الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقيصفحات 112-151
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(وَ) تَرْكُ (فَضْلٍ) أَيْ زَائِدِ (طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ) عَمَّا يُمْسِكُ الصِّحَّةَ لَا فَاضِلٍ عَنْ الْعَادَةِ، وَهُوَ الشِّبَعُ فِي الْأَكْلِ (لِمُضْطَرٍّ) حَتَّى مَاتَ فَيَضْمَنُ دِيَةُ خَطَإٍ إنْ تَأَوَّلَ فِي الْمَنْعِ، وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِرَاحِ (وَ) بِتَرْكِ دَفْعِ (عُمُدٍ وَخَشَبٍ) لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ لِإِسْنَادِ جِدَارٍ مَائِلٍ (فَيَقَعَ) بِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِ عَلَى الِاسْمِ الْخَالِصِ أَيْ تَرْكِ (الْجِدَارِ) فَيَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَائِلًا، وَمَهْدُومًا (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُوَاسِي (الثَّمَنُ) أَيْ ثَمَنُ مَا وَاسَى بِهِ مِنْ خَيْطٍ، وَمَا بَعْدَهُ وَقْتَ الدَّفْعِ (إنْ وَجَدَ) الثَّمَنَ عِنْدَ الْمُضْطَرِّ حَالَ الِاضْطِرَارِ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ أَوْ أَيْسَرَ بَعْدُ، وَالْمُرَادُ بِالثَّمَنِ مَا يَشْمَلُ الْأُجْرَةَ فِي الْعُمُدِ وَالْخَشَبِ.

(وَأَكْلُ الْمُذَكَّى) ، (وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ لَمَاتَ بِسَبَبِ مَرَضٍ أَوْ تَرْدِيَةٍ مِنْ شَاهِقٍ لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلُهُ أَوْ أَكْلِهِ عُشْبًا فَانْتَفَخَ (بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ) كَخَبْطِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (مُطْلَقًا) صَحِيحَةٍ أَوْ مَرِيضَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْقَوِيِّ كَحَرَكَةِ الِارْتِعَاشِ أَوْ حَرَكَةِ طَرَفِ عَيْنِهَا أَوْ مَدِّ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَبْضِ وَاحِدَةٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ بِخِلَافِ مَدٍّ وَقَبْضٍ مَعًا فَيُعْتَبَرُ بَلْ قِيلَ بِاعْتِبَارِ قَبْضِ أَوْ مَدِّ وَاحِدَةٍ فَقَطْ (وَسَيْلِ دَمٍ) ، وَلَوْ بِلَا شَخْبٍ (إنْ صَحَّتْ) الذَّبِيحَةُ لَا إنْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَيْ أَضْنَاهَا الْمَرَضُ

[حاشية الدسوقي]

حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: وَتَرْكُ فَضْلٍ إلَخْ) أَيْ وَتَرْكُ إعْطَاءِ طَعَامِ فَاضِلٍ وَزَائِدٍ عَمَّا يُمْسِكُ صِحَّتَهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُمْسِكُ صِحَّتَهُ، وَكَانَ مَعَهُ مُضْطَرٌّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَاسَاتُهُ بِذَلِكَ الزَّائِدِ فَإِنْ مَنَعَ، وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَ (قَوْلُهُ: عَمَّا يُمْسِكُ الصِّحَّةَ) قَالَ خش أَيْ فَاضِلًا عَمَّا يُمْسِكُ الصِّحَّةَ حَالًا، وَمَآلًا إلَى مَحَلٍّ يُوجَدُ فِيهِ الطَّعَامُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ اعْتِبَارُ الْفَضْلِ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَمَنْ فِي عِيَالِهِ لَا عَنْهُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: لَا فَاضِلَ عَنْ الْعَادَةِ) أَيْ عَنْ عَادَتِهِ فِي الْأَكْلِ، وَهُوَ الْفَاضِلُ بَعْدَ شِبَعِهِ (قَوْلُهُ: لِمُضْطَرٍّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَوْ حَيَوَانًا غَيْرَ آدَمِيٍّ، وَلَا مَفْهُومَ لِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ بَلْ وَكَذَا فَضْلُ لِبَاسٍ أَوْ رَكُوبٍ بِأَنْ كَانَ لَوْ لَمْ يُدْفِئْهُ أَوْ يُرْكِبْهُ يَمُوتُ، وَانْظُرْ هَلْ لَا بُدَّ فِي الضَّمَانِ مِنْ سُؤَالِ الْمُضْطَرِّ أَوْ يَكْفِي الْعِلْمُ بِاضْطِرَارِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ (قَوْلُهُ: فَيَضْمَنُ) هَذَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وَقَوْلُهُ دِيَةُ خَطَإٍ إنْ تَأَوَّلَ فِي الْمَنْعِ أَيْ أَنَّهُ إذَا تَأَوَّلَ فِي الْمَنْعِ لَزِمَهُ دِيَةُ خَطَإٍ فَتَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْمَانِعُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا اقْتَصَّ مِنْهُ) أَيْ، وَإِلَّا يَتَأَوَّلُ فِي الْمَنْعِ بَلْ مَنَعَ عَمْدًا قَاصِدًا قَتْلَهُ اقْتَصَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّأْوِيلِ، وَعَدَمِهِ، وَأَنَّ عَلَى الْمَانِعِ الدِّيَةَ فِي الْحَالَتَيْنِ (قَوْلُهُ: فَيَضْمَنُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ إلَخْ) ، وَكَذَا يَضْمَنُ رَبُّ الْعُمُدِ وَالْخَشَبِ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِ الْجِدَارِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يُنْذِرَ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مِنْ حِينِ الْإِنْذَارِ إلَى حِينِ سُقُوطِ الْجِدَارِ يُمْكِنُ فِيهِ إسْنَادُ الْجِدَارِ، وَلَوْ مَكَّنَ رَبُّ الْعُمُدِ وَالْخَشَبِ مِنْهَا (قَوْلُهُ: مِنْ خَيْطٍ، وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنْ فَضْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الَّذِي دَفَعَهُ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْعُمُدُ وَالْخَشَبُ الَّتِي دَفَعَهَا لِمَنْ طَلَبَهَا مِنْهُ لِإِسْنَادِهِ جِدَارَهُ الْمَائِلِ (قَوْلُهُ: إنْ وُجِدَ الثَّمَنُ عِنْدَ الْمُضْطَرِّ إلَخْ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ مَعَهُ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانَاتٍ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ، وَإِلَّا يُوجَدُ الثَّمَنُ عِنْدَ الْمُضْطَرِّ لِلْخَيْطِ أَوْ الْإِبْرَةِ أَوْ لِفَضْلِ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ أَوْ الْعُمُدِ أَوْ الْخَشَبِ وَقْتَ اضْطِرَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُحَاسَبُ عَلَى مَا مَضَى أَمَّا مِنْ وَقْتِ الْيَسَارِ فَقَدْ زَالَتْ الضَّرُورَةُ فَتَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْعُمُدِ وَالْخَشَبِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ، وَلَهُ الثَّمَنُ إنْ وَجَدَ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ عبق تَبَعًا لِشَيْخِهِ عج أَنَّهُ إذَا لَمْ تُوجَدْ الْأُجْرَةُ عِنْدَهُ وَقْتَ الِاضْطِرَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَلَوْ أَيْسَرَ لَا عَنْ مُدَّةِ الْإِعْسَارِ، وَلَا عَنْ مُدَّةِ الْيَسَارِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ مَجَّانًا بِوَجْهٍ مَأْذُونٍ فِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ) دَخَلَ فِيمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ مُحَقَّقُ الْحَيَاةِ، وَمَرْجُوُّهَا وَمَشْكُوكُهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِلَوْ لَأَفَادَ رَدَّ قَوْلِ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ لَا تَصِحُّ ذَكَاةُ الْمَيْئُوسِ مِنْ حَيَاتِهِ التَّوْضِيحِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ لَمَاتَ (قَوْلُهُ: بِتَحَرُّكٍ قَوِيٍّ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ، وَقَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّحَرُّكُ مِنْ أَعَالِيهَا، وَمِنْ أَسَافِلِهَا سَوَاءٌ سَالَ دَمٌ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّحَرُّكُ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى مَا لِابْنِ غَازِيٍّ وَسَوَاءٌ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَرِيضَةً (قَوْلُهُ: فَلَا عِبْرَةَ بِهِ) أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ سَيَلَانُ دَمٍ أَوْ لَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مَيْئُوسٌ مِنْهَا، وَقَوْلُهُ بَعْدُ بَلْ قِيلَ إلَخْ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَظْهَرُ (قَوْلُهُ: وَسَيْلُ دَمٍ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَصُّهَا وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ شَاةٍ وُضِعَتْ لِلذَّبْحِ فَذُبِحَتْ، وَسَالَ دَمُهَا فَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهَا شَيْءٌ هَلْ تُؤْكَلُ قَالَا نَعَمْ تُؤْكَلُ إذَا كَانَتْ حِينَ تَذْبَحُ حَيَّةً فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ ثَقِيلَ الْيَدِ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ الذَّبِيحَةُ وَآخَرُ يَذْبَحُ فَتَقُومُ الذَّبِيحَةُ تَمْشِي ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا فِي الصَّحِيحَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِلَا شَخْبٍ) الشَّخْبُ خُرُوجُ الدَّمِ بِصَوْتٍ وَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ، وَلَوْ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ بِالشَّخْبِ فِي الْمَرِيضَةِ لَا يَكْفِي فِي الْمَرِيضَةِ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ، وَلَوْ زَائِدَةً (قَوْلُهُ: إنْ صَحَّتْ) الْمُرَادُ بِهَا غَيْرُ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا فَالْمَرِيضَةُ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَيْئُوسٍ مِنْهَا فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ تُؤْكَلُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ، وَإِذَا كَانَتْ مَيْئُوسًا مِنْهَا فَفِي إعْمَالِ الذَّكَاةِ فِيهَا خِلَافٌ، وَعَلَى

فَلَا يَكْفِي فِيهَا سَيْلُ الدَّمِ، وَلَمَّا أَوْهَمَ قَوْلُهُ: وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ شُمُولَهُ لِمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ مَعَ أَنَّ ذَكَاتَهَا لَغْوٌ اتِّفَاقًا اسْتَثْنَاهَا مُشِيرًا لِتَفْسِيرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ (إلَّا الْمَوْقُوذَةَ) أَيْ الْمَضْرُوبَةَ بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا (وَمَا) ذُكِرَ (مَعَهَا) فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا كَالْمُنْخَنِقَةِ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ فِي بِئْرٍ أَوْ حُفْرَةٍ وَالنَّطِيحَةِ مِنْ أُخْرَى، وَمَا أَكَلَ بَعْضَهَا السَّبُعُ (الْمَنْفُوذَةَ) بَعْضَ (الْمَقَاتِلِ) فَلَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْفُوذَةَ مَقْتَلٍ عَمِلَتْ فِيهَا وَجَرَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ وَسَيْلِ الدَّمِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ مُطْلَقًا مَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ أَمْ لَا مَتَى كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ثُمَّ بَيَّنَ مَنْفُوذَةَ الْمَقْتَلِ بِقَوْلِهِ (بِقَطْعِ نُخَاعٍ) مُثَلَّثُ النُّونِ الْمُخُّ الَّذِي فِي فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ بِفَتْحِ الْفَاءِ جَمْعُ فَقَرَةٍ فَكَسْرُ الصُّلْبِ دُونَ قَطْعِ النُّخَاعِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ (وَنَثْرُ دِمَاغٍ) ، وَهُوَ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ لَا شَدْخُ الرَّأْسِ، وَلَا خَرْقُ خَرِيطَتِهِ دُونَ انْتِثَارٍ (وَ) نَثْرُ (حُشْوَةٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ كُلُّ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَأَمْعَاءٍ وَقَلْبٍ، أَيْ إزَالَةِ مَا ذُكِرَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعِيشُ مَعَهُ (وَفَرْيِ وَدَجٍ) أَيْ إبَانَةِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ (وَثَقْبِ) أَيْ خَرْقِ (مُصْرَانٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مَصِيرٍ كَرَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ وَجَمْعُ الْجَمْعِ مَصَارِينُ كَسُلْطَانٍ وَسَلَاطِينَ، وَأَحْرَى قَطْعُهُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ شَقِّهِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ وَاحْتَرَزَ بِالْمُصْرَانِ عَنْ ثَقْبِ الْكَرْشِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَالْبَهِيمَةُ الْمُنْتَفِخَةُ إذَا ذُكِّيَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ مَثْقُوبَةَ الْكَرْشِ تُؤْكَلُ عَلَى الصَّوَابِ (وَفِي) (شَقِّ الْوَدَجِ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ (قَوْلَانِ) لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ مَقْتَلٌ فِي الْوَدَجَيْنِ مَعًا، وَأَنَّهُ فِي الْوَاحِدِ غَيْرُ مَقْتَلٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ وَأَكْلُ الْمُذَكَّى، وَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ وَلِقَوْلِهِ إلَّا الْمَوْقُوذَةَ إلَخْ بِقَوْلِهِ (وَفِيهَا) يَجُوزُ

[حاشية الدسوقي]

الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِيهَا، وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَأَكْلُ الْمُذَكِّي، وَإِنْ أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ فَإِنْ شَخَبَ دَمُهَا أُكِلَتْ كَمَا تُؤْكَلُ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ السَّيَلَانُ فَقَطْ لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسِيلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَوْتِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي فِيهَا سَيْلُ الدَّمِ) أَيْ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّحَرُّكِ الْقَوِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ وَشَخْبِ الدَّمِ يَكْفِي فِي الصَّحِيحَةِ وَالْمَرِيضَةِ كَانَ مَرْجُوًّا حَيَاتُهَا أَوْ مَشْكُوكًا فِي حَيَاتِهَا أَوْ مَيْئُوسًا مِنْ حَيَاتِهَا، وَالْحَالُ أَنَّهَا غَيْرُ مَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ، وَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ، وَكَذَلِكَ الْحَرَكَةُ غَيْرُ الْقَوِيَّةِ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا لَا يَكْفِي ذَلِكَ إلَّا فِي الصَّحِيحَةِ وَالْمُلْتَحَقِ بِهَا، وَهِيَ الْمَرِيضَةُ غَيْرُ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا، وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي الْمَرِيضَةِ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا (قَوْلُهُ: الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ) صِفَةٌ لِلْمَوْقُوذَةِ، وَمَا مَعَهَا وَجَمْعُ الْمَقَاتِلِ نَظَرًا لِلْمَوْقُوذَةِ، وَمَا مَعَهَا فَهُوَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَتَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْفُوذَةَ مَقْتَلٍ عَمِلَتْ فِيهَا) أَيْ اتِّفَاقًا إنْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الْحَيَاةَ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ مَيْئُوسًا مِنْهَا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ، ثَالِثُهَا تَعْمَلُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهَا دُونَ الْمَيْئُوسِ مِنْهَا، وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَخْ) أَيْ، وَعَلَيْهِ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] مُتَّصِلٌ أَيْ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْهَا، وَعِنْدَنَا الِاسْتِثْنَاءُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَيْ إلَّا مَا كَانَتْ ذَكَاتُكُمْ عَامِلَةً فِيهِ مِنْهَا وَاَلَّذِي تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْهَا هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا وَالْمَعْنَى لَكِنَّ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ لَيْسَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَنْسُوبَ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهَا تَعْمَلُ فِيهَا الذَّكَاةُ مُطْلَقًا هُوَ مَذْهَبُهُ حَقِيقَةً خِلَافًا لِمَا يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ نِسْبَةِ غَيْرِ ذَلِكَ لَهُ، وَعَلَامَةُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ انْفِتَاحُ الْعَيْنِ وَحَرَكَةُ الْأَطْرَافِ.
وَأَمَّا الْحَيَاةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فَهِيَ الَّتِي لَوْ تُرِكَ صَاحِبُهَا بِلَا ذَكَاةٍ لَعَاشَ.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَعِيشُ مَعَهُ) أَيْ بِأَنْ يُزِيلَ الْتِزَاقَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ أَوْ يُزِيلَ الْتِزَاقَهَا بِمُعْقِرِ الْبَطْنِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ شَقِّ الْبَطْنِ وَظُهُورِ الْأَمْعَاءِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ لِحُصُولِ الْحَيَاةِ إذَا خُيِّطَتْ الْبَطْنُ (قَوْلُهُ: وَثَقْبُ مُصْرَانٍ) خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ مِنْ أَنَّ ثَقْبَ الْمُصْرَانِ وَشَقَّهُ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْتَئِمُ، وَإِنَّمَا الْمَقْتَلُ فِيهِ قَطْعُهُ وَانْتِشَارُهُ هَذَا وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَثَقْبُ مَصِيرٍ؛ لِأَنَّ مُصْرَانًا جَمْعُ مَصِيرٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَتَعْبِيرُهُ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي أَنَّ خَرْقَ الْوَاحِدِ لَا يَضُرُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللِّيَّةَ الْوَاحِدَةَ يُقَالُ لَهَا مَصِيرٌ وَاللِّيَّتَانِ يُقَالُ لَهُمَا مَصِيرَانِ بِالتَّثْنِيَةِ وَالثَّلَاثَةُ يُقَالُ لَهَا مُصْرَانٌ وَخَرْقُ الْمَصِيرِ مُضِرٌّ مُطْلَقًا كَانَ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ مِنْ أَعْلَاهُ أَوْ مِنْ وَسَطِهِ (قَوْلُهُ: عَنْ ثَقْبِ الْكَرْشِ) أَيْ خَرْقِهَا، وَأَوْلَى شَقِّهَا (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ فِي الْوَاحِدِ غَيْرُ مَقْتَلٍ) أَيْ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ مَوْجُودًا فِي الْوَاحِدِ أَيْضًا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَطْعِ فِي الْوَدَجِ الْوَاحِدِ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ مَقْتَلٌ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي شَقِّ الْوَدَجَيْنِ قَوْلَيْنِ، وَكَذَا فِي شَقِّ الْوَدَجِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا عَلِمْته مِنْ الشَّارِحِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّقَّ فِي الْوَدَجَيْنِ مَقْتَلٌ، وَفِي الْوَاحِدِ غَيْرُ مَقْتَلٍ بِخِلَافِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ مَقْتَلٌ اتِّفَاقًا، وَلَوْ فِي وَدَجٍ وَاحِدٍ، وَفِي الْمِعْيَارِ، وَلَمْ يَعُدُّوا جُرْحَ الْقَلْبِ مِنْ الْمَقَاتِلِ، وَاَلَّذِي انْفَصَلَ الْبَحْثُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْهَا فَإِذَا وُجِدَتْ الذَّبِيحَةُ مَجْرُوحَةَ الْقَلْبِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ وَالْكُلْيَتَانِ وَالرِّئَةُ فِي مَعْنَى الْقَلْبِ فَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا مَجْرُوحًا

(أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ) ، وَهَذَا شَاهِدُ الْأَوَّلِ (إنْ لَمْ يَنْخَعْهَا) أَيْ يَقْطَعْ نُخَاعَهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَخَعَهَا لَمْ تَعْمَلْ فِيهَا الذَّكَاةُ، وَهُوَ شَاهِدٌ لِلثَّانِي

(وَذَكَاةُ الْجَنِينِ) يُوجَدُ مَيْتًا بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ تَحْقِيقًا أَوْ شَكًّا لَا إنْ كَانَ مَيْتًا مِنْ قِبَلِ حَاصِلِهِ (بِذَكَاةِ أُمِّهِ) فَذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ (إنْ تَمَّ) خَلْقُهُ أَيْ اسْتَوَى خَلْقُهُ، وَلَوْ كَانَ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (بِشَعْرٍ) أَيْ مَعَ نَبَاتِ شَعْرِهِ أَيْ شَعْرِ جَسَدِهِ، وَلَوْ بَعْضَهُ لَا شَعْرِ عَيْنَيْهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ حَاجِبِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ (وَإِنْ) (خَرَجَ) تَامًّا بِشَعْرِهِ (حَيًّا) حَيَاةً مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكَةً (وَذُكِّيَ) وُجُوبًا، وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ (إلَّا أَنْ يُبَادَرَ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ إلَّا أَنْ يُسَارَعَ لِذَكَاتِهِ (فَيَفُوتُ) أَيْ يُسْبَقُ بِالْمَوْتِ فَيُؤْكَلُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ حَيَاتَهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِضَعْفِهَا بِأَخْذِهِ فِي السِّيَاقِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ وُجِدَ مَيْتًا فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ وُجِدَ حَيًّا لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ مَا لَمْ يُبَادَرْ فَيَفُوتُ فَإِنْ لَمْ يُبَادَرْ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ بُودِرَ لَمْ يُدْرَكْ كُرِهَ أَكْلُهُ (وَذُكِّيَ) الْجَنِينُ (الْمُزْلِقُ) ، وَهُوَ مَا أَلْقَتْهُ أُمُّهُ فِي حَيَاتِهَا لِعَارِضٍ (إنْ حَيِيَ مِثْلُهُ) أَيْ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَعِيشُ بِأَنْ كَانَ تَامَّ الْخِلْقَةِ مَعَ نَبَاتِ شَعْرٍ، وَكَانَتْ حَيَاتُهُ مُحَقَّقَةً أَوْ مَظْنُونَةً لَا مَشْكُوكَةً (وَافْتَقَرَ) عَلَى الْمَشْهُورِ (نَحْوُ الْجَرَادِ) مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ (لَهَا) أَيْ لِلذَّكَاةِ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ لَكِنَّ ذَكَاتَهُ (بِمَا) أَيْ بِأَيِّ فِعْلٍ (يَمُوتُ بِهِ) إنْ عَجَّلَ الْمَوْتَ كَقَطْعِ الرَّقَبَةِ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ) أَيْ كَانَ شَأْنُهُ عَدَمَ تَعْجِيلِهِ (كَقَطْعِ جَنَاحٍ) أَوْ رِجْلٍ أَوْ إلْقَاءٍ فِي مَاءٍ بَارِدٍ، وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُطِعَ مِنْهُ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْمَوْتِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَعْجِيلٌ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَكَاةٍ أُخْرَى بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ، كَذَا قَيَّدَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ الْإِطْلَاقَ.
وَلَمَّا كَانَتْ الذَّكَاةُ سَبَبًا فِي إبَاحَةِ أَكْلِ الْحَيَوَانِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ فَقَالَ.

[حاشية الدسوقي]

أَوْ مُنْقَطِعًا أَوْ مُفَرَّقًا لَمْ تُؤْكَلْ (قَوْلُهُ: أُكِلَ مَا دُقَّ عُنُقُهُ) أَيْ بِضَرْبٍ بِعَصَا أَوْ بِتَرَدٍّ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَيْ أَوْ أَصَابَهُ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: شَاهِدٌ لِلثَّانِي) فَأَوَّلُ الْكَلَامِ دَلِيلٌ لِمَنْطُوقِهِ لِلْجَوَازِ وَآخِرُهُ دَلِيلٌ لِمَفْهُومِهِ لِلْمَنْعِ.

(قَوْلُهُ: لَا إنْ كَانَ مَيْتًا مِنْ قَبْلِ) أَيْ مِنْ قَبْلِ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَلَا يُؤْكَلُ (قَوْلُهُ: فَذَكَاةُ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ اكْتِفَاءً بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَفِي الْمَشِيمَةِ، وَهِيَ وِعَاؤُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا أَنَّهَا تَبَعٌ لِلْوَلَدِ إنْ أُكِلَ الْوَلَدُ أُكِلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا بَيْضُ الدَّجَاجَةِ الْمُذَكَّاةِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ (قَوْلُهُ: إنْ تَمَّ) أَيْ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْكَلُ (قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ نَبَاتِ شَعْرِهِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى مَعَ وَالْقَيْدُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى تَمَّ خَلْقُهُ نَبَتَ شَعْرُهُ عَادَةً فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ جَعْلُ الْبَاءِ لِلْمَعِيَّةِ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ انْفِرَادُ تَمَامِ الْخَلْقِ عَنْ نَبَاتِ الشَّعْرِ وَانْفِرَادِ نَبَاتِ الشَّعْرِ عَنْ تَمَامِ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ مَتَى نَبَتَ شَعْرُهُ لَزِمَ تَمَامُ خَلْقِهِ وَالْعَكْسُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا) أَيْ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ (قَوْلُهُ: حَيَاةً مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكَةً) لَوْ قَالَ كَغَيْرِهِ حَيَاةً مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا أَوْ مَيْئُوسًا مِنْهَا كَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ ذُكِّيَ وُجُوبًا أَيْ فِي الْمَرْجُوِّ وَالْمَشْكُوكِ وَاسْتِحْبَابًا فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ، وَإِلَّا يُذَكَّ لَمْ يُؤْكَلْ أَيْ فِي الْأَوَّلَيْنِ كَمَا عَلِمْت.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُبَادِرَ) أَيْ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ حَيَاتُهُ ضَعِيفَةً بِأَنْ كَانَتْ مَيْئُوسًا مِنْهَا (قَوْلُهُ: مَا لَوْ وُجِدَ مَيْتًا) أَيْ بِمَنْزِلَةِ مَا نَزَلَ مَيْتًا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَكَاتَهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُدْرَكْ) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ بُودِرَ لَأُدْرِكَ فَلَا يُؤْكَلُ، وَذَلِكَ فِي حَالَةِ الرَّجَاءِ وَالشَّكِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنِينَ إذَا خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ مَرْجُوًّا بَقَاؤُهَا أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهَا أَوْ مَيْئُوسًا مِنْ بَقَائِهَا فَفِي الْأَوَّلَيْنِ تَجِبُ ذَكَاتُهُ، وَلَا يُؤْكَلُ إذَا مَاتَ بِدُونِهَا، وَفِي الثَّالِثِ تُنْدَبُ ذَكَاتُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ نَقْلًا عَنْ عِيسَى مَتَى خَرَجَ حَيًّا لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا شَامِلٌ لِلْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ أَيْ إنْ خَرَجَ حَيًّا حَيَاةً مَرْجُوًّا بَقَاؤُهَا أَوْ مَشْكُوكًا فِي بَقَائِهَا أَوْ مَيْئُوسًا مِنْ بَقَائِهَا، وَقَوْلُهُ ذُكِّيَ أَيْ وُجُوبًا فِي الْأَوَّلَيْنِ وَنَدْبًا فِي الثَّالِثِ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ خَاصٌّ بِالْمَيْئُوسِ مِنْهُ أَيْ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ لِذَكَاتِهِ فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُذَكَّى فَيَفُوتُ نَدْبُ ذَكَاتِهِ، وَيُؤْكَلُ بِدُونِهَا فَإِنْ لَمْ يُبَادِرْ إلَيْهِ حَتَّى مَاتَ كُرِهَ أَكْلُهُ (قَوْلُهُ: إنْ حَيِيَ إلَخْ) أَيْ فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَحْيَا أَوْ شُكَّ فِي أَمْرِهِ هَلْ تَسْتَمِرُّ حَيَاتُهُ أَمْ لَا لَمْ يُؤْكَلْ، وَلَوْ ذُكِّيَ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْإِزْلَاقِ، وَقَوْلُهُ، وَكَانَتْ حَيَاتُهُ مُحَقَّقَةً أَوْ مَظْنُونَةً لَا مَشْكُوكَةً يَعْنِي أَنَّهُ تَحَقَّقَ اسْتِمْرَارُ حَيَاتِهِ أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ لَا إنْ شَكَّ فِي اسْتِمْرَارِهَا، وَعَدَمِهِ، وَأَوْلَى إذَا تَوَهَّمَ اسْتِمْرَارَهَا فَلَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ ذُكِّيَ (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُطِعَ مِنْهُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ دُونَ نِصْفٍ أُبِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّأْسُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ عبق أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَدُونَ نِصْفٍ أُبِينَ مَيْتَةٌ مَخْصُوصٌ بِمَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْمَوْتِ بِهِ) أَيْ بِمَا شَأْنُهُ أَنْ يُعَجِّلَ الْمَوْتَ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لعبق قَالَ بْن، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْإِطْلَاقُ.
اهـ كَلَامُهُ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّعْجِيلَ الْحَقِيقِيَّ بَلْ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْتَ مِنْهُ لَا مِنْ إنْزَائِهِ (قَوْلُهُ: كَذَا قَيَّدَهَا) أَيْ بِقَوْلِهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْمَوْتِ.

دَرْسٌ (بَابُ) (الْمُبَاحِ) حَالَ الِاخْتِيَارِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا (طَعَامٌ طَاهِرٌ) لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الطَّاهِرِ أَوَّلَ الْكِتَابِ (وَالْبَحْرِيُّ) بِأَنْوَاعِهِ، وَلَوْ آدَمِيُّهُ وَخِنْزِيرُهُ (وَإِنْ مَيْتًا وَطَيْرٌ) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ (وَلَوْ) كَانَ (جَلَّالَةً) أَيْ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَالْجَلَّالَةُ لُغَةً الْبَقَرَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي كُلِّ حَيَوَانٍ يَسْتَعْمِلُهَا (وَ) لَوْ (ذَا مِخْلَبٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ كَالْبَازِ وَالْعُقَابِ وَالرَّخَمِ، وَهُوَ لِلطَّائِرِ وَالسَّبُعِ بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ لِلْإِنْسَانِ إلَّا الْوَطْوَاطَ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ (وَنَعَمٌ) إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ، وَلَوْ جَلَّالَةً (وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ) كَغَزَالٍ وَحُمُرِ وَحْشٍ، وَيَأْتِي حُكْمُ الْمُفْتَرِسِ، وَالِافْتِرَاسُ عَامٌّ فِيمَا يَفْتَرِسُ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ، وَالْعَدَّاءُ خَاصٌّ بِمَا يَعْدُو عَلَى الْآدَمِيِّ فَلِذَا لَمْ يَقُلْ لَمْ يَعْدُ (كَيَرْبُوعٍ) هُوَ، وَمَا بَعْدَهُ تَمْثِيلٌ، وَيَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْوَحْشِ مَا كَانَ كَبَقَرٍ وَغَزَالٍ وَالْيَرْبُوعُ دَابَّةٌ قَدْرُ بِنْتِ عِرْسٍ رِجْلَاهَا أَطْوَلُ مِنْ يَدَيْهَا (وَخُلْدٌ) مُثَلَّثُ الْمُعْجَمَةِ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ، وَفَتْحِهَا فَأْرٌ أَعْمَى لَا يَصِلْ لِلنَّجَاسَةِ أُعْطِيَ مِنْ الْحِسِّ مَا يُغْنِي عَنْ الْبَصَرِ، وَكَذَا الْفَأْرُ الْمَعْهُودُ مُبَاحٌ حَيْثُ لَا يَصِلُ لِلنَّجَاسَةِ، وَمَا يَصِلُ إلَيْهَا كَفَأْرِ الْبُيُوتِ يُكْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ شُكَّ فِي وُصُولِهِ لَهَا لَمْ يُكْرَهْ (وَوَبْرٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا فَوْقَ الْيَرْبُوعِ وَدُونَ السِّنَّوْرِ طَحْلَاءُ اللَّوْنِ أَيْ لَوْنُهَا بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالْغَبَرَةِ (وَأَرْنَبٌ، وَقُنْفُذٌ) بِضَمِّ الْقَافِ مَعَ ضَمِّ الْفَاءِ، وَفَتْحِهَا آخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ أَكْبَرُ مِنْ الْفَأْرِ كُلُّهُ شَوْكٌ إلَّا رَأْسَهُ وَبَطْنَهُ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ (وَضُرْبُوبٌ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَالْقُنْفُذِ فِي الشَّوْكِ إلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ خِلْقَةِ الشَّاةِ (وَحَيَّةٌ أَمِنَ سُمَّهَا) إنْ ذُكِّيَتْ بِحَلْقِهَا كَمَا لِأَبِي الْحَسَنِ، وَأَمِنَ سُمَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِمُسْتَعْمَلِهَا فَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِسُمِّهَا لِمَنْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِمَرَضٍ (وَخِشَاشُ أَرْضٍ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى طَعَامٍ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ أَيْ وَالْمُبَاحُ خِشَاشُ أَرْضٍ مُثَلَّثُ الْأَوَّلِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ كَعَقْرَبٍ وَخُنْفُسَاءَ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَجُنْدُبٍ وَنَمْلٍ وَدُودٍ وَسُوسٍ (، وَعَصِيرٌ) أَيْ مَعْصُورُ مَاءِ الْعِنَبِ أَوَّلَ عَصْرِهِ (، وَفُقَّاعٌ) شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ وَالتَّمْرِ (وَسُوبْيَا) شَرَابٌ يَمِيلُ إلَى الْحُمُوضَةِ بِمَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ عَجْوَةٍ وَنَحْوِهَا (، وَعَقِيدٌ) ، وَهُوَ مَاءُ الْعِنَبِ يُغْلَى عَلَى النَّارِ حَتَّى يَنْعَقِدَ، وَيَذْهَبَ إسْكَارُهُ يُسَمَّى بِالرَّبِّ الصَّامِتِ (أُمِنَ سُكْرُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِمَّا بَعْدَ الْعَصِيرِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ سُكْرٌ (وَ) الْمُبَاحُ مَا أُذِنَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَجِبُ (لِلضَّرُورَةِ) ، وَهِيَ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ الْهَلَاكِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا (مَا يَسُدُّ) الرَّمَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ، وَيَتَزَوَّدَ مِنْ الْمَيْتَةِ فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا كَمَا فِي الرِّسَالَةِ (غَيْرُ آدَمِيٍّ) بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ مَا وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْهَا (وَ) غَيْرَ (خَمْرٍ) مِنْ الْأَشْرِبَةِ، وَدَخَلَ فِي غَيْرِهِمَا الدَّمُ وَالْعَذِرَةُ

[حاشية الدسوقي]

[بَابُ الْمُبَاحِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ]

بَابُ الْمُبَاحِ) (قَوْلُهُ: حَالَ الِاخْتِيَارِ) أَيْ الْمُبَاحُ تَنَاوُلُهُ حَالَ الِاخْتِيَارِ مِنْ جِهَةِ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ ذَلِكَ لِأَجْلِ عَطْفِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ إلَخْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَتَعَلَّقْ إلَخْ) أَخْرَجَ الْمَغْصُوبَ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ غَيْرُ مُبَاحٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَالِكِ بِهِ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْمُبَاحِ فِي نَفْسِهِ لَا الْمُبَاحِ بِاعْتِبَارِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَالْمَغْصُوبُ مُبَاحٌ فِي ذَاتِهِ وَحُرْمَتُهُ عَارِضَةٌ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَاسَةِ) أَيْ كَالرَّخَمِ فَإِنَّهَا تَأْكُلُ الْعَذَرَةَ (قَوْلُهُ: إلَّا الْوَطْوَاطَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَطَيْرٌ (قَوْلُهُ: فَلِذَا لَمْ يَقُلْ إلَخْ) أَيْ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ مَا صَحَّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَعْدُو، وَقَدْ يَكُونُ مُفْتَرِسًا فَيَقْتَضِي إبَاحَتَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِنَاءً) أَيْ فَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْوَحْشِ مُطْلَقَ وَحْشٍ بَلْ نَوْعٌ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَةِ مُطْلَقِ الْوَحْشِ، وَيَكُونُ مِنْ تَشْبِيهِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَخَصِّيَّةَ تَقْتَضِي التَّمْثِيلَ لَا التَّشْبِيهَ (قَوْلُهُ: يُكْرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ التَّوْضِيحِ أَنَّ فِي الْفَأْرِ وَالْوَطْوَاطِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَنَقَلَهُ، وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ التَّحْرِيمَ.
اهـ. بْن وَقَوْلُهُ أَنَّ فِي الْفَأْرِ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ يَصِلُ لِلنَّجَاسَةِ أَوْ لَا، وَأَمَّا بِنْتُ عِرْسٍ فَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَهَا عَمِيَ أَيْ فَحُرْمَتُهَا عَارِضَةٌ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِلْأَعْمَى وَانْظُرْهُ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: سَمِّهَا) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا، وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَجَمْعُهُ سِمَامٌ وَسُمُومٌ.
اهـ. عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: إنْ ذُكِّيَتْ إلَخْ) الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الذَّكَاةِ الَّتِي يُؤْمَنُ بِهَا السُّمُّ أَنْ تَكُونَ فِي حَلْقِهَا، وَفِي قَدْرٍ خَاصٍّ مِنْ ذَنَبِهَا بِأَنْ يَتْرُكَ قَدْرَ أَرْبَعَةِ قَرَارِيطَ مِنْ ذَنَبِهَا وَرَأْسِهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ تُطْرَحَ حَالَ ذَكَاتِهَا عَلَى ظَهْرِهَا، وَأَمَّا لَوْ طُرِحَتْ عَلَى بَطْنِهَا، وَقُطِعَ حَلْقُهَا فَلَا يُجْزِي؛ لِأَنَّ شَرْطَ الذَّكَاةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُقَدَّمِ.
انْتَهَى خش (قَوْلُهُ: وَأَمِنَ سَمَّهَا) أَيْ وَاعْتِبَارُ أَمْنِ سَمِّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ فَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِسَمِّهَا لِمَنْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ أَيْ كَمَنْ بِهِ دَاءُ الْجُذَامِ أَيْ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا بِسَمِّهَا لِمَنْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَخِشَاشُ أَرْضٍ) أُضِيفَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَخُشُّ أَيْ يَدْخُلُ فِيهَا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِمُخْرِجٍ، وَيُبَادِرُ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا (قَوْلُهُ: بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى طَعَامٍ) أَيْ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى يَرْبُوعٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْوَحْشِ الَّذِي لَمْ يَفْتَرِسْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِشَاشَ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا، وَمَيْتَةً طَاهِرَةً لَكِنَّهُ يُفْتَقَرُ أَكْلُهُ لِذَكَاةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: شَرَابٌ يَمِيلُ إلَى الْحُمُوضَةِ) أَيْ يُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ أَوْ مِنْ الْأَرُزِّ (قَوْلُهُ: وَيَذْهَبُ إسْكَارُهُ) أَيْ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ عِنْدَ غَلَيَانِهِ عَلَى النَّارِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ لَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ ابْتِدَاءً.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ سُكْرٌ) أَيْ حَتَّى تُقَيَّدَ إبَاحَتُهُ بِالْأَمْنِ مَنْ سُكْرِهِ (قَوْلُهُ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ)

وَضَالَّةُ الْإِبِلِ، نَعَمْ تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ، وَكَذَا الْخَمْرُ (إلَّا لِغُصَّةٍ) فَيَجُوزُ إزَالَتُهَا بِهِ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُسِيغُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَقُدِّمَ) وُجُوبًا (الْمَيِّتُ) مِنْ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ (عَلَى خِنْزِيرٍ) عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ لِذَاتِهِ وَحُرْمَةُ الْمَيْتَةِ عَارِضَةٌ (وَ) عَلَى (صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) أَيْ صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ عَانَ عَلَيْهِ وَوَجَدَهُ حَيًّا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَّا لَحْمَهُ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ مُحْرِمًا فَإِنْ كَانَ حَلَالًا قُدِّمَ صَيْدُ الْمُحْرِمِ عَلَى الْمَيْتَةِ قَالَ الْبَاجِيَّ مَنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ أَكَلَ الْمَيْتَةَ، وَلَمْ يُذَكِّ الصَّيْدَ (لَا لَحْمُهُ) أَيْ لَا يُقَدِّمُ الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ الْمَيْتَةَ عَلَى لَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ أَوْ صِيدَ لَهُ بِأَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا ذُبِحَ بَلْ يُقَدَّمُ لَحْمُ الصَّيْدِ عَلَى الْمَيْتَةِ (وَ) لَا يُقَدِّمُ الْمَيْتَةَ عَلَى (طَعَامِ غَيْرٍ) بَلْ يُقَدَّمُ نَدْبًا طَعَامُ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ (إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ) أَوْ الضَّرْبَ أَوْ الْأَذَى وَإِلَّا قَدَّمَ الْمَيْتَةَ (وَقَاتَلَ) الْمُضْطَرُّ جَوَازًا رَبَّ الطَّعَامِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَخْذِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَ رَبَّهُ

[حاشية الدسوقي]

أَيْ مَا يَحْفَظُ الْحَيَاةَ فَالْمُرَادُ بِالرَّمَقِ الْحَيَاةُ وَبِسَدِّهَا حِفْظِهَا قَالَ الْمَوَّاقُ اُنْظُرْ هَذَا فَإِنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَعْزُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَنَصِّ الْمُوَطَّإِ.
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا سَمِعْتُ فِي الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ، وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا.
اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ عَزْوَ تت وخش مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَالِكٍ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. بْن لَكِنْ ابْنُ نَاجِيٍّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ نَقَلَ عَنْ عِيَاضٍ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ نَقَلَهُ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا نَظَرَ، وَتَنَاوَلَ قَوْلَهُ وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ الْمُتَلَبِّسَ بِالْمَعْصِيَةِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ ابْنِ يُونُسَ وَشَهَرَهُ الْقَرَافِيُّ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يُبَاحُ لَهُ تَنَاوُلَ الْمَيْتَةِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ [البقرة: 173] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] ، وَأَجَابَ الْمَشْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرَ بَاغٍ فِي نَفْسِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَتَجَانَفَ، وَيَمِيلَ فِي الْبَاطِنِ لِشَهْوَتِهِ، وَيَتَمَسَّكَ فِي الظَّاهِرِ بِالضَّرُورَةِ كَأَنَّهُ قِيلَ فَمَنْ اُضْطُرَّ اضْطِرَارًا صَادِقًا فَإِذَا عَصَى فِي نَفْسِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ كَأَنْ كَذَبَ فِي الضَّرُورَةِ وَبَغَى وَتَعَدَّى فِيهَا وَتَجَانَفَ الْإِثْمَ كَانَتْ كَالْعَدَمِ.
(قَوْلُهُ: وَضَالَّةُ الْإِبِلِ) وَدَخَلَ أَيْضًا جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ الْمَيِّتَةِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى ضَالَّةِ الْإِبِلِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ ضَالَّةَ الْإِبِلِ تَتَعَيَّنُ عِنْدَ انْفِرَادِهَا وَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْمَيْتَةُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيْتًا، وَلَوْ مَاتَ الْمُضْطَرُّ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْجَنَائِزِ أَنَّ بَعْضَهُمْ صَحَّحَ أَكْلَهُ لِلْمُضْطَرِّ إذَا كَانَ مَيْتًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِيمَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: عِنْدَ عَدَمِ مَا يُسِيغُهَا بِهِ) ، وَيَصْدُقُ فِي أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِلْغُصَّةِ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَإِلَّا فَلَا إلَّا لِقَرِينَةٍ فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا.
اهـ. خش (قَوْلُهُ: عَلَى خِنْزِيرٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْخِنْزِيرُ حَيًّا أَوْ مَيْتًا اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) الْمُرَادُ بِالصَّيْدِ هُنَا الْمَصِيدُ يَعْنِي الْحَيَّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلَّا لَحْمَهُ، وَأَمَّا الِاصْطِيَادُ فَهُوَ أَحْرَى بِتَقْدِيمِ الْمَيْتَةِ عَلَيْهِ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إذَا كَانَ مُحْرِمًا وَوَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا حَيًّا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ أَعَانَ عَلَى صَيْدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى الصَّيْدِ الْحَيِّ الَّذِي صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَمَحِلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ الْمَيْتَةُ مُتَغَيِّرَةً يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أَكْلِهَا، وَإِلَّا قَدَّمَ الصَّيْدَ الْمَذْكُورَ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَلَالًا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ صَيْدَ الْمُحْرِمِ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُذَكَّ الصَّيْدُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِذَكَاتِهِ يَكُونُ مَيْتَةً.
(قَوْلُهُ: لَا لَحْمِهِ) أَيْ إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا قَدْ صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ وَصَارَ لَحْمًا فَلَا يُقَدِّمُ الْمَيْتَةَ عَلَيْهِ بَلْ يُقَدِّمُهُ عَلَيْهَا، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ الْأُولَى الِاصْطِيَادُ تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ وَحُرْمَةِ ذَبْحِ الصَّيْدِ.
الثَّانِيَةُ الصَّيْدُ الْحَيُّ الَّذِي صَادَهُ الْمُحْرِمُ قَبْلَ اضْطِرَارِهِ تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ أَيْضًا عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَبَحَهُ صَارَ مَيْتَةً فَلَا فَائِدَةَ فِي ارْتِكَابِ هَذَا الْمُحَرَّمِ.
الثَّالِثَةُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ صَيْدٌ صَادَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لِمُحْرِمٍ، وَذُبِحَ قَبْلَ اضْطِرَارِهِ فَهَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَيْتَةِ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَحْمَ صَيْدِ الْمُحْرِمِ وَحُرْمَتُهُ عَارِضَةٌ؛ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ فَحُرْمَتُهَا أَصْلِيَّةٌ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الْمُشَارُ لَهَا بِقَوْلِهِ لَا لَحْمِهِ هَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَرَّرُ بِهِ كَلَامُهُ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يُقَدِّمُ) أَيْ طَعَامَ الْغَيْرِ نَدْبًا عَلَى الْمَيْتَةِ هَذَا عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَأَمَّا عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَيَتَعَيَّنُ مَا وُجِدَ، قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا أَكَلَ مَالَ مُسْلِمٍ اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ طُولَ الطَّرِيقِ فَلْيَتَزَوَّدْ؛ لِأَنَّ مُوَاسَاتَهُ تَجِبُ إذَا جَاعَ وَاعْلَمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ إنَّمَا هُوَ إذَا وَجَدَ الْمَيْتَةَ، وَإِلَّا أَكَلَهُ، وَلَوْ خَافَ الْقَطْعَ كَمَا فِي عج؛ لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ الْعُضْوِ خِلَافًا لِمَا فِي عبق وَحَيْثُ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ فَلَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ يَضْمَنُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْمُضْطَرُّ مُعْدَمًا وَقْتَ الْأَكْلِ أَمَّا إنْ وُجِدَ مَعَهُ الثَّمَنُ أُخِذَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ) أَيْ فِيمَا فِي سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ كَتَمْرِ الْجَرِينِ وَغَنَمِ الْمَرَاحِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الضَّرْبَ أَوْ الْأَذَى فِيمَا لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ.
فَإِنْ قُلْت الْمُضْطَرُّ إذَا ثَبَتَ اضْطِرَارُهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَا يُضْرَبُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَيْتَةٌ فَكَيْفَ يَخَافُ الْقَطْعَ -

وَلَوْ مُسْلِمًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُعْطِهِ قَاتَلَهُ فَإِنْ قَتَلَ رَبَّهُ فَهَدَرٌ.

وَلَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْمُبَاحِ أَخَذَ فِي بَيَانِ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْمُحَرَّمُ بِقَوْلِهِ (وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ) مِنْ جَامِدٍ أَوْ مَائِعٍ (وَخِنْزِيرٌ) بَرِيٌّ (وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ، وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ) أَيْ تَأَنَّسَ فَإِنْ تَوَحَّشَ بَعْدَ ذَلِكَ أُكِلَ نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَصَارَتْ فَضْلَتُهُ حِينَئِذٍ طَاهِرَةً.

(وَالْمَكْرُوهُ) (سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ، وَذِئْبٌ وَهِرٌّ، وَإِنْ وَحْشِيًّا وَفِيلٌ) ، وَفَهْدٌ وَدُبٌّ وَنِمْرٌ وَنِمْسٌ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَوَحْشٌ لَمْ يَفْتَرِسْ مَا عَدَا الْهِرَّ (وَكَلْبُ مَاءٍ وَخِنْزِيرُهُ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا مِنْ الْمُبَاحِ كَمَا مَرَّ وَالْمُعْتَمَدُ أَيْضًا أَنَّ الْكَلْبَ الْإِنْسِيَّ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ حَرَامٌ، وَلَمْ يَرِدْ قَوْلٌ بِإِبَاحَتِهِ.

(وَ) مِنْ الْمَكْرُوهِ (شَرَابُ) أَيْ شُرْبُ شَرَابِ (خَلِيطَيْنِ) خُلِطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ أَوْ الشُّرْبِ كَتَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ مَعَ تِينٍ أَوْ رُطَبٍ، وَكَحِنْطَةٍ مَعَ شَعِيرٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ عَسَلٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ تِينٍ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ أَمْكَنَ الْإِسْكَارُ وَلَمْ يَحْصُلْ بِالْفِعْلِ.

(وَ) مِنْ الْمَكْرُوهِ (نَبْذٌ) أَيْ طَرْحُ شَيْءٍ وَاحِدٍ كَتِينٍ فَقَطْ (بِكَدُبَّاءَ) بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةُ وَالْمَدِّ، وَهُوَ الْقَرْعُ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْحَنْتَمَ جَمْعُ حَنْتَمَةٍ، وَهِيَ الْأَوَانِي الْمَطْلِيَّةُ بِالزُّجَاجِ وَالنَّقِيرَ، وَهُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَالْمُقَيَّرَ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالْقَارِ أَيْ الزِّفْتِ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَمِيعِ خَوْفُ تَعْجِيلِ الْإِسْكَارِ لِمَا يُنْبَذُ فِيهَا إذْ هِيَ شَأْنُهَا ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَمِنْ الْأَوَانِي مِنْ فَخَّارٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُكْرَهُ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ مَا لَمْ يُظَنُّ بِهِ الْإِسْكَارُ.

(وَفِي كُرْهِ) أَكْلُ (الْقِرْدِ) وَالنَّسْنَاسِ (وَالطِّينِ) ، (وَمَنْعِهِ) أَيْ الْأَكْلِ (قَوْلَانِ)

[حاشية الدسوقي]

قُلْت الْقَطْعُ قَدْ يَكُونُ بِالتَّغَلُّبِ وَالظُّلْمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُسْلِمًا) أَيْ، وَلَوْ كَانَ رَبُّهُ الْمُقَاتَلُ بِفَتْحِ التَّاءِ مُسْلِمًا.

[الْمُحَرَّمُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ]

(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَحْشِيًّا دَجَنَ) أَيْ فَلَا يُؤْكَلُ نَظَرًا لِتِلْكَ الْحَالَةِ الْعَارِضَةِ، وَهِيَ حَالَةُ التَّأَنُّسِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْجَوَازِ وَرَدَّهُ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ، وَأَمَّا الْحِمَارُ الْإِنْسِيُّ إذَا تَوَحَّشَ فَتَوَحُّشُهُ لَا يَنْقُلُهُ وَحِينَئِذٍ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ قَبْلَ التَّوَحُّشِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْكَرَاهَةُ عَلَى مُقَابِلِهِ.

[الْمَكْرُوهُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ]

(قَوْلُهُ: وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ إلَخْ) ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ فِي كَرَاهَةِ أَكْلِ السِّبَاعِ، وَمَنْعِ أَكْلِهَا ثَالِثُهَا حُرْمَةُ عَادِيهَا كَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ، وَكَرَاهَةُ غَيْرِهِ كَالدُّبِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ مُطْلَقًا الْأَوَّلُ لِرِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ مَعَهَا وَالثَّانِي لِابْنِ كِنَانَةَ مَعَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّالِثُ لِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْمَدَنِيِّينَ (قَوْلُهُ: وَفِيلٌ) تَشْهِيرُهُ الْكَرَاهَةَ فِي الْفِيلِ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ قَوْلَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَصَحَّحَ فِي التَّوْضِيحِ الْإِبَاحَةَ فِيهِ، وَفِي كُلِّ مَا قِيلَ إنَّهُ مَمْسُوخٌ كَالْقِرْدِ وَالضَّبِّ وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ بَهْرَامُ لَا أَعْرِفُ مَنْ شَهَرَ الْكَرَاهَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ تَشْهِيرُ الْكَرَاهَةِ فِي الْفِيلِ فِي عُهْدَةِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: مَا عَدَا الْهِرَّ) فِيهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْتَرِسِ لِافْتِرَاسِهِ نَحْوَ الْفَأْرِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ حَرَامٌ) الَّذِي حَصَّلَهُ ح فِي الْكَلْبِ قَوْلَانِ الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّحْرِيمَ، قَالَ ح: وَلَمْ أَرَ فِي الْمَذْهَبِ مَنْ نَقَلَ إبَاحَةَ أَكْلِ الْكِلَابِ.
اهـ. لَكِنْ نُقِلَ قَبْلَهُ الْقَوْلُ بِإِبَاحَتِهِ وَاعْتَرَضَهُ فَانْظُرْهُ.
اهـ بْن.

(قَوْلُهُ: شُرْبُ شَرَابِ خَلِيطَيْنِ) إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ شُرْبُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْخَلِيطَيْنِ الْمَكْرُوهِ شُرْبُهُ مَا يُبَلُّ لِلْمَرِيضِ إذَا كَانَ نَوْعَيْنِ كَزَبِيبٍ وَتِينٍ وَنَحْوِهِمَا فَقَوْلُهُ وَشُرْبُ شَرَابِ خَلِيطَيْنِ أَيْ لِصَحِيحٍ أَوْ لِمَرِيضٍ، وَكَمَا يُكْرَهُ شُرْبُ شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ يُكْرَهُ أَيْضًا نَبْذُهُمَا مَعًا خِلَافًا لِمَا فِي عبق مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْخِلَافُ فِي نَبْذِهِمَا مَعًا لِلشُّرْبِ وَأَمَّا لِلتَّخْلِيلِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي نَبْذِهِمَا مَعًا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَنَصَّ فِي الْجَلَّابِ عَلَى الْكَرَاهَةِ خِيفَةَ التَّطَرُّقِ لِخَلْطِهِمَا مَعًا لِغَيْرِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: خَلْطًا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ أَوْ الشُّرْبِ) أَمَّا الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الْخَلْطُ عِنْدَ الشُّرْبِ فَلَا كَلَامَ فِيهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَ الِانْتِبَاذِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ شُرْبُ شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ إنْ نَبَذَهُمَا مَعًا قَالَ الْبَاجِيَّ ظَاهِرُهَا التَّحْرِيمُ، وَحَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَعَلَى الثَّانِي يُعَمَّمُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
اهـ. بْن وَالثَّانِي هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْخَلْطُ عِنْدَ الشُّرْبِ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْخَلْطِ وَالشُّرْبِ مَكْرُوهًا، وَإِنْ وَقَعَ عِنْدَ الِانْتِبَاذِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ خِلَافٌ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ أَمْكَنَ الْإِسْكَارُ) أَيْ لِطُولِ الْمُدَّةِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ لِقِصَرِ مُدَّةِ الِانْتِبَاذِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ احْتِمَالُ الْإِسْكَارِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذَا تَعَبُّدٌ لَا لِعِلَّةٍ، وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ شُرْبُ شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ سَوَاءٌ أَمْكَنَ إسْكَارُهُ أَمْ لَا اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ اسْتَصْوَبَ بْن الثَّانِيَ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا طُرِحَ الشَّيْءُ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ كَطَرْحِ الْعَسَلِ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ أَوْ التَّمْرِ فِي نَبِيذِ نَفْسِهِ كَانَ شُرْبُهُ جَائِزًا، وَلَيْسَ مِنْ شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ الَّذِي يُكْرَهُ شُرْبُهُ كَمَا أَنَّ اللَّبَنَ الْمَخْلُوطَ بِالْعَسَلِ كَذَلِكَ اُنْظُرْ عبق

(قَوْلُهُ: وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْحَنْتَمَ وَالنَّقِيرَ إلَخْ) تَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ تت وَاعْتَرَضَهُ طفى قَائِلًا الصَّوَابُ قَصْرُ الْكَافِ عَلَى إدْخَالِ الْمُزَفَّتِ فَقَطْ، وَهُوَ الْمُقَيَّرِ، وَعَدَمِ إدْخَالِ الْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ لِيُوَافِقَ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّإِ، وَإِدْخَالُهُمَا يُوجِبُ إجْرَاءِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا تُعْرَفُ كَرَاهَتُهُمَا إلَّا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُنْبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ، وَلَا أَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْفَخَّارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الظُّرُوفِ.
انْتَهَى.
وَقَدْ قَرَّرَهُ خش عَلَى الصَّوَابِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ) أَيْ نَبْذُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ -

أَرْجَحُهُمَا فِي الطِّينِ الْمَنْعُ لِأَذِيَّتِهِ لِلْبَدَنِ وَأَظْهَرُهُمَا فِي الْقِرْدِ الْكَرَاهَةُ، وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ بَلْ صَحَّحَ الْقَوْلَ بِالْإِبَاحَةِ فِي تَوْضِيحِهِ، وَالْمَأْخُوذُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ لِلْفُرْجَةِ عَلَى الصَّيْدِ، وَلَا لِحَبْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ بِهِ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَتِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ صَيْدٍ بِأَنْ كَانَ إنْسِيًّا يَظْهَرُ جَوَازُ التَّكَسُّبِ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَكْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الذَّكَاةِ، وَعَلَى الْمُبَاحِ، وَكَانَتْ الذَّكَاةُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْأُضْحِيَّةِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِهَا فَقَالَ دَرْسٌ (بَابٌ فِي الضَّحَايَا) (سُنَّ) عَيْنًا، وَلَوْ حُكْمًا كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْأَجْرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِدْخَالِ كَفِعْلِ النَّفْسِ (لِحُرٍّ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا لَا رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ (غَيْرِ حَاجٍّ) لَا حَاجٍّ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْهَدْيُ (بِمِنًى) الْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْحَاجِّ تُسَنُّ لَهُ الضَّحِيَّةُ مُطْلَقًا كَانَ بِمِنًى أَوْ لَا، وَالْحَاجُّ لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا (ضَحِيَّةٌ) نَائِبُ فَاعِلٍ يُسَنُّ أَيْ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ، وَيَدْخُلُ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَا عَنْ زَوْجَةٍ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لِلنَّفَقَةِ بِخِلَافِ زَكَاةِ فِطْرَتِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا (لَا تُجْحِفُ) بِالْمُضَحِّي أَيْ بِمَالِهِ بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ لِثَمَنِهَا فِي ضَرُورِيَّاتِهِ فِي عَامِهِ وَتُسَنُّ لِحُرٍّ (وَإِنْ) كَانَ (يَتِيمًا) ، وَيُخَاطَبُ وَلِيُّهُ بِفِعْلِهَا عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ فِي زَكَاةِ مَالِهِ.

(بِجَذَعِ ضَأْنٍ)

[حاشية الدسوقي]

مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ أَيْ فَلَا يُكْرَهُ نَبْذُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِيهَا، وَلَا يُكْرَهُ شُرْبُ شَرَابِهِ، وَإِنْ طَالَتْ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: أَرْجَحُهُمَا فِي الطِّينِ الْمَنْعُ) أَيْ، وَمِثْلُهُ التُّرَابُ وَالْعِظَامُ وَالْخُبْزُ الْمُحْرَقُ بِالنَّارِ فَفِيهَا الْخِلَافُ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ وَالرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ، وَمَحَلُّ مَنْعِ الطِّينِ مَا لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا وَتَشْتَاقُ لِأَكْلِهِ وَتَخَافُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، وَإِلَّا رُخِّصَ لَهَا أَكْلُهُ (قَوْلُهُ:، وَأَظْهَرُهُمَا فِي الْقِرْدِ الْكَرَاهَةُ) أَيْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْمَنْعِ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ قَالَ الْبَاجِيَّ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 145] الْآيَةَ، وَمُرَاعَاةُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ حُرْمَتِهِ، وَمُرَاعَاةُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ بِالْمَنْعِ تَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ) أَيْ مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ إنْ أَكَلَ الْكَلَأَ، وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ فِيهِ أَرْبَعَةٌ حَكَاهَا فِي الشَّامِلِ (قَوْلُهُ: بَلْ صُحِّحَ قَوْلٌ بِالْإِبَاحَةِ) أَيْ مُطْلَقًا كَأَنْ يَرْعَى الْكَلَأَ أَوْ لَا فِي تَوْضِيحِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَكْلِهِ) أَيْ، وَيُكْرَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ كَذَا ذَكَرَهُ عبق وَغَيْرُهُ، وَقَدْ حَمَلَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ النَّفْرَاوِيُّ وَغَيْرُهُ التَّكَسُّبَ عَلَى الصَّيْدِ بِهِ مَثَلًا، وَأَمَّا اللَّعِبُ الْمَعْلُومُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا رَابَطَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالصَّيْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُصَادُ بِالْكَلْبِ إجْمَاعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الِاكْتِسَابُ بِلَعِبِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.

[بَابٌ الْأُضْحِيَّةِ]

(قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الذَّكَاةُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْأُضْحِيَّةِ) أَيْ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ.
(بَابٌ فِي الضَّحَايَا) (قَوْلُهُ: سُنَّ) أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ إنَّهَا وَاجِبَةٌ (قَوْلُهُ: عَيْنًا) أَيْ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِدْخَالِ) أَيْ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ دُخُولِ الْغَيْرِ مَعَهُ فِي الْأَجْرِ كَفِعْلِهَا عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ (قَوْلُهُ: الْأَوْلَى حَذْفُهُ) أَيْ سَوَاءٌ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنْ غَيْرِ حَاجٍّ أَوْ صِفَةً لِحَاجٍّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جُعِلَ صِفَةً لِحَاجٍّ انْحَلَّ الْمَعْنَى لِقَوْلِنَا سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ كَائِنٍ فِي مِنًى، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ غَيْرَ حَاجٍّ أَصْلًا أَوْ حَاجًّا فِي غَيْرِ مِنًى، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاجًّا بِمِنًى لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا يُطَالَبُ بِهَا كَانَ بِمِنًى أَوْ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ جُعِلَ حَالًا مِنْ غَيْرِ حَاجٍّ انْحَلَّ الْمَعْنَى لِقَوْلِنَا سُنَّ لِحُرٍّ غَيْرِ حَاجٍّ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي مِنًى فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ غَيْرَ الْحَاجِّ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مِنًى لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ غَيْرُ الْحَاجِّ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُجَابُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ مَفْهُومَ بِمِنًى أَحْرَى بِالْحُكْمِ، وَقَدْ يُقَالُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِحَاجٍّ أَيْ غَيْرُ حَاجٍّ مَطْلُوبٍ كَوْنُهُ بِمِنًى فَيَشْمَلُ غَيْرَ الْحَاجِّ أَصْلًا، وَلَوْ مُعْتَمِرًا وَالْحَاجُّ الَّذِي لَا يُطْلَبُ كَوْنُهُ بِمِنًى، وَهُوَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَخْرُجُ الْحَاجُّ الْبَاقِي عَلَى إحْرَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِمِنًى يَوْمَئِذٍ أَمْ لَا كَذَا قَرَّرَهُ الْمِسْنَاوِيُّ (قَوْلُهُ: ضَحِيَّةٌ) هِيَ بِمَعْنَى التَّضْحِيَةِ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَضَمِيرٍ، لَا تُجْحِفُ يَعُودُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى إذْ الَّذِي يُوصَفُ بِكَوْنِهِ يُجْحِفُ أَوْ لَا يُجْحِفُ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ لَا الذَّاتُ وَالْمَعْنَى لَا تُتْعِبُهُ، وَلَا تُكَلِّفُهُ فَوْقَ وُسْعِهِ، وَالْإِجْحَافُ الْإِتْعَابُ (قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ، وَيَدْخُلَ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا) ظَاهِرُهُ سُقُوطُهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ احْتِلَامِ الذَّكَرِ، وَلَوْ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَبِمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِالْأُنْثَى، وَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى النَّفَقَةِ فَكَمَا أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الِابْنِ الَّذِي بَلَغَ فَقِيرًا عَاجِزًا عَلَى الْكَسْبِ لَازِمَةٌ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْأُنْثَى الَّتِي طَلُقَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَكَذَا الضَّحِيَّةُ عَنْهُمَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ أَبِيهِمَا خِلَافًا لِمَا فِي عبق مِنْ سُقُوطِهَا فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُضَحِّيَ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ وَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إلَّا بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهَا فَقِيرٌ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِهَا، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا

مُتَعَلِّقٌ بِضَحِيَّةٍ إذْ مَعْنَاهُ التَّضْحِيَةُ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ، وَهِيَ بِجَذَعِ ضَأْنٍ (وَثَنِيِّ مَعْزٍ، وَ) ثَنِيِّ (بَقَرٍ وَإِبِلٍ ذِي سَنَةٍ) رَاجِعٌ لِجَمْعِ الضَّأْنِ وَثَنِيِّ الْمَعْزِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوَفِّيَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَنَةً لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ثَنِيِّ الْمَعْزِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا كَشَهْرٍ بِخِلَافِ الضَّأْنِ فَيَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الدُّخُولِ، وَالْعِبْرَةُ بِالسَّنَةِ فَلَوْ وُلِدَ الضَّأْنُ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي كَفَى ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكَذَا لَوْ وُلِدَ يَوْمَ النَّحْرِ لَجَازَ ذَبْحُهُ فِي ثَانِيهِ وَثَالِثِهِ فِي الْقَابِلِ فِيمَا يَظْهَرُ (وَ) ذِي (ثَلَاثٍ) مِنْ السِّنِينَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ، وَلَوْ غَيْرَ بَيِّنٍ رَاجِعٌ لِثَنِيِّ الْبَقَرِ (وَ) ذِي (خَمْسٍ) وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ رَاجِعٌ لِثَنِيِّ الْإِبِلِ.

(بِلَا شِرْكٍ) فِي ثَمَنِهَا أَوْ لَحْمِهَا فَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الثَّمَنِ بِأَنْ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنْهُ أَوْ فِي اللَّحْمِ بِأَنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (إلَّا) الِاشْتِرَاكَ (فِي الْأَجْرِ) قَبْلَ الذَّبْحِ فَيُجْزِي، وَيَسْقُطُ طَلَبُهَا عَنْهُ، وَعَنْ كُلِّ مَنْ أَدْخَلَهُ مَعَهُ (وَإِنْ) كَانَ الْمُشْرَكُ فِي الْأَجْرِ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ لِلْإِدْخَالِ مَعَهُ (إنْ سَكَنَ) الْمُشْرَكُ بِالْفَتْحِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْمُشْرِكِ بِالْكَسْرِ فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ أَوْ كَالْوَاحِدِ بِأَنْ كَانَ يُغْلَقُ عَلَيْهِ مَعَهُ بَابٌ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْرِكُ بِالْكَسْرِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَإِنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وُجُوبًا لَمْ تُعْتَبَرْ سُكْنَاهُ مَعَهُ (وَ) الثَّانِي إنْ (قَرَبَ لَهُ) بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْقَرَابَةِ، وَلَهُ إدْخَالُ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ، وَمِثْلُ الْقَرِيبِ الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِخِلَافِ الْأَجِيرِ (وَ) الثَّالِثُ إنْ (أَنْفَقَ) الْمُشْرِكُ بِالْكَسْرِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ وُجُوبًا كَأَبَوَيْهِ وَصِغَارِ وَلَدِهِ الْفُقَرَاءِ بَلْ (وَإِنْ) أَنْفَقَ (تَبَرُّعًا) كَأَغْنِيَاءٍ مِنْ ذَكَرٍ، وَكَعَمٍّ وَأَخٍ وَخَالٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا قَبْلَ الذَّبْحِ أَنَّهُ لَوْ شَرَكَ بَعْدَ الذَّبْحِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ وَتُجْزِي عَنْ رَبِّهَا، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِيمَا إذَا أُدْخِلَ الْغَيْرُ مَعَهُ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ أَمَّا إنْ ذَبَحَ ضَحِيَّةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ بِلَا شَرْطٍ كَمَا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ، وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَأَجْزَأَتْ بِالْأَسْنَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَإِنْ) كَانَتْ (جَمَّاءَ) ، وَهِيَ مَا لَا قَرْنَ لَهَا فِي نَوْعٍ مَالَهُ قَرْنٌ كَالْبَقَرِ (وَمُقْعَدَةً) أَيْ عَاجِزَةً عَنْ الْقِيَامِ (لِشَحْمٍ) كَثُرَ عَلَيْهَا (وَمَكْسُورَةَ قَرْنٍ) مِنْ أَصْلِهِ أَوْ طَرَفِهِ إنْ بَرِئَ (لَا إنْ أَدْمَى)

[حاشية الدسوقي]

عَمَّنْ وُلِدَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا عَمَّنْ فِي الْبَطْنِ، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ أَسْلَمَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِبَقَائِهِ وَقْتَ الْخِطَابِ بِالتَّضْحِيَةِ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ.
اهـ. عَدَوِيٌّ.

(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِضَحِيَّةٍ) ، وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ أَيْضًا بِسِنٍّ أَيْ التَّضْحِيَةُ تُسَنُّ بِجَذَعٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِالسَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ) أَيْ، وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ، وَأَرْبَعَةُ وَخَمْسُونَ يَوْمًا لَا بِالسَّنَةِ الْقِبْطِيَّةِ، وَقَدْرُهَا ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا.
(قَوْلُهُ: وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ الدُّخُولُ غَيْرَ بَيِّنٍ.

(قَوْلُهُ: بِلَا شِرْكٍ فِي ثَمَنِهَا أَوْ لَحْمِهَا) هَذَا حِلٌّ بِالنَّظَرِ لِلْفِقْهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بَيَانَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَحِينَئِذٍ فَمَا قَبْلَ إلَّا يُجْعَلُ عَامًّا، وَقَوْلُهُ بِلَا شِرْكٍ حَالٌ مِنْ ضَحِيَّةٍ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهَا مُلْتَبِسَةً بِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا (قَوْلُهُ: فَلَا تُجْزِي عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أَيْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِثْلَ مَا إذَا ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا (قَوْلُهُ: وَعَنْ كُلِّ مَنْ أَدْخَلَهُ مَعَهُ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ عَمَّنْ أَشْرَكَهُمْ مَعَهُ إعْلَامُهُ لَهُمْ بِالتَّشْرِيكِ أَوْ لَا قَوْلَانِ الْبَاجِيَّ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ التَّشْرِيكُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهَا صِغَارُ وَلَدِهِ، وَهُمْ لَا يَصِحَّ مِنْهُمْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ (قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ) أَيْ فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فَلَا تُجْزِئُ عَنْ الْمُشْرِكِ بِالْكَسْرِ، وَلَا عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَهَذَا إلَخْ) مِثْلُهُ فِي عبق وخش قَالَ بْن وَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ لَهُمَا هَذَا الْقَيْدُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرُ مَا نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ عَنْ الْعَوْفِيِّ مُسْتَدِلًّا بِكَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ السُّكْنَى مَعَهُ شَرْطٌ مُطْلَقًا.
اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُسَاكَنَةِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَهُ الْبَاجِيَّ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ، وَعَزَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَخَالَفَ ابْنُ بَشِيرٍ فَجَعَلَ الْمُسَاكَنَةَ لَغْوًا اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْقَرِيبِ الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ) قَالَ شَيْخُنَا الْأَوْلَى حَذْفُ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ لَا يُطَالَبُ بِالضَّحِيَّةِ عَنْهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ بِالضَّحِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الشَّارِحَ أَرَادَ التَّنْبِيهَ عَلَى صِحَّتِهَا عَنْهَا، وَأَنَّ لَهَا مُجَرَّدُ ثَوَابٍ قَالَ بْن، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ إدْخَالِ الزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لتت وَبَهْرَامَ فِي إخْرَاجِهَا، وَإِخْرَاجِ مَا فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ح بِقَوْلِهِ ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى عِيَاضٌ لِلزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْقَرِيبِ ابْنُ حَبِيبٍ ذُو الرِّقِّ كَأُمِّ الْوَلَدِ فِي صِحَّةِ إدْخَالِهَا اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُقَابِلًا، وَقَالَ فِي الْبَيَانِ مَا نَصُّهُ: وَأَهْلُ بَيْتِ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهُ مَعَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَزْوَاجُهُ، وَمَنْ فِي عِيَالِهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ كَانُوا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَوْ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ غَيْرَ أَنَّ مَنْ كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ إنْ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ حَاشَا الزَّوْجَةَ.
اهـ. مِنْهُ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَأَجْزَأَتْ) أَيْ التَّضْحِيَةُ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَمَّاءُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ جَمَّاءَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى إجْزَائِهَا ابْنُ مَرْزُوقٍ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُسْتَأْصَلَةَ الْقَرْنَيْنِ غَيْرَ خِلْقَةٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْإِجْزَاءِ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَعَدَمُ الْجَزَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إجْمَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: كَالْبَقَرِ) أَيْ وَالْغَنَمِ -

أَيْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَا تُجْزِئُ (كَبَيِّنِ مَرَضٍ) أَيْ مَرَضٍ بَيِّنٍ فَلَا تُجْزِئُ، وَهُوَ مَا لَا تَتَصَرَّفُ مَعَهُ تَصَرُّفَ السَّلِيمَةِ بِخِلَافِ الْخَفِيفِ (وَ) بَيْنَ (جَرَبٍ وَبَشَمٍ) أَيْ تُخَمَةٍ بِخِلَافِ خَفِيفِهِمَا (وَ) بَيْنَ (جُنُونٍ) بِأَنْ فَقَدَتْ الْإِلْهَامَ بِحَيْثُ لَا تَهْتَدِي لِمَا يَنْفَعُهَا، وَلَا تُجَانِبُ مَا يَضُرُّهَا (وَ) بَيْنَ (هُزَالٍ) ، وَهِيَ الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا (وَ) بَيْنَ (عَرَجٍ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَسِيرُ بِسَيْرِ صَوَاحِبَاتِهَا (، وَعَوَرٍ) وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ صُورَةُ الْعَيْنِ قَائِمَةً، وَكَذَا ذَهَابُ أَكْثَرِهِ فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُهَا النَّظَرَ أَجْزَأَتْ (وَفَائِتِ جُزْءٍ) لَا يُجْزِئُ كَفَائِتِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَصَالَةً أَوْ طُرُوًّا (غَيْرَ خُصْيَةِ) بِضَمِّ الْخَاءِ، وَكَسْرِهَا، وَهِيَ الْبَيْضَةُ، وَأَمَّا بِخُصْيَةٍ فَيُجْزِئُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا مَرَضٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا فَيُجْبَرُ مَا نَقَصَ (وَصَمْعَاءَ) بِالْمَدِّ صَغِيرَةُ الْأُذُنَيْنِ (جِدًّا) كَأَنَّهَا خُلِقَتْ بِلَا أُذُنٍ (، وَذِي أُمٍّ وَحْشِيَّةٍ) ، وَأَبُوهَا مِنْ الْإِنْسِيِّ بِأَنْ ضَرَبَتْ فُحُولَ الْإِنْسِيِّ فِي إنَاثِ الْوَحْشِيِّ اتِّفَاقًا، وَكَذَا عَكْسُهُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَبَتْرَاءَ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنْبَ لَهَا خِلْقَةً أَوْ طُرُوًّا (وَبَكْمَاءَ) فَاقِدَةُ الصَّوْتِ (وَبَخْرَاءَ) مُتَغَيِّرَةُ رَائِحَةِ الْفَمِ.
(وَيَابِسَةِ ضَرْعٍ) أَيْ جَمِيعِهِ فَإِنْ أَرْضَعَتْ بِبَعْضِهِ فَلَا تَضُرَّ (وَمَشْقُوقَةِ أُذُنٍ) أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثٍ فَإِنْ كَانَ ثُلُثًا أَجْزَأَتْ (وَمَكْسُورَةِ سِنٍّ) إنْ زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا كَسْرُ وَاحِدَةٍ فَلَا يَمْنَعُ الْجَزَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَرَادَ بِالْكَسْرِ مَا يَشْمَلُ الْقَلْعَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) ، وَأَمَّا لَهُمَا فَتُجْزِئُ، وَلَوْ لِجَمِيعِهَا (وَذَاهِبَةُ ثُلُثِ ذَنْبٍ) فَصَاعِدًا (لَا) ثُلُثُ (أُذُنٍ) فَلَا يَضُرُّ.

وَابْتِدَاءُ وَقْتِهَا كَائِنٌ (مِنْ) فَرَاغِ (ذَبْحِ الْإِمَامِ) فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يَذْبَحْ اُعْتُبِرَ زَمَنُ ذَبْحِهِ، وَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِهِ هُوَ فَبَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَهَا لَمْ يُجْزِهِ، وَيَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا (لِآخِرِ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَالْمُعْتَبَرُ إمَامُ الطَّاعَةِ إنْ تَوَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ فَإِنْ تَوَلَّاهَا غَيْرُهُ فَخِلَافٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَهَلْ) الْمُرَادُ بِالْإِمَامِ (هُوَ الْعَبَّاسِيُّ) ، وَهُوَ إمَامُ الطَّاعَةِ أَوْ نَائِبُهُ (أَوْ إمَامُ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (قَوْلَانِ) رَجَّحَ الثَّانِيَ، وَمَحَلُّهُمَا مَا لَمْ يُخْرِجْ إمَامُ الطَّاعَةِ ضَحِيَّتَهُ لِلْمُصَلَّى، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ هُوَ قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَا يُرَاعَى قَدْرُهُ) أَيْ قَدْرُ ذَبْحِ الْإِمَامِ (فِي غَيْرِ) الْيَوْمِ (الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ لَكِنْ يُنْدَبُ التَّأْخِيرُ لِحَلِّ النَّافِلَةِ (وَأَعَادَ) أُضْحِيَّتَهُ لِبُطْلَانِهَا (سَابِقُهُ) أَيْ سَابِقُ الْإِمَامِ بِالذَّبْحِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا مُسَاوِيهِ، وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ، وَكَذَا إنْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ إنْ خَتَمَ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ يَبْرَأْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِدْمَاءِ عَدَمُ الْبُرْءِ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ مِنْهُ دَمٌ لَا سَيَلَانُ الدَّمِ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ بَرِئَ، وَيُدْخِلُ لَا عَلَى قَوْلِهِ كَبَيِّنِ مَرَضٍ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَخْصَرَ (قَوْلُهُ: وَبَيِّنِ جَرَبٍ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَيْدَ الْبَيْنِيَّةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَعْطُوفَاتِ فَلَا يَضُرُّ الْخَفِيفُ مِنْ جَمِيعِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ (قَوْلُهُ: وَبَيِّنِ جُنُونٍ) قَالَ ح كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَدَائِمِ جُنُونٍ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ غَيْرَ الدَّائِمِ لَا يَضُرُّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (قَوْلُهُ: وَفَائِتِ جُزْءٍ) هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَبَيِّنِ مَرَضٍ فَأَوَّلًا ذَكَرَ الْمَعْطُوفَاتِ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْمَعْطُوفَاتِ عَلَى الْمُضَافِ، وَقَوْلُهُ أَصَالَةً أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَوَاتُ الْجُزْءِ أَصَالَةً أَيْ خِلْقَةً أَوْ كَانَ طَارِئًا بِقَطْعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُزْءُ الْفَائِتُ بِالْقَطْعِ أَصْلِيًّا أَوْ زَائِدًا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِخُصْيَةٍ) أَيْ، وَأَمَّا فَوَاتُ الْجُزْءِ بِخُصْيَةٍ فَيُجْزِي سَوَاءٌ كَانَ فَوَاتُهُ خِلْقَةً أَوْ كَانَ بِقَطْعٍ، وَقَوْلُهُ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ أَيْ فَائِتُ الْخُصْيَةِ (قَوْلُهُ: جِدًّا) أَيْ بِأَنْ تُقْبَحَ بِهَا الْخِلْقَةُ.
اهـ خش.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ) أَيْ الشَّقُّ، وَقَوْلُهُ ثُلُثًا أَجْزَأَ أَيْ بِالْأَوْلَى مِنْ مَقْطُوعَةِ ثُلُثِ الْأُذُنِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَهُمَا فَتُجْزِئُ) حَاصِلُهُ أَنَّ قَلْعَ الْأَسْنَانِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لَا يَضُرُّ إذَا كَانَ لِإِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِمَا فَقَلْعُ الْوَاحِدَةِ لَا يَضُرُّ، وَيَضُرُّ قَلْعُ مَا زَادَ عَلَيْهَا.

(قَوْلُهُ: وَهَلْ هُوَ الْعَبَّاسِيُّ إلَخْ) الْأَوْلَى إمَامُ الطَّاعَةِ إلَّا إنَّهُ تَبَعَ فِي التَّعْبِيرِ بِالْعَبَّاسِيِّ اللَّخْمِيَّ وَابْنَ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُمَا عَبَّرَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا فِي زَمَنِ وِلَايَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِخِلَافِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ أَوْهَمَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ الشَّارِحَ بَهْرَامَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ فَقَالَ يُسْتَحَبُّ فِي الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا وَتَبِعَهُ عج، وَقَدْ خَرَجَا بِذَلِكَ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا، وَأَمَّا كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا فَلَا يُشْتَرَطُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
اهـ. طفى (قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبُهُ) أَيْ كَالْبَاشَا فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهَا إمَامُ الطَّاعَةِ بَلْ نَائِبُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَعَيَّنُ إمَامُ الطَّاعَةِ أَوْ عَامِلُهُ عَلَى الْبَلَدِ (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) صَوَابُهُ تَرَدُّدٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ فَالْأَوَّلُ لِلَّخْمِيِّ وَالثَّانِي لِابْنِ رُشْدٍ فَهُوَ مِنْ تَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ ثُمَّ إنَّهُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَامُ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي الْبَلَدِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ فَيُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ النَّاحِيَةِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا إمَامًا (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُمَا إلَخْ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا وُجِدَا مَعًا فِي الْبَلَدِ، وَلَمْ يُخْرِجْ إمَامُ الطَّاعَةِ ضَحِيَّتَهُ لِلْمُصَلَّى، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ هُوَ كَمَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إمَامُ الطَّاعَةِ، وَلَا نَائِبُهُ كَانَ الْمُعْتَبَرُ إمَامَ الصَّلَاةِ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَتْ الْبَلَدُ لَيْسَ فِيهَا وَاحِدٌ مِنْ الْإِمَامَيْنِ تَحَرَّوْا ذَبْحَ إمَامِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ، وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ كَانَ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إمَامٌ وَاحِدٌ فَإِنْ تَعَدَّدَ تَحَرَّوْا أَقْرَبَ الْأَئِمَّةِ لِبَلَدِهِمْ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ (قَوْلُهُ: أَيْ سَابِقُ الْإِمَامِ بِالذَّبْحِ) أَيْ بِابْتِدَائِهِ سَوَاءٌ خَتَمَ الذَّبْحَ قَبْلَ خَتْمِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَ خَتْمِهِ أَوْ مَعَهُ فَلَا تُجْزِئُ حَيْثُ ابْتَدَأَ قَبْلَ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا مُسَاوِيهِ) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الذَّبْحِ فَلَا تُجْزِيهِ هَذَا إذَا خَتَمَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ

قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ لَا بَعْدَهُ فَتُجْزِئُ (إلَّا) الذَّابِحَ (الْمُتَحَرِّيَ أَقْرَبَ إمَامٍ) لِكَوْنِهِ لَا إمَامَ لَهُ فِي بَلَدِهِ وَلَا عَلَى كَفَرْسَخٍ بِأَنْ خَرَجَ عَنْهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سَبَقَهُ فَيُجْزِي لِعُذْرِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ (كَأَنْ لَمْ يُبْرِزْهَا) الْإِمَامُ لِلْمُصَلَّى وَتَحَرَّى، وَإِنْ تَبَيَّنَ سَبْقَهُ كَأَنْ عَلِمَ بِعَدَمِ ذَبْحِهِ (وَتَوَانَى) فِي ذَبْحِهَا (بِلَا عُذْرٍ) وَانْتَظَرَ (قَدْرَهُ) أَيْ قَدْرَ وَقْتِ الذَّبْحِ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ (وَ) إنْ تَوَانَى (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ عُذْرٍ (انْتَظَرَ) بِالذَّبْحِ (لِلزَّوَالِ) أَيْ لِقُرْبِهِ بِحَيْثُ يَبْقَى قَدْرُ مَا يُذْبَحُ قَبْلَهُ لِئَلَّا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ الْأَفْضَلُ.

(وَالنَّهَارُ شَرْطٌ) فِي الضَّحَايَا كَالْهَدَايَا فَلَا يُجْزِي مَا وَقَعَ مِنْهُمَا لَيْلًا، وَأَوَّلُ النَّهَارِ طُلُوعُ الْفَجْرِ

(وَنُدِبَ) لِلْمُصَلِّي وَتَأَكَّدَ لِلْإِمَامِ (إبْرَازُهَا) لِلْمُصَلَّى لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَبْحَهُ وَلَا يُكْرَهُ عَدَمُ الْإِبْرَازِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ.

(وَ) نُدِبَ (جَيِّدٌ) بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْلَى النَّعَمِ (وَسَالِمٌ مِنْ الْعُيُوبِ) الَّتِي تُجْزِي مَعَهَا كَخَفِيفِ مَرَضٍ، وَكَسْرِ قَرْنٍ بَرِئَ، وَمِنْهُ مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَغَيْرُ خَرْقَاءَ) ، وَهِيَ الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ (وَ) غَيْرُ (شَرْقَاءَ) مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ (وَ) غَيْرُ (مُقَابَلَةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا، وَتُرِكَ مُعَلَّقًا (وَ) غَيْرُ (مُدَابَرَةٍ) قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ خَلْفِهَا وَتُرِكَ مُعَلَّقًا

(وَ) نُدِبَ (سَمِينٌ) وَتَسْمِينُهَا (وَذَكَرٌ) ، عَلَى أُنْثَى (وَأَقْرَنُ) عَلَى أَجَمَّ (وَأَبْيَضُ) إنْ وُجِدَ (وَفَحْلٌ) عَلَى خَصِيٍّ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ) ، وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ.

(وَ) نُدِبَ (ضَأْنٌ مُطْلَقًا) فَحْلُهُ فَخَصِيُّهُ فَأُنْثَاهُ (ثُمَّ) يَلِيهِ (مَعْزٌ) كَذَلِكَ (ثُمَّ هَلْ) يَلِيهِ (بَقَرٌ) كَذَلِكَ (وَهُوَ الْأَظْهَرُ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ (أَوْ إبِلٌ خِلَافٌ) ، وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ فَهَلْ الْبَقَرُ أَطْيَبُ لَحْمًا فَهُوَ أَفْضَلُ أَوْ الْإِبِلُ.

(وَ) نُدِبَ (تَرْكُ حَلْقٍ) لِشَعْرٍ مِنْ سَائِرِ بَدَنِهِ (وَ) تَرْكُ (قَلْمٍ لِمُضَحٍّ) أَيْ لِمُرِيدِهَا وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ مُشْرَكًا بِالْفَتْحِ (عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ) ظَرْفٌ لِتَرَكَ إلَى أَنْ يُضَحِّيَ أَوْ يُضَحَّى عَنْهُ، وَمُرَادُهُ التِّسْعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَإِنَّمَا نُدِبَ لِلتَّشْبِيهِ بِالْحَاجِّ

(وَ) فُضِّلَتْ (ضَحِيَّةٌ) لِكَوْنِهَا سُنَّةً وَشَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ (عَلَى صَدَقَةٍ وَعِتْقٍ) ، وَلَوْ زَادَ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ عَلَى أَضْعَافِ ثَمَنِ الضَّحِيَّةِ.

(وَ) نُدِبَ لِلْمُضَحِّي، وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا (ذَبْحُهَا بِيَدِهِ) اقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ؛ وَلِمَا فِيهِ مِنْ

[حاشية الدسوقي]

بَلْ وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ لَا بَعْدَهُ إلَخْ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْجَزَاءِ فِي صُورَةِ مَا إذَا ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِيمَا إذَا ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ فَالْإِجْزَاءُ فِي الضَّحِيَّةِ أَوْلَى.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: أَقْرَبُ إمَامٍ) أَيْ أَقْرَبُ إمَامِ بَلَدٍ يَذْبَحُ إمَامُهَا بَعْدَ خُطْبَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَقْرَبَ بَلَدٍ لَهَا إمَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْ بِحَيْثُ يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَهُ إنْ لَوْ ذَبَحَ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فَلَا يُعْتَبَرُ (قَوْلُهُ: وَلَا عَلَى كَفَرْسَخٍ) أَيْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إمَامٌ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِهِ عَلَى كَفَرْسَخٍ أَيْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَرُبُعٍ بَلْ الْمَوْجُودُ إمَامٌ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ فَتَحَرَّى ذَبْحَهُ، وَذَبِيحٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سَبَقَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ إمَامٌ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِهِ بِكَفَرْسَخٍ فَقَطْ فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ كَإِمَامِ الْبَلَدِ لِمُخَاطَبَةِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ الْخَالِيَةِ مِنْ الْإِمَامِ بِالسَّعْيِ لِذَلِكَ الْإِمَامِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا تَحَرَّى وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ لَمْ تُجْزِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ حُكْمُهُ كَالْبَلَدِ الَّذِي لَهُ إمَامٌ فَلَا يُذْبَحُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُتَحَرِّي، وَيُجْزِئُهُ تَحَرِّيهِ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَبَقَ الْإِمَامَ مَنْ كَانَ عَلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَوَانَى) أَيْ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: بِسَبَبِ عُذْرٍ) أَيْ كَقِتَالِ عَدُوٍّ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ، وَهَلْ مِنْ الْعُذْرِ طَلَبُ الْإِمَامِ لِلْأُضْحِيَّةِ بِشِرَاءِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَا يُنْتَظَرُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّحَرِّيَ لِذَبْحِ الْإِمَامِ حَيْثُ لَمْ يُبْرِزْ أُضْحِيَّتَهُ، وَأَمَّا إنْ أَبْرَزَهَا فَلَا يُعْتَبَرُ التَّحَرِّي مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِإِبْرَازِهَا أَوْ لَا، وَتَحَرِّيهِ وَعَدَمُهُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي عَدَمِ الْجَزَاءِ إنْ بَانَ سَبْقُهُ لَا إنْ بَانَ تَأَخُّرُهُ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ عَدَمُ الْإِبْرَازِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ) أَيْ، وَأَمَّا عَدَمُ الْإِبْرَازِ لَهُ فَيُكْرَهُ

(قَوْلُهُ: فَأُنْثَاهُ) كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَخُنْثَاهُ فَمَرَاتِبُ الضَّأْنِ أَرْبَعَةٌ، وَكَذَا الْمَعْزُ وَالْبَقَرُ وَالْإِبِلُ (قَوْلُهُ: خِلَافٌ) ابْنِ غَازِيٍّ صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَشْهُورِيَّةِ الْأَوَّلِ، وَلَا أَعْلَمُ مَنْ شَهَرَ الثَّانِيَ، وَنَقَلَ عَنْ الْمُؤَلِّفِ بِطَرِيقِ نُسْخَتِهِ وَشَهَرَ الرَّجْرَاجِيُّ الْأَوَّلَ وَشَهَرَ ابْنُ بَزِيزَةَ الثَّانِيَ.
اهـ. وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ، وَفِي فَضْلِ الْبَقَرِ عَلَى الْإِبِلِ، وَعَكْسُهُ ثَالِثُهَا لِغَيْرِ مَنْ بِمِنًى الْأَوَّلُ لِلْمَشْهُورِ مَعَ رِوَايَةِ الْمُخْتَصَرِ وَالْقَابِسِيِّ وَالثَّانِي لِابْنِ شَعْبَانَ وَالثَّالِثُ لِلشَّيْخِ عَنْ أَشْهَبَ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ إلَخْ) الْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ فَالْإِبِلُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ أَطْيَبُ لَحْمًا مِنْ الْبَقَرِ، وَفِي مِصْرَ بِالْعَكْسِ.

(قَوْلُهُ: وَمُرَادُهُ التِّسْعُ) أَيْ مُرَادُهُ بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ التِّسْعَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَلَيْسَ هَذَا تَغْلِيبًا كَمَا فِي عبق، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّغْلِيبُ فِي عَكْسِهِ

(قَوْلُهُ: وَضَحِيَّةٌ عَلَى صَدَقَةٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَعْنَى وَنُدِبَ تَقْدِيمُ ضَحِيَّةٍ عَلَى صَدَقَةٍ بِثَمَنِهَا، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الضَّحِيَّةَ سُنَّةٌ فَتَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ مَنْدُوبَةٌ سُنَّةٌ، وَقَدْ أَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ ضَحِيَّةً فَاعِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَفَضَلَتْ ضَحِيَّةٌ وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَنُدِبَ إبْرَازُهَا، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: وَضَحِيَّةٌ عَطْفًا عَلَى إبْرَازِهَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَادَ ثَمَنُ الرَّقَبَةِ إلَخْ) ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ السُّنَنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَإِنَّمَا نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ السُّنَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُنَا أَفْضَلُ مِنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَالْمَنْدُوبَ قَدْ يَكُونَانِ أَفْضَلَ مِنْ الْفَرْضِ كَالتَّطَهُّرِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَالِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ، وَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ، وَإِذَا كَانَ الْمَنْدُوبُ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْفَرْضِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ هُنَا أَفْضَلُ مِنْ السُّنَّةِ تَأَمَّلْ -.

مَزِيدِ التَّوَاضُعِ وَتُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ

(وَ) نُدِبَ (لِلْوَارِثِ) إنْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ قَبْلَ ذَبْحِهَا (إنْفَاذُهَا) كَسَائِرِ الْقُرَبِ الَّتِي مَاتَ قَبْلَ إنْفَاذِهَا حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا تَعَيَّنَتْ وَعَلَى الْوَرَثَةِ إنْفَاذُهَا فَيُقَسِّمُونَ لَحْمَهَا، وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنٍ، وَلَوْ سَابِقًا عَلَى الذَّبْحِ.

(وَ) نُدِبَ لِلْمُضَحِّي (جَمْعُ أَكْلٍ) أَيْ جَمْعٌ بَيْنَ أَكْلٍ مِنْهَا (وَصَدَقَةٍ، وَإِعْطَاءٍ) أَيْ إهْدَاءٍ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ أَعَمُّ (بِلَا حَدٍّ) فِي ذَلِكَ بِثُلُثٍ، وَلَا غَيْرِهِ (وَالْيَوْمُ الْأَوَّلُ) لِغُرُوبِهِ أَفْضَلُ مِمَّا عَدَاهُ ثُمَّ أَوَّلُ الثَّانِي مِنْ فَجْرِهِ إلَى الزَّوَالِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ (وَفِي أَفْضَلِيَّةِ) (أَوَّلَ الثَّالِثِ) إلَى زَوَالِهِ (عَلَى آخِرِ الثَّانِي) مِنْ زَوَالِهِ لِلْغُرُوبِ أَوْ عَكْسِهِ، وَهُوَ أَفْضَلِيَّةُ الثَّانِي جَمِيعِهِ عَلَى أَوَّلِ الثَّالِثِ (تَرَدُّدٌ) الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.

(وَ) نُدِبَ (ذَبْحُ وَلَدٍ) لِلضَّحِيَّةِ (خَرَجَ) أَيْ، وُلِدَ (قَبْلَ الذَّبْحِ) لَهَا، وَلَوْ مَنْذُورَةً وَلَا يَجِبُ (وَ) الْوَلَدُ الْخَارِجُ مِنْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الذَّبْحِ (جُزْءٌ) أَيْ كَجُزْءٍ مِنْهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِهَا حَيَاةً مُحَقَّقَةً وَجَبَ ذَبْحُهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ.

(وَكُرِهَ) لِلْمُضَحِّي (جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الذَّبْحِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ جَمَالِهَا (إنْ لَمْ يَنْبُتْ) مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ (لِلذَّبْحِ) أَيْ لِوَقْتِ الذَّبْحِ (وَلَمْ يَنْوِهِ) أَيْ الْجَزَّ حِينَ أَخَذَهَا بِشِرَاءٍ، وَكَذَا (حِينَ أَخَذَهَا) مِنْ شَرِيكِهِ أَوْ مِنْ مُعْطِيهَا لَهُ أَوْ تَعْيِينِهَا مِنْ غَنَمِهِ فِيمَا يَظْهَرُ إذْ لَا فَرْقَ فَإِنْ نَبَتَ مِثْلُهُ لِلذَّبْحِ أَوْ نَوَاهُ حِينَ الْأَخْذِ لَمْ يُكْرَهْ (وَ) كُرِهَ لِلْمُضَحِّي (بَيْعُهُ) أَيْ الصُّوفِ الْمَكْرُوهِ الْجَزُّ (وَشُرْبُ لَبَنٍ) مِنْهَا، وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ الْأَخْذِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ قُرْبَةً لِلَّهِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعُودُ فِي قُرْبَتِهِ.

(وَإِطْعَامُ كَافِرٍ) مِنْهَا (وَهَلْ) مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ (إنْ بُعِثَ لَهُ) مِنْهَا فِي بَيْتِهِ لَا إنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ كَأَجِيرٍ، وَقَرِيبٍ وَزَوْجَةٍ فَلَا يُكْرَهُ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (أَوْ) الْكَرَاهَةُ (وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (فِي عِيَالِهِ) أَيْ مِنْ جُمْلَتِهِمْ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (تَرَدُّدٌ)

(وَ) كُرِهَ (التَّغَالِي فِيهَا) أَيْ فِي كَثْرَةِ ثَمَنِهَا زِيَادَةً عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ الْمُبَاهَاةُ، وَكَذَا زِيَادَةُ الْعَدَدِ فَإِنْ نَوَى بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ أَوْ الْعَدَدِ الثَّوَابَ وَكَثْرَةَ الْخَيْرِ جَازَ، بَلْ نُدِبَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.

(وَ) كُرِهَ (فِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: وَتُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الذَّبْحَ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اسْتَنَابَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَ نَائِبِهِ.

(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ لِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا) أَيْ إذَا عَيَّنَهَا مُوَرِّثُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ النَّذْرِ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إنْفَاذُهَا كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِهَا، وَإِذَا أَنْفَذَهَا الْوَارِث فَلَا تُجْزِئُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ أَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ.

(قَوْلُهُ: وَجَمْعُ أَكْلٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَدِيثُ «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَمْزُهَا» لَيْسَ كُلِّيًّا، وَقَالَ عج الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِهَا أَفْضَلُ مُتَّجَهٌ إذْ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَمْزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا عَلَى النَّفْسِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ، وَلَا تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، وَإِذَا عَمِلَ بِالْمَنْدُوبِ، وَذَبَحَ ذَلِكَ الْوَلَدَ مَعَ أُمِّهِ فَحُكْمُ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ حُكْمُهَا مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِهْدَاءِ وَنُدِبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَمُنِعَ الْبَيْعُ، وَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْمَنْدُوبِ، وَأَبْقَى ذَلِكَ الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ لِعَامٍ آخَرَ صَحَّ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِ

(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ جَزُّ صُوفِهَا) أَيْ سَوَاءٌ جَزَّهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ أَوْ لَا خِلَافًا فالعبق حَيْثُ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ الْجَزُّ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ التَّصَرُّفَ الْمَمْنُوعَ، وَإِلَّا جَازَ مُطْلَقًا وَنَسَبَ ذَلِكَ لتت وح وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ نَبَتَ مِثْلُهُ لِلذَّبْحِ أَوْ نَوَاهُ حِينَ الْأَخْذِ لَمْ يُكْرَهْ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْجَزُّ إذَا تَضَرَّرَتْ بِبَقَاءِ الصُّوفِ لِحَرٍّ وَنَحْوِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ مَنْطُوقِ الْمُصَنِّفِ، وَمَفْهُومِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الضَّحِيَّةُ مَنْذُورَةً أَمْ لَا وَارْتَضَاهُ عج، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ شُيُوخِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ بِغَيْرِ الْمَنْذُورَةِ، وَأَمَّا الْمَنْذُورَةُ فَيَحْرُمُ جَزُّهَا سَوَاءٌ نَوَاهُ أَمْ لَا وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهَا، وَلَدٌ) أَيْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْإِنْسَانُ لَا يَعُودُ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ الْعَوْدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ

(قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ) الْأَوْلَى كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَا يُشِيرُ الْمُصَنِّفُ لِلْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِالتَّرَدُّدِ فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ لِطَرِيقَةِ ابْنِ رُشْدٍ وَطَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ رُوِيَ عَنْهُ إبَاحَةُ أَكْلِ الْكَافِرِ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهَا إلَى الْكَرَاهَةِ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ اخْتِلَافُ قَوْلَيْ مَالِكٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ أَمَّا إنْ كَانَ فِيهِمْ أَوْ غَشِيَهُمْ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ فَلَا بَأْسَ بِهِ دُونَ خِلَافٍ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْخِلَافُ الْمَرْوِيُّ عَنْ الْإِمَامِ مُطْلَقٌ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ بُعِثَ إلَيْهِ، وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ قَوْلَيْ مَالِكٍ فَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ وَبُعِثَ إلَيْهِمْ وَالْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانُوا فِي عِيَالِهِ اُنْظُرْ بْن.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَأْنَ ذَلِكَ الْمُبَاهَاةُ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَخَافُ مِنْهُ قَصْدَهَا فَإِنْ تَحَقَّقَ قَصْدُهَا بِالتَّغَالِي حُرِّمَ، وَإِنْ تَحَقَّقَ مِنْ نَفْسِهِ عَدَمُ قَصْدِهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ كَثْرَةَ اللَّحْمِ أَوْ الْأَجْرِ كَانَ التَّغَالِي مَنْدُوبًا، لِلْحَدِيثِ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ خَوْفُ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، وَقَصْدِهَا بِالْفِعْلِ، وَتَحَقُّقِ عَدَمِ قَصْدِهَا، وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي التَّغَالِي فِيهَا، وَفِي زِيَادَةِ عَدَدِهَا.

(قَوْلُهُ: وَفَعَلَهَا عَنْ مَيِّتٍ) فَإِنْ فُعِلَتْ عَنْهُ، وَعَنْ الْمَيِّتِ لَمْ يُكْرَهْ قَالَهُ عبق، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَوَابٍ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلَّلُوا كَرَاهَةَ فِعْلِهَا عَنْ الْمَيِّتِ بِعَدَمِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا شَامِلٌ لِصُورَةِ الْإِفْرَادِ وَالتَّشْرِيكِ، وَأَيْضًا شُرُوطُ التَّشْرِيكِ

وَإِلَّا نُدِبَ لِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا (كَعَتِيرَةٍ) كَجَبِيرَةِ شَاةٍ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِرَجَبٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالضَّحِيَّةِ.

(وَإِبْدَالُهَا) بِدُونٍ مِنْهَا وَكَذَا بِمُسَاوٍ عَلَى الرَّاجِحِ هَذَا إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ اخْتِيَارًا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ اضْطِرَارًا (لِاخْتِلَاطٍ) لَهَا مَعَ غَيْرِهَا فَيُكْرَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لِصَاحِبِهِ إلَّا بِقُرْعَةٍ فَلَا يُكْرَهُ لَكِنْ يَنْدُبُ لَهُ ذَبْحُ أُخْرَى أَفْضَلَ، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَبْحُهَا، فَأَخْذُ الدُّونِ بِلَا قُرْعَةٍ وَذَبْحُهُ فِيهِ كَرَاهَتَانِ (قَبْلَ الذَّبْحِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِبْدَالٍ (وَجَازَ) لِرَبِّهَا (أَخْذُ الْعِوَضِ) عَنْهَا وَتَرْكُهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يَجُوزُ أَخْذُ إحْدَاهُمَا بِقُرْعَةٍ أَوْ لَا (إنْ) اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ (عَلَى الْأَحْسَنِ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُعَاوَضَةُ؛ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَأَشْبَهَتْ شَرِكَةَ الْوَرَثَةِ فِي لَحْمِ ضَحِيَّةِ مُوَرِّثِهِمْ وَيَتَصَرَّفُ فِي الْعِوَضِ كَيْفَ شَاءَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَمُقَابِلُ الْأَحْسَنِ هُوَ الظَّاهِرُ.

(وَصَحَّ) لِرَبِّهَا، وَكُرِهَ بِلَا ضَرُورَةٍ (إنَابَةٌ) يَعْنِي نِيَابَةَ غَيْرِهِ (بِلَفْظٍ) كَاسْتَنَبْتُك وَوَكَّلْتُك وَاذْبَحْ عَنِّي (إنْ أَسْلَمَ) النَّائِبُ، وَكَانَ مُصَلِّيًا بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ) لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ مَا ذَبَحَهُ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ تُجْزِهِ (أَوْ نَوَى) أَيْ، وَلَوْ نَوَى النَّائِبُ ذَبْحَهَا (عَنْ نَفْسِهِ) وَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا (أَوْ) نِيَابَةٌ (بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ) أَيْ بِعَادَةٍ مِثْلُ قَرِيبٍ فَعَادَةٌ مُضَافٌ لِلْكَافِ الَّتِي بِمَعْنَى مِثْلِ، وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ الْقَرِيبِ هُوَ الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ كَقَرِيبٍ، وَلَا عَادَةَ لَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا لَهُ عَادَةً (فَتَرَدُّدٌ) فِي صِحَّةِ كَوْنِهَا ضَحِيَّةً وَعَدَمِهَا نَظَرًا لِعَدَمِ الِاسْتِنَابَةِ، وَأَمَّا أَجْنَبِيٌّ لَا عَادَةَ لَهُ فَلَا تُجْزِئُ قَطْعًا (لَا إنْ غَلِطَ) عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ وَصَحَّ كَوْنُهَا ضَحِيَّةً إنْ اسْتَنَابَ لَا إنْ غَلِطَ الذَّابِحُ فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّةِ غَيْرِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ، وَالْغَرَضُ أَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ عَلَى ذَبْحِهَا

[حاشية الدسوقي]

الْمُتَقَدِّمَةِ غَيْرُ مُجْتَمَعَةٍ هُنَا.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا نُدِبَ) أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ عَيَّنَهَا نُدِبَ إلَخْ أَيْ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَيَّنَهَا بِغَيْرِ الذَّبْحِ وَالنَّذْرِ أَمَّا لَوْ عَيَّنَهَا بِالنَّذْرِ أَوْ بِالذَّبْحِ بِأَنْ ذَبَحَهَا ثُمَّ مَاتَ تَعَيَّنَ عَلَى الْوَارِثِ إنْفَاذُهَا كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَهَا أَيْ، وَلَمْ يَكُنْ وَقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَهَا فِيهِ، وَإِلَّا وَجَبَ فِعْلُهَا عَنْهُ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِ الْوَاقِفِ إنْ جَازَ أَوْ كُرِهَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَرَاهَةَ فِعْلِهَا عَنْ الْمَيِّتِ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدَيْنِ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: شَاةٍ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا لِأَصْنَامِهِمْ (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ) أَيْ تُذْبَحُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِبْدَالُهَا) أَيْ، وَكُرِهَ إبْدَالُهَا بِدُونٍ، فَإِذَا أَبْدَلَ الشَّاةَ بِبَقَرَةٍ تَعَلَّقَتْ الْكَرَاهَةُ بِأَخْذِ الشَّاةِ بَدَلًا عَنْ الْبَقَرَةِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إبْدَالُهَا بِالْأَفْضَلِ، وَإِنْ بِزَائِدِ شَيْءٍ فِي ثَمَنِهَا، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً بِالنَّذْرِ، وَإِلَّا كَانَ الْإِبْدَالُ مَمْنُوعًا، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ إلْغَاءِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ تَعَيُّنَهَا بِالنَّذْرِ يَمْنَعُ مِنْ الْبَدَلِ، وَمِنْ الْبَيْعِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَكَذَا بِمُسَاوٍ عَلَى الرَّاجِحِ) سَنَدُهُ فِي هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ، وَلَا يُبَدِّلُهَا إلَّا بِخَيْرٍ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِلْمُعَاوَضَةِ مَعَ التَّسَاوِي لَكِنْ فِي بْن عَنْ التَّوْضِيحِ أَنَّ إبْدَالَهَا بِمِثْلِهَا جَائِزٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: إلَّا بِقُرْعَةٍ فَلَا يُكْرَهُ) كَذَا فِي ح، وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ الْقُرْعَةُ لَا تَجُوزُ مَعَ التَّسَاوِي فَتَأَمَّلْ.
اهـ. بْن إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا قُرْعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لِضَرُورَةِ الِالْتِبَاسِ (قَوْلُهُ: فِيهِ كَرَاهَتَانِ) أَيْ، وَأَمَّا أَخْذُ الدُّونِ بِقُرْعَةٍ، وَذَبْحُهُ فَفِيهِ كَرَاهَةٌ وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ) أَيْ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضٍ مَثَلًا، وَلَا إشْكَالَ فِي إجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا مَعَ أَخْذِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ جَرَّ إلَيْهِ الْحَالُ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَحْسَنِ) أَيْ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ الظَّاهِرُ أَيْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ عَنْهَا بَيْعٌ لَهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ فَيَتَعَيَّنُ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ أَخْذُ إحْدَاهُمَا إمَّا بِالْقُرْعَةِ أَوْ بِدُونِهَا، وَأَجْزَأَتْ الضَّحِيَّتَانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا، وَفِي وُجُوبِ تَصَدُّقِهِمَا بِهِمَا وَجَوَازِ أَكْلِهِمَا مِنْهُمَا قَوْلَا يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَاللَّخْمِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً بِالنَّذْرِ أَوْ مَضْمُونَةً عَلَى الصَّوَابِ خِلَافًا لِمَا فِي عبق وَسَوَاءٌ كَانَ النَّائِبُ ذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّةُ رَبِّهَا كَمَا فِي ح عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَا نِيَّةُ الذَّابِحِ فَهُوَ كَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُوَضِّئَهُ فَالْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْآمِرِ الْمُتَوَضِّئِ لَا نِيَّةُ الْمَأْمُورِ الْمُوَضِّئِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا إذَا نَوَى النَّائِبُ ذَبْحَهَا عَنْ نَفْسِهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ رَبَّهَا وَتُجْزِئُ النَّائِبَ الذَّابِحَ لَهَا، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا كَمَنْ تَعَدَّى عَلَى أُضْحِيَّةِ رَجُلٍ، وَذَبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَجْرِي فِي الضَّحِيَّةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْمُونَةً أَوْ مُعَيَّنَةً (قَوْلُهُ: أَوْ بِعَادَةٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِلَفْظٍ (قَوْلُهُ: أَوْ أَجْنَبِيًّا) أَيْ أَوْ كَانَ الذَّابِحُ لَهَا أَجْنَبِيًّا لَهُ عَادَةٌ أَيْ كَجَارٍ وَأَجِيرٍ وَغُلَامٍ لَهُمْ عَادَةٌ بِالْقِيَامِ بِأُمُورِهِ (قَوْلُهُ: فَتَرَدُّدٌ) أَيْ طَرِيقَتَانِ إحْدَاهُمَا تَحْكِي الِاتِّفَاقَ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي الْقَرِيبِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَالْأُخْرَى تَحْكِي اتِّفَاقًا عَلَى عَدَمِ الْجَزَاءِ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ وَالْخِلَافِ فِي

(فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لَا عَنْ رَبِّهَا لِعَدَمِ تَوْكِيلِهِ، وَلَا عَنْ الذَّابِحِ لِعَدَمِ مِلْكِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ.

(وَمُنِعَ) (الْبَيْعُ) مِنْ الْأُضْحِيَّةِ كَجِلْدٍ أَوْ لَحْمٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ شَعْرٍ، وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ فِي مُقَابَلَةِ جِزَارَتِهِ أَوْ بَعْضِهَا شَيْئًا مِنْهَا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُجْزِئَةً بَلْ (وَإِنْ) لَمْ يَحْصُلْ إجْزَاءٌ كَمَنْ (ذَبَحَ) يَوْمَ النَّحْرِ (قَبْلَ الْإِمَامِ) أَوْ (تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ) عَيْبًا يَمْنَعُ الْجَزَاءَ كَمَا إذَا أَضْجَعَهَا لِلذَّبْحِ فَاضْطَرَبَتْ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا أَوْ أَصَابَتْ السِّكِّينُ عَيْنًا فَفَقَأَتْهَا قَبْلَ تَمَامِ فَرْيِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ (أَوْ) تَعَيَّبَتْ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الذَّبْحِ، وَذَبَحَهَا وَإِلَّا فَعَلَ بِهَا مَا شَاءَ كَمَا يَأْتِي، وَهَذَا يُفْهَمُ مِمَّا قَبْلَهُ بِالْأَوْلَى.
(أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا) بِالْعَيْبِ أَوْ بِكَوْنِهِ يَمْنَعُ الْجَزَاءَ فَلَا يَبِيعُ مِنْهَا شَيْئًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَ) مُنِعَ (الْإِجَارَةُ) لَهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا وَلِجِلْدِهَا بَعْدَهُ وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ (وَ) مُنِعَ (الْبَدَلُ) لَهَا أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا بِشَيْءٍ آخَرَ مُجَانِسٍ لِلْمُبْدَلِ (إلَّا لِمُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ) أَوْ مَوْهُوبٍ لَهُ فَلَا يُمْنَعُ الْبَيْعُ أَوْ الْبَدَلُ، وَلَوْ عَلِمَ رَبُّهَا حَالَ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (وَفُسِخَتْ) عُقْدَةُ الْبَيْعِ وَالْبَدَلِ، وَكَذَا الْإِجَارَةُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ عُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ فَوَاتِ الْمَبِيعِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِالْعِوَضِ نَفْسِهِ وُجُوبًا إنْ لَمْ يَفُتْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَإِنْ فَاتَ الْعِوَضُ أَيْضًا بِأَنْ صَرَفَهُ فِي حَاجَتِهِ مَثَلًا فَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَتَصَدَّقَ) وُجُوبًا (بِالْعِوَضِ) أَيْ بِبَدَلِهِ لَهُ (فِي الْفَوْتِ) أَيْ فَوْتِ الْعِوَضِ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (إنْ لَمْ يَتَوَلَّ) الْبَيْعَ (غَيْرٌ) أَيْ غَيْرُ الْمُضَحِّي (بِلَا إذْنٍ) بِأَنْ تَوَلَّاهُ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ سَوَاءٌ صَرَفَهُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ أَمْ لَا (وَ) بِلَا (صَرْفٍ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ) الْمُضَحِّي بِأَنْ صَرَفَهُ فِيمَا يَلْزَمُ فَالْمَعْنَى إنْ لَمْ يَسْتَوْلَهُ غَيْرُهُ حَالَ عَدَمِ إذْنِهِ

[حاشية الدسوقي]

الْقَرِيبِ وَنَقَلَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ (قَوْلُهُ: فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ثُمَّ إنْ أَخَذَ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مِمَّنْ ذَبَحَهَا غَلَطًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى لَيْسَ لِلذَّابِحِ فِي اللَّحْمِ إلَّا الْأَكْلُ أَوْ الصَّدَقَةُ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ عَلَى وَجْهِ التَّضْحِيَةِ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ اللَّحْمَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهُ عَلَى التَّضْحِيَةِ بِهِ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ سَالِمٍ، وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ إذَا ذُبِحَتْ غَلَطًا إذَا لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا نَاذِرًا لَهَا، وَإِلَّا أَجْزَأَتْ عَنْ نَذْرِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً.
اهـ. بَقِيَ مَا إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ عَمْدًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَابَةٍ، وَفِيهَا تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ رَبُّهَا نَذَرَهَا، وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً أَجْزَأَتْهُ وَسَقَطَ النَّذْرُ، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فَالنَّذْرُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّهَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ نَذْرٌ فَقِيلَ لَا تُجْزِئُ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِالْأَوْلَى مِنْ الْغَالِطِ وَرَوَى ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إجْزَاءَهَا عَنْ الذَّابِحِ وَضَمِنَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا، وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْغَالِطِ أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ دَاخِلٌ عَلَى ضَمَانِهَا فَكَأَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ الذَّبْحِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّحِيَّةَ إذَا ذَبَحَهَا غَيْرُ رَبِّهَا فَإِمَّا بِوَكَالَتِهِ أَوْ لَا الْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَصَحَّ إنَابَةً إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَنْوِيَ عَنْ رَبِّهَا أَوْ عَنْ نَفْسِهِ الْأَوَّلُ هُوَ مَحَلُّ التَّفْصِيلِ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِعَادَةٍ كَقَرِيبٍ إلَخْ، وَالثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا نَوَى عَنْ نَفْسِهِ فَإِمَّا غَلَطًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَا إنْ غَلِطَ، وَإِمَّا عَمْدًا، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَك بِقَوْلِنَا بَقِيَ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَذَبَحَهَا) أَيْ عَالِمًا بِالْعَيْبِ وَحُكْمُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ ذَبَحَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالْعَيْبِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ، وَإِلَّا كَانَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ أَوْ ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعَلَ بِهَا مَا شَاءَ) أَيْ، وَإِلَّا يَذْبَحُهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فَعَلَ بِهَا مَا شَاءَ (قَوْلُهُ: فَلَا يَبِيعُ مِنْهَا شَيْئًا فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشَارِ لَهَا بِقَوْلِهِ، وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ إلَى هُنَا (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ إجَارَتِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا إجَارَةُ جِلْدِهَا بَعْدَ الذَّبْحِ فَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَجَعَلَ قَوْلَ سَحْنُونٍ بِالْجَوَازِ مُقَابِلًا، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ مِنْ الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: وَالْبَدَلُ) عَطْفٌ عَلَى الْبَيْعِ فَيَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فَالْبَدَلُ لَيْسَ بَيْعًا لَكِنَّهُ يُشْبِهُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَدَلَ بَعْدَ الذَّبْحِ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوْجَبَهَا بِالنَّذْرِ أَوْ لَا، وَأَمَّا قَبْلَ الذَّبْحِ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَنْذُورَةً كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَمْنَعُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَشَهَّرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَمُقَابِلُهُ الْمَنْعُ لِمَالِكٍ وَشَهَّرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ السَّرِقَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلِمَ رَبُّهَا) هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ أَيْ، وَلَا إثْمَ عَلَى رَبِّهَا، وَلَوْ عَلِمَ حَالَ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَيْ بِأَنَّهُ يَبِيعُ مَا يُعْطِيهِ لَهُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ فَاتَ اللَّحْمُ أَوْ الْجِلْدُ الْمَبِيعُ تَصَدَّقَ بِالْعِوَضِ وُجُوبًا أَيْ وَقَضَى بِهِ عَلَى الظَّاهِرِ قَالَ عج، وَيُسْتَفَادُ مِنْ جَعْلِهِمْ تَغَيُّرَ السُّوقِ فَوْتًا أَنَّ الدَّبْغَ لِلْجِلْدِ وَالطَّبْخَ لِلَّحْمِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ إبْرَازِ فَوْتٍ إذْ هُوَ أَشَدُّ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ) أَيْ سَوَاءٌ تَوَلَّى الْبَيْعَ الْمُضْحِي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ بِبَدَلِهِ) أَيْ مِنْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ (قَوْلُهُ: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى التَّصَدُّقِ بِبَدَلِ الْعِوَضِ فِي فَوَاتِ الْعِوَضِ أَيْ وَلَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى التَّصَدُّقِ بِالْعِوَضِ فِي فَوَاتِ الْمَبِيعِ، وَقِيَامِ الْعِوَضِ، وَقَوْلُهُ لِلْقَيْدِ إلَخْ أَيْ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَبِلَا صَرْفٍ فِيمَا لَا يَلْزَمُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعِوَضَ صَرْفٌ فِيمَا يَلْزَمُ، وَلَمْ يَكُنْ بَاقِيًا، هَذَا كَلَامُهُ، وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَبِلَا صَرْفٍ فِيمَا لَا يَلْزَمُ صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يُصْرَفْ أَصْلًا وَبِمَا إذَا صُرِفَ فِيمَا يَلْزَمُ فَالْأَوْلَى جَعْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَامًّا لِلتَّصَدُّقِ بِالْعِوَضِ إذَا فَاتَ الْمَبِيعُ، وَكَانَ الْعِوَضُ بَاقِيًا بِبَدَلِ الْعِوَضِ إذَا فَاتَ الْعِوَضُ كَمَا فَعَلَ بْن وَغَيْرُهُ بِجَعْلِ الْعِوَضِ شَامِلًا لِعِوَضِ الْمَبِيعِ وَلِبَدَلِ الْعِوَضِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ إلَخْ) أَيْ إنْ عُدِمَتْ

وَصَرَفَهُ فِي غَيْرِ لَازِمِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِثَلَاثِ صُوَرٍ تَوْلِيَةُ رَبِّهِ وَغَيْرِهِ الْمَأْذُونِ وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّارِفِ فِيمَا يَلْزَمُهُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَلَّاهُ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ التَّصَدُّقُ بِبَدَلِ الْعِوَضِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ فِي ثَلَاثٍ وَشَبَّهَ بِمَنْطُوقِ الْمَسْأَلَةِ (كَأَرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) بِأَنْ اشْتَرَاهَا، وَذَبَحَهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا خَفِيفًا كَكَوْنِهَا خَرْقَاءَ أَوْ شَرْقَاءَ فَرَجَعَ بِأَرْشِهِ عَلَى بَائِعِهِ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ، وَلَا يَتَمَلَّكُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَلَوْ كَانَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لَمْ يَجِبْ التَّصَدُّقُ بَلْ يُنْدَبُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَ الضَّحِيَّةِ.

(وَإِنَّمَا) (تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لَكِنْ اعْتَمَدُوا أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ فَقَطْ (فَلَا تُجْزِئُ إنْ تَعَيَّبَتْ) عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا فَمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ فِيمَا إذَا ذَبَحَهَا، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَذْبَحْهَا فَمَا هُنَا مَفْهُومُ مَا مَرَّ (كَحَبْسِهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ) فَيَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ وَلَوْ مَنْذُورَةً (إلَّا أَنَّ هَذَا) دُونَ الْأَوَّلِ (آثِمٌ) أَيْ حَبْسُهُ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ إثْمًا حَتَّى فَوَّتَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِهِ هَذَا الثَّوَابُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَحْرِمُ الْإِنْسَانَ الْخَيْرَ بِذَنْبٍ أَصَابَهُ لَا أَنَّ حَبْسَهَا يُوجِبُ الْإِثْمَ إذْ السُّنَّةُ فِي تَرْكِهَا.

(وَ) جَازَ (لِلْوَارِثِ الْقَسْمُ) فِي الْأُضْحِيَّةِ الْمَوْرُوثَةِ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ لَا بِالتَّرَاضِي

[حاشية الدسوقي]

تَوْلِيَةُ غَيْرِهِ لِلْعَقْدِ الْمُلْتَبِسَةِ بِعَدَمِ الْإِذْنِ وَبِعَدَمِ الصَّرْفِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ انْتِفَاءَ تَوْلِيَةِ الْغَيْرِ الْمُتَلَبِّسَةِ بِعَدَمِ الْإِذْنِ وَبِعَدَمِ الصَّرْفِ فِيمَا لَا يَلْزَمُ صَادِقٌ بِمَا إذَا تَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَوَلَّاهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَصَرَفَهُ فِيمَا يَلْزَمُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ تَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَوَلَّاهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ صَرَفَ الْعِوَضَ فِيمَا يَلْزَمُهُ لَكَانَ مُفِيدًا لِلْمُرَادِ بِلَا كُلْفَةٍ (قَوْلُهُ: وَصَرَفَهُ فِي غَيْرِ لَازِمِهِ) أَيْ وَحَالُ عَدَمِ صَرْفِهِ فِي غَيْرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَا يَمْنَعُ الْجَزَاءَ) هَذِهِ النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا إثْبَاتٌ لَا نُسْخَةُ ابْنِ غَازِيٍّ قَالَ ح وَاَلَّذِي فِي غَالِبِ النُّسَخِ وَشَرَحَ عَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ وَبَهْرَامُ إسْقَاطُ لَا فَعَلَى الْأَوْلَى يَكُونُ تَشْبِيهًا بِمَنْطُوقِ قَوْلِهِ وَتَصَدَّقَ بِالْعِوَضِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَكُونُ تَشْبِيهًا بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ إلَخْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ التَّصَدُّقِ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْأَرْشَ إنْ مَنَعَ عَيْبُهُ الْجَزَاءَ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَأَمَّا الشَّاةُ فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الْعَيْبُ الْإِجْزَاءَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ مَنَعَ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.

(قَوْلُهُ: لَكِنْ اعْتَمَدُوا أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ فَقَطْ) هَذَا صَحِيحٌ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُقَدِّمَاتِ لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالذَّبْحِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
اهـ. وَهَذَا فِي الْوُجُوبِ الَّذِي يُلْغِي طُرُوُّ الْعَيْبِ بَعْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِذَا نَذَرَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا عَيْبٌ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ وَالْتِزَامَهُ لَا يَرْفَعُ مَا طَلَبَ مِنْهُ الشَّارِعُ فِعْلَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ ذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ.
اهـ. بِخِلَافِ طُرُوِّ الْعَيْبِ فِي الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّحِيَّةِ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا بَلْ نَذْرُهَا يُوجِبُ ذَبْحَهَا، وَيَمْنَعُ بَيْعَهَا وَبَدَلَهَا.
اهـ. وَكَانَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ إسْقَاطُ النَّذْرِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وُجُوبِهَا بِالذَّبْحِ فَقَطْ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْوُجُوبِ الَّذِي لَا يَعْتَبِرُ طُرُوُّ الْعَيْبِ بَعْدَهُ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي النَّذْرِ، وَكَأَنَّهُ غَرَّهُ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الذَّخِيرَةِ الْمَشْهُورُ تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَالذَّبْحِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الذَّخِيرَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ الَّذِي مَنَعَ الْبَيْعَ لَا طُرُوُّ الْعَيْبِ وَبِمَا تَقَدَّمَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ح فَلَوْ نَذَرَهَا ثُمَّ تَعَيَّبَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: قَبْلَ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ النَّذْرِ وَالذَّبْحِ.
(قَوْلُهُ: وَصَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ) أَيْ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فَمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ، وَمُنِعَ الْبَيْعُ، وَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةَ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَنْذُورًا) فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ نَظَرَ ح فِي الْمَنْذُورَةِ إذَا ضَلَّتْ أَوْ حَبَسَهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ مَا يَفْعَلُ بِهَا وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْجَلَّابِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَبْحُهَا وَنَقَلَهُ طفى، وَيُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النَّذْرَ يَمْنَعُ الْبَدَلَ وَالْبَيْعَ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ الَّذِي حَبَسَهَا اخْتِيَارًا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ أَثِمَ، وَقَوْلُهُ دُونَ الْأَوَّلِ أَيْ، وَهُوَ مِنْ عَيْبِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ، وَقَوْلُهُ أَثِمَ أَيْ مُرْتَكِبٌ لِلْإِثْمِ قَبْلَ ذَلِكَ وَحَبْسُهُ لَهَا حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ الْمُرَادُ بِأَثِمَ أَنَّهُ فَاتَ ثَوَابُ السُّنَّةِ فَعَبَّرَ عَنْ الْمَكْرُوهِ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لَهُ كَمَا قَالُوا إنَّ الْمَكْرُوهَ حِجَابٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ الثَّانِي أَحْسَنُ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ يُبْعِدُ قَصْدَ الْفَقِيهِ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا فِي الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلٌ دُونَ الْأَوَّلِ.

(قَوْلُهُ: وَجَازَ لِلْوَارِثِ الْقَسْمُ) أَيْ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ الْبَيْعُ، وَلَا الْبَدَلُ عَلَى مَا مَرَّ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ، وَلَخَّصَهَا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَكْلِهَا أَهْلَ بَيْتِهِ عَلَى نَحْوِ أَكْلِهِمْ فِي حَيَاتِهِ، وَقِسْمَتُهَا عَلَى الْمِيرَاثِ ثَالِثُهَا يُقَسِّمُونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يَأْكُلُونَ سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعُ عِيسَى وَظَاهِرُ الْوَاضِحَةِ قُلْت: وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ قَالَ ح وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يُقَسِّمُونَهَا عَلَى الرُّءُوسِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالزَّوْجَةِ سَوَاءٌ لَا عَلَى الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ أَنَّهُ أَشْبَهُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
اهـ. وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ، وَعَزَاهُ ح لِابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّذِي عَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِظَاهِرِ -

لِأَنَّهَا بَيْعٌ عَلَى حَسَبِ الْمَوَارِيثِ (، وَلَوْ) (ذُبِحَتْ) قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ (لَا) يَجُوزُ (بَيْعٌ) لَهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الذَّبْحِ (فِي دَيْنٍ) عَلَى الْمَيِّتِ لِتَعَيُّنِهَا بِالذَّبْحِ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعَقِيقَةِ وَحُكْمِهَا فَقَالَ (وَنُدِبَ) لِأَبٍ مِنْ مَالِهِ (ذَبْحُ وَاحِدَةٍ) مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (تُجْزِئُ ضَحِيَّةً) فَشَرْطُهَا مِنْ سِنٍّ، وَعَدَمِ عَيْبِ صِحَّةٍ، وَكَمَالٍ كَالضَّحِيَّةِ (فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ) وَسَقَطَتْ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا بِغُرُوبِ السَّابِعِ (نَهَارًا) مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَنُدِبَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا) أَيْ يَوْمُ الْوِلَادَةِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ (إنْ سَبَقَ بِالْفَجْرِ) بِأَنْ وَلَدَهُ بَعْدَهُ فَإِنْ وُلِدَ مَعَهُ حُسِبَ (وَ) نُدِبَ، وَلَوْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ حَلَقُ رَأْسَ الْمَوْلُودِ، وَلَوْ أُنْثَى، وَ (التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ تَحَرَّى زِنَتَهُ (وَجَازَ) (كَسْرُ عِظَامِهَا) ، وَلَا يُنْدَبُ، وَقِيلَ يُنْدَبُ لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ كَانُوا لَا يَكْسِرُونَ عِظَامَهَا، وَإِنَّمَا يَقْطَعُونَهَا مِنْ الْمَفَاصِلِ مَخَافَةَ مَا يُصِيبُ الْوَلَدَ بِزَعْمِهِمْ فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ (وَكُرِهَ) (عَمَلُهَا وَلِيمَةً) يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا بَلْ تُطْبَخُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَغَيْرُهُمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ، وَلَا حَدَّ فِي الْإِطْعَامِ مِنْهَا وَمِنْ الضَّحِيَّةِ بَلْ يَأْكُلُ مِنْهَا مَا شَاءَ، وَيَتَصَدَّقُ، وَيُهْدِي بِمَا شَاءَ (وَ) كُرِهَ (لَطْخُهُ بِدَمِهَا) خِلَافًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ بِدَمِهَا (وَ) كُرِهَ (خِتَانُهُ يَوْمَهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ زَمَانَ أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ فِي الذُّكُورِ سُنَّةٌ، وَأَمَّا خِفَاضُ الْأُنْثَى فَمَنْدُوبٌ وَيُنْدَبُ أَنْ لَا تَنْهِكَ أَيْ لَا تَجُورَ فِي قَطْعِهَا الْجِلْدَةَ.

(بَابٌ) (الْيَمِينُ تَحْقِيقٌ) أَيْ تَقْرِيرُ وَتَثْبِيتُ (مَا) أَيِّ أَمْرٍ (لَمْ يَجِبْ) عَقْلًا أَوْ عَادَةً فَدَخَلَ الْمُمْكِنُ عَادَةً، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُمْتَنِعًا شَرْعًا نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ أَوْ لَا أَدْخُلُهَا أَوْ لَأُصَلِّيَنَّ الصُّبْحَ أَوْ لَا أُصَلِّيهَا أَوْ لَأَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَا أَشْرَبُهُ وَالْمُمْكِنُ عَقْلًا وَلَوْ امْتَنَعَ عَادَةً نَحْوُ لَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ، وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ، وَيَحْنَثُ فِي هَذَا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا الْعَزْمُ عَلَى الضِّدِّ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ وَدَخَلَ الْمُمْتَنِعُ عَقْلًا نَحْوُ لَأَجْمَعَنَّ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَلَأَقْتُلَنَّ زَيْدًا الْمَيِّتَ بِمَعْنَى إزْهَاقِ رُوحِهِ وَيَحْنَثُ فِي هَذَا أَيْضًا بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ لِمَا مَرَّ فَالْمُمْتَنِعُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً إنَّمَا يَأْتِي فِيهِ صِيغَةُ الْحِنْثِ كَمَا مَثَّلْنَا، وَأَمَّا صِيغَةُ الْبِرِّ نَحْوُ لَا أَشْرَبُ الْبَحْرَ، وَلَا أَجْمَعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ دَائِمًا ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْفِعْلُ

[حاشية الدسوقي]

الْوَاضِحَةِ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا بَيْعٌ) أَيْ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَا فِي كُلِّهَا، وَلَا بَعْضِهَا قَوْلُهُ: (وَلَوْ ذُبِحَتْ) يَعْنِي أَنَّ لِلْوَرَثَةِ الْقَسْمَ سَوَاءٌ مَاتَ بَعْدَ أَنْ ذُبِحَتْ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُذْبَحَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوجِبَهَا، وَفَعَلَ الْوَرَثَةُ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ مِنْ الذَّبْحِ، وَأَمَّا إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوجِبَهَا، وَلَمْ يَفْعَلْ الْوَارِثُ الْمُسْتَحَبَّ فَهِيَ كَمَالٍ مِنْ أَمْوَالِهِ (قَوْلُهُ: لَا بَيْعَ بَعْدَهُ فِي دَيْنٍ) يَعْنِي أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَا تُبَاعُ بَعْدَ الذَّبْحِ فِي دَيْنٍ عَلَى مُفْلِسٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ فَلَا مَفْهُومَ لِلْمَيِّتِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُذْبَحْ فَلِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهَا فِي الدَّيْنِ، وَلَوْ كَانَتْ مَنْذُورَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّيْنِ سَابِقًا عَلَى نَذْرِهَا أَوْ طَارِئًا عَلَيْهِ.

[الْعَقِيقَة وَحُكْمهَا]

(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ ذَبْحُ وَاحِدَةٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلُودُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى خِلَافًا لِمَنْ كَانَ يَعُقُّ عَنْ الْأُنْثَى بِوَاحِدَةٍ، وَعَنْ الذَّكَرِ بِاثْنَيْنِ فَلَوْ وُلِدَ تَوْأَمَانِ فِي بَطْنٍ وَاحِدَةٍ عَقَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوَاحِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَسَقَطَتْ بِمُضِيِّ زَمَنِهَا إلَخْ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِيهِ، وَقِيلَ إنَّهَا لَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ بَلْ تُفْعَلُ فِي الْأُسْبُوعِ الثَّانِي فَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ فَفِي الْأُسْبُوعِ الثَّالِثِ، وَلَا تُفْعَلْ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) فِي ح نَقْلًا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْوَقْتَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ.
مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مِنْ الضَّحْوَةِ لِلزَّوَالِ.
وَمَكْرُوهٌ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَمَمْنُوعٌ، وَهُوَ الذَّبْحُ بِاللَّيْلِ فَلَا تُجْزِي إذَا ذُبِحَتْ فِيهِ (قَوْلُهُ: إنْ سَبَقَ) أَيْ الْمَوْلُودُ بِالْفَجْرِ (قَوْلُهُ: وَنُدِبَ التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ) أَيْ فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ قَبْلَ الْعَقِيقَةِ فِيمَنْ يُعَقُّ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ) فِيهِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَحْصُلُ بِجَوَازِ الْكَسْرِ نَعَمْ فِي النَّدْبِ شِدَّةُ مُخَالَفَةٍ، وَقَوْلُهُ مَخَافَةَ مَا يُصِيبُ الْوَلَدَ أَيْ مِنْ كَسْرِ عِظَامِهِ، وَقَوْلُهُ بِنَقِيضِ ذَلِكَ أَيْ، وَهُوَ جَوَازُ الْكَسْرِ (قَوْلُهُ: وَكُرِهَ عَمَلُهَا وَلِيمَةً) أَيْ، وَأَمَّا ذَبْحُ شَاةٍ أُخْرَى وَغَيْرِهَا، وَعَمَلُهَا وَلِيمَةً فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ جِيرَانًا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَيَتَصَدَّقُ، وَيُهْدِي بِمَا شَاءَ) أَيْ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا وَالْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَوْلَى فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَكْلِهَا فِي الْبَيْتِ كَفَى (قَوْلُهُ: مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ) أَيْ تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يَصِيرُ شُجَاعًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْخِتَانُ (قَوْلُهُ: فِي قَطْعِهَا الْجِلْدَةَ) أَيْ لِأَجْلِ تَمَامِ اللَّذَّةِ.

[بَابُ الْأَيْمَانِ]

ِ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجِبْ) أَيْ لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الضِّدِّ يُتَصَوَّرُ كَأَنْ يَعْزِمَ عَلَى عَدَمِ شُرْبِ الْبَحْرِ، وَعَلَى عَدَمِ صُعُودِ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ فَالْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إزْهَاقِ رُوحِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُمْتَنِعٌ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ -

وَخَرَجَ الْوَاجِبُ الْعَادِيُّ وَالْعَقْلِيُّ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَحَيُّزِ الْجُرْمِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ إنَّ الْجُرْمَ مُتَحَيَّزٌ فَهُوَ صَادِقٌ، وَإِنْ قَالَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فَهُوَ غَمُوسٌ فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْيَمِينِ الَّتِي تُكَفَّرُ (بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَحْقِيقٍ فَهَذَا مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ وَشَمَلَ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (أَوْ صِفَتِهِ) الذَّاتِيَّةِ كَالْعِلْمِ، وَكَذَا الْقِدَمُ وَالْبَقَاءُ وَالْوَحْدَانِيَّةُ، وَكَذَا الْمَعْنَوِيَّةُ لَا صِفَةُ الْفِعْلِ كَخَلْقِهِ وَرِزْقِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ وَجَمَاعَةٍ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ الْقَسَمُ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَالْتِزَامِ مَنْدُوبٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةُ نَحْوُ إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ كَإِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّوْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ لَيْسَا مِنْ الْيَمِينِ، وَعَلَيْهِ فَهُمَا مِنْ الِالْتِزَامَاتِ لَا الْيَمِينِ (كَبِاللَّهِ) وَوَاللَّهِ وَتَاللَّهِ (وَهَاللَّهُ) بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَإِقَامَةِ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ (وَأَيْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِهَا أَيْ بَرَكَتُهُ، وَأَصْلُهَا أَيْمَنُ اللَّهِ (وَحَقِّ اللَّهِ) إذَا أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ كَعَظَمَتِهِ لَا إنْ أَرَادَ بِهِ حَقَّهُ عَلَى عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ (وَالْعَزِيزِ) مِنْ عَزِيزٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ إذَا غَلَبَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَثَلٌ وَبِكَسْرِهَا إذَا قَلَّ حَتَّى لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ (وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَكَفَالَتِهِ) أَيْ الْتِزَامِهِ، وَيَرْجِعُ لِكَلَامِهِ كَالْوَعْدِ بِالثَّوَابِ (وَكَلَامِهِ) (وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ) مَا لَمْ يَنْوِ النُّقُوشَ أَوْ هِيَ مَعَ الْأَوْرَاقِ.

(وَإِنْ) (قَالَ) الشَّخْصُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ثُمَّ قَالَ (أَرَدْت) بِقَوْلِيِّ بِاَللَّهِ (وَثِقْتُ) أَوْ اعْتَصَمْتُ (بِاَللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْت) أَيْ اسْتَأْنَفْت قَوْلِي (لَأَفْعَلَنَّ) ، وَلَمْ أَقْصِدْ الْيَمِينَ (دُيِّنَ) أَيْ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ (لَا بِسَبَقِ لِسَانِهِ) مُخْرَجٌ مِنْ مُقَدَّرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ دُيِّنَ يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَيْ لَا تَلْزَمُهُ يَمِينٌ بِذَلِكَ لَا بِسَبَقِ لِسَانِهِ فِي الْيَمِينِ يَعْنِي غَلَبَةَ جَرَيَانِهِ عَلَى لِسَانِهِ نَحْوَ لَا وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا وَاَللَّهِ مَا فَعُلَتْ كَذَا فَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ، وَلَيْسَ بِسَبَقِ اللِّسَانِ الْتِفَاتُهُ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ النُّطْقِ بِغَيْرِهِ إذْ هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَدِينُ

(وَكَعِزَّةِ اللَّهِ) أَرَادَ بِهَا صِفَتَهُ الْقَدِيمَةَ الَّتِي هِيَ مَنَعَتُهُ وَقُوَّتُهُ (وَأَمَانَتِهِ) أَيْ تَكْلِيفِهِ مِنْ إيجَابٍ وَتَحْرِيمٍ فَهِيَ تَرْجِعُ لِكَلَامِهِ (وَعَهْدِهِ) أَيْ إلْزَامِهِ وَتَكَالِيفِهِ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ (وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ) فَإِنَّهَا يَمِينٌ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ) بِعِزَّةِ اللَّهِ، وَمَا بَعْدَهُ الْمَعْنَى (الْمَخْلُوقَ) فِي الْعِبَادِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: 180] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 125] ، فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا يَمِينٌ.

(وَكَأَحْلِفُ وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ) لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهِيَ أَيْمَانٌ

[حاشية الدسوقي]

لِلْحَاصِلِ، وَأَمَّا قَتْلُهُ بِمَعْنَى حَزِّ رَقَبَتِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ عَادَةً (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ الْوَاجِبُ) أَيْ خَرَجَ مَا وُقُوعُهُ وَاجِبٌ عَقْلًا أَوْ عَادَةً فَلَا يَكُونُ تَحْقِيقُ وُقُوعِهِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُحَقَّقٌ فِي نَفْسِهِ وَالْمُرَادُ تَحْقِيقُ وُقُوعِ مَا لَمْ يَجِبْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَاصَّةً، وَأَوْرَدَ تت عَلَى الْمُصَنِّفِ عَدَمَ شُمُولِهِ لِلَّغْوِ وَالْغَمُوسِ إذَا تَعَلَّقَا بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمِينٌ، وَرَدَّهُ طفى بِأَنَّ تَعْرِيفَهُ الْمَذْكُورَ لِلْيَمِينِ الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ لَا لِمُطْلَقِ الْيَمِينِ، وَاللَّغْوُ وَالْغَمُوسُ إذَا تَعَلَّقَا بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا (قَوْلُهُ: وَشَمَلَ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّ اسْمَ فِي كَلَامِهِ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ، وَأَرَادَ بِالِاسْمِ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، سَوَاءٌ دَلَّ عَلَيْهَا وَحْدَهَا كَالْجَلَالَةِ أَوْ مَعَ صِفَةٍ كَالْخَالِقِ وَالْقَادِرِ وَالرَّازِقِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ) أَيْ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ امْتِنَاعُ النَّفْسِ مِنْ الْفِعْلِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ النَّذْرُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ دِينَارٌ صَدَقَةً فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْقُرْبَةُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ نَحْوَ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ (قَوْلُهُ: وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ) هَذَا يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ نَحْوَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلَتْ كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَيُقَيَّدُ الْإِنْشَاءُ بِمَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ بِأَنْ يُقَالَ وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ، وَإِلَّا تَدَاخَلَ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءِ حَالَ كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ (قَوْلُهُ: كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ إذَا دَخَلَتْ وَجَبَ الطَّلَاقُ بِسَبَبِ إنْشَاءِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لِلطَّلَاقِ كَفَّارَةٌ (قَوْلُهُ: لَا إنْ أُرِيدَ بِهِ حَقُّهُ) أَيْ لَا إنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِ الْحُقُوقَ الَّتِي لَهُ عَلَى عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِي عبق أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا مِثْلَ مَا إذَا أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ كَالْعَظَمَةِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ الْأُلُوهِيَّةَ، وَاَلَّذِي فِي عج أَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَا يَكُونُ يَمِينًا وَتَبِعَهُ شب.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْمَنَ اللَّهِ قَسَمٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ، وَهُوَ الْوَاوُ أَوْ لَا بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا إذَا ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ؛ لِأَنَّ أَيْمَنَ تُعُورِفَ فِي الْيَمِينِ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَفِي بْن الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ، وَأَيْمُ اللَّهِ فِي جَوَازِ إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا فَتَكُونُ مُقَدَّرَةً (قَوْلُهُ: وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ) هَاتَانِ الصِّفَتَانِ رَاجِعَتَانِ لِلْقُدْرَةِ، وَقِيلَ إنَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَى الْقَدِيمُ الْقَائِمُ بِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِمَا الْعَظَمَةَ وَالْجَلَالَ أَيْ الْمَهَابَةَ اللَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا يَمِينٌ (قَوْلُهُ: أَوْ هِيَ مَعَ الْأَوْرَاقِ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْحَادِثِ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ قُرْآنًا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْقَدِيمِ قُرْآنًا.

(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ) أَيْ، وَلَوْ تَحَقَّقَ سَبْقُ لِسَانِهِ.

(قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إلَخْ) الْأَوْلَى كَأَنْ يُرِيدَ بِالْعِزَّةِ الْمَنَعَةَ وَالْقُوَّةَ الَّتِي خَلَقَهَا فِي السَّلَاطِينِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَيُرِيدُ بِأَمَانَةِ اللَّهِ أَمَانَتُهُ الَّتِي خَلَقَهَا فِي زَيْدٍ الْمُضَادَّةِ لِلْخِيَانَةِ، وَيُرِيدُ بِالْعَهْدِ مَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ كَتَطْهِيرِ الْبَيْتِ الَّذِي عَاهَدَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ (قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُمْ فَسَرُّوا

(إنْ نَوَى) بِاَللَّهِ لَا إنْ لَمْ يَنْوِهِ (وَأَعْزِمُ) أَوْ عَزَمْتُ (إنْ قَالَ بِاَللَّهِ) لَا إنْ لَمْ يَقُلْ، وَلَوْ نَوَى لِأَنَّ مَعْنَى أَعْزِمُ أَقْصِدُ، وَأَهْتَمُّ، وَتَقْيِيدُهُ بِاَللَّهِ يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ.

(وَفِي أُعَاهِدُ اللَّهَ) لَأَفْعَلَنَّ أَوْ لَا فَعَلْتُ (قَوْلَانِ) أَظْهَرُهُمَا لَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ مُعَاهَدَةَ الشَّخْصِ رَبَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ وَعَطَفَ عَلَى بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ قَوْلَهُ: (لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا) (وَ) لَا بِقَوْلِهِ (عَزَمْتُ عَلَيْك بِاَللَّهِ) إلَّا مَا فَعَلْت كَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ (وَ) لَا بِقَوْلِهِ (حَاشَا اللَّهَ) مَا فَعَلْت (وَمَعَادِ اللَّهِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَوْدِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ وَبِالْمُعْجَمَةِ مِنْ الْإِعَادَةِ أَيْ التَّحْصِينِ وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ (وَ) لَا بِقَوْلِهِ (اللَّهُ رَاعٍ أَوْ) اللَّهُ (كَفِيلٌ) أَوْ، وَكِيلٌ أَوْ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَا الْإِنْشَاءِ.

(وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ) وَالرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَسِرِّ الْإِمَامِ وَالْوَلِيِّ فُلَانٍ مِنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ مُعَظَّمٍ شَرْعًا فَعَلْتُ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، وَفِي حُرْمَةِ الْحَلِفِ بِذَلِكَ، وَكَرَاهَتِهِ وَهُوَ صَادِقٌ قَوْلَانِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالسُّلْطَانِ أَوْ نِعْمَةِ السُّلْطَانِ أَوْ بِرَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ أَبِيهِ أَوْ تُرْبَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحَرَامٌ قَطْعًا.

(وَ) لَا بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ (كَالْخَلْقِ) وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ (وَالْإِمَاتَةِ) وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ فَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ الْمَقْدُورِ

(أَوْ) قَالَ (هُوَ يَهُودِيٌّ) أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ أَوْ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ فَعَلَ كَذَا ثُمَّ فَعَلَهُ فَلَا شَيْءَ لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فِرِدَّةٌ، وَلَوْ هَازِلًا (وَ) لَا كَفَّارَةَ فِي كُلِّ يَمِينٍ (غَمُوسٍ) تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِغَمْسِهَا صَاحِبَهَا فِي النَّارِ أَيْ لِكَوْنِهَا سَبَبًا فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْغَمْسَ فِي النَّارِ، وَفَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ (بِأَنْ شَكَّ) الْحَالِفُ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ ظَنَّ) ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ، وَأَوْلَى إنْ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ (وَحَلَفَ) شَاكًّا أَوْ ظَانًّا أَوْ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ (بِلَا تَبَيُّنِ صِدْقٍ) فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا وَفِيهِ نَظَرٌ

[حاشية الدسوقي]

الْأَمَانَةَ بِالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْإِلْزَامَاتُ، نَحْوُ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ إلَخْ، وَهِيَ تَرْجِعُ لِكَلَامِهِ تَعَالَى الْقَدِيمِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾ [البقرة: 125] إلَخْ إذْ مَعْنَاهُ أَلْزَمْنَاهُمَا بِالتَّظْهِيرِ وَحِينَئِذٍ فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الِاسْتِدْلَالَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمَانَةِ الْأَعْمَالُ الْمُكَلَّفُ بِهَا أَوْ الشَّهْوَةُ كَمَا هُوَ أَحَدُ التَّفَاسِيرِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِزَّةِ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ الَّتِي خَلَقَهَا فِي بَعْضِ خَلْقِهِ أَوْ أَنَّهَا حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ مُحِيطَةٌ بِالْعَرْشِ أَوْ بِجَبَلِ قَافٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَهْدِ الْأُمُورُ الَّتِي عَاهَدَهُمْ عَلَيْهَا، وَأَمَرَهُمْ بِهَا كَمَا قِيلَ.

(قَوْلُهُ: إنْ نَوَى بِاَللَّهِ) أَيْ، وَأَوْلَى إذَا نَطَقَ بِهِ الْمُرَادُ بِنِيَّتِهِ تَقْدِيرُهُ أَيْ إنْ قَدَّرَ هَذَا اللَّفْظَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ وَيُلَاحِظْهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لَا إنْ لَمْ يَقُلْ، وَلَوْ نَوَى) أَيْ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ النِّيَّةَ فِيهِ كَافِيَةٌ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَعْزِمُ إلَخْ.
وَحَاصِلُهُ أَنْ أَعْزِمَ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ أَسْأَلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْقَسَمِ احْتَاجَ فِي كَوْنِهِ قَسَمًا إلَى التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لِلْقَسَمِ كَانَتْ نِيَّةُ الْجَلَالَةِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِهَا فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ نَوَى بِهِمَا الْيَمِينَ، وَبِهِ قِيلَ، وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ مَحَلُّ كَوْنِهِمَا غَيْرَ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِمَا الْيَمِينَ

(قَوْلُهُ: وَهُوَ صَادِقٌ) أَيْ، وَأَلَّا يَكُنْ صَادِقًا كَانَ حَرَامًا قَطْعًا

(قَوْلُهُ: وَكَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ) عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، وَفَصَلَهُ بِالْكَافِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْيَمِينَ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، وَلَا بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، فَتَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِهَا لَيْسَ يَمِينًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ مِنْ الْأَسْمَاءِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ يَمِينٌ.

(قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ، وَلَا يَرْتَدُّ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا عَلَّقَ لِقَصْدِهِ بِذَلِكَ إنْشَاءَ الْيَمِينِ لَا إخْبَارَهُ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَرِدَّةٌ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَوْلُهُ، وَلَوْ هَازِلًا أَوْ جَاهِلًا (قَوْلُهُ: وَغَمُوسٌ) قَالَ اللَّقَانِيُّ مُخْرَجٌ مِمَّا فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ الْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، وَلَا بِغَمُوسٍ (قَوْلُهُ: تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ) أَيْ، وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَالِ أَوْ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تُسَمَّى غَمُوسًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْغَمُوسَ تُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهَا كَفَّارَةُ أَمْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ اللَّغْوُ اسْمٌ لِلْمَفْهُومِ الْآتِي وَجَبَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ كَذَا نَقُلْ شَيْخُنَا عَنْ عج (قَوْلُهُ: بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ) أَيْ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي مَجِيءِ زَيْدٍ أَمْسِ، وَعَدَمِ مَجِيئِهِ ثُمَّ حَلَفَ مَعَ شَكِّهِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ جَاءَ وَحَلَفَ أَنَّهُ جَاءَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ بِأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَا إذَا عَلِمَ عَدَمَ مَجِيئِهِ وَحَلَفَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ لَمْ يَكُنْ غَمُوسًا) أَيْ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ، قَالَ عج: وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ عَتَّابٍ لَفْظَ الْعُتْبِيَّةِ فِيمَا يُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى أَنَّهُ وَافَقَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الظَّاهِرِ لَا أَنَّ إثْمَ الْجَرَاءَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُهُ إلَّا التَّوْبَةُ، قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ إلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ.
اهـ. بْن فَقَوْلُ الشَّارِحِ لَمْ تَكُنْ غَمُوسًا أَيْ فَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ مُسْتَمِرَّةٌ بَلْ تَنْقَطِعُ، وَقَوْلُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْ فَإِنَّ إثْمَ الْجَرَاءَةِ

كَذَا إنْ قَوِيَ الظَّنُّ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الشَّهَادَاتِ وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ، وَكَذَا إذَا قَالَ فِي يَمِينِهِ فِي ظَنِّيٍّ (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) وُجُوبًا بِأَنْ يَعْزِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ نَادِمًا عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي هُوَ يَهُودِيٌّ، وَمَا بَعْدَهُ (وَإِنْ) (قَصَدَ) فِي حَلِفِهِ (بِكَالْعُزَّى) مِنْ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (التَّعْظِيمَ) مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ (فَكُفْرٌ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فَحَرَامٌ.

(وَلَا) كَفَّارَةَ فِي يَمِينٍ (لَغْوٍ) فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى غَمُوسٍ أَيْ لَا بِغَمُوسٍ، وَلَا لَغْوٍ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ أَوْ حَالٍ بِأَنْ حَلَفَ (عَلَى مَا) أَيْ عَلَى شَيْءٍ (يَعْتَقِدُهُ) أَيْ يَجْزِمُ بِهِ (فَظَهَرَ) لَهُ (نَفْيُهُ) فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْمُسْتَقْبَلِ كُفِّرَتْ كَالْغَمُوسِ، فَاللَّغْوُ وَالْغَمُوسُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا إنْ تَعَلَّقَا بِمَاضٍ، وَفِيهِمَا الْكَفَّارَةُ إنْ تَعَلَّقَا بِالْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ تَعَلَّقَا بِالْحَالِ كُفِّرَتْ الْغَمُوسُ دُونَ اللَّغْوِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْأُجْهُورِيِّ: كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا ... لَغْوٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا (وَلَمْ يُفِدْ) لَغْوُ الْيَمِينِ (فِي غَيْرِ) الْحَلِفِ بِ (اللَّهِ) وَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ مَشْيٍ لِمَكَّةَ فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ خِلَافُهُ لَزِمَهُ.

(كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ) فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَيُفِيدُ فِي اللَّهِ، وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ فَإِنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَزِمَهُ، وَإِنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا فَعَلْت كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ نَفَعَهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (إنْ قَصَدَهُ) أَيْ قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْ حَلَّ الْيَمِينِ إلَّا إنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا (كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ يُرِيدُ أَوْ يَقْضِي عَلَى الْأَظْهَرِ) فِي الْأَخِيرَيْنِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَلَا يُفِيدُ فِي غَيْرِهِ (وَأَفَادَ) الِاسْتِثْنَاءُ (بِكَإِلَّا) مِنْ خَلَا، وَعَدَا وَحَاشَا وَلَيْسَ، وَلَا يَكُونُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَايَةٍ (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ فِي جَمِيعِ مُتَعَلِّقَاتِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ مُسْتَقْبَلَةً أَوْ مَاضِيَةً كَانَتْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً أَوْ غَمُوسًا كَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَشْرَبَ الْبَحْرَ ثُمَّ اسْتَثْنَى نَحْوَ إلَّا أَكْثَرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى الْجَمِيعِ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً لَكِنْ يَخُصُّ الِاسْتِثْنَاءَ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ الْمَشِيئَةِ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَعُمُّهَا وَغَيْرَهَا نَحْوُ لَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَكْثَرَهُ.

ثُمَّ أَشَارَ لِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاء الْأَرْبَعَةِ بِقَوْلِهِ (إنْ اتَّصَلَ) الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنْ انْفَصَلَ لَمْ يُفِدْ

[حاشية الدسوقي]

لَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ، وَإِنَّمَا تُزِيلُهُ التَّوْبَةُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ قَوِيَ الظَّنُّ) أَيْ لَمْ يَكُنْ غَمُوسًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا قَالَ إلَخْ) أَيْ، وَكَذَا لَا يَكُونُ غَمُوسًا إذَا لَمْ يَقْوَ ظَنُّهُ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ صِدْقُهُ، وَلَكِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ فِي ظَنِّي، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ قَوْلَهُ بِأَنْ شَكَّ مُقَيَّدٌ بِقَيْدٍ، وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِمَاضٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ ظَنَّ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثِ قُيُودٍ تَعَلُّقُهَا بِمَاضٍ، وَعَدَمُ قُوَّةِ الظَّنِّ، وَعَدَمُ قَوْلِهِ فِي يَمِينِهِ فِي ظَنِّي (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ بَكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ إلَخْ) أَدْخَلَ بِالْكَافِ كُلَّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِثْلُ الْلَاتِ وَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ، وَمَا نُسِبَ لَهُ فِعْلٌ كَالْأَزْلَامِ، وَهِيَ الْأَقْدَاحُ وَاحِدُهَا زَلَمٌ كَجَمَلٍ فَكَانُوا إذَا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلَاثَةَ أَقْدَاحٍ مَكْتُوبٌ عَلَى أَوَّلِهَا أَمَرَنِي رَبِّي، وَعَلَى الثَّانِي نَهَانِي رَبِّي، وَعَلَى الثَّالِثِ غُفْلَ وَالْمُرَادُ بِضَرْبِهَا تَحْرِيكُهَا فِي كِيسٍ مِنْ جِلْدٍ فَإِنْ خَرَجَ الْأَوَّلُ مَضَى، وَإِنْ خَرَجَ الثَّانِي تَرَكَ، وَإِنْ خَرَجَ الثَّالِثُ أَعَادُوا الضَّرْبَ (قَوْلُهُ: مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ) ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ بِالْحَلِفِ بِهَا تَعْظِيمَهَا لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَفَرَ فِي الْأَصْنَامِ

(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ) الْمُرَادُ بِهِ النَّذْرُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَخْرَجًا فَإِذَا قَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ فِي الدَّارِ فَعَلَيَّ نَذْرٌ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَالِفَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ فِي الدَّارِ وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ، وَمَا بَعْدَهُ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ خِلَافُهُ لَزِمَهُ ابْنُ رُشْدٍ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ لَقَدْ دَفَعَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ لِبَائِعِهَا فَبَانَ أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ لِأَخِيهِ فَقَالَ مَا كُنْت ظَنَنْت أَنِّي دَفَعْته إلَّا لِلْبَائِعِ قَالَ مَالِكٌ يَحْنَثُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَيُفِيدُ اللَّغْوَ فِيهَا فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] الْمُرَادُ بِهَا الْأَيْمَانَ الشَّرْعِيَّةَ، وَهِيَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْمَشْيُ وَالصَّدَقَةُ فَلَيْسَتْ أَيْمَانًا شَرْعِيَّةً، وَإِنَّمَا هِيَ إلْزَامَاتٌ، وَلِذَلِكَ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمَا حُرُوفُ الْقَسَمِ، وَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مَمْنُوعًا

(قَوْلُهُ: كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ) إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ (قَوْلُهُ: وَيُفِيدُ فِي اللَّهِ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ غَمُوسًا، وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ الْإِثْمِ (قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَهُ) هَذَا شَرْطٌ فِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ الْإِفَادَةُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ (قَوْلُهُ: فِي الْأَخِيرَيْنِ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ أَوْ يَقْضِي اللَّهُ لَا يَنْفَعُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بِكَإِلَّا) أَيْ بِإِلَّا، وَمَا مَاثَلَهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوَ لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ مَا خَلَا اللَّهَ أَوْ مَا حَاشَا اللَّهَ أَوْ مَا عَدَا اللَّهَ أَوْ لَيْسَ اللَّهُ أَوْ لَا يَكُونُ اللَّهُ (قَوْلُهُ: مِنْ شَرْطٍ) نَحْوُ لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ إنْ كَانَ فِيهَا أَوْ لَا أَدْخُلُ دَارِهِ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ فِي هَذَا الشَّهْرِ (قَوْلُهُ: مُسْتَقْبَلَةً) أَيْ نَحْوَ وَاَللَّهِ لَا تَطْلُعُ

كَانَ مَشِيئَةً أَوْ غَيْرَهَا (إلَّا لِعَارِضٍ) لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ كَسُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ انْقِطَاعِ نَفْسٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ لَا لِتَذَكُّرٍ وَرَدِّ سَلَامٍ وَنَحْوِهِمَا فَيَضُرُّ (وَنَوَى الِاسْتِثْنَاءَ) أَيْ نَوْعَ النُّطْقِ بِهِ إلَّا إنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا فَلَا يُفِيدُ مَشِيئَةً أَوْ غَيْرَهَا (وَقَصَدَ) بِهِ حَلَّ الْيَمِينِ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلَوْ بِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ لَهُ لَا إنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ كَإِلَّا (وَنَطَقَ بِهِ، وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ) ، وَمَحَلُّ نَفْعِهِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ فِي حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ شَرْطٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدِ بَيْعٍ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حِينَئِذٍ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَنَطَقَ بِهِ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ أَيْ فِي كُلِّ يَمِينٍ.

قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يَعْزِلَ) أَيْ يَخْرُجَ الْحَالِفُ (فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النُّطْقِ وَتَكْفِي النِّيَّةُ، وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ (كَالزَّوْجَةِ يَعْزِلُهَا أَوَّلًا فِي) الْحَلِفِ بِقَوْلِهِ (الْحَلَالُ) أَوْ كُلُّ حَلَالٍ (عَلَيَّ حَرَامٌ) لَا أَفْعَلُ كَذَا وَفَعَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ إخْرَاجٌ لِمَا دَخَلَ فِي الْيَمِينِ أَوَّلًا فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا عَمَّا لَوْ طَرَأَتْ النِّيَّةُ لَهُ بَعْدَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فَلَا يَكْفِي، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ نُطْقًا مُتَّصِلًا وَقَصَدَ حَلَّ الْيَمِينِ ثُمَّ نِيَّةُ مَا عَدَاهَا لَا تُوجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ كَمَا يَأْتِي فَالْكَافُ فِي كَالزَّوْجَةِ زَائِدَةٌ أَوْ لِإِدْخَالِ الْأَمَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا كَالزَّوْجَةِ

[حاشية الدسوقي]

الشَّمْسُ غَدًا إلَّا أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً.

[الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمِين وَشَرَائِطه]

(قَوْلُهُ: كَانَ مَشِيئَةً) أَيْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَشِيئَتَهُ أَيْ كَانَ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا (قَوْلُهُ: لَا لِتَذَكُّرِ) أَيْ لَا إنْ فَصَلَ لِتَذَكُّرِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ إلَخْ) أَيْ هَذَا إذَا قَصَدَ حِلَّ الْيَمِينِ مِنْ أَوَّلِ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ بَلْ، وَلَوْ قَصَدَ حِلَّ الْيَمِينِ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِاتِّفَاقٍ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَخِيرِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّتِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَالْبَاجِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَالْمَشْهُورُ.
اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَنْوِيَ أَوَّلًا إدْخَالَ مَا أَخْرَجَهُ آخِرًا بِالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ نَوَى إدْخَالَهُ أَوَّلًا ثُمَّ إخْرَاجَهُ ثَانِيًا فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ كَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَنَصُّهُ لَوْ قَصَدَ أَوَّلًا إدْخَالَ الزَّوْجَةِ مَعَ غَيْرِهَا لَمْ يُفِدْ اسْتِثْنَاؤُهُ إيَّاهَا بِحَالٍ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلَوْ بِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: بِتَذْكِيرٍ إلَخْ أَيْ كَمَا يَقَعُ لِمَنْ يَقُولُ لِلْحَالِفِ قُلْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيُوصِلُ النُّطْقَ بِهَا عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ سِرًّا) لَوْ قَالَ، وَلَوْ سِرًّا إشَارَةٌ إلَى الْخِلَافِ كَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ نَفْعِهِ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءِ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَنْفَعُهُ) أَيْ عِنْدَ سَحْنُونٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حِينَئِذٍ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ لَا يَرْضَى بِاسْتِثْنَائِهِ وَخَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقَالَ يَنْفَعُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا ذَكَرَ فَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ حَقَّ الْغَيْرِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَ الْبَرْمُونِيُّ.

(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْزِلَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّتِهِ قَبْلَ حَلِفِهِ شَيْئًا مِنْ يَمِينِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلنُّطْقِ بِمَا أَخْرَجَهُ بِنِيَّتِهِ وَتَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْإِخْرَاجِ، وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَزْلِ وَالْإِخْرَاجِ أَوْ لَا يَحْلِفُ، وَيُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ الْعَزْلَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ الِانْقِطَاعُ إذْ لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا لَكَانَ الْمُرَادُ بِالْمُحَاشَاةِ إخْرَاجَهُ أَوْ لَا بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَكِنْ نِيَّةً لَا نُطْقًا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ إخْرَاجُهُ بِالْقَلْبِ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُحَاشَاةُ بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ فَمَتَى نَوَى الْإِخْرَاجَ بِالْأَدَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ فِي جَعْلِ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ الْيَمِينِ مُحَاشَاةً (قَوْلُهُ: فِي يَمِينِهِ أَوْ لَا) اعْلَمْ أَنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ الْمُحَاشَاةَ أَصْلُهُ لِابْنِ مُحْرِزٍ وَتَبِعَهُ اللَّخْمِيُّ، وَفَسَّرَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ الْمُدَوَّنَةَ، وَقَبِلَهُ ابْنُ نَاجِيٍّ عَلَيْهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ح. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصِّصَةَ إنْ كَانَتْ أَوَّلًا نَفَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَثْنَاءِ لَمْ تَنْفَعْهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاعْتَرَضَهُ طفى بِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْأَوَّلِيَّةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ النِّيَّةَ إذَا كَانَتْ فِي الْأَثْنَاءِ فَإِنَّهَا تَنْفَعُ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمُحَاشَاةُ هِيَ التَّخْصِيصُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانَ فَلَيْسَتْ الْمُحَاشَاةُ شَيْئًا غَيْرَ التَّخْصِيصِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ شَرْطُ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ حُصُولُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْيَمِينِ، وَهِيَ بَعْدَهُ لَغْوٌ، وَلَوْ وُصِلَتْ بِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَ ابْنِ مُحْرِزٍ مُقَابِلًا لِلْمَشْهُورِ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ النِّيَّةَ تَنْفَعُهُ إنْ وَقَعَتْ أَوَّلًا أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ وَنَسَبَ ابْنُ هَارُونَ هَذَا الْمَشْهُورَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَسَلَّمَ ابْنُ عَرَفَةَ لَهَا ذَلِكَ وَنَقَلَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا عَمَّا إذَا طَرَأَتْ إلَخْ فِيهِ مَيْلٌ لِذَلِكَ الْقَوْلِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ) أَيْ، وَهُوَ الْحَلَالُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ أُرِيدُ بِهِ الْخُصُوصَ أَيْ، وَهُوَ مَا عَدَا الزَّوْجَةَ فَهُوَ كُلِّيٌّ اُسْتُعْمِلَ ابْتِدَاءً فِي جُزْئِيٍّ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَغْوٌ (قَوْلُهُ: فَالْكَافُ فِي كَالزَّوْجَةِ زَائِدَةٌ) أَيْ وَالْأَصْلُ إلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا الزَّوْجَةَ فِي حَلِفِهِ بِقَوْلِهِ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحَاشَاةِ خَاصَّةٌ بِمَسْأَلَةِ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ لِلْكَافِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّمْثِيلِ، وَأَنَّ مَفْعُولَ يَعْزِلُ، وَهُوَ الْمُمَثِّلُ لَهُ مَحْذُوفٌ وَالْأَصْلُ إلَّا أَنْ يَعْزِلَ -

(وَ) مَسْأَلَةُ الْعَزْلِ هَذِهِ (هِيَ الْمُحَاشَاةُ) أَيْ الْمُسَمَّاةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ حَاشَى الزَّوْجَةَ أَوَّلًا أَيْ أَخْرَجَهَا مِنْ يَمِينِهِ.

وَلَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ يُشَارِكُهَا فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ فَيَكُونُ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يُسَمِّ لَهُ مَخْرَجًا كَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ (وَ) فِي (الْيَمِينِ) بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ يَمِينٌ (وَ) فِي (الْكَفَّارَةِ) أَيْ الْحَلِفِ بِهَا كَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ، وَفَعَلَهُ (وَ) فِي الْيَمِينِ (الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ) وَتُصَوَّرُ بِصِيغَتَيْنِ (بِإِنْ فَعَلْت) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ نَافِيَةٌ كَلَا (وَلَا فَعَلْت) وَالْمَعْنَى فِيهِمَا لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي، وَإِنَّمَا كَانَتْ مُنْعَقِدَةً عَلَى بِرٍّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (أَوْ) الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى (حِنْثٍ) ، وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِإِحْدَى صِيغَتَيْنِ (بِلَأَفْعَلَنَّ) كَذَا (أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ) كَذَا مَا أَقَمْت فِي هَذِهِ الدَّارِ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهَا (إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) أَيْ لَمْ يَضْرِبْ لِيَمِينِهِ أَجَلًا فَإِنْ أَجَّلَ نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فِيهِ فَلَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَهُوَ عَلَى بِرٍّ

[حاشية الدسوقي]

بِنِيَّتِهِ قَبْلَ حَلِفِهِ شَيْئًا مِنْ يَمِينِهِ كَالزَّوْجَةِ فِي حَلِفِهِ بِقَوْلِهِ الْحَلَالُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَأَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا.
قَالَ طفى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَسْأَلَةِ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِإِطْلَاقِهِمْ فِي أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصِّصَةَ لَا تُقْبَلُ مَعَ الْمُرَافَعَةِ، وَقَالُوا فِي الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ تُقْبَلُ الْمُحَاشَاةُ، وَلَوْ رَفَعَتْهُ النِّيَّةُ قُلْت قَدْ يُرَدُّ اسْتِدْلَالُهُ هَذَا بِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْقَائِلُ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ادَّعَى مُحَاشَاةَ زَوْجَتِهِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لِادِّعَاءِ خِلَافِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ كَحَالِفٍ لَا كَلَّمْت زَيْدًا، وَقَالَ نَوَيْت شَهْرًا وَتَصْدِيقُهُ فِي الزَّوْجَةِ اسْتِحْسَانٌ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْيَمِينِ.
اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فِي أَصْلِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُفِيدُ قَبُولَ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ فِي كُلِّ يَمِينٍ، وَقَوْلُهُ لِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ إلَخْ إشَارَةٌ لِمَا قُلْنَاهُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا عَزَلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا هَلْ يَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَزْلِ أَوْ لَا يَحْلِفُ، وَيُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ الْعَزْلَ.
قَوْلَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا أَفَادَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِإِطْلَاقِهِمْ قَبُولَ الْمُحَاشَاةِ وَتَفْصِيلُهُمْ فِي النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ كَمَا يَأْتِي، وَمَا ادَّعَاهُ طفى مِنْ تَخْصِيصِهَا بِالْحَلَالِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَإِنْ ادَّعَى اطِّرَادَهَا فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ اُنْظُرْ بْن.

[كَفَّارَة الْيَمِين]

(قَوْلُهُ: أَيْ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَهُ مَخْرَجًا) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهِ الْمَنْذُورَ أَمَّا لَوْ عَيَّنَ مَخْرَجَهُ بِاللَّفْظِ أَوْ النِّيَّةِ لَزِمَهُ مَا عَيَّنَهُ (قَوْلُهُ: كَعَلَيَّ نَذْرٌ إلَخْ) . اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَيَّ صِيغَةُ نَذْرٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلَّقَ أَوْ لَمْ يُعَلِّقْ، وَعَلَيَّ كَذَا صِيغَةُ نَذْرٍ إنْ لَمْ يُعَلِّقْ أَوْ عَلَّقَ عَلَى أَمْرٍ غَيْرِ مُكْتَسَبٍ لِلشَّخْصِ فَإِنْ عَلَّقَ عَلَى مُكْتَسَبٍ لِلشَّخْصِ فَهُوَ نَذْرٌ وَيَمِينٌ بِاعْتِبَارَيْنِ فَهُوَ نَذْرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ، وَيَمِينٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ بَلْ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْفِعْلِ، وَالْأَرْبَعَةُ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَقَوْلُهُ وَالْيَمِينُ وَالْكَفَّارَةُ أَيْ، وَفِي نَذْرِ الْيَمِينِ وَنَذْرِ الْكَفَّارَةِ فَيَنْدَرِجُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا الصُّوَرُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ، وَفِي الْحَلِفِ بِالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحَلِفِ بِالْيَمِينِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ الطَّلَاقَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ كَمَا فِي بْن عَنْ الْوَنْشَرِيسِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِعُرْفِ الْبُلْدَانِ الَّذِي تَعَارَفُوهُ فِي الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ الْبَتَاتَ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ، وَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ اسْتِعْمَالَهُ فِي الطَّلَاقِ فَقَطْ حُمِلَ عَلَى الرَّجْعِيِّ، وَعُرْفُ مِصْرَ إذَا قَالَ يَمِينُ سَفَهٍ كَانَ طَلَاقًا فَلَوْ جَمَعَ الْأَيْمَانَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَيْمَانٌ تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الْمَوَّاقِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ قَوْلٌ بِاتِّحَادِهَا لِتَكَرُّرِ صِيغَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ أَيْمَانٌ يَمِينًا وَاحِدَةً لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ نَصٌّ، وَإِنْ أَرَادَ اثْنَيْنِ فَتَرَدُّدٌ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّ الْجَمْعِ (قَوْلُهُ: أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا مَا أَقَمْتُ فِي هَذِهِ الدَّارِ) ظَاهِرُ صَنِيعِ الشَّارِحِ أَنَّ إنْ نَافِيَةٌ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ، وَشَرْطِيَّةٌ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ نَافِيَةٌ فِي الصِّيغَتَيْنِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا جَوَابٌ نَحْوُ وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ زَيْدًا، وَمَعْنَى الصِّيغَةِ الْأُولَى لَا أُكَلِّمُهُ، وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ لَا كَلَّمْته؛ لِأَنَّ إنْ نَافِيَةٌ، وَلَمْ نَافِيَةٌ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَالْفِعْلُ فِي الصِّيغَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا لَكِنَّ مَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَاَلَّذِي صَرَفَ الْمَاضِيَ لِلِاسْتِقْبَالِ الْإِنْشَاءُ إذْ الْحَلِفُ إنْشَاءٌ، وَإِنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ فَهِيَ شَرْطِيَّةٌ فِيهِمَا نَحْوُ وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَلَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَلَمْ أَضْرِبْ زَيْدًا مَا أَقَمْت فِي هَذِهِ الدَّارِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) هَذَا شَرْطٌ فِي كَوْنِ الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ صِيغَتَيْ حِنْثٍ لَا شَرْطَ فِي تَنْجِيزِ الْحِنْثِ عَلَيْهِ، وَلَا فِي قَوْلِهِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِطْعَامِ فِي لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ التَّأْجِيلِ.
وَحَاصِلُ مَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْحَالِفَ بِهَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى حِنْثٍ إذَا لَمْ يَضْرِبْ لِيَمِينِهِ أَجَلًا أَيْ بِأَنْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ نَحْوَ، وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أُكَلِّمْهُ لَكِنْ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمَوْتِ، وَمِنْ هَذَا مَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّكِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِمَوْتِهَا -

حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْفِعْلِ أَوْ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ كَمَا سَيَأْتِي وَسُمِّيَتْ يَمِينُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِهَا عَلَى حِنْثٍ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.

(إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) هَذَا مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، وَفِي النَّذْرِ إلَخْ خَبَرُهُ بِالْإِطْعَامِ التَّمْلِيكُ وَبِالْمِسْكِينِ مَا يَعُمُّ الْفَقِيرَ وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَعَدَمُ لُزُومِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمُخْرِجِ (لِكُلٍّ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ (مُدٌّ) مِمَّا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (وَنُدِبَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ زِيَادَةُ ثُلُثِهِ) قَالَ أَشْهَبُ (أَوْ نِصْفِهِ) قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ فَأَوْ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ الزِّيَادَةُ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِحَدٍّ، وَهُوَ الْوَجْهُ (أَوْ) لِكُلٍّ (رِطْلَانِ خُبْزًا) بِالْبَغْدَادِيِّ أَصْغَرُ مِنْ رِطْلِ مِصْرَ بِيَسِيرٍ (بِأُدْمٍ) نَدْبًا فَيُجْزِئُ بِلَا إدَامٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَالتَّمْرُ وَالْبَقْلُ إدَامٌ (كَشِبَعِهِمْ) مَرَّتَيْنِ كَغَدَاءٍ، وَعَشَاءٍ أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ، وَسَوَاءٌ تَوَالَتْ الْمَرَّتَانِ أَمْ لَا فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِطُولٍ أَمْ لَا مُجْتَمِعِينَ - الْعَشَرَةَ - أَوْ مُتَفَرِّقِينَ مُتَسَاوِينَ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا وَالْمُعْتَبَرُ الشِّبَعُ الْوَسَطُ فِي الْمَرَّتَيْنِ، وَلَوْ أَكَلُوا أَكْثَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ الْأَمْدَادِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَمْدَادُ الْعَشَرَةَ.

وَأَشَارَ إلَى النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي عَلَى التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أَيْ الْعَشَرَةِ وَيَكْفِي الْمَلْبُوسُ الَّذِي فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الظَّاهِرِ (لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ) يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ لَا إزَارٌ أَوْ عِمَامَةٌ (ولِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصٌ سَاتِرٌ (وَخِمَارٌ، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ) كِسْوَةِ (أَهْلِهِ، وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ بِنَوْعَيْهِ الْأَمْدَادِ وَالْخُبْزِ بِشَرْطِ أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنْ اللَّبَنِ عَلَى الْأَصَحِّ فَيُعْطَى رِطْلَيْنِ خُبْزًا وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْهُ إلَّا فِي مَرَّاتٍ، وَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُ الْمَرَّتَيْنِ إلَّا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ، وَيُعْطَى كِسْوَةَ كَبِيرٍ.

وَأَشَارَ إلَى النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ (أَوْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ) بِقَوْلِهِ (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ) لَا جَنِينٍ، وَعَتَقَ بَعْدَ وَضْعِهِ مُؤْمِنَةً

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ) أَيْ فَإِذَا مَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ الْفِعْلِ بَلْ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْهُ شَرْعِيٌّ أَوْ عَادِيٌّ لَا إنْ كَانَ عَقْلِيًّا فَلَا حِنْثَ.

(قَوْلُهُ: عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) أَيْ فَإِنْ انْتَهَبُوهَا فَإِنْ عَلِمَ مَا أَخَذَ كُلٌّ فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً فَأَقَلَّ بَنَى عَلَى وَاحِدٍ.
اهـ. شب (قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ إلَخْ) أَيْ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مِنْ مَحَلِّ الْحِنْثِ، وَقَدْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ عج وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّارَ عَلَى أَيِّ مَسَاكِينَ كَانُوا (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ لُزُومِ نَفَقَتِهِ عَلَى الْمُخْرِجِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْهَا الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الْفَقِيرِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَدْفَعَ الزَّوْجَةُ مِنْهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا الْفَقِيرَيْنِ (قَوْلُهُ: مِمَّا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ) ، وَهِيَ الْأَنْوَاعُ التِّسْعَةُ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالزَّبِيبُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ وَالْأَرُزُّ وَالْعَلْسُ وَالتَّمْرُ.
انْتَهَى.
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُدَّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا أَخْرَجَ مِنْ الْبُرِّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَأَمَّا إذَا أَخْرَجَ مِنْ الشَّعِيرِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُخْرِجْ وَسَطَ الشِّبَعِ مِنْهُ.
اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ اُنْظُرْ طفى (قَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ) أَيْ، وَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَا تُنْدَبُ لَهُمْ الزِّيَادَةُ لِقِلَّةِ الْقُوتِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ شَامِلٌ لِمَكَّةَ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ الْإِمَامِ إلَخْ) لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ (قَوْلُهُ: مُتَسَاوِينَ فِي الْأَكْلِ أَمْ لَا) وَاشْتَرَطَ التُّونُسِيُّ تَقَارُبَهُمْ فِي الْأَكْلِ كَذَا فِي الْبَدْرِ لَا تَسَاوِيهِمْ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي عبق.

(قَوْلُهُ: وَيَكْفِي الْمَلْبُوسُ إلَخْ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْكِسْوَةِ أَنْ تَكُونَ جَدِيدَةً (قَوْلُهُ: ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ) عِبَارَةُ ح عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ يُعْطَى لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ، وَفِي مَعْنَى الثَّوْبِ الْإِزَارُ الَّذِي يُمْكِنُ الِاشْتِمَالُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
اهـ. فَقَوْلُ شَارِحِنَا لَا إزَارَ أَوْ عِمَامَةَ أَيْ زَائِدٌ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ الْمُرَادُ لَا إزَارَ فَقَطْ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ الِاشْتِمَالُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ غَيْرَ إلَخْ) أَيْ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْكِسْوَةُ لَيْسَتْ مِنْ كِسْوَةِ وَسَطِ أَهْلِ بَلَدِهِ بَلْ دُونَ كِسْوَتِهِمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّعَامِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ عَيْشُ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ عَيْشُ الْمُكَفِّرِ، وَقِيلَ الْمُعْتَبَرُ الْأَعْلَى مِنْهُمَا إنْ قَدَرَ عَلَى الْأَعْلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُ الْمَرَّتَيْنِ إلَّا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ إلَخْ) صَوَابُهُ، وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ فَفِي طفى قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يُغَدِّيَ الصِّغَارَ، وَيُعَشِّيَهُمْ، وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ يُعْطِي الرَّضِيعَ فِي الْكَفَّارَةِ إذَا كَانَ قَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ بِقَدْرِ مَا يُعْطِي الْكَبِيرَ ثُمَّ قَالَ وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلًا بِأَنَّ الصَّغِيرَ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ خَاصَّةً.
اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ نَقْلُهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إعْطَاءُ الصَّغِيرِ مَا يَكْفِيهِ لَا أَعْرِفُهُ بَلْ تَوْجِيهُ الْبَاجِيَّ كَوْنُ كَسَوْته كَكَبِيرٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَوْنِ إطْعَامِهِ كَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي الْإِطْعَامِ (قَوْلُهُ: وَيُعْطِي كِسْوَةَ كَبِيرٍ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ، وَقِيلَ إنَّ الصَّغِيرَ يُعْتَبَرُ فِي نَفْسِهِ فَيُعْطَى ثَوْبًا بِقَدْرِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كِسْوَةِ الصَّغِيرِ قَوْلَيْنِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَإِنْ كَانَ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ اللَّبَنِ كَفَى إشْبَاعُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ اللَّبَنِ فَلَا يَكْفِي إشْبَاعُهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُدِّ أَوْ رِطْلَيْنِ خُبْزًا كَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَالنَّقْلُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ خِلَافُهُ كَمَا عَلِمْت، وَهُوَ أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا أَكَلَ الطَّعَامَ سَوَاءٌ اسْتَغْنَى بِهِ عَنْ اللَّبَنِ أَوْ لَا فِيهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعْطَى مَا يُعْطَاهُ الْكَبِيرُ الثَّانِي مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ خَاصَّةً.

وَفِي الْأَعْجَمِيِّ تَأْوِيلَانِ سَلِيمَةٌ عَنْ قَطْعِ أُصْبُعٍ وَنَحْوِهِ وَعَمًى وَجُنُونٍ وَبُكْمٍ، وَمَرَضٍ مُشْرِفٍ، وَقَطْعِ أُذُنٍ وَصَمَمٍ، وَهَرَمٍ، وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ إلَى آخَرَ مَا قَالَ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى النَّوْعِ الرَّابِعِ الَّذِي لَا يُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي عَلَى التَّخْيِيرِ بِقَوْلِهِ (ثُمَّ) إذَا عَجَزَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ (صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَنُدِبَ تَتَابُعُهَا.

(وَلَا تُجْزِئُ) الْكَفَّارَةُ حَالَ كَوْنِهَا (مُلَفَّقَةٌ) مِنْ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ كَإِطْعَامٍ مَعَ كِسْوَةٍ، وَأَمَّا مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ فَيُجْزِئُ فِي الطَّعَامِ فَيَجُوزُ تَلْفِيقُهَا مِنْ الْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ وَالشِّبَعِ، وَيَجُوزُ رَفْعُ مُلَفَّقَةٍ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُجْزِئُ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ بِقَوْلِهِ (وَ) لَا يُجْزِي (مُكَرَّرٌ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ (لِمِسْكِينٍ كَخَمْسَةٍ يُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مُدَّيْنِ أَوْ يَكْسِي كُلَّ وَاحِدٍ ثَوْبَيْنِ) (وَ) لَا (نَاقِصَ) (كَعِشْرِينَ) مِسْكِينًا (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (نِصْفٌ) مِنْ مُدٍّ (إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ) فِي الْمُلَفَّقَةِ عَلَى نَوْعٍ لَاغِيًا لِلْآخَرِ فِي الْإِطْعَامِ مَعَ الْكِسْوَةِ، وَيَكْمُلُ فِي الْمُكَرَّرِ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَيَكْمُلُ فِي النَّاقِصِ عَلَى النِّصْفِ بِنِصْفٍ آخَرَ لِعَشَرَةٍ (وَهَلْ) مَحَلُّ إجْزَاءِ التَّكْمِيلِ فِي النَّاقِصِ (إنْ بَقِيَ) مَا أَخَذَهُ بِيَدِ الْمِسْكِينِ لِيَكْمُلَ لَهُ الْمُدُّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ الْبَقَاءُ بَلْ تُجْزِئُ، وَلَوْ ذَهَبَ مِنْ يَدِهِ (تَأْوِيلَانِ) ، وَأَمَّا التَّكْمِيلُ فِي الْمُلَفَّقَةِ وَالْمُكَرَّرَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْبَقَاءُ قَوْلًا وَاحِدًا (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُكَفِّرِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ (نَزْعُهُ) أَيْ نَزْعُ مَا زَادَ بَعْدَ التَّكْمِيلِ (إنْ بَيَّنَ) لِلْمِسْكِينِ وَقْتَ الدَّفْعِ أَنَّهُ كَفَّارَةٌ وَوَجَدَهُ بَاقِيًا بِيَدِهِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ نَزَعَ وَالنَّزْعُ فِي مَسْأَلَةِ النَّقْصِ (بِالْقُرْعَةِ) إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَمَحَلُّهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ الْآخِذُ بَعْدَ تَمَامِ عَشَرَةٍ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَخْذُ مِنْهُ بِلَا قُرْعَةٍ.

(وَجَازَ) التَّكْرَارُ (لِثَانِيَةٍ) أَيْ مِنْ كَفَّارَةٍ ثَانِيَةٍ بِأَنْ يَدْفَعَهَا لِمَسَاكِينِ الْكَفَّارَةِ الْأُولَى (إنْ) كَانَ (أَخْرَجَ) الْأُولَى قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الثَّانِيَةِ (وَإِلَّا) يُخْرِجُ الْأُولَى أَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ فِي الثَّانِيَةِ (كُرِهَ) لَهُ دَفْعُ الثَّانِيَةِ لِمَسَاكِينِ الْأُولَى لِئَلَّا تَخْتَلِطَ النِّيَّةُ فِي الْكَفَّارَتَيْنِ هَذَا إنْ اتَّحَدَ مُوجَبُهُمَا كَيَمِينَيْنِ بِاَللَّهِ بَلْ (وَإِنْ) اخْتَلَفَ (كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ) مُبَالَغَةٌ فِي الْكَرَاهَةِ (وَأَجْزَأَتْ) الْكَفَّارَةُ أَيْ إخْرَاجُهَا (قَبْلَ حِنْثِهِ وَوَجَبَتْ بِهِ) أَيْ بِالْحِنْثِ، وَهُوَ فِي الْبِرِّ بِالْفِعْلِ، وَفِي الْحِنْثِ بِعَدَمِهِ

[حاشية الدسوقي]

قَوْلُهُ: وَفِي الْأَعْجَمِيِّ) (تَأْوِيلَانِ) الْمُرَادُ بِالْأَعْجَمِيِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْأَيْمَانَ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ إذَا عَجَزَ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ) أَيْ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ، وَلَا وَقْتَ الْحِنْثِ (قَوْلُهُ: تَتَابُعُهَا) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَتَابُعَهَا فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْفَوْرِيَّةِ فِي أَصْلِ الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ لَكِنْ لَا لِخُصُوصِ الصَّوْمِ

(قَوْلُهُ: كَإِطْعَامٍ مَعَ كِسْوَةٍ) أَيْ كَالتَّلْفِيقِ مِنْ إطْعَامٍ مَعَ كِسْوَةٍ كَأَنْ يُطْعِمَ خَمْسَةً مَثَلًا، وَيَكْسُوَ خَمْسَةً مَثَلًا فَلَا تُجْزِئُ مِنْ حَيْثُ التَّلْفِيقُ، وَإِنْ صَحَّ التَّكْمِيلُ عَلَى إحْدَاهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ) أَيْ، وَأَمَّا التَّلْفِيقُ مِنْ صِنْفَيْ نَوْعٍ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّعَامِ خَاصَّةً قَيْدٌ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ أَصْنَافٌ، وَجَمِيعُ أَفْرَادِ الْكِسْوَةِ صِنْفٌ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ مُكَرَّرٌ) أَيْ تَكْفِيرٌ مُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ عِنْدُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِوُجُوبِ الْعَدَدِ لِتَصْرِيحِ الْآيَةِ بِهِ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَهَا لِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا سَدُّ الْخَلَّةِ لَا مَحَلُّهَا فَمَتَى سَدَّ عَشْرَ خَلَّاتٍ، وَلَوْ فِي وَاحِدٍ فَقَدْ أَتَى بِالْمَطْلُوبِ (قَوْلُهُ:، وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ) الرَّاجِحُ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ عِيَاضٌ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْبَقَاءِ بِأَيْدِيهِمْ لِوَقْتِ التَّكْمِيلِ كَمَا يُفِيدُهُ إجْزَاءُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ (قَوْلُهُ: فِي مَسْأَلَةِ النَّقْصِ) أَيْ، وَأَمَّا النَّزْعُ فِي مَسْأَلَةِ التَّلْفِيقِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ فَلَا يَحْتَاجُ لِقُرْعَةٍ؛ لِأَنَّ نَزْعَهُ الْكِسْوَةَ لَيُبْنَى عَلَى الطَّعَامِ أَوْ الْعَكْسِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اخْتِيَارِهِ لَا يَحْتَاجُ لِقُرْعَةٍ، وَكَذَا نَزْعُهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّكْرِيرِ كَمَا لَوْ دَفَعَ لِخَمْسَةِ مَسَاكِينَ عَشَرَةَ أَمِدَادً ثُمَّ كَمَّلَ بِإِعْطَاءِ خَمْسَةِ مَسَاكِينَ خَمْسَةَ أَمِدَادً فَإِنَّ رُجُوعَهُ عَلَى الْخَمْسَةِ الْأُولَى بِخَمْسَةِ أَمِدَادً لَا يَحْتَاجُ لِقُرْعَةٍ بَلْ لَا تَتَأَتَّى فِيهِ.

(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يُخْرِجُ الْأُولَى) أَيْ وَاسْتَمَرَّ عَدَمُ إخْرَاجِهَا لِوَقْتِ إخْرَاجِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: لِئَلَّا تَخْتَلِطَ النِّيَّةُ) أَيْ فَتَكُونُ الْعَشَرَةُ أَمْدَادٍ الَّتِي عَنْ الْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَهَا فَهِيَ فِي مُقَابَلَةِ الْكَفَّارَتَيْنِ كَالْعَشَرَةِ الْأُولَى فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَعْطَى عَشَرَةَ أَشْخَاصٍ عِشْرِينَ مُدًّا كُلَّ خَمْسَةَ عَشَرَ عَنْ كَفَّارَةٍ (قَوْلُهُ: مُبَالَغَةٌ فِي الْكَرَاهَةِ) دَفَعَ بِهَا مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْجَوَازِ، وَعَدَمِ الْمَنْعِ لِاخْتِلَافِ الْمُوجِبِ (قَوْلُهُ: وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَلِفُهُ بِنَذْرٍ مُبْهَمٍ أَوْ بِالْيَمِينِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ صِيغَةً مُقَيَّدَةً بِأَجَلٍ فَلَا يُكَفِّرُ إلَّا بَعْدَ الْأَجَلِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا، وَمَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنْ ضَرَبَ أَجَلًا فَلَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْحِنْثَ الْمُقَيَّدَ عَلَى بِرٍّ قَبْلَ ضِيقِ الْأَجَلِ فَإِذَا ضَاقَ تَعَيَّنَ لِلْحِنْثِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ.
وَلِذَا حَاوَلَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ التَّهْذِيبِ إنْ قَالَ هَذَا مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ عَدَمِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَمَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُكَفِّرُ حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ أَيْ عَلَى وَجْهِ الْأَحَبِّيَّةِ كَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ؛ لِأَنَّ الْأَحَبَّ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ لَا يُكَفِّرَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَإِنْ أَجْزَأَ قَبْلَهُ بِخِلَافِ الْمُنْعَقِدَةِ عَلَى حِنْثٍ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ (قَوْلُهُ: وَوَجَبَتْ بِهِ) أَيْ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ عَلَى الْفَوْرِ فِيمَا يَظْهَرُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُوجِبَهَا أَيْ شَرْطُهَا الْحِنْثُ -

(إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) مُطْلَقٌ بِأَنْ كَانَ طَائِعًا مُطْلَقًا فِي يَمِينٍ حَنِثَ أَوْ بَرَّ أَوْ أُكْرِهَ فِي حِنْثٍ فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ مَنْطُوقُهُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ بِبِرٍّ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لَكِنْ بِقُيُودٍ سِتَّةٍ أَنْ لَا يَعْلَمَ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ، وَأَنْ لَا يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِإِكْرَاهِهِ لَهُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْإِكْرَاهُ شَرْعِيًّا، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ ثَانِيًا طَوْعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَالِفُ عَلَى شَخْصٍ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا هُوَ الْمُكْرِهُ لَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ يَمِينُهُ لَا أَفْعَلُهُ طَائِعًا، وَلَا مُكْرَهًا، وَإِلَّا حَنِثَ.

وَلَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ الشَّرْعِيَّةُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُخْتَصَّةً بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ الْتِزَامٌ لَا أَيْمَانٌ، وَأَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْيَمِينِ، وَمَا تَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الِالْتِزَامَاتِ فَقَالَ (وَ) اللَّازِمُ (فِي) قَوْلِ الشَّخْصِ (عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) لَا فَعَلَتْ كَذَا، وَفَعَلَ (بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ) عِصْمَتَهَا (وَعِتْقُهُ) أَيْ عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ حِينَ الْيَمِينِ فِيهِمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَنْ تَزَوَّجَهَا أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ (وَصَدَقَةُ ثُلُثِهِ) أَيْ ثُلُثِ مَالِهِ حِينَ يَمِينِهِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ (وَمَشْيٌ بِحَجٍّ) لَا عُمْرَةٍ (وَكَفَّارَةٌ) لِيَمِينٍ، وَمَحَلُّ لُزُومِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَلَوْ بِالنِّيَّةِ، وَيُصَدَّقُ فِي إخْرَاجِهِمَا، وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ (وَزِيدَ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ (فِي) قَوْلِهِ (الْأَيْمَانُ) أَوْ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ (تَلْزَمُنِي) إنْ فَعَلْت، وَفَعَلَ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، وَلَمْ يَفْعَلْ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ (صَوْمُ سَنَةٍ إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) أَيْ بِكُلِّ مَا يَلْزَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ، وَمَشْيٍ وَصَدَقَةٍ وَصَوْمٍ، وَكَفَّارَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ يَحْلِفُ بِعِتْقٍ كَمَا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ أَوْ لَمْ يَجْرِ يَحْلِفُ بِمَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ كَمَا فِي مِصْرَ لَمْ يَلْزَمْ الْحَالِفَ غَيْرُ الْمُعْتَادِ

[حاشية الدسوقي]

وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَتْ قَبْلَهُ كَمَا مَرَّ نَظَرًا لِتَقَدُّمِ سَبَبِهَا، وَهُوَ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى شَرْطِهِ جَازَ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَ زَهُوقِ الرُّوحِ لِتَقَدُّمِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْجُرْحُ، وَتَقْدِيمُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ لِتَقَدُّمِ مِلْكِ النِّصَابِ، وَالْيَمِينُ هُنَا سَبَبٌ، وَالْحِنْثُ شَرْطٌ فَجَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الشَّرْطِ وَبَعْدَ السَّبَبِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ السَّبَبِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْإِكْمَالِ كَتَقْدِيمِ الْعَفْوِ عَنْ الْجُرْحِ وَتَقْدِيمِ إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ قَبْلَ الْإِيصَاءِ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) أَيْ انْتَفَى الْإِكْرَاهُ فِي صِيغَةِ الْبِرِّ الْمُطْلَقِ (قَوْلُهُ: أَوْ أُكْرِهَ فِي حِنْثٍ) كَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ زَيْدًا أَوْ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ فَأُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الضَّرْبِ أَوْ عَدَمِ الدُّخُولِ، وَمُنِعَ مِنْهُ قَهْرًا (قَوْلُهُ: إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْحِنْثِ بِبِرٍّ) كَوَاللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ فَأُدْخِلَهَا كُرْهًا، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ عَاقِلٍ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَّا كُرْهًا شَرْعِيًّا) أَيْ، وَإِلَّا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَالطَّوْعِ كَوَاللَّهِ لَا دَخَلْت السِّجْنَ ثُمَّ إنَّهُ حُبِسَ فِيهِ لِدَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ، وَكَحَلِفِهِ أَنْ لَا يَدْفَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَأَكْرَهَهُ الْقَاضِي عَلَى الدَّفْعِ لِكَوْنِهِ مُوسِرًا بَقِيَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ مَثَلًا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ فَخَرَجَتْ لِسَيْلٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ لِأَمْرٍ لِإِقْرَارٍ لَهَا مَعَهُ أَوْ أَخْرَجَهَا صَاحِبُ الدَّارِ، وَهِيَ بِكِرَاءٍ قَدْ انْقَضَى أَوْ نُودِيَ عَلَى فَتْحِ قَذِرٍ، وَهِيَ حَامِلٌ أَوْ مُرْضِعٌ فَخَرَجَتْ لِخَوْفِهَا عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا أَوْ رَضِيعِهَا فَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَاسْتَصْوَبَهُ بْن لِخُرُوجِهِ عَنْ نِيَّتِهِ حُكْمًا لَوْ سُئِلَ عَلَى قَاعِدَةِ الْبِسَاطِ.
قَالَ عبق: وَيُحْتَمَلُ الْحِنْثُ؛ لِأَنَّهُ كَالْإِكْرَاهِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ وَاجِبٌ شَرْعًا فِي مِثْلِ هَذَا وَرَدَّهُ بْن بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ الْحَالِفُ إلَخْ) أَيْ، وَإِلَّا حَنِثَ كَمَا لَوْ حَلَفَ زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ ثُمَّ إنَّهُ أَكْرَهَهُ عَلَى دُخُولِهَا فَيَحْنَثُ الْحَالِفُ بِدُخُولِهَا عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَالْقَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ.

(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمُصَنِّفِ) أَيْ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ كَابْنِ عَرَفَةَ، وَمَنْ تَبِعَهُ فَهِيَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ بَلْ مِنْ جُمْلَتِهَا الْتِزَامُ مَنْدُوبٍ لَا بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ، وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: أَشَدُّ مَا أَخَذَ إلَخْ) أَيْ أَشَدُّ الْأَيْمَانِ، وَأَقْوَالِهَا الَّتِي يَأْخُذُهَا أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا مَفْهُومَ لِأَشَدَّ بَلْ مِثْلُهُ أَشَقُّ، وَأَعْظَمُ كَذَا يَنْبَغِي قَالَهُ عج (قَوْلُهُ: بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ عِصْمَتَهَا) فَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ فِيمَا ذَكَرَ، وَكَذَا فِيمَا يَأْتِي بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ نَقَضَ حُكْمَهُ (قَوْلُهُ: وَعِتْقُهُ) أَيْ عِتْقُ مَنْ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ حَالَ الْيَمِينِ، قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ حَالَ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقٌ وَبِهِ قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ، وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ الْبَاجِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ حِينَ الْيَمِينِ لَزِمَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ لِمَا فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَنْقُصَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَصِيرَ مَالُهُ وَقْتَ الْحِنْثِ نَاقِصًا عَنْ مَالِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ فَاللَّازِمُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ (قَوْلُهُ: لَا عُمْرَةٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَيْمَانِ أَوْعَبُهَا، وَلِذَا جَعَلَ عَلَيْهِ الْحَجَّ مَاشِيًا دُونَ الْعُمْرَةِ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ نَقْلًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحُكِيَ فِيهِ أَيْضًا نَقْلًا فِي الْبَيَانِ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ حِينَ الْيَمِينِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ كَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ، كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالنِّيَّةِ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ إخْرَاجُهُمَا بِالْأَدَاةِ بَلْ وَلَوْ بِالنِّيَّةِ لَكِنْ إنْ كَانَ بِالنِّيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَلِفِ، وَإِنْ كَانَ بِالْأَدَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ بِهَا بَعْدَ الْيَمِينِ مُتَّصِلَةٍ بِهِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: أَيْ: بِكُلِّ مَا يَلْزَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ سَوَاءٌ جَرَى الْعُرْفُ بِالْحَلِفِ بِالْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي، وَمَا قَبْلَهُ أَوْ لَا، وَلَيْسَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ رَاجِعًا لِلْأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي، وَمَا قَبْلَهُ

وَالْعِبْرَةُ بِعَادَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ سَوَاءٌ اعْتَادَ خِلَافَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْتَدْ شَيْئًا وَبِعَادَتِهِ هُوَ إذَا لَمْ يَعْتَادُوا شَيْئًا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وَلَا لَهُمْ عَادَةٌ بِشَيْءٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ سِوَى كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَكُلُّ هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَإِلَّا عُمِلَ بِنِيَّتِهِ، وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَفِي) (لُزُومِ) صَوْمِ (شَهْرَيْ ظِهَارٍ) ؛ لِأَنَّ حَلِفَهُ يُشْبِهُ الْمُنْكَرَ مِنْ الْقَوْلِ، وَعَدَمَ لُزُومِهِ، وَهُوَ أَظْهَرُ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ.

(وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ) كَأَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَالْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ فَالشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَفَعَلَهُ (فِي) كُلِّ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ (غَيْرَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَغْوٌ) لَا يُعْتَبَرُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ فَيَحْرُمَانِ، وَيَكُونُ طَلَاقًا ثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ وَتُعْتَقَ عَلَيْهِ الْأَمَةُ وَالصَّوَابُ حَذْفُ الْأَمَةِ إذْ التَّحْقِيقُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَلَا تُعْتَقُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْعِتْقَ وَبَعْضُهُمْ أَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَالْأَمَةُ عَطْفٌ عَلَى غَيْرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا حَاشَى الزَّوْجَةَ فِي الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ نَفَعَهُ.

(وَتَكَرَّرَتْ) الْكَفَّارَةُ (إنْ قَصَدَ) بِيَمِينِهِ (تَكَرُّرَ الْحِنْثِ) كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَنَوَى أَنَّهُ كُلَّمَا كَلَّمَهُ لَزِمَهُ الْحِنْثُ فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (أَوْ كَانَ) تَكَرُّرُ الْحِنْثِ (الْعُرْفَ) أَيْ كَانَ التَّكَرُّرُ يُسْتَفَادُ مِنْهُ لَا مِنْ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ (كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ) مَثَلًا فَمَنْ حَلَفَ لَا يَتْرُكُهُ حِينَ عُوتِبَ عَلَى تَرْكِهِ فَيَلْزَمُهُ كُلَّمَا تَرَكَهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ، وَلَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَأَنَّهُ قَالَ كُلَّمَا تَرَكْته فَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ (أَوْ) (نَوَى) بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ فِي نَحْوِ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ، وَلَا آكُلُ، وَلَا أَلْبَسُ (كَفَّارَاتٍ) فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُقْسَمِ بِهِ فَإِنْ قَصَدَ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ التَّأْكِيدَ أَوْ الْإِنْشَاءَ دُونَ الْكَفَّارَاتِ لَمْ تَتَعَدَّدْ اتِّفَاقًا فِي الْأَوَّلِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الثَّانِي

[حاشية الدسوقي]

خِلَافًا لعبق فَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا تَبَعًا لعج وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ كَمَا قَالَ بْن قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ، وَلَيْسَ لِمَالِكٍ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ كَلَامٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ يَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفَارُ فَقَطْ، وَقِيلَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَقِيلَ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا، وَإِلَّا لَزِمَهُ، وَقِيلَ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ، وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ، وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَصَوْمِ سُنَّةٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ كَذَا فِي الْبَدْرِ وَالْمَوَّاقِ (قَوْلُهُ: وَالْعِبْرَةُ بِعَادَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ) اسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ الْبُلَيْدِيُّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ، وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ يَعْنِي بَعْضَ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا يُشْتَرَطُ كُلُّهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ بَلْ جَمٌّ مِنْ النَّاسِ تَحْصُلُ بِهِ الشُّهْرَةُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا عَمِلَ بِنِيَّتِهِ) أَيْ فَإِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِالْحَلِفِ بِكُلِّ مِمَّا تَقَدَّمَ وَحَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَنَوَى غَيْرَ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرَ الْعِتْقِ أَوْ غَيْرَهُمَا أَوْ غَيْرَ الْمَشْيِ عَمِلَ بِنِيَّتِهِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ قَبْلَ تَمَامِ الْحَلِفِ بِأَنْ كَانَتْ أَوَّلًا أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَأَمَّا إذَا نَوَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحَلِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ بِالْأَدَاةِ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ كَمَا مَرَّ فِي الْمُحَاشَاةِ (قَوْلُهُ: وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ) أَيْ فِي لُزُومِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ زِيَادَةً عَلَى صَوْمِ السُّنَّةِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَزَوِّجٍ، وَهُوَ رَأْيُ الْبَاجِيَّ، وَعَدَمُ لُزُومِهِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ زَرْقُونٍ وَابْنِ عَاتٍ وَابْنُ رَاشِدٍ تَرَدُّدٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِهِمَا مُعْتَادًا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِالْأَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ قَالَهُ بْن.

(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ أَحَلَّهُ اللَّهُ) أَيْ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَلِبَاسٍ وَأُمِّ وَلَدٍ، وَعَبْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَغْوٌ، وَقَوْلُهُ لَغْوٌ أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لَغْوًا؛ لِأَنَّ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهِ تَصَرُّفًا فَتَحْرِيمُهُ لَغْوٌ بِخِلَافِ مَا جَعَلَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفَ كَالزَّوْجَةِ فَلَا يَكُونُ تَحْرِيمُهَا لَغْوًا بَلْ طَلَاقًا ثَلَاثًا فِي الدُّخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَكِنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي الْمَغْرِبِ لُزُومُ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ حَيْثُ لَا نِيَّةَ.
(قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى غَيْرٍ) أَيْ وَالْمَعْنَى وَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ لَغْوٌ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ، وَلَغْوٌ فِي الْأَمَةِ، وَيُقَيَّدُ هَذَا بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِتَحْرِيمِهَا عِتْقَهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَغْوًا، وَعَلَى هَذَا الْجَوَابُ فَيُقَالُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْأَمَةِ مَعَ دُخُولِهَا فِيمَا قَبْلَهَا لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ فِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، وَعَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهَا تُعْتَقُ (قَوْلُهُ: وَتُقَدَّمُ إلَخْ) أَيْ فَمَحَلُّ كَوْنِ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ لَا يَكُونُ لَغْوًا مَا لَمْ يُحَاشِهَا فَإِنْ حَاشَاهَا بِأَنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ تَمَامِ يَمِينِهِ لَمْ تَحْرُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَفَعَلَهُ فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّوْجَةَ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ تَمَامِ يَمِينِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا فِيهَا، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا لَزِمَهُ طَلَاقُهَا ثَلَاثًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ فِيهَا شَيْءٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنْ نَوَى عِتْقَهَا لَزِمَهُ، وَهَذَا إذَا جَمَعَ بِأَنْ قَالَ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنْ أَفْرَدَ بِأَنْ قَالَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَفَعَلَهُ فَإِنْ كَانَ غَيْرُ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ طَلُقَتْ ثَلَاثًا إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ، وَقِيلَ طَلْقَةً بَائِنَةً، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عِتْقَهَا.

(قَوْلُهُ: أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ) أَيْ أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْيَمِينِ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا (قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ) فَإِذَا دَخَلَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ حَيْثُ نَوَى تَعَدُّدَ الْكَفَّارَاتِ بِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ: وَلَا آكُلُ) عَطْفٌ عَلَى أَدْخُلُ أَيْ وَوَاللَّهِ لَا آكُلُ وَوَاللَّهِ لَا أَلْبَسُ فَالْمُقْسَمُ بِهِ مُتَعَدَّدٌ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فَإِذَا دَخَلَ، وَأَكَلَ، وَلَبِسَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ (قَوْلُهُ: فِي الْأَوَّلِ)

حَيْثُ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ تَأْكِيدٌ (أَوْ) (قَالَ) وَاَللَّهِ (لَا) بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ زَيْدٍ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو، وَأَنَا فَقَالَ لَهُ وَاَللَّهِ (وَلَا) أَنْت فَبَاعَهَا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فَبَاعَهَا لِلْآخَرِ فَكَفَّارَتَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَبِيعُهَا مِنْ فُلَانٍ وَلَا مِنْ فُلَانٍ (أَوْ حَلَفَ) لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ حَلَفَ (أَنْ لَا يَحْنَثَ) فَفَعَلَهُ فَكَفَّارَتَانِ لِحِنْثِهِ فِي قَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَلِحِنْثِهِ فِي قَوْلِهِ لَا أَحْنَثُ (أَوْ) حَلَفَ (بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا فَفَعَلَهُ فَثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَالرَّاجِحُ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً فِي هَذَا الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ سَوَاءٌ قَصَدَ التَّأْكِيدَ أَوْ التَّأْسِيسَ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، وَلَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ) عَلَى التَّكْرَارِ حَالَ كَوْنِ لَفْظِهِ مُلْتَبِسًا (بِجَمْعٍ) نَحْوُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَيْمَانٌ أَوْ كَفَّارَاتٌ فَفَعَلَهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ قَالَ فَعَلَيَّ عَشَرَةٌ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا (أَوْ) دَلَّ لَفْظُهُ عَلَى التَّكْرَارِ بِالْوَضْعِ كَأَنْ عَلَّقَ (بِ) قَوْلِهِ (كُلَّمَا أَوْ مَهْمَا) فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ فِعْلَةٍ كَفَّارَةٌ (لَا) إنْ عَلَّقَ بِقَوْلِهِ (مَتَى مَا) فَلَا تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ بَلْ يَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَمَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ ضَعِيفٌ (وَ) لَا إنْ قَالَ (وَاَللَّهِ) لَا فَعَلْت كَذَا (ثُمَّ) قَالَ، وَلَوْ بِمَجْلِسٍ آخَرَ (وَاَللَّهِ) لَا أَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (وَإِنْ قَصَدَهُ) أَيْ التَّكْرَارَ لِيَمِينٍ ثَانِيَةٍ، وَإِنْشَاؤُهَا دُونَ قَصْدِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ إذَا قَصَدَ إنْشَاءَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ قَصْدُ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ آنِفًا أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ (أَوْ) حَلَفَ بِ (الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَهُوَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَبِهِ يُعْلَمُ ضَعْفُ قَوْلِهِ سَابِقًا أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ (وَ) لَا تَتَكَرَّرُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا إنْ كَانَ مُتَعَلَّقُ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ جُزْءَ مُتَعَلَّقِ الْأُولَى كَمَا لَوْ حَلَفَ (لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ) حَلَفَ ثَانِيًا لَا أُكَلِّمُهُ (غَدًا) ، وَكَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ لَوْ لَمْ تَكُنْ الثَّانِيَةُ جُزْءَ الْأُولَى كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا ثُمَّ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ غَدًا، وَلَا بَعْدَهُ فَكَلَّمَهُ غَدًا فَكَفَّارَتَانِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ فَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ ابْتِدَاءً فَظَاهِرٌ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ.

وَهَذَا شُرُوعٌ فِيمَا يُخَصِّصُ الْيَمِينَ أَوْ يُقَيِّدُهَا، وَهُوَ خَمْسَةٌ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ وَالْمَقْصِدُ اللُّغَوِيُّ وَالْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ، وَبَدَأَ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَقَالَ (وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ) لَفْظَهُ الْعَامَّ (وَقَيَّدَتْ) لَفْظَهُ الْمُطْلَقَ، وَأَرَادَ بِالتَّقْيِيدِ مَا يَشْمَلُ تَبَيُّنَ الْمُجْمَلِ كَقَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَلَهُ زَوْجَتَانِ اسْمُ كُلٍّ زَيْنَبُ وَقَالَ أَرَدْت بِنْتَ فُلَانٍ وَالْعَامُّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَتَخْصِيصُهُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَالْمُطْلَقُ مَا دَلَّ عَلَى

[حاشية الدسوقي]

أَيْ التَّأْكِيدُ، وَقَوْلُهُ فِي الثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْشَاءُ، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ الَّذِي كَرَّرَ فِيهِ الْيَمِينَ أَوْ تَعَدَّدَ.
(قَوْلُهُ: حَيْثُ إلَخْ) أَيْ لَكِنَّ الثَّانِيَ، وَهُوَ التَّأْكِيدُ إنَّمَا يَتَأَتَّى حَيْثُ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَاحِدًا نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ، وَقَوْلُهُ أَمَّا لَوْ تَعَدَّدَ أَيْ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُ (قَوْلُهُ: وَلَا مِنْ فُلَانٍ) أَيْ فَبَاعَهَا لَهُمَا أَوْ بَاعَهَا لِأَحَدِهِمَا فَرُدَّتْ لَهُ فَبَاعَهَا لِلْآخَرِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ لِتَعَدُّدِ الْقَسَمِ وَاخْتِلَافِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْقَسَمَ فِيهَا غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ، وَمَا ذَكَرَهُ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ فِيهَا مَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا، وَلَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ، وَلَا أَضْرِبُ فُلَانًا ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ فُلَانًا فَعَلَيْهِ هُنَا لِكُلِّ صِنْفٍ فَعَلَهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ بِاَللَّهِ عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ.
اهـ. نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ، وَقَالَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ أَوْ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، وَلَا.
وَأَمَّا لَا، وَلَا فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَقْصِدْ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ) أَيْ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى تَكَرُّرَ الْحِنْثِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ تَعَدَّدَتْ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالثَّلَاثَةِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَنَوَى أَنَّهُ كُلَّمَا فَعَلَهُ حَنِثَ فَإِنَّهُ كُلَّمَا فَعَلَهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَهُ) أَيْ هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ إنْشَاءَ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ بِأَنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الْأُولَى أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ، بَلْ وَإِنْ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ الْيَمِينِ ثَانِيَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ) أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ التَّأْكِيدَ أَوْ التَّأْسِيسَ مَا لَمْ يَقْصِدْ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، وَمَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ (قَوْلُهُ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافٍ) أَيْ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَهُ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ إنْ كَلَّمَهُ أَوَّلًا بَعْدَ غَدٍ، وَمَحَلُّ اتِّحَادِهَا إذَا كَلَّمَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ مَعًا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ (قَوْلُهُ: فَكَفَّارَتَانِ) لُزُومُ الْكَفَّارَتَيْنِ فِي غَدٍ فِي هَذِهِ لِوُقُوعِهِ ثَانِيًا مَعَ الْغَيْرِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ فِي نَفْسِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ، وَقَعَ الْغَدُ ثَانِيًا وَحْدَهُ فَكَانَ كَالتَّأْكِيدِ لِلْأَوَّلِ.

(قَوْلُهُ: الْمُجْمَلُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا كَالْمِثَالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، وَكَحَلِفِهِ لَيَنْظُرَنَّ لِعَيْنٍ، وَيُرِيدُ أَحَدَ مَعَانِيهَا فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ إلَخْ) أَيْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ دَفْعَةً وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَعُمُومُ الْعَامِّ شُمُولِيٌّ، وَعُمُومُ الْمُطْلَقِ بَدَلِيٌّ، وَصَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ لِتِلْكَ الْأَفْرَادِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِهَا فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى إفْرَادِهِ دَلَالَةَ كُلِّيٍّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ مَعْنَاهُ لَا دَلَالَةَ كُلٍّ عَلَى أَجْزَاءِ مَعْنَاهُ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ (قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ) أَيْ فَمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ اللَّبَنَ وَنَوَى لَبَنَ الْإِبِلِ جَازَ لَهُ أَكْلُ لَبَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا

الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَتَقْيِيدُهُ رَدُّهُ إلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَمَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا وَنَوَى جَاهِلًا أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي اللَّيْلِ جَازَ لَهُ تَكْلِيمُهُ الْعَالِمَ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي النَّهَارِ (إنْ نَافَتْ) نِيَّتُهُ أَيْ خَالَفَتْ لَفْظَهُ الْعَامَّ فَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ خَصَّصَتْ فَقَطْ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا إلَّا مُنَافَاتُهَا لِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَا يَرْجِعُ لِقَيَّدَتْ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ، وَقَالَ أَرَدْت فُلَانًا كَذَا قِيلَ وَالْأَظْهَرُ رُجُوعُهُ لَهُمَا، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ (وَسَاوَتْ) رَاجِعٌ لِلتَّخْصِيصِ وَالْقَيْدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَعْنَى سَاوَتْ احْتَمَلَتْ عَلَى السَّوَاءِ بِأَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِفِ يَحْتَمِلُ مَا نَوَاهُ وَغَيْرَهُ عَلَى السَّوَاءِ، وَتَخْصِيصُ النِّيَّةِ وَتَقْيِيدُهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ (فِي اللَّهِ) أَيْ فِي الْيَمِينِ بِهِ (وَغَيْرِهَا كَطَلَاقٍ) ، وَعِتْقٍ، وَمَثَّلَ لِلْمُسَاوِيَةِ فِي الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ (كَكَوْنِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (مَعَهُ) فِي عِصْمَتِهِ (فِي) حَلِفِهِ لَهَا (لَا يَتَزَوَّجُ) امْرَأَةً عَلَيْهَا (حَيَاتَهَا) فَمَنْ تَزَوَّجَهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ وَادَّعَى أَنَّهُ نَوَى مَا دَامَتْ مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ مُطْلَقًا، وَلَوْ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ، وَمَفْهُومُ إنْ سَاوَتْ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُسَاوِ بِأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ قَرِيبَةً مِنْ الْمُسَاوَاةِ أَوْ بَعِيدَةً جِدًّا فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا قُبِلَتْ

[حاشية الدسوقي]

فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ أَرَدْت بِعَبِيدِي غَيْرَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَحَلِفِهِ لَا أَلْبَسُ الثِّيَابَ وَنَوَى الْكَتَّانَ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ كَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ (قَوْلُهُ: بِلَا قَيْدٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِتَحَقُّقِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ فَهُوَ مُرَادِفٌ لِاسْمِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فَإِنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ أَيْ بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ فَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ فَهُوَ الْمُطْلَقُ وَاسْمُ الْجِنْسِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّهُمَا وَاحِدٌ ذَاتًا وَاعْتِبَارًا، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أُسْلُوبُ الْمَنَاطِقَةِ وَالْأُصُولِيِّينَ (قَوْلُهُ: فَمَنْ حَلَفَ إلَخْ) ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَيُكْرِمَنَّ رَجُلًا وَنَوَى زَيْدًا فَلَا يَبَرُّ بِإِكْرَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رَجُلًا مُطْلَقٌ قَيَّدَهُ بِخُصُوصِ زَيْدٍ فَصَارَ مَعْنَى الْيَمِينِ لَأُكْرِمَنَّ زَيْدًا (قَوْلُهُ: أَيْ خَالَفْت لَفْظَهُ الْعَامَّ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمُنَافَاةِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ مُخَالِفَتُهَا لِمُقْتَضَى لَفْظِهِ، وَلَوْ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُنَافِيَةً لَهُ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَمْرٍ، وَالنِّيَّةُ تَنْفِيهِ عَنْهُ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لَهُ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا آكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ الضَّأْنِ، وَإِبَاحَةُ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ وَالثَّانِي كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ الضَّأْنِ أَيْ أَنَّهُ قَصَدَ هَذَا الْمَعْنَى الْخَاصَّ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، وَلَمْ يُلَاحِظْ إبَاحَةَ سَمْنِ غَيْرِهِ فَنِيَّةُ سَمْنِ الضَّأْنِ لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِعُمُومِ السَّمْنِ بَلْ فَرْدٌ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُغَايِرَةً لَهُ فَالنِّيَّةُ نَافِعَةٌ لِلْحَالِفِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَهُ أَكْلُ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ فِيهِمَا.
وَاشْتَرَطَ الْقَرَافِيُّ فِي تَخْصِيصِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ مُنَافَاتُهَا لَهُ حَقِيقَةً فَجَعَلَهَا مُخَصِّصَةً فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُنَافَاةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمُخَصَّصِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْعَامِّ الْمُسْتَقِلِّ لَا الْمُتَّصِلِ بِهِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَحِينَئِذٍ فَنِيَّةُ الضَّأْنِ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمْنًا ضَأْنًا فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ هَذَا، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ نَافَتْ مِنْ نَافَ يُنِيفُ بِمَعْنَى يَزِيدُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الَّتِي تُنِيفُ أَيْ تَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَامِّ لَا تُخَصِّصُ، وَلَا تُقَيِّدُ نَعَمْ هِيَ تُعَمِّمُ الْمُطْلَقَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخًا لَك وَتُرِيدُ جَمِيعَ إخْوَتِهِ فَأَخًا مُطْلَقٌ فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعَ إخْوَتِهِ كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ زَائِدَةً عَلَى الْمُطْلَقِ، وَمُعَمِّمَةً لَهُ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِكْرَامِ الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا) أَيْ لِلْعَامِّ، وَقَوْلُ إلَّا مُنَافَاتُهَا أَيْ لَهُ أَيْ مُخَالَفَتُهَا، وَمُغَايَرَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهَا لَهُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَبَعْضِ أَفْرَادِهِ مُغَايِرٌ، وَمُخَالِفٌ لِعُمُومِهِ وَحَيْثُ كَانَ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا لِلْعَامِّ إلَّا مُخَالَفَتُهَا لَهُ فَاشْتِرَاطُ الْمُنَافَاةِ فِي تَخْصِيصِهَا مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ رُجُوعُهُ لَهُمَا) أَيْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا وَنَوَى جَاهِلًا فَالْجَاهِلُ لَيْسَ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَلْ الْمُوَافِقُ لَهُ أَيُّ رَجُلٍ كَانَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُنَافَاةِ النِّيَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَهَذَا مُتَأَتٍّ فِي كُلٍّ مِنْ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ (قَوْلُهُ: عَلَى السَّوَاءِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ بِأَنْ يَكُونَ احْتِمَالُ لَفْظِ الْحَالِفِ لِمَا نَوَاهُ وَلِغَيْرِهِ مُتَسَاوِيَيْنِ عُرْفًا، وَلَيْسَ احْتِمَالُهُ لِمَا نَوَاهُ أَبْعَدَ احْتِرَازًا عَنْ النِّيَّةِ الْبَعِيدَةِ لِأَجِدَ وَهِيَ وَلَهُ: كَأَنْ خَالَفْت ظَاهِرَ لَفْظِهِ إلَخْ، وَعَنْ شَدِيدَةِ الْبُعْدِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا إرَادَةَ مَيْتَةٍ (قَوْلُهُ: وَمِثْلٌ لِلْمُسَاوِيَةِ) أَيْ لِلنِّيَّةِ الْمُسَاوِيَةِ الْمُخَصِّصَةِ لِلْعَامِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَيَاتَهَا مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ كُلَّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ حَيَاتِهَا الشَّامِلِ ذَلِكَ لِوَقْتِ كَوْنِهَا مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا أَرَادَ بِحَيَاتِهَا كَوْنَهَا مَعَهُ فِي عِصْمَتِهِ كَانَ قَصْرًا لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لَهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ طَلَّقَهَا) أَيْ طَلَاقًا بَائِنًا، وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ تَزَوَّجَ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الَّتِي تَزَوَّجَهَا، وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّتُهُ بِكَوْنِهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ فَلَوْ طَلَّقَ الْمَحْلُوفَ لَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ تَزَوَّجَ، وَعَادَتْ الْمَحْلُوفُ لَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ عَادَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْمَحْلُوفِ لَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِصْمَتُهَا عَلَى مَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: إنَّهُ نَوَى) -

فِيمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ الْمُعَيَّنَ فِي الْقَضَاءِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَأَنْ) (خَالَفَتْ) نِيَّتُهُ (ظَاهِرَ لَفْظِهِ) ، وَقَرُبَتْ مِنْ الْمُسَاوَاةِ فَيُعْتَبَرُ تَخْصِيصُهَا وَتَقْيِيدُهَا لِلِاحْتِمَالِ الْقَرِيبِ مِنْ الْمُسَاوِي، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ (كَسَمْنِ ضَأْنٍ) أَيْ كَنِيَّةِ سَمْنِ ضَأْنٍ (فِي) حَلِفِهِ (لَا آكُلُ سَمْنًا) ، وَلَوْ لَمْ يُلَاحَظْ إخْرَاجُ غَيْرِهِ أَوَّلًا وِفَاقًا لِابْنِ يُونُسَ إذْ لَا مَعْنَى لِنِيَّةِ الضَّأْنِ إلَّا إخْرَاجُ غَيْرِهِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا أُكَلِّمُهُ) ، وَقَالَ نَوَيْت شَهْرًا أَوْ فِي الْمَسْجِدِ فَيُصَدَّقُ إلَّا فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ بِمُرَافَعَةٍ (وَكَتَوْكِيلِهِ) غَيْرَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ ضَرْبِهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا يَبِيعُهُ أَوْ لَا يَضُرُّ بِهِ) فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ أَوْ ضَرَبَهُ، وَقَالَ نَوَيْت لَا أَفْعَلُ بِنَفْسِي فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (إلَّا لِمُرَافَعَةٍ) أَيْ رَفْعٍ لِقَاضٍ (وَبَيِّنَةٍ) أَيْ مَعَ بَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الرَّافِعُ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بِحِنْثِهِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْيَمِينِ فَادَّعَى التَّخْصِيصَ أَوْ التَّقْيِيدَ (أَوْ) مَعَ (إقْرَارٍ) مِنْهُ بِذَلِكَ حِينَ الْمُرَافَعَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (فِي طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ) مُعَيَّنٍ (فَقَطْ أَوْ اسْتَحْلَفَ مُطْلَقًا) بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُطْلَقًا فِي الْفَتْوَى أَوْ الْقَضَاءِ (فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ)

[حاشية الدسوقي]

أَيْ بِحَيَاتِهَا (قَوْلُهُ: فِيمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ الْمُعَيَّنَ) أَيْ أَنَّهَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْمُفْتِي مُطْلَقًا، وَكَذَا عِنْدَ الْقَاضِي إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْقَاضِي فِيهِمَا (قَوْلُهُ: لِلِاحْتِمَالِ) أَيْ نَظَرًا لِلِاحْتِمَالِ (قَوْلُهُ: كَسَمْنِ ضَأْنٍ إلَخْ) جَعْلُ هَذَا الْمِثَالِ مِمَّا خَالَفَتْ فِيهِ النِّيَّةُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ صَحِيحٌ حَيْثُ يَكُونُ سَمْنُ الْبَقَرِ مَثَلًا أَغْلَبَ، وَعِنْدَ الْعَكْسِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ سَمْنَ الضَّأْنِ تَكُونُ النِّيَّةُ قَرِينَةً مُسَاوِيَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَذَا فِي بْن وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، وَقَالَ أَرَدْت سَمْنَ الضَّأْنِ كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ مُخَصِّصَةً لِيَمِينِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ سَمْنِ غَيْرِهِ سَوَاءٌ لَاحَظَ إخْرَاجَ غَيْرِ الضَّأْنِ أَوَّلًا بِأَنْ يَنْوِيَ إبَاحَةَ مَا عَدَا سَمْنَ الضَّأْنِ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنِيَّةِ الضَّأْنِ إلَّا إخْرَاجَ غَيْرِهِ، وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ إنَّ نِيَّةَ سَمْنِ الضَّأْنِ لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً لِقَوْلِهِ لَا آكُلُ سَمْنًا إلَّا إذَا نَوَى إخْرَاجَ غَيْرِهِ أَوَّلًا بِأَنْ يَنْوِيَ إبَاحَةَ مَا عَدَا سَمْنَ الضَّأْنِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى عَدَمَ أَكْلِ سَمْنِ الضَّأْنِ فَقَطْ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إخْرَاجِ غَيْرِهِ أَوَّلًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ السَّمْنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ فَرْدِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ يُؤَيِّدُهُ، وَلَا يُخَصِّصُهُ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ لَهُ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي طفى وبن (قَوْلُهُ: فِي لَا يَبِيعُهُ أَوْ لَا يَضْرِبُهُ) لَوْ قَالَ فِي لَا يَفْعَلُ كَذَا كَانَ أَخْصَرَ، وَأَشْمَلَ لِصِدْقِهِ بِالْبَيْعِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِمُرَافَعَةٍ) أَيْ إلَّا عِنْدَ مُرَافَعَةٍ لِلْقَاضِي لَدَعْوَاهُ عَدَمَ الْحِنْثِ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ نِيَّتِهِ أَوْ تَقْيِيدِهِ لِيَمِينِهِ فَإِذَا رَفَعَهُ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْحِنْثَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ ضِدَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَادَّعَى التَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِعَدَمِ قَبُولِ نِيَّتِهِ إذَا كَانَ الْحَلِفُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ مُبْهَمٍ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَّةَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يُنْكِرْ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي عَدَمَ الْحِنْثِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ نِيَّتَهُ تَنْفَعُهُ وَاَلَّذِي رَفَعَهُ لِلْقَاضِي يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ضِدَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِحَلِفِهِ وَبِفِعْلِهِ ضِدَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ يُقِرُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْحَلِفَ وَجُلِبَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لَمْ تَقْبَلْ نِيَّتُهُ تَخْصِيصَ الْعَامِّ وَتَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ كَمَا أَفَادَهُ عج.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِمُرَافَعَةٍ) اللَّامُ بِمَعْنَى عِنْدَ وَالْمُرَافَعَةُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ مِنْ جَانِبِ غَيْرِهِ وَالْمَعْنَى إلَّا عِنْدَ رَفْعٍ لِلْقَاضِي فَلَوْ ذَهَبَ لِلْقَاضِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَهُ أَحَدٌ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) مِمَّا يُقْبَلُ فِي الْفَتْوَى أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنِّي لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ فَلَا يُقْبَلُ فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ يَسْتَخْلِصُ بِذَلِكَ كَمَا فِي ح (قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَحْلَفَ) كَانَ الْأَوْلَى أَوْ اسْتِحْلَافٌ إذْ لَا يُعْطَفُ الْفِعْلُ عَلَى الِاسْمِ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مُشَبَّهًا لِلْفِعْلِ، وَإِنْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ اسْتَحْلَفَ عَطْفٌ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا لِمُرَافَعَةٍ أَيْ لَا إنْ رُوفِعَ أَوْ اسْتَحْلَفَ أَيْ خُصِّصَتْ، وَقُيِّدَتْ إلَّا إنْ رُوفِعَ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ أَوْ اسْتَحْلَفَ فِي حَقٍّ فَلَا تَنْفَعُهُ مُطْلَقًا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اسْتَحْلَفَ فِي وَثِيقَةٍ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ مُسَاوِيَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لَهُ قَرِيبَةً مِنْ التَّسَاوِي لَا فِي الْفَتْوَى، وَلَا فِي الْقَضَاءِ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْقَبُولِ، وَلَوْ كَانَ الْحَلِفُ عِنْدَ غَيْرِ حَاكِمٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ أَوْ اسْتَحْلَفَ إلَخْ أَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِسِينِ الطَّلَبِ أَنَّهُ لَوْ طَاعَ بِالْيَمِينِ فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ لَنَفَعَتْهُ نِيَّتُهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ، وَأَنَّ الْعَبْرَةَ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ فَتَجْعَلُ السِّينَ وَالتَّاءَ زَائِدَتَيْنِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِطَلَاقٍ) فَإِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ فِي أَجَلِ كَذَا فَمَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَقْضِهِ فَقَالَ الْحَالِفُ أَرَدْت طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ الْمُحَلِّفُ إنَّمَا نَوَيْت الثَّلَاثَ فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ.
اهـ. خش، وَمِثْلُهُ فِي عبق نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ رَبُّ الْحَقِّ تَشْدِيدًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الرَّجْعِيَّةُ لَا يُبَالِي بِهَا فَانْدَفَعَ قَوْلُ بْن -

أَيْ تُوثَقُ فِي حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا مَالِيًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمْ لَا لِيَشْمَلَ نَحْوَ حَقِّ زَوْجَةٍ اشْتَرَطَتْ عِنْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَحَلَّفَتْهُ بِالطَّلَاقِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اعْتَاضَ مِنْ حَقِّهِ هَذِهِ الْيَمِينَ، وَلَوْ قَالَ أَوْ حَلَفَ مُطْلَقًا فِي حَقٍّ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَحْسَنَ، وَأَشَارَ لِلْمُخَالَفَةِ الْبَعِيدَةِ جِدًّا بِقَوْلِهِ (لَا إرَادَةِ مَيِّتَةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى سَمْنٍ (أَوْ) إرَادَةِ (كَذِبٍ فِي) قَوْلِهِ زَوْجَتِي (طَالِقٌ، وَ) أَمَتِي (حُرَّةٌ) ، وَقَالَ أَرَدْت الْمَيِّتَةَ فِيهِمَا أَوْ أَرَدْت الْمُطَلَّقَةَ أَوْ الْمُعْتَقَةَ (أَوْ) فِي قَوْلِهِ هِيَ (حَرَامٌ) ، وَقَالَ أَرَدْتُ الْكَذِبَ أَيْ أَرَدْت كَذِبَهَا حَرَامٌ فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ أَيْ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ الْمَيِّتَةِ فِي قَوْلِهِ هِيَ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ، وَلَا فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ حُرْمَةِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ حَرَامٌ فِي طَلَاقٍ، وَعِتْقٍ بِمُرَافَعَةٍ بَلْ (وَإِنْ بِفَتْوَى) إلَّا لِقَرِينَةٍ تُصَدِّقُ دَعْوَاهُ.

(ثُمَّ) إنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ أَوْ لَمْ تُضْبَطْ خُصِّصَ، وَقُيِّدَ (بِسَاطُ يَمِينِهِ) ، وَهُوَ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ إذْ هُوَ مَظِنَّةُ النِّيَّةِ فَلَيْسَ هُوَ انْتِقَالًا عَنْ النِّيَّةِ بَلْ هُوَ نِيَّةٌ ضِمْنًا مِثَالُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَجَدَ الزِّحَامَ عَلَى الْمَجْزَرَةِ فَحَلَفَ لَا يَشْتَرِي اللَّيْلَةَ لَحْمًا فَوَجَدَ لَحْمًا دُونَ زِحَامٍ أَوْ انْفَكَّتْ الزَّحْمَةُ فَاشْتَرَاهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ سَمِعَ طَبِيبًا

[حاشية الدسوقي]

إنَّ الْوَاحِدَةَ هِيَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تُوثَقُ فِي حَقٍّ) الْمُرَادُ بِالتَّوَثُّقِ قَطْعُ النِّزَاعِ فَالْمَعْنَى إنْ اسْتَحْلَفَ لِأَجْلِ قَطْعِ نِزَاعٍ مُتَعَلِّقٍ بِحَقٍّ (قَوْلُهُ: مِنْ دَيْنٍ) كَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مِنْ بَيْعٍ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِعِتْقِ عَبِيدِهِ أَوْ عَبْدِهِ فُلَانٍ مَا لَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ، وَيَنْوِي مِنْ قَرْضٍ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَدِيعَةٌ فَيُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ مَا لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ، وَيَنْوِي حَاضِرَةً (قَوْلُهُ: فَلَا تُقْبَلُ نِيَّةُ الْحَالِفِ) أَيْ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا غَيْرَ مِصْرِيَّةٍ وَادَّعَى أَنَّهُ نَوَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا مِصْرِيَّةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ لِذِي حَقٍّ فَالْعِبْرَةُ بِنِيَّةِ الْمُحَلِّفِ فَلَا يَنْفَعُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْحَالِفِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِ زَوْجَتِي طَالِقٌ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ زَوْجَتُهُ طَالِقٌ، وَقَالَ أَرَدْت زَوْجَتِي الَّتِي مَاتَتْ قَبْلَ الْحَلِفِ أَوْ الَّتِي طَلَّقَتْهَا قَبْلَ الْحَلِفِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَمَتِي حُرَّةٌ، وَقَالَ أَرَدْت أَمَتِي الَّتِي مَاتَتْ مِنْ مُنْذُ مُدَّةٍ أَوْ الَّتِي أَعْتَقْتُهَا مِنْ مُنْذُ مُدَّةٍ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ تِلْكَ الْإِرَادَةُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ هِيَ حَرَامٌ، وَقَالَ أَرَدْت أَنَّ كَذِبَهَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فِي الزَّوْجَةِ وَالْعِتْقُ فِي الْأَمَةِ (قَوْلُهُ: لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ) أَيْ فَقَوْلُهُ فِي طَالِقٍ وَحُرَّةٍ رَاجِعٌ لِمَيْتَةٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ حَرَامٌ رَاجِعٌ لِلْكَذِبِ.
(قَوْلُهُ: فِي طَلَاقٍ) أَيْ إذَا قَالَ ذَلِكَ لِزَوْجَتِهِ، وَقَوْلُهُ، وَعِتْقٌ أَيْ إذَا قَالَ ذَلِكَ لِلْأَمَةِ، وَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ إرَادَةَ حُرْمَةِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ حَرَامٌ (قَوْلُهُ: إلَّا لِقَرِينَةٍ تُصَدِّقُ دَعْوَاهُ) أَيْ فِي إرَادَةِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِلَّا عَمِلَ عَلَيْهَا، وَمِثْلُهُ إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْكَذِبِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ بَلْ بِهَا وَبِالْقَرِينَةِ.

(قَوْله ثُمَّ إنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ) أَيْ الصَّرِيحَةُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبِسَاطَ نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى النِّيَّةِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ تَضْبِطْ) أَيْ أَوْ لَمْ تَعْدَمْ النِّيَّةَ الصَّرِيحَةَ لَكِنَّ عَدَمَ ضَبْطِ الْحَالِفِ لَهَا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ) هَذَا تَعْرِيفٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي بِالْمَقَامِ، وَقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ سَبَبًا كَمَا فِي بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِسَاطَ يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ بِعِتْقٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجْرِي الْبِسَاطُ فِي جَمِيعِ الْحَلِفْ ... وَهُوَ الْمُثِيرُ لِلْيَمِينِ فَاعْرِفْ إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى وَزَالَ السَّبَبُ ... وَلَيْسَ ذَا لِحَالِفٍ يَنْتَسِبُ اهـ. وَقَوْلُهُ، وَهُوَ الْمُثِيرُ أَيْ السَّبَبُ الْحَامِلُ عَلَى الْيَمِينِ، وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى، وَأَمَّا إنْ نَوَى فِي مِثَالِ الشَّارِحِ لَا أَشْتَرِي لَحْمًا زَالَتْ الزَّحْمَةُ أَوْ بَقِيَتْ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا اشْتَرَاهُ عِنْدَ زَوَالِ الزَّحْمَةِ، وَقَوْلُهُ وَزَالَ السَّبَبُ أَمَّا إنْ لَمْ يَزُلْ السَّبَبُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقَوْلُهُ، وَلَيْسَ ذَا أَيْ السَّبَبُ يُنْتَسَبُ لِلْحَالِفِ أَيْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي نَفْعِ الْبِسَاطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْحَالِفِ مَدْخَلٌ فِي السَّبَبِ الْحَامِلِ عَلَى الْيَمِينِ فَلَوْ تَنَازَعَ مَعَ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ فَحَلَفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارِهِ ثُمَّ زَالَ النِّزَاعُ، وَاصْطَلَحَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي السَّبَبِ فَالْبِسَاطُ هُنَا غَيْرُ نَافِعٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ فِيمَا نَجَزَ بِالْفِعْلِ كَمَا لَوْ تَشَاجَرَتْ زَوْجَتُهُ مَعَ أَحَدٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَالَتْ الْمُشَاجَرَةُ فَلَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا السَّيِّدُ الْبُلَيْدِيُّ (قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ نِيَّةٌ ضِمْنًا) أَيْ فَعَطْفُهُ عَلَى النِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ تِلْكَ نِيَّةٌ صَرِيحَةٌ، وَهَذَا نِيَّةُ ضِمْنِيَّةٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْبِسَاطَ مِنْ بَابِ الْقَرَائِنِ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ الْمُخَالَفَةِ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَحْوِيمٌ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَا، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَرَائِنِ فَالْعَطْفُ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: لَا حِنْثَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا فِي الْفَتْوَى، وَلَا فِي الْقَضَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ كَكَلَامِهِمْ اعْتِبَارُ الْبِسَاطِ، وَلَوْ مَعَ مُرَافَعَةٍ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ يُدَيِّنُ الْحَالِفُ فِي دَعْوَاهُ، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِ الْحَالِفِ عِنْدَ وُجُودِ الْبِسَاطِ يَعْنِي بِأَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ بِالْبِسَاطِ فَيَحْمِلُ -

يَقُولُ لَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ فَحَلَفَ لَا آكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ بِلَحْمِ ضَأْنٍ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْحَامِلَ كَوْنُهُ دَاءً، وَلَيْسَ الضَّأْنُ كَذَلِكَ فَيُخَصَّصُ لَفْظُهُ الْعَامُّ بِلَحْمِ الْبَقَرِ كَمَا يُقَيِّدُهُ شِرَاؤُهُ فِي الْأَوَّلِ بِوَقْتِ الزَّحْمَةِ.

(ثُمَّ) إنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ وَالْبِسَاطُ خُصِّصَ وَقُيِّدَ (عُرْفٌ قَوْلِيٌّ) أَيْ مَنْسُوبٌ إلَى الْقَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْقَوْلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَاخْتِصَاصِ الدَّابَّةِ عِنْدَهُمْ بِالْحِمَارِ وَالْمَمْلُوكِ بِالْأَبْيَضِ وَالثَّوْبِ بِالْقَمِيصِ فَمَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مَا ذُكِرَ مَثَلًا فَاشْتَرِي فَرَسًا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ عِمَامَةً فَلَا يَحْنَثُ

(ثُمَّ) بَعْدَمَا ذُكِرَ خُصِّصَ، وَقُيِّدَ (مَقْصِدٌ) أَيْ مَقْصُودٌ (لُغَوِيٌّ) أَيْ مَدْلُولٌ لُغَوِيٌّ فَمَنْ حَلَفَ لَا رَكِبَ دَابَّةً، وَلَا لَبِسَ ثَوْبًا، وَلَيْسَ لَهُمْ عُرْفٌ فِي دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَا ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ حَنِثَ بِرُكُوبِهِ التِّمْسَاحَ وَلُبْسِهِ الْعِمَامَةَ لِأَنَّهُ الْمَدْلُولُ اللُّغَوِيُّ، وَفِي كَوْنِهِ مِنْ الْمُخَصَّصِ أَوْ الْمُقَيَّدِ نَظَرٌ فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا مُطْلَقَ الْحَمْلِ.

(ثُمَّ) خُصِّصَ، وَقُيِّدَ بَعْدَ الْمَقْصِدِ اللُّغَوِيِّ مَقْصِدٌ (شَرْعِيٌّ) إنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ صَاحِبَ شَرْعٍ فَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يُزَكِّي حَنِثَ بِالشَّرْعِيِّ لَا بِاللُّغَوِيِّ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ الشَّرْعِيِّ عَنْ اللُّغَوِيِّ ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.

، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ مِنْ النِّيَّةِ وَمَا مَعَهَا شَرَعَ فِي فُرُوعٍ تَنْبَنِي عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ، وَهِيَ فِي نَفْسِهَا أَيْضًا أُصُولٌ، وَمِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْبَاءِ لِلْحِنْثِ غَالِبًا وَبِلَا لِعَدَمِهِ فَقَالَ دَرْسٌ (وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلَا) لِيَمِينِهِ (بِسَاطٌ)

[حاشية الدسوقي]

عَلَيْهِ حِينَئِذٍ كَانَتْ يَمِينُهُ مِمَّا يَنْوِي فِيهِ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْيَمِينِ، وَادَّعَى هُوَ الْبِسَاطَ فَلَا يَعْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُرَافَعَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِهَذَا التَّفْصِيلِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ طفى (قَوْلُهُ: يَقُولُ لَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ إلَخْ) أَيْ، وَكَذَا إذَا قِيلَ لَهُ أَنْتَ تُزَكِّي النَّاسَ لِأَجْلِ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يُزَكِّي، وَلَا نِيَّةَ فَلَا يَحْنَثُ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِتَزْكِيَتِهِ لِلنَّاسِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَتِهِ كَمَا فِي المج أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْتَرِيَنَّ دَارَ فُلَانٍ فَلَمْ يَرْضَ رَبُّهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا فَأَقْوَى الْقَوْلَيْنِ عَدَمُ الْحِنْثِ كَمَا فِي ح، وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَيَبِيعَنَّ فَأَعْطَى دُونَ الثَّمَنِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَتِهِ كَمَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ مَا إذَا حَلَفَ أَنَّ زَوْجَتَهُ لَا تَعْتِقُ أَمَتَهَا، وَكَانَتْ أَعْتَقَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ لَمْ يَحْلِفْ، وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ يَنْطِقُ بِمِثْلِ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ زَوْجَتُهُ فَقَالَتْ أَنْتَ طَالِقٌ فَلَا يُحَاكِيهَا، وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَتْ زَوْجَةُ أَمِيرٍ أَنَّهَا لَا تَسْكُنُ بَعْدَ مَوْتِهِ دَارَ الْإِمَارَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ أَمِيرًا آخَرَ فَأَسْكَنَهَا بِهَا لَمْ تَحْنَثْ؛ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهَا انْحِطَاطُ دَرَجَتِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَنْ ضَاعَ صَكُّهُ فَقَالَ لِلشُّهُودِ اُكْتُبُوا لِي غَيْرَهُ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ لَا يَعْلَمُهُ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا هُوَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ فِي بَيْتِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى لَفْظِهِ بَلْ هَذَا مِنْ الْبِسَاطِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ثُمَّ وَجَدَ فِي حِجْرِ زَوْجَتِهِ شَيْئًا مَسْتُورًا فَقَالَتْ لَا أُرِيكَهُ حَتَّى تَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ لَتَأْكُلَنَّ مِنْهُ فَحَلَفَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ الَّذِي فِي حِجْرِهَا بَيْضًا، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْأَكْلِ مَانِعٌ؛ وَلِأَنَّ عِلْمَهُ بِالْيَمِينِ الْأَوَّلِ يَتَضَمَّنُ نِيَّةَ إخْرَاجِهِ.

(قَوْلُهُ: خَصَّصَ، وَقَيَّدَ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ) أَيْ مَدْلُولٌ مُتَعَارَفٌ مِنْ الْقَوْلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ قَصْدِ الْحَالِفِ وَاحْتُرِزَ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ مِنْ الْفِعْلِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُخَصِّصُ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَالْحَالُ أَنَّ الْخُبْزَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُخْبَزُ فَإِذَا كَانَ بَلَدُ الْحَالِفِ لَا يَأْكُلُونَ إلَّا الشَّعِيرَ فَأَكْلُ الشَّعِيرِ عِنْدَهُمْ عُرْفٌ فَعَلَيَّ فَلَا يُعْتَبَرُ مُخَصِّصًا فَإِذَا أَكَلَ الْحَالِفُ خُبْزَ الْقَمْحِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَفِي التَّوْضِيحِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ فَقَدْ تَبِعَ فِيهِ الْقَرَافِيَّ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ ظَاهِرَ مَسَائِلِ الْفُقَهَاءِ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ وَإِنْ كَانَ فِعْلِيًّا وَنَقَلَ الْوَانُّوغِيُّ عَنْ الْبَاجِيَّ أَنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ يُعْتَبَرُ مُخَصِّصًا، وَمُقَيِّدًا قَالَ وَبِهِ يُرَدُّ مَا زَعَمَهُ الْقَرَافِيُّ وَصَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِاعْتِبَارِهِ أَيْضًا، وَفِي الْقَلْشَانِيِّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ فِي ظَاهِرِ مَسَائِلِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: لَا يَشْتَرِي مَا ذُكِرَ) أَيْ دَابَّةً أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ ثَوْبًا

(قَوْلُهُ: وَلَا ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ إلَخْ) بَلْ لَفْظُ الدَّابَّةِ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَاهُ لُغَةً، وَهُوَ كُلُّ مَا دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَاهُ لُغَةً، وَهُوَ كُلُّ مَا يُلْبَسُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ حِينَئِذٍ بِرُكُوبِهِ، وَلَوْ لِتِمْسَاحٍ وَلُبْسِهِ وَلَوْ لِعِمَامَةٍ.
اهـ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، وَلَفْظُ الصَّلَاةِ إنَّمَا يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالدُّعَاءِ إذْ هُوَ الصَّلَاةُ لُغَةً، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ عَلَى الْمَقْصَدِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِخِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النَّاسِخَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ (قَوْلُهُ: فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا مُطْلَقَ الْحَمْلِ) أَيْ فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِكَوْنِ الْمَقْصَدِ اللُّغَوِيِّ مُخَصِّصًا، وَمُقَيِّدًا أَنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا، وَلَا تَقْيِيدًا حَقِيقَةً.

(قَوْلُهُ: بَعْدَ الْمَقْصَدِ اللُّغَوِيِّ) أَيْ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بَعْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصَدَ اللُّغَوِيَّ لَا يُعْدَمُ، وَيُوجَدُ الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ إمَّا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ اللُّغَوِيِّ أَوْ مُرَادِفٌ لَهُ كَمَا فِي الظُّلَمِ فَإِنَّهُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي كُلٍّ مِنْ اللُّغَةِ، وَعُرْفِ الشَّرْعِ لَا يُقَالُ الْمَدْلُولُ الشَّرْعِيُّ مَدْلُولٌ عُرْفِيٌّ فَيَتَكَرَّرُ مَعَ الْمَدْلُولِ الْعُرْفِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَدْلُولُ الْعُرْفِيُّ يُطْلَقُ عَلَى الْعُرْفِيِّ الْخَاصِّ، وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ نَاقِلُهُ كَالشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ، وَعَلَى الْعُرْفِيِّ الْعَامِّ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاقِلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ (قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ تَقْدِيمُهُ) أَيْ الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى

(بِفَوْتٍ) أَيْ تَعَذُّرٍ (مَا حَلَفَ عَلَيْهِ) لِغَيْرِ مَانِعٍ بَلْ (وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ) كَحَيْضٍ لِمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ وَحَمَلَ مِنْهُ لِمَنْ حَلَفَ لَيَبِيعَنَّهَا (أَوْ) لِمَانِعٍ عَادِيٍّ كَغَصْبٍ أَوْ (سَرِقَةٍ) لِحَيَوَانٍ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّهُ أَوْ ثَوْبٍ حَلَفَ لَيَلْبَسَنَّهُ أَوْ طَعَامٍ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّهُ، وَهَكَذَا وَمَحِلُّ الْحِنْثِ إنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَلَا (لَا) يَحْنَثُ لِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ فَلَا يَحْنَثُ (بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي) حَلِفِهِ (لَيَذْبَحَنَّهُ) فَمَاتَ عَقِبَ الْيَمِينِ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا تَفْرِيطٍ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُوَقِّتْ فَإِنْ وَقَّتَ بِشَهْرٍ مَثَلًا فَمَاتَ فِيهِ فَلَا حِنْثَ مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَيُفَرِّطُ وَالْكَافُ يُقَدَّرُ دُخُولُهَا عَلَى حَمَامٍ أَيْضًا فَيَشْمَلُ الْمَوْتُ الْحَرْقَ وَنَحْوَهُ، وَيَشْمَلُ الْحَمَامُ الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، وَيَشْمَلُ الذَّبْحُ اللُّبْسَ وَنَحْوَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَانِعَ الشَّرْعِيَّ يَحْنَثُ بِهِ، وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الْيَمِينِ أَقَّتَ أَمْ لَا فَرَّطَ أَمْ لَا لَكِنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ إنَّمَا يَتِمُّ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَانِعُ الشَّرْعِيُّ لَا يَزُولُ كَحَمْلِ جَارِيَةٍ فِي لَيَبِيعَنَّهَا وَالْعَفْوُ فِي الْقِصَاصِ لَا فِي نَحْوِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا الْعَادِيُّ وَالْعَقْلِيُّ فَإِنْ تَقَدَّمَا عَلَى الْيَمِينِ فَلَا حِنْثَ مُطْلَقًا أَقَّتَ أَمْ لَا فَرَّطَ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ فَالْعَادِيُّ يَحْنَثُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَالْعَقْلِيُّ يَحْنَثُ فِيهِ إنْ لَمْ يُؤَقِّتْ، وَفَرَّطَ لَا إنْ بَادَرَ أَوْ أَقَّتَ.

(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ (بِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) أَيْ ضِدِّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَوَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ وَهَذَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ الْمُطْلَقِ كَمَا مَثَّلْنَا، وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ أَوْ الْبِرُّ

[حاشية الدسوقي]

اللُّغَوِيِّ بَلْ الَّذِي فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّاقِ تَقْدِيمُ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْعُرْفِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ.
اهـ. بْن.

(قَوْلُهُ: بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ مَانِعٍ) أَيْ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ اللَّيْلَةَ فَتَرَكَهُ اخْتِيَارًا حَتَّى فَاتَتْ اللَّيْلَةُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِمَانِعٍ إلَخْ) رُدَّ بِلَوْ فِي الشَّرْعِيِّ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ، وَعَلَى سَحْنُونٍ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْأَمَةِ، وَفِي الْعَادِيِّ عَلَى نَقْلِ الشَّيْخِ عَنْ أَشْهَبَ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ) فَبَانَ بِهَا حَيْضٌ يَحْنَثُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِمَنْ حَلَفَ لَيَبِيعَنَّهَا) فَبَانَ بِهَا حَمْلٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْحِنْثِ إنْ لَمْ يُقَيِّدْ إلَخْ) أَيْ إنَّ الْحِنْثَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَاتَ فِيهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ مَحَلُّهُ إذَا أَطْلَقَ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ، وَلَا بِعَدَمِهِ، وَأَوْلَى لَوْ قَيَّدَ بِالْإِطْلَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ لَأَفْعَلَنَّهُ مُطْلَقًا قَدَرْت عَلَى الْفِعْلِ أَوْ لَا أَمَّا إنْ قَيَّدَ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ فَلَا حِنْثَ بِفَوَاتِهِ (قَوْلُهُ: لَا يَحْنَثُ لِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ) مِنْ جُمْلَةِ أَمْثِلَتِهِ مَا إذَا حَلَفَ ضَيْفٌ عَلَى رَبِّ دَارٍ أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَ لَهُ أَوْ حَلَفَ لَيَفْتَضَّنَّ زَوْجَتَهُ فَوَجَدَ عُذْرَتَهَا سَقَطَتْ فَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ وَتَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ عَقْلًا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا حَنِثَ) أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ فَرَّطَ حَتَّى فَاتَ حَنِثَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحِنْثِ مَعَ التَّفْرِيطِ إذَا لَمْ يُوَقِّتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ إذَا فَاتَ لِمَانِعٍ عَقْلِيٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ قَدْ عَيَّنَ وَقْتًا لِفِعْلِهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَّتَ، وَفَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَحْنَثْ إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ، وَيُفَرِّطُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُوَقِّتْ فَلَا حِنْثَ إنْ حَصَلَ الْمَانِعُ عَقِبَهُ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا تَفْرِيطٍ فَإِنْ فَرَّطَ مَعَ التَّأْخِيرِ حَتَّى فَاتَ فَالْحِنْثُ (قَوْلُهُ: فَيَشْمَلُ الْمَوْتَ وَنَحْوَهُ) أَيْ كَالْحَرْقِ فَإِذَا حَلَفَ لَيَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَحَرَقَهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ حَيْثُ وَقَّتَ مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ وَيُفَرِّطْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوَقِّتْ فَلَا حِنْثَ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ إلَخْ) قَدْ نَظَمَ ذَلِكَ عج بِقَوْلِهِ إذَا فَاتَ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ ... فَإِنْ كَانَ شَرْعِيًّا فَحِنْثُهُ مُطْلَقَا كَعَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ إنْ يَتَأَخَّرَا ... وَفَرَّطَ حَتَّى فَاتَ دَامَ لَك الْبَقَا وَإِنْ أَقَّتَ أَوْ قَدْ كَانَ مِنْهُ تَبَادُرٌ ... فَحِنْثُهُ بِالْعَادِي لَا غَيْرُ مُطْلَقَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمَا ... فَلَا حِنْثَ فِي حَالٍ فَخُذْهُ مُحَقَّقَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَى الْيَمِينِ) اُنْظُرْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّفْرِيطُ فِي الْمَانِعِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَدْ يُقَالُ تَفْرِيطُهُ بِإِمْكَانِ الْكَشْفِ عَنْهُ قَرِيبًا فَتَرَكَهُ وَحَلَفَ (قَوْلُهُ: وَالْعَفْوُ فِي الْقِصَاصِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ إنْسَانٌ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنَّهُ لَيَقْتَصَّنَّ مِنْ الْجَانِي فَعَفَا عَنْهُ بَعْضٌ آخَرُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ الْحَلِفِ (قَوْلُهُ: لَا فِي نَحْوِ الْحَيْضِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيْضِ مُقَيَّدٌ كَمَا فِي النَّقْلِ بِمَا إذَا حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ أَيْ فَبَانَ أَنَّهَا حَائِضٌ أَوْ طَرَأَ لَهَا الْحَيْضُ بَعْدَ الْيَمِينِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ وَطْئِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِاللَّيْلَةِ فَلَا يَحْنَثُ بِحَيْضِهَا بَلْ يَنْتَظِرُ طُهْرَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَطَؤُهَا حِينَئِذٍ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي بْن وطفى خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ عبق مِنْ الْحِنْثِ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) ظَاهِرُهُ تَحَتُّمُ الْحِنْثِ بِذَلِكَ، وَهُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ غَايَةُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحَالِفَ بِصِيغَةِ الْحِنْثِ الْمُطْلَقِ لَهُ تَحْنِيثُ نَفْسِهِ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ، وَيُكَفِّرُ، وَلَا يَتَحَتَّمُ الْحِنْثُ إلَّا بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ لِيَمِينِهِ، وَيَبْطُلُ الْعَزْمُ كَمَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ فَعَلَيَّ كَذَا ثُمَّ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الزَّوَاجِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِلزَّوَاجِ، وَإِبْطَالُ عَزْمِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِمَّا حَلَفَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَحْلُوفُ بِهِ طَلَاقًا، وَإِلَّا لَزِمَهُ بِمُجَرَّدِ -

فَلَا حِنْثَ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ.

(وَ) حَنِثَ (بِالنِّسْيَانِ) أَيْ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نِسْيَانًا (إنْ أَطْلَقَ) فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَا أَفْعَلُهُ مَا لَمْ أَنْسَ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ بِالنِّسْيَانِ، وَمِثْلُ النِّسْيَانِ الْخَطَأُ وَالْغَلَطُ فَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ أَوْ حَلَفَ لَا أَذْكُرُ فُلَانًا فَأَرَادَ ذِكْرَ غَيْرِهِ فَجَرَى ذِكْرُهُ عَلَى لِسَانِهِ غَلَطًا حَنِثَ فَمُتَعَلَّقُ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلَّقُ الْغَلَطِ اللِّسَانُ لَكِنْ فِي الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ نَظَرٌ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْبَعْضِ) فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَغِيفًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ، وَلَوْ لُقْمَةً حَنِثَ، وَهَذَا فِي صِيغَةِ الْبِرِّ، وَلَوْ قَيَّدَ بِالْكُلِّ، وَأَمَّا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَمَنْ حَلَفَ لَآكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ، وَإِنْ لَمْ آكُلْهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَبَرُّ بِأَكْلِ بَعْضِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (عَكْسُ الْبِرِّ) أَيْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ.

(وَ) حَنِثَ (بِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ) أَيْ بِشُرْبِهِمَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا آكُلُ) طَعَامًا فِي هَذَا الْيَوْمِ أَوْ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّ شُرْبَهُمَا أَكْلٌ شَرْعًا وَلُغَةً، وَهَذَا إنْ قَصَدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يُدْخِلَ فِي بَطْنِهِ طَعَامًا إذْ هُمَا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنْ قَصَدَ الْأَكْلَ دُونَ الشُّرْبِ فَلَا حِنْثَ (لَا) بِشُرْبِ (مَاءٍ) ، وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ فَلَا يَحْنَثُ إذْ هُوَ لَيْسَ بِطَعَامٍ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامًا شَرْعًا، وَالْعُرْفُ يُقَدَّمُ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) لَا يَحْنَثُ (بِتَسَحُّرٍ فِي) حَلِفِهِ (لَا أَتَعَشَّى) مَا لَمْ يَقْصِدْ تَرْكَ الْأَكْلِ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ

(وَ) لَا يَحْنَثُ فِي (ذَوْقٍ) لِشَيْءٍ حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ أَوْ لَا يَشْرَبُهُ إذَا

[حاشية الدسوقي]

الْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ وَتَحْنِيثِ نَفْسِهِ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الرُّجُوعُ اُنْظُرْ حَاشِيَةَ مج وَاخْتَارَ طفى هَذِهِ الطَّرِيقَةَ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: فَلَا حِنْثَ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ) أَيْ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِعَدَمِ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إذَا فَاتَ الْأَجَلُ وَبِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ.

(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِالنِّسْيَانِ) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالسُّيُورِيِّ وَجَمْعٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ الْحِنْثِ بِالنِّسْيَانِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ كَذَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نِسْيَانًا) أَيْ فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ فِي غَدٍ فَأَكَلَ فِيهِ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَأَصْبَحَ صَائِمًا فَأَكَلَ نَاسِيًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ كَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الصَّوْمِ، وَقَدْ وُجِدَ وَاَلَّذِي فَعَلَهُ نِسْيَانًا هُوَ الْأَكْلُ، وَهَذَا الْأَكْلُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِصَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يُبْطِلُهُ، وَهَذَا الصَّوْمُ تَطَوُّعٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ لَمْ يَحْنَثْ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ أَنْسَ) أَيْ أَوْ لَا أَفْعَلُهُ عَمْدًا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا أَفْعَلُهُ عَمْدًا، وَلَا نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: فَمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا) هَذَا مِثَالُ لِلْخَطَإِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَإِ أَيْضًا مَا إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ ثَوْبًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَقِيلَ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ اُنْظُرْ ح (قَوْلُهُ: لَكِنَّ فِي الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ) أَيْ اللِّسَانِيِّ نَظَرٌ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الْجَنَانِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ كَحَلِفِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، وَكَحَلِفِهِ لَا أَذْكُرُ فُلَانًا فَذَكَرَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الِاسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ اُنْظُرْ بْن.

(قَوْلُهُ: وَبِالْبَعْضِ) أَيْ وَحَنِثَ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ ذِي أَجْزَاءٍ بِفِعْلِ الْبَعْضِ مِنْهُ فَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ رَغِيفًا حَنِثَ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْهُ، وَمَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ حَنِثَ بِإِدْخَالِ طَوْقِهِ فِي عُنُقِهِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالْإِحْرَامِ أَوْ لَا يَصُومُ حَنِثَ بِالْإِصْبَاحِ نَاوِيًا، وَلَوْ أَفْسَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِمَا بَلْ فِي ح إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَنِثَ بِوَضْعِ رِجْلِهِ فِي الرِّكَابِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ اسْتَقَلَّ عَنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ حَلَفَ إنْ وَضَعْت مَا فِي بَطْنِك فَوَضَعَتْ وَاحِدًا وَبَقِيَ وَاحِدٌ حَنِثَ بِوَضْعِ أَحَدِهِمَا قَالَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا حَنِثَ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَقِيلَ بِالْإِنْزَالِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا فِي هَذَا الْبَعْضِ كَأَنَّهُ لِتَعْوِيلِ الشَّارِعِ فِي أَحْكَامِ الْوَطْءِ عَلَى مَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ لَمْ يَحْنَثْ بِإِدْخَالِ رَأْسِهِ بِخِلَافِ رِجْلِهِ وَالْأَظْهَرُ إنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا اُنْظُرْ الْبَدْرَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَيَّدَ بِالْكُلِّ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَا آكُلُ كُلَّ الرَّغِيفِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَاسْتَشْكَلَ هَذَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ إفَادَةِ كُلٍّ لِلْكُلِّيَّةِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ تَقَعْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، وَإِلَّا لَمْ تَسْتَغْرِقْ غَالِبًا بَلْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ نَفْيَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الصَّادِقِ بِثُبُوتِ الْبَعْضِ كَقَوْلِهِ: مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ ، وَمِنْ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ اسْتِغْرَاقُهَا نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23] فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ رَوْعِي فِي هَذَا الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الْوَجْهُ الْقَلِيلُ حَيْثُ لَا نِيَّةَ، وَلَا بِسَاطَ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى وَجْهٍ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: عَكْسُ الْبِرِّ) أَيْ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ وَحَلِفٍ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ذِي أَجْزَاءٍ فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْأَكْلِ فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْأَكْلِ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ إلَّا بِأَكْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لُقَمٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ أَكْلِهِ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ إلَّا بِشِبَعٍ مِثْلِهِ.

(قَوْلُهُ: لَا بِشُرْبِ مَاءٍ) أَيْ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِ مَاءٍ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ طَعَامًا فِي هَذَا الْيَوْمِ أَوْ لِفُلَانٍ (قَوْلُهُ: وَالْعُرْفُ يُقَدَّمُ) أَيْ وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَقْصَدِ الشَّرْعِيِّ هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ طَعَامٌ شَرْعًا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قِيَامِهِ قِيَامَ الطَّعَامِ أَنْ يَكُونَ طَعَامًا بَلْ هُوَ مَاءٌ مُطْلَقٌ

(لَمْ يَصِلْ) الذَّوَاقُ بِمَعْنَى الْمَذُوقِ (جَوْفَهُ) ، وَإِلَّا حَنِثَ

(وَبِوُجُودِ) دَرَاهِمَ (أَكْثَرَ) مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَا لَغْوَ فِيهِ (لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْقَدْرِ الْمُسَمَّى كَعَشَرَةٍ (لِمُتَسَلِّفٍ) أَوْ سَائِلٍ أَوْ مُقْتَضٍ لِحَلِفِهِ، وَأَمَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَلَغْوٌ، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الْيَقِينِ قَرِيبًا (لَا) بِوُجُودِ (أَقَلَّ) عَدَدًا أَوْ وَزْنًا، وَلَوْ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ اتِّفَاقًا إذْ الْمُرَادُ لَيْسَ مَعِي مَا يَزِيدُ عَلَى مَا حَلَفْت عَلَيْهِ.

(وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ) لِدَابَّةٍ (وَ) دَوَامِ (لُبْسِهِ) لِثَوْبٍ وَسُكْنَاهُ دَارًا مَعَ إمْكَانِ التَّرْكِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَرْكَبُ، وَأَلْبَسُ) وَأَسْكُنُ مَا ذُكِرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ (لَا) يَحْنَثُ بِالدَّوَامِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى (كَدُخُولٍ) لِدَارٍ مَثَلًا حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا، وَهُوَ مَاكِثٌ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ، وَهُوَ دَاخِلٌ وَاسْتَمَرَّ دَاخِلًا فَيَحْنَثُ (وَ) حَنِثَ (بِدَابَّةِ عَبْدِهِ) أَيْ عَبْدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَشْمَلُ عَبْدَ نَفْسِهِ إنْ حَلَفَ لَا أَرْكَبُ دَابَّتِي (فِي) حَلِفِهِ عَلَى (دَابَّتِهِ) لَا يَرْكَبُهَا إذْ مَالُ الْعَبْدِ مَالٌ لِلسَّيِّدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلِذَا لَا يَحْنَثُ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ اعْتِصَارُهَا وَرَجَحَ الْحِنْثُ حِينَئِذٍ.

(وَبِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ) وَضَرْبِهِ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (فِي) حَلِفِهِ لِعَبْدِهِ مَثَلًا (لَأَضْرِبَنَّهُ كَذَا) عِشْرِينَ سَوْطًا مَثَلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ فِي الْبِرِّ مِنْ ضَرْبِهِ بِالسَّوْطِ الْعَدَدَ مُتَفَرِّقًا عَلَى الْعَادَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِالضَّرْبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ جَمْعِهَا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا إيلَامٌ كَإِيلَامِ الْمُنْفَرِدَةِ، وَإِلَّا حُسِبَتْ وَاحِدَةً.

(وَ) حَنِثَ (بِلَحْمِ الْحُوتِ) وَالطَّيْرِ لِصِدْقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِمَا (وَ) حَنِثَ بِأَكْلِ (بَيْضِهِ) أَيْ بَيْضِ الْحُوتِ بِمَعْنَى مَا يَبِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ كَالتُّرْسِ وَالتِّمْسَاحِ (وَ) حَنِثَ بِأَكْلِهِ (عَسَلَ الرُّطَبِ فِي) حَلِفِهِ عَلَى (مُطْلَقِهَا) أَيْ مُطْلَقِ اللَّحْمِ وَالْبَيْضِ وَالْعَسَلِ بِأَنْ قَالَ لَا آكُلُ لَحْمًا أَوْ بَيْضًا أَوْ عَسَلًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ.

(وَ) حَنِثَ (بِكَعْكٍ وَخُشْكَنَانٍ) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الْكَافِ كَعْكٌ مَحْشُوٌّ بِكُسَّرٍ (وَهَرِيسَةٍ، وَإِطْرِيَةٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ قِيلَ هِيَ مَا تُسَمَّى فِي زَمَانِنَا بِالشِّعْرِيَّةِ، وَقِيلَ مَا يُسَمَّى بِالرِّشْتَةِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ (خُبْزٍ) قَالُوا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَجْرِي عَلَى عُرْفِ زَمَانِنَا وَالْجَارِي عَلَيْهِ عَدَمُ الْحِنْثِ بِمَا ذُكِرَ (لَا) يَحْنَثُ فِي (عَكْسِهِ) ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَاصَّةِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ.

(وَ) حَنِثَ (بِضَأْنٍ، وَمَعْزٍ) أَيْ بِأَكْلِهِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

[حاشية الدسوقي]

(قَوْلُهُ: لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ) أَيْ، وَلَوْ وَصَلَ لِحَلْقِهِ

(قَوْلُهُ: وَبِوُجُودِ أَكْثَرَ) أَيْ كَمَا لَوْ سَأَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا عَشَرَةٌ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ فَوَجَدَ مَا مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ فَيَحْنَثُ حَيْثُ كَانَتْ الْيَمِينُ لَا لَغْوٌ فِيهَا بِأَنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مِمَّا يَنْفَعُ فِيهَا اللَّغْوُ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَلَا حِنْثَ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ مَعَهُ أَقَلَّ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ سَوَاءٌ كَانَ يَمِينُهُ مِمَّا يَنْفَعُ فِيهِ اللَّغْوُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لَيْسَ مَعِي مَا يَزِيدُ عَلَى مَا حَلَفْت عَلَيْهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِسَاطُ يَمِينِهِ.

(قَوْلُهُ: وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ) أَيْ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ حَيْثُ أَطْلَقَ بَلْ، وَلَوْ لَحْظَةً (قَوْلُهُ: فِي حَلِفِهِ لَا أَرْكَبُ، وَلَا أَلْبَسُ) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَأَرْكَبَنَّ، وَأَلْبَسَنَّ بَرَّ بِدَوَامِ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ أَيْ بِدَوَامِ الرُّكُوبِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَظُنُّ الرُّكُوبَ فِيهَا، وَدَوَامِ اللُّبْسِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَظُنُّ اللُّبْسَ فِيهَا فَإِذَا كَانَ مُسَافِرًا يَوْمَيْنِ، وَقَالَ وَاَللَّهِ لَأَرْكَبَنَّ الدَّابَّةَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ رَاكِبٌ لَهَا فَلَا يَبَرُّ إلَّا إذَا رَكِبَهَا الْمَسَافَةَ بِتَمَامِهَا، وَلَا يَضُرُّ نُزُولُهُ لَيْلًا، وَلَا فِي أَوْقَاتِ الضَّرُورَاتِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي حَلِفِهِ لَأَلْبَسَنَّ (قَوْلُهُ: وَاسْتَمَرَّ دَاخِلًا فَيَحْنَثُ) أَيْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى ذَلِكَ كَالدُّخُولِ ابْتِدَاءً، وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا أَرْكَبُهَا، وَكَالدَّارِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَإِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ هَذِهِ السَّفِينَةَ فَيَحْنَثُ بِدَوَامِ رُكُوبِهِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَلَا يَحْنَثُ بِدَوَامِ الْمُكْثِ فِيهَا (قَوْلُهُ: وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ) قَالَ فِيهَا، وَمَنْ حَلَفَ إنَّهُ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ لَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِنْثِ بِرُكُوبِ دَابَّةِ مُكَاتَبِهِ، وَهُوَ مَا ارْتَضَاهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ وَاخْتَارَ غَيْرُهُ الْحِنْثَ بِرُكُوبِهَا نَظَرًا لِلُحُوقِ الْمِنَّةِ بِهَا كَلُحُوقِهَا بِدَابَّةِ سَيِّدِهِ الَّذِي هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ لِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَحْنَثُ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْوَلَدِ لَيْسَ مَالًا لِأَبِيهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ لَهُ اعْتِصَارُهَا) أَيْ بِأَنْ كَانَ قَدْ وَهَبَهَا لَهُ لَكِنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي دَابَّةِ الْوَلَدِ، وَلَوْ كَانَ لِوَالِدِهِ اعْتِصَارُهَا ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ قَوْلُ أَشْهَبَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِدَابَّةِ الْوَلَدِ إنْ كَانَتْ مَوْهُوبَةً مِنْ وَالِدِهِ، وَلَهُ اعْتِصَارُهَا لِتَحَقُّقِ الْمِنَّةِ فِيهَا لَا مَا لَا اعْتِصَارَ لَهُ.

(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِحِنْثِهِ بِذَلِكَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ بَلْ الْمُرَادُ بِحِنْثِهِ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْحَالِفِ زِيَادَةُ الْإِيلَامِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ عِنْدَ جَمْعِهَا فَلَوْ حَلَفَ لَأَضْرِبَنَّهُ عِشْرِينَ سَوْطًا فَجَمَعَ الْأَسْوَاطَ، وَضَرَبَ بِهَا مَرَّةً حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ

(قَوْلُهُ: لِصِدْقِ اللَّحْمِ عَلَيْهِمَا) أَيْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] ، وَقَالَ أَيْضًا ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21] ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِلَحْمِ الْحُوتِ إذَا حَلَفَ لَا آكُلُ لَحْمًا عُرْفٌ مَضَى، وَأَمَّا عُرْفُ زَمَانِنَا خُصُوصًا بِمِصْرَ فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْحُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا قَالَهُ شَيْخُنَا.

(قَوْلُهُ: وَهَرِيسَةٍ) هِيَ أَنْ يُطْبَخَ اللَّحْمُ مَعَ الْقَمْحِ طَبْخًا جَيِّدًا حَتَّى يُعْزَلَ الْعَظْمُ عَنْ اللَّحْمِ فَيُؤْتَى بِعَصًا فِيهَا غِلَظٌ، وَيَعْرُكُونَ بِهَا ذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ كَالْعَصِيدَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ مِنْ الْحِنْثِ بِأَكْلِ الْكَعْكِ وَالْخُشْكَنَانِ -

(وَ) بِأَكْلِهِ مِنْ (دِيَكَةٍ وَدَجَاجَةٍ فِي) حَلِفِهِ لَا آكُلُ لَحْمَ (غَنَمٍ) فِي الْأَوَّلِ (وَ) لَا آكُلُ لَحْمَ (دَجَاجٍ) فِي الثَّانِي، وَعُرْفُ زَمَانِنَا اخْتِصَاصُ الْغَنَمِ بِالضَّأْنِ (لَا) يَحْنَثُ (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ (آخَرَ) فَلَا يَحْنَثُ بِالضَّأْنِ فِي حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْزِ، وَلَا عَكْسِهِ، وَلَا بِالدِّيَكَةِ فِي الدَّجَاجَةِ وَلَا عَكْسِهِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ لِلْآخَرِ

(وَ) حَنِثَ (بِسَمْنٍ اُسْتُهْلِكَ) بِلَتِّهِ (فِي سَوِيقٍ) فِي حَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَلِذَا لَوْ اُسْتُهْلِكَ فِي طَعَامٍ لَمْ يَحْنَثْ.

(وَبِزَعْفَرَانٍ) اُسْتُهْلِكَ (فِي طَعَامٍ) فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ زَعْفَرَانًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا كَذَلِكَ

(لَا) يَحْنَثُ إنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خَلًّا أَوْ مَاءَ وَرْدٍ أَوْ نَارِنْجٍ (بِكَخَلٍّ طُبِخَ) لِفَقْدِ الْعِلَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ يُؤْكَلُ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا اُسْتُهْلِكَ لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ

(وَ) حَنِثَ (بِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي) حَلِفِهِ (لَا قَبَّلْتُكِ) ، وَقَبَّلْتَهُ فِي الْفَمِ فَقَطْ، وَأَمَّا إنْ قَبَّلَهَا هُوَ حَنِثَ مُطْلَقًا قَبَّلَهَا فِي الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا قَبَّلْتنِي) ، وَقَبَّلَتْهُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي هَذِهِ مُطْلَقًا اسْتَرْخَى لَهَا أَمْ لَا فِي الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ

(وَ) حَنِثَ (بِفِرَارِ غَرِيمِهِ) قَبْلَ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْهُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا فَارَقْتُك) أَنَا (أَوْ) لَا (فَارَقْتنِي) أَنْت (إلَّا بِحَقِّي) ، وَفَرَّطَ بَلْ (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) بِأَنْ انْفَلَتَ مِنْهُ كَرْهًا أَوْ اسْتِغْفَالًا وَلَمْ يَحُلْ عَلَى غَرِيمِهِ لَهُ بَلْ (وَإِنْ أَحَالَهُ) فَبِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا بِأَخْذِ حَقِّي مِنْك إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَلِي حَقٌّ عَلَيْك.

(وَ) حَنِثَ (بِالشَّحْمِ فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ (اللَّحْمِ) ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ اللَّحْمِ (لَا الْعَكْسِ) بِأَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا

(وَ) حَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ (بِفَرْعٍ) نَشَأَ بَعْدَ الْيَمِينِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ أَصْلِهِ كَوَاللَّهِ (لَا آكُلُ) شَيْئًا (مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ) فَيَحْنَثُ بِبُسْرِهِ وَرُطَبِهِ، وَعَجْوَتِهِ وَثَمَرِهِ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْقَمْحَ وَاللَّبَنَ وَالْقَصَبَ وَغَيْرَهَا مِنْ كُلِّ أَصْلٍ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ مِنْ طَلْعِ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الشَّاةِ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ تَقَدَّمَ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ (أَوْ) لَا آكُلُ (هَذَا الطَّلْعَ) بِإِسْقَاطِ مِنْ

[حاشية الدسوقي]

وَالْهَرِيسَةِ وَالْإِطْرِيَّةِ إذَا حَلَفَ لَا آكُلُ خُبْزًا.

(قَوْلُهُ: وَدِيَكَةٍ) هِيَ ذُكُورُ الدَّجَاجِ، وَالدَّجَاجَةُ هِيَ إنَاثُ الدَّجَاجِ (قَوْلُهُ: اخْتِصَاصُ الْغَنَمِ بِالضَّأْنِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ إذَا حَلَفَ لَا آكُلُ غَنَمًا إنَّمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الضَّأْنِ لَا بِأَكْلِ الْمَعْزِ.

(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِسَمْنٍ) أَيْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي سَوِيقٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ خَالِصًا، وَسَوَاءٌ وَجَدَ طَعْمَهُ أَمْ لَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ سَوِيقًا لُتَّ بِسَمْنٍ حَنِثَ وَجَدَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَمْ لَا.
اهـ. وَلِابْنِ مُيَسَّرٍ لَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ) أَيْ فَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِأَنْ لَا يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُهُ بِالْمَاءِ الْحَارِّ مِنْ السَّوِيقِ فَلَا حِنْثَ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا كَذَلِكَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا انْتَفَى هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنْ كَانَ الزَّعْفَرَانُ يُؤْكَلُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مُسْتَهْلَكًا فِي الطَّعَامِ

(قَوْلُهُ: لَا بِكَخَلٍّ طُبِخَ) أَيْ طُرِحَ فِي الطَّبِيخِ، وَأَمَّا بِأَكْلِهِ مَوْضُوعًا فَوْقَ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْخَلِّ أَنْ لَا يُؤْكَلَ إلَّا فِي طَعَامٍ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَمَعَ ضَعْفِهِ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُعَيَّنْ، وَأَمَّا إذَا عُيِّنَ بِأَنْ قَالَ لَا آكُلُ هَذَا الْخَلَّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، وَلَوْ اُسْتُهْلِكَ فِي طَعَامٍ قَوْلًا وَاحِدًا كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَدَخَلَ بِالْكَافِ مَاءُ الْوَرْدِ وَالزَّهْرِ، وَمَاءُ اللَّيْمُونِ، وَمَاءُ النَّارِنْجِ، وَأَمَّا ذَاتُهَا فَيَحْنَثُ بِهَا، وَلَوْ طُبِخَتْ لِبَقَاءِ عَيْنِهَا فَهِيَ أَحْرَى مِنْ السَّمْنِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَلَا يَدْخُلُ بِالْكَافِ الْعَسَلُ إذَا طُبِخَ فِي طَعَامٍ لِنَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْحِنْثَ فِيهِ عَنْ سَحْنُونٍ.

(قَوْلُهُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي هَذِهِ مُطْلَقًا اسْتَرْخَى لَهَا أَمْ لَا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهَا، وَهِيَ مُخْتَارَةٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، وَقَوْلُهُ الْمُعْتَمَدُ أَيْ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ مَفْهُومَ وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ عَدَمُ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى وَالْحِنْثُ فِي الثَّانِيَةِ.

(قَوْلُهُ: وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ) لَا يُقَالُ الْفِرَارُ إكْرَاهٌ، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةُ بِرٍّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِرَارَ إكْرَاهٌ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ إكْرَاهٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةٌ بِرٍّ بَلْ صِيغَةُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَأُلْزِمَنَّكَ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: لَا بِحَقِّي) أَيْ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ حَقِّي، وَمِثْلُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي أَوْ حَتَّى أَقْبِضَ حَقِّي (قَوْلُهُ: وَفَرَّطَ) أَيْ فِي الْقَبْضِ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَّ مِنْهُ (قَوْلُهُ: فَبِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ يَحْنَثُ) أَيْ، وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ مِنْ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَلَوْ قَبَضَ الْحَقَّ بِحَضْرَةِ الْغَرِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْحَوَالَةِ، وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهَا خِلَافُ عُرْفِ مِصْرَ الْآنَ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ بِقَوْلِهِ إلَّا بِحَقِّي، وَكَذَا إذَا صَرَّحَ بِهِ بِأَنْ قَالَ لَا فَارَقْتُك أَوْ فَارَقْتنِي وَلِيَ عَلَيْك حَقٌّ فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِالْحَوَالَةِ.

(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ) أَيْ، وَلَا قَرِينَةٌ، وَلَا بِسَاطٌ (قَوْله نَشَأَ بَعْدَ الْيَمِينِ) أَيْ وَأَمَّا الْفَرْعُ السَّابِقُ عَلَيْهِ فَقَدْ فَارَقَ قَبْلَ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: مِنْ هَكَذَا الطَّلْعِ) لَيْسَ مِنْ مُتَعَلِّقَةِ بِآكِلٍ بَلْ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ أَيْ لَا آكُلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الطَّلْعِ وَالشَّيْءُ شَامِلٌ لِلطَّلْعِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِمِنْ، وَعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ فِي حِلِّهِ لِلْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ تَقَدَّمَ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ) أَيْ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ تَقَدَّمَ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ أَوْ الشَّاةِ بِكُلِّ مَا نَشَأَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ اللَّبَنَ أَوْ الطَّلْعَ الْحَاضِرَ بِالْإِشَارَةِ بَلْ أَطْلَقَ فِيهِمَا وَجَعَلَ الْإِشَارَةَ لِلنَّخْلَةِ وَالشَّاةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ -

لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ إنْ أَسْقَطَ مِنْ فَلَا يَحْنَثُ بِالْفَرْعِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ خَاصَّةٌ بِالطَّلْعِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا أُسْقِطَ مِنْ وَالْإِشَارَةَ مَعًا نُكِّرَ أَوْ عُرِّفَ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (لَا) يَحْنَثُ بِالْفَرْعِ إنْ حَلَفَ (لَا آكُلُ الطَّلْعَ) مُعَرَّفًا (أَوْ) لَا آكُلُ (طَلْعًا) مُنَكَّرًا، وَكَذَا مِنْ الطَّلْعِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ، وَأَمَّا حِنْثُهُ بِالْأَصْلِ فِي الْخَمْسِ فَظَاهِرٌ.

ثُمَّ اسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ يَحْنَثُ فِيهَا بِمَا تَوَلَّدَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمِنْ وَالْإِشَارَةِ لَقُرْبِهَا مِنْ أَصْلِهَا قُرْبًا قَوِيًّا إلَّا لِنِيَّةٍ فِيهَا فَقَالَ (إلَّا نَبِيذَ زَبِيبٍ) أَيْ حَلَفَ لَا آكُلُ زَبِيبًا أَوْ الزَّبِيبَ فَيَحْنَثُ بِشُرْبِ نَبِيذِهِ (وَ) إلَّا (مَرَقَةَ لَحْمٍ) فِي حَلِفِهِ لَا أَكَلْت اللَّحْمَ أَوْ لَحْمًا (أَوْ شَحْمَهُ) عَطْفٌ عَلَى مَرَقَةٍ أَيْ حَلِفٍ لَا آكُلُ اللَّحْمَ أَوْ لَحْمًا فَيَحْنَثُ بِشَحْمِهِ، وَأَعَادَ هَذِهِ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ (وَ) إلَّا (خُبْزَ قَمْحٍ) فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ الْقَمْحَ أَوْ قَمْحًا، وَكَذَا لَا آكُلُ مِنْهُ (وَ) إلَّا (عَصِيرَ عِنَبٍ) فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ الْعِنَبَ أَوْ عِنَبًا، وَهَذِهِ تُفْهَمُ بِالْأَوْلَى مِنْ مَسْأَلَةِ النَّبِيذِ (وَ) حَنِثَ (بِمَا أَنْبَتَتْ الْحِنْطَةُ) الْمُعَيَّنَةُ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ (إنْ نَوَى) بِيَمِينِهِ (الْمَنَّ) أَيْ قَطَعَهُ كَأَنْ قَالَ لَهُ لَوْلَا أَنَا أُطْعِمُك لَمُتّ جُوعًا، وَكَذَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا إنْ بِيعَتْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمِنَّةُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا إنْ نَوَى قَطْعَ الْمِنَّةِ مُطْلَقًا فَيَحْنَثُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَصَلَهُ مِنْهُ وَدَلَّتْ بِسَاطُ يَمِينِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا فَأَكَلَهَا أَوْ أَكَلَ مِمَّا نَبَتَ مِنْهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَحْنَثْ (لَا) إنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِهَا (لِرَدَاءَةٍ) فِيهَا فَلَا حِنْثَ بِمَا أَنْبَتَتْ جَيِّدًا، وَلَا بِمَا اشْتَرَى مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ أُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِهَا (أَوْ) حَلَفَ عَلَيْهَا (لِسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ) فَجَوَّدَ لَهُ فَلَا حِنْثَ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْحَمَّامِ) أَيْ بِدُخُولِهِ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ دُخُولِ (الْبَيْتِ) أَوْ لَا دَخَلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِالْحَمَّامِ أَوْ الْخَانِ إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ عُرْفِ مِصْرٍ أَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ عَلَى الْحَمَّامِ اسْمَ الْبَيْتِ

(أَوْ) حَلَفَ لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فِي (دَارِ جَارِهِ) ؛ لِأَنَّ لِلْجَارِ عَلَى جَارِهِ مِنْ الْحُقُوقِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَتْ دَارُهُ دَارِهِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْجَارَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ جَارِهِ غَالِبًا فَكَأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عُرْفًا وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا عَدَمُ الْحِنْثِ.

(أَوْ) حَلَفَ لَا أَسْكُنُ بَيْتًا أَوْ لَا أَدْخُلُهُ حَنِثَ بِسُكْنَى أَوْ دُخُولِ (بَيْتِ شَعْرٍ) بَدْوِيًّا كَانَ أَوْ حَضَرِيًّا إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ (كَحَبْسٍ) أَيْ كَمَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي حَبْسٍ (أُكْرِهَ عَلَيْهِ) فِي حَلِفِهِ لَا دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا أَوْ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي بَيْتٍ فَحُبِسَ عِنْدَهُ كُرْهًا (بِحَقٍّ) أَيْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ بِحَقٍّ كَالطُّلُوعِ فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ سَابِقًا إنْ لَمْ يُكْرَهُ بِبِرٍّ (لَا) إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ (بِمَسْجِدٍ) عَامٍّ فَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَطْلُوبًا بِدُخُولِهِ شَرْعًا صَارَ كَأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِلْحَالِفِ

[حاشية الدسوقي]

يَحْنَثُ بِكُلِّ فَرْعٍ لِلطَّلْعِ، وَكُلُّ فَرْعٍ لِلَّبَنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَاشِئًا عَنْ تِلْكَ النَّخْلَةِ أَوْ تِلْكَ الشَّاةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْظُورُ لَهُ الْفَرْعِيَّةَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا لِلطَّلْعِ وَاللَّبَنِ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا لِلنَّخْلَةِ وَالشَّاةِ، وَإِنْ كَانَ فَرْعُ الشَّاةِ وَالنَّخْلَةِ فَرْعًا لِلطَّلْعِ وَاللَّبَنِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّ الرَّاجِحَ) أَيْ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ تَبَعًا؛ لِابْنِ بَشِيرٍ الْقَائِلِ بِالْحِنْثِ فِي الْفَرْعِ، وَقَدْ شَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ ذَكَرَهُ إلَّا ابْنَ بَشِيرٍ (قَوْلُهُ: فِي الْخَمْسِ) أَيْ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ مِنْ وَاسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ حَذَفَ مِنْ أَوْ اسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ حَذَفَهُمَا مَعًا، وَعَرَّفَ الْأَصْلَ أَوْ نَكَّرَهُ (قَوْلُهُ: فَظَاهِرٌ) أَيْ لِكَوْنِهِ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ مِنْهُ ثُمَّ أَكَلَ.

(قَوْلُهُ: وَأَعَادَ هَذِهِ) أَيْ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهَا أَوَّلًا بِقَوْلِهِ وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ لَهُ إلَخْ) أَيْ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ حِنْطَتِهِ هَذِهِ فَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، وَمِمَّا أَنْبَتَتْهُ وَبِالْأَكْلِ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِثَمَنِهَا (قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمِنَّةُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَصْدُ بِالْيَمِينِ قَطْعُ الْمِنَّةِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَيْ كَالْمِنَّةِ عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ مِنْ حِنْطَتِهِ (قَوْلُهُ: فَيَحْنَثُ بِكُلِّ شَيْءٍ وَصَلَهُ مِنْهُ) سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا أَوْ شَرَابًا أَوْ لِبَاسًا أَوْ شَيْئًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مَعَاشِهِ كَدَابَّةٍ لِحَرْثٍ عَلَيْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا مَنَّ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَحَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَبِمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ وَبِمَا اشْتَرَاهُ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَا أَعْطَى لَهُ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ نَوَى ذَلِكَ عِنْدَ يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَأَمَّا إذَا نَوَى عِنْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَوْ نَوَى قَطْعَ مِنَّتِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا وَصَلَ مِنْهُ.

(قَوْلُهُ: لَا يُطْلِقُونَ عَلَى الْحَمَّامِ اسْمَ الْبَيْتِ) أَيْ، وَلَا عَلَى الْحَانُوتِ وَالْخَانِ، وَمَحَلُّ الْقَهْوَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ وَلَا الْخَانِ، وَلَا الْحَانُوتِ، وَلَا مَحَلِّ الْقَهْوَةِ فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ بَيْتًا، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ يُقَالُ لَهُ بَيْتٌ لُغَةً لِتَقَدُّمِ الْمَدْلُولِ الْعُرْفِيِّ عَلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ كَمَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ: فِي دَارِ جَارِهِ) أَيْ جَارِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَانَ جَارًا لِلْحَالِفِ أَيْضًا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا) أَيْ الْفَرْعِ عَدَمُ الْحِنْثِ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْتِ جَارِهِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْآنَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِبَيْتِ جَارِك أَنَّهُ بَيْتُك، وَإِنَّمَا يُقَالُ بَيْتُك لِمَا تَمْلِكُ ذَاتَه أَوْ مَنْفَعَتَهُ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنَاهَا الْعُرْفُ.

(قَوْلُهُ: أَوْ بَيْتِ شَعْرٍ) الْعُرْفُ الْآنَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِنْثِ فِيهِ إذْ لَا يُقَالُ لِلشَّعْرِ فِي الْعُرْفِ الْآنَ أَنَّهُ بَيْتٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَالُ لَهُ لُغَةً وَالْمَدْلُولُ الْعُرْفِيُّ يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَوِيِّ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ) أَيْ كَأَنْ يَسْمَعَ بِقَوْمٍ انْهَدَمَ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنُ فَحَلَفَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَسْكُنُ بَيْتًا فَلَا يَحْنَثُ بِسُكْنَى بَيْتِ الشَّعْرِ (قَوْلُهُ: فِي حَبْسٍ) أَيْ بِسَبَبِ حَبْسٍ، وَقَوْلُهُ بِحَقٍّ أَيْ وَأَمَّا لَوْ حُبِسَ عِنْدَهُ ظُلْمًا فَلَا حِنْثَ (قَوْلُهُ: عَامٌّ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ الْمَحْجُورِ فَيَحْنَثُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا حِنْثَ) أَيْ عَلَيْهِ

(وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ (مَيِّتًا) فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخَلُ عَلَيْهِ بَيْتًا (فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا حَتَّى يُدْفَنَ فَإِنْ دُفِنَ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ (لَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا دَخَلَ عَلَيْهِ (بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ) عَلَى الْحَالِفِ، وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا مَعَهُ (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ (الْمُجَامَعَةَ) ، وَإِلَّا حَنِثَ.

(وَ) حَنِثَ (بِتَكْفِينِهِ) أَيْ إدْرَاجُهُ فِي كَفَنِهِ أَوْ تَغْسِيلِهِ، وَكَذَا حَمْلُهُ وَإِدْخَالُهُ الْقَبْرَ فِيمَا يَظْهَرُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا نَفَعَهُ حَيَاتَهُ) أَوْ مَا عَاشَ أَوْ أَبَدًا

(وَ) حَنِثَ (بِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ) أَيْ تَرِكَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (قَبْلَ قَسْمِهَا فِي) حَلِفِهِ (لَا أَكَلَتْ طَعَامَهُ) (إنْ أَوْصَى) الْمَيِّتُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ يَحْتَاجُ فِيهِ لِبَيْعِ مَالِ الْمَيِّتِ (أَوْ كَانَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (مَدِينًا) ، وَلَوْ غَيْرَ مُحِيطٍ، وَإِنَّمَا حَنِثَ لِوُجُوبِ وَقْفِهَا لِلْوَصِيَّةِ أَوْ لِلدَّيْنِ فَإِنْ أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ كَهَذَا الْعَبْدِ أَوْ شَائِعٍ كَرُبُعٍ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِبَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَلَوْ قَبْلَ قَسْمِهَا لَمْ يَحْنَثْ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلْمَيِّتِ فِيهَا تَعَلُّقٌ

(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ (بِكِتَابٍ) كَتَبَهُ هُوَ أَوْ أَمْلَاهُ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ ثُمَّ قُرِئَ عَلَيْهِ كَانَ عَازِمًا حِينَ الْكِتَابَةِ أَمْ لَا (إنْ وَصَلَ) الْكِتَابُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْهُ لَا إنْ لَمْ يَصِلْ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ عَازِمًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ بِخِلَافِ الْكَلَامِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْحَالِفُ (أَوْ) أَرْسَلَ لَهُ كَلَامًا مَعَ (رَسُولٍ) وَبَلَّغَهُ الرَّسُولُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أُكَلِّمُهُ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْمُشَافَهَةَ فَيَنْوِي فِي الرَّسُولِ مُطْلَقًا، وَفِي الْكِتَابِ فِي الْفَتْوَى كَالْقَضَاءِ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ (وَلَمْ يَنْوِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْقَضَاءِ أَنَّهُ نَوَى لَا أُكَلِّمُهُ مُشَافَهَةً (فِي) مَسْأَلَةِ (الْكِتَابِ فِي) خُصُوصِ (الْعِتْقِ) الْمُعَيَّنِ (وَالطَّلَاقِ) لِحَقِّ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ.

(وَ) حَنِثَ أَيْضًا فِي لَا كَلَّمَهُ (بِالْإِشَارَةِ لَهُ) ؛ لِأَنَّهَا تُعَدُّ كَلَامًا عُرْفًا (وَ) حَنِثَ (بِكَلَامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ) لِمَانِعٍ مِنْ اشْتِغَالٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ صَمَمٍ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ لَسَمِعَهُ عَادَةً احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَ فِي بُعْدٍ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُهُ مِنْهُ عَادَةً فَلَا حِنْثَ

[حاشية الدسوقي]

فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا أَوْ لَا أَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي بَيْتٍ (قَوْلُهُ: وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا) أَيْ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَقَوْلُهُ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ أَيْ ذَاتًا أَوْ مَنْفَعَةً، وَقَوْلُهُ فِي حَلِفِهِ لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا الْأَوْلَى بَيْتَهُ، وَلَوْ قَالَ حَيَاتَهُ أَوْ مَا عَاشَ؛ لِأَنَّهُمَا عُرْفًا بِمَعْنًى أَبَدًا، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا أَيْ؛ لِأَنَّ لِلْمَيِّتِ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَمْلِكُ ذَاتَهُ أَوْ مَنْفَعَتَهُ حَقًّا، وَهُوَ تَجْهِيزُهُ بِهِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْمِلْكِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَمَرَّ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ، وَيَصِيرُ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ هُوَ عَلَيْهِ.
اهـ. قَالَ ح، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِاسْتِقْرَارِهِ فِي الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا أَدْخُلُهَا، وَكَذَلِكَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ عَلَى الدُّخُولِ فَتَأَمَّلْهُ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ) أَيْ إنْ لَمْ يَنْوِ الْحَالِفُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ بَيْتًا اجْتِمَاعَهُ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ لَا حَقِيقَةَ الدُّخُولِ، وَقَوْلُهُ، وَإِلَّا حَنِثَ أَيْ الْحَالِفُ بِدُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ جُلُوسٌ.

(قَوْلُهُ: أَيْ إدْرَاجُهُ فِي كَفَنِهِ) أَيْ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْبَدْرُ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ بِهِ، وَأَوْلَى مِنْ التَّكْفِينِ فِي الْحِنْثِ شِرَاءُ الْكَفَنِ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْحَيَاةِ، وَهَذَا الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ هُوَ مَا اخْتَارَهُ بْن وَالْمِسْنَاوِيُّ خِلَافًا لعبق حَيْثُ قَالَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِبَقِيَّةِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ حَيَاتَهُ أَوْ قَالَ أَبَدًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِ مَا عَادَ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ وَالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَالدُّعَاءِ لَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَفِي كَبِيرِ خش إذَا حَلَفَ لَا يَنْفَعُ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِنَفْعِ أَوْلَادِهِ الَّذِينَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ.

(قَوْلُهُ: إنْ أَوْصَى أَوْ كَانَ مَدِينًا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَانَ لَهُ حَقٌّ بَاقٍ فِي التَّرِكَةِ فَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ (قَوْلُهُ: بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) أَيْ كَمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا وَحَنِثَ الْحَالِفُ أَيْ الَّذِي حَلَفَ لَا كَلَّمَهُمْ فُلَانًا.

(قَوْلُهُ: كَانَ عَازِمًا حِينَ الْكِتَابَةِ) أَيْ عَلَى كَلَامِهِ أَوْ كَانَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إنْ وَصَلَ) أَيْ، وَكَانَ الْوُصُولُ بِأَمْرِ الْحَالِفِ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَهُ الْحَالِفُ لِلرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُ بِعَدَمِ إيصَالِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَعَصَاهُ، وَأَوْصَلَهُ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا بِإِيصَالِهِ، وَلَا بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ) أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الزَّوْجَةِ، وَلَا عَلَى مُشَافَهَتِهَا (قَوْلُهُ: لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْحَالِفُ) أَيْ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْمُخَاطَبِ، وَمُشَافَهَتِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَرْسَلَ لَهُ) أَيْ أَوْ أَرْسَلَ الْحَالِفُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَبَلَّغَهُ الرَّسُولُ) أَيْ وَبَلَّغَ الرَّسُولُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ أَيْ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ وُصُولِ الرَّسُولِ فَلَا يُوجِبُ الْحِنْثَ (قَوْلُهُ: فَيَنْوِي فِي الرَّسُولِ مُطْلَقًا) أَيْ لِمُوَافَقَةِ نِيَّتِهِ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَمْ يَنْوِ فِي الْكِتَابِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَيْ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ شَامِلٌ لِلُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ بِخِلَافِ كَلَامِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَلَامٌ لَا لُغَةً، وَلَا عُرْفًا

(قَوْلُهُ: وَبِالْإِشَارَةِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سَمِيعًا أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ نَائِمًا لَكِنَّ الَّذِي فِي ح أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْحِنْثِ مُطْلَقًا خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ إذْ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَزَاهُ لِظَاهِرِ الْإِيلَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصِّ ابْنِ عَرَفَةَ، وَفِي حِنْثِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ ثَالِثُهَا فِي الَّتِي يَفْهَمُ بِهَا الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ -

وَالْوَاوُ فِي، وَلَوْ حَالِيَّةٌ، وَلَوْ زَائِدَةٌ

(لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ أَوْ لَا يَقْرَأُ بِ (قِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ) بِلَا حَرَكَةِ اللِّسَانِ (أَوْ قِرَاءَةِ أَحَدٍ) كِتَابَ مِنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْحَالِفِ بِأَنْ نَهَى الرَّسُولَ عَنْ إيصَالِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَعَصَاهُ، وَقَرَأَهُ عَلَيْهِ أَوْ قَرَأَهُ غَيْرُ الرَّسُولِ بِلَا إذْنٍ فَلَا يَحْنَثُ.

(وَلَا) يَحْنَثُ (بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ وَلَا) بِوُصُولِ (كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) إلَى الْحَالِفِ (وَلَوْ) (قَرَأَ) الْحَالِفُ كِتَابَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (عَلَى الْأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارِ، وَ) حَنِثَ (بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ) (أَوْ) كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (فِي جَمَاعَةٍ) فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الْحَالِفُ عَلِمَ أَنَّهُ فِيهِمْ أَمْ لَا (إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ) أَيْ يُخْرِجَهُ مِنْهُمْ بِقَلْبِهِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ أَمَّا إنْ حَدَثَتْ النِّيَّةُ فِي أَثْنَاءِ السَّلَامِ فَلَا تَنْفَعُهُ

(وَ) حَنِثَ (بِفَتْحٍ عَلَيْهِ) أَيْ إرْشَادُهُ لِلْقِرَاءَةِ إذَا وَقَفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَانْسَدَّتْ عَلَيْهِ طُرُقُهَا؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ قُلْ كَذَا.

[حاشية الدسوقي]

وَالثَّانِي لِسَمَاعِ عِيسَى، أَنَّ الْقَاسِمَ وَابْنَ رُشْدٍ مَعَ ظَاهِرِ إيلَائِهَا، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ بْن (قَوْلُهُ: وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ) أَيْ فَالْمَعْنَى وَحَنِثَ الْحَالِفُ بِكَلَامِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْمَعْ الْحَالِفَ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ لِلْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ مَا لَوْ سَمِعَهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهَا، وَقَدْ يُقَالُ: كُلُّ مُبَالَغَةٍ لَا يُتَوَهَّمُ نَفْيُ الْحُكْمِ عَمَّا قَبْلَهَا تَأَمَّلْ.
(تَنْبِيهٌ) لَوْ كَلَّمَ الْحَالِفُ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يُرِيدُ إسْمَاعَهُ فَسَمِعَ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَفِي حِنْثِهِ وَعَدَمِهِ قَوْلَا ابْنِ رُشْدٍ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ زِيَادٍ وَسَمَاعِ ابْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(قَوْلُهُ: لَا بِقِرَاءَتِهِ بِقَلْبِهِ إلَخْ) مَعْنَاهُ الْمُطَابِقُ لِسِيَاقِ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا كَلَّمَ فُلَانًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِكِتَابٍ وَصَلَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْحَالِفِ، وَقَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا قَرَأَهُ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ لَكِنْ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ السَّابِقَ وَبِكِتَابٍ إنْ وَصَلَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْحِنْثُ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي ابْنِ غَازِيٍّ فَلِذَا عَدَلَ الشَّارِحُ تَبَعًا لعبق عَنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ إلَى قَوْلِهِ لَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ إلَخْ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَمْلُ بَعِيدًا مِنْ كَلَامِهِ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: أَوْ قِرَاءَةُ أَحَدٍ إلَخْ) كَمَا لَوْ قُلْت وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا ثُمَّ كَتَبْت كِتَابًا لِزَيْدٍ وَدَفَعْته لِعَمْرٍو لِيُوصِلَهُ لِزَيْدٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَهَيْت عَمْرًا عَنْ إيصَالِهِ لِزَيْدٍ فَعَصَاك، وَأَوْصَلَهُ لَهُ، وَقَرَأَهُ عَلَيْهِ أَوْ قَرَأَهُ أَحَدٌ آخَرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِك فَلَا حِنْثَ عَلَيْك أَيُّهَا الْحَالِفُ بَلْ لَا حِنْثَ وَلَوْ قَرَأَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ وُصُولُهُ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَالِفِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ قِرَاءَةُ أَحَدٍ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ هُوَ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

(قَوْلُهُ: وَلَا بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا كَلَّمَ زَيْدًا فَصَلَّى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِقَوْمٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْحَالِفُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ السَّلَامَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْحَالِفَ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ أَوْ صَلَّى الْحَالِفُ إمَامًا بِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَاصِدًا التَّحْلِيلَ وَالسَّلَامَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ التَّسْلِيمَةُ الَّتِي قَصَدَ بِهَا الْإِمَامُ الْجَمَاعَةَ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهِمْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ثَانِيَةً عَلَى الْيَسَارِ كَمَا قَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ حَيْثُ قَالَ بِالْحِنْثِ فِي هَذِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الْحِنْثِ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ السَّلَامُ فِي آخِرِهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا مُعْتَقِدًا إتْمَامَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْنَثْ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلَامًا عُرْفًا بِخِلَافِ السَّلَامِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مَطْلُوبًا (قَوْلُهُ: وَلَا بِوُصُولِ كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) أَيْ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا كَلَّمْت فُلَانًا ثُمَّ إنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَرْسَلَ لِلْحَالِفِ كِتَابًا قَرَأَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ لَا كَلَّمْته لَا كَلَّمَنِي (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصْوَبِ) أَيْ عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُمَا عَدَمُ الْحِنْثِ وَالْحِنْثُ (قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَقَوْلُهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ أَيْ جَازِمًا أَنَّهُ غَيْرُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ لَا يُقَالُ هَذَا مِنْ اللَّغْوِ فَلَا يَحْنَثُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ اللَّغْوُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اللَّغْوُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ فَيَظْهَرُ نَفْيُهُ، وَالِاعْتِقَادُ هُنَا لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ لَغْوًا بَلْ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ تَعَلَّقَ بِزَيْدٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَزَيْدٌ لَيْسَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ بَلْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَدَمُ الْكَلَامِ، وَقَوْلُهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ أَيْ، وَأَوْلَى ظَانًّا أَوْ شَاكًّا أَوْ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: فَلَا تَنْفَعُهُ) أَيْ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْإِخْرَاجُ بِالْأَدَاةِ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ بِأَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِاللَّفْظِ، وَأَنَّ حَدِيثَ الْمُحَاشَاةِ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ إلَّا الْإِخْرَاجُ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ نِيَّةَ الْإِخْرَاجِ إذَا حَدَّثَتْ فِي أَثْنَاءِ السَّلَامِ لَا تَنْفَعُهُ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالنِّيَّةِ حَالَ السَّلَامِ يَنْفَعُ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحَاشَاةِ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالنِّيَّةِ حَالَ الْيَمِينِ هَلْ يَنْفَعُهُ أَوْ لَا قَوْلَانِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَالْإِخْرَاجُ حَالَ السَّلَامِ هُنَا كَالْإِخْرَاجِ حَالَ الْيَمِينِ.

(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِفَتْحٍ إلَخْ) أَيْ حَنِثَ مَنْ حَلَفَ

(وَ) حَنِثَ إذَا خَرَجَتْ زَوْجَتُهُ مَثَلًا (بِلَا) عِلْمِ (إذْنِهِ) لَهَا فِي الْخُرُوجِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) ، وَأَذِنَ لَهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ لَا بِسَبَبِ إذْنِي، وَهِيَ لَمْ تَخْرُجْ بِسَبَبِهِ بِخِلَافِ إلَّا إنْ أَذِنْتُ، وَأَذِنَ وَخَرَجَتْ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا حِنْثَ

(وَ) حَنِثَ (بِعَدَمِ عِلْمِهِ) أَيْ إعْلَامِهِ الْمَحْلُوفِ لَهُ لَمْ يَبَرَّ (فِي) حَلِفِهِ لِشَخْصٍ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِكَذَا (لَأُعْلِمَنَّهُ) بِهِ فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ مِنْ غَيْرِ الْحَالِفِ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ إلَّا بِالْإِعْلَامِ (وَإِنْ بِرَسُولٍ) يُرْسِلُهُ إلَيْهِ وَأَوْلَى بِكِتَابٍ فَإِنَّهُ يَبَرُّ فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْمَفْهُومِ (وَهَلْ) الْحِنْثُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) الْحَالِفُ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ لَهُ (عَلِمَ) بِالْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْإِعْلَامِ، وَمُطْلَقُ عِلْمِ الْحَالِفِ أَنَّهُ عَلِمَ أَوَّلًا (تَأْوِيلَانِ) الْأَظْهَرُ مُرَاعَاةُ الْبِسَاطِ (أَوْ) بِعَدَمِ (عِلْمٍ) أَيْ إعْلَامِ (وَالٍ) مِنْ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ (ثَانٍ) تَوَلَّى بَعْدَ أَوَّلٍ (فِي حَلِفِهِ) طَوْعًا (لِأَوَّلٍ فِي نَظَرٍ) أَيْ فِي مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَاتَ الْأَوَّلُ أَوْ عُزِلَ فَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْوَالِي نَفْسِهِ فَلَا حِنْثَ بِعَدَمِ إعْلَامِ الثَّانِي بَلْ بِعَدَمِ إعْلَامِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَيَكْفِي إعْلَامُهُ، وَإِنْ بِرَسُولٍ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ تَأْوِيلَانِ.

(وَ) حَنِثَ (بِمَرْهُونٍ) مِنْ الثِّيَابِ (فِي) حَلِفِهِ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ إعَارَتُهُ (لَا ثَوْبَ لِي) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ الْمَرْهُونِ (وَ) حَنِثَ (بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا بِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُ بِهِ مِنْ إسْكَانٍ أَوْ تَحْبِيسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَعَارَهُ وَبِالْعَكْسِ) أَيْ حَلِفُهُ لَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَهَبَهُ فَأَعَارَهُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ عَدَمُ نَفْعِهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ حِنْثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ، وَعَكْسُهُ بِالْأَوْلَى (وَنُوِّيَ) أَيْ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ إنْ أَعَادَهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، وَلَوْ فِي عِتْقٍ لِمُعَيِّنٍ وَطَلَاقٍ (إلَّا فِي صَدَقَةٍ) تَصَدَّقَ بِهَا بَدَلًا (عَنْ هِبَةٍ) بِأَنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ

[حاشية الدسوقي]

لَا كَلَّمْت فُلَانًا بِفَتْحٍ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الْفَتْحُ وَاجِبًا بِأَنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إمَامًا، وَفَتَحَ الْحَالِفُ عَلَيْهِ فِي الْفَاتِحَةِ.
إنْ قُلْت إذَا لَمْ يَحْنَثْ بِسَلَامِ الرَّدِّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ اسْتِنَانًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ إذَا وَجَبَ قُلْت الْفَتْحُ فِي مَعْنَى الْمُكَالَمَةِ إذْ هُوَ فِي مَعْنَى قُلْ كَذَا وَاقْرَأْ كَذَا بِخِلَافِ سَلَامِ الصَّلَاةِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْفَتْحِ مُطْلَقًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ فِي السُّورَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ عَلَيْهِ فِي الْفَاتِحَةِ

(قَوْلُهُ: وَبِلَا عِلْمٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا وَخَرَجَتْ بَعْدَ إذْنِهِ لَكِنْ قَبْلَ عِلْمِهَا بِالْإِذْنِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا، وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ فِي حَالِ سَفَرِهِ أَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) حَذَفَ مِنْهُ النُّونَ لِغَيْرِ جَازِمٍ، وَهُوَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لِكَوْنِهِ جَوَابًا لِلْقَسَمِ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ خَبَرٌ لَا نَهْيٌ (قَوْلُهُ: إلَّا بِسَبَبِ إذْنِي) أَيْ، وَلَيْسَ قَصْدُهُ لَا تَخْرُجِي إلَّا مُصَاحِبَةً لِإِذْنِي، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا مُصَاحِبٌ لِإِذْنِهِ فَلَوْ أَذِنَ لَهَا ثُمَّ رَجَعَ فِي إذْنِهِ فَخَرَجَتْ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْنَثُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ.

(قَوْلُهُ: وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِالشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ لَيُعْلِمَنَّ بِهِ زَيْدًا فَعَلِمَ بِهِ، وَلَمْ يُعْلِمْ بِهِ زَيْدًا حَتَّى عَلِمَهُ زَيْدٌ مِنْ غَيْرِ الْحَالِفِ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَحْنَثُ بِذَلِكَ حَتَّى يُعْلِمَ زَيْدًا، وَالْمُرَادُ بِحِنْثِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ عَلَى حِنْثٍ، وَيَطْلُبُ بِمَا يَبَرُّ بِهِ وَاَلَّذِي يَبَرُّ بِهِ إعْلَامُهُ زَيْدًا مُشَافَهَةً أَوْ بِرَسُولٍ أَوْ كِتَابٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِحِنْثِهِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي وَرْطَةِ الْيَمِينِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (قَوْلُهُ: فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْمَفْهُومِ) وَالْمَعْنَى فَإِنْ أَعْلَمَهُ بَرَّ، وَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ بِرَسُولٍ وَبَالَغَ عَلَى الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ (قَوْلُهُ: وَهَلْ الْحِنْثُ إلَّا أَنْ يُعْلِمَ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ) فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْخَبَرِ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِتَنْزِيلِ عِلْمِهِ بِإِعْلَامِ غَيْرِهِ مَنْزِلَةَ إعْلَامِهِ هُوَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِلَّخْمِيِّ وَالثَّانِي لِأَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ (قَوْلُهُ: أَوْ بِعَدَمِ عِلْمٍ وَالثَّانِي) حَاصِلُهُ أَنَّهُ حَلَفَ طَوْعًا لِوَالٍ أَوْ لِمُتَوَلٍّ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ إنْ رَأَى الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي فِيهِ ظَفَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ لَيُخْبِرَنَّهُ بِهِ فَمَاتَ ذَلِكَ الْوَالِي الْمَحْلُوفُ لَهُ أَوْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْحَالِفَ رَأَى الْأَمْرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ الْوَالِيَ الثَّانِيَ فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ أَيْ لَمْ يَبَرَّ، وَأَمَّا إعْلَامُ الْأَوَّلِ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لِلْوَالِي أَنَّهُ إذَا رَأَى الْأَمْرَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَك لَأُخْبِرَنَّكَ بِهِ ثُمَّ إنَّهُ عُزِلَ الْوَالِي وَتَوَلَّى غَيْرُهُ وَرَأَى الْحَالِفُ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِإِخْبَارِ الْوَالِي الْأَوَّلِ بِهِ دُونَ الثَّانِي، وَيَكْفِي إعْلَامُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ بِرَسُولٍ فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ الْحَالِفُ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ عَقْلِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ إعْلَامُ وَارِثِهِ أَوْ وَصِيِّهِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْوَالِي) أَيْ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ بَلْ بِعَدَمِ إعْلَامِ الْأَوَّلِ أَيْ بَلْ يَحْنَثُ بِعَدَمِ إعْلَامِ الْأَوَّلِ الْمَعْزُولِ.

(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِمَرْهُونٍ فِي حَلِفِهِ لَا ثَوْبَ لِي) أَيْ سَوَاءٌ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ الْمَرْهُونِ) أَيْ فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ فَلَا حِنْثَ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا فَإِنْ نَوَى لَا ثَوْبَ لِي تُمْكِنُ إعَارَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ فَقَوْلَانِ بِالْحِنْثِ، وَعَدَمِهِ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُهُ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى فَكِّ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعُسْرِهِ أَوْ لِكَوْنِ الدَّيْنِ مِمَّا لَا يُعَجَّلُ فَلَا حِنْثَ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: وَفُهِمَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نَظَرًا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ (قَوْلُهُ: وَنَوَى) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَالْعَكْسُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ -

فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا صُورَةُ الْمُصَنِّفِ الْأُولَى، وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا أَعَارَهُ فَتَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ إنْ رُوفِعَ مَعَ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ بِخِلَافِ صُورَةِ الْعَكْسِ، وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ أَوْ لَا يَهَبُ فَأَعَارَ، وَكَذَا إنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ فَوَهَبَ الَّتِي هِيَ عَكْسُ قَوْلِهِ إلَّا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ فَإِنَّهُ يَنْوِي حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ ثَلَاثَةً يَنْوِي مُطْلَقًا وَثَلَاثَةً يَنْوِي إلَّا فِيمَا عَلِمْتُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُفْتِي فَيَنْوِي مُطْلَقًا فِي الْجَمِيعِ.

(وَ) حَنِثَ (بِبَقَاءٍ) زَائِدِ عَنْ إمْكَانِ الِانْتِقَالِ (وَلَوْ لَيْلًا فِي) حَلِفِهِ (لَا سَكَنْت) هَذِهِ الدَّارَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لِعَدَمِ مَنْ يَنْقُلُ لَهُ مَتَاعَهُ أَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ يَنْقُلُهُ لِكَثْرَتِهِ، وَعَدَمِ تَأَتِّي النَّقْلِ عَادَةً فِي يَوْمٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَقْصُودِ بِالْيَمِينِ وَكَذَا خَوْفُ ظَالِمٍ أَوْ سَارِقٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ وُجُودُ بَيْتٍ لَا يُنَاسِبُهُ أَوْ كَثِيرُ الْأُجْرَةِ بَلْ يَنْتَقِلُ، وَلَوْ لِبَيْتِ شَعْرٍ ثُمَّ إذَا خَرَجَ لَا يَعُودُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْعُمُومِ بِخِلَافِ لَأَنْتَقِلَنَّ (لَا) يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَنْتَقِلَنَّ) إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِزَمَانٍ فَيَحْنَثُ بِمُضِيِّهِ، وَيُؤْمَرُ مَنْ أَطْلَقَ بِالِانْتِقَالِ، وَهُوَ عَلَى حِنْثٍ، وَلَا يَطَأُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ إنْ كَانَ حَلِفُهُ بِالطَّلَاقِ

(وَلَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ السُّكْنَى (بِخَزْنٍ) بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا إذْ لَا يُعَدُّ سُكْنَى بِخِلَافِ لَوْ أَبْقَى شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ مَخْزُونًا فَيَحْنَثُ كَمَا سَيَأْتِي لَهُ (وَانْتَقَلَ فِي لَا أُسَاكِنُهُ عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ) قَبْلَ الْيَمِينِ بِأَنْ يَنْتَقِلَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا انْتِقَالًا يَزُولُ مَعَهُ اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا (أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا) بَيْنَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ قَسْمُ الذَّاتِ بَلْ يَكْفِي قَسْمُ الْمَنَافِعِ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْخَلُ وَاحِدًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْجِدَارِ أَنْ يَكُونَ وَثِيقًا بَلْ يَكْفِي (وَلَوْ جَرِيدًا) خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَوْلُهُ (بِهَذِهِ الدَّارِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَاكِنِهِ أَيْ حَلَفَ لَا أَسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ

[حاشية الدسوقي]

لَا يَهَبُهُ أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَقِيقَةً لَا عَدَمَ نَفْعِهِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْعَارِيَّةِ وَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ مَعَ الْمُرَافَعَةِ.
(قَوْلُهُ: فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ) أَيْ فَيَحْنَثُ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: إنَّمَا أَرَدْت خُصُوصَ الْهِبَةِ لَا نَفْعَهُ مُطْلَقًا إذَا رُوفِعَ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَنْوِي) أَيْ فَيَحْنَثُ، وَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ أَنَّهُ أَرَادَ خُصُوصَ الْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا عَلِمَتْ) أَيْ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ إذَا حَصَلَتْ مُرَافَعَةٌ عِنْدَ الْقَاضِي

(قَوْلُهُ: وَبِبَقَاءٍ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَهُوَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْهَا فَوْرًا؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ سُكْنَى عُرْفًا فَإِنْ بَقِيَ فِيهَا بَعْدَ يَمِينِهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ إمْكَانِ الِانْتِقَالِ حَنِثَ، وَلَوْ كَانَ الْبَقَاءُ لَيْلًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكَمِّلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَوْلُ أَصْبَغَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَزِيدَ عَلَيْهَا.
اهـ. بْن، وَفِي عج أَنَّ هَذَا الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَمَنْ رَاعَى الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَمْهَلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَنْتَقِلُ لِمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِثْلُهُ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَحْنَثْ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ فِي مُدَّةِ النَّقْلِ سَاكِنًا (قَوْلُهُ: وَكَذَا خَوْفُ ظَالِمٍ) أَيْ، وَكَذَا لَا يَحْنَثُ بِبَقَائِهِ لَيْلًا لِخَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ سَارِقٍ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الْبَقَاءِ، وَيَمِينُهُ صِيغَةُ بِرٍّ، وَلَا حِنْثَ فِيهَا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ لَأَنْتَقِلَنَّ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ لِلدَّارِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ، وَلَا بَقِيتُ، وَلَا أَقَمْتُ مِثْلَ لَأَنْتَقِلَنَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ مِثْلُ لَا سَكَنْتُ اُنْظُرْ بْن فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ إذَا حَلَفَ لَا بَقِيتُ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَا أَقَمْتُ فِيهَا، وَلَا يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ بِزَمَنٍ.
(قَوْلُهُ: لَا فِي لَأَنْتَقِلَنَّ) الْقَلْشَانِيُّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي حَمْلِ يَمِينِهِ لَأَفْعَلَنَّ عَلَى الْفَوْرِ فَيَحْنَثُ بِتَأْخِيرِهِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَحْنَثُ بِهِ قَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّاقِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَطَأُ امْرَأَتَهُ) أَيْ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ حَتَّى يَنْتَقِلَ فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ وَرَافَعَتْهُ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ إيلَاءٍ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ.

(قَوْلُهُ: فِي لَا أُسَاكِنُهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَأَحْرَى لَوْ قَالَ فِي دَارٍ، وَكَانَا سَاكِنَيْنِ بِدَارٍ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِالِانْتِقَالِ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا كَانَ الِانْتِقَالُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ بِضَرْبِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ وَثِيقًا كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ آجُرَّ أَوْ كَانَ غَيْرَ وَثِيقٍ بِأَنْ كَانَ مِنْ جَرِيدٍ، وَهَذَا صُورَةُ الْمَتْنِ عَلَى الْحَلِّ الْأَوَّلِ الْآتِي لِلشَّارِحِ، وَهُوَ جَعْلُ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مُتَعَلِّقًا بِسَاكِنِهِ وَحَاصِلُ الْحَلِّ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ، وَكَانَا سَاكِنَيْنِ فِي دَارٍ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِالِانْتِقَالِ عُرْفًا أَوْ بِضَرْبِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ غَيْرَ وَثِيقٍ هَذَا إذَا قَالَ لَا سَاكَنَهُ فِي دَارٍ بَلْ، وَلَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الدَّارِ بَقِيَ مَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا سَاكَنَهُ، وَكَانَا بِحَارَةٍ أَوْ بِحَارَتَيْنِ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِحَارَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِقَالِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ أَوْ لَا سَاكَنَهُ فِي هَذِهِ الْحَارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ بِبَلْدَةٍ أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَيَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ لِبَلَدٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَهَا السَّعْيُ لِجُمُعَةٍ الْأُخْرَى بِأَنْ يَنْتَقِلَ لِبَلَدٍ عَلَى كَفَرْسَخٍ، وَإِنْ حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا بِحَارَتَيْنِ لَزِمَهُ الِانْتِقَالُ لِبَلْدَةٍ أُخْرَى عَلَى كَفَرْسَخٍ إنْ صَغُرَتْ الْبَلْدَةُ الَّتِي هُمَا بِهَا؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ كَمَحَلَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْبَلْدَةُ كَبِيرَةً فَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ وَتَلْزَمُهُ الْمُبَاعَدَةُ عَنْهُ، وَعَدَمُ سُكْنَاهُ مَعَهُ فَإِنْ سَكَنَ مَعَهُ حَنِثَ قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ حِينَ حَلِفِهِ بِمَحَلَّةٍ انْتَقَلَ لِأُخْرَى، وَمَحَلَّتَيْنِ فِي مَدِينَةٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُسَاكِنَهُ، وَفِي قَرْيَةٍ انْتَقَلَ لِأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ كَمَحَلَّةٍ وَاَلَّذِي فِي ح عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ، وَإِنْ كَانَا حِينَ الْيَمِينِ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ (قَوْلُهُ بِأَنْ يَنْتَقِلَا مَعًا) أَيْ مِنْ الْبَيْتِ أَوْ يَنْتَقِلُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ وَيَبْقَى الْآخَرُ سَاكِنًا فِيهِ.
(قَوْلُهُ اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا) احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا انْتَقَلَ -

وَأَحْرَى إنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَلَوْ قَدَّمَهُ بِلَصْقِهِ كَانَ أَوْلَى، وَقِيلَ هُوَ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ رَدًّا عَلَى مَا قِيلَ لَا يَكْفِي الْجِدَارُ فِي الْمُعَيَّنَةِ

(وَ) حَنِثَ فِي لَا أُسَاكِنُهُ (بِالزِّيَارَةِ) مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ (إنْ قَصَدَ) بِيَمِينِهِ (التَّنَحِّيَ) عَنْهُ أَيْ الْبُعْدِ إذْ لَا بُعْدَ مَعَ الزِّيَارَةِ (لَا) إنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بَلْ كَانَتْ يَمِينُهُ (لِدُخُولِ) شَيْءٍ بَيْنَ (عِيَالٍ) مِنْ نِسَاءٍ وَصِبْيَةٍ فَلَا حِنْثَ بِالزِّيَارَةِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ (إنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا) فَإِنْ أَكْثَرَهَا حَنِثَ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (وَيَبِيتُ بِلَا مَرَضٍ) قَامَ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ، وَيَبِيتَ بِالنَّصْبِ فَمَنْطُوقُهُ عَدَمُ الْحِنْثِ بِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ، وَمَفْهُومُهُ الْحِنْثُ بِوُجُودِهِمَا أَوْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَلَك أَنْ تَجْعَلَ يَبِيتُ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى يُكْثِرَ أَيْ فَلَا يَحْنَثُ إنْ انْتَفَيَا، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ وُجُودَ أَحَدِهِمَا كَافٍ فِي الْحِنْثِ فَإِنْ بَاتَ لِمَرَضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَامِلُ لَهُ دُخُولُ شَيْءٍ بَيْنَ الْعِيَالِ فَلَا وَجْهَ لِلْحِنْثِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْكَثْرَةُ وَالْبَيَاتُ مَعَ الْعِيَالِ

(وَسَافَرَ الْقَصْرَ) أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ (فِي) حَلِفِهِ (لَأُسَافِرَنَّ) حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ (وَمَكَثَ) فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ خَارِجًا عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (نِصْفَ شَهْرٍ) ، وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ وَالْمُرَادُ بِالْمُكْثِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِمَكَانٍ دُونَ الْمَسَافَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ اسْتَمَرَّ سَائِرًا نِصْفَ شَهْرٍ بَعْدَ الْمَسَافَةِ لَكَفَى (وَنُدِبَ كَمَالُهُ) أَيْ كَمَالُ الشَّهْرِ (كَأَنْتَقِلَنَّ) أَيْ كَحَلِفِهِ لَأَنْتَقِلَنَّ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَقِلَ لِأُخْرَى عَلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ، وَمُكْثِ نِصْفِ شَهْرٍ وَنُدِبَ كَمَالُهُ وَأَمَّا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الْحَارَةِ أَوْ نَوَى ذَلِكَ كَفَى الِانْتِقَالُ لِأُخْرَى، وَيَمْكُثُ نِصْفَ شَهْرٍ، وَيُنْدَبُ كَمَالُهُ فَإِنْ أَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِ مَنْ قَيَّدَ بِالْبَلَدِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً، وَقَوْلُهُ (وَلَوْ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَا سَكَنْت وَلِقَوْلِهِ لَأَنْتَقِلَنَّ لَكِنَّ الْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ

[حاشية الدسوقي]

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَكَانِ الْآخَرِ وَسَكَنَ فِيهِ فَهَذِهِ الْحَالَةُ لَا يَزُولُ مَعَهَا اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا فَلَا يَبَرُّ بِهَا، وَفِي ح عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَفَوْقَهُمَا مَحَلٌّ خَالٍ فَإِنْ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا لِلْعُلُوِّ وَبَقِيَ الْآخَرُ فِي الْأَسْفَلِ أَجْزَأَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَرَافِقُ مُسْتَقِلَّةٌ، وَمَدْخَلٌ مُسْتَقِلٌّ وَرَأَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكْفِي إذَا كَانَ سَبَبُ الْيَمِينِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَجْلِ الْمَاعُونِ، وَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فَلَا يَكْفِي.
(قَوْلُهُ: وَأَحْرَى إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) أَيْ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا أُسَاكِنُهُ فِي دَارٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُمَا سَاكِنَانِ فِي دَارٍ (قَوْلُهُ: رَدًّا عَلَى مَا قِيلَ) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (قَوْلُهُ: فِي الْمُعَيَّنَةِ) أَيْ فِي الدَّارِ الْمُعَيَّنَةِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا سَاكَنْته فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُصَنِّفُ أَشَارَ بِلَوْ لِخِلَافَيْنِ وَالْمَعْنَى أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا هَذَا إذَا كَانَ وَثِيقًا بَلْ، وَإِنْ كَانَ جَرِيدًا خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الدَّارَ بِأَنْ قَالَ لَا أُسَاكِنُهُ بَلْ، وَإِنْ عَيَّنَهَا بِأَنْ قَالَ لَا أُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا إنْ كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ) أَيْ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ لَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ لَا لِدُخُولٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ، وَمَفْهُومَ قَوْلِهِ لَا لِدُخُولٍ تَعَارَضَا فِيمَا إذَا كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي يَمِينِهِ فَمَفْهُومُ الشَّرْطِ يَقْتَضِي عَدَمَ حِنْثِهِ، وَمَفْهُومُ الثَّانِي يَقْتَضِي حِنْثَهُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الشَّرْطِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَكْثَرَهَا حَنِثَ إلَخْ) إلَّا أَنْ يَشْخَصَ إلَيْهِ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ (قَوْلُهُ: بِالْعُرْفِ) أَيْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (قَوْلُهُ: بِلَا مَرَضٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ مَرَضٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَجْلِسُ لِيُعَلِّلَهُ كَذَا فِي بْن، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ مَرَضٍ لِلْحَالِفِ فَعَجَزَ عَنْ الِانْتِقَالِ وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: فَمَنْطُوقُهُ عَدَمُ الْحِنْثِ بِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ) بِأَنْ لَمْ تَحْصُلْ كَثْرَةُ الزِّيَارَةِ نَهَارًا، وَلَا الْبَيَاتُ بِلَا مَرَضٍ، وَقَوْلُهُ، وَمَفْهُومُهُ الْحِنْثُ بِوُجُودِهِمَا أَيْ بِأَنْ أَكْثَرَ الزِّيَارَةِ نَهَارًا وَبَاتَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ وُجُودُ أَحَدِهِمَا ذَلِكَ بِأَنْ أَكْثَرَ الزِّيَارَةِ نَهَارًا، وَلَمْ يَبِتْ لِغَيْرِ مَرَضٍ بِأَنْ لَمْ يَبِتْ أَصْلًا أَوْ بَاتَ لِمَرَضٍ أَوْ أَنَّهُ بَاتَ لِغَيْرِ مَرَضٍ مِنْ غَيْرِ إكْثَارٍ لِلزِّيَارَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاتَ لِمَرَضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ لِمَرَضِ الْحَالِفِ كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ) أَيْ حِنْثُهُ بِوُجُودِهِمَا أَوْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ إلَخْ.

(قَوْلُهُ: حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَقْصَدِ الشَّرْعِيِّ) هَذَا يُؤَيِّدُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ تَقْدِيمُ الْمَقْصَدِ الشَّرْعِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِمَكَانٍ دُونَ الْمَسَافَةِ) أَيْ قَبْلَ نِصْفِ الشَّهْرِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْمَسَافَةِ أَيْ، وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٌ.
(قَوْلُهُ: كَفَى الِانْتِقَالَ لِأُخْرَى) أَيْ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَهَذَا إذَا قَصَدَ إرْهَابَ جَارِهِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا إنْ كَرِهَ مُجَاوِرَتَهُ فَلَا يُسَاكِنُهُ أَبَدًا.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَطْلَقَ) أَيْ فَإِنْ حَلَفَ لَأَنْتَقِلَنَّ، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْبَلَدِ أَوْ الدَّارِ أَوْ الْحَارَةِ لَا لَفْظًا، وَلَا نِيَّةَ، وَقَوْلُهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبَرَّ إلَخْ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ سَفَرُ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمُكْثُ نِصْفِ

فَالْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِإِبْقَائِهِ وَالْمُرَادُ بِالرَّحْلِ مَا يَحْمِلُ الْحَالِفَ عَلَى الرُّجُوعِ لَهُ إنْ تَرَكَهُ (لَا بِكَمِسْمَارٍ) وَوَتَدٍ مِمَّا لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْعَوْدِ فَلَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ (وَهَلْ) عُدِمَ الْحِنْثُ بِتَرْكِهِ (إنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ) لَهُ فَإِنْ نَوَى الْعَوْدَ حَنِثَ أَوْ عُدِمَ الْحِنْثُ مُطْلَقًا (تَرَدُّدٌ) وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يَقُولُ بِالْحِنْثِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ كَمَا إذَا نَسِيَ الْمِسْمَارَ وَنَحْوَهُ مَعَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الْحِنْثِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ فَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ إنْ نَوَى الْعَوْدَ فَإِنْ نَوَى عَدَمَهُ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلَوْ قَالَ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَوْدَهُ تَرَدَّدَ كَانَ أَحْسَنَ.

(وَ) مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَقَضَاهُ إيَّاهُ فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ أَوْ طَلَعَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ حَنِثَ (بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ) ، وَأَوْلَى كُلِّهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ الْبَاقِي يَفِي بِالدَّيْنِ (أَوْ) ظُهُورِ (عَيْبِهِ) الْقَدِيمِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ (بَعْدَ الْأَجَلِ) كَمَا إذَا وَجَدَ فِيهَا نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالْمَعِيبِ وَاجِدُهُ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَلَا حِنْثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصَ عَدَدٍ أَوْ وَزْنٍ فِي الْمُتَعَامَلِ بِهِ كَذَلِكَ فَيَحْنَثُ، وَلَوْ رَضِيَ.

(وَ) حَنِثَ مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا (بِبَيْعٍ فَاسِدٍ) مُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ، وَقَاصَصَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ حَقِّهِ (فَاتَ) الْمَبِيعُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْأَجَلِ الْمَحْلُوفِ إلَيْهِ (إنْ لَمْ تَفِ) الْقِيمَةُ بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يُكَمِّلُ الْحَالِفُ لِلْغَرِيمِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَوْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ لِمُضِيِّهِ بِالثَّمَنِ (كَأَنْ لَمْ يَفُتْ) الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ أَيْ، وَفَاتَ بَعْدَهُ فَإِنْ، وَفَّتْ الْقِيمَةُ بَرَّ، وَإِلَّا فَلَا (عَلَى الْمُخْتَارِ) فَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ حَنِثَ قَطْعًا

[حاشية الدسوقي]

شَهْرٍ وَنُدِبَ كَمَالُهُ.
(قَوْلُهُ: فَالْمَعْنَى بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إلَخْ) ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إذَا حَلَفَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْتَحِلَ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَمَتَاعِهِ فَوْرًا، فَإِنْ ارْتَحَلَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَأَبْقَى مِنْ مَتَاعِهِ مَا لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لَا إنْ تَرَكَ نَحْوَ مِسْمَارٍ أَوْ خَشَبَةٍ مِمَّا لَا يَحْمِلُ الْحَالِفُ عَلَى الْعَوْدِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَرَكَهُ لِيَعُودَ إلَيْهِ أَمْ لَا، وَقِيلَ إنْ نَوَى الْعَوْدَ إلَيْهِ حَنِثَ لَا إنْ نَوَى عَدَمَ الْعَوْدِ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَالتَّرَدُّدُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ نَوَى الْعَوْدَ لَهُ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَبَرُّ) أَيْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَيَنْتَقِلَنَّ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ فَإِذَا نَقَلَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَبْقَى رَحْلَهُ فَلَا يَبَرُّ بِذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ الْبَاقِي شَيْئًا قَلِيلًا كَمِسْمَارٍ أَوْ خَشَبَةٍ فَإِنَّهُ يَبَرُّ (قَوْلُهُ: وَهَلْ عَدِمَ الْحِنْثَ) أَيْ بِإِبْقَاءِ الْمِسْمَارِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ) التَّرَدُّدُ هُنَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي فَهْمِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَإِنْ تَرَكَ مِنْ النَّقْلِ مِثْلَ الْوَتَدِ وَالْمِسْمَارِ وَالْخَشَبَةِ مِمَّا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
اهـ. هَلْ يُقَيَّدُ بِمَا لَمْ يَنْوِ عَوْدَهُ لَهُ فَإِنْ نَوَى عَوْدَهُ إلَيْهِ حَنِثَ أَوْ يَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمْ فِي فَهْمِ الْمُدَوَّنَةِ عَبَّرَ بِالتَّرَدُّدِ دُونَ التَّأْوِيلَيْنِ.
اهـ. بْن، وَفِي عج أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّرَدُّدِ فِي مَحَلِّهِ، وَأَنَّ النَّقْلَ اخْتَلَفَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِيمَا إذَا نَوَى الْعَوْدَ وَنَقَلَ عَنْ أَشْهَبَ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَغَيْرُ ابْنِ رُشْدٍ نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ الْحِنْثِ إذَا نَوَى الْعَوْدَ لَهُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ) فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْحِنْثِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا أَوْ نَوَى الْعَوْدَ إلَيْهِ فَإِنْ نَوَى عَدَمَ الْعَوْدِ لَهُ فَلَا حِنْثَ.

(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى كُلُّهُ) أَيْ، وَقَامَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ يَجْرِي فِي الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ الْبَاقِي يَفِي بِالدَّيْنِ) ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ فِي حَقِّهِ إلَّا بِالْكُلِّ فَلَمَّا ذَهَبَ الْبَعْضُ انْتَقَضَ الرِّضَا، وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ وَظَاهِرُهُ الْحِنْثُ بِالِاسْتِحْقَاقِ، وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ أَخَذَ رَبُّ الْحَقِّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَقْضِيَّ بِهِ الدَّيْنُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْأَجَلِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ، وَكَانَ الْقِيَامُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْحِنْثَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ أَنْ يَقُومَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قِيَامُهُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَفِي مَسْأَلَةِ ظُهُورِ الْعَيْبِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ بِزِيَادَةِ كَوْنِ الْعَيْبِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلرَّدِّ أَوْ لَمْ يَقُمْ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ بَلْ سَامَحَ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ، وَإِنْ قَامَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَا حِنْثَ إنْ أَجَازَ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُجِزْ وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَإِلَّا حَنِثَ اُنْظُرْ ح. اهـ. بْن.

(قَوْلُهُ: وَبِبَيْعٍ فَاسِدٍ إلَخْ) صُورَتُهَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَبَاعَهُ عَرَضًا قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ بَيْعًا فَاسِدًا بِمِثْلِ الدَّيْنِ، وَقَاصَصَهُ بِالثَّمَنِ، وَفَاتَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَبَرُّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي الْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ أَوْ كَمَّلَ الْحَالِفُ لِلْغَرِيمِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ فَلَا حِنْثَ (قَوْلُهُ: كَأَنْ لَمْ يَفُتْ) هَذَا تَشْبِيهٌ بِمَا قَبْلَهُ تَامٌّ فِي مَنْطُوقِهِ، وَمَفْهُومِهِ، وَمَنْطُوقُهُ إنْ لَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِالدَّيْنِ وَمَفْهُومُهُ وَفَاؤُهَا بِالدَّيْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ اللَّخْمِيِّ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ فِي أَنَّ الْخِلَافَ وَالِاخْتِيَارَ جَارِيَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَفُتْ قَبْلَ الْأَجَلِ سَوَاءٌ فَاتَ بَعْدَهُ أَمْ لَا وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ فَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ، وَهُوَ قَائِمٌ فَقَالَ سَحْنُونٌ يَحْنَثُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ، وَأَرَى بِرَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ اهـ. نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ، وَقَدْ شَرَحَ ح كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَقَالَ -

فصول الكتاب · 4 فصل · 552 صفحة
جارٍ التحميل