأْخُذُهُ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ فَإِنَّهُ جُعْلٌ حَقِيقَةً فَغَلَبَتْ حَالَةُ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى حَالَةِ الْإِتْيَانِ بِهِ إذْ لَيْسَ الْعِوَضُ فِيهَا جُعْلًا حَقِيقَةً وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ مَتَى قَالُوا جُعْلُ الْمِثْلِ تَوَقَّفَ عَلَى التَّمَامِ بِخِلَافِ أُجْرَتِهِ.

[بَاب مَوَاتَ الْأَرْضِ وَإِحْيَاءَهَا]

. (بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) . (قَوْلُهُ: مَوَاتُ الْأَرْضِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ) أَيْ لِأَنَّ الْمُوَاتَ - بِضَمِّ الْمِيمِ - الْمَوْتُ وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَيُطْلَقُ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا انْتِفَاعَ بِهَا فَهُوَ بِالْفَتْحِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(قَوْلُهُ: مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ) اسْتَغْنَى بِالِاسْمِ الْمُحَلَّى بِأَلْ عَنْ أَنْ يَقُولَ عَنْ الِاخْتِصَاصَاتِ لِإِفَادَةِ الِاسْمِ الْمُحَلَّى الْعُمُومَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ أَرْضٌ سَلِمَتْ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ مَا وَاقِعَةٌ عَلَى أَرْضٍ وَحِينَئِذٍ فَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ فِي سَلِمَ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَا.
(قَوْلُهُ: وَهُنَا تَمَّ التَّعْرِيفُ) اُعْتُرِضَ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ حَرِيمَ الْبَلَدِ لَا يُسَمَّى مَوَاتًا لِعَدَمِ سَلَامَتِهِ مِنْ الِاخْتِصَاصِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَوَاتٌ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمَوَاتَ قِسْمَانِ قَرِيبٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَبَعِيدٌ مِنْهُ فَالْقَرِيبُ يَفْتَقِرُ فِي إحْيَائِهِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ دُونَ الْبَعِيدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ " بِعِمَارَةِ " مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ فَيَدْخُلَ بِهِ فِي التَّعْرِيفِ كُلُّ مَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِصَاصُ بِغَيْرِ الْعِمَارَةِ كَالْحَرِيمِ وَالْحِمَى وَيَكُونَ قَوْلُهُ " وَلَوْ انْدَرَسَتْ " مُبَالَغَةً فِيمَا فُهِمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَمَّرَ لَيْسَ بِمَوَاتٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَالْمُعَمَّرُ لَيْسَ بِمَوَاتٍ بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ مُعَمِّرُهُ وَلَوْ انْدَرَسَتْ عِمَارَتُهُ.
(قَوْلُهُ: بِعِمَارَةٍ وَلَوْ انْدَرَسَتْ إلَّا لِإِحْيَاءٍ) حَاصِلُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ نَقْلًا عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ الْعِمَارَةَ تَارَةً تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ مِلْكٍ وَتَارَةً تَكُونُ لِإِحْيَاءٍ وَيَحْصُلُ الِاخْتِصَاصُ بِهَا إذَا لَمْ تَنْدَرِسْ فِي الْقِسْمَيْنِ وَأَمَّا إذَا انْدَرَسَتْ فَإِنْ كَانَتْ عَنْ مِلْكٍ كَإِرْثٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ فَالِاخْتِصَاصُ بَاقٍ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ الِانْدِرَاسِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَتْ لِإِحْيَاءٍ فَهَلْ الِاخْتِصَاصُ بَاقٍ، أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ فَالْأَوَّلُ يَقُولُ إنَّ انْدِرَاسَهَا لَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِ مُحْيِيهَا وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِيَهَا وَهِيَ لِلْأَوَّلِ إنْ أَعْمَرَهَا غَيْرُهُ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ انْدِرَاسِهَا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَالثَّانِي يَقُولُ إنَّ انْدِرَاسَهَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِ مُحْيِيهَا وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ إحْيَاؤُهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى الثَّانِي دَرَجَ الْمُصَنِّفُ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا طَالَ زَمَنُ الِانْدِرَاسِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالِاخْتِصَاصُ بِعِمَارَةٍ أَيْ إذَا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ مِلْكٍ أَوْ لِإِحْيَاءٍ " وَلَوْ " فِي قَوْلِهِ " وَلَوْ انْدَرَسَتْ " لِدَفْعِ التَّوَهُّمِ لَا لِلْخِلَافِ وَلَوْ عَبَّرَ بِإِنْ كَانَ أَوْلَى وَقَوْلُهُ: إلَّا لِإِحْيَاءٍ أَيْ إلَّا إذَا كَانَتْ لِأَجْلِ إحْيَاءٍ فَانْدِرَاسُهَا يُخْرِجُهَا عَنْ مِلْكِ مُحْيِيهَا كَمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَيُقَيَّدُ ذَلِكَ بِالطُّولِ كَمَا عَلِمْت وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ بِعِمَارَةٍ مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ لِكَوْنِ الْعِمَارَةِ نَاشِئَةً عَنْ مِلْكٍ أَوْ لِإِحْيَاءٍ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنَّ الْعِمَارَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ الْمِلْكِ مُسْتَغْنًى عَنْ ذِكْرِهَا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمِلْكِ كَافٍ فِي الِاخْتِصَاصِ وَلَا يَفْتَقِرُ لِلْعِمَارَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ لَأَجْلِ تَقْسِيمِ الْعِمَارَةِ فَتَأَمَّلْ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ طُولِ زَمَانِهِ) أَيْ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْآخَرِ الَّذِي أَحْيَاهَا بَعْدَ طُولِ زَمَنِ الِانْدِرَاسِ.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا) هَذَا تَنْظِيرٌ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْعِمَارَةُ لِإِحْيَاءٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَفْهُومُ " إلَّا لِإِحْيَاءٍ " أَنَّهُ إنْ أَحْيَاهَا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مَنْطُوقُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا مَفْهُومُهُ فَالْأَوْلَى إبْدَالُ مَفْهُومٍ بِمَنْطُوقٍ، وَإِنَّمَا أَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ مَعَ ذِكْرِهِ لَهُ أَوَّلًا لِأَجْلِ الدُّخُولِ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ عَمَّرَهَا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَبْلَهُ) أَيْ الطُّولِ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ عَمَّرَهَا أَيْ قَبْلَ طُولِ زَمَنِ الِانْدِرَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ جَاهِلًا بَلْ عَالِمًا بِمُعَمِّرِهَا الْأَوَّلِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَطُلْ زَمَنُ الِانْدِرَاسِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ كَوْنِهَا لِمَنْ أَحْيَاهَا قَبْلَ طُولِ زَمَنِ الِانْدِرَاسِ وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَسْكُت إلَخْ أَيْ وَحَلَفَ أَنَّ تَرْكَهُ لَهَا لَيْسَ إعْرَاضًا عَنْهَا وَأَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَدَمَ فَوَاتِهَا عَلَى مُحْيِيهَا

فَيَخْتَصُّ بِالْعِمَارَةِ وَبِحَرِيمِهَا فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَصَّلَ الْحَرِيمَ بِقَوْلِهِ (كَمُحْتَطَبٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مَكَان يُقْطَعُ مِنْهُ الْحَطَبُ (وَمَرْعًى) مَكَانِ الرَّعْيِ (يُلْحَقُ) ذَلِكَ الْمُحْتَطَبُ وَالْمَرْعَى (غُدُوًّا) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ (وَرَوَاحًا) مَا بَعْدَهُ حَالَ كَوْنِ الْمُحْتَطَبِ وَالْمَرْعَى (لِبَلَدٍ) يَعْنِي إذَا عَمَّرَ جَمَاعَةٌ بَلَدًا فَإِنَّهُمْ يَخْتَصُّونَ بِهَا وَبِحَرِيمِهَا مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى لِدَوَابِّهِمْ يُلْحَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى عَادَةِ الْحَاطِبِينَ وَالرُّعَاةِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِمْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِالْحَطَبِ وَحَلْبِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ غُدُوًّا وَرَوَاحًا فَلَا مُشَارَكَةَ لِغَيْرِهِمْ فِيهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُمْ وَمَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِحَطَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ لَهُ مِلْكٌ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ (وَمَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ) مِنْ عَاقِلٍ، أَوْ غَيْرِهِ حَرِيمٌ لِبِئْرِ مَاشِيَةٍ أَوْ شُرْبٍ (وَ) مَا (لَا يَضُرُّ بِمَاءٍ) حَرِيمٌ (لِبِئْرٍ) أَيْ بِئْرِ الزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي وَبِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَمُرَادُهُ أَنَّ مُنْتَهَى مَا لَا يَضُرُّ وَلَا يُضَيِّقُ هُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ وَمَا يُضَيِّقُ إلَخْ بِدُونِ نَفْيٍ وَهُوَ بَيَانٌ لِلْحَرِيمِ الَّذِي لِرَبِّ الْبِئْرِ الْمَنْعُ مِنْهُ (وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ) عُرْفًا حَرِيمٌ (لِنَخْلَةٍ) وَشَجَرَةٍ (وَمَطْرَحِ تُرَابٍ

[حاشية الدسوقي]

الْأَوَّلِ بِإِحْيَاءِ الثَّانِي قَبْلَ طُولِ الِانْدِرَاسِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ عَدَمِ سُكُوتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَعْمِيرِ الثَّانِي وَحَلِفِهِ فَإِنْ انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا اخْتَصَّ بِهَا الثَّانِي وَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا.
(قَوْلُهُ: فَيَخْتَصُّ بِالْعِمَارَةِ) أَيْ فَيَخْتَصُّ الْمُعَمِّرُ بِالْعِمَارَةِ وَبِحَرِيمِهَا فَإِذَا جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ وَبَنَى فِي حَرِيمِ الْعِمَارَةِ وَأَحْيَاهُ بِالْعِمَارَةِ، أَوْ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ فِيهِ فَلَا يَمْلِكُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا لِجَمِيعِ الْبَلَدِ الِانْتِفَاعُ بِهِ، نَعَمْ إذَا أَرَادَ إنْسَانٌ أَنْ يُحْيِيَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَقْصُودِ عَلَيْهِ) الْأَوْلَى حَذْفُ " عَلَيْهِ "؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ مُخْتَصٌّ بِالْمُعَمِّرِ وَمَقْصُورٌ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: يَلْحَقُ غُدُوًّا) أَيْ يَلْحَقُ الشَّخْصَ الْمَوْصُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَرْجِعُ الشَّخْصُ مِنْهُمَا لِقَوْمِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ الزَّوَالِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي يَذْهَبُ فِيهِ وَيَرْجِعُ بِالْحَطَبِ الَّذِي يَحْتَطِبُهُ فِي طَبْخٍ وَنَحْوِهِ وَيَنْتَفِعُ بِالدَّوَابِّ فِي حَلْبِ وَطَبْخِ مَا يَحْلُبُ لَا مُجَرَّدُ الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ) أَيْ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُجِيبَهُ بِعِمَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَلَهُمْ مَنْعُهُ إلَّا إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُضَيِّقُ) عَطْفٌ عَلَى " مُحْتَطَبٍ ". (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كَبَهِيمَةٍ.
(قَوْلُهُ: حَرِيمٌ لِبِئْرِ مَاشِيَةٍ) مِثْلُهُ النَّهْرُ فَحَرِيمُهُ مَا ذُكِرَ أَيْ مَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَرِدُهُ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَقِيلَ أَلْفَا ذِرَاعٍ وَقَدْ وَقَعَتْ الْفَتْوَى قَدِيمًا بِهَدْمِ مَا بُنِيَ بِشَاطِئِ النَّهْرِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ إنْ كَانَ مَسْجِدًا كَمَا فِي الْمَدْخَلِ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْبَحْرَ إذَا انْكَشَفَ عَنْ أَرْضٍ وَانْتَقَلَ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانَ الْبَحْرُ لَا لِمَنْ يَلِيهِ وَلَا لِمَنْ دَخَلَ الْبَحْرُ أَرْضَهُ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ يَلِيهِ وَعَلَيْهِ حَمْدِيسٌ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ سَحْنُونٍ اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِهَا) أَيْ مِنْ الْآبَارِ كَبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَالشُّرْبِ وَقَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي أَيْ وَهُوَ مَا لَا يَضُرُّ بِالْمَاءِ وَقَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ أَيْ وَهُوَ مَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْمَاءِ حَرِيمٌ لِكُلِّ بِئْرٍ وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِبِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَالشُّرْبِ مَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ حَرِيمُ الْبِئْرِ مَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِهَا ظَاهِرًا كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، أَوْ بَاطِنًا كَحَفْرِ بِئْرٍ يُنَشِّفُ مَاءَهَا، أَوْ يُذْهِبُهُ، أَوْ حَفْرِ مِرْحَاضٍ تُطْرَحُ النَّجَاسَاتُ فِيهِ يَصِلُ إلَيْهَا وَسَخُهَا اهـ. (قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ أَنَّ مُنْتَهَى إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ فِي عَطْفِ " مَا لَا يُضَيِّقُ " عَلَى " مُحْتَطَبٍ " شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَرِيمِ الَّذِي لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَمَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ وَكَذَا مَا لَا يَضُرُّ بِالْمَاءِ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفًا مِنْ الْأَوَّلِ وَمِنْ الْآخِرِ، وَالْأَصْلُ وَغَايَةُ مَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءٍ مُنْتَهَى الْحَرِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِبِئْرٍ فَإِذَا كَانَ حَوْلَ بِئْرِ مَاشِيَةٍ نَحْوُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ يَسَعُ الْوَارِدِينَ الَّذِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مَثَلًا فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ حَرِيمُهُ فَيَكُونُ أَهْلُ ذَلِكَ الْبِئْرِ مُخْتَصِّينَ بِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ عِمَارَةً فَإِنَّهُ يُمْنَعُ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْبِئْرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَرِيمٍ لَهَا.
(قَوْلُهُ: حَرِيمٌ لِنَخْلَةٍ وَشَجَرَةٍ) فَحَرِيمُهُمَا مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا عُرْفًا كَمَدِّ جَرِيدِهَا وَسَقْيِهَا وَسَعْيِ جَذْرِهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَطْرَحِ تُرَابٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا بَنَى جَمَاعَةٌ بَلَدًا فِي الْفَيَافِي مَثَلًا فَمَا كَانَ مُجَاوِرًا لِدَارِ زَيْدِ مَثَلًا فَهُوَ حَرِيمٌ لَهَا يَخْتَصُّ بِهِ كَالْفُسْحَةِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا الَّتِي يُطْرَحُ فِيهَا التُّرَابُ وَمَاءُ الْمِيزَابِ وَالْمِرْحَاضِ، وَمَحَلُّ كَوْنِ الْفُسْحَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلدَّارِ حَرِيمًا لَهَا وَيَخْتَصُّ بِهَا صَاحِبُهَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الدَّارُ لَيْسَتْ مَحْفُوفَةً بِأَمْلَاكٍ بِأَنْ كَانَتْ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ بِحَيْثُ تَكُونُ الْفُسْحَةُ الْمُجَاوِرَةُ لَهَا غَيْرَ مُجَاوِرَةٍ لِغَيْرِهَا مِنْ الدُّورِ فَإِنْ كَانَتْ مُجَاوِرَةً لِغَيْرِهَا بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَ الْأَبْوَابِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِيرَانِ أَنْ يَطْرَحَ فِيهَا التُّرَابَ وَيَصُبَّ مَاءَ الْمِيزَابِ

وَمَصَبِّ مِيزَابٍ) حَرِيمٌ (لِدَارٍ) لَيْسَتْ مَحْفُوفَةً بِأَمْلَاكٍ (وَلَا تَخْتَصُّ) دَارٌ (مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ) بِحَرِيمٍ (وَلِكُلٍّ) مِنْ ذَوِي الْأَمْلَاكِ الَّتِي بَيْنَهَا فُسْحَةٌ (الِانْتِفَاعُ) بِتِلْكَ الْفُسْحَةِ مِنْ جُلُوسٍ وَغَيْرِهِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ مَنْعُ آخَرَ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ) فَإِنْ ضَرَّ مُنِعَ (وَبِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ) عَطْفٌ عَلَى بِعِمَارَةٍ أَيْ وَيَكُونُ الِاخْتِصَاصُ بِسَبَبِ إقْطَاعِ الْإِمَامِ أَرْضًا مِنْ مَوَاتٍ، أَوْ مِنْ أَرْضٍ تَرَكَهَا أَهْلُهَا لِكَوْنِهَا فَضَلَتْ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَلَا بِنَاءَ فِيهَا وَلَا غَرْسَ وَمِنْ الْمَوَاتِ مَا عُمِّرَتْ، ثُمَّ دَرَسَتْ وَطَالَ الزَّمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِثْلُ الْإِمَامِ نَائِبُهُ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِقْطَاعِ، ثُمَّ إقْطَاعُ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنْ الْإِحْيَاءِ، وَإِنَّمَا الْإِحْيَاءُ بِالتَّعْمِيرِ بَعْدَهُ نَعَمْ هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ فَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَقْفُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ إنْ حَازَهُ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ لِحِيَازَةٍ قَبْلَ الْمَانِعِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا، وَرُجِّحَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحِيَازَةٍ وَلَوْ اقْتَطَعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا، أَوْ كُلَّ عَامٍ كَذَا عُمِلَ بِهِ، وَمَحَلُّ الْمَأْخُوذِ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ الْإِمَامُ بِهِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لِمَا اقْتَطَعَهُ إنْ مَلَكَهُ الْمَقْطُوعُ لَهُ بِاقْتِطَاعِهِ (وَلَا يُقْطِعُ) الْإِمَامُ (مَعْمُورَ) أَرْضِ (الْعَنْوَةِ) كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ الصَّالِحَةِ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ (مِلْكًا) بَلْ إمْتَاعًا وَانْتِفَاعًا وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ وَلَيْسَ عَقَارًا لِلْكُفَّارِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَوَاتِ يُقْطِعُهُ مِلْكًا، أَوْ مَتَاعًا، وَإِنْ صَلَحَ لِغَرْسِ الشَّجَرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطِعْ الْمَعْمُورَ مِلْكًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا مُطْلَقًا، ثُمَّ مَا اقْتَطَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْعَنْوَةِ إنْ كَانَ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ انْحَلَّ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَاحْتَاجَ لِإِقْطَاعٍ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لِشَخْصٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ اسْتَحَقَّهُ الذُّرِّيَّةُ بَعْدَهُ لِلْأُنْثَى كَالذَّكَرِ إلَّا لِبَيَانِ تَفْصِيلٍ كَالْوَقْفِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الِالْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا بِمِصْرَ وَغَيْرِهَا هَلْ هُوَ مِنْ الْإِقْطَاعِ فَلِلْمُلْتَزِمِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَلَّاحِينَ مَا شَاءَ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ سَبَقَ، أَوْ لَيْسَ مِنْ الْإِقْطَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُلْتَزِمُ جَابٍ لِمَا عَلَى الْفَلَّاحِينَ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةٌ وَلَا تَنْقِيصٌ لِمَا ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ السُّلْطَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ كَمَا يَزْعُمُونَ لِمَا عَلِمْت أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِجَارَةِ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (وَ) الِاخْتِصَاصُ يَكُونُ (بِحِمَى إمَامٍ) أَوْ نَائِبِهِ الْمُفَوَّضِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي خُصُوصِ الْحِمَى بِخِلَافِ الْإِقْطَاعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ النَّائِبُ إذَا أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي خُصُوصِهِ وَالْحِمَى بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَأَصْلُ مَحْمِيٍّ مَحْمُوِيٌ وَتَثْنِيَتُهُ مَحْمِيَّانِ فَهُوَ يَائِيٌّ وَأَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ إذَا نَزَلَ بِأَرْضٍ مُخَصَّبَةٍ اسْتَعْوَى كَلْبًا بِمَحَلٍّ عَالٍ فَحَيْثُ انْتَهَى إلَيْهِ صَوْتُهُ حَمَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ مَعَهُ وَيَرْعَى هُوَ فِي غَيْرِهِ مَعَ غَيْرِهِ

[حاشية الدسوقي]

وَالْمِرْحَاضِ لَكِنْ بِجِوَارِ جِدَارِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِجَارِهِ، وَإِلَّا مُنِعَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَخْتَصُّ إلَخْ أَيْ أَنَّ الدَّارَ الْمَحْفُوفَةَ بِالْأَمْلَاكِ لَا تَخْتَصُّ بِحَرِيمٍ يَمْنَعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ غَيْرَ صَاحِبِهَا وَاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْ الْجِيرَانِ الِانْتِفَاعَ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِأَجْلِ تَقَيُّدِهِ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: وَمَصَبِّ مِيزَابٍ) أَيْ وَنَحْوِهِ كَمِرْحَاضٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ أَرْضٍ تَرَكَهَا أَهْلُهَا) أَيْ الْكُفَّارُ اخْتِيَارًا لَا لِخَوْفٍ، وَإِلَّا كَانَتْ أَرْضَ عَنْوَةٍ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا تَمْلِيكًا وَمِثْلُ مَا إذَا تَرَكَهَا أَهْلُهَا مَا إذَا مَاتُوا عَنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَطَالَ الزَّمَانُ) أَيْ فَإِذَا أَقْطَعهَا الْإِمَامُ لِإِنْسَانٍ بَعْدَ طُولِ انْدِرَاسِهَا فَقَدْ مَلَكَهَا وَاخْتَصَّ بِهَا.
(قَوْلُهُ: إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِقْطَاعِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَنْ يُقْطِعُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: بِالتَّعْمِيرِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْإِقْطَاعِ فَالِاخْتِصَاصُ يَكُونُ بِوَاحِدٍ مِنْ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ مِنْ جُمْلَتِهَا التَّعْمِيرُ وَهُوَ كَمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاخْتِصَاصُ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْيَاءُ وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْإِقْطَاعِ وَالْحِمَى فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاخْتِصَاصُ دُونَ الْإِحْيَاءِ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ هُوَ) أَيْ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ أَيْ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى عِمَارَةٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُجَرَّدٌ عَنْ شَائِبَةِ الْعِوَضِيَّةِ بِإِحْيَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ابْنُ شَاسٍ الْإِحْيَاءُ إذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَرْضًا كَانَتْ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْ مِنْهَا شَيْئًا فَلَهُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَالتَّصَدُّقُ بِهَا وَتُورَثُ عَنْهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بَلْ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ.
(قَوْلُهُ: إنْ حَازَهُ) أَيْ فَإِنْ مَاتَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهُ مَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ كَانَ الْإِقْطَاعُ بَاطِلًا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْإِقْطَاعِ وَالْإِحْيَاءِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْإِرْثُ إذَا مَاتَ الْمُحْيِي أَوْ الْمُقْطِعُ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحِيَازَةٍ) أَيْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِقْطَاعَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ لَا مِنْ بَابِ الْعَطِيَّةِ وَفِي بْن هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَإِنَّهُ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُقْطِعُ الْإِمَامُ مَعْمُورَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ) أَيْ وَلَا يُقْطِعُ أَيْضًا عَقَارَهَا مِلْكًا.
(قَوْلُهُ: الصَّالِحَةِ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ) تَفْسِيرٌ لِمَعْمُورِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الصَّالِحَةَ لِزِرَاعَةِ النَّخْلِ فَقَطْ لَهُ إقْطَاعُهَا مِلْكًا وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوَاتٌ.
(قَوْلُهُ: بَلْ إمْتَاعًا) أَيْ بَلْ يُقْطِعُهَا إمْتَاعًا أَيْ انْتِفَاعًا مُدَّةَ حَيَاتِهِ مَثَلًا أَوْ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطِعْ الْمَعْمُورَ مِلْكًا) أَيْ وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَوَاتِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فَلِذَا جَازَ إقْطَاعُهُ مِلْكًا وَإِمْتَاعًا.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا) أَيْ لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَهْلِهَا لَا عُلْقَةَ لِلْإِمَامِ بِهَا وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءً كَانَتْ مَعْمُورَةً، أَوْ مَوَاتًا.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُنَاسِبُ الْمُصَنِّفَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاخْتِصَاصِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْحِمَى الْحِمَايَةُ وَالتَّحْجِيرُ.
(قَوْلُهُ: مَحْمُوِيٌ) أَيْ بِزِنَةِ مَفْعُولٍ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ

وَهُوَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَالْحِمَى الشَّرْعِيُّ أَنْ يَحْمِيَ الْإِمَامُ مَكَانًا خَاصًّا لِحَاجَةِ غَيْرِهِ فَيَجُوزَ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ مَكَانًا (مُحْتَاجًا إلَيْهِ) أَيْ دَعَتْ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ فَلَا يَحْمِي لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ (قَلَّ) بِأَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ لَا إنْ كَثُرَ بِأَنْ ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ (مِنْ) مَرْعَى (بَلَدٍ عَفَا) أَيْ خَلَا عَنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ (لِكَغَزْوٍ) أَيْ لِدَوَابِّ الْغُزَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

(وَافْتَقَرَ) أَيْ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ (لِإِذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (وَإِنْ) كَانَ الْمُحْيِي (مُسْلِمًا) وَالْوَاوُ لِلْمُبَالَغَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ الْإِحْيَاءَ فِيمَا قَرُبَ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ وَعَلَيْهِ فَالْوَاوُ لِلْحَالِ (إنْ قَرُبَ) لِعِمَارَةِ الْبَلَدِ بِأَنْ كَانَ فِي حَرِيمِهَا (وَإِلَّا) يَسْتَأْذِنْ فِي الْقَرِيبِ بِأَنْ أَحْيَا فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ) لِلْمُحْيِي (أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) فَيُعْطِيهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ أَوَغَرْسِهِ مَنْقُوضًا وَيُبْقِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا اغْتَلَّهُ فِيمَا مَضَى؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ (مُبَاحٌ بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) عَنْ الْبَلَدِ بِأَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ حَرِيمِهَا فَلَا يَفْتَقِرُ إحْيَاؤُهُ لِلْإِذْنِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُحْيِي فِيهِ (ذِمِّيًّا) حَيْثُ أَحْيَا الذِّمِّيُّ فِي الْبَعِيدِ (بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ وَمَا وَالَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ، وَالْجَزِيرَةُ - مِنْ الْجَزْرِ وَهُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ الْجَزَّارُ لِقَطْعِهِ الْحَيَوَانَ - فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ مَقْطُوعَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا إلَى أَجْنَابِهَا.

(وَالْإِحْيَاءُ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الِاخْتِصَاصِ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ سَبْعَةٍ (بِتَفْجِيرِ مَاءٍ) بِأَرْضٍ كَأَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا أَوْ يَفْتُقَ عَيْنًا فَيَخْتَصَّ بِهَا وَبِالْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ عَلَيْهَا (وَبِإِخْرَاجِهِ) أَيْ إزَالَةِ الْمَاءِ عَنْهَا حَيْثُ كَانَتْ غَامِرَةً بِهِ (وَبِبِنَاءٍ وَبِغَرْسٍ) فِيهَا (وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ) تَفْسِيرٌ لِلْحَرْثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْثِ تَقْلِيبُ الْأَرْضِ لَا خُصُوصُ الشَّقِّ بِالْآلَةِ الْمَعْلُومَةِ، وَإِلَّا كَانَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ (وَبِقَطْعِ شَجَرٍ) فِيهَا

[حاشية الدسوقي]

إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَالضَّمَّةُ الَّتِي قَبْلَهَا كَسْرَةً، وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّ الْكَلَأَ النَّابِتَ فِي الْفَيَافِي مُبَاحٌ لِكُلِّ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَحْمِيَ الْإِمَامُ مَكَانًا خَاصًّا) أَيْ أَنْ يَمْنَعَ رَعْيَ كَلَئِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَتَوَفَّرَ لِدَوَابِّ الصَّدَقَةِ وَالْغَزْوِ وَضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزَ) أَيْ الْحِمَى لِلْأَمَامِ دُونَ غَيْرِهِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَوَازَ الْحِمَى بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ إحْيَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ حِمَاهُ.
(قَوْلُهُ: دَعَتْ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ) أَيْ لِأَجْلِ نَفْعِهِمْ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ فَاضِلًا عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ بَلَدٍ) أَيْ مِنْ مَحَلٍّ وَقَوْلُهُ: عَفَا أَيْ عَافٍ وَخَالٍ عَنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ.
(قَوْلُهُ: لِكَغَزْوٍ) أَيْ لِدَوَابِّ كَغَزْوٍ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَبِحِمَى إمَامٍ.

(قَوْلُهُ: أَيْ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ) جَعَلَ الضَّمِيرَ رَاجِعًا لِلْإِحْيَاءِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْبَابِ مَعْقُودًا لَهُ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَعْلُومٍ مِنْ الْمَقَامِ عَلَى حَدِّ.
﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] وَيَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْمَوَاتِ الْمُحْدَثِ عَنْهُ سَابِقًا أَيْ وَافْتَقَرَ الْمَوَاتُ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ إحْيَاؤُهُ.
(قَوْلُهُ: لِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَنْظُرَ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ أَذِنَ، وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْكَافِرِ الْإِحْيَاءَ فِيمَا قَرُبَ) أَيْ وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ الْبَاجِيَّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قِيلَ حُكْمُ الذِّمِّيِّ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فِي جَوَازِ إحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ إنْ كَانَ بِإِذْنٍ لَمْ يَبْعُدْ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ الْإِحْيَاءُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَرُبَ) أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الْإِحْيَاءُ لِعِمَارَةِ الْبَلَدِ بِأَنْ كَانَ مِنْ حَرِيمِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُبْقِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ كُلِّهِمْ، أَوْ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا اغْتَلَّهُ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأُجْرَتِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي سَكَنَهَا أَوْ زَرَعَهَا.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَفْتَقِرُ إحْيَاؤُهُ لِلْإِذْنِ) بَلْ يَخْتَصُّ الْمُحْيِي بِمَا أَحْيَاهُ وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِحْيَاءِ خِلَافًا لِمَا فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُ) أَيْ وَمِنْ الْجَزْرِ الْجَزَّارُ وَقَوْلُهُ: لِقَطْعِهِ أَيْ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِقَطْعِهِ.
(قَوْلُهُ: فَعِيلَةٌ) أَيْ فَهِيَ أَيْ الْجَزِيرَةُ فَعِيلَةٌ وَقَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ مَفْعُولٍ عَنْهَا وَقَوْلُهُ: أَيْ مَقْطُوعَةٍ الْأَوْلَى أَيْ مَقْطُوعٍ عَنْهَا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا إلَى أَجْنَابِهَا) أَيْ لِأَنَّ الْبَحْرَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ وَالْجَنُوبُ وَالْمَشْرِقُ فَفِي مَغْرِبِهَا جِدَّةُ وَالْقُلْزُمُ وَفِي جَنُوبِهَا الْهِنْدُ وَفِي مَشْرِقِهَا خَلِيجُ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْبَصْرَةُ وَالْبَحْرَيْنِ اسْمُ بَلْدَةٍ وَالْجَنُوبُ يُمْنَى الْمُسْتَقْبِلِ لِلْمَشْرِقِ وَهُوَ مَحَلُّ شُرُوقِ الْكَوَاكِبِ أَيْ طُلُوعِهَا وَيُقَابِلُهُ الْمَغْرِبُ وَيُقَابِلُ الْجَنُوبَ الشَّمَالُ.

(قَوْلُهُ: فَيَخْتَصُّ بِهَا وَبِالْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ عَلَيْهَا) أَيْ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ الْفِيشِيُّ وَارْتَضَاهُ بْن.
(قَوْلُهُ: أَيْ إزَالَةِ الْمَاءِ عَنْهَا) أَيْ لِأَجْلِ زِرَاعَةٍ أَوْ غَرْسٍ، أَوْ بِنَاءٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِخْرَاجِ الْمَاءِ إخْرَاجَهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَتَّحِدُ حِينَئِذٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: وَبِبِنَاءٍ وَبِغَرْسٍ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَفِي الْجَوَاهِرِ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِمَا عَظِيمَيْهِمَا وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج.
(قَوْلُهُ: وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ) أَيْ وَأَمَّا زَرْعُهَا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ إحْيَاءٌ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِهِ زَارِعُهُ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرْثِ تَقْلِيبُ الْأَرْضِ) أَيْ بِحَرْثٍ، أَوْ حَفْرٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ) أَيْ لِأَنَّ تَحْرِيكَ الْأَرْضِ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْلِيبِهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِمِحْرَاثٍ، أَوْ بِفَأْسٍ وَعَلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ فَالظَّاهِرُ

فصول الكتاب · 4 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل