لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَقِيلَ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ لَا مُطْلَقًا.
(وَ) حَنِثَ أَيْضًا (بِهِبَتِهِ) أَيْ بِهِبَةِ الدَّيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلْمَدِينِ الْحَالِفِ لِرَبِّهِ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك فِي أَجَلِ كَذَا، وَقَبْلَ الْهِبَةِ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ، وَلَا يَنْفَعُهُ دَفْعُهُ بَعْدَ الْقَبُولِ لِرَبِّهِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَإِنْ، وَفَّاهُ لِرَبِّهِ قَبْلَ الْأَجَلِ بَرَّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ لِلْأَجَلِ (أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ) لِلْحَالِفِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْحَالِفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَإِنْ) كَانَ الدَّفْعُ (مِنْ مَالِهِ) أَيْ الْحَالِفِ فَيَحْنَثُ أَيْ لَمْ يَبَرَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِدَفْعِ قَرِيبِهِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَيَرْضَى فَيَبَرُّ سَوَاءٌ دَفَعَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْحَالِفِ أَوْ كَانَ الدَّافِعُ وَكِيلًا لِلْحَالِفِ (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ) لِلْحَالِفِ عَلَى رَبِّ الْحَقِّ (بِالْقَضَاءِ) أَوْ تَذَكُّرِ أَنَّهُ كَانَ قَبَضَهُ وَأَبْرَأَهُ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (إلَّا بِدَفْعِهِ) الْحَقَّ لِرَبِّهِ (ثُمَّ أَخَذَهُ) مِنْهُ إنْ شَاءَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ إذَا قَبِلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ (لَا إنْ جُنَّ) الْحَالِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ لِأَجَلِ كَذَا أَوْ أُسِرَ أَوْ حُبِسَ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ (وَدَفَعَ الْحَاكِمُ) عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ الْحَاكِمِ فَيَبَرُّ حَيْثُ الْأَوْلَى لِلْمَجْنُونِ وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ بِدَفْعِ الْحَاكِمِ بَلْ يَدْفَعُ وَلِيَّهُ (وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ) الْحَاكِمُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ بَلْ بَعْدَهُ (فَقَوْلَانِ) بِالْحِنْثِ، وَعَدَمِهِ.
(وَ) حَنِثَ (بِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي) حَلِفِهِ (لَأَقْضِيَنَّك) حَقَّك (غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَيْسَ هُوَ) يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَلْ الْخَمِيسِ
[حاشية الدسوقي]
ابْنُ عَاشِرٍ مَفْهُومُ قَبْلَهُ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ كَأَنْ لَمْ يَفُتْ؛ لِأَنَّ هَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَفُتْ أَصْلًا وَبِمَا إذَا فَاتَ لَكِنْ بَعْدَ الْأَجَلِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي) فِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَحْنَثُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ أَمْ لَا وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَفُتْ قَبْلَ الْأَجَلِ فَهَذَا مُقَابِلٌ لِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ الْوَاقِعِ فِي الْمَتْنِ، وَكَذَا الْقَوْلُ بَعْدَهُ وَتَحَصَّلَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا ثُمَّ بَاعَهُ عَرَضًا بَيْعًا فَاسِدًا، وَقَاصَصَهُ بِالثَّمَنِ مِنْ حَقِّهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَفُوتَ ذَلِكَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ قَبْلَ الْأَجَلِ الْمَحْلُوفِ إلَيْهِ أَوْ لَا يَفُوتُ قَبْلَهُ فَإِنْ فَاتَ قَبْلَهُ حَنِثَ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ لَا تَفِي بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يُكَمِّلْ الْحَالِفُ لِلْغَرِيمِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ لَا تَفِي بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُكْمِلْ الْحَالِفُ لِلْغَرِيمِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ تَفِي بِالدَّيْنِ أَوْ أَكْمَلَ الْحَالِفُ لِلْغَرِيمِ بَقِيَّةَ حَقِّهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَا حِنْثَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ، سَوَاءٌ فَاتَ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَفُتْ أَصْلًا فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ قَالَ سَحْنُونٌ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ التَّفْصِيلَ، وَهُوَ الْحِنْثُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِيمَةِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ إنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ بِهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ بِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَمَّا كَانَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْقَوْلَيْنِ كَانَ مُخْتَارًا مِنْ الْخِلَافِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهِبَتِهِ لَهُ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ لِأَجَلِ كَذَا فَوَهَبَهُ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، وَقَبِلَ الْحَالِفُ الْهِبَةَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفَعُهُ إلَخْ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَعَلَى الْحِنْثِ فَهَلْ يَحْنَثُ بِنَفْسِ قَبُولِ الْهِبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ أَوْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، وَلَمْ يَقْضِهِ الدَّيْنَ، وَلَوْ قَضَاهُ إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبُولِ، وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ.
اهـ. قَالَ ح، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ حَمَلَ بَهْرَامُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
اهـ. وَذَكَرَ تت فِي كَبِيرِهِ عَنْ ابْنِ نَاجِيٍّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فَالصَّوَابُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ وَحَنِثَ الْمَدِينُ الْحَالِفُ لَأَقْضِيَنَّ حَقَّ فُلَانٍ إلَى أَجَلِ كَذَا فَوَهَبَهُ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، وَقَبِلَ الْحَالِفُ الْهِبَةَ، وَمَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَقْضِهِ الدَّيْنَ خِلَافًا لعبق وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَا يَنْفَعُهُ دَفْعُهُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ، لَا يُسَلَّمُ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ دَفْعُهُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ قَبْلَ الْأَجَلِ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ دَفْعٌ قَرِيبٌ عَنْهُ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك فَدَفَعَ الْحَقَّ لِرَبِّهِ قَرِيبُ الْحَالِفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّ الْحَالِفَ لَا يَبَرُّ، سَوَاءٌ دَفَعَ ذَلِكَ الْقَرِيبُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْحَالِفِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قَرِيبٍ غَيْرِ وَكِيلٍ أَوْ وَكِيلِ تَقَاضٍ لَهُ أَوْ ضَيْعَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَمَّا لَوْ كَانَ وَكِيلَ قَضَاءٍ أَوْ مُفَوَّضًا فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِدَفْعِهِ أَمَرَهُ أَمْ لَا عَلِمَ بِذَلِكَ وَسَكَتَ أَمْ لَا اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: إلَّا بِدَفْعِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ رَبَّهُ قَبَضَهُ أَوْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ بِذَلِكَ، وَلَا يَبَرُّ إلَّا بِدَفْعِ الْحَقِّ، وَإِذَا دَفَعَهُ فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ فَقَوْلُهُ ثُمَّ أَخَذَهُ يُقْرَأُ فِعْلًا مَاضِيًا أَيْ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَهُ أَخَذَهُ أَوْ يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ ثُمَّ لَهُ أَخْذُهُ، وَلَا يُقْرَأُ بِالْجَرِّ لِئَلَّا يُوهِمَ تَوَقُّفَ الْبِرِّ عَلَى الدَّفْعِ وَالْأَخْذِ مَعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْبِرُّ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ ابْنُ عَاشِرٍ، وَهَذَا إنْ قَبِلَ الْمَحْلُوفُ لَهُ قَبْضَ الْمَالِ فَإِنْ أَبَى، وَقَالَ لَا حَقَّ لِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبْضِهِ، وَيَقَعُ الْحِنْثُ، وَقَالَ بْن إنْ أَبَى لَهُ أَنْ يَدْفَعَ لِلْحَاكِمِ لِيَبَرَّ ثُمَّ يَأْخُذَهُ، وَاسْتَظْهَرَ عج جَبْرَ رَبِّ الْحَقِّ عَلَى قَبُولِهِ إنْ أَبَى مِنْهُ لِأَجْلِ أَنْ يَبَرَّ الْحَالِفُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ بِدَفْعِ الْحَاكِمِ) بَلْ بِدَفْعِ وَلِيِّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَبَرُّ بِدَفْعِ الْحَاكِمِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَجْنُونِ وَلِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ بِجُنُونِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلِّ بِرِّهِ حَيْثُ لَمْ يُفِقْ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِهِ لَهُ ثُمَّ أَخْذِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: فَقَوْلَانِ بِالْحِنْثِ، وَعَدَمِهِ) الْأَوَّلُ قَوْلُ أَصْبَغَ نَظَرًا إلَى حِينِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ نَظَرًا إلَى حِينِ -
مَثَلًا لِتَعَلُّقِ الْحِنْثِ بِالْغَدِ لَا بِتَسْمِيَتِهِ الْيَوْمِ، وَهُوَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ غَدًا (لَا) يَحْنَثُ (إنْ قَضَى قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ عَدَمُ الْمَطْلِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَدٍ الْمَطْلَ فَيَحْنَثُ بِالتَّعْجِيلِ (بِخِلَافِ) حَلِفِهِ عَلَى طَعَامٍ (لَآكُلَنَّهُ) غَدًا فَأَكَلَهُ قَبْلَهُ فَيَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يَقْصِدُ بِهِ الْيَوْمَ.
(وَلَا) يَحْنَثُ (إنْ بَاعَهُ بِهِ) أَيْ بِالْحَقِّ الَّذِي حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ إيَّاهُ (عَرَضًا) ، وَكَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَلَمْ يَقْصِدْ عَيْنَهَا بَلْ قَصَدَ وَفَاءَ الْحَقِّ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الْحَقِّ لَا أَقَلَّ (وَبَرَّ) الْحَالِفُ لَيَقْضِيَنَّ الْحَقَّ لِأَجَلِ كَذَا (إنْ غَابَ) الْمَحْلُوفُ لَهُ (بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ) لِدَيْنِهِ (أَوْ مُفَوَّضٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْطُوفٌ عَلَى تَقَاضٍ أَيْ، وَكِيلِ تَفْوِيضٍ، وَلَيْسَ اسْمَ مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَمْنَعُ مِنْهُ (وَهَلْ ثَمَّ) عِنْدَ فَقْدِهِمَا يَبَرُّ بِقَضَاءٍ (وَكِيلُ ضَيْعَةٍ) وُجِدَ الْحَاكِمُ أَوْ عُدِمَ لِكَوْنِهِ فِي رُتْبَةِ الْحَاكِمِ عِنْدَ وُجُودِهِ فَأَيُّهُمَا قَضَى لَهُ صَحَّ (أَوْ) مَحَلُّ الْبِرِّ بِهِ (إنْ عُدِمَ الْحَاكِمِ) الْعَادِلُ (وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَأْوِيلَانِ) الرَّاجِحُ الثَّانِي فَعُلِمَ أَنَّ وَكِيلَ الضَّيْعَةِ مُسَاوٍ لِلْحَاكِمِ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي يَقُولُ الْحَاكِمُ مُقَدَّمٌ وَالْمُرَادُ بِوَكِيلِ الضَّيْعَةِ غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَعَاطَى أُمُورَهُ وَلَمَّا كَانَ الْبِرُّ مِنْ الْيَمِينِ حَاصِلًا بِقَضَاءِ شَخْصٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ حَاصِلَةٌ بِالْأَوَّلَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ، وَفِي الرَّابِعِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَبَرِئَ) الْحَالِفُ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا بَرِئَ مِنْ الْيَمِينِ (فِي) دَفْعِهِ إلَى (الْحَاكِمِ) عِنْدَ فَقْدِ الْأَوَّلَيْنِ (إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ جَوْرُهُ) بِأَنْ تَحَقَّقَ عَدْلُهُ أَوْ شَكَّ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَحَقَّقَ جَوْرُهُ (بَرَّ) فِي يَمِينِهِ فَقَطْ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا لِوَكِيلِ التَّقَاضِي أَوْ الْمُفَوَّضِ أَوْ الْحَاكِمِ حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ جَوْرُهُ دُونَ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ وَشَبَّهَ فِي الْبِرِّ دُونَ الْبَرَاءَةِ قَوْلُهُ: (كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) حَيْثُ لَا وَكِيلَ، وَلَا حَاكِمَ عَادِلًا أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَمِنْهُمْ وَكِيلُ الضَّيْعَةِ، وَأَرَادَ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عَدَالَةٌ فَالْجَمْعُ عَلَى أَصْلِهِ (يُشْهِدُهُمْ) عَلَى إحْضَارِ الْحَقِّ، وَعَدَدِهِ وَوَزْنِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُ اجْتَهَدَ فِي الطَّلَبِ فَلَمْ يَجِدْهُ لِسَفَرٍ أَوْ تَغَيُّبٍ، وَيَتْرُكُهُ عِنْدَ عَدْلٍ مِنْهُمْ أَوْ عِنْدَ الْحَالِفِ نَفْسِهِ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهُ
[حاشية الدسوقي]
النُّفُوذِ.
(قَوْلُهُ: لِتَعَلُّقِ الْحِنْثِ بِالْغَدِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْيَوْمُ التَّالِي لِيَوْمِهِ، وَقَوْلُهُ لَا بِتَسْمِيَتِهِ الْيَوْمِ أَيْ لَا بِتَسْمِيَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَوْمَ) قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ حُمِلَ فِي الطَّعَامِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَفِي الدَّيْنِ عَلَى الْمَقْصِدِ وَلِذَا لَوْ قَصَدَ فِي الدَّيْنِ اللَّدَدَ بِالتَّأْخِيرِ، وَفِي الطَّعَامِ الرَّغْبَةَ فِي أَكْلِهِ لِكَوْنِهِ مَرِيضًا لَانْعَكَسَ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ دَنَانِيرَ إلَخْ) أَيْ، وَكَانَ الْحَقُّ دَنَانِيرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الْحَقِّ) رَدَّهُ اللَّقَانِيُّ قَائِلًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْمَبِيعِ أَنْ تُسَاوِيَ قِيمَتَهُ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ وَتَقْيِيدُ تت لَهُ بِذَلِكَ أَيْ بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ الْحَقِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
اهـ. عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: لَا أَقَلَّ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرَضِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَبَرَّ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَزْيَدَ مِنْ قِيمَتِهِ بِأَنْ بَاعَهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ (قَوْلُهُ: إنْ غَابَ الْمَحْلُوفُ لَهُ) أَيْ أَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَلَكِنْ اخْتَفَى وَاجْتَهَدَ الْحَالِفُ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَمْنَعُ مِنْهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ وَكِيلٍ إلَيْهِ تَمْنَعُ مِنْهُ، وَقَدْ يُقَالُ يُمْكِنُ عَطْفُ مُفَوَّضٌ عَلَى وَكِيلٍ أَيْ، أَوْ وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ فَحُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقَامَهُ فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِ مُفَوَّضٌ بِمَعْنَى تَفْوِيضٍ (قَوْلُهُ: وَكِيلُ ضَيْعَةٍ) أَيْ، وَهُوَ الَّذِي وَكَّلَهُ عَلَى قَبْضِ خَرَاجِهَا وَالضَّيْعَةُ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْعَقَارُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّ وَكِيلَ الضَّيْعَةِ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى شِرَاءَ النَّفَقَةِ لِلْبَيْتِ مِنْ لَحْمٍ وَخُضَارٍ وَصَابُونٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ شَارِحِنَا وَالْمُرَادُ بِوَكِيلِ الضَّيْعَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ وَالثَّانِي لِابْنِ لُبَابَةَ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ وَكِيلَ الضَّيْعَةِ إلَخْ) .
اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ مُسَاوَاةِ الْحَاكِمِ وَوَكِيلِ الضَّيْعَةِ، وَمِنْ تَقْدِيمِ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ عَلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ، وَهَلْ ثَمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ مَرْتَبَةَ وَكِيلِ الضَّيْعَةِ بَعْدَ مَا قَبْلَهُ، وَهَلْ الْحَاكِمُ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ مُؤَخَّرٌ عَنْهُ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ النَّقْلَ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ يَقُولُ بِتَسَاوِيهِمَا وَالتَّأْوِيلَ الثَّانِيَ يَقُولُ بِتَقْدِيمِ الْحَاكِمِ عَلَى وَكِيلِ الضَّيْعَةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَا أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلًا لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ، وَكِيلِ التَّقَاضِي وَالْمُفَوَّضِ وَوَكِيلِ الضَّيْعَةِ وَالْحَاكِمِ.
(قَوْلُهُ: بِالْأَوَّلَيْنِ) أَيْ بِالدَّفْعِ لَهُمَا، وَهُمَا وَكِيلُ التَّقَاضِي وَالْمُفَوَّضُ (قَوْلُهُ: دُونَ الثَّالِثِ) أَيْ، وَهُوَ، وَكِيلُ الضَّيْعَةِ أَيْ دُونَ الدَّفْعِ لَهُ، وَقَوْلُهُ، وَفِي الرَّابِعِ أَيْ، وَفِي الدَّفْعِ لِلرَّابِعِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ تَفْصِيلٌ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْنِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ الْعُدُولِ لَا يَكْفِي وَاَلَّذِي فِي كَبِيرِ خش وشب نَقْلًا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُهُمْ يَكْفِي (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عَدَالَةٌ فَالْجَمْعُ عَلَى أَصْلِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ تُجْبِرُ خَلَلَ الشُّهُودِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِثَلَاثَةٍ مِنْ غَيْرِ الْعُدُولِ، وَلَا يُسَلَّمُ هَذَا بَلْ إذَا عُدِمَتْ الْعُدُولُ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الشُّهُودِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الصِّدْقُ الْمُتَأَتِّي بِالْعُدُولِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: جَمَاعَةٌ يُشْهِدُهُمْ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِجَعْلِهِ عِنْدَ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ إشْهَادِ عَدْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي فِي ح عَنْ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْحَقَّ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْقَفَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَبَرُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْحَقِّ وَكِيلٌ، وَلَا سُلْطَانٌ، وَمِثْلُهُ فِي بَهْرَامَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ، وَلَا يَبَرُّ بِلَا إشْهَادٍ إمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا أَبْقَاهُ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِمَا فِي ح
وَلَا يَبَرُّ بِلَا إشْهَادٍ
(وَلَهُ يَوْمٌ، وَلَيْلَةٌ) الْأَوْلَى، وَلَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ الشَّهْرِ (فِي) حَلِفِهِ لَأَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي (رَأْسِ الشَّهْرِ) الْفُلَانِيِّ (أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ) ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ، وَكَذَا فِي رَأْسِ الْعَامِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ (وَ) لَهُ فِي حَلِفِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ (إلَى رَمَضَانَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ شَعْبَانَ) أَيْ فَالْأَجَلُ شَعْبَانُ فَقَطْ، وَمِثْلُهُ إلَى اسْتِهْلَالِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِاسْتِهْلَالِهِ فَضَعِيفٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ لَهُ لَيْلَةٌ، وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ بِخِلَافِ إلَى فَفَرْقٌ بَيْنَ جَرِّهِ بِاللَّامِ وَجَرِّهِ بِإِلَى.
(وَ) حَنِثَ (بِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً) بِالْمَدِّ ثَوْبٌ مُفَرَّجٌ (أَوْ عِمَامَةً فِي) حَلِفِهِ (لَا أَلْبَسُهُ) ، وَلَبِسَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ أَوْ وَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ أَوْ اتَّزَرَ بِهِ (لَا) يَحْنَثُ بِجَعْلِهِ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً (إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ) أَوْ لِسُوءِ صَنْعَتِهِ أَيْ إنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْحَلِفِ ذَلِكَ (وَلَا وَضَعَهُ) عَطْفٌ عَلَى جَعَلَهُ الْمُقَدَّرُ بَعْدَ لَا مِنْ قَوْلِهِ لَا إنْ كَرِهَهُ عَلَى كَرِهَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى (عَلَى فَرْجِهِ) لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ لَفٍّ وَلَا إدَارَةٍ.
(وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ) عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى كَأَنْ وَسَّعَهُ أَوْ عَلَّاهُ مَعَ بَقَائِهِ فِي مَحَلِّهِ الْأَوَّلِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَدْخُلُهُ) أَيْ لَا أَدْخُلُ مِنْهُ لِلدَّارِ (إنْ لَمْ يُكْرَهْ ضِيقُهُ) فَإِنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْيَمِينِ كَرَاهَةَ ضِيقِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَغَيَّرَ الْحَالَةَ زَالَ مَعَهَا مَا كَرِهَ فَلَا حِنْثَ.
(وَ) حَنِثَ (بِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ) أَيْ ظَهْرِ الْبَيْتِ (وَبِمُكْتَرٍ) أَوْ مُعَارٍ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ بَيْتًا) ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ يُنْسَبُ لِسَاكِنِهِ وَالِاسْتِقْرَارُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَوْ مُرُورًا دُخُولٌ
(وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ) لِلْحَالِفِ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْ طَعَامِ فُلَانٍ (دَفَعَ لَهُ) أَيْ لِلْوَلَدِ (مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ) شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ كَرَغِيفٍ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْحَالِفُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ دَفَعَ لِوَلَدِهِ هَذَا الرَّغِيفَ (إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ) أَيْ الْوَلَدِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِيهِ الْحَالِفِ لِفَقْدِ الْوَلَدِ، وَيُسْرِ أَبِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَدْفُوعِ لِلْوَلَدِ يَسِيرًا، وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَبَرُّ بِلَا إشْهَادٍ) أَيْ لَا يَبَرُّ بِإِحْضَارِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إخْبَارِهِمْ بِأَنَّهُ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ لِأَجَلِ كَذَا، وَأَنَّهُ أَحْضَرَ الْحَقَّ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَلَمْ يُشْهِدْهُمْ عَلَى إحْضَارِ الْحَقِّ، وَعَدَدِهِ وَوَزْنِهِ.
(قَوْلُهُ: الْأَوْلَى) أَيْ؛ لِأَنَّ لَيْلَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: مِنْ الشَّهْرِ) أَيْ الثَّانِي فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ كَانَ حَانِثًا (قَوْلُهُ: وَلَهُ فِي حَلِفِهِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِ رَمَضَانَ فَظَرْفُ الْقَضَاءِ شَعْبَانُ لَا غَيْرُ فَبِمُجَرَّدِ انْسِلَاخِ شَعْبَانَ وَاسْتِهْلَالِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ كَانَ حَانِثًا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَأَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ لِاسْتِهْلَالِ رَمَضَانَ فَلَهُ يَوْمٌ، وَلَيْلَةٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا مَرَّ وَلَمْ يُوَفِّهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ إلَى رَمَضَانَ (قَوْلُهُ: بَيْنَ جَرِّهِ) أَيْ الِاسْتِهْلَالِ بِاللَّامِ وَجَرِّهِ بِإِلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَبِسَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مُجَرَّدَ الْجَعْلِ، وَإِنْ لَمْ يَلْبَسْ إذْ لَا حِنْثَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ إنْ كَرِهَهُ لِذَاتِهِ لَا إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ أَيْ لَا إنْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى حَلِفِهِ عَلَى عَدَمِ لُبْسِهِ ضِيقَهُ أَوْ سُوءَ صَنْعَتِهِ فَقَطَعَهُ وَجَعَلَهُ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِمَّا يُلْبَسُ كَأَنْ كَانَ قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُلْبَسُ بِوَجْهٍ مِثْلُ الشُّقَّةِ فَإِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُهَا ثُمَّ قَطَعَهَا، وَلَبِسَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يَنْوِي أَنَّهُ أَرَادَ ضِيقَهَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ (قَوْلُهُ: وَلَا وَضَعَهُ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ الْفُلَانِيَّ فَوَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ مِنْ غَيْرِ لَفٍّ، وَلَا إدَارَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ (قَوْلُهُ: لِفَسَادِ الْمَعْنَى) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ لَا يَحْنَثُ بِجَعْلِهِ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً إنْ كَانَ قَدْ وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا أَدْخُلُ مِنْهُ لِلدَّارِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ الْجَارَّ، وَأَوْصَلَ الضَّمِيرَ بِالْفِعْلِ (قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ ضِيقِهِ أَوْ نَحْوِهِ) أَيْ كَمُرُورِهِ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فَلَا حِنْثَ أَيْ بِدُخُولِهِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ بَعْدَ تَغْيِيرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَبِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا يَسْكُنُهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِقِيَامِهِ أَيْ عُلُوِّهِ، وَلَوْ مُرُورًا عَلَى ظَهْرِ ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِي سَكَنَهُ فُلَانٌ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ بِأَنْ نَزَلَ عَلَى سَطْحِهِ مِنْ سَطْحِ الْجَارِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَوْ مُرُورًا يُعَدُّ دُخُولًا، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ فَاسْتَعْلَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ بِذَلِكَ احْتِيَاطًا كَمَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ، وَالْبِرُّ يُحْتَاطُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَبِمُكْتَرًى إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا أَوْ بَيْتَهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ فِي بَيْتٍ سَاكِنٍ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ فَقَطْ بِكِرَاءٍ أَوْ إعَارَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لِسَاكِنِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِمِلْكِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ بَيْتًا يَمْلِكُهُ فَلَا حِنْثَ بِدُخُولِ بَيْتِ الْكِرَاءِ أَوْ الْإِعَارَةِ.
(قَوْلُهُ: وَبِأَكْلٍ إلَخْ) أَيْ وَحَنِثَ الْحَالِفُ بِأَكْلِهِ مِنْ وَلَدِهِ طَعَامًا دَفَعَهُ لَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ لَهُ طَعَامًا، وَكَذَا لَوْ دَفَعَهُ لِوَالِدِ الْحَالِفِ غَيْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ أَرْسَلَهُ الْوَلَدُ مَعَ الرَّسُولِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) أَيْ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) هَذَا شَرْطٌ أَوَّلٌ فِي الْحِنْثِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ إلَخْ شَرْطٌ ثَانٍ فِيهِ فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهُمَا فَلَا حِنْثَ، وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ قَيَّدَ بِهِمَا بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ قَوْلَ الْإِمَامِ بِالْحِنْثِ (قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَدْفُوعِ لِلْوَلَدِ يَسِيرًا) أَيْ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا فِي الْوَقْتِ كَالْكِسْرَةِ
إذْ لَيْسَ لِلْأَبِ رَدُّ الْكَثِيرِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلْأَبِ رَدُّهُ فَكَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ، وَالْعَبْدُ كَالْوَلَدِ إلَّا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِمَّا دَفَعَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةِ.
(وَ) حَنِثَ (بِالْكَلَامِ) مَثَلًا (أَبَدًا) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الزَّمَانِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ) أَوْ السِّنِينَ حَمْلًا لِأَلْ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ (وَ) لَزِمَهُ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَيَّامِ أَوْ الشُّهُورِ أَوْ السِّنِينَ (فِي) حَلِفِهِ عَلَيَّ (كَأَيَّامٍ) بِالتَّنْكِيرِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَلَا يُحْسَبُ يَوْمُ الْحَلِفِ لَكِنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ فِيهِ (وَهَلْ كَذَلِكَ) أَيْ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَهْجُرَنَّهُ) وَأُطْلِقَ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْهِجْرَانِ الْجَائِزِ (أَوْ) يَلْزَمُهُ (شَهْرٌ) رَعْيًا لِلْعُرْفِ (قَوْلَانِ و) لَزِمَ (سَنَةٌ) مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ (فِي حِينٍ وَزَمَانٍ، وَعَصْرٍ وَدَهْرٍ) ، وَلَا فَرْقَ فِي الْأَوَّلِ بَيْنَ تَعْرِيفِهِ وَتَنْكِيرِهِ بِخِلَافِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي تَعْرِيفِهَا الْأَبَدُ.
(وَ) حَنِثَ (بِمَا) أَيْ بِنِكَاحٍ (يُفْسَخُ) أَبَدًا أَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ مُضِيِّهِ فَفُسِخَ (أَوْ) بِتَزَوُّجِهِ (بِغَيْرِ نِسَائِهِ) أَيْ بِمَا لَا تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي شَأْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهُنَّ لِدَنَاءَتِهَا عَنْهُنَّ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَتَزَوَّجَنَّ) إنْ لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِأَجَلٍ، وَمَعْنَى حِنْثِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبَرَّ فَإِنْ قَيَّدَ بِأَجَلٍ حَنِثَ بِانْقِضَائِهِ حَقِيقَةً فَإِنْ كَانَ يَمْضِي بِالدُّخُولِ أَوْ بِالطُّولِ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّهِ بَرَّ إنْ أَطْلَقَ أَوْ أَجَّلَ، وَلَمْ يَنْقَضِ الْأَجَلُ إلَّا بَعْدَ الْمُضِيِّ.
(وَ) حَنِثَ (بِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي) حَلِفِهِ (لَا أَتَكَفَّلُ) بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ لِلْمَالِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْغَرِيمِ (إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُ الْغُرْمِ) عِنْدَ تَعَذُّرِهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ضَمَانَ طَلَبٍ، وَهُوَ لَا يَحْنَثُ بِهِ فَإِنْ حَلَفَ لَا أَتَكَفَّلُ، وَأَطْلَقَ حَنِثَ بِأَنْوَاعِ الضَّمَانِ كُلِّهَا
[حاشية الدسوقي]
(قَوْلُهُ: إذْ لَيْسَ لِلْأَبِ رَدُّ الْكَثِيرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ نَفَقَةُ وَلَدِي عَلَيَّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ عَنِّي مِنْهَا شَيْئًا (قَوْلُهُ: عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ كَالْوَلَدِ) أَيْ فَكَمَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِالْأَكْلِ مِنْ طَعَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ الْمَدْفُوعِ لِوَلَدِهِ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ إذَا كَانَ مَدْفُوعًا لِعَبْدِهِ (قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ كَالْوَلَدِ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا قَالَ شَيْخُنَا وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ مَا يَئُولُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مِمَّا دُفِعَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا) أَيْ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ رَدُّ مَا وَهَبَ لِعَبْدِهِ، سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ كَذَا عَلَّلُوا لَكِنْ اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي فِي الْهِبَةِ وَلِغَيْرِ مَنْ أَذِنَ لَهُ الْقَبُولُ بِلَا إذْنٍ فَالْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِأَنَّ مَا بِيَدِ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ لَهُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ اللَّذَيْنِ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَى الْحَالِفِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِمَّا دَفَعَ لَهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَيْسَا مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا لِلْوَلَدِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْعِلَّةُ الْجَارِيَةُ فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَلَدِ الْفَقِيرِ تَجْرِي فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ فَمَا الْفَرْقُ.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْوَلَدَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِلْوَالِدِ دُونَ الْعَكْسِ.
اهـ عَدَوِيٌّ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ أَيْ وَكَذَا وَلَدُ الْوَلَدِ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْكَلَامِ بِهَذَا الْحُكْمِ بَلْ مِثْلُهُ لَا أَلْبَسُهُ أَوْ لَا أَرْكَبُهُ الْأَيَّامَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ إلَخْ) مِثْلُهُ لَا أُكَلِّمُهُ فَقَطْ حَيْثُ لَا بِسَاطَ، وَلَا نِيَّةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فِي حَلِفِهِ عَلَيَّ كَأَيَّامٍ) أَيْ بِأَنْ حَلَفَ لَا أُكَمِّلُهُ أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سَنِينًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ) أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ أَبَدًا، وَأَنَّ التَّنْكِيرَ كَالتَّعْرِيفِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعُرْفَ جَرَى فِي التَّنْكِيرِ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَى لَا أُكَلِّمُهُ أَيَّامًا لَأَتْرُكَنَّ كَلَامَهُ أَيَّامًا (قَوْلُهُ: وَلَا يُحْسَبُ يَوْمُ الْحَلِفِ) أَيْ لَا يُحْسَبُ يَوْمُ الْحَلِفِ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ سَبَقَ الْيَمِينَ بِالْفَجْرِ لَكِنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُ فِيهِ فَإِنْ كَلَّمَهُ فِيهِ حَنِثَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقِيلَ: إنَّ يَوْمَ الْحَلِفِ لَا يُلْغَى بَلْ تَكْمُلُ بَقِيَّتُهُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي الْيَوْمَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وَظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ النُّذُورِ تَرْجِيحُهُ، وَكَلَامُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنْ وَقَعَ الْحَلِفُ لَيْلًا اُعْتُبِرَتْ صَبِيحَةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
اهـ. عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) الْأَوَّلُ لِلْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ وَالثَّانِي لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ، وَالثَّانِي بِالْعَكْسِ وَالرَّاجِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ كَمَا فِي المج (قَوْلُهُ: وَسَنَةٌ فِي حِينٍ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا إذَا اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عُرْفًا فِي السَّنَةِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً.
اهـ.
بْن (قَوْلُهُ: فِي حِينٍ) أَيْ فِي حَلِفِهِ لَا أُكَلِّمُهُ حِينًا أَوْ زَمَانًا أَوْ عَصْرًا أَوْ دَهْرًا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَخِيرَةِ) أَيْ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، وَهِيَ زَمَانٌ وَعَصْرٌ وَدَهْرٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ فِي تَعْرِيفِهَا الْأَبَدُ رَعْيًا لِلْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ هُوَ الْحِينَ لُغَةً فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالْوَاوِ وَفِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ حِينًا وَزَمَانًا، وَعَصْرًا وَدَهْرًا حُمِلَ عَلَى التَّأْكِيدِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهَا بِالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ فَلِلْمُغَايَرَةِ، وَإِنْ قَالَ أَحْيَانَا أَوْ زَمَانًا أَوْ عَصْرًا أَوْ دَهْرًا لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ سِنِينَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِتَزَوُّجِهِ بِغَيْرِ نِسَائِهِ إلَخْ) أَيْ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا (قَوْلُهُ: لِدَنَاءَتِهَا عَنْهُنَّ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ كَالْكِتَابِيَّةِ وَالْفَقِيرَةِ وَالزَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: وَمَعْنَى حِنْثِهِ أَنَّهُ لَمْ يَبَرَّ) أَيْ أَوْ يُحْمَلُ حِنْثُهُ عَلَى مَا إذَا عَزَمَ عَلَى الضِّدِّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْوَاعِ الضَّمَانِ كُلِّهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ضَمَانَ غُرْمٍ أَوْ ضَمَانَ وَجْهٍ أَوْ ضَمَانَ طَلَبٍ وَبِهَذَا قَيَّدَ التَّكَفُّلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْمَالِ كَمَا قَيَّدَتْ بِهِ الْمُدَوَّنَةُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَتَكَفَّلُ بِمَالٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِضَمَانِ الْغُرْمِ أَوْ بِضَمَانِ الْوَجْهِ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُ الْغُرْمِ، وَلَا يَحْنَثُ بِضَمَانِ الطَّلَبِ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا أَتَكَفَّلُ
(وَ) حَنِثَ (بِهِ) أَيْ بِالضَّمَانِ (لِوَكِيلٍ) عَنْ شَخْصٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ وَكِيلُهُ (فِي) حَلِفِهِ (لَا أَضْمَنُ لَهُ) أَيْ لِلشَّخْصِ (إنْ كَانَ) الْوَكِيلُ الْمَضْمُونُ لَهُ (مِنْ نَاحِيَتِهِ) أَيْ لِلشَّخْصِ كَقَرِيبِهِ وَصَدِيقِهِ (وَهَلْ) الْحِنْثُ (إنْ عَلِمَ) الْحَالِفُ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ لِيَكُونَ بِذَلِكَ كَأَنَّهُ عَلِمَ بِالْوَكَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا حِنْثَ أَوْ الْحِنْثُ مُطْلَقًا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ لَا (تَأْوِيلَانِ) أَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ فَالْحِنْثُ اتِّفَاقًا.
(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ (بِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْته) أَيْ ذَلِكَ الشَّخْصَ (قَالَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرَ (لِغَيْرِي) أَوْ لِأَحَدٍ بِدُونِ غَيْرِي (لِمُخْبِرٍ) بِالْكَسْرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ بِقَوْلِهِ لِمَنْ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ نَاقِلًا لَهُ عَنْ شَخْصٍ كَانَ قَدْ أَسَرَّ بِهِ الْحَالِفُ وَحَلَّفَهُ لَيَكْتُمَنَّهُ وَلَا يُبْدِيهِ لِأَحَدٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (فِي) حَلِفِهِ (لَيُسِرَّنَّهُ) ، وَلَا يُخْبِرُ بِهِ أَحَدًا فَنَزَلَ قَوْلُهُ: مَا ظَنَنْته.
. . إلَخْ مَنْزِلَةَ الْإِخْبَارِ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ.
(وَ) حَنِثَ (بِاذْهَبِي) أَيْ بِقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ مَثَلًا اذْهَبِي أَوْ انْصَرِفِي (الْآنَ) ظَرْفٌ لَحَنِثَ الْمُقَدَّرِ، وَلَوْ حَذَفَهُ مَا ضَرَّ (إثْرَ) أَيْ عَقِبَ حَلِفِهِ (لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي) كَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اذْهَبِي كَلَامٌ قَبْلَ الْفِعْلِ
(وَلَيْسَ قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِ كَلَامِهِ (لَا أُبَالِي) بِك (بَدَأَ) يُوجِبُ حَلَّ الْيَمِينِ (لِقَوْلٍ آخَرَ) فِي حَلِفِهِ (لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأَنِي) لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبِرِّ.
(وَ) حَنِثَ بَائِعٌ سِلْعَةٍ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْ الْمُشْتَرِي (بِالْإِقَالَةِ فِي) حَلِفِهِ حِينَ سَأَلَهُ الْمُشْتَرِي حَطِيطَةَ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ (لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ تَفِ) قِيمَةُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْمُشْتَرِي مَا نَقَصْته، وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ تَفِ
[حاشية الدسوقي]
وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَنْوَاعِ الضَّمَانِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَحَنِثَ بِهِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَضْمَنُ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِضَمَانِهِ لِوَكِيلِهِ فِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ اقْتَرَضَهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِوَكَالَتِهِ لَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ الْمَضْمُونُ فِي الْوَاقِعِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُوَكِّلِ صَدِيقًا مُلَاطِفًا أَوْ قَرِيبًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَلَا حِنْثَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِكَفَالَةٍ فَتَكَفَّلَ لِوَكِيلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِوَكَالَتِهِ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ.
اهـ.، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَوْ كَانَ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَحْنَثُ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) سَبَبُهُمَا أَنَّ ابْنَ الْمَوَّازِ قَيَّدَ الْحِنْثَ نَقْلًا عَنْ مَالِكٍ وَأَشْهَبَ بِمَا إذَا عَلِمَ الْحَالِفُ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ بِأَنْ عَلِمَ بِقَرَابَتِهِ أَوْ صَدَاقَتِهِ لَهُ فَذَكَرَ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ وَحَمَلَهَا هُوَ عَلَى ظَاهِرِهَا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَمْ لَا، وَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ إذَا ادَّعَى الْحَالِفُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ الْوَكِيلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ بِأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مَعَ الْمُرَافَعَةِ، وَتُقْبَلُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِهِمَا أَوْ بِهِمَا مَعَ الْفَتْوَى اهـ. بْن (قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ فَالْحِنْثُ اتِّفَاقًا) الْأَوْلَى مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ لَا عَلِمَ بِأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتُهُ أَوْ لَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِالْوَكَالَةِ فَالْحِنْثُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ فِي الْوَاقِعِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ لَا.
خِلَافٌ، وَكُلُّ هَذَا إذَا ضَمِنَ الْوَكِيلُ فِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ اقْتَرَضَهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ ضَمِنَ الْحَالِفُ الْوَكِيلَ فِيمَا اشْتَرَاهُ أَوْ اقْتَرَضَهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ عَلِمَ حِينَ الضَّمَانِ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَبِقَوْلِهِ إلَخْ) صُورَتُهَا أَعْلَمَ زَيْدٌ خَالِدًا بِأَمْرٍ وَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى كِتْمَانِهِ ثُمَّ إنَّ زَيْدًا أَسَرَّهُ لِغَيْرِ خَالِدٍ فَأَسَرَّهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ لِخَالِدٍ، وَأَخْبَرَهُ بِهِ فَقَالَ خَالِدٌ لِلْمُخْبِرِ لَهُ مَا ظَنَنْت أَنَّ زَيْدًا قَالَ ذَلِكَ الْأَمْرَ لِغَيْرِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِذَلِكَ لِتَنْزِيلِ قَوْلِهِ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي مَنْزِلَةَ الْإِخْبَارِ.
(قَوْلُهُ: وَبِاذْهَبِي إلَخْ) صُورَتُهَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ كَلَّمْتُك قَبْلَ أَنْ تَفْعَلِي الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لَهَا اذْهَبِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ الْآنَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اذْهَبِي كَلَامٌ قَبْلَ أَنْ تَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا حَلَفَ لَا كَلَّمْتِينِي حَتَّى تَقُولِي أُحِبُّكَ فَقَالَتْ: لَهُ: عَفَا اللَّهُ عَنْك إنِّي أُحِبُّك فَيَحْنَثُ بِقَوْلِهَا عَفَا اللَّهُ عَنْك؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَدَرَ مِنْهَا قَبْلَ قَوْلِهَا أُحِبُّك (قَوْلُهُ: ظَرْفٌ فَحَنِثَ الْمُقَدَّرُ) أَيْ أَنَّهُ يَحْنَثُ مِنْ الْآنَ عَقِبَ قَوْلِهِ اذْهَبِي، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْحِنْثُ عَلَى كَلَامٍ آخَرَ خِلَافًا لِابْنِ كِنَانَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِاذْهَبِي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ: لَا أُبَالِي إلَخْ) صُورَتُهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا مَثَلًا حَتَّى يَبْدَأَهُ بِالْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ إذًا وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي بِك فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ تَبْدِئَةً مُعْتَدًّا بِهَا فِي حِلِّ الْيَمِينِ فَإِنْ كَلَّمَهُ قَبْلَ صُدُورِ كَلَامٍ غَيْرِ هَذَا حَنِثَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ لَا أُبَالِي بِك كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الْبِرِّ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِكَلَامٍ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ اذْهَبِي كَلَامًا؛ لِأَنَّهُ فِي جَانِبِ الْحِنْثِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِأَدْنَى سَبَبٍ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَهُ أَنْ لَا أُبَالِيَ لَا يُعَدُّ بَدْءًا مُعْتَدًّا بِهِ، وَلَوْ كَرَّرَ، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَبِالْإِقَالَةِ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِشَخْصٍ بِثَمَنٍ لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِي سَأَلَهُ فِي حَطِّ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ فَحَلَفَ الْبَائِعُ لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا فَتَقَايَلَا فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا حِينَ الْإِقَالَةِ قَدْرَ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ فَأَكْثَرَ تَحْقِيقًا فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْمُشْتَرِي مَا نَقَصَتْهُ الْقِيمَةُ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ مَا لَمْ يَكُنْ الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ، وَإِلَّا
أَنَّهَا إنْ وَفَتْ بِأَنْ كَانَتْ وَقْتَ الْإِقَالَةِ قَدْرَ الثَّمَنِ فَأَكْثَرَ فَلَا حِنْثَ (لَا إنْ) (أَخَّرَ الثَّمَنَ) فِي حَلِفِهِ لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حَطٍّ فَلَا حِنْثَ (عَلَى الْمُخْتَارِ) ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا وَقَعَ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا بَعْدَ تَقَرُّرِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْوَضِيعَةِ بَلْ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ
(وَلَا إنْ) (دَفَنَ مَالًا) ثُمَّ طَلَبَهُ (فَلَمْ يَجِدْهُ) حَالَ طَلَبِهِ (ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ) الَّذِي دَفَنَهُ فِيهِ وَأَوْلَى فِي غَيْرِهِ إنْ كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا (فِي) حَلِفِهِ، وَلَوْ بِطَلَاقٍ، وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ لَقَدْ (أَخَذْتِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ كَانَ أُخِذَ لَمْ يَأْخُذْهُ غَيْرُك فَإِنْ وَجَدَهُ عِنْدَ غَيْرِهَا حَنِثَ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ
(وَ) حَنِثَ زَوْجٌ (بِتَرْكِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَالِمًا) بِخُرُوجِهَا بِلَا إذْنٍ، وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ (فِي) حَلِفِهِ (لَا خَرَجْتِ) مَثَلًا (إلَّا بِإِذْنِي) فَلَيْسَ عِلْمُهُ بِخُرُوجِهَا إذْنًا مِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ اُشْتُرِطَ عِلْمُهَا بِإِذْنِهِ كَمَا مَرَّ.
(لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا فِي كَذَا كَبَيْتِ أَبِيهَا (إنْ أَذِنَ) لَهَا فِي الْخُرُوجِ (لِأَمْرٍ) مُعَيَّنٍ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ كَبَيْتِ أَبِيهَا (فَزَادَتْ) عَلَى مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ (بِلَا عِلْمٍ) مِنْهُ حَالَ الزِّيَادَةِ فَعَلِمَهُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ لَا يُوجِبُ حِنْثًا فَإِنْ عَلِمَ حَالَ الزِّيَادَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِالزِّيَادَةِ حَالَهَا إذْنٌ مِنْهُ فِيهَا، وَقَدْ حَلَفَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا إذْ الْمَوْضُوعُ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لَهَا إلَّا فِي نَوْعٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهَا بَلْ هِيَ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِلَا عِلْمٍ.
وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَذِنَ لَهَا فِي أَمْرٍ فَزَادَتْ فَالْحِنْثُ مُطْلَقًا عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إذْ لَمْ يَأْذَنْ إلَّا فِي خَاصٍّ لَا فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِ
[حاشية الدسوقي]
فَيَحْنَثُ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهَا إنْ وَفَّتْ إلَخْ) اشْتِرَاطُ الْوَفَاءِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا رَدٌّ لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا حِنْثَ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ حِينَ الْإِقَالَةِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ إنْ ثَبَتَ لِي حَقٌّ فَلَا أَضَعُ مِنْهُ شَيْئًا وَحَيْثُ انْحَلَّ الْبَيْعُ وَرُدَّ فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي (قَوْلُهُ: لَا إنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ) عَطْفُك بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ وَبِالْإِقَالَةِ أَيْ لَا بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ (قَوْلُهُ: إذَا وَقَعَ ابْتِدَاءً) أَيْ إذَا اشْتَرَطَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَقَوْلُهُ، وَأَمَّا بَعْدَ تَقَرُّرِهِ أَيْ الثَّمَنِ، وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ أَيْ الْأَجَلُ مِنْ الْوَضِيعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا) لَا مَفْهُومَ لِلدَّفْنِ بَلْ مِثْلُهُ الْوَضْعُ بِلَا دَفْنٍ (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَجِدْهُ حَالَ طَلَبِهِ) أَيْ لِنِسْيَانِهِ الْمَكَانَ الَّذِي دَفَنَهُ أَوْ وَضَعَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ) أَيْ ثُمَّ أَمْعَنَ فِيهِ النَّظَرَ ثَانِيًا فَوَجَدَهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي دَفَنَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَأَوْلَى فِي غَيْرِهِ) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ عُذْرُهُ فِي الْجُمْلَةِ إذَا نَقَلَ عَنْ مَكَانِهِ وَاحْتَمَلَ أَنَّهَا النَّاقِلَةُ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ تَسَاوِي الْحَالَتَيْنِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ هُوَ مَا لِلَّخْمِيِّ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ خِلَافًا لِابْنِ بَشِيرٍ حَيْثُ قَالَ بِالْحِنْثِ فِي الثَّانِيَةِ لِتَفْرِيطِهِ.
اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّهُ لَا حِنْثَ إذَا وَجَدَهُ فِي مَحَلِّهِ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ لِوُجُودِهِ فِي مَكَان مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ حِينَ الْحَلِفِ مُعْتَقِدًا أَنَّهَا أَخَذَتْهُ أَوْ ظَانًّا أَوْ شَاكًّا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً لَا حِنْثَ فِيهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ أُخِذَ لَمْ يَأْخُذْهُ غَيْرُكِ أَيْ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ أَوْ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ حِينَ الْحَلِفِ جَازِمًا بِعَدَمِ الْأَخْذِ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي مَوْضِعِهِ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَخَذَتْهُ فَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ طَلَاقًا حَنِثَ، وَإِنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ كَانَتْ غَمُوسًا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ تَضُمُّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ الْمُتَقَدِّمَةِ فَالْجُمْلَةُ سِتَّةَ عَشَرَ، وَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ غَيْرَهَا أَخَذَهُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ حِينَ الْيَمِينِ جَازِمًا بِعَدَمِ أَخْذِهَا لَهُ أَوْ ظَانًّا عَدَمَهُ أَوْ شَاكًّا فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ كَانَتْ غَمُوسًا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشَرَةَ صُورَةً، وَإِنْ كَانَ حِينَ الْيَمِينِ جَازِمًا بِأَخْذِهَا لَهُ أَوْ ظَانًّا لَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَخْذُ أَحَدٍ لَهُ فَلَا حِنْثَ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ غَيْرَهَا أَخَذَهُ حَنِثَ إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا حِنْثَ إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّهَا لَغْوٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْوَالَ أَرْبَعَةٌ تَارَةً يُوجَدُ الْمَالُ فِي مَكَانِهِ وَتَارَةً يُوجَدُ عِنْدَهَا وَتَارَةً يُوجَدُ عِنْدَ غَيْرِهَا وَتَارَةً لَا يُوجَدُ أَصْلًا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ حِينَ الْحَلِفِ جَازِمًا بِأَنَّهَا أَخَذَتْهُ أَوْ بِأَنَّهَا لَمْ تَأْخُذْهُ أَوْ ظَانًّا أَخْذَهَا لَهُ أَوْ شَاكًّا فِيهِ فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَالْجُمْلَةُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ صُورَةً، وَقَدْ عَلِمْتهَا.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا) أَيْ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْمَرْأَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا أَخَذَتْهُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ إلَخْ) أَيْ لَا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَاللَّغْوُ لَا يُفِيدُ فِي غَيْرِ اللَّهِ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ حَلَفَ مُعْتَقِدًا أَخَذَهَا أَوْ ظَانًّا لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا خَرَجْتِ أَوْ لَا فَعَلْتِ كَذَا إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِخُرُوجِهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهَا، أَمَّا حِنْثُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِخُرُوجِهَا فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حِنْثُهُ إذَا عَلِمَ بِخُرُوجِهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا فَلِأَنَّ عِلْمَهُ بِخُرُوجِهَا، وَعَدَمَ مَنْعِهَا مِنْهُ لَيْسَ إذْنًا فِي الْخُرُوجِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ، وَلَا يَكْفِي الْعِلْمُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ هُنَا فِي جَانِبِ الْبِرِّ، وَالْبِرُّ يُحْتَاطُ فِيهِ فَلِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِخُرُوجِهَا غَيْرَ كَافٍ فِيهِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ بِخِلَافِ الْإِذْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فَإِنَّهُ فِي جَانِبِ الْحِنْثِ، وَهُوَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ فَالْعِلْمُ فِيهِ بِمَثَابَةِ الْإِذْنِ فَلِذَا حَنِثَ بِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَذِنَ اُشْتُرِطَ) أَيْ فِي بِرِّهِ عِلْمُهَا بِإِذْنِهِ قَبْلَ خُرُوجِهَا.
(قَوْلُهُ: لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ إلَخْ) صُورَتُهُ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لِزَوْجَتِهِ فِي الْخُرُوجِ إلَّا لِبَيْتِ أَبِيهَا مَثَلًا فَأَذِنَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَزَادَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ ذَهَبَتْ لِغَيْرِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اقْتَصَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ حَالَ الزِّيَادَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ زَادَتْ، وَهُوَ عَالِمٌ بِزِيَادَتِهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا فَإِنَّهُ
وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْإِذْنُ قَدْ حَصَلَ، وَلَا دَخْلَ لِلزِّيَادَةِ فِي الْحِنْثِ، وَلَا عَدَمِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهَا لَا آذَنُ لَك فِي غَيْرِهِ، وَإِلَّا حَنِثَ مُطْلَقًا.
(وَ) حِنْث (بِعَوْدِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (لَهَا) أَيْ لِلدَّارِ عَلَى وَجْهِ السُّكْنَى (بَعْدَ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ (بِمِلْكٍ آخَرَ) بِالْإِضَافَةِ، وَالْبَاءُ ظَرْفِيَّةٌ أَيْ حَالَ كَوْنِهَا فِي مِلْكِ شَخْصٍ آخَرَ (فِي) حَلِفِهِ (لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ) ، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ فَبَاعَهَا وَسَكَنَهَا الْحَالِفُ فِي مِلْكِ مَنْ اشْتَرَاهَا (أَوْ) حَلِفِهِ لَا سَكَنْتُ (دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ) يَصِحُّ رُجُوعُ الشَّرْطِ لِلْأُولَى أَيْضًا إذَا كَانَتْ الدَّارُ لِغَيْرِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى أَيْ مَا دَامَتْ لِلْمَالِكِ (لَا) يَحْنَثُ إنْ حَلَفَ لَا سَكَنْتُ (دَارَ فُلَانٍ) بِدُونِ اسْمِ إشَارَةٍ وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ فَسَكَنَهَا إنْ لَمْ يَنْوِ عَيْنَهَا
(وَلَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ (إنْ) دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ (خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا) أَوْ بُنِيَتْ مَسْجِدًا فَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا طَرِيقًا بَيْتًا حَنِثَ (إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ) أَيْ بِالتَّخْرِيبِ فَإِنْ أَمَرَ بِهِ حَنِثَ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُسَلَّمٌ تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَعَلِّقًا بِالْإِكْرَاهِ لِقَوْلِهَا وَإِنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ.
(وَ) حَنِثَ (فِي) حَلِفِهِ (لَا بَاعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ مَثَلًا (أَوْ) حَلِفِهِ لَا بَاعَ (لَهُ) لَا أَتَوَلَّى لَهُ بَيْعًا بِسَمْسَرَةٍ (بِالْوَكِيلِ) أَيْ بِالْبَيْعِ أَوْ السَّمْسَرَةِ لِوَكِيلِ زَيْدٍ (إنْ كَانَ) ذَلِكَ الْوَكِيلُ (مِنْ نَاحِيَتِهِ) ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلٌ، وَإِلَّا حَنِثَ مُطْلَقًا كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ لَا
[حاشية الدسوقي]
يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ كَإِذْنِهِ، وَقَدْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لَهَا فِي ذَلِكَ الزَّائِدِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا) أَيْ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ سَمَاعُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي نَقُلْ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا خَرَجَتْ ابْتِدَاءً لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ ثُمَّ زَادَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ ذَهَبَتْ لِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ ذَهَبَتْ لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَا، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَقُلْ لَهَا لَا آذَنُ لَك فِي غَيْرِهِ، وَإِلَّا حَنِثَ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَبِعَوْدِهِ لَهَا) أَيْ طَائِعًا لَا مُكْرَهًا؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ بِرٍّ، وَلَا حِنْثَ فِيهَا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ كُرْهًا بِالْقُيُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْعَوْدِ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ سَاكِنًا ثُمَّ عَادَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَوْدَ قَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الدُّخُولِ أَوْ لَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: 13] أَيْ لَتَدْخُلُنَّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ ثُمَّ انْتَقَلَتْ لِمِلْكِ شَخْصٍ آخَرَ فَسَكَنَهَا بَعْدَ انْتِقَالِهَا لِمِلْكِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِي أَوْ فِي مِلْكِ فُلَانٍ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ فِي سُكْنَاهَا بَعْدَ انْتِقَالِهَا لِمِلْكِ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لِلدَّارِ) أَيْ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ لَا سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ (قَوْلُهُ: أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ أَوْ مِلْكِ صَاحِبِهَا غَيْرِهِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: فَبَاعَهَا) أَيْ صَاحِبُهَا وَسَكَنَهَا الْحَالِفُ (قَوْلُهُ: أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ) أَيْ فَبَاعَهَا فُلَانٌ صَاحِبُهَا وَسَكَنَهَا الْحَالِفُ، وَهِيَ فِي مِلْكِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا حَنِثَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِمَا فِي اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ التَّعْيِينِ فَلَا يُزِيلُهُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ، وَإِتْيَانُهُ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ يُقَوِّي أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ تِلْكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَا دَامَتْ لِلْمَالِكِ) أَيْ، وَهُوَ فُلَانٌ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الْحَالِفُ أَوْ غَيْرُهُ فِي الْأُولَى، وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ لِذَلِكَ التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ رُجُوعُهُ لِلثَّانِيَةِ إذْ مُقْتَضَى رُجُوعِهِ لِلْأُولَى أَنْ يُقَالَ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِي أَوْ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ الْحِنْثُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَا الْأَوْلَى الْحِنْثُ فِيهَا مَا لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لِي اتِّفَاقًا إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَقِيلَ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَلَوْ نَوَى مَا دَامَتْ لَهُ، وَقِيلَ يَحْنَثُ مَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا دَامَتْ لَهُ يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلْأُولَى مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا إنْ دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ خَرِبَتْ) أَيْ لِزَوَالِ اسْمِ الدَّارِ عَنْهَا، وَمِنْ هَذَا إذَا خَرِبَ الْمَسْجِدُ لَا يُطْلَبُ لَهُ تَحِيَّةٌ كَمَا فِي ح، وَمُقْتَضَاهُ زَوَالُ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِيَّةِ لَا أَصْلُ الْحَبْسِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَصَارَتْ طَرِيقًا) هَذَا فَرْضُ مِثَالٍ وَزِيَادَةُ بَيَانٍ لَا شَرْطٌ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ، وَذَكَرَ ح الْخِلَافَ فِيمَنْ تَرَكَ دَارِهِ طَرِيقًا مُدَّةً طَوِيلَةً هَلْ تَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ بُنِيَتْ مَسْجِدًا) أَيْ بَعْدَ خَرَابِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْحِنْثِ إذَا دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا أَوْ بُنِيَتْ مَسْجِدًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ حَلِفُهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا كَرَاهِيَةً فِي صَاحِبِهَا أَوْ فِي بِنَائِهَا الَّذِي قَدْ زَالَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَلِفُهُ كَرَاهِيَةً فِي الْبُقْعَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا مُطْلَقًا، وَلَوْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا أَوْ بُنِيَتْ مَسْجِدًا.
(قَوْلُهُ: إنَّ هَذَا الْحُكْمَ) أَيْ، وَهُوَ الْحِنْثُ إذَا دَخَلَهَا بَعْدَ التَّخْرِيبِ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَعَلِّقًا بِالْإِكْرَاهِ) أَيْ لَا بِالتَّخْرِيبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ الضَّمِيرِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَائِدًا عَلَى الْإِكْرَاهِ بِارْتِكَابِ تَقْدِيرٍ فِي الْكَلَامِ، وَالْأَصْلُ وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا أَوْ بُنِيَتْ وَدَخَلَهَا مُكْرَهًا إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ أَيْ بِالْإِكْرَاهِ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوَافِقًا لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ.
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهَا إلَخْ) نَصُّهَا: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُدِمَتْ أَوْ خَرِبَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا لَمْ يَحْنَثْ فَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُهَا فَإِنْ دَخَلَهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ فَيَقُولُ احْمِلُونِي فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ مِنْ نَاحِيَتِهِ) أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِأَنْ
وَيَحْنَثُ (وَإِنْ قَالَ) الْبَائِعُ (حِينَ الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْت) أَنْ لَا أَبِيعَ لِزَيْدٍ وَخَافَ أَنْ تَكُونَ وَكِيلَهُ (فَقَالَ هُوَ) أَيْ الْبَيْعُ (لِي) لَا لَهُ (ثُمَّ صَحَّ) أَيْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ (أَنَّهُ ابْتَاعَ) أَوْ بَاعَ (لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ، وَلَوْ حَذَفَ ابْتَاعَ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَأَشْمَلَ (حَنِثَ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ) لِلْحَالِفِ مَعَ الْحِنْثِ مَا لَمْ يَقُلْ الْحَالِفُ إنْ كُنْت تَشْتَرِي لَهُ فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك لَمْ يَحْنَثْ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْبَيْعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(، وَأَجْزَأَ) الْحَالِفَ فَلَا يَحْنَثُ (تَأْخِيرُ الْوَارِثِ) أَيْ وَارِثِ الْمَحْلُوفِ لَهُ إنْ كَانَ الْوَارِثُ رَشِيدًا (فِي) حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك إلَى أَجَلِ كَذَا (إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي) فَمَاتَ رَبُّ الْحَقِّ الْمَحْلُوفِ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُورَثُ
(لَا) إذْنُهُ (فِي) حَلِفِهِ عَلَى (دُخُولِ دَارٍ) لَا أَدْخُلُهَا إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ غَيْرُ رَبِّهَا فَمَاتَ زَيْدٌ فَأَذِنَ وَارِثُهُ فِي الدُّخُولِ فَلَا يَكْفِي إذْ الْإِذْنُ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ فَلَوْ كَانَ زَيْدٌ رَبَّهَا كَفَى إذْنُ وَارِثِهِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلدُّخُولِ (وَ) أَجْزَأَ (تَأْخِيرُ وَصِيٍّ) فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ إذَا كَانَ الْوَارِثُ غَيْرَ رَشِيدٍ، وَأَخَّرَ وَصِيَّهُ (بِالنَّظَرِ) لِلصَّغِيرِ كَكَوْنِ التَّأْخِيرِ يَسِيرًا أَوْ خَوْفَ جَحْدٍ أَوْ لَدَدٍ أَوْ مُخَاصَمَةٍ فَإِنْ أَخَّرَ لِغَيْرِ نَظَرٍ أَجْزَأَ الْحَالِفُ، وَإِنْ حَرَّمَ عَلَى الْوَصِيِّ فَالتَّقْيِيدُ بِالنَّظَرِ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَلَوْ حَذَفَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَقَوْلُهُ (وَلَا دَيْنَ) أَيْ مُحِيطٌ عَلَى الْمَيِّتِ قُيِّدَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ إنَّمَا هُوَ لِلْغَرِيمِ لَا لِلْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ، وَلِذَا قَالَ.
(وَ) أَجْزَأَ (تَأْخِيرُ غَرِيمٍ) لِلْمَحْلُوفِ لَهُ (إنْ أَحَاطَ) الدَّيْنُ بِمَالِهِ (وَأَبْرَأَ) الْغَرِيمُ ذِمَّةَ الْمَدِينِ الْمَحْلُوفِ لَهُ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي أَخَّرَ بِهِ الْحَالِفُ حَتَّى يَكُونَ كَالْقَابِضِ مِنْ الْمَدِينِ الْحَالِفِ فَإِنْ لَمْ يُحِطْ فَلَا يُجْزِي تَأْخِيرُ الْغَرِيمِ، وَلَوْ أَبْرَأَ ذِمَّةَ الْمَدِينِ
[حاشية الدسوقي]
كَانَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ قَرِيبًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ صَدِيقًا مُلَاطِفًا لَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ لَيْسَ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَلَا يَحْنَثَ، وَهَلْ يَتَوَقَّفُ الْحِنْثُ عَلَى عِلْمِ الْبَائِعِ أَنَّهُ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ قَوْلَانِ وَاسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِهِمَا فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ ذِكْرِهِمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِمُوَافَقَتِهَا لَهَا فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَحْنَثُ) أَيْ، وَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَحْنَثُ، وَإِنْ قَالَ إلَخْ فَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْحِنْثِ.
(قَوْلُهُ: بِالْبَيِّنَةِ) احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ قَالَ الْوَكِيلُ أَشْتَرِي لِنَفْسِي ثُمَّ بَعْدَ الشِّرَاءِ قَالَ اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَكِيلِ غَيْرَ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِيهِ كَذَا فِي خش وعبق نَقْلًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التُونُسِيِّ، وَمِثْلُهُ كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا السَّيِّدُ الْبُلَيْدِيُّ عَنْ شَيْخِهِ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الزَّرْقَانِيِّ إذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِطَلَاقٍ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ حَمَّامًا مَثَلًا فَقَالَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلْتُهُ فَلَا تُصَدَّقُ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ) ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ وَالشَّرْطَ بَاطِلٌ وَيَحْنَثُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ أَيْ فِي حَالِ الْبَيْعِ إنْ لَمْ تَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك كَانَ الْبَيْعُ مَاضِيًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ الْأَجَلِ) أَيْ، وَأَخَّرَهُ الْوَارِثُ أَجَلًا ثَانِيًا فَلَا يَحْنَثُ بِفَرَاغِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ فَلَوْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ الْوَارِثُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِفَرَاغِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك إلَى أَجَلِ كَذَا، وَمَاتَ رَبُّهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَقَضَى الْحَالِفُ وَرَثَتَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إجْزَاءِ تَأْخِيرِ الْوَارِثِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْوَارِثُ رَشِيدًا، وَكَانَ الْمَيِّتُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِلَّا كَانَ تَأْخِيرُهُ غَيْرَ مُجْزٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ حَقٌّ يُورَثُ فَلِلْوَارِثِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَبْضَهُ كَمَا كَانَ لِمُوَرِّثِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا إذْنُهُ) أَيْ لَا يُجْزِئُ إذْنُ الْوَارِثِ فِي دُخُولِ دَارٍ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ غَيْرُ رَبِّهَا فَمَاتَ زَيْدٌ فَأَذِنَ لَهُ وَارِثُهُ فِي الدُّخُولِ فَإِذَا دَخَلَهَا مُسْتَنِدًا لِإِذْنِ الْوَارِثِ حَنِثَ إلَّا لِبِسَاطٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَمْتِعَةُ زَيْدٍ فِي الدَّارِ فَحَلَفَ لِذَلِكَ فَكَفَى إذْنُ وَارِثِهِ الَّذِي وَرِثَ الْأَمْتِعَةَ (قَوْلُهُ: كَفَى إذْنُ وَارِثِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَرِثَهَا صَارَ الْإِذْنُ حَقًّا يُورَثُ فَيَكْفِي إذْنُهُ (قَوْلُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِلدُّخُولِ) أَيْ بَلْ الْمُرَادُ سَائِرُ الْحُقُوقِ الَّتِي لَا تُورَثُ (قَوْلُهُ: وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَمَاتَ رَبُّ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وَوَرَثَتُهُ صِغَارٌ فَأَخَّرَهُ الْمُوصَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ الْحَالِفَ، وَلَا يَحْنَثُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُحِيطٌ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِتَأْخِيرِ الْغُرَمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ لِنَظَرٍ كَخَوْفِ لَدَدٍ أَوْ خِصَامٍ أَوْ كَانَ لِغَيْرِ نَظَرٍ غَايَتُهُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْوَصِيِّ إنْ كَانَ لِغَيْرِ نَظَرٍ كَانَ مُوجِبًا لِإِثْمِهِ فَقَطْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الدَّيْنُ حَالًا فَتَقْيِيدُ الْمُؤَلِّفِ تَأْخِيرَ الْوَصِيِّ بِالنَّظَرِ لِأَجَلِ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى التَّأْخِيرِ لَا لِإِجْزَائِهِ، وَلَوْ حَذَفَ الْمُؤَلِّفِ قَوْلَهُ: بِالنَّظَرِ، لَوَافَقَ النَّقْلَ (قَوْلُهُ: أَيْ مُحِيطٌ) أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الدَّيْنِ أَصْلًا بَلْ نَفْيُ الْمُحِيطِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحِيطٍ فَالْكَلَامُ لِلْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ، وَإِنْ كَانَ مُحِيطًا فَالْكَلَامُ لِلْغُرَمَاءِ فَقَطْ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إلَخْ) صُورَتُهُ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا إلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَمَاتَ رَبُّ الدَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ فَأَخَّرَهُ بِذَلِكَ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِي إنْ أَبْرَءُوا ذِمَّةَ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي أَخَّرُوا بِهِ الْحَالِفَ، وَمَحَلُّ إجْزَاءِ تَأْخِيرِ الْغَرِيمِ إذَا وَقَعَ التَّأْخِيرُ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَجَبَ التَّعْجِيلُ لِمَنْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ، وَكَذَا الْوَرَثَةُ، وَمَنْ غَابَ فَالْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَكُونَ كَالْقَابِضِ مِنْ الْمَدِينِ الْحَالِفِ)
(وَفِي بِرِّهِ فِي) حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ مَثَلًا (لَأَطَأَنَّهَا) اللَّيْلَةَ مَثَلًا فَحَاضَتْ (فَوَطِئَهَا حَائِضًا) أَوْ صَائِمَةً أَوْ مُحْرِمَةً حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ وَعَدَمُ بِرِّهِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَدْلُولِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حَسًّا قَوْلَانِ فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا حِينَئِذٍ حَنِثَ قَطْعًا كَمَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ وَحَنِثَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ.
(وَفِي) بِرِّهِ فِي حَلِفُهُ لِزَوْجَتِهِ فِي قِطْعَةِ لَحْمٍ (لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ) عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِ إيَّاهَا وَابْتَلَعَتْهَا (فَشَقَّ جَوْفَهَا) عَاجِلًا، وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ (وَأَكَلَتْ) أَيْ أَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ وَحِنْثِهِ قَوْلَانِ مَعَ التَّوَانِي فِي أَخْذِهَا مِنْهُ أَرْجَحُهُمَا الْحِنْثُ فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا (أَوْ) لَمْ تَخْطَفْهَا الْهِرَّةُ، وَلَكِنْ أَكَلَتْهَا (بَعْدَ فَسَادِهَا) بِأَنْ تَرَكَتْهَا بَعْدَ الْيَمِينِ حَتَّى فَسَدَتْ (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ (إلَّا أَنْ تَتَوَانَى) فِي شَقِّ جَوْفِهَا حَتَّى تَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنْ تَوَانَتْ فَالْحِنْثُ قَطْعًا
(وَفِيهَا) (الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ الثَّوْبَيْنِ (فِي) حَلِفِهِ (لَا كَسَوْتُهَا) إيَّاهُمَا (وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا أَيْ عَدَمِهِ أَيْ لَا يَكْسُوهَا الثَّوْبَيْنِ مَعًا (وَاسْتُشْكِلَ) حِنْثُهُ بِكِسْوَتِهِ أَحَدَهُمَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ.
.
[حاشية الدسوقي]
الْأَوْلَى مِنْ الْمَيِّتِ الْمَحْلُوفِ لَهُ أَيْ فَيَتَمَحَّضُ الْحَقُّ لِلْغَرِيمِ فَيُعْتَبَرُ إذْنُهُ وَتَأْخِيرُهُ.
(قَوْلُهُ: فِي حَلِفِهِ لَأَطَأَنَّهَا) أَيْ سَوَاءٌ قَيَّدَ بِاللَّيْلَةِ مَثَلًا أَوْ أَطْلَقَ، وَقَوْلُهُ فَوَطِئَهَا حَائِضًا أَيْ فَوَطِئَهَا وَطْئًا حَرَامًا مِثْلَ أَنْ تَكُونَ حَائِضًا إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا إلَخْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) الْقَوْلَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلُ نَقْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْهُ وَالثَّانِي سَمَاعُ عِيسَى عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذَا حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَوَجَدَهَا حَائِضًا وَاسْتَمَرَّ الْحَيْضُ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ حَنِثَ قَطْعًا فَالْحِنْثُ إذَا قَيَّدَ، وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ فَإِنَّهُ يَطَأُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ، وَلَا حِنْثَ (قَوْلُهُ: كَمَا قَدَّمَهُ إلَخْ) أَيْ فِيمَا تَقَدَّمَ تَكَلَّمَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ الْمَانِعِ وَفَاتَ، وَهُنَا تَكَلَّمَ عَلَى مَا إذَا فَعَلَهُ مَعَ الْمَانِعِ قَبْلَ الْفَوَاتِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ فِيمَا تَقَدَّمَ حَنِثَ إنْ لَمْ يَطَأْ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا إنْ وَطِئَ فَقَوْلَانِ.
(قَوْلُهُ: لَتَأْكُلِنَّهَا) أَصْلُهُ لَتَأْكُلِينَنْهُ حُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ لِتَوَالِي الْأَمْثَالِ ثُمَّ الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ (قَوْلُهُ: فَخَطِفَتْهَا) بِكَسْرِ الطَّاءِ كَمَا هُوَ الْأَجْوَدُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: 10] ، وَفِيهِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ كَضَرَبَ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) أَيْ بِالْحِنْثِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَدَمِهِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَصَحَّحَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَوَّلَ لِجَرَيَانِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَالثَّانِي جَارٍ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، كَذَا فِي ح (قَوْلُهُ: مَعَ التَّوَانِي) أَيْ مَعَ تَوَانِي الْمَرْأَةِ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ حَتَّى خَطِفَتْهَا الْهِرَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ فَهُوَ عَدَمُ التَّوَانِي هَذَا هُوَ الَّذِي فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ كَمَا فِي نَقْلِ ح وَغَيْرِهِ، وَبِهِ يُعْلَمُ بُطْلَانُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ خش مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ، وَعَدَمُ التَّوَانِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَأَخْذِ الْهِرَّةِ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ قَائِلًا كَمَا يُفِيدُهُ الْمَوَّاقُ مَعَ أَنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ سَمَاعَ أَبِي زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَتَوَانَ لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا) أَيْ، وَلَوْ لَمْ تَشُقَّ جَوْفَ الْهِرَّةِ وَتُخْرِجَهَا (قَوْلُهُ: قَوْلَانِ) الْقَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَوَافَقَهُ عَلَى الْحِنْثِ مَالِكٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ سَحْنُونٌ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ لِمَا هُوَ الصَّوَابُ مِنْ رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْهِرَّةِ لَكِنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَانِي هُنَا التَّوَانِي بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ مَعَ عَدَمِ التَّوَانِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ عَدَمُ الْحِنْثِ حِينَئِذٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا اعْتَرَضَ بِذَلِكَ الشَّارِحُ وح عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا التَّوَانِي فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِعَدَمِ الْحِنْثِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ تَتَوَانَ الْبِضْعَةُ فِي جَوْفِ الْهِرَّةِ حَتَّى تَحَلَّلَ بَعْضُهَا، وَإِلَّا حَنِثَ عِنْدَهُ أَيْضًا كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ وح.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةُ إنْ لَمْ تَتَوَانَ الْمَرْأَةُ فِي أَخْذِهَا لَمْ يَحْنَثْ اتِّفَاقًا، وَلَوْ تَوَانَتْ فِي شَقِّ جَوْفِهَا أَوْ تَرَكَتْهُ مِنْ غَيْرِ شَقٍّ، وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا وَتَوَانَتْ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ حَنِثَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَوَانَتْ فِي أَخْذِهَا لَكِنْ لَمْ تَتَوَانَ فِي شَقِّ جَوْفِ الْهِرَّةِ فَقَوْلَانِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَتَوَانَى رَاجِعًا لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْفَسَادِ خِلَافًا لخش وعبق لِقَوْلِ التَّوْضِيحِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ فَتَرَكَهُ حَتَّى فَسَدَ ثُمَّ أَكَلَهُ قَوْلَانِ فَحَكَى الْقَوْلَيْنِ مَعَ التَّوَانِي لَا مَعَ عَدَمِ التَّوَانِي.
(قَوْلُهُ: وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ بِكِسْوَتِهَا أَحَدُهُمَا (قَوْلُهُ: وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَأَوْلَى فِي الْحِنْثِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَدَمُهُ) أَيْ وَنِيَّتُهُ عَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْكِسْوَةِ لَا فِي الزَّمَانِ بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَكْسُوهَا بِهِمَا مَعًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ زَمَنَيْنِ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ) ظَاهِرُهُ؛ لِأَنَّ كِسْوَتَهَا أَحَدَهُمَا مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ، وَفِيهِ أَنَّ نِيَّتَهُ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ فِي كِسْوَتِهَا، وَإِذَا كَسَاهَا أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الثَّوْبَيْنِ فِي كِسْوَتِهَا، فَأَيْنَ الْمُخَالَفَةُ؟ ،. فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِنِيَّتِهِ وَتَوْضِيحُهُ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ عَدَمُ
(فَصْلٌ) فِي النَّذْرِ، وَأَحْكَامِهِ (النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ) فَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ لَكِنْ يُنْدَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ (كُلِّفَ) لَا صَبِيٍّ وَنُدِبَ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَمَجْنُونٍ، وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إبْطَالُهُ بِخِلَافِ غَيْرِ النَّذْرِ، وَشَمَلَ السَّفِيهَ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ (وَلَوْ) كَانَ النَّاذِرُ (غَضْبَانَ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَأَنْ يَقُولَ حَالَ غَضَبِهِ إنْ دَخَلْت دَارَ زَيْدٍ فَعَلَيَّ كَذَا، وَمِنْهُ نَذْرُ اللَّجَاجِ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ وَمُعَاقَبَتَهَا نَحْوُ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَيَلْزَمُهُ النَّذْرُ، وَهَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ يَرَى أَنَّهُ مِنْ النَّذْرِ (وَإِنْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي) أَنْ لَا أَفْعَلَ أَوْ إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ) إلَّا أَنْ (أَرَى خَيْرًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَنْذُورِ (بِخِلَافٍ) عَلَيَّ كَذَا (إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) مِنْ حِلٍّ أَوْ عَقْدٍ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ فَإِنْ مَاتَ إنْ شَاءَ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى النَّاذِرِ
[حاشية الدسوقي]
قَبُولِ نِيَّتِهِ بِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِلَفْظِهِ، وَالنِّيَّةُ الْمُسَاوِيَةُ لِلَفْظٍ تُقْبَلُ مُطْلَقًا فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَلَوْ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ مَعَ الْمُرَافَعَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ مُسَاوَاةَ نِيَّتِهِ لِلَفْظِهِ بَلْ نِيَّتُهُ مُخَالِفَةٌ لِلَفْظِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا كِسْوَتُهَا إيَّاهُمَا كَمَا يُحْتَمَلُ لَا كِسْوَتُهَا إيَّاهُمَا جَمِيعًا يُحْتَمَلُ لَا كَسَوْتهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَتْ النِّيَّةُ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَالنِّيَّةُ إذَا كَانَتْ تُقْبَلُ عِنْدَ الْمُفْتِي مُطْلَقًا كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْقَاضِي مَعَ الْمُرَافَعَةِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ، وَالْحِنْثُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ وَرُفِعَ لِلْقَاضِي، وَأَمَّا لَوْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا قُبِلَتْ نِيَّتُهُ اتِّفَاقًا.
[فَصْلٌ فِي النَّذْرِ وَأَحْكَامِهِ]
(فَصْلٌ فِي النَّذْرِ) أَيْ فِي أَرْكَانِهِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ الصِّيغَةُ وَسَتَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ وَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ وَالشَّخْصُ الْمُلْتَزِمُ، وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ) أَيْ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَعْجِيلِ الْوَفَاءِ بِهِ وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ أَيْ بِأَنْ كَانَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى غَيْرِ الْمَالِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ إنْ كَانَ مَالًا أَوْ كَانَ غَيْرَهُ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ كَانَ أَظْهَرُ.
وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الرَّقِيقَ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ، وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ نَذَرَ مَالًا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ فَإِنْ عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ فَإِنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ، وَأَبْطَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إبْطَالُهُ أَيْ فَإِنْ أَبْطَلَهُ بَطَلَ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى مَا عَلِمْت مِنْ الْخِلَافِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِ النَّذْرِ) أَيْ كَالدَّيْنِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ إبْطَالَهُ.
(قَوْلُهُ: وَشَمَلَ السَّفِيهَ) أَيْ وَشَمَلَ أَيْضًا الزَّوْجَةَ وَالْمَرِيضَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذْرَاهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَالٍ أَوْ مَالًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَانَ لِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ فَإِنْ لَمْ يَزِدْ لَزِمَهَا، وَكَانَ لِلْوَارِثِ رَدُّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَذْرَ الزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ لَازِمٌ لَهُمَا مَا لَمْ يُرِدْ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ وَرَدُّهُمَا إبْطَالٌ وَالْعَبْدُ يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ السَّيِّدُ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالسَّفِيهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ إذَا كَانَ مَالًا وَلِوَلِيِّهِ رَدُّهُ، وَلَهُ هُوَ أَيْضًا رَدُّهُ بَعْدَ رُشْدِهِ.
(قَوْلُهُ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ) أَيْ، وَأَمَّا مَا نَذَرَهُ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (قَوْلُهُ، وَلَوْ غَضْبَانَ) مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ أَيْ، وَهُوَ لَازِمٌ وَلَوْ غَضْبَانَ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إلَخْ) أَيْ، وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ (قَوْلُهُ: وَمِنْهُ نَذْرُ اللَّجَاجِ) أَيْ وَمِنْ نَذْرِ الْغَضْبَانِ نَذْرُ اللَّجَاجِ فَيَكُونُ لَازِمًا وَنَذْرُ اللَّجَاجِ مَا يَحْصُلُ لِأَجْلِ قَطْعِ لِجَاجِ نَفْسِهِ فَأَرَادَ بِالْغَضَبِ أَوَّلًا غَيْرَ ذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَضْبَانَ مَا كَانَ نَذْرُهُ مِنْ أَجْلِ غَضَبِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَاللِّجَاجُ مَا كَانَ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدْ ذَكَرَ ح مَا يُفِيدُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّذْرَ الْمَنْدُوبَ لَازِمٌ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمَكْرُوهِ فَلَا يَلْزَمُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى الْمُبَالَغِ عَلَيْهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا لَهُمْ فِي الطَّلَاقِ إنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَا يَنْفَعُ وَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا نَحْوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً نَحْوَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ بِمَشِيئَةِ الْغَيْرِ نَافِعٌ لِتَوَقُّفِ لُزُومِهِ عَلَى مَشِيئَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ سَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا نَحْوَ إنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً نَحْوَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيهِ بِمَشِيئَتِهِ هُوَ غَيْرُ نَافِعٍ إنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً نَحْوَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا أَوْ مُطْلَقًا وَجُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا لِلْمُعَلَّقِ أَوْ لِكُلٍّ مِنْ الْمُعَلِّقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَمَّا إنْ جُعِلَ رَاجِعًا لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ كَمَا يَنْفَعُهُ إنْ كَانَ شَرْطًا نَحْوَ إنْ شِئْت فَيَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى مَشِيئَتِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ ح فِي الطَّلَاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي إلَخْ وَمِثْلُ الطَّلَاقِ فِي ذَلِكَ
(وَإِنَّمَا) (يَلْزَمُ بِهِ) أَيْ بِالنَّذْرِ (مَا نُدِبَ) أَيْ طُلِبَ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ فَيَشْمَلُ السُّنَّةَ وَالرَّغِيبَةَ وَسَوَاءٌ أَطْلَقَهُ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ) بِدُونِ لِلَّهِ (ضَحِيَّةٌ) أَوْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ أَوْ الضُّحَى أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ مَشْيٌ لِمَكَّةَ، وَلَوْ لَمْ يَلْفِظْ بِالنَّذْرِ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ غَيْرُهَا نَحْوُ لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ فِي وَقْتِهِ أَوْ إنْ شَرِبْت خَمْرًا أَوْ إنْ صَلَّيْت الضُّحَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ فَرْضِ الْعَصْرِ أَوْ إنْ أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي لَأَتَصَدَّقَنَّ بِدِرْهَمٍ أَوْ لَأَزُورَنَّ وَلِيًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُ إنْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ وَمَفْهُومُ مَا نُدِبَ أَنَّ نَذْرَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ لَا يَلْزَمُ، وَكَذَا الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ بِنَفْسِهِ وَنَذْرُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وَكَذَا الْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ مِثْلُهُمَا.
(وَنُدِبَ) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ) وَهُوَ مَا لَيْسَ بِمُعَلَّقٍ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا مُكَرَّرٍ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةٍ وَقَعَتْ كَمَنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ أَوْ رُزِقَ وَلَدًا أَوْ زَوْجَةً فَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ وَكَذَا مَا لَيْسَ شُكْرًا عَلَى شَيْءٍ حَصَلَ (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) كَنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ أَيْ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً لِثِقَلِهِ عِنْدَ فِعْلِهِ فَيَكُونُ إلَى عَدَمِ الطَّاعَةِ أَقْرَبَ وَلِخَوْفِ تَفْرِيطِهِ فِي وَفَائِهِ (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ) كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ إنْ رَزَقَنِي كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَتَى بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ لَا الْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ (تَرَدُّدٌ) وَهُوَ لَازِمٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَالْمُكَرَّرِ، وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ إنْ عَلَّقَهُ بِمَحْبُوبٍ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا مَثَّلْنَا فَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ كُرِهَ اتِّفَاقًا كَذَا ذَكَرُوا لَكِنْ مَا كَانَ فِعْلًا لَهُ قَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَمُبَاحًا وَمَكْرُوهًا، وَمُحَرَّمًا وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ فِي الْأَوَّلِ وَالْحُرْمَةُ فِي الْأَخِيرِ (وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ) ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَالتَّاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيبِ (بِنَذْرِهَا)
[حاشية الدسوقي]
التَّفْصِيلِ الْعِتْقُ، وَلَمْ أَرَ نَصًّا مُصَرِّحًا بِذَلِكَ فِي بَابِ النَّذْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ جَمِيعَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ يَجْرِي هُنَا فِي النَّذْرِ خِلَافًا لِمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ عبق مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَالْمَسْأَلَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الْبَابَيْنِ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةٍ.
اهـ. بْن
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ) أَيْ بِالنَّذْرِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ مَا نَدَبَ ابْنُ عَاشِرٍ يَعْنِي مِمَّا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً، وَأَمَّا مَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ تَارَةً قُرْبَةً وَتَارَةً غَيْرَهَا فَلَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا كَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ.
اهـ. بْن وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الْمَنْدُوبِ بِالنَّذْرِ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَطْلَقَ فِي نَذْرِهِ أَوْ عَلَّقَ فِيهِ عَلَى وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ كَقَوْلِهِ إنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ مَثَلًا أَوْ إنْ شَرِبْت الْخَمْرَ أَوْ إنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ إنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ إنْ مَشَيْت إلَى مَحَلِّ كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ فَلَا يَلْزَمُهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا نُدِبَ أَيْ فِي الْمُعَلِّقِ لَا فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَالْعِبْرَةُ بِالْمُسَبَّبِ لَا بِالسَّبَبِ، وَلَا تَفْهَمُ مِنْ لُزُومِ الْمَنْذُورِ أَنَّهُ يَقْضِي بِهِ إذْ لَا يَقْضِي بِهِ، وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ وَلَوْ عِتْقًا بَلْ يَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ تَنْفِيذُ الْمَنْذُورِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَا، وَقَعَ فِي الْتِزَامَاتِ ح مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَنْذُورِ إذَا كَانَ لِمُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ (قَوْلُهُ: كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) أَتَى بِكَافٍ التَّمْثِيلِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ انْحِصَارِ الصِّيغَةِ فِي لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ كَذَا فَيَلْزَمُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ إلْزَامٌ مِثْلُ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَوْت مِنْ أَمْرِ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا أَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي كَذَا أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا قَالَهُ طفى قَالَ وَنَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْقَاصِرِينَ تَوَهَّمَ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ كَذَا اغْتِرَارٌ مِنْهُ بِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) إنْ قُلْت جَعْلُهُ الضَّحِيَّةَ هُنَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، وَلَا تَجِبُ إلَّا بِالذَّبْحِ قُلْت كَلَامُهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ أَنَّهَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ وَتَتَعَيَّنُ بِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِالذَّبْحِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ أَيْ غَيْرُ الضَّحِيَّةِ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ، وَفِي بْن الْحَقُّ أَنَّ الضَّحِيَّةَ تَجِبُ بِالنَّذْرِ فِي الشَّاةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ مَعْنَى وُجُوبِهَا بِالنَّذْرِ فِي الْمُعَيَّنَةِ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالْبَدَلُ فِيهَا بَعْدَهُ لَا إنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ بَعْدَ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِيهَا وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ الْمَنْفِيِّ وُجُوبَ تَعْيِينٍ يُؤَدِّي إلَى إلْغَاءِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ) أَيْ نَذْرُهُمَا حَرَامٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَظَّمَ مَا لَمْ يُعَظِّمْهُ الشَّرْعُ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِثْلُهُمَا) أَيْ نَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ نَفْسِهِ فَنَذْرُ الْمَكْرُوهِ مَكْرُوهٌ وَنَذْرُ الْمُبَاحِ مُبَاحٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُقَدِّمَاتِ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ الْقُدُومُ عَلَى نَذْرِ الْوَاجِبِ هَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
اهـ. عَدَوِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) أَيْ نُدِبَ الْقُدُومُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ خِلَافًا لِمَا فِي عبق تَبَعًا لح مِنْ إبَاحَةِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَا لَيْسَ شُكْرًا عَلَى شَيْءٍ حَصَلَ) أَيْ فَالْقُدُومُ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: وَفِي كُرْهِ الْمُعَلِّقِ) أَيْ فِي كُرْهِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَإِبَاحَتِهِ تَرَدُّدٌ الْكَرَاهَةُ لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ شَاسٍ وَالْإِبَاحَةُ لِابْنِ رُشْدٍ (قَوْلُهُ كَمَا مَثَّلْنَا) أَيْ بِإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ نَجَوْت مِنْ الْأَمْرِ الْفُلَانِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ بِأَنْ يَقُولُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ كَذَا، وَقَوْلُهُ كُرِهَ اتِّفَاقًا أَيْ فَيُوَافِقُ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ إنْ نَجَوْت مِنْ كَذَا فَعَلَيَّ بَدَنَةٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النَّذْرِ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيُ بَدَنَةٍ فِي الْمُطْلَقِ بِمُجَرَّدِ نَذْرِهَا، وَفِي الْمُعَلَّقِ إذَا حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ
وَذَكَرَ الْبَدَنَةَ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْهَا (فَبَقَرَةٌ) تَلْزَمُهُ بَدَلُهَا (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ لِعَدَمِ وُجُودِهَا أَوْ لِعَدَمِ ثَمَنِهَا لَزِمَهُ (سَبْعُ شِيَاهٍ) كُلُّ شَاةٍ تُجْزِئُ ضَحِيَّةٌ (لَا غَيْرُ) الشِّيَاهِ فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامٌ أَوْ صِيَامٌ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا بَلْ يَصْبِرُ لِوُجُودِ الْأَصْلِ أَوْ بَدَلِهِ أَوْ بَدَلِ بَدَلِهِ، وَيُحْتَمَلُ لَا غَيْرَ السَّبْعِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَكْثَرَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ
(وَ) لَزِمَ (صِيَامٌ) نَذْرَهُ (بِثَغْرٍ) بِمُثَلَّثَةٍ مَوْضِعُ مَخَافَةِ الْعَدُوِّ مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ كِدِمْيَاطَ وَإِسْكَنْدَرِيَّة، وَمِثْلُ الصَّوْمِ الصَّلَاةُ وَأَوْلَى الرِّبَاطُ (وَ) لَزِمَ النَّاذِرَ (ثُلُثُهُ) أَيْ ثُلُثُ مَالِهِ الْمَوْجُودِ (حِينَ يَمِينِهِ) لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ (إلَّا أَنْ يُنْقِصَ) يَوْمَ الْحِنْثِ عَنْ يَوْمَ الْيَمِينِ (فَمَا بَقِيَ) أَيْ يَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ كَانَ النَّقْصُ قَبْلَ الْحِنْثِ أَوْ بَعْدَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْسِبَ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ، وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَهْرِ زَوْجَتِهِ (بِمَالِي) أَيْ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ بِقَوْلِهِ مَالِي (فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ) وَدَخَلَ بِالْكَافِ مَالِي لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ الْمُجَاوِرِينَ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَوْ هَدِيَّةٌ لَهُمْ أَوْ هَدْيٌ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ وَحَنِثَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ مَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ وَحَصَلَ فِيهِ نَقْصٌ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بِتَلَفٍ، وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ، وَإِنْ كَانَ بِاتِّفَاقٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا أَنْفَقَهُ أَيْضًا خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَهُ شَامِلًا لِلْيَمِينِ وَغَيْرِهِ (وَ) سَبِيلُ اللَّهِ (هُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ) مِنْهُ الْعَدُوُّ (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الثُّلُثِ الَّذِي لَزِمَهُ بِقَوْلِهِ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ (مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ بَاقِي مَالِهِ لَا مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[حاشية الدسوقي]
الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ نَذَرَ بِلَفْظِ الْبَدَنَةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ بِلَفْظِ الْهَدْيِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ إنْ نَجَوْت مِنْ كَذَا فَعَلَيَّ هَدْيٌ فَإِنْ نَوَى نَوْعًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ الْبَدَنَةُ.
اهـ. وَانْظُرْ مَنْ نَذَرَ بَقَرَةً، وَعَجَزَ عَنْهَا هَلْ يَلْزَمُهُ سَبْعُ شِيَاهٍ كَمَا هُنَا وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَهَا الشِّيَاهُ السَّبْعُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ عِوَضًا عَنْ الْبَدَنَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ النَّذْرُ بِالْبَقَرَةِ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْبَدَنَةَ) أَيْ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا كَالشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ كَذَلِكَ تَلْزَمُ بِنَذْرِهَا (قَوْلُهُ: فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامٌ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إذَا عَجَزَ عَنْ السَّبْعِ شِيَاهٍ، وَمَا قَبْلَهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَقِيلَ شَهْرَيْنِ (قَوْلُهُ: بَلْ يَصْبِرُ لِوُجُودِ الْأَصْلِ) فَلَوْ قَدَرَ عَلَى دُونِ السَّبْعَةِ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَالْمَوَّاقِ بَلْ يَصْبِرُ لِوُجُودِ الْأَصْلِ أَوْ بَدَلِهِ أَوْ بَدَلِ بَدَلِهِ بِتَمَامِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ مَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ثُمَّ يُكْمِلُ مَا بَقِيَ عِنْدَ الْيُسْرِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلَّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَعَلَى هَذَا الثَّانِي فَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَاقِي الشِّيَاهِ وَالْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ وَجَدَهَا كُلَّهَا فَهَلْ يُكْمِلُ عَلَى الشِّيَاهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَرْجِعُ لِلْأَصْلِ، وَهُوَ الْبَدَنَةُ أَوْ الْبَقَرَةُ.
اهـ. عج (قَوْلُهُ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ) أَيْ مِنْ الشِّيَاهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَلَى الْبَقَرَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ السَّبْعِ
(قَوْلُهُ وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) أَيْ مَنْ نَذَرَ صَوْمًا بِثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ كَمَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِدِمْيَاطَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ، وَإِنْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ عِبَادَةِ الرِّبَاطِ، وَيَأْتِي إلَيْهِ رَاكِبًا، وَمَفْهُومُ الثَّغْرِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الصَّوْمَ بِمَوْضِعٍ غَيْرَ ثَغْرٍ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَيَصُومُ فِي مَكَانِهِ إذْ لَا قُرْبَةَ فِي صَوْمِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ (قَوْلُهُ، وَمِثْلُ الصَّوْمِ الصَّلَاةُ) أَيْ فَيَلْزَمُهُ إتْيَانُ الثَّغْرِ لِفِعْلِهَا، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَذَرَ صَلَاةً يُمْكِنُ مَعَهَا الْحِرَاسَةُ كَمَا إذَا نَذَرَ الْإِتْيَانَ لِلثَّغْرِ لِصَلَاةِ قِيَامِ رَمَضَانَ مُدَّتَهُ، وَأَمَّا إذَا نَذَرَ إتْيَانَ الثَّغْرِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَعُودُ مِنْ فَوْرِهِ فَلْيُصَلِّ بِمَوْضِعِهِ، وَلَا يَأْتِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ اُنْظُرْ طفى، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ كَلَامُ خش وتت (قَوْلُهُ: وَأَوْلَى الرِّبَاطُ) أَيْ وَأَوْلَى فِي لُزُومِ الْإِتْيَانِ لِلثَّغْرِ مَنْ نَذَرَ الْإِتْيَانَ لِلثَّغْرِ مَنْ نَذَرَ رِبَاطًا فِيهِ (قَوْلُهُ ثُلُثُ مَالِهِ الْمَوْجُودِ حِينَ يَمِينِهِ) أَيْ مِنْ عَيْنٍ وَعَدَدِ دِينٍ حَالٍّ، وَقِيمَةِ مُؤَجَّلٍ مَرْجُوَّيْنِ، وَقِيمَةِ عَرَضٍ وَقِيمَةِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ (قَوْلُهُ لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ) أَيْ بِهِبَةٍ أَوْ نَمَاءٍ أَوْ وِلَادَةٍ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُنْقِصَ يَوْمَ الْحِنْثِ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِإِنْفَاقٍ أَوْ بِتَلَفٍ بِتَفْرِيطٍ (قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ يَحْسِبَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَقِيَ (قَوْلُهُ: بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ، وَفِي جَوَازِ الصَّدَقَةِ بِكُلِّ الْمَالِ نَقْلًا اللَّخْمِيُّ وَرِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَا يَكْفِيهِ رُدَّتْ صَدَقَتُهُ اهـ ثُمَّ اعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِي فَانْظُرْهُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِإِنْفَاقٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا أَنْفَقَهُ أَيْضًا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا أَنْفَقَهُ فِي النَّذْرِ دُونَ الْيَمِينِ أَصْلُهُ لِلشَّيْخِ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَتَبِعَهُ عج قَالَ طفى، وَلَمْ أَرَ هَذَا التَّفْرِيقَ لِغَيْرِهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا أَنْفَقَهُ لَا فِي النَّذْرِ، وَلَا فِي الْيَمِينِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ وَسَبِيلُ اللَّهِ) أَيْ الَّذِي يُدْفَعُ لَهُ ثُلُثُ مَالِ الْحَالِفِ أَوْ النَّاذِرِ الْمُتَقَدِّمِ هُوَ الْجِهَادُ وَقَوْلُهُ بِمَحَلٍّ خِيفَ إلَخْ هَذَا تَحْقِيقٌ لِلرِّبَاطِ لَا إنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُعْطَى مِنْهُ مُقْعَدٌ وَلَا أَعْمَى، وَلَا امْرَأَةٌ، وَلَا صَبِيٌّ، وَلَا قَاتِلٌ، وَلَا مَرِيضٌ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، وَلَا مَفْلُوجٌ، وَلَا شَبَهُهُ، وَلَا أَقْطَعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدِ الْيُسْرَى اهـ وَالظَّاهِرُ أَوْلَوِيَّةُ الْيَمِينِ.
اهـ. عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ بِمَحَلٍّ خِيفَ مِنْهُ الْعَدُوُّ) ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِقَامَةَ بِمَحِلٍّ يُخَافُ فِيهِ مِنْ الْعَدُوِّ رِبَاطٌ
فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ اتِّفَاقًا (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ بِهِ) أَيْ بِمَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ مَالِي (عَلَى مُعَيَّنٍ) بِالشَّخْصِ كَزَيْدٍ أَوْ بِالْوَصْفِ كَبَنِي زَيْدٍ (فَالْجَمِيعُ) حِينَ الْيَمِينِ لِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ، وَمَا سَمَّى، وَإِنْ مُعَيَّنًا، وَيَتْرُكُ لَهُ مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ (وَكَرَّرَ) نَاذِرُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ الْحَالِفِ بِذَلِكَ إخْرَاجُ الثُّلُثِ لِكُلِّ يَمِينٍ فَيُخْرِجُ الثُّلُثَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى ثُمَّ ثُلُثَ الْبَاقِي وَهَكَذَا (إنْ أَخْرَجَ) الثُّلُثَ الْأَوَّلَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى بَعْدَ لُزُومِهِ، وَقَبْلَ إنْشَاءِ الثَّانِيَةِ، وَشَمَلَ اللُّزُومُ النَّذْرَ وَالْيَمِينَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ بِاللَّفْظِ وَالْيَمِينِ بِالْحِنْثِ فِيهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ حَتَّى أَنْشَأَ الثَّانِي نَذْرًا أَوْ يَمِينًا وَتَحْتَ الْيَمِينِ صُورَتَانِ مَا إذَا أَنْشَأَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَهُ (فَقَوْلَانِ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِالتَّكْرَارِ، وَعَدَمِهِ بِأَنْ يَكْفِيَ ثُلُثٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ (وَ) لَزِمَ (مَا سَمَّى) مِنْ مَالِهِ إذَا كَانَ شَائِعًا كَسُدُسِهِ أَوْ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمُسَمَّى (مُعَيَّنًا) أَتَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ (عَلَى الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَالِهِ كَعَبْدِي وَدَارِي وَفَرَسِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ (وَ) لَزِمَ (بَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ) نَذَرَهُمَا أَوْ حَلَفَ بِهِمَا وَحَنِثَ (لِمَحَلِّهِ) أَيْ الْجِهَادِ (إنْ وَصَلَ) إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ (وَإِنْ لَمْ يَصِلْ) أَيْ لَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ (بِيعَ، وَعُوِّضَ) بِثَمَنِهِ مِثْلِهِ مِنْ خَيْلِ أَوْ سِلَاحٍ فَإِنْ جَعَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَيْسَ بِفَرَسٍ وَسِلَاحٍ كَعَبْدِي أَوْ ثَوْبِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِيعَ وَدُفِعَ ثَمَنُهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ (كَهَدْيٍ) نَذَرَهُ فَإِنَّهُ يَبْعَثُهُ لِمَحَلِّهِ مَكَّةَ أَوْ مِنًى إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ وَإِلَّا بِيعَ، وَعُوِّضَ بِثَمَنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا وَلَزِمَهُ بَعْثُهُ (، وَلَوْ مَعِيبًا) إنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَعَلَيَّ نَذْرُ هَذِهِ الْبَدَنَةِ وَهِيَ عَوْرَاءُ مَثَلًا مِمَّا لَا يُهْدِي؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ إنَّمَا تُطْلَبُ فِي الْوَاجِبِ
[حاشية الدسوقي]
وَلَوْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ بِالْأَهْلِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْبَاجِيَّ، وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ بِرِبَاطٍ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الثُّلُثِ فِي إيصَالٍ لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرَابِطِينَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِمَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ) فِي قَوْلِهِ مَالِي فَإِذَا قَالَ مَالِي صَدَقَةٌ لِزَيْدٍ أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ لَزِمَهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ لِزَيْدٍ لَا ثُلُثِهِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ إلَّا لَتَصَدَّقَ إلَخْ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ مُعَيَّنٌ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَالِ لَا ثُلُثُهُ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَنَاذِرُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ إلَخْ) كَالْقَائِلِ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ثُلُثُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ الْحَالِفُ بِذَلِكَ أَيْ بِكُلِّ مَالِهِ أَوْ ثُلُثِهِ كَالْقَائِلِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي كُلُّهُ أَوْ ثُلُثُهُ صَدَقَةٌ (قَوْلُهُ: ثُمَّ ثُلُثُ الْبَاقِي) أَيْ لِلْيَمِينِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: فَقَوْلَانِ) الْأَوَّلُ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّانِي أَيْضًا عَنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ ابْنِ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَلَزِمَ مَا سَمَّى) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَالَ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ ثُلُثِهِ.
وَأَمَّا إذَا سَمَّى شَيْئًا بِأَنْ قَالَ سُدُسُ مَالِي صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ عَيَّنَهُ بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ صَدَقَةً لِلْفُقَرَاءِ أَوْ عَبِيدِي أَوْ دَارِي أَوْ فَرَسِي صَدَقَةٌ لِلْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ مَا سَمَّاهُ أَوْ عَيَّنَهُ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ الَّذِي سَمَّاهُ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمَّى مُعَيَّنًا، وَأَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثُلُثُ مَالِهِ وَلِمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا لَا يُجْحِفُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ مُعَيَّنًا) الْمُرَادُ بِالْمُعَيَّنِ فِي كَلَامِهِ مَا قَابَلَ الشَّائِعَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَمَا سَمَّى يَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ الْجَزَاءُ الشَّائِعُ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثُ وَالْعَدَدُ الْمُعَيَّنُ كَمِائَةٍ أَوْ أَلْفٍ، وَمَا عُيِّنَ بِالذَّاتِ كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَا عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ فَلِذَا بَالَغَ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ مُعَيَّنًا أَيْ لَزِمَهُ مَا سَمَّاهُ هَذَا إذَا كَانَ شَائِعًا بَلْ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا هَذَا إذَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ بَلْ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ (قَوْلُهُ: نَذَرَهُمَا) بِأَنْ قَالَ فَرَسِي أَوْ سَيْفِي أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نَذَرَ لِلَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَلَفَ بِهِمَا وَحَنِثَ) أَيْ بِأَنْ قَالَ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَفَرَسِي أَوْ سَيْفِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ كَلَّمَهُ (قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُبَلِّغْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ (قَوْلُهُ بِيعَ) أَيْ هُنَا، وَأَرْسَلَ ثَمَنَهُ لِمَحَلِّ الْجِهَادِ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مِثْلَهُ هُنَاكَ، وَلَا يَشْتَرِي بِثَمَنِ الْفَرَسِ سِلَاحًا وَلَا عَكْسُهُ لِاخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِمَا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُ مَا بِيعَ شِرَاءَ مِثْلِهِ اشْتَرَى بِالثَّمَنِ أَقْرَبَ شَيْءٍ لِلْمَبِيعِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ دَفَعَ ثَمَنَهُ لِلْغَازِي، وَلَا يَجْعَلُ فِي شِقْصِ مِثْلِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
(قَوْلُهُ: كَهَدْيٍ نَذَرَهُ) تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ الْإِرْسَالِ فَإِذَا قَالَ هَذِهِ الْبَدَنَةُ هَدْيٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ الْإِهْدَاءُ بِهَذِهِ الْبَقَرَةِ أَوْ الْخَرُوفِ أَوْ الْبَعِيرِ، وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ كَإِنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْإِهْدَاءُ بِهَذَا الْخَرُوفِ أَوْ بِهَذِهِ الْبَقَرَةِ أَوْ فَعَلَيَّ بَدَنَةٌ أَوْ خَرُوفٌ هَدْيًا ثُمَّ كَلَّمَهُ، وَلَزِمَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ أَوْ مِنًى، وَلَا يَجُوزُ إرْسَالُ قِيمَتِهِ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ (قَوْلُهُ، وَلَزِمَهُ بَعْثُهُ، وَلَوْ مَعِيبًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ سَلِيمًا بَلْ، وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّهُ يَبِيعُهُ هُنَا، وَيُرْسِلُ ثَمَنَهُ يَشْتَرِي بِهِ هُنَاكَ سَالِمًا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُعَيَّنِ أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ مَعِيبٌ أَوْ بَدَنَةٌ عَوْرَاءُ وَلَمْ يُعِنْهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ هَدْيٍ سَالِمٍ بِاتِّفَاقِهِمَا كَذَا فِي عبق وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ عَنْ التُّونِسِيِّ الْأَشْبَهُ فِي الْمَعِيبِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ هَدْيَ مَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا كَمَنْ نَذَرَ صَلَاةً فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ، وَمَا ذَكَرَهُ أَشْهَبُ مِنْ لُزُومِ إرْسَالِ الْهَدْيِ الْمَعِيبِ الْمُعَيَّنِ إذَا كَانَ يُمْكِنُ وُصُولُهُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ وَجَبَ إبْدَالُهُ بِالسَّلِيمِ بِأَنْ
الْمُطْلَقِ (عَلَى الْأَصَحِّ) . وَمُقَابِلُهُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ سَلِيمٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَعَلَيَّ بَدَنَةٌ عَوْرَاءُ فَيَلْزَمُهُ سَلِيمٌ اتِّفَاقًا.
(وَ) جَازَ (لَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْهَدْيِ (إذَا بِيعَ) لِتَعَذُّرِ إرْسَالِهِ (الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ) دُونَ الْأَدْنَى بِأَنْ يَشْتَرِيَ بَقَرًا أَوْ إبِلًا بَدَلُ غَنَمٍ (وَإِنْ كَانَ) الْمَنْذُورُ هَدِيَّةً مِمَّا لَا يُهْدَى (كَثَوْبٍ) وَعَبْدٍ (بِيعَ) وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ هَدْيٌ (وَكُرِهَ بَعْثُهُ) لِمَا فِيهِ إيهَامُ تَغْيِيرِ سُنَّةِ الْهَدْيِ (وَأُهْدِيَ بِهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ لِيَشْمَلَ رَبَّ الثَّوْبِ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ قَبْلَهُ أَيْ بِيعَ وَأُهْدِيَ بِهِ، وَكُرِهَ بَعْثُهُ أَيْ فَإِنْ بَعَثَهُ بِيعَ وَأُهْدِيَ بِهِ ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَا لَا يُهْدَى يُبَاعُ، وَيُبْعَثُ ثَمَنُهُ لَيُشْتَرَى بِهِ هَدْيٌ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُنَا، وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْبَيْعِ وَظَاهِرُهَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَمَوْضِعٌ آخَرُ مِنْ النُّذُورِ جَوَازُ تَقْوِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُتْبِيَّةِ، وَإِلَى كَوْنِ مَا فِي حَجِّهَا مَعَ الْعُتْبِيَّةِ، وَمَا فِيهَا هُنَا مُتَخَالَفِينَ أَوْ مُتَوَافِقِينَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَهَلْ اُخْتُلِفَ) قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِمَا أَيْ هَلْ حَمَلَ مَا فِيهِمَا عَلَى الْخِلَافِ، وَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ اُخْتُلِفَ فَقَالَ (هَلْ يُقَوِّمُهُ) عَلَى نَفْسِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ (أَوْ لَا) يُقَوِّمُهُ بَلْ يَبِيعُهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ هُنَا (أَوْ لَا) اخْتِلَافَ بَلْ بَيْنَهُمَا وِفَاقٌ بِأَنْ يَبِيعَهُ (نَدْبًا) لَا وُجُوبًا، وَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي النَّدْبَ.
(أَوْ) التَّقْوِيمُ الْوَاقِعُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَحَلُّهُ (إذَا كَانَ بِيَمِينٍ) حَنِثَ فِيهَا إذْ الْحَالِفُ لَا يَقْصِدُ قُرْبَةً وَالْبَيْعُ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَا إذَا الْتَزَمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَهُوَ قَاصِدُ الْقُرْبَةِ (تَأْوِيلَاتٌ) ثَلَاثٌ وَاحِدٌ بِالِاخْتِلَافِ وَاثْنَانِ بِالْوِفَاقِ، وَلَوْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَفِيهَا أَيْضًا مَعَ الْعُتْبِيَّةِ لَهُ تَقْوِيمُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَلْ خِلَافٌ أَوْ لَا فَيُبَاعُ نَدْبًا أَوْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْيَمِينِ تَأْوِيلَاتٌ لَكَانَ أَوْضَحُ (فَإِنْ عَجَزَ) أَيْ قَصُرَ ثَمَنُ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَصِلُ أَوْ مَا لَا يُهْدَى عَنْ هَدْيٍ أَعْلَى (عُوِّضَ الْأَدْنَى) بِأَنْ يَشْتَرِي بِهِ شَاةً إنْ أَمْكَنَ (ثُمَّ) إنْ قَصَرَ عَنْ الْأَدْنَى دَفَعَ ثَمَنَ الْهَدْيِ الَّذِي لَا يَصِلُ أَوْ مَا لَا يُهْدَى (لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ) جَمْعُ خَازِنٍ أَيْ خَدَمَتُهَا، وَهُمْ بَنُو شَيْبَةَ (يُصْرَفُ فِيهَا) أَيْ يَصْرِفُونَهُ فِي مَصَالِحِهَا (إنْ احْتَاجَتْ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَحْتَجْ (تَصَدَّقَ بِهِ) النَّاذِرُ أَوْ غَيْرُهُ حَيْثُ شَاءَ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ لَيْسَتْ مِنْ النَّذْرِ اسْتِطْرَادًا، وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَهُمْ فِي خِدْمَتِهَا غَيْرُهُمْ فَقَالَ (وَأَعْظَمَ) أَيْ اسْتَعْظَمَ وَمَنَعَ (مَالِكٌ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أَنْ يَشْرَكَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَةُ الْكَعْبَةِ (وِلَايَةٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَ) لَزِمَ (الْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) لِحِنْثِ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَلْ.
[حاشية الدسوقي]
يُبَاعَ هُنَا، وَيُرْسَلَ ثَمَنُهُ ثُمَّ يُشْتَرَى بِهِ سَلِيمٌ (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ لَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ سَلِيمًا أَوْ مَعِيبًا إذَا بِيعَ لِتَعَذُّرِ إرْسَالِهِ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ أَيْ بِنَوْعٍ أَفْضَلَ مِنْ نَوْعِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ فَرَسِي أَوْ سَيْفِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَتَعَذَّرَ إرْسَالُهُ لِمَحَلِّ الْجِهَادِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ هُنَا، وَيُعَوَّضُ بِثَمَنِهِ فِي مَحَلِّهِ مِثْلُهُ مِنْ خَيْلٍ أَوْ سِلَاحٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوَّضَ بِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْهَدْيِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ اللَّحْمُ تَوْسِعَةً لِلْفُقَرَاءِ وَلَحْمُ الْإِبِلِ أَكْثَرُ بِخِلَافِ مَنْفَعَةِ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ فَإِنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ الْإِبْدَالِ بِالْأَفْضَلِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يَتَعَيَّنُ الشِّرَاءُ مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ، وَلَا يُخَالِفُ إلَى الْأَفْضَلِ (قَوْلُهُ: دُونَ الْأَدْنَى) أَيْ فَلَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَعْجِزْ الثَّمَنَ عَنْ شِرَاءِ هَدْيٍ مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ الْأَفْضَلِ مِنْهُ، وَإِلَّا اشْتَرَى هَدْيًا أَدْنَى مِنْ الْأَوَّلِ فِي الْجِنْسِ فَإِنْ قَصُرَ الثَّمَنُ عَنْ شِرَاءِ الْأَدْنَى دَفَعَ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يَصْرِفُونَهَا فِي مَصَالِحِهَا إنْ احْتَاجَتْ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَشْتَرِيَ بَقَرًا أَوْ إبِلًا بَدَلَ غَنَمٍ) هَذَا تَصْوِيرٌ لِلْإِبْدَالِ بِالْأَفْضَلِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَفْضَلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّوْعُ.
(قَوْلُهُ: كَثَوْبٍ، وَعَبْدٍ) بِأَنْ قَالَ ثَوْبِي أَوْ عَبْدِي هَدْيٌ (قَوْلُهُ: وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ) أَيْ لِيُشْتَرَى بِهَا هَدْيٌ (قَوْلُهُ أَوْ مَا لَا يُهْدَى) أَيْ أَوْ قَصُرَ ثَمَنُ مَا لَا يُهْدَى وَقَوْلُهُ عُوِّضَ الْأَدْنَى أَيْ عُوِّضَ بِالْأَدْنَى (قَوْلُهُ: ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ) هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَإِنْ قَصُرَ عَنْ التَّعْوِيضِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضًا يَبْعَثُهُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَقِيلَ يَخْتَصُّ أَهْلُ الْحَرَمِ بِالثَّمَنِ اهـ وَهَذَا الثَّالِثُ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ ابْتِدَاءً لَكِنْ خَالَفَهُ فِي تَخْصِيصِهِ الصَّدَقَةَ بِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتْبَعْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا أَصْبَغَ وَإِنَّمَا تَبِعَ قَوْلَ مَالِكٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِقَوْلِهِ إنْ احْتَاجَتْ (قَوْلُهُ أَنْ يَشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ) أَيْ فِي خِدْمَتِهَا وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا نَزْعُهَا مِنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْعِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ خِدْمَتَهُمْ إيَّاهَا وِلَايَةٌ أَيْ بِتَوْلِيَةٍ وَتَمْكِينٍ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَذَلِكَ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى مَفَاتِيحَهَا لِجَدِّهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ، وَقَالَ لَا يَنْزِعُ هَذَا الْمِفْتَاحَ مِنْكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ إلَّا ظَالِمٌ» وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى مَنْعِ التَّشْرِيكِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ نَزْعُهَا مِنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حُرْمَةِ أَخْذِ خَدَمَةِ الْكَعْبَةِ أُجْرَةً عَلَى فَتْحِهَا لِدُخُولِ النَّاسِ خِلَافًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ بِالْبَيْتِ مَا شَاءُوا قَالَهُ ح (قَوْلُهُ: فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشْيِ أَيْ لَزِمَ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ، وَهَذَا إذَا نَذَرَ
(وَلَوْ) نَذَرَ الْمَشْيَ (لِصَلَاةٍ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَخَرَجَ) إلَى الْحِلِّ (مَنْ) نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ وَهُوَ (بِهَا، وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) مِنْ طَرَفِ الْحِلِّ مَاشِيًا (كَمَكَّةَ) أَيْ كَنَاذِرِ الْمَشْيِ لَهَا (أَوْ) إلَى (الْبَيْتِ) أَيْ الْكَعْبَةِ (أَوْ جُزْئِهِ) الْمُتَّصِلِ بِهِ كَبَابِهِ وَرُكْنِهِ وَحَطِيمِهِ وَشَاذَرْوَانِهِ (لَا غَيْرُ) أَيْ لَا غَيْرُ الْبَيْتِ وَجُزْئِهِ مِمَّا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ كَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ وَأَوْلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَعَرَفَةُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ اللُّزُومِ (إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَإِنْ نَوَاهُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ كَالْمُتَّصِلِ فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَأَتَى بِعُمْرَةٍ كَمَا مَرَّ ثُمَّ لُزُومُ الْمَشْيِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ (مِنْ حَيْثُ نَوَى) النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ الْمَشْيَ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حَيْثُ (حَلَفَ) كَوَاللَّهِ لَأَحُجَّنَّ مَاشِيًا أَوْ نَذَرَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ (أَوْ) يَمْشِي مَنْ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ مَوْضِعِ حَلِفِهِ فِي الْبُعْدِ (إنْ حَنِثَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْمُمَاثِلِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمِثْلُ وَمَحَلُّ إجْزَاءِ الْمِثْلِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ إذَا لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِالْمَشْيِ مِنْ مَحَلٍّ خَاصٍّ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْمَشْيُ مِنْهُ فَلَوْ قَالَ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ جَرَى الْعُرْفُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ لِطَابَقِ النَّقْلِ وَلَمْ يَحْتَجَّ لِقَوْلِهِ (وَتَعَيَّنَ) لِابْتِدَاءِ مَشْيِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ (مَحَلٌّ اُعْتِيدَ) لِلْحَالِفِينَ مِنْ بَلَدٍ أَوْ نَوَاحِيهَا.
(وَرَكِبَ) جَوَازًا (فِي) إقَامَةِ (الْمَنْهَلِ) أَيْ مَحَلِّ النُّزُولِ كَانَ بِهِ مَاءٌ أَوْ لَا (وَلِحَاجَةٍ) بِغَيْرِ الْمَنْهَلِ قَبْلَ نُزُولِهِ كَحَاجَةٍ نَسِيَهَا فَعَادَ إلَيْهَا (كَطَرِيقٍ) أَيْ كَمَا يَجُوزُ لَهُ مَشْيٌ فِي طَرِيقٍ (قُرْبَى اُعْتِيدَتْ) لِلْحَالِفِينَ فَقَطْ أَوْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ فَإِنْ اُعْتِيدَتْ الْبُعْدَى لِلْحَالِفِينَ وَالْقُرْبَى لِغَيْرِهِمْ تَعَيَّنَتْ الْبُعْدَى (وَ) رَكِبَ (بَحْرًا اُضْطُرَّ لَهُ) كَكَوْنِهِ فِي طَرِيقِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ لِمَكَّةَ إلَّا بِرُكُوبِهِ (لَا اُعْتِيدَ) لِغَيْرِ الْحَالِفِينَ وَاعْتِيدَ لِلْحَالِفِينَ غَيْرُهُ فَلَا يَرْكَبُهُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) فَإِنْ اُعْتِيدَ لِلْحَالِفِينَ فَقَطْ أَوْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ رَكِبَ ثُمَّ لُزُومُ الْمَشْيِ مِنْهُ (لِتَمَامِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) لِمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ (وَسَعْيُهَا) لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ ضَمِيرِ سَعْيِهَا لِلْعُمْرَةِ، وَعَلَى كُلٍّ يَفُوتُهُ الْكَلَامُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى
[حاشية الدسوقي]
الْمَشْيَ أَوْ حَلَفَ بِهِ لِذَلِكَ بَلْ، وَلَوْ نَذَرَهُ أَوْ حَلَفَ بِهِ لِصَلَاةٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِصَلَاةٍ) أَشَارَ بِلَوْ لِخِلَافِ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ الْقَائِلِ إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنُّسُكِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ، وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَقَدْ اعْتَمَدَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَلَمْ يَحْكِ لَهُ مُقَابِلًا وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ مُعْتَرِضًا بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لَكِنْ لَمَّا تَعَقَّبَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْإِكْمَالِ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ تَبِعَ هُنَا مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ طفى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْإِكْمَالِ وَنَقَلَ الْأَبِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ بِأَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَاشِيًا إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ قَوْلَ إسْمَاعِيلَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَنَصُّ كَلَامِ الْأَبِيِّ عَنْ الْمَازِرِيِّ اخْتَصَّتْ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لِعِظَمِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا وَنَذَرَ الصَّلَاةَ بِأَحَدِهَا أَتَاهَا فَإِنْ قَالَ مَاشِيًا فَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَأْتِي رَاكِبًا فِي الْجَمِيعِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْجَمِيعِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ.
اهـ. فَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ تَشْهِيرُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَأَنَّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِخِلَافِ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ) أَيْ أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدِهَا أَوْ لِلْبَيْتِ أَوْ لِجُزْئِهِ الْمُتَّصِلِ (قَوْلُهُ: كَمَكَّةَ) أَيْ كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ أَوْ لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْبَيْتِ أَوْ لِجُزْئِهِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ لِبَابِ الْبَيْتِ أَوْ رُكْنِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكَّةَ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ لِمَكَّةَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ عَدَمِ اللُّزُومِ) أَيْ مَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الْمَشْيِ لِمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِلْمُنْفَصِلِ عَنْ الْبَيْتِ أَوْ حَلَفَ بِهِ، وَحَنِثَ إذَا لَمْ يَنْوِ نُسُكًا (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ إجْزَاءِ الْمِثْلِ إلَخْ) الْأَوْلَى، وَمَحَلُّ إجْزَاءِ الْمَشْيِ مِنْ مَحَلِّ الْحَلِفِ وَالْمِثْلِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِالْمَشْيِ) أَيْ إنْ لَمْ يَجْرِ عُرْفُ الْحَالِفِينَ بِالْمَشْيِ وَالنَّاذِرِينَ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ خَاصٍّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ لِمَكَّةَ إلَّا بِرُكُوبِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ بِالتَّحْلِيقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوبُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّحْلِيقُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَشَقَّةٌ فَادِحَةٌ بِالتَّحْلِيقِ، وَإِلَّا جَازَ الرُّكُوبُ.
اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ) حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ كَمَا نَقَلَهُ طفى أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُجِيزُ رُكُوبَ الْبَحْرِ الْمُعْتَادِ لِلْحُجَّاجِ مُطْلَقًا الْحَالِفِينَ وَغَيْرَهُمْ وَأَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ يَمْنَعُ الرُّكُوبَ الْمُعْتَادَ وَأَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِمَا إذَا كَانَ مُعْتَادٌ لِلْحَالِفِينَ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَمْ لَا فَإِنْ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ عَلَى هَذَا فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الدَّرْكُ فِي نِسْبَةِ إطْلَاقِ الْمَنْعِ لِابْنِ يُونُسَ وَتَعْبِيرُهُ عَنْ تَرْجِيحِهِ بِالِاسْمِ.
اهـ بْن.
وَأَجَابَ شَارِحُنَا عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ بِمَا قَرَّرَ بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ لُزُومُ الْمَشْيِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي نَوَى الْمَشْيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُعْتَادِ لِلْحَالِفِينَ الْمَشْيُ مِنْهُ أَوْ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ أَوْ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ لِتَمَامِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَرْكَبُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَأَمَّا إنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي حَالِ الرَّمْيِ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ) أَيْ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ سَاكِتًا عَنْ غَايَةِ لُزُومِ الْمَشْيِ فِي الْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ عَوْدُ ضَمِيرِ سَعْيِهَا لِلْعُمْرَةِ) أَيْ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْكَلَامِ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ سَاكِتًا عَنْ غَايَةِ الْمَشْيِ إذَا أَخَّرَ السَّعْيَ عَنْ الْإِفَاضَةِ فِي الْحَجِّ (قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ) أَيْ مِنْ جَعْلِ الضَّمِيرِ
(وَرَجَعَ) وُجُوبًا لِمَكَّةَ مِنْ بَعْضِ الْمَشْيِ فَيَمْشِي الْأَمَاكِنَ الَّتِي رَكِبَهَا (وَأَهْدَى) لِتَبْعِيضِ الْمَشْيِ، وَأَخَّرَ هَدْيَهُ لِعَامِ رُجُوعِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْجَابِرِ النُّسُكِيِّ وَالْمَالِيِّ فَإِنْ قَدَّمَهُ فِي عَامِ مَشْيِهِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ (إنْ رَكِبَ كَثِيرًا) فِي نَفْسِهِ لَا قَلِيلًا فَيُهْدِي فَقَطْ (بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِكَثِيرًا أَيْ أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ بِاعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً وَمِسَاحَةً.
(أَوْ) رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) ، وَهِيَ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ لِمِنًى (وَالْإِفَاضَةَ) أَيْ الرُّجُوعَ مِنْ مِنًى لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ، وَكَذَا الْمَنَاسِكُ فَقَطْ فَيَرْجِعُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً فِي نَفْسِهَا إلَّا أَنَّهَا كَثِيرَةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ، وَأَمَّا رُكُوبُ الْإِفَاضَةِ فَقَطْ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي كَالْإِفَاضَةِ فَفِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ كَلَامِهِ (نَحْوُ الْمِصْرِيِّ) فَاعِلُ رَجَعَ بَلْ تُنَازِعُهُ رَجَعَ، وَأَهْدَى وَرَكِبَ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَوَسَّطَتْ دَارُهُ وَأَوْلَى مَنْ قَرُبَتْ كَالْمَدَنِيِّ وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْبَعِيدِ جِدًّا كَالْإِفْرِيقِيِّ فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ (قَابِلًا) ظَرْفُ رَجَعَ أَيْ زَمَنًا قَابِلًا (فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) إنْ عَلِمَهُ، وَإِلَّا مَشَى الْجَمِيعَ (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) مُتَعَلِّقٌ بِرَجَعَ أَيْ يَرْجِعُ مُحْرِمًا بِمَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا، وَعَيَّنَهُ فِي نَذْرِهِ أَوْ يَمِينِهِ بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَرْجِعُ بِعُمْرَةٍ إنْ كَانَ عَيَّنَ أَوَّلًا حَجًّا، وَلَا عَكْسِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ حِينَ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ بَلْ نَذَرَ الْمَشْيَ مُبْهَمًا وَصَرَفَهُ فِي أَحَدِهِمَا (فَلَهُ) فِي عَامِ رُجُوعِهِ (الْمُخَالَفَةُ) لِمَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ (إنْ) (ظَنَّ) النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ (أَوَّلًا) أَيْ حِينَ خُرُوجِهِ (الْقُدْرَةَ) عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ، وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَالَفَ ظَنَّهُ
[حاشية الدسوقي]
لِلْإِفَاضَةِ أَوْ لِلْعُمْرَةِ (قَوْلُهُ: وَرَجَعَ وُجُوبًا) ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَوْلُهُ مِنْ بَعْضِ الْمَشْيِ أَيْ بِأَنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ وَرَكِبَ بَعْضَهَا، وَكَانَ مَا رَكِبَهُ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: فَيَمْشِي الْأَمَاكِنَ الَّتِي رَكِبَهَا) أَيْ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَتْ جُلَّ الطَّرِيقِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَمْشِي جَمِيعَ الطَّرِيقِ إنْ كَانَ رَكِبَ الْجُلَّ أَوْ لَا، وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ وَلَوْ رَكِبَ كَثِيرًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْشِيَ عِدَّةَ أَيَّامِ رُكُوبِهِ إذْ قَدْ يَرْكَبُ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ أَوْ لَا وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِرُجُوعِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَشْيِهِ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَمَاكِنَ الرُّكُوبِ، وَإِلَّا مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهَا عَامَ رُجُوعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَخَّرَ هَدْيَهُ) أَيْ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ بَعْدُ: أَجْزَأَهُ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: الْجَابِرِ النُّسُكِيِّ) أَيْ، وَهُوَ رُجُوعُهُ لِلْعُمْرَةِ أَوْ الْحَجِّ وَالْجَابِرُ الْمَالِيُّ، وَهُوَ الْهَدْيُ (قَوْلُهُ: إنْ رَكِبَ كَثِيرًا) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ وَسَوَاءٌ كَانَ مُخْتَارًا فِي رُكُوبِهِ أَوْ مُضْطَرًّا (قَوْلُهُ: فِي نَفْسِهِ) أَيْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَثِيرًا أَكْثَرَ الْمَسَافَةِ فَقَطْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ النِّصْفَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَيُهْدِي فَقَطْ) أَيْ، وَلَا يَمْشِي مَا رَكِبَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ) يَعْنِي فِي النَّفْسِ مَنْظُورٌ فِيهَا لِاعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً (قَوْلُهُ: وَمِسَاحَةً) أَيْ أَوْ مِسَاحَةً فَقَطْ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الطُّرُقُ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً اُعْتُبِرَتْ الْكَثْرَةُ فِيهِمَا مَعَ الْمِسَاحَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا صَعْبَةً أَوْ سَهْلَةً اُعْتُبِرَتْ الْكَثْرَةُ فِي الْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوبِ فِي نَفْسِهِ مَنْظُورٌ فِيهَا لِصُعُوبَةِ الْمَسَافَةِ وَقِلَّتِهَا فَقَدْ يَكُونُ الرُّكُوبُ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ بِالنَّظَرِ لِمَسَافَةٍ وَقَلِيلًا بِالنَّظَرِ لِمَسَافَةٍ أُخْرَى كَالرُّكُوبِ لِلْعَقَبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمِصْرِيِّ وَالْإِفْرِيقِيِّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ) هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بِوُصُولِهِ لِمَكَّةَ بَرَّ وَإِلَيْهَا كَانَتْ الْيَمِينُ اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: إلَى رُجُوعِهِ لِمِنًى) أَيْ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى مَعَ) أَيْ لَا بِمَعْنَى أَوْ لِئَلَّا يُنَافِيَهُ قَوْلُهُ: الْآتِي كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَنَاسِكُ) أَيْ وَكَذَا إذَا رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ (قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ) أَيْ وُجُوبًا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَهُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَنَاسِكِ مَعَ الْإِفَاضَةِ أَوْ الْمَنَاسِكِ فَقَطْ وَمَحَلُّ وُجُوبِ الرُّجُوعِ لِلْمَشْيِ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ لِبَلَدِهِ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ هُنَا اسْتِحْبَابًا، وَأَمَّا إذَا مَكَثَ فِي مَكَّةَ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَحَجَّ، وَمَشَى الْمَنَاسِكَ الَّتِي رَكِبَهَا أَوَّلًا فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ (قَوْلُهُ: فَلَا رُجُوعَ) أَيْ إذَا ذَهَبَ لِبَلَدِهِ (قَوْلُهُ: فَفِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ) أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ مَعَ الْإِفَاضَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ إذَا ذَهَبَ لِبَلَدِهِ، وَإِنْ رَكِبَ الْإِفَاضَةَ فَقَطْ فَلَا رُجُوعَ أَصْلًا (قَوْلُهُ: نَحْوَ الْمِصْرِيِّ) أَيْ، وَكَذَا الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَأَوْلَى الْقَرِيبُ مِنْ مِصْرَ، وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ فَيُعْطَى حُكْمَهَا أَفَادَهُ عج.
(قَوْلُهُ: تَوَسَّطَتْ دَارُهُ) أَيْ كَانَتْ دَارُهُ بَعِيدَةً مِنْ مَكَّةَ بُعْدًا مُتَوَسِّطًا (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ) أَيْ، وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فَنَاذِرُ الْمَشْيِ أَحْوَالُهُ ثَلَاثَةٌ إمَّا أَنْ تَكُونَ بَلَدُهُ قَرِيبَةً مِنْ مَكَّةَ كَالْمَدَنِيِّ أَوْ بَعِيدَةً عَنْهَا بُعْدًا مُتَوَسِّطًا كَالْمِصْرِيِّ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَعِيدَةً جِدًّا كَالْأَفْرِيقِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ زَمَنًا قَابِلًا) وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فَوْرًا (قَوْلُهُ: وَعَيَّنَهُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ عَيَّنَّهُ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ) أَيْ مَحَلُّ رُجُوعِ مَنْ رَكِبَ كَثِيرًا لِيَمْشِيَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ (قَوْلُهُ: إنْ ظَنَّ أَوَّلًا أَيْ حِينَ خُرُوجِهِ) أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى الْقُدْرَةُ أَيْ أَوْ جَزَمَ بِهَا، وَقَوْلُهُ: فَخَالَفَ ظَنَّهُ أَيْ أَوْ جَزَمَهُ وَتَبَيَّنَ عَجْزُهُ فَرَكِبَ كَثِيرًا، وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ تُضْرَبَانِ فِي حَالَاتِ النَّذْرِ أَوْ الْيَمِينِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ حِينَ النَّذْرِ أَوْ الْيَمِينِ مُعْتَقِدًا الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ أَوْ ظَانًّا الْقُدْرَةَ أَوْ شَاكًّا فِيهَا أَوْ مُتَوَهِّمًا لَهَا أَوْ جَازِمًا بِعَدَمِهَا فَهَذِهِ عَشَرَةُ أَحْوَالٍ يَتَعَيَّنُ فِيهَا الرُّجُوعُ لِيَمْشِيَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَالْهَدْيُ
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينِ خُرُوجِهِ أَيْ، وَقَدْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ يَمِينِهِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ بِأَنَّ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ حِينَ خُرُوجِهِ الْعَجْزَ (مَشَى) إذَا خَرَجَ (مَقْدُورَهُ) ، وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ (وَرَكِبَ) مَعْجُوزَهُ (وَأَهْدَى فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ ثَانِيًا أَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ أَوْ نَوَى أَنْ لَا يَمْشِيَ إلَّا مَا يُطِيقُهُ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ، وَيَمْشِي مَقْدُورَهُ، وَيَرْكَبُ مَعْجُوزَهُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ.
ثُمَّ شَبَّهَ فِي لُزُومِ الْهَدْيِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَلَّ) رُكُوبُهُ بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ فَالْهَدْيُ فَقَطْ (وَلَوْ) كَانَ (قَادِرًا) عَلَى الْمَشْيِ (كَالْإِفَاضَةِ) أَيْ رَكِبَ فِي مَسِيرِهِ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةَ الْمَنَاسِكِ، وَأَمَّا الْمَنَاسِكُ فَقَطْ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَعَامٍ عُيِّنَ) لِلْمَشْيِ فِيهِ فَرَكِبَ فِيهِ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ أَوْ فَاتَهُ لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ فِيهِ أَصْلًا لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ (وَلْيَقْضِهِ) إنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَوْ خَرَجَ وَفَاتَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَيَقْضِيهِ وَلَوْ رَاكِبًا (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) عَطْفٌ عَلَى مَا لَا رُجُوعَ فِيهِ أَيْ أَوْ ظَنَّ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَنَّهُ إنْ خَرَجَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَشْيِ مَا رَكِبَ فِيهِ فَلَا يَخْرُجُ بَلْ يَهْدِي فَقَطْ (وَكَإِفْرِيقِيٍّ) مِنْ كُلِّ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ جِدًّا فَلَا يَرْجِعُ بَلْ يَهْدِي فَقَطْ وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ نَحْوُ الْمِصْرِيِّ (وَكَأَنْ فَرَّقَهُ) أَيْ الْمَشْيَ فِي الزَّمَانِ تَفْرِيقًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَمَشَى الْجَمِيعَ (وَلَوْ) فَرَّقَ (بِلَا عُذْرٍ) فَالْهَدْيُ فَقَطْ، وَأَثِمَ بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ كَالْمَغْرِبِيِّ يُقِيمُ بِمِصْرَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ حَتَّى يَأْتِيَ إبَّانُ الْحَجِّ، وَكَالْإِقَامَةِ بِالْعَقَبَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَلَا إثْمَ وَاعْتَرَضَ الْحَطَّابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْهَدْيِ بَلْ ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (وَفِي لُزُومِ) مَشْيِ (الْجَمِيعِ) فِي رُجُوعِهِ لِبُطْلَانِهِ (بِمَشْيِ عُقْبَةٍ) فِي ذَهَابِهِ أَوَّلًا، وَهِيَ سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَالْمُرَادُ مَسَافَةُ نَظِيرِ الَّتِي رَكِبَهَا (وَرُكُوبُ) عُقْبَةٍ (أُخْرَى) لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الرَّاحَةِ بِالرُّكُوبِ الْمُعَادِلَةِ لِلْمَشْيِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمْشِ أَصْلًا وَعَدَمُ لُزُومِ مَشْيِ الْجَمِيعِ بَلْ مَشَى أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَقَطْ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ (تَأْوِيلَانِ) مَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَمَشْيِهِ، وَإِلَّا مَشَى الْجَمِيعَ اتِّفَاقًا.
(وَالْهَدْيُ) مَتَى قُلْنَا بِهِ وَجَبَ مَعَهُ رُجُوعٌ أَمْ لَا (وَاجِبٌ إلَّا فِيمَنْ) (شَهِدَ) أَيْ رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) أَوْ الْإِفَاضَةَ أَوْ هُمَا (فَنَدْبٌ)
[حاشية الدسوقي]
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ ظَانًّا الْقُدْرَةَ وَلَا جَازِمًا بِهَا حِينَ خُرُوجِهِ بَلْ كَانَ مُتَوَهِّمًا لَهَا أَوْ شَاكًّا فِيهَا أَوْ جَازِمًا بِعَدَمِهَا، وَقَدْ كَانَ حَالَ الْيَمِينِ أَوْ النَّذْرِ جَازِمًا بِالْقُدْرَةِ أَوْ ظَانًّا لَهَا فَهَذِهِ سِتَّةٌ يَمْشِي فِيهَا مَقْدُورَهُ، وَيُهْدِي، وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا قَدْ كَانَ حِينَ الْيَمِينِ أَوْ النَّذْرِ جَازِمًا بِالْقُدْرَةِ أَوْ ظَانًّا لَهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ حِينَ الْيَمِينِ أَوْ النَّذْرِ شَاكًّا فِي الْقُدْرَةِ أَوْ تَوَهَّمَهَا أَوْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ فِي حَالِ الْخُرُوجِ شَكَّ فِي الْقُدْرَةِ أَوْ تَوَهَّمَهَا أَوْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا فَإِنَّهُ يَمْشِي أَوَّلًا عَامَّ مَقْدُورِهِ، وَلَا رُجُوعَ وَلَا هَدْيَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ التِّسْعِ فَجُمْلَةُ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ) أَيْ بِأَنْ تَوَهَّمَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَشْيِ، وَكَذَا إذَا شَكَّ فِيهَا أَوْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ حِينَ الْخُرُوجِ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ الْعَجْزَ، وَعَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ لَهُ بَالٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ (قَوْلُهُ: كَالْإِفَاضَةِ) تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ وَالْهَدْيِ، وَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ فِي الْأَوَّلِ وَاجِبًا، وَفِي الثَّانِي مَنْدُوبًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْعَطْفِ لِلتَّشْبِيهِ لِأَجْلِ أَنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ: فَقَطْ إلَى مَا بَعْدَ الْكَافِ، وَيَعْطِفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَنَاسِكُ فَقَطْ) أَيْ، وَأَمَّا إذَا رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ دُونَ الْإِفَاضَةِ، وَقَوْلُهُ: فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ أَيْ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لَهَا مَاشِيًا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَنَاسِكِ، وَلَا بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَكَعَامِ إلَخْ) هَذَا تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ الْهَدْيِ فَقَطْ، وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ مَاشِيًا فِي عَامِ كَذَا فَرَكِبَ فِيهِ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ، أَوْ رَكِبَ فِيهِ وَفَاتُهُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ أَصْلًا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فِي عَامٍ آخَرَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ فَلَوْ تَرَكَ الْحَجَّ فِي هَذَا الْعَامِ الْمُعَيَّنِ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ خَرَجَ لَهُ وَلَوْ مَاشِيًا وَتَرَاخَى حَتَّى فَاتَهُ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَلَوْ رَاكِبًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلْيَقْضِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ سَابِقًا: وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ ظَنَّ أَوَّلًا أَيْ حِينَ خُرُوجِهِ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ عَدَمَ الْقُدْرَةِ، وَمَا هُنَا ظَنُّ عَدَمِ الْقُدْرَةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي كَمَا قَالَ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: وَكَأَنْ فَرَّقَهُ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْزِلَ بِمَحَلَّاتٍ وَيَقْعُدُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِعَدَمِ النُّزُولِ بِهَا ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِجْزَاءِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَصَوَّبَ ابْنُ رُشْدٍ الْقَوْلَ بِالْإِجْزَاءِ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَهُ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَ ح إلَخْ) أَيْ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ بِالْإِجْزَاءِ وَلُزُومِ الْهَدْيِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ قَالَ بِلُزُومِ الْهَدْيِ أَيْ عَلَى مَنْ فَرَّقَ الْمَشْيَ فِي الزَّمَانِ تَفْرِيقًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَلَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ بِلُزُومِ الْهَدْيِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِرَاضَ اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَرُكُوبِ عُقْبَةٍ أُخْرَى) أَيْ وَهَكَذَا طُولُ الطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الرَّاحَةِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَفِي لُزُومِ مَشْيِ الْجَمِيعِ فِي رُجُوعِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي التَّنْصِيفِ أَيْ مَا إذَا كَانَ أَمَاكِنُ رُكُوبِهِ نِصْفَ الطَّرِيقِ، وَأَمَاكِنُ مَشْيِهِ نِصْفَهَا، وَأَمَّا إنْ رَكِبَ كَثِيرًا رَجَعَ، وَمَشَى أَمَاكِنَ الرُّكُوبِ اتِّفَاقًا، وَأَهْدَى أَوْ قَلِيلًا أَهْدَى فَقَطْ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) سَبَبُهُمَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ
(وَلَوْ مَشَى) فِي رُجُوعِهِ (الْجَمِيعَ) مُبَالَغَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (وَلَوْ) (أَفْسَدَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مَا أَحْرَمَ بِهِ ابْتِدَاءً مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِكَوَطْءٍ (أَتَمَّهُ) فَاسِدًا (وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ (وَإِنْ فَاتَهُ) الْحَجُّ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ وَقَدْ كَانَ نَذَرَ مَشْيًا مُبْهَمًا أَوْ حَلَفَ بِهِ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً (جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ) أَيْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِهَا ثُمَّ قَضَى الْحَجَّ الَّذِي فَاتَهُ عَلَى حُكْمِ الْفَوَاتِ (وَرَكِبَ) أَيْ جَازَ لَهُ الرُّكُوبُ (فِي قَضَائِهِ) لِأَنَّ النَّذْرَ قَدْ انْقَضَى وَهَذَا إنَّمَا هُوَ لِلْفَوَاتِ.
(وَإِنْ) (حَجَّ) نَاذِرُ الْمَشْيِ مُبْهَمًا أَوْ مَنْ عَيَّنَ الْحَجَّ بِمَشْيِهِ، وَكَانَ صَرُورَةً فِيهِمَا (نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ) مَعًا (مُفْرَدًا) كَانَ (أَوْ قَارِنًا) شَمَلَ صُورَتَيْنِ بِأَنْ نَوَى بِالْحَجِّ الَّذِي فِي ضِمْنِ إحْرَامِهِ فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ أَوْ نَوَى بِالْحَجِّ فَرْضَهُ فَقَطْ وَبِالْعُمْرَةِ نَذْرَهُ (أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ) فَقَطْ (وَهَلْ) مَحَلُّ الْإِجْزَاءِ عَنْ النَّذْرِ (إنْ لَمْ يَنْذُرْ حَجًّا) بَلْ نَذَرَ الْمَشْيَ مُطْلَقًا أَوْ حَلَفَ كَذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ فَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا أَوْ حَلَفَ بِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّشْرِيكِ بِهِ أَوْ الْإِجْزَاءِ عَنْ النَّذْرِ مُطْلَقًا وَلَوْ نَذَرَ حَجًّا (تَأْوِيلَانِ، وَ) يَجِبُ (عَلَى الصَّرُورَةِ) إذَا نَذَرَ مُبْهَمًا أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ (جَعْلُهُ) أَيْ جَعْلُ مَشْيِهِ (فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ) ، وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِشَرْطِهِ (وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ) نَاذِرُهُ أَوْ الْحَالِفُ بِهِ وَحَنِثَ وُجُوبًا (فِي) قَوْلِهِ (أَنَا مُحْرِمٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (أَوْ أَحْرَمَ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (وَإِنْ) (قَيَّدَ) لَفْظًا أَوْ نِيَّةً (بِيَوْمِ كَذَا) أَوْ مَكَانِ كَذَا نَحْو لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوَّلَ رَجَبٍ
[حاشية الدسوقي]
وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مَا يُعَارِضُهَا وَنَصُّهَا: وَإِنْ كَانَ مَا رَكِبَ مُتَنَاصِفًا كَأَنْ يَرْكَبَ عُقْبَةً وَيَمْشِي أُخْرَى فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهَا فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَجَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ تَقْيِيدًا لِلْمُدَوَّنَةِ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَنْ رَكِبَ دُونَ النِّصْفِ، وَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ، وَكَذَا ابْنُ عَرَفَةَ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ضَبْطُ مَوَاضِعِ مَشْيِهِ مِنْ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ، وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ ضَبْطُ أَمَاكِنِ مَشْيِهِ مِنْ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ فَهُمَا تَأْوِيلَانِ كِلَاهُمَا بِالْوِفَاقِ الْأَوَّلِ لِأَبِي الْحَسَنِ وَالثَّانِي لِلْمُؤَلِّفِ وَابْنِ عَرَفَةَ.
اهـ. طفى فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَفِي لُزُومِ مَشْيِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عُقْبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا وِفَاقًا وَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَعَدَمُ لُزُومِ مَشْيِ الْجَمِيعِ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا خِلَافًا، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ إلَخْ) رَدَّ بِلَوْ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ مَشْيَهُ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَتَعَقَّبَهُ الْأَشْيَاخُ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَسْقُطُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ (قَوْلُهُ: أَتَمَّهُ فَاسِدًا) أَيْ، وَلَوْ رَاكِبًا؛ لِأَنَّ إتْمَامَهُ لَيْسَ مِنْ النَّذْرِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ: وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ إنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ عَامَ الْفَسَادِ وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْمِيقَاتِ فِي عَامِ الْفَسَادِ، وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَيْ، وَإِلَّا مَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا عَامَ الْفَسَادِ لِتَسَلُّطِ الْفَسَادِ عَلَى مَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ يُؤَخِّرُ الْإِحْرَامَ عَامَ الْقَضَاءِ لِلْمِيقَاتِ وَبَعْدَ هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْمَشْيِ يُؤَخَّرُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ لِلْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا وَالْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِهَا) أَيْ مَاشِيًا لِتَمَامِ سَعْيِهَا لِيَخْلُصَ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ وَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِيهَا ابْتِدَاءً وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَوْلُهُ: أَيْ جَازَ الرُّكُوبُ يَعْنِي جَمِيعَ الطَّرِيقِ فِي قَضَائِهِ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَنَاسِكِ أَوْ لَا قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ سَحْنُونٍ وَمَالِكٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّذْرَ قَدْ انْقَضَى) أَيْ بِمَشْيِهِ فِي الْعُمْرَةِ الَّتِي تَحَلَّلَ بِهَا مِنْ الْحَجِّ الْفَائِتِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَجَّ نَاذِرُ الْمَشْيِ مُبْهَمًا) أَيْ، وَإِنْ حَجَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ وَلَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا، وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ جَعَلَهُ فِي حَجٍّ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مَنْ عَيَّنَ الْحَجَّ بِمَشْيِهِ أَيْ أَوْ حَجَّ مَنْ عَيَّنَ الْحَجَّ بِمَشْيِهِ (قَوْلُهُ: الَّذِي فِي ضِمْنِ إحْرَامِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ مُحْرِمٌ بِهِمَا فَالْحَجُّ وَحْدَهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي ضِمْنِ إحْرَامِهِ بِالْقِرَانِ (قَوْلُهُ: أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ فَقَطْ) أَيْ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَرْضِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ إنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَقِيلَ لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الشَّامِلِ.
(قَوْلُهُ: لِلتَّشْرِيكِ) أَيْ لِأَنَّهُ شَرَكَ فِي الْحَجِّ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْفَرْضِ، وَفِيهِ أَنَّ التَّشْرِيكَ مَوْجُودٌ حَالَ الْإِطْلَاقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِقُوَّةِ النَّذْرِ بِالتَّعْيِينِ فَشَابَهَ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ يُونُسَ وَالثَّانِي لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ) أَيْ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ وَالْجَلَّابِ يُفِيدُ أَنَّ جَعْلَهُ فِي عُمْرَةٍ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي، وَمَفْهُومُ الصَّرُورَةِ أَنَّ غَيْرَهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَعَلَ مَشْيَهُ الَّذِي قَصَدَ بِهِ أَدَاءَ نَذْرِهِ فِي عُمْرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي حَجٍّ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَغْرِبِيًّا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: إذَا نَذَرَ مُبْهَمًا) أَيْ مَشْيًا مُبْهَمًا (قَوْلُهُ: أَيْ جَعَلَ مَشْيَهُ) أَيْ الَّذِي قَصَدَ بِهِ أَدَاءَ نَذْرِهِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِشَرْطِهِ) أَيْ، وَهُوَ كَوْنُ حَجِّهِ فِي الْعَامِ الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ) أَيْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَوْلُهُ: نَاذِرُهُ أَيْ نَاذِرُ الْإِحْرَامِ وَالْمُرَادُ بِتَعْجِيلِهِ إنْشَاؤُهُ (قَوْلُهُ: لَفْظًا أَوْ نِيَّةً) هَذَا صَحِيحٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ قَائِلًا، وَقَدْ
أَوْ مِنْ بَرَكَةِ الْحَجِّ نَحْوَ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَلِكَ فَحَنِثَ بِأَنْ كَلَّمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ أَوَّلَ رَجَبٍ أَوْ مِنْ الْبَرَكَةِ، وَلَا يُؤَخِّرُ لِلْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ، وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، وَلَا لِلْمَكَانِيِّ هَذَا مُرَادُهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْجِيلَهُ الْآنَ بِمُجَرَّدِ النَّذْرِ أَوْ الْحِنْثِ (كَالْعُمْرَةِ) أَيْ كَمَا يُعَجِّلُ إحْرَامَهَا حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلِقًا) بِالْكَسْرِ أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدٍ لَهَا بِوَقْتٍ أَوْ مَكَان (إنْ لَمْ يَعْدَمْ) فِي الْعُمْرَةِ الْمُطْلَقَةِ (صَحَابَةً) فَالْمُقَيَّدَةُ كَالْحَجِّ الْمُقَيَّدِ يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ فِيهَا، وَلَوْ عَدِمَ صَحْبًا يَسِيرُ مَعَهُمْ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ.
(لَا) نَاذِرَ (الْحَجِّ) الْمُطْلَقِ أَوْ الْحَالِفِ بِهِ فَحَنِثَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَلَا يُعَجِّلُهُ قَبْلَهَا (وَ) لَا نَاذِرَ (الْمَشْيِ) الْمُطْلَقِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَامٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ فَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّعْجِيلِ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ (فَلِأَشْهُرِهِ) أَيْ فَيَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ فِيهِمَا عِنْدَ أَشْهُرِ الْحَجِّ (إنْ) كَانَ إذَا خَرَجَ فِي أَشْهُرِهِ (وَصَلَ) لِمَكَّةَ وَأَدْرَكَ الْحَجَّ لَكِنْ فِي الْحَجِّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ، وَيَخْرُجُ وَفِي الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمِيقَاتِ (وَإِلَّا) يَصِلُ فِيهَا كَإِفْرِيقِيٍّ (فَمِنْ حَيْثُ) أَيْ فَيُحْرِمُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي إذَا خَرَجَ فِيهِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) حَقُّهُ عَلَى الْأَرْجَحِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا يَلْزَمُ) النَّذْرُ (فِي) قَوْلِهِ (مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) حَيْثُ أَرَادَ صَرْفَهُ فِي بِنَائِهَا إنْ هُدِمَتْ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ أَرَادَ كِسْوَتَهَا وَطِيبَهَا وَنَحْوَهُمَا لَزِمَهُ ثُلُثُ مَالِهِ لِلْحَجَبَةِ يَصْرِفُونَهُ فِيهَا
[حاشية الدسوقي]
صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ النِّيَّةَ مُسَاوِيَةٌ لِلَّفْظِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى اللَّفْظِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ بَرَكَةِ الْحَجِّ) أَيْ إذَا أَتَيْتهَا (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ أَوْ مِنْ بَرَكَةِ الْحَجِّ (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ إلَخْ) سَوَاءٌ وَجَدَ صُحْبَةً يَسِيرُ مَعَهَا أَوْ عَدِمَهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَخِّرُ لِلْمِيقَاتِ) أَيْ، وَلَا لِوُجُودِ رُفْقَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَيْدَ قَرِينَةٌ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَخْ) أَيْ بَلْ الْمُرَادُ إنْشَاؤُهُ إذَا حَصَلَ الْوَقْتُ أَوْ الْفِعْلُ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ (قَوْلُهُ: كَالْعُمْرَةِ) أَيْ كَمَا يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ نَاذِرُهَا حَالَةَ كَوْنِهِ مُطْلِقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدٍ لَهَا بِوَقْتٍ إنْ وَجَدَ صُحْبَةً فَإِذَا قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَكَلَّمَهُ عَجَّلَ الْإِحْرَامَ بِهَا مِنْ يَوْمِ الْحِنْثِ، وَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ بِهَا مِنْ حِينِ نَذْرِهِ إنْ وَجَدَ صُحْبَةً، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا (قَوْلُهُ: بِالْكَسْرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالْإِطْلَاقِ: سَوَاءٌ قُيِّدَتْ بِالزَّمَنِ أَوْ لَا وَالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِغَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ لِدُخُولِ الْمُقَيَّدَةِ فِيمَا قَبْلَهُ وَأَيْضًا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً يَجْرِي فِي الْعُمْرَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالزَّمَانِ، وَمَا قَبْلَ الْكَافِ يَقْتَضِي عَدَمَ جَرَيَانِهِ فِيهَا لِشُمُولِهِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَتَنَاقَضَا، وَلَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ الْكَافِ خَاصًّا بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً إنَّمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْعُمْرَةِ الْمُطْلَقَةِ دُونَ الْمُقَيَّدَةِ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ كَسْرُ اللَّامِ فِي مُطْلِقًا (قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدٍ لَهَا بِوَقْتٍ أَوْ مَكَان) أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِلَفْظِ الْإِحْرَامِ كَمَا فَرَضَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقَيِّدْهَا نَحْوَ قَوْلِهِ فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ عَلَى عُمْرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَكَذَا قَوْلُهُ: لَا الْحَجُّ الْمُطْلَقُ يَعْنِي مُقَيَّدًا بِالْإِحْرَامِ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَكَذَا فَرَضَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَابْنِ عَرَفَةَ فِي الْمُقَيَّدِ بِالْإِحْرَامِ قَالَهُ طفى وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّذْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُقَيَّدٌ بِالزَّمَانِ وَالْإِحْرَامِ، وَمُقَيَّدٌ بِالْإِحْرَامِ فَقَطْ، وَغَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْإِحْرَامِ وَلَا بِالزَّمَانِ فَالْأَوَّلُ كَإِنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ أُحْرِمُ يَوْمَ كَذَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَمِثْلُهُ غَيْرُ الْمُعَلَّقِ كَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ يَوْمَ كَذَا أَوْ مِنْ مَكَانِ كَذَا إذَا أَتَيْته فَهَذَا يَلْزَمُ فِيهِ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ إذَا حَصَلَ الْوَقْتُ أَوْ الْفِعْلُ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ وَلَوْ عَدِمَ صُحْبَةً، وَالثَّانِي إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ فَهَذَا يَلْزَمُهُ فِي الْعُمْرَةِ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا إنْ وَجَدَ صُحْبَةً وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْحَجِّ يُؤَخِّرُ الْإِحْرَامَ لِأَشْهُرِهِ إنْ وَصَلَ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ، وَالثَّالِثُ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ عُمْرَةٌ أَوْ حَجٌّ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، وَكَلَّمَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَجَدَ صُحْبَةً أَوْ لَا كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَعْدَمْ) أَيْ فَإِنْ عَدِمَ الصُّحْبَةَ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ لِوُجُودِهَا (قَوْلُهُ: فَالْمُقَيَّدَةُ) أَيْ بِالزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ.
(قَوْلُهُ: لَا نَاذِرَ الْحَجِّ الْمُطْلَقِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ، وَلَا بِمَكَانٍ (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ صُورَةِ نَذْرِ الْحَجِّ الْمُطْلَقِ وَصُورَةِ نَذْرِ الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ فَالْأَوَّلُ كَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أَنَا أُحْرِمُ لِلَّهِ بِحَجٍّ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ بِحَجٍّ، وَكَلَّمَهُ وَالثَّانِيَةُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ لِمَكَّةَ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ لِمَكَّةَ، وَكَلَّمَهُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ، وَفِي نَذْرِ الْمَشْيِ الْمُطْلَقِ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ أَجْزَأَ (قَوْلُهُ: حَقُّهُ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الَّذِي اخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ يُونُسَ لَا ابْنُ رُشْدٍ إذْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ هُنَا وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ الَّذِي قَالَ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ يَصِلُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَقَالَ الْقَابِسِيُّ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالرَّاجِحُ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ الظَّاهِرُ، فَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ أَرَادَ تَرْجِيحَ ابْنِ يُونُسَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِظْهَارَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمُسْتَحْسَنِ أَوْ الْمُصَحَّحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ النَّذْرُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ حَيْثُ أَرَادَ صَرْفَهُ فِي بِنَائِهَا) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ النَّاذِرَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ، وَلَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ لُزُومِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَإِنَّمَا كَانَ النَّذْرُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ
إنْ احْتَاجَتْ (أَوْ) (كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ) فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا إنْ فَعَلْت كَذَا وَفَعَلَهُ (أَوْ) نَذْرٍ (هَدْيٍ) بِلَفْظِهِ أَوْ بَدَنَةٌ بِلَفْظِهَا (لِغَيْرِ مَكَّةَ) كَقَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِيهِمَا لَا بَعْثُهُ، وَلَا ذَكَاتُهُ بِمَوْضِعِهِ بَلْ يُمْنَعُ بَعْثُهُ وَلَوْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِلْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَوْ لِقَبْرِ الْوَلِيِّ، لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ سَوْقُ الْهَدَايَا لِغَيْرِ مَكَّةَ ضَلَالٌ أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ عَبَّرَ بِغَيْرِ لَفْظِ هَدْيٍ أَوْ بَدَنَةٍ كَلَفْظِ بَعِيرٍ أَوْ خَرُوفٍ فَلَا يَبْعَثُهُ بَلْ يَذْبَحُهُ بِمَوْضِعِهِ، وَبَعْثُهُ أَوْ اسْتِصْحَابُهُ مِنْ الضَّلَالِ أَيْضًا، وَلَا يَضُرُّ قَصْدُ زِيَارَةِ وَلِيٍّ وَاسْتِصْحَابُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَهُمْ لِيُذْبَحَ هُنَاكَ لِلتَّوَسُّعَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى فُقَرَاءِ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ وَلَا تَعْيِينٍ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَأَمَّا نَذْرُ جِنْسِ مَا لَا يُهْدَى كَالثَّوْبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالطَّعَامِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِلْمَحَلِّ أَوْ الْخَدَمَةِ وَجَبَ بَعْثُهُ، وَإِنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ لِلنَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ بَعْثُ شَمْعٍ، وَلَا زَيْتٍ يُوقَدُ عَلَى الْقَبْرِ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ بَلْ يَحْرُمُ نَذْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا لِتَزْيِينِ بَابٍ أَوْ تَابُوتِ وَلِيٍّ أَوْ سَقْفِ مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَيَاعِ الْمَالِ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ دُنْيَا وَأُخْرَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَجَازَ لِرَبِّهِ أَوْ لِوَارِثِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مَالِكُهُ فَحَقُّهُ بَيْتُ الْمَالِ (أَوْ) نَذَرَ (مَالَ غَيْرٍ) مِنْ عَبْدِهِ أَوْ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا (إنْ لَمْ يُرِدْ) بِنَذْرِهِ إيَّاهُ (إنْ مَلَكَهُ) فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لَزِمَهُ حِينَ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ (أَوْ عَلَى نَحْرِ فُلَانٍ) فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (وَلَوْ) كَانَ فُلَانٌ (قَرِيبًا) لَهُ كَوَلَدِهِ (إنْ لَمْ يَلْفِظْ) فِي نَذْرِهِ أَوْ تَعْلِيقِهِ (بِالْهَدْيِ) فَإِنْ لَفَظَ بِهِ كَعَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ نَحْرُهُ هَدْيًا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ (أَوْ) لَمْ (يَنْوِهِ) أَيْ الْهَدْيُ فَإِنْ نَوَاهُ فَكَلَفْظِهِ
[حاشية الدسوقي]
نَذْرٌ لَا قُرْبَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْقُضُ فَتُبْنَى كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَتْ) أَيْ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَيْثُ شَاءَ، وَمِثْلُ مَا إذَا قَالَ مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، وَأَرَادَ صَرْفَهُ فِي كِسْوَتِهَا فِي لُزُومِ ثُلُثِ مَالِهِ لِلْحَجَبَةِ مَا إذَا قَالَ مَالِي فِي كِسْوَتِهَا أَوْ طِيبِهَا (قَوْلُهُ: أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) أَيْ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ كَمَنْ عَمَّمَ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَأَمَّا إذَا قَيَّدَ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان بِأَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ فِي مُدَّةِ كَذَا أَوْ فِي بَلَدِ كَذَا فَهُوَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي بَابِهَا أَوْ صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَقَوْلَانِ قِيلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا يَسْتَفِيدُهُ أَوْ يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ الْأَجْلِ أَوْ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ وَالْأَوَّلُ ضَعِيفٌ وَالثَّانِي هُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ الْقِيَاسُ وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّهُ الصَّوَابُ اُنْظُرْ بْن.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ يَمِينًا فَإِنْ كَانَتْ نَذْرًا بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَنٍ أَوْ بَلَدٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا ثُلُثُ مَالِهِ، وَإِنْ قَيَّدَ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَكْتَسِبُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي صِيغَتَيْ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَدْفُوعَ لَهُ وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ عَلَى فُلَانٍ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ لِفُلَانٍ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَكْتَسِبُهُ سَوَاءٌ عَيَّنَ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ لَا كَانَتْ الصِّيغَةُ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا (قَوْلُهُ: أَوْ نَذْرُ هَدْيٍ) أَيْ لَا يَلْزَمُ نَذْرُ حَيَوَانٍ كَعَجِلٍ أَوْ خَرُوفٍ نَذَرَهُ بِلَفْظِ الْهَدْيِ أَوْ بِلَفْظِ الْبَدَنَةِ لِغَيْرِ مَكَّةَ كَأَنْ يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ عِجْلٌ هَدْيًا لِلْمَدِينَةِ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ لِطَنْدَتَا (قَوْلُهُ: كَلَفْظِ بَعِيرٍ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ عِجْلٌ أَوْ خَرُوفٌ أَوْ جَزُورٌ لِلْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ أَوْ لِلنَّبِيِّ أَوْ لِلْمَدِينَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَبْعَثُهُ) أَيْ، وَلَوْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِقَبْرِ الْوَلِيِّ أَوْ لِقَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَوْلُهُ: بَلْ يَذْبَحُهُ) أَيْ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ بِمَوْضِعِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ مَحَلِّهِ، وَكَمَا لَهُ ذَبْحُهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَيَدْفَعَ لِفُقَرَاء مَوْضِعِهِ بَدَلَهُ مِثْلَ مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ.
(قَوْلُهُ: وَبَعْثُهُ أَوْ اسْتِصْحَابُهُ) ، وَكَذَا بَعْثُ لَحْمِهِ مِنْ الضَّلَالِ أَيْضًا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ فِي بَعْثِهِ شَبَهًا بِسَوْقِ الْهَدْيِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ لِغَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ، وَمُقَابِلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَازَنَةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ جَوَازُ بَعْثِهِ أَوْ اسْتِصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْمَسَاكِينِ بِأَيِّ بَلْدَةٍ طَاعَةٌ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَأَمَّا نَذْرُ جِنْسِ مَا لَا يُهْدَى) أَيْ نَذَرَهُ لِغَيْرِ مَكَّةَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ لِلنَّبِيِّ أَوْ لِلْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ دِينَارٌ صَدَقَةً أَوْ سِتْرٌ أَوْ أَرْدَبُّ حِنْطَةٍ أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ مَا ذُكِرَ وَحَنِثَ، وَأَمَّا نَذْرُ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبَاعُ، وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ هَدْيٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ بَعْثُ شَمْعٍ، وَلَا زَيْتٍ) أَيْ نَذَرَهُ أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ (قَوْلُهُ: يُوقَدُ عَلَى الْقَبْرِ) أَيْ قَبْرُ الْوَلِيِّ أَوْ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ إيقَادَهُ عَلَى الْقَبْرِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ مَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِالْوَقِيدِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَيَلْزَمُ إرْسَالُهُ (قَوْلُهُ: لِتَزْيِينِ بَابٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بَابَ الْكَعْبَةِ أَوْ بَابَ وَلِيٍّ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ) الظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَنَّ رَبَّهُ إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَالُ غَيْرِ) عَطْفٌ عَلَى مَالِي مِنْ قَوْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَيْ لَا يَلْزَمُهُ فِي مَالِي وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِ غَيْرٍ أَيْ لَا يَلْزَمُ فِي مَالِ غَيْرٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِ فُلَانِ أَوْ التَّصَدُّقُ بِمَالِهِ أَوْ دَارِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ هَدْيٌ) أَيْ إذَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ الْقُرْبَةَ، وَكَذَا إذَا كَانَ لَا نِيَّةَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَمَّا إذَا قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ يَعْنِي ذَبْحَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَكُلُّ هَذَا إذَا كَانَ فُلَانٌ الَّذِي نُذِرَ نَحْرُهُ هَدْيًا
(أَوْ) لَمْ (يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَكَانًا مِنْ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي يَذْبَحُ فِيهَا كَمِنًى أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ مَكَّةَ، وَأَوْ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ فَلَا يُبْرِيهِ إلَّا نَفْيُ الثَّلَاثَةِ، وَاللُّزُومُ عِنْدَ وُجُودِ أَحَدِهَا (وَالْأَحَبُّ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ لَفَظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ نَوَاهُ (كَنَذْرِ الْهَدْيِ) تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ أَيْ كَمَا يُسْتَحَبُّ فِي نَذْرِ الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ نَحْوُ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ (بَدَنَةٌ ثُمَّ) عِنْدَ فَقْدِهَا (بَقَرَةٌ) فَإِنْ عَجَزَ فَشَاةٌ وَاحِدَةٌ وَالْأَحَبِّيَّةُ مُنَصَّبَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَّا فَالْهَدْيُ فِي نَفْسِهِ وَاجِبٌ (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) بِالْمَدِّ، وَهُوَ الْمَشْيُ بِلَا نَعْلٍ أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَفَاءُ فِي نَذْرِهِ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ حَفَاءً أَوْ حَبْوًا أَوْ زَحْفًا مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ حَرَجٌ، وَمَزِيدُ مَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ يَمْشِي مُنْتَعِلًا عَلَى الْعَادَةِ وَيُنْدَبُ لَهُ الْهَدْيُ (أَوْ) نَذَرَ (حَمْلَ فُلَانٍ) عَلَى عُنُقِهِ لِمَكَّةَ (إنْ نَوَى التَّعَبَ) لِنَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ هُوَ مَاشِيًا، وَيَهْدِي نَدْبًا (وَإِلَّا) يَنْوِ التَّعَبَ بَلْ نَوَى بِحَمْلِهِ إحْجَاجَهُ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ (رَكِبَ) هُوَ فِي حَجِّهِ جَوَازًا (وَحَجَّ بِهِ) أَيْ الْمَحْلُوفِ بِحَمْلِهِ مَعَهُ إنْ رَضِيَ، وَإِلَّا حَجَّ وَحْدَهُ (بِلَا هَدْيٍ) عَلَيْهِ فِيهِمَا (وَلَغَا) بِالْفَتْحِ كَوَهَى فِعْلٌ لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ يُقَالُ أَلْغَيْت الشَّيْءَ أَبْطَلْته أَيْ وَبَطَلَ قَوْلُ الشَّخْصِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ (عَلَيَّ الْمَسِيرُ) أَوْ الْإِتْيَانُ أَوْ الِانْطِلَاقُ (وَالذَّهَابُ وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إتْيَانَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَلْزَمُ الْإِتْيَانُ وَيَرْكَبُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا فَيَلْزَمُ، وَإِنَّمَا لَغَا مَا ذَكَرَ دُونَ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ إنَّمَا جَرَى بِلَفْظِ الْمَشْيِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي السُّنَّةِ.
(وَ) لَغَا (مُطْلَقُ الشَّيْءِ) مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَكَّةَ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً كَأَنْ يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ مَشْيٌ أَوْ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ مَشْيٌ (وَ) لَغَا قَوْلُهُ: عَلَيَّ (مَشْيٌ) أَيْ إتْيَانٌ (لِمَسْجِدٍ) غَيْرَ الثَّلَاثَةِ (وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ) فِيهِ (إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا) بِأَنْ يَكُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَدُونَ (فَقَوْلَانِ) فِي لُزُومِ الْإِتْيَانِ لَهُ مَاشِيًا لِلصَّلَاةِ أَوْ الِاعْتِكَافِ وَعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ فِعْلُ مَا نَذَرَهُ بِمَوْضِعِهِ كَمَنْ نَذَرَهُمَا بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ (تَحْتَمِلُهُمَا) أَيْ الْمُدَوَّنَةَ
[حاشية الدسوقي]
حُرًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا لِغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَعَبْدِ الْغَيْرِ أَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَيُخْرِجُ عِوَضَهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ، وَأَمَّا الْحُرُّ فَلَيْسَ مِمَّا يَصِحُّ مِلْكُهُ، وَلَا يُخْرِجُ عِوَضَهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ فِيهِ هَدْيٌ إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ.
اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) أَيْ فَإِنْ ذَكَرَهُ لَزِمَهُ هَدْيٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولُ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَوْ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي مِنًى وَالْمُرَادُ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ مَقَامُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْحَجَرُ الَّذِي، وَقَفَ عَلَيْهِ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، كَذَا قِيلَ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يَدُلُّ لِذَلِكَ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ، وَقِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ قِصَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِهَا مُلَاحَظَتُهَا فَمَنْ لَاحَظَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْهَدْيُ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَكَّةَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي.
اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَأَوْ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ) أَيْ إنَّ أَوْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمِ بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ لُزُومِ الْهَدْيِ عِنْدَ انْتِقَاءِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لَا عِنْدَ انْتِفَاءِ أَحَدِهَا وَاللُّزُومُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهَا كَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ أَوْ بَعْدَ النَّفْيِ لِنَفْيِ الْأَحَدِ الدَّائِرِ وَنَفْيُهُ بِانْتِفَاءِ الْجَمِيعِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْهَدْيِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَلُزُومِهِ إنْ وُجِدَ أَحَدُهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَاجِيَّ وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَخَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ بِالْقَرِيبِ، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَلَا يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي لُزُومِ الْهَدْيِ، وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ وَقَدْ رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا بِلَوْ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ قَرِيبًا، اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: فَلَا يُبْرِيهِ) أَيْ مِنْ لُزُومِ النَّذْرِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْهَدْيُ فِي نَفْسِهِ وَاجِبٌ) أَيْ إنْ لَفَظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ نَوَاهُ (قَوْلُهُ: كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) تَشْبِيهٌ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ بِمَالِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ) إنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَمَّا إذَا نَوَى إحْجَاجَهُ فَإِنَّ الْحَالِفَ لَا يَلْزَمُهُ حَجٌّ بَلْ يَدْفَعُ لِلرَّجُلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ الْحَجِّ فَقَطْ كَمَا فِي أَبِي الْحَسَنِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَارَةً يَحُجُّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ، وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ وَتَارَةً يَحُجُّ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَحْدَهُ إذَا أَرَادَ إحْجَاجَهُ مِنْ مَالِهِ وَتَارَةً يَحُجَّانِ جَمِيعًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي الْكَلَامِ الشَّارِحُ تَبَعًا لعبق اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا رَضِيَ بِالْحَجِّ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَ وَحَجَّ النَّادِرُ وَحْدَهُ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَغَا مَا ذَكَرَ دُونَ الْمَشْيِ) أَيْ مَعَ أَنَّ الْمَسِيرَ وَالذَّهَابَ مُسَاوِيَانِ لَهُ فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْوُصُولِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعُرْفَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ جَرَى عُرْفٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ يَكُنْ لَغْوٌ قَالَهُ شَيْخُنَا، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَصْلَ الْإِلْغَاءِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقَدْ اعْتَبَرَهَا أَشْهَبُ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ وَاللَّخْمِيُّ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ اعْتِبَارُ الرُّكُوبِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِمَكَّةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَيَّدَ بِالْكَعْبَةِ لَزِمَ، وَهُوَ فَهْمُ ابْنِ يُونُسَ لِكَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (قَوْلُهُ: وَلَغَا مُطْلَقُ الْمَشْيِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ بِانْفِرَادِهِ لَا طَاعَةَ فِيهِ، وَأَلْزَمُهُ أَشْهَبُ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَكَّةَ) أَيْ فَإِنْ قَيَّدَ بِهَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ سَوَاءٌ نَوَى صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا أَوْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا بَلْ نَوَى مُطْلَقَ الْمَشْيِ لِمَكَّةَ (قَوْلُهُ: وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِاعْتِكَافٍ أَوْ صَلَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لِذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَيَفْعَلُ تِلْكَ الْعِبَادَةَ بِمَحَلِّهِ لِخَبَرِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي
(وَ) لَغَا (مَشْيٌ) أَيْ إتْيَانٌ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا (لِلْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ (أَوْ إيلْيَاءَ) بِالْمَدِّ وَرُبَّمَا قُصِرَ، وَيُقَالُ أَيْلَةٌ كَنَخْلَةٍ بَيْتُ الْمَقْدِسِ (إنْ لَمْ يَنْوِ) أَوْ يَنْذُرْ (صَلَاةً) أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا (بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّهِمَا) أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ أَوْ سَمَّاهُمَا لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ وَحِينَئِذٍ (فَيَرْكَبُ) ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (وَهَلْ) لُزُومُ الْإِتْيَانِ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَ (إنْ كَانَ) النَّاذِرُ مُقِيمًا (بِبَعْضِهَا) فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا (أَوْ) يَلْزَمُهُ (إلَّا لِكَوْنِهِ) مُقِيمًا (بِأَفْضَلَ) فَلَا يَلْزَمُهُ إتْيَانُ الْمَفْضُولِ (خِلَافٌ وَالْمَدِينَةُ) الْمُنَوَّرَةُ بِأَنْوَارِ أَفْضَلِ الْخَلْقِ (أَفْضَلُ) عِنْدَنَا مِنْ مَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (ثُمَّ مَكَّةُ) فَبَيْتُ الْمَقْدِسِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْضِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
دَرْسٌ (بَابٌ) ذَكَرَ فِيهِ الْجِهَادَ (الْجِهَادُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيَكُونُ (فِي أَهَمِّ جِهَةٍ) فَإِنْ اسْتَوَتْ الْجِهَات خُيِّرَ الْإِمَامُ (كُلَّ سَنَةٍ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (وَإِنْ) (خَافَ) الْمُجَاهِدُ (مُحَارِبًا) فِي طَرِيقِهِ أَوْ طَرْؤُهُ عَلَى مَالٍ أَوْ حَرِيمٍ حَالَ الِاشْتِغَالِ بِالْجِهَادِ فَلَا يَسْقُطُ الْجِهَادُ (كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ إقَامَةِ الْمَوْسِمِ بِالْحَجِّ كُلَّ سَنَةٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ)
[حاشية الدسوقي]
هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» .
وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِتْيَانَ لِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِأَجْلِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ ن، وَكَذَا إذَا نَذَرَ إتْيَانَ ثَغْرٍ لِأَجْلِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ لَا لِاعْتِكَافٍ عَلَى مَا مَرَّ، وَأَمَّا إذَا نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ لِأَجْلِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ اعْتِكَافٍ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ النَّاذِرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَوْلَانِ قِيلَ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ مَاشِيًا وَاسْتَقَرَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي الرَّاكِبِ، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ أَصْلًا، وَإِذَا نَذَرَ الْإِتْيَانَ لِمَسْجِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِصَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا بِبَعْضِهَا، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ فِيهِ أَفْضَلُ فَلَا يَلْزَمُ قَوْلَانِ (قَوْلُهُ: وَلَغَا مَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ أَوْ إيلْيَاءَ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ السَّيْرَ أَوْ الذَّهَابَ لِلْمَدِينَةِ أَوْ لِإِيلِيَاء أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ وَحَنِثَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا لَا مَاشِيًا وَلَا رَاكِبًا، وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الْإِتْيَانِ إلَيْهِمَا إنْ لَمْ يَنْوِ أَوْ يَنْذُرَ صَلَاةً، وَلَوْ نَفْلًا أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّ الْمَسْجِدَيْنِ لَا الْبَلَدَيْنِ فَإِنْ نَوَى صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ اعْتِكَافًا فِي الْمَسْجِدَيْنِ أَوْ سَمَّاهُمَا لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ) أَيْ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» نَقَلَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَحَيْثُ كَانَتْ الْمَدِينَةُ أَفْضَلَ فَيَكُونُ الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَمَلِ فِي مَسْجِدِهَا مِنْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ أَكْثَرَ مِنْ الثَّوَابِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْعَمَلِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ.
[بَابٌ الْجِهَادَ]
(بَابٌ فِي الْجِهَادِ) (قَوْلُهُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ) ظَاهِرُهُ مَعَ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ الْخَوْفِ وَنَافِلَةٌ مَعَ الْأَمْنِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ) أَيْ وَالْمَطْلُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ أَنْ يَكُونَ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَاتٍ، وَكَانَ ضَرَرُهُ فِي بَعْضِهَا أَكْثَرَ مِنْ ضَرَرِهِ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ أَرْسَلَ الْإِمَامُ لِغَيْرِ الْأَهَمِّ أَثِمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ اللَّقَانِيِّ فَإِنْ اسْتَوَتْ الْجِهَاتُ فِي الضَّرَرِ خُيِّرَ الْإِمَامُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ يُعَيَّنُ الْقِتَالُ فِيهَا، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِتَقْدِيرِ " يَكُونُ " إلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ لَا بِالْجِهَادِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا إذَا تَعَدَّدَتْ الْجِهَةُ، وَفِيهَا أَهَمُّ وَغَيْرُهُ وَوَقَعَ فِي الْأَهَمِّ مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَوْ كَانَ الْخَوْفُ فِي جِهَةٌ وَاحِدَةٍ أَوْ جِهَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا أَهَمُّ أَوْ فِيهَا أَهَمُّ وَجَاهَدَ فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا دَاعِيَ لِذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَالْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ إذْ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ فِي الْأَهَمِّ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْضًا إذَا كَانَ الْخَوْفُ فِي جِهَةٍ أَوْ جِهَاتٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَهَمُّ أَوْ فِيهَا وَجَاهَدَ فِي غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: كُلَّ سَنَةٍ) أَيْ بِأَنْ يُوَجِّهَ الْإِمَامُ كُلَّ سَنَةٍ طَائِفَةً وَيَزُجُّ بِنَفْسِهِ مَعَهَا أَوْ يُخْرِجَ بَدَلَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ لِيَدْعُوَهُمْ لِلْإِسْلَامِ وَيُرَغِّبَهُمْ فِيهِ ثُمَّ يُقَاتِلَهُمْ إذَا أَبَوْا مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَسْقُطُ الْجِهَادُ) أَيْ؛ لِأَنَّ قِتَالَ الْكُفَّارِ أَهَمُّ مِنْ قِتَالِ الْمُحَارِبِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ وَصَوَّبَ ابْنُ نَاجِيٍّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَيْهِ خِلَافِيَّةٌ وَالنَّظَرُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ فَإِنْ اسْتَوَيَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ (قَوْلُهُ: أَيْ إقَامَةِ الْمَوْسِمِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ زِيَارَتَهَا
(وَلَوْ مَعَ وَالٍ) أَيْ أَمِيرٍ (جَائِرٍ) فِي أَحْكَامِهِ ظَالِمٍ فِي رَعِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعَهْدَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ (عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضُ كِفَايَةٍ (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) غَيْرَ الْعَيْنِيِّ، وَهِيَ الْفِقْهُ وَالتَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْعَقَائِدُ، وَمَا تَوَقَّفْت عَلَيْهِ مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ وَمَعَانٍ وَبَيَانٍ وَحِسَابٍ وَأُصُولٍ لَا فَلْسَفَةٍ، وَهَيْئَةٍ، وَلَا مَنْطِقٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا عَرُوضٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهَا حِفْظُهَا وَإِقْرَاؤُهَا وَتَدْوِينُهَا وَتَحْقِيقُهَا (وَالْفَتْوَى) وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْزَامِ (وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَالْقَضَاءِ) ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ الْهَرْجِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ (وَالشَّهَادَةِ) أَدَاءً وَتَحَمُّلًا إنْ اُحْتِيجَ لِذَلِكَ (وَالْإِمَامَةِ) الْكُبْرَى (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ كُلٍّ، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى ارْتِكَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مَفْسَدَةً، وَأَنْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ.
وَالْأَوَّلَانِ شَرْطَانِ لِلْجَوَازِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ فَقْدِهِمَا وَالثَّالِثُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِفَادَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَمُرْتَكِبُهُ يَرَى تَحْرِيمَهُ لَا إنْ كَانَ يَرَى حِلَّهُ أَوْ يُقَلِّدُ مَنْ يَقُولُ بِالْحِلِّ (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) أَيْ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ النَّاسِ، وَإِقَامَةُ مَعَاشِهِمْ كَالْخِيَاطَةِ وَالنَّجَّارَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْفِلَاحَةِ لَا كَقَصْرِ ثَوْبٍ وَنَقْشٍ وَطَرْزٍ (وَرَدِّ السَّلَامِ) ، وَلَوْ مِنْ قَارِئِ قُرْآنٍ وَآكِلٍ أَوْ مُصَلٍّ لَكِنْ بِالْإِشَارَةِ، وَلَا يَطْلُبُ بِالرَّدِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَكَذَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى مُلَبٍّ وَمُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ لَكِنْ بَعْدَ الْفَرَاغِ إنْ بَقِيَ الْمُسْلِمُ لَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَوَاطِئٍ، وَلَا عَلَى مُسْتَمِعِ خُطْبَةٍ كَشَابَّةٍ (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَفَكِّ الْأَسِيرِ) ، وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُفَكُّ بِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَلْ يَتَعَيَّنُ فِي مَالِهِ.
(وَتَعَيَّنَ) الْجِهَادُ (بِفَجْءِ الْعَدُوِّ) عَلَى قَوْمٍ (وَإِنْ) تَوَجَّهَ الدَّفْعُ (عَلَى امْرَأَةٍ)
[حاشية الدسوقي]
لِطَوَافٍ فَقَطْ أَوْ عُمْرَةٍ، وَأَفْرَدَ هَذَا عَنْ نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ لِمُشَارَكَتِهِ لِلْجِهَادِ فِي الْوُجُوبِ كُلَّ سَنَةٍ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فَرْضِيَّةَ إقَامَةِ الْمَوْسِمِ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشَّعِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظُوا فَرْضَ الْكِفَايَةِ نَعَمْ ثَوَابُ الْفَرْضِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَازِي مَعَهُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعَهْدَ) أَيْ وَلَوْ مَعَ كَافِرٍ عَلَى الظَّاهِرِ قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حُرٍّ إلَخْ) هَذَا يَشْمَلُ الْكَافِرَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِأَنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ كَيْفَ يَكُونُ الْجِهَادُ وَاجِبًا عَلَى الْكَافِرِ وَقَدْ عَدَّ ابْنُ رُشْدٍ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ.
اهـ. بْن، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَرِدُ هَذَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ رُشْدٍ الْوُجُوبُ الَّذِي يُطَالَبُ بِسَبَبِهِ الْإِمَامُ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ، وَالْكُفَّارُ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ وَإِنْ قُلْنَا بِخِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا عَذَابًا زَائِدًا عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ الْفِقْهُ) أَيْ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرُ الْعَيْنِيِّ الْفِقْهِ إلَخْ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ الْعَيْنِيُّ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَعْرِفَةِ بَابٍ مُعَيَّنٍ بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ لَا يَقْدُمَ عَلَى أَمْرٍ مِنْ طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِهِمَا حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَلَوْ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) فَقَدْ نَهَى عَنْ قِرَاءَتِهِ الْبَاجِيَّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَعِيَاضٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَلُّمِهِ لِتَوَقُّفِ الْعَقَائِدِ عَلَيْهِ وَتَوَقُّفِ إقَامَةِ الدِّينِ عَلَيْهَا وَرَدَّ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ إلَّا الْعَقِيدَةُ الَّتِي يُشَارِكُ فِيهَا الْعَوَامُّ وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِصِفَةِ الْمُجَادَلَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِلْزَامِ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ: وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ بِإِطْعَامِ جَائِعٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ حَيْثُ لَمْ تَفِ الصَّدَقَاتُ وَلَا بَيْتُ الْمَالِ بِذَلِكَ، وَبِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى رَدِّ مَا أَخَذَهُ اللِّصُّ لِصَاحِبِهِ، وَبِرَدِّ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُومِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِخْبَارُ) فِيهِ نَظَرٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَضَاءَ إنْشَاءُ الْإِخْبَارِ بِالْحُكْمِ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ (قَوْلُهُ: مَعْرِفَةُ كُلٍّ) أَيْ مِنْ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَنَّ الْإِفَادَةِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّأْدِيَةِ إلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ لَكِنَّ ثَمَرَةَ التَّعْدَادِ تَظْهَرُ عِنْدَ اخْتِلَالِ الْقُيُودِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَّ الثَّانِي يَحْرُمُ، وَإِذَا اخْتَلَّ الثَّالِثُ يَجُوزُ أَوْ يُنْدَبُ (قَوْلُهُ: وَآكِلٍ) الَّذِي ذَكَرَهُ ح فِي بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْآكِلِ، وَلَا يَرِدُ اُنْظُرْهُ، وَذَكَرَ عج أَنَّ السَّلَامَ كَمَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَادِمِ يُطْلَبُ مِنْ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا السَّلَامُ عَلَى الْكُفَّارِ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْنَا بِإِخْلَاصٍ وَجَبَ عَلَيْنَا الرَّدُّ.
(قَوْلُهُ: كَشَابَّةٍ) أَيْ سَلَّمَ عَلَيْهَا بَالِغٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهَا الرَّدُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ ضَرَرٌ بِذَلِكَ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَوَجَّهَ الدَّفْعُ عَلَى امْرَأَةٍ وَرَقِيقٍ) فِيهِ إنْ تَوَجَّهَ الدَّفْعُ هُوَ عَيْنُ فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَتَوَجَّهَ الدَّفْعُ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ كَانَ التَّوَجُّهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ، وَالْمَعْنَى: وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ امْرَأَةً، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا قَالَ الْجُزُولِيُّ: وَيُسْهَمْ إذْ ذَاكَ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ
وَرَقِيقٍ (وَ) تَعَيَّنَ (عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا) عَنْ كَفِّ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِهِمْ (وَ) تَعَيَّنَ أَيْضًا (بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) شَخْصًا، وَلَوْ امْرَأَةً وَعَبْدًا (وَسَقَطَ) الْجِهَادُ بَعْدَ التَّعْيِينِ كَمَا لَا يَجِبُ ابْتِدَاءً (بِمَرَضٍ وَصِبًا وَجُنُونٍ، وَعَمًى، وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ) تَحْصِيلِ شَيْءٍ (مُحْتَاجٍ لَهُ) مِنْ سِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ ذَهَابًا، وَإِيَابًا (وَرِقٍّ) ، وَلَوْ بِشَائِبَةِ إنْ لَمْ يُعَيَّنَ كَمَا مَرَّ (وَدَيْنٍ حَلَّ) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ، وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ (كَوَالِدَيْنِ) أَيْ كَالسُّقُوطِ بِمَنْعِ أَحَدِ وَالِدَيْنِ دَنِيَّةً شَفَقَةٍ (فِي) كُلِّ (فَرْضِ كِفَايَةٍ) ، وَلَوْ عِلْمًا كِفَائِيًّا فَلَا يَخْرُجُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُ، وَإِلَّا خَرَجَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ (بِبَحْرٍ أَوْ) بَرٍّ (خَطِرٍ) بِكَسْرِ الطَّاءِ إلَّا الْجِهَادَ فَلَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَوْ بِبَرٍّ آمِنٍ، وَإِلَّا الْعِلْمَ الْكِفَائِيَّ فَلَا يَمْنَعَانِهِ إذَا خَلَا مَحَلُّهُمَا عَمَّنْ يَقُومُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
[حاشية الدسوقي]
لِأَنَّ الْجِهَادَ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَفْجَأْهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِذَا لَا يُسْهَمُ لَهُمْ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَرَقِيقٍ) ، وَكَذَا صَبِيٌّ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ) أَيْ وَتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَحَلُّ التَّعْيِينِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) أَيْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ مَدِينًا، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ وَالْمُرَادُ بِتَعْيِينِهِ عَلَى الصَّبِيِّ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلْجَاؤُهُ عَلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ إصْلَاحُ حَالِهِ لَا بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ كَذَا ذَكَرَ طفى فَلَا يُقَالُ إنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ امْرَأَةً، وَعَبْدًا) أَيْ أَوْ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ كَمَا فِي النَّوَادِرِ كَذَا فِي عبق (قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّعْيِينِ) أَيْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ، وَهَذَا خَارِجٌ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَجُنُونٍ إلَخْ، وَلَوْ طَرَأَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّعْيِينِ، وَالسُّقُوطُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَانِعِ الطَّارِئِ كَالْمَرَضِ وَالْجُنُونِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْعَجْزِ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَفِي مَجَازِهِ إذَا كَانَ الْمَانِعُ غَيْرَ طَارِئٍ كَالصِّبَا وَالْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا حَتَّى يَسْقُطَ فَالسُّقُوطُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا بِمَعْنَى عَدَمِ اللُّزُومِ فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ، وَلَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَيَّنَا أَوْ عُيِّنَا غَيْرَ مُطِيقَيْنِ، وَإِلَّا لَزِمَهُمَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَعَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ إلَخْ) أَيْ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى اخْتِلَافُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَسَوَاءٌ كَانَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ أَوْ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّهُ كَمَا فِي النَّفْرَاوِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ) أَيْ بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا فِي زَمَانٍ يَلْزَمُ عَلَى انْقِضَائِهِ فَوَاتُ الْجَيْشِ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إدْرَاكِهِ بَعْدَ سَفَرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ) أَيْ: وَإِلَّا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ أَوْ كَانَ غَيْرَ حَالٍّ وَلَا يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ، فَإِنْ حَلَّ فِي غَيْبَتِهِ وَعِنْدَهُ مَا يُوَفِّي مِنْهُ وَكُلُّ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: كَوَالِدَيْنِ إلَخْ) هَذَا تَشْبِيهٌ فِي السُّقُوطِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَمَنْعِ وَالِدَيْنِ دَنِيَّةً أَيْ وَسَقَطَ الْجِهَادُ بِسَبَبِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَمَا يَسْقُطُ كُلُّ فَرْضِ كِفَايَةٍ بِمَنْعِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ سُكُوتِ الْآخَرِ أَوْ إجَازَتِهِ عَلَى الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: بِبَحْرٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ كَوَالِدَيْنِ فِي كُلِّ فَرْضٍ إذَا كَانَ السَّفَرُ لِتَحْصِيلِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ.
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ فَرْضِ كِفَايَةٍ لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْهُ إذَا كَانَ السَّفَرُ لِتَحْصِيلِهِ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ الْخَطِرِ لَا إنْ كَانَ فِي بَرٍّ آمِنٍ قَالَ الشَّارِحُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فَإِنَّ لَهَا مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ لَهُ فِي بَرٍّ آمِنٍ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا طَلَبُ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إذَا خَلَا مَحَلُّهُمَا عَمَّنْ يُفِيدُهُ فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ لَهُ مُطْلَقًا كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ أَوْ آمِنٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُفِيدُهُ فَلَهُمَا الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ لَهُ مُطْلَقًا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعَ مِنْ السَّفَرِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إنْ كَانَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ طَرِيقَةٌ لِلطُّرْطُوشِيِّ وَنَصُّهُ: وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَمَرَاتِبِهِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُفِيدُ ذَلِكَ مَوْجُودًا بِبَلَدِهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِلَّا خَرَجَ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَاعْتَرَضَ هَذَا الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَسْقُطُ لِأَجْلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إنَّ لِلْأَبَوَيْنِ أَنْ يَمْنَعَا مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُطْلَقًا جِهَادًا أَوْ عِلْمًا كِفَائِيًّا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ السَّفَرُ لِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ أَوْ فِي الْبَرِّ الْخَطِرِ أَوْ الْمَأْمُونِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَقَالَ صَوَابُ قَوْلِهِ: بِبَحْرٍ كَتِجَارَةِ بَحْرِ أَوْ بَرٍّ خَطَرٍ لِيَصِيرَ تَشْبِيهًا فِي الْمَنْعِ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْجِهَادِ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَبَيْنَ التِّجَارَةِ لِمَعَاشِهِ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهَا إذَا كَانَ السَّفَرُ لَهُمَا بِبَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ لَا بِبَرٍّ آمِنٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَمَّا كَانَ يَقُومُ بِهِ
(لَا جَدٍّ) فَلَا مَنْعَ لَهُ (وَ) أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ (الْكَافِرُ كَغَيْرِهِ) فَلَهُ الْمَنْعُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْجِهَادِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ تَوْهِينِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا (وَدُعُوا) وُجُوبًا (لِلْإِسْلَامِ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَمْ لَا مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ، وَإِلَّا قُوتِلُوا (ثُمَّ) إنْ أَبَوْا مِنْ قَبُولِهِ دُعُوا إلَى أَدَاءِ (جِزْيَةٍ) إجْمَالًا إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا (بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ بِمَحَلٍّ لَا تَنَالهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، وَلَمْ يَرْتَحِلُوا لِبِلَادِهِمْ (قُوتِلُوا وَقُتِلُوا) أَيْ جَازَ قَتْلُهُمْ (إلَّا) سَبْعَةً (الْمَرْأَةَ) فَلَا تُقْتَلُ (إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا) فَيَجُوزُ قَتْلُهَا إنْ قَتَلَتْ أَحَدًا أَوْ قَاتَلَتْ بِسِلَاحٍ كَالرِّجَالِ وَلَوْ بَعْدَ أَسْرِهَا لَا إنْ قَاتَلَتْ بِكَرْمَيْ حَجَرٍ فَلَا تُقْتَلُ وَلَوْ حَالَ الْقِتَالِ (وَ) إلَّا (الصَّبِيَّ) الْمُطِيقَ لِلْقِتَالِ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيَجْرِي فِيهِ مَا فِي الْمَرْأَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَ) إلَّا (الْمَعْتُوهَ) أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ فَالْمَجْنُونُ أَوْلَى (كَشَيْخٍ فَانٍ) لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْقِتَالِ (وَزَمِنٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ عَاجِزٍ (وَأَعْمَى) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ (وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ) عَنْ أَهْلِ دِينِهِ (بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ) لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالنِّسَاءِ حَالَ كَوْنِهِمْ (بِلَا رَأْيٍ) وَتَدْبِيرٍ
[حاشية الدسوقي]
الْغَيْرُ كَانَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ التِّجَارَةِ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الَّذِي لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْبَرِّ الْمَأْمُونِ خُصُوصُ الْجِهَادِ، وَإِنْ غَيْرَهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ فَهُوَ كَالتِّجَارَةِ فَلَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ لِتَحْصِيلِهِ إذَا كَانَ لَيْسَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ الْخَطَرِ وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ.
اهـ. شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَا جَدٍّ) عَطْفٌ عَلَى وَالِدَيْنِ أَيْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْجِهَادِ بِمَنْعِ وَالِدَيْنِ لَا بِمَنْعِ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ، وَإِنْ كَانَ بِرُّهُمَا وَاجِبًا فَيَسْتَرْضِيهِمَا لِيَأْذَنَا لَهُ فَإِنْ أَبَيَا خَرَجَ بِلَا إذْنٍ (قَوْلُهُ: كَغَيْرِهِ) أَيْ كَالْأَبِ الْمُسْلِمِ، وَقَوْلُهُ: فَلَهُ الْمَنْعُ فِي غَيْرِهِ أَيْ فِي كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: إلَّا لِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ) أَيْ وَإِلَّا كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْجِهَادِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لِسَحْنُونٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيِّ وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْوَالِدَ الْكَافِرَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ الْجِهَادِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ مَنْعَهُ كَرَاهَةُ إعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ، وَفِي كَبِيرِ خش لَوْ طَلَبَتْ أُمُّ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَةُ حَمْلَهَا لِلْكَنِيسَةِ هَلْ يَحْمِلُهَا أَوْ لَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فَإِنْ طَلَبَتْ دَرَاهِمَ لِلْقِسِّيسِ فَلَا يُعْطِيهَا اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَإِذَا دُعُوا أَوَّلَ الثَّالِثِ قُوتِلُوا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ وَلَا يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ لَا فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ، وَلَا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ.
(قَوْلُهُ: بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ) أَيْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمْ لَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ إنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ أَوَّلًا إلَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُمْ فَلَا يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ) أَيْ أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلًا، وَمِنْ هَذَا كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (قَوْلُهُ: ثَمَّ جِزْيَةٌ) أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ.
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِالْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ) أَيْ أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِهِمَا مَعْنًى فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ اصْطِلَاحًا بِمَحْذُوفٍ أَيْ فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ اكْتَفَى بِهِ مِنْهُمْ إذَا كَانُوا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ غَدْرُهُمْ فِيهِ لِكَوْنِهِمْ تَنَالُهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ (قَوْلُهُ: قُوتِلُوا) أَيْ أَخَذَ فِي قِتَالِهِمْ وَجَازَ قَتْلُهُمْ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ (قَوْلُهُ: إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا) الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَاوِ مِنْ قُوتِلُوا وَالثَّانِي مِنْ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ أَيْ فَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا، وَفِي سَبَبِهِ أَيْ إلَّا بِسَبَبِ مُقَاتَلَتِهَا فَتُقْتَلُ حَالَ مُقَاتَلَتِهَا وَبَعْدَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَمَانِيَةَ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَقْتُلَ أَحَدًا أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تُقَاتِلَ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا إنْ تُؤْسَرَ أَوْ لَا فَإِنْ قَتَلَتْ أَحَدًا بِالْفِعْلِ جَازَ قَتْلُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَاتَلَتُهَا بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْحِجَارَةِ، سَوَاءٌ أُسِرَتْ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا فَإِنْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ كَالرِّجَالِ جَازَ قَتْلُهَا أَيْضًا أُسِرَتْ أَمْ لَا، وَإِنْ قَاتَلَتْ بِرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَلَا تُقْتَلُ بَعْدَ الْأَسْرِ اتِّفَاقًا، وَلَا فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ مُسْتَثْنَاتَانِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ أَسْرِهَا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ قَتْلِهَا بَعْدَ الْأَسْرِ إذَا قَتَلَتْ أَحَدًا، وَقَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إذَا أُسِرَتْ مُطْلَقًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَاجِيٍّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ إنْ قَتَلَتْ أَحَدًا جَازَ قَتْلُهَا، وَإِلَّا فَلَا، اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الْمَرْأَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ) أَيْ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي سِتَّةِ أَحْوَالٍ كَالْمَرْأَةِ، وَيَمْتَنِعُ قَتْلُهُ فِي حَالَتَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ، وَبَعْدَ أَسْرِهِ يَتَعَيَّنُ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ فِيهِ أَصْلَحَ كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: فَالْمَجْنُونُ أَوْلَى) أَيْ إذَا كَانَ مُطْبَقًا فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا قُتِلَ (قَوْلُهُ: أَيْ عَاجِزٍ) يَعْنِي عَنْ الْقِتَالِ لِكَوْنِهِ مَرِيضًا بِإِقْعَادٍ أَوْ شَلَلٍ أَوْ فَلْجٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالنِّسَاءِ) أَيْ، وَأَمَّا رُهْبَانُ الْكَنَائِسِ الْمُخَالِطُونَ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالنِّسَاءِ عِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ لِاعْتِزَالِهِمْ أَهْلَ دِينِهِمْ وَتَبَاعُدِهِمْ عَنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا لِفَضْلِ تَرَهُّبِهِمْ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ مِنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَرَاهِبٍ، وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الْقَتْلِ الرَّاهِبَةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْتَلُ سَوَاءٌ اُعْتُبِرَ تَرَهُّبُهَا أَوْ أُلْغِيَ
قُيِّدَ فِيمَا بَعْدَ الْكَافِ (وَ) إذَا لَمْ يُقْتَلُوا (تُرِكَ لَهُمْ) مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ (الْكِفَايَةُ فَقَطْ) أَيْ مَا يَكْفِيهِمْ حَيَاتَهُمْ عَلَى الْعَادَةِ، وَقُدِّمَ مَالُهُمْ عَلَى مَالِ غَيْرِهِمْ، وَيُؤْخَذُ مَا يَزِيدُ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لِلْكُفَّارِ مَالٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاتُهُمْ إنْ أَمْكَنَ (وَ) إنْ تَعَدَّى أَحَدٌ عَلَى قَتْلٍ مَنْ ذُكِرَ (اسْتَغْفَرَ) أَيْ تَابَ وُجُوبًا (قَاتِلُهُمْ) قَبْلَ حَوْزِهِمْ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ، وَكُلُّ مَنْ لَا يُقْتَلُ يَجُوزُ أَسْرُهُ إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ بِلَا رَأْيٍ (كَمَنْ) أَيْ كَقَتْلِ مَنْ (لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ) فَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ.
(وَإِنْ حِيزُوا) أَيْ مَنْ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ سِوَى الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ أَنْ صَارُوا مَغْنَمًا، وَقَتَلَهُمْ شَخْصٌ (فَقِيمَتُهُمْ) عَلَى قَاتِلِهِمْ يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ فِي الْغَنِيمَةِ (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ) الْمُنْعَزِلَانِ بِلَا رَأْيٍ (حُرَّانِ) فَلَا يُؤْسَرَانِ، وَلَا يُقْتَلَانِ، وَإِنْ كَانَ لَا دِيَةَ عَلَى قَاتِلِهِمَا وَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ قُتِلُوا قَوْلَهُ: (بِقَطْعِ مَاءٍ) عَنْهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَغْرَقُوا (وَآلَةٍ) كَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَلَوْ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانِ (وَبِنَارٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا) ، وَقَدْ خِيفَ مِنْهُمْ (وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ) فَإِنْ أَمْكَنَ غَيْرُهَا أَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ لَمْ يُحْرَقُوا بِهَا، وَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِهَا بِالشَّرْطَيْنِ (وَإِنْ) كُنَّا، وَإِيَّاهُمْ أَوْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ (بِسُفُنٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ رَاجِعَةٌ لِلْمَنْطُوقِ (وَ) قُوتِلُوا (بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ) بِنَارٍ (وَتَغْرِيقٍ) بِمَاءٍ، وَهَذَا كَالتَّخْصِيصِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ
[حاشية الدسوقي]
وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ سَحْنُونٍ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ فِي لَغْوِ تَرَهُّبِهَا وَاعْتِبَارِهِ صَيْرُورَتَهَا حُرَّةً بِالتَّرَهُّبِ فَلَا تُسْتَرَقُّ، وَعَدَمُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ يُفِيدُ قَتْلَ الْأُجَرَاءِ وَالْحَرَّاثِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بَلْ يُؤْسَرُونَ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ الْمَاجِشَونِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَائِلًا وَهُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي أَهْلِ دِينِهِمْ كَالْمُسْتَضْعَفِينَ كَذَا فِي بْن وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ فِي حَالٍ، وَأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: قَيَّدَ إلَخْ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الشَّيْخِ الْفَانِي، وَمَا بَعْدَهُ لَا يُقْتَلُونَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ فِي الْحُرُوبِ لِقَوْمِهِمْ، وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرُ رَأْيُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ فِي تَرْكِ رَأْيِهَا (قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يُقْتَلُوا تُرِكَ لَهُمْ الْكِفَايَةُ) أَيْ، وَإِذَا لَمْ يُقْتَلُوا، وَلَمْ يُؤْسَرُوا تَرَكَ إلَخْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْكِفَايَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا يُقْتَلُ، وَلَا يُؤْسَرُ سَوَاءٌ كَانَ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ كَالرَّاهِبِ أَوْ كَانَ أَسْرُهُ جَائِزًا، وَلَكِنْ تُرِكَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ كَالْبَاقِي، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ أَيْ لَا كُلَّ مَا لَهُمْ هُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ، وَلَا يُؤْسَرُونَ يُتْرَكُ لَهُمْ مَا يَتَمَعْيَشُونَ مِنْهُ كَالْبَقَرَةِ وَالْغُنَيْمَاتِ وَالْبَغْلَةِ وَالنُّخَيْلَاتِ وَمَا يَقُومُ بِمَعَاشِهِمْ، وَيُؤْخَذُ الْبَاقِي أَوْ يُخَرَّبُ أَوْ يُحْرَقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يُتْرَكُ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَقُدِّمَ مَالُهُمْ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ (قَوْلُهُ: مُوَاسَاتُهُمْ) أَيْ مِنْ مَالِهِمْ (قَوْلُهُ: وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا دِيَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ وَهُوَ مُفَادُ النَّقْلِ عَنْ الْبَاجِيَّ كَمَا فِي طفى وَمَا فِي خش مِنْ أَنَّ الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ يَلْزَمُ قَاتِلَهُمَا دِيَتُهُمَا لِأَهْلِ دِينِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ فَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ، اُنْظُرْ حَاشِيَةَ شَيْخِنَا الْعَدَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَعْتُوهِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى فَإِنَّهُمْ وَإِنْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ يَجُوزُ أَسْرُهُمْ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُمْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَسْرٍ وَحِينَئِذٍ يُتْرَكُ لَهُمْ الْكِفَايَةُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ) أَيْ سَوَاءٌ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ جِهَادٍ أَوْ فِي جِهَادٍ قَبْلَ أَنْ يُدْعَوْا لِلْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَقْتُولُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مُتَمَسِّكٍ بِكِتَابٍ أَوْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِكِتَابٍ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِلُزُومِ الدِّيَةِ لِقَاتِلِ هَذَا الْأَخِيرِ.
(قَوْلُهُ: سِوَى الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ) أَيْ وَأَمَّا هُمَا فَلَا يُحَازَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْسَرَانِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ (قَوْلُهُ: الرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ الْمُنْعَزِلَانِ بِلَا رَأْيٍ حُرَّانِ) التَّقْيِيدُ بِلَا رَأْيٍ خَاصٍّ بِالرَّاهِبِ لِمَا مَرَّ أَنَّ رَأْيَ الْمَرْأَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّ الرَّأْيَ فِي تَرْكِ رَأْيِهَا (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَقَدْ خِيفَ مِنْهُمْ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْخَوْفِ فَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ بَلْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ تَرَكْنَاهُمْ، اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ لَمْ يُحْرَقُوا بِهَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ خِفْنَا مِنْهُمْ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا لِابْنِ الْحَاجِبِ التَّوْضِيحُ هُوَ الْمَذْهَبُ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ رَاجِعَةٌ لِلْمَنْطُوقِ) قِيلَ الْأَوْلَى جَعْلُهَا رَاجِعَةً لِلْمَفْهُومِ أَيْ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ غَيْرُ النَّارِ أَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ بِالنَّارِ وَلَوْ بِسُفُنٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الشَّرْطَانِ جَازَ قَتْلُهُمْ بِالنَّارِ اتِّفَاقًا فِي السُّفُنِ كَالْحِصْنِ فَلَا مَحَلَّ لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى السُّفُنِ.
وَقَدْ يُقَالُ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَأْتِ بِلَوْ الَّتِي لِرَدِّ الْخِلَافِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِإِنْ، وَالْمُبَالَغَةُ يَكْفِي فِي صِحَّتِهَا مُجَرَّدُ دَفْعِ التَّوَهُّمِ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ النَّارَ تُتْلِفَ حَقَّ الْغَازِينَ فِي السُّفُنِ (قَوْلُهُ: وَبِالْحِصْنِ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ، وَقُوتِلُوا فِي غَيْرِ الْحِصْنِ بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ، وَفِي الْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا كَالتَّحْصِيصِ إلَخْ) هَذَا غَيْرُ صَوَابٍ
(مَعَ ذُرِّيَّةٍ) أَوْ نِسَاءٍ أَيْ، وَقُوتِلُوا بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ حَالَ كَوْنِهِمْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ أَيْ مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ) أَوْ نِسَاءٍ (تُرِكُوا) لِحَقِّ الْغَانِمِينَ (إلَّا لِخَوْفٍ) عَلَى الْمُسْلِمِينَ (وَ) إنْ تَتَرَّسُوا (بِمُسْلِمٍ) قُوتِلُوا، وَ (لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسُ) بِالرَّمْيِ وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لِأَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ لَا يُبَاحُ بِالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ (إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنْ خِيفَ سَقَطَتْ حُرْمَةُ التُّرْسِ، وَجَازَ رَمْيُهُ (وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) أَيْ حُرِّمَ عَلَيْنَا رَمْيُهُمْ بِنَبْلٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مَسْمُومٌ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُعَادَ مِنْهُمْ إلَيْنَا كَذَا عَلَّلُوا.
(وَ) حَرُمَ عَلَيْنَا (اسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ) وَالسِّينُ لِلطَّلَبِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (إلَّا لِخِدْمَةٍ) مِنْهُ لَنَا كَنُوتِيٍّ أَوْ خَيَّاطٍ أَوَلِهَدْمِ حِصْنٍ.
(وَ) حَرُمَ (إرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) ، وَلَوْ طَلَبُوهُ لِيَتَدَبَّرُوهُ خَشْيَةَ إهَانَتِهِمْ لَهُ وَأَرَادَ بِالْمُصْحَفِ مَا قَابَلَ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ الْآيَةُ وَنَحْوُهَا (وَ) حَرُمَ (سَفَرٌ بِهِ) أَيْ بِالْمُصْحَفِ (لِأَرْضِهِمْ) ، وَلَوْ مَعَ جَيْشٍ كَبِيرٍ، وَمِثْلُ الْمُصْحَفِ كُتُبُ الْحَدِيثِ فِيمَا يَظْهَرُ (كَمَرْأَةٍ) مُسْلِمَةٍ فَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهَا لِدَارِ الْحَرْبِ (إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) بِالْمَدِّ فَيَجُوزُ.
(وَ) حُرِّمَ (فِرَارٌ) مِنْ الْعَدُوِّ (إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ) الَّذِينَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ (النِّصْفَ) مِنْ عَدَدِ الْكُفَّارِ كَمِائَةٍ مِنْ مِائَتَيْنِ (وَلَمْ يَبْلُغُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) فَإِنْ بَلَغُوا حُرِّمَ الْفِرَارُ وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ
[حاشية الدسوقي]
لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ وَبِالْحِصْنِ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ.
(قَوْلُهُ: مَعَ ذُرِّيَّةٍ) أَيْ وَنِسَاءٍ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي الْحِصْنِ مُسْلِمٌ (قَوْلُهُ: حَالَ كَوْنِهِمْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُرِّيَّةُ جَازَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ وَتَغْرِيقُهُمْ فَفِي الْمَوَّاقِ الْحُصُونُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْمُقَاتِلَةُ أَجَازَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يُرْمَوْا بِالنَّارِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ وَإِلَّا قُوتِلُوا بِمَا ذَكَرَ مِنْ النَّارِ وَالْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ الذُّرِّيَّةُ وَالنِّسَاءُ وَالْأُسَارَى (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا) أَيْ الْكُفَّارُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِمْ فِي الْحِصْنِ وَقَوْلُهُ: تُرِكُوا أَيْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ (قَوْلُهُ: إلَّا لِخَوْفٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ مِنْ تَرْكِهِمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ فَيُقَاتَلُونَ حِينَئِذٍ، وَقَوْلُهُ: إلَّا لِخَوْفٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ عَلَى جِنْسِهِمْ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا.
اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ قُوتِلُوا) أَيْ، وَأَوْلَى إذَا تَتَرَّسُوا بِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَيُقَاتَلُونَ، وَلَا يُتْرَكُونَ وَيَنْبَغِي ضَمَانُ قِيمَتِهِ عَلَى مَنْ رَمَاهُمْ قِيَاسًا عَلَى مَا يُرْمَى مِنْ السَّفِينَةِ لِلنَّجَاةِ مِنْ الْغَرَقِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا إتْلَافُ مَالٍ لِلنَّجَاةِ قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا) أَيْ جِنْسُ أَنْفُسِنَا الْمُتَحَقِّقُ فِي بَعْضِ الْجَيْشِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ) هَذَا شَرْطٌ فِي عَدَمِ قَصْدِ التُّرْسِ أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِمْ إذَا تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ يُقَاتَلُونَ وَلَا يُقْصَدُ التُّرْسُ إذَا لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ بِأَنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِمْ أَصْلًا أَوْ خِيفَ عَلَى أَقَلِّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى نِصْفِهِمْ فَإِنْ خِيفَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ جَازَ رَمْيُ التُّرْسِ وَالْمُرَادُ بِالْمُسْلِمِينَ هُنَا جَمَاعَةُ الْجَيْشِ الْمُقَاتِلِينَ لِلْكُفَّارِ دُونَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَى أَكْثَرِ الْجَيْشِ يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى التُّرْسُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ حَرُمَ عَلَيْنَا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ رَمَوْنَا بِهِ أَوَّلًا (قَوْلُهُ: كَذَا عَلَّلُوا) أَيْ، وَهُوَ لَا يُنْتِجُ الْحُرْمَةَ وَاَلَّذِي فِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ الْكَرَاهَةُ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ فَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ عَلَى التَّحْرِيمِ
(قَوْلُهُ: بِمُشْرِكٍ) الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْكَافِرِ لَا خُصُوصُ مَنْ يُشْرِكُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ، وَإِرَادَةِ الْعَامِّ (قَوْلُهُ: لَمْ يُمْنَعْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ) أَيْ كَمَا هُوَ سَمَاعُ يَحْيَى خِلَافًا لِأَصْبَغَ حَيْثُ قَالَ بِالْمَنْعِ فِي هَذِهِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إذَا اخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي طَلَائِعِهِمْ وَسَرَايَاهُمْ وَأَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ، وَأَصَابُوا مَغْنَمًا قُسِّمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ يُخَمَّسُ دُونَ مَا أَصَابَهُمْ فَإِنْ خَرَجُوا وَحْدَهُمْ فَمَا أَصَابُوهُ فَهُوَ لَهُمْ، وَلَا يُخَمَّسُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِخِدْمَةٍ) اللَّامُ بِمَعْنَى فِي أَيْ إلَّا إذَا كَانَتْ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي خِدْمَةٍ لَنَا فَلَا تَحْرُمُ وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْقِتَالِ (قَوْلُهُ: أَوَلِهَدْمِ حِصْنٍ) أَيْ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ مِتْرَاسٍ أَوْ لَغَمٍ.
(قَوْلُهُ: مَا قَابَلَ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْجُزْءَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرْسِلَ الْكِتَابَ لِدَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهِ الْآيَاتُ مِنْ الْقُرْآنِ الْقَلِيلَةِ وَالْأَحَادِيثُ نَدْعُوهُمْ بِذَلِكَ لِلْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ: وَأَرَادَ إلَخْ جَوَابٌ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ اللَّقَانِيِّ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ يَقْتَضِي أَنَّ إرْسَالَ مَا دُونَهُ كَالْجُلِّ لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ يُعَارِضُ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: الْآتِي فِيمَا يَجُوزُ وبَعَثَ كِتَابٌ فِيهِ كَالْآيَةِ إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْآيَةِ لَا يَجُوزُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هُنَا بِالْمُصَنَّفِ مَا قَابَلَ الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ الْآيَةُ وَنَحْوُهَا فَيَشْمَلُ الْجُزْءَ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضِهِمْ) أَيْ مَخَافَةَ أَنْ يَسْقُطَ مِنَّا وَلَا نَشْعُرُ بِهِ فَيَأْخُذُونَهُ فَتَنَالُهُ الْإِهَانَةُ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَهُوَ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ، وَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ لِأَرْضِهِمْ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَ الْجَيْشُ آمِنًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُسْلِمَةَ تُنَبِّهُ عَلَى نَفْسِهَا عِنْدَ فَوَاتِهَا وَالْمُصْحَفُ قَدْ يَسْقُطُ، وَلَا يُشْعَرُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَحُرِّمَ فِرَارٌ) أَيْ فِي الْجِهَادِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ كِفَائِيًّا أَوْ عَيْنِيًّا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ (قَوْلُهُ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ) أَيْ فَإِذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ نِصْفَ الْعَدُوِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ مَا لَمْ يَكُنْ مَدَدُ الْكُفَّارِ حَاصِلًا وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ) أَيْ، وَلَوْ كَانَ مَدَدُهُمْ مُتَّصِلًا وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَخْتَلِفْ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى
(إلَّا تَحَرُّفًا) لِقِتَالٍ بِأَنْ يُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ الْهَزِيمَةَ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ (وَ) إلَّا (تَحَيُّزًا) إلَى فِئَةٍ يَتَقَوَّى بِهِمْ، وَهَذَا (إنْ خِيفَ) أَيْ خَافَ الْمُتَحَيِّزُ خَوْفًا بَيِّنًا مِنْ الْعَدُوِّ، وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ.
(وَ) حُرِّمَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ (الْمُثْلَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ الْعُقُوبَةُ الشَّنِيعَةُ كَرَضِّ الرَّأْسِ، وَقَطْعِ الْأُذُنِ أَوْ الْأَنْفِ إذَا لَمْ يُمَثِّلُوا بِمُسْلِمٍ، وَإِلَّا جَازَ.
(وَ) حُرِّمَ (حَمْلُ رَأْسِ) الْكَافِرِ (لِبَلَدٍ أَوْ) إلَى (وَالٍ) أَيْ أَمِيرِ جَيْشٍ، وَأَمَّا فِي الْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْقَتْلُ فَجَائِزٌ.
(وَ) حُرِّمَ (خِيَانَةُ أَسِيرٍ) مُسْلِمٍ عِنْدَهُمْ (أُؤْتُمِنَ) عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ حَالَ كَوْنِهِ (طَائِعًا) بَلْ (وَلَوْ) أُؤْتُمِنَ (عَلَى نَفْسِهِ) بِعَهْدٍ مِنْهُ أَنْ لَا يَهْرُبَ أَوْ لَا يَخُونَهُمْ فِي مَالِهِمْ أَوْ بِلَا عَهْدٍ نَحْوَ أَمَّنَاك عَلَى نَفْسِك أَوْ عَلَى مَالِنَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِمْ شَيْئًا وَلَوْ حَقِيرًا، فَإِنْ لَمْ يُؤْتَمَنْ أَوْ أُؤْتُمِنَ مُكْرَهًا فَلَهُ الْهُرُوبُ، وَلَهُ أَخْذُ كُلِّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ ذُرِّيَّةٍ وَلَوْ بِيَمِينٍ، وَلَوْ حَنِثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ يَمِينِهِ الْإِكْرَاهُ.
(الْغُلُولُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْخِيَانَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ حَوْزِهَا، وَلَيْسَ مِنْهُ أَخْذُ قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا إذَا كَانَ الْأَمِيرُ جَائِرًا لَا يَقْسِمُ قِسْمَةً شَرْعِيَّةً فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ (وَأَدَّبَ) الْغَالَّ بِالِاجْتِهَادِ (إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ) لَا إنْ جَاءَ تَائِبًا وَلَوْ بَعْدَ الْقَسْمِ وَتَفَرُّقِ الْجَيْشِ وَتَعَذُّرِ الرَّدِّ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُمْ بَعْدَ دَفْعِ خُمُسِهِ لِلْإِمَامِ (وَجَازَ) (أَخْذُ مُحْتَاجٍ) مِنْ الْغَانِمِينَ، وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ حَاجَتُهُ حَدَّ الضَّرُورَةِ وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ
[حاشية الدسوقي]
اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ جَازَ الْفِرَارُ مُطْلَقًا، وَلَوْ بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ حُرِّمَ الْفِرَارُ إنْ بَلَغُوا نِصْفَ الْعَدُوِّ فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ جَازَ لَهُمْ الْفِرَارُ إنْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ فَعَلِمْتَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَبْلُغُوا إلَخْ قَيْدٌ فِي الْمَفْهُومِ لَا فِي الْمَنْطُوقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَحُرِّمَ فِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَجَازَ إنْ نَقَصُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَّا تَحَرُّفًا) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ صُورَةُ فِرَارٍ مُنْقَطِعٍ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّفَ لَيْسَ فِرَارًا فِي الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ جَوَازُ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ يَتَقَوَّى بِهَا (قَوْلُهُ: وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ انْحِيَازُهُ إلَى فِئَةٍ خَرَجَ مَعَهَا أَمَّا لَوْ خَرَجُوا مِنْ بَلَدٍ وَالْأَمِيرُ مُقِيمٌ فِي بَلْدَةٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْفِرَارُ حَتَّى يَنْحَازَ إلَيْهِ كَذَا فِي ح وَقَوْلُهُ: وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ أَيْ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُتَحَيِّزُ أَمِيرًا لِجَيْشٍ فَأَمِيرُ الْجَيْشِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِرَارُ، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّحَيُّزِ وَلَوْ أَدَّى لِهَلَاكِ نَفْسِهِ وَبَقَاءِ الْجَيْشِ مِنْ غَيْرِ أَمِيرٍ مَا لَمْ يَفِرَّ جَمِيعُ الْجَيْشِ عِنْدَ هَلَاكِهِ (قَوْلُهُ: وَحُرِّمَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ) أَيْ، وَأَمَّا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُمْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْقَتْلِ، وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ تَمْثِيلٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَازَ) أَيْ، وَإِلَّا جَازَ التَّمْثِيلُ بِهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَحَمْلُ رَأْسِ كَافِرٍ) أَيْ عَلَى رُمْحٍ، وَقَوْلُهُ: لِبَلَدٍ أَيْ ثَانٍ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ مَاكِثًا فِيهَا أَمْ لَا، وَقَوْلُهُ: أَوْ إلَى وَالٍ أَيْ، وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِ الْقِتَالِ نَفْسِهَا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْبَلَدِ) أَيْ، وَأَمَّا حَمْلُهَا فِي بَلَدِ الْقِتَالِ لَا لِلْوَالِي فَهُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ حَمْلِ رَأْسِ الْحَرْبِيِّ لِبَلَدٍ ثَانٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَاطْمِئْنَانِ الْقُلُوبِ بِالْجَزْمِ بِمَوْتِهِ وَإِلَّا جَازَ فَقَدْ «حُمِلَ لِلنَّبِيِّ رَأْسُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ مِنْ خَيْبَرَ لِلْمَدِينَةِ» .
(قَوْلُهُ: حَرُمَ خِيَانَةُ أَسِيرٍ) أَيْ فِيمَا أَمِنَ عَلَيْهِ خَاصَّةً (قَوْلُهُ: طَائِعًا) أَيْ بِالِائْتِمَانِ سَوَاءٌ كَانَ الِائْتِمَانُ مُصَرَّحًا بِهِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَمَنَّاك عَلَى مَالِنَا أَوْ عَلَى كَذَا أَوْ كَانَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ كَمَا إذَا أُعْطِيَ الْأَسِيرُ مَا يَخِيطُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّرِقَةُ مِنْهُ لِعُمُومِ خَبَرِ «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك» إنْ قُلْت الْفَرْضُ أَنَّهُ أَسِيرٌ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ طَوْعٌ قُلْت يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيمَنْ أُسِرَ ابْتِدَاءً فَلَمَّا وَصَلَ لِبِلَادِهِمْ أَحَبُّوهُ وَأَطْلَقُوهُ، وَأَعْجَبَتْهُ بِلَادَهُمْ لِكَثْرَةِ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ.
(قَوْلُهُ: بِعَهْدٍ مِنْهُ) أَيْ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ عَاهَدَتْكُمْ عَلَى أَنِّي لَا أَخُونُكُمْ فِي مَالِكُمْ أَوْ عَلَى أَنِّي لَا أَهْرَبُ بَعْدَ أَنْ قَالُوا لَهُ أَمَنَّاك عَلَى أَنْفُسِنَا أَوْ عَلَى أَمْوَالِنَا (قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا عَهْدٍ) أَيْ أَوْ اُؤْتُمِنَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ عَهْدٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا لَهُ أَمَنَّاك عَلَى نَفْسِك أَوْ عَلَى أَمْوَالِنَا أَوْ عَلَى حَرِيمِنَا وَأَوْلَادِنَا وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ عَاهَدْتُكُمْ عَلَى أَنِّي لَا أَخُونَ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَلَهُ الْهُرُوبُ) فَإِنْ تَنَازَعَ الْأَسِيرُ وَمَنْ أَمِنَهُ هَلْ وَقَعَ الِائْتِمَانُ عَلَى الطَّوْعِ أَوْ الْإِكْرَاهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ قَالَهُ عج (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِيَمِينٍ) أَيْ أَخَذُوهُ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَمَّنُوهُ مُكْرَهًا وَاَللَّهِ لَا أَخُونُكُمْ فِي مَالِكُمْ أَوْ وَاَللَّهِ لَا أَهْرَبُ.
وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا عَاقَدَهُمْ عَلَى الْفِدَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إذَا عَجَزَ بَلْ يَسْعَى جَهْدَهُ، وَيُوصِلُهُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَذَكَرَ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ إذَا اُقْتُرِضَ الْفِدَاءُ مِنْ حَرْبِيٍّ فَانْظُرْهُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إنْ جَاءَ تَائِبًا) أَيْ، وَأَتَى بِمَا سَرَقَ فَلَا يُؤَدَّبُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الْقَسْمِ وَتَفَرُّقِ الْجَيْشِ) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقَسْمِ فَلَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَبَعْدَ تَفَرُّقِ الْجَيْشِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَيَتَصَدَّقُ بِمَا أَخَذَهُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي ح وَالتَّوْضِيحِ، وَمَنْ تَابَ بَعْدَ الْقَسْمِ وَافْتِرَاقِ الْجَيْشِ أُدِّبَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قِيَاسًا عَلَى الشَّاهِدِ يَرْجِعُ بَعْدَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ افْتِرَاقَ الْجَيْشِ كَنُفُوذِ الْحُكْمِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْغُرْمِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فِي الْجَيْشِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ) أَيْ مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ قَسْمِهِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْأَخْذِ فَإِنْ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْأَخْذِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَكِنَّ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَوْ
وَلَمْ يَكُنْ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْغُلُولِ (نَعْلًا أَوْ حِزَامًا) مُعْتَادًا (وَإِبْرَةً وَطَعَامًا) وَغَيْرَ ذَلِكَ (وَإِنْ) كَانَ (نِعَمًا) يَذْبَحُهَا، وَيَرُدُّ جِلْدَهَا لِلْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ (وَعَلَفًا) لِدَابَّتِهِ (كَثَوْبٍ) يَلْبَسُهُ (وَسِلَاحٍ) يُقَاتِلُ بِهِ (وَدَابَّةٍ) يَرْكَبُهَا لِيُقَاتِلَ عَلَيْهَا أَوْ يَرْجِعَ بِهَا لِبَلَدِهِ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ (لِيَرُدَّ) رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ وَلِذَا فَصَلَهُ بِهَا أَيْ أَنَّ جَوَازَ مَا ذَكَرَ إذَا أَخَذَهُ بِنِيَّةِ رَدِّهِ لَا إنْ نَوَى التَّمْلِيكَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ لَكِنَّ الرَّاجِحَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ إذَا أَخَذَ بِنِيَّةِ التَّمْلِيكِ فَقَطْ.
وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْكَافِ فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا (وَرَدَّ) وُجُوبًا (الْفَضْلَ) أَيْ الْفَاضِلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا أَخَذَهُ مِمَّا بَعْدَ الْكَافِ، وَمَا قَبْلَهَا (إنْ كَثُرَ) بِأَنْ كَانَ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَا إنْ كَانَ يَسِيرًا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ أَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) رَدُّ مَا أَخَذَهُ لِتَفَرُّقِ الْجَيْشِ (تَصَدَّقَ بِهِ) كُلِّهِ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَمَضَتْ الْمُبَادَلَةُ) بَلْ وَتَجُوزُ ابْتِدَاءً (بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْمُجَاهَدِينَ فَمَنْ أَخَذَ لَحْمًا أَوْ عَسَلًا أَوْ قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا وَأَخَذَ غَيْرُهُ خِلَافَ ذَلِكَ جَازَ لَهُمَا الْمُبَادَلَةُ، وَلَوْ بِتَفَاضُلٍ فِي طَعَامٍ رِبَوِيٍّ مُتَّحِدِ الْجِنْسِ قَبْلَ الْقَسْمِ لَا بَعْدَهُ.
(وَ) جَازَ بِمَعْنَى أُذِنَ لِلْإِمَامِ (بِبَلَدِهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ) إذْ هُوَ وَاجِبٌ (وَ) جَازَ (تَخْرِيبٌ) لِدِيَارِهِمْ (وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ) لِزَرْعِهِمْ وَأَشْجَارِهِمْ (إنْ أَنْكَى) أَيْ كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ لَهُمْ أَيْ إغَاظَةٌ وَرُجِيَتْ لِلْمُسْلِمِينَ (أَوْ) لَمْ تُنْكِ، وَ (لَمْ تُرْجَ) فَالْجَوَازُ فِي صُورَتَيْنِ، فَإِنْ أَنْكَى وَلَمْ تُرْجَ تَعَيَّنَ التَّخْرِيبُ، وَإِنْ لَمْ تُنْكِ وَرُجِيَتْ وَجَبَ الْإِبْقَاءُ.
فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ (وَالظَّاهِرُ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ (أَنَّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّخْرِيبِ، وَمَا مَعَهُ (مَنْدُوبٌ) أَيْ إذَا لَمْ تُرْجَ، وَكَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ، وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا التَّخْرِيبُ (كَعَكْسِهِ) أَيْ إبْقَاؤُهَا إذَا رُجِيَتْ وَلَمْ تُنْكِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا الْإِبْقَاءُ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَا يُفِيدُهُ، وَمَا لِابْنِ رُشْدٍ ضَعِيفٌ.
[حاشية الدسوقي]
نَهَاهُمْ الْإِمَامُ ثُمَّ اُضْطُرُّوا إلَيْهِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ، وَلَا عِبْرَةَ بِنَهْيِهِ أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذْ ذَاكَ عَاصٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
اهـ. بْن.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْغُلُولِ) حَالٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُحْتَاجٌ أَيْ جَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ حَيْثُ كَانَ أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاجِ لَا إنْ كَانَ أَخْذُهُ عَلَى وَجْهِ الْغُلُولِ وَالْخِيَانَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ (قَوْلُهُ: مُعْتَادًا) أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُ أَحْزِمَةِ الْمُلُوكِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمُحْتَاجُ لَهُ نِعَمًا (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ) أَيْ وَأَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ أَوَلِيَجْعَلَهُ قِرْبَةً مَثَلًا فَلَا يَرُدُّهُ (قَوْلُهُ: لِيَرُدَّ) لَيْسَتْ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْعِلَّةُ فِي أَخْذِ مَا ذُكِرَ الِانْتِفَاعُ، وَلَا لِلصَّيْرُورَةِ؛ لِأَنَّ عَاقِبَةَ أَخْذِ مَا ذُكِرَ وَثَمَرَتُهُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: 109] فَالْمَعْنَى، وَأَخَذَ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: أَيْ أَنَّ جَوَازَ مَا ذَكَرَ) أَيْ أَخْذِ مَا ذُكِرَ مِنْ الثَّوْبِ وَالسِّلَاحِ وَالدَّابَّةِ (قَوْلُهُ: مِمَّا بَعْدَ الْكَافِ، وَمَا قَبْلَهَا) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِمَا قَبْلَ الْكَافِ فَقَطْ دُونَ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَدُّ بِعَيْنِهِ كَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ وَالسِّلَاحِ، وَلَا مَعْنَى لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِيمَا يُرَدُّ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. بْن.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّ مَا أَخَذَهُ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَخَذَهُ لِيَرُدَّهُ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَا فِي عبق.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ) الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِهِ وَاخْتَارَ شَيْخُنَا مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَبْقَى الْيَسِيرُ فَإِذَا صَارَ الْبَاقِي يَسِيرًا جَازَ لِذَلِكَ الْآخِذُ أَكْلُهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْحَاجَةِ يَسِيرًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: بَلْ وَيَجُوزُ ابْتِدَاءً) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ كَرَاهَتِهِ ابْتِدَاءً، وَمُضِيُّهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَعَلَيْهِ مَشَى تت (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِتَفَاضُلٍ) أَيْ، وَكَذَا تَمْضِي لَهُمْ الْمُبَادَلَةُ مَعَ غَيْرِهِمْ وَتَجُوزُ لَكِنْ إنْ سَلِمَتْ مِنْ الرِّبَا فِي هَذِهِ، وَإِلَّا مُنِعَتْ؛ لِأَنَّ الرِّبَا إنَّمَا هُوَ مُغْتَفَرٌ لِلْغُزَاةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ مُنِعَ الرِّبَا قَالَ شَيْخُنَا وَالظَّاهِرُ جَوَازُ اجْتِمَاعِ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ هُنَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَاوَضَةً حَقِيقِيَّةً ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِيمَا بَيْنَ الْغُزَاةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ مِنْ صِنْفٍ وَاحْتِيجَ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الرِّبَا بَلْ يُمْنَعُ وَبِهَذَا قَيَّدَ الْجَوَازَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَاعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ وعج، وَقَيَّدَ بِهِ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ وَتَبِعَهُ عبق وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمُ اعْتِمَادِهِ، وَتَبِعَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقَسْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَازَ لَهُمَا الْمُبَادَلَةُ.
(قَوْلُهُ: وَبِبَلَدِهِمْ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ إذَا صَدَرَ مُوجِبُ حَدٍّ كَزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ مِنْ أَحَدٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْجَيْشِ أَوْ كَانَ أَسِيرًا أَوْ مِمَّنْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِبَلَدِهِمْ، وَلَا يُؤَخَّرُ حَتَّى يَرْجِعَ لِبَلَدِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا خِيفَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ بِبَلَدِهِمْ حُصُولُ مَفْسَدَةٍ فَإِنَّهُ يُؤَخَّرُ ذَلِكَ لِلرُّجُوعِ لِبَلَدِنَا لَا سِيَّمَا إنْ خِيفَ عِظَمُهَا قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَرُجِيَتْ) أَيْ قَبْلَ التَّخْرِيبِ وَالْقَطْعِ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ مِنْ وُجُوبِ التَّخْرِيبِ، وَمَا مَعَهُ إذَا كَانَ فِيهِ إنْكَاءٌ، وَلَمْ يُرْجَ بَقَاءُ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ وَالْعَقَارِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ النَّدْبِ فَهُوَ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَا يُفِيدُهُ) أَيْ لَا يُفِيدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ
(وَ) جَازَ (وَطْءُ أَسِيرٍ) مُسْلِمٍ (زَوْجَةً أَوْ أَمَةً) لَهُ أُسِرَتَا مَعَهُ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُمَا (سَلِمَتَا) مِنْ وَطْءِ الْكَافِرِ لَهُمَا؛ لِأَنَّ سَبْيَهُمْ لَا يَهْدِمُ نِكَاحَنَا وَلَا يُبْطِلُ مِلْكَنَا، وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ عَدَمَ الْحُرْمَةِ وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوهٌ خَوْفًا مِنْ بَقَاءِ ذُرِّيَّتِهِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ (وَ) جَازَ (ذَبْحُ حَيَوَانٍ) لَهُمْ عَجَزَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ قِيلَ الْمُرَادُ إزْهَاقُ رُوحِهِ لَا الذَّبْحُ الشَّرْعِيُّ (وَعَرْقَبَتُهُ) أَيْ قَطْعُ عُرْقُوبِهِ (وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ) وُجُوبًا لِلْإِرَاحَةِ مِنْ التَّعْذِيبِ (وَفِي) جَوَازِ إتْلَافِ (النَّحْلِ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ (إنْ كَثُرَتْ) نِكَايَةً لَهُمْ فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ (وَلَمْ يَقْصِدْ) بِالْإِتْلَافِ (عَسَلَهَا) أَيْ أَخْذَهُ وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْمُسْلِمُونَ بِإِتْلَافِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا فَيَجُوزُ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَكَرَاهَتُهُ (رِوَايَتَانِ) (وَحُرِقَ) الْحَيَوَانُ نَدْبًا بَعْدَ إتْلَافِهِ (إنْ أَكَلُوا الْمَيْتَةَ) أَيْ اسْتَحَلُّوا أَكْلَهَا فِي دِينِهِمْ، وَقِيلَ التَّحْرِيقُ وَاجِبٌ وَرَجَعَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ قَبْلَ فَسَادِهِ وَجَبَ التَّحْرِيقُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ عَدَمُ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ، وَقَدْ حَصَلَ (كَمَتَاعٍ) لَهُمْ أَوَلِمُسْلِمٍ (عَجَزَ عَنْ حَمْلِهِ) أَوْ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَيَتْلَفُ بِحَرْقٍ أَوْ غَيْرِهِ لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ.
(وَ) جَازَ لِلْإِمَامِ (جَعْلُ الدِّيوَانِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ دِيوَانًا لِطَائِفَةٍ يَجْمَعُهَا وَتُنَاطُ بِهِمْ أَحْكَامٌ وَالدِّيوَانُ بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الصَّحِيحِ اسْمٌ لِلدَّفْتَرِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ أَسْمَاءُ أَنْوَاعِ الْجُنْدِ الْمُجَاهِدِينَ
[حاشية الدسوقي]
إنَّمَا تَعَرَّضَ أَوَّلًا لِصُورَتَيْ الْجَوَازِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ حَمْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا التَّخْرِيبُ وَاَلَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْإِبْقَاءُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ نَصَّ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا هُوَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْوُجُوبَ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ مِنْ حَمْلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صُورَتَيْ الْجَوَازِ وَحَمْلِ قَوْلِهِ كَعَكْسِهِ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا بِغَيْرِ صَوَابٍ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَذَكَرَهُ فِي الْبَدْرِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَوَطْءُ أَسِيرٍ) أَيْ بِدَارِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُمَا سَلِمَتَا مِنْ وَطْءِ الْكَافِرِ) فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ فِي وَطْءِ الْكَافِرِ لَهُمَا بِأَنْ غَابَ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهُمَا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلَا تَصْدُقُ الْمَرْأَةُ فِي دَعْوَاهَا عَدَمَ وَطْءِ الْكَافِرِ لَهَا عِنْدَ الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا، وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنْ أَيْقَنَ أَنَّهُمَا سَلِمَتَا مِثْلُ تَيَقُّنِ السَّلَامَةِ ظَنُّ سَلَامَتِهِمَا مِنْ وَطْءِ السَّابِي فَيَجُوزُ وَطْؤُهُمَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِاسْتِبْرَاءٍ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ) أَيْ وَطْءُ الْأَسِيرِ لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ مَكْرُوهٌ (قَوْلُهُ: وَذَبْحُ حَيَوَانٍ إلَخْ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ حَمْلِ مَالِ الْكُفَّارِ أَوْ عَنْ حَمْلِ بَعْضِ مَتَاعِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُتْلِفُونَهُ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ الْعَدُوُّ، سَوَاءٌ الْحَيَوَانُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَاخْتُلِفَ مَاذَا يُتْلَفُ بِهِ الْحَيَوَانُ فَقَالَ الْمِصْرِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ تُعَرْقَبُ أَوْ تُذْبَحُ أَوْ يُجْهَزُ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ يُجْهَزُ عَلَيْهَا، وَكَرِهُوا أَنْ تُعَرْقَبَ أَوْ تُذْبَحَ.
اهـ. وَمِثْلُهُ لِلْبَاجِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ تَعْلَمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ هُنَا دَرَجَ عَلَى قَوْلِ الْمِصْرِيِّينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنَّ الْوَاوَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى أَوْ أَوَّلًا وَثَانِيًا كَمَا فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ اجْتِمَاعَ الثَّلَاثَةِ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا إذْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لَهُ حِينَئِذٍ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَقِبَ عَرْقَبَتِهِ غَيْرُ صَوَابٍ إذْ لَوْ كَانَ يُجْهِزُ عَلَيْهِ فَمَا فَائِدَةُ عَرْقَبَتِهِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَبَثٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ، وَيَجُوزُ الْإِجْهَازُ عَلَيْهِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى ذَبْحُ، وَإِنْ كَانَ تَغْيِيرُهُ الْأُسْلُوبَ يُشْعِرُ بِمَا قَالُوهُ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ مَا قُلْنَا لِيُطَابِقَ النَّقْلَ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: قِيلَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ مُكَرَّرًا مَعَ الْإِجْهَازِ عَلَيْهِ فَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّبْحِ الشَّرْعِيُّ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْصِدْ إلَخْ) جُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ) أَيْ اتِّفَاقًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ (قَوْلُهُ: وَكَرَاهَتُهُ إلَخْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ إنْ قَصَدَ بِإِتْلَافِهَا أَخْذَ عَسَلِهَا كَانَ إتْلَافُهَا جَائِزًا اتِّفَاقًا قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ أَخْذَ عَسَلِهَا فَإِنْ قَلَّتْ كُرِهَ إتْلَافُهَا اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَثُرَتْ فَرِوَايَتَانِ بِجَوَازِ إتْلَافِهَا وَكَرَاهَتِهِ، وَالصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ هِيَ صُورَةُ الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ إتْلَافِهِ) أَيْ بِالْإِجْهَازِ عَلَيْهِ أَوْ الْعَرْقَبَةِ أَوْ الذَّبْحِ، وَقَوْلُهُ: إنْ أَكَلُوا الْمَيْتَةَ أَيْ إنْ اسْتَحَلُّوا أَكْلَهَا، وَلَوْ ظَنًّا لِئَلَّا يَنْتَفِعُوا بِهِ فَإِنْ كَانُوا لَا يَسْتَحِلُّونَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لَمْ يُطْلَبْ التَّحْرِيقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا وَالْأَظْهَرُ طَلَبُ تَحْرِيقِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اسْتَحَلُّوا أَكْلَ الْمَيْتَةِ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ أَكْلِهِمْ لَهُ حَالَ الضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إلَخْ) هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ دِيوَانًا) أَيْ كَأَنْ يَجْعَلَ دَفْتَرًا تُكْتَبُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْعَسَاكِرِ الْمِصْرِيَّةِ أَوْ الشَّامِيَّةِ أَوْ الْحَلَبِيَّةِ إلَخْ، وَمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَطَاءِ الَّذِي يَجْعَلُهُ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (قَوْلُهُ: اسْمٌ لِلدَّفْتَرِ إلَخْ) أَيْ كَالدَّفْتَرِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أَسْمَاءُ عَسَاكِرِ مِصْرَ وَجُنْدِهَا الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ بِعَطَاءٍ أَيْ جَامَكِيَّةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُمْ أَنْوَاعُ عَرَبٍ وَإنْكِشَارِيَّةٌ وَجُمَلِيَّةٌ وَجَاوِيشِيَّةٌ وَمُتَفَرِّقَةٌ وَجَرَاكِسَةٌ وَاِسْبَاهِيَّةٌ، وَقَدْ كَتَبَ بِذَلِكَ الدَّفْتَرِ أَسْمَاءَ جُنْدِ كُلِّ نَوْعٍ مِمَّا ذَكَرَ، وَمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَسْكَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ الْمُعْتَادَةِ لِأَمْثَالِهِ وَأَمَّا أَخْذُهُ زِيَادَةً عَنْهَا فَيَحْرُمُ بِخِلَافِ مُرَتَّبِ تَدْرِيسٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ أَخْذُهُ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ إعْطَاؤُهُ لِلْمُتَّصِفِ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا دُونَ الدِّيوَانِ كَذَا فِي عبق وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّ لِلْعَسْكَرِ الْأَخْذَ
بِعَطَاءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (وَ) جَازَ (جُعْلٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ (مِنْ قَاعِدٍ) يَدْفَعُهُ (لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ) لِلْجِهَادِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُعْلُ هُوَ عَطَاءَ الْجَاعِلِ مِنْ الدِّيوَانِ أَوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ عِنْدِهِ (إنْ كَانَا) أَيْ الْجَاعِلُ وَالْخَارِجُ عَنْهُ (بِدِيوَانٍ) وَاحِدٍ أَيْ بِأَنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ عَطَاءٍ وَاحِدٍ كَدِيوَانِ مِصْرَ فَإِنَّهُ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُمْ كَمُتَفَرِّقَةٍ وَجَرَاكِسَةٍ وَجَاوِيشِيَّةٍ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَهْلُ دِيوَانٍ وَاحِدٍ، وَأَهْلُ الرُّومِ أَهْلُ دِيوَانٍ فَلَا يَخْرُجُ شَامِيٌّ عَنْ مِصْرِيٍّ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْخَرْجَةُ وَاحِدَةً وَلَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ شَخْصَ الْخَارِجِ، وَأَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ عِنْدَ حُضُورِ الْخَرْجَةِ أَيْ صَرْفِهَا لِأَهْلِ الدِّيوَانِ، وَالسَّهْمُ لِلْقَاعِدِ لَا لِلْخَارِجِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَهُمَا كَمَالٍ تَنَازَعَهُ اثْنَانِ فَتَأَمَّلْ.
(وَ) جَازَ (رَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ) وَحَارِسِ بَحْرٍ (بِالتَّكْبِيرِ) فِي حَرَسِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّهُ شِعَارُهُمْ، وَمِثْلُهُ رَفْعُهُ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ وَبِالتَّلْبِيَةِ، وَكَذَا التَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ الْوَاقِعُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ لَا الْمُنْفَرِدِ، وَالسِّرُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَوَجَبَ إنْ لَزِمَ مِنْ الْجَهْرِ التَّشْوِيشُ عَلَى الْمُصَلِّينَ أَوْ الذَّاكِرِينَ (وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) أَيْ التَّغَنِّي بِالتَّكْبِيرِ.
(وَ) جَازَ (قَتْلُ عَيْنٍ) أَيْ جَاسُوسٍ يَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْقُلُ أَخْبَارَهُمْ لِلْعَدُوِّ (وَإِنْ أَمِنَ) أَيْ دَخَلَ بِلَادَنَا بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ لَا يَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ عَيْنًا، وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ وَلَا يَجُوزُ عَقْدٌ عَلَيْهِ (وَالْمُسْلِمُ) الْعَيْنُ (كَالزِّنْدِيقِ) يُقْتَلُ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةٌ، وَإِنْ جَاءَ تَائِبًا قُبِلَتْ.
(وَ) جَازَ (قَبُولُ الْإِمَامِ) ، وَأَمِيرِ الْجَيْشِ (هَدِيَّتَهُمْ) إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ، لَا إنْ ضَعُفُوا وَأَشْرَفَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِهِمْ، وَقَصَدُوا تُوهِينَ الْمُسْلِمِينَ
[حاشية الدسوقي]
مِنْ جُعِلَ الدِّيوَانِ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِعَطَاءٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَطَاءٍ (قَوْلُهُ: وَجَازَ جُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ طَائِفَةً لِلْجِهَادِ وَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَخْرُجُ بَدَلًا عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَاحِدًا، وَذَكَرَ الشَّارِحُ ثَلَاثَةً (قَوْلُهُ: هُوَ عَطَاءُ الْجَاعِلِ) أَيْ جَامَكِيَّتُهُ الَّتِي يَأْخُذُهَا مِنْ الدِّيوَانِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا) سَوَاءٌ كَانَ قَدْرُ عَطَائِهِ مِنْ الدِّيوَانِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ لِكَوْنِهَا إجَارَةً مَجْهُولَةَ الْعَمَلِ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَقَعُ لِقَاءٍ أَمْ لَا، وَلَا كَمْ مُدَّةَ اللِّقَاءِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ إذَا كَانَا مِنْ دِيوَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَى الْآخَرِ فَخُرُوجُ الْمَجْعُولِ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْجُعْلِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَخْرُجْ (قَوْلُهُ: وَأَهْلُ الشَّامِ أَهْلُ دِيوَانٍ) أَيْ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُمْ الإنكشارية وَغَيْرُهُمْ (قَوْلُهُ: وَيَشْتَرِطُ أَيْضًا) أَيْ فِي جَوَازِ دَفْعِ الْجُعْلِ عَنْ الْقَاعِدِ لِمَنْ يَخْرُجُ بَدَلًا عَنْهُ أَنْ تَكُونَ الْخَرْجَةُ أَيْ لِلْجِهَادِ بَدَلًا عَنْهُ الَّتِي يُجَاعِلُهُ عَلَيْهَا وَاحِدَةً كَأُجَاعِلُك بِكَذَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ بَدَلًا عَنِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَّا لَوْ تَقَاعَدَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا حَصَلَ الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ خَرَجَ نَائِبًا عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ فَالْمُرَادُ بِالْخَرْجَةِ الْمَرَّةُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ وَكَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعَيِّنْ الْإِمَامُ شَخْصَ الْخَارِجِ) الْأَوْلَى شَخْصَ الْقَاعِدِ أَيْ، وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ بِالْوَصْفِ كَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَخْرُجُ مِنْ الْجَاوِيشِيَّةِ بِمِصْرَ أَوْ مِنْ الإنكشارية مِائَةٌ فَيَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ تَعْيِينِهِ بِالشَّخْصِ أَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ بَدَلًا، وَيَقْعُدَ وَكَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: يَخْرُجُ أَصْحَابُ فُلَانٍ أَوْ أَهْلُ النَّوْبَةِ الصَّيْفِيَّةِ أَوْ الشَّتْوِيَّةِ فَيَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَنِيبَ فَإِنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ بِالشَّخْصِ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الْجُعْلُ) أَيْ دَفْعُهُ لِلْخَارِجِ بَدَلًا عَنْهُ عِنْدَ حُضُورِ الْخَرْجَةِ أَيْ عِنْدَ صَرْفِ الْجَامِكِيَّةِ لِأَهْلِ الدِّيوَانِ (قَوْلُهُ: وَالسَّهْمُ) أَيْ مِنْ الْغَنِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ رَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ) ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَانَ الْمُرَابِطُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً كَانَ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَوْ لَا وَاَلَّذِي فِي الْمَدْخَلِ أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْمُرَابِطُ جَمَاعَةً، وَكَانَ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا كُرِهَ لَهُ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُرَابِطُ جَمَاعَةً وَكَانَ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: فِي حَرَسِهِمْ) أَيْ فِي أَمَاكِنِ حَرَسِهِمْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا التَّهْلِيلُ) أَيْ أَنَّ مِثْلَ التَّكْبِيرِ فِي نَدْبِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ التَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ الْوَاقِعُ عَقِبَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ) هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ وَلِمَا مَاثَلَهُ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَالسِّرُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرَ مِنْ تَكْبِيرِ الْمُرَابِطِ وَالْعِيدِ وَالتَّلْبِيَةِ وَتَسْبِيحِ الْجَمَاعَةِ وَتَهْلِيلِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ أَيْ مِنْ الْجَهْرِ وَأَمَّا مَا ذَكَرَ فَالْجَهْرُ فِيهِ أَفْضَلُ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَازُ هُنَا بِرُجْحَانِيَّةٍ عَلَى الصَّوَابِ لَا بِمَرْجُوحِيَّةٍ خِلَافًا لعبق (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ) أَيْ إسْرَارُ الْمُرَابِطِ بِالتَّكْبِيرِ، وَإِسْرَارُ الْجَمَاعَةِ بِالتَّسْبِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ قَتْلُ عَيْنٍ) أَيْ كَافِرٍ قَالَ سَحْنُونٌ مَا لَمْ يَرَ الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ اسْتِرْقَاقَهُ لَا يَدْفَعُ إذَايَتَهُ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَمِنَ) أَيْ هَذَا إذَا لَمْ يُؤْمَنْ بِأَنْ دَخَلَ بِلَادَنَا بِلَا أَمَانٍ مُسْتَخْفِيًا وَصَارَ عَيْنًا بَلْ وَإِنْ أَمِنَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ عَقْدٌ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانِ عَلَى التَّجَسُّسِ فَضَمِيرُ عَلَيْهِ لِوَصْفِ الشَّخْصِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ قَبُولُ الْإِمَامِ) أَيْ فِي حَالَةِ الْجِهَادِ، وَقِيَامِ الْحَرْبِ (قَوْلُهُ: لَا إنْ ضَعُفُوا إلَخْ) أَيْ فَلَا تُقْبَلُ حِينَئِذٍ لَكِنْ مَعَ الْعَمَلِ بِمَا قَصَدُوهُ، وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِنْ قَبُولِهَا كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا
(وَهِيَ) أَيْ الْهَدِيَّةُ (لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ يَخْتَصُّ بِهَا (إنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ) مِنْهُمْ لَهُ (لِكَقَرَابَةٍ) أَوْ صَدَاقَةٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ وَسَوَاءٌ دَخَلَ بَلَدَ الْعَدُوِّ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَتْ لَا لِكَقَرَابَةٍ فَهِيَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِلَا تَخْمِيسٍ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِلَادَهُمْ، وَإِلَّا فَغَنِيمَةٌ تُخَمَّسُ (وَ) هِيَ (فَيْءٌ) تُرْصَدُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا تَخْمِيسٍ (إنْ) (كَانَتْ) الْهَدِيَّةُ لِلْإِمَامِ (مِنْ الطَّاغِيَةِ) أَيْ مَلِكِهِمْ (إنْ لَمْ يَدْخُلْ) الْإِمَامُ (بَلَدَهُ) أَيْ إقْلِيمَهُ كَانَتْ لِكَقَرَابَةٍ أَمْ لَا فَإِنْ دَخَلَهَا فَغَنِيمَةٌ لِلْجَيْشِ تُخَمَّسُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْهَدِيَّةِ لِلْإِمَامِ كَمَا هُوَ صَرِيحُهُ فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَهِيَ لَهُ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ لِكَقَرَابَةٍ أَوْ لَا دَخَلَ الْإِمَامُ بِلَادَهُمْ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ لَهُ كَلِمَةٌ وَجَاءَ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْإِمَامِ.
(وَ) جَازَ (قِتَالُ رُومٍ) ، وَهُمْ الْإِفْرِنْجُ (وَتُرْكٍ) فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى مَنْ ذَكَرَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ حَدِيثَ اُتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ أَوْ اُتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِرْشَادِ، وَأَنَّ قِتَالَ غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْلَى، وَفِي نُسْخَةٍ نَوْبٍ بَدَلُ رُومٍ، وَيُرَادُ بِهِمْ الْحَبَشَةُ وَإِنْ كَانَ النَّوْبُ غَيْرَهُمْ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ الصَّوَابُ لِمُوَافَقَتِهَا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، وَأَمَّا الرُّومُ فَلَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَنْ قِتَالِهِمْ حَتَّى يَعْتَنِي بِالنَّصِّ عَلَيْهِمْ (وَ) جَازَ (احْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (بِقُرْآنٍ) إنْ أَمِنَ سَبَّهُمْ لَهُ أَوْ لِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا حَرُمَ وَالْمُرَادُ تِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ (وَبَعْثُ كِتَابٍ) لَهُمْ (فِيهِ كَالْآيَةِ) وَالْآيَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ إنْ أَمِنَ السَّبَّ وَالِامْتِهَانَ.
(وَ) جَازَ (إقْدَامُ الرَّجُلِ) الْمُسْلِمِ (عَلَى كَثِيرٍ) مِنْ الْكُفَّارِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) قَصْدُهُ (لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً) بَلْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) ، وَأَنْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
(وَ) جَازَ (انْتِقَالٌ مِنْ) سَبَبِ (مَوْتٍ لِآخَرَ) كَحَرْقِهِمْ سَفِينَةً إنْ اسْتَمَرَّ فِيهَا هَلَكَ، وَإِنْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ هَلَكَ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: وَهِيَ لَهُ إلَخْ) حَاصِلُ صُوَرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْمُهْدِي إمَّا الطَّاغِيَةُ أَوْ بَعْضُ جُنْدِهِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا لِكَقَرَابَةٍ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا قَبْلَ دُخُولِ بَلَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ وَالْمُهْدَى لَهُ إمَّا الْإِمَامُ أَوْ بَعْضُ جُنْدِهِ فَإِنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لِلْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ الطَّاغِيَةِ فَهِيَ لِلْإِمَامِ إنْ كَانَتْ لِكَقَرَابَةٍ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ بَلَدِ الْعَدُوِّ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ قَرَابَةٍ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ بَلَدِهِمْ فَفَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدُ فَغَنِيمَةٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِلْإِمَامِ مِنْ الطَّاغِيَةِ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ دُخُولِ بَلَدِهِمْ فَفَيْءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدُ فَغَنِيمَةٌ وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِكَقَرَابَةٍ أَمْ لَا فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ فَهِيَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الطَّاغِيَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِكَقَرَابَةٍ أَوْ لَا بَعْدَ دُخُولِ بَلَدِهِمْ أَوْ قَبْلَهُ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى مَنْ ذَكَرَ) أَيْ عَلَى جَوَازِ قِتَالِ مِنْ ذَكَرَ دُونَ غَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ غَيْرَهُمْ كَالْحَبَشَةِ وَالْقِبْطِ وَالزِّنْجِ كَذَلِكَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى الْإِرْشَادِ) أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِرْشَادِ لِمَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا لِلْإِهَانَةِ نَحْوَ ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: 50] فَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرْشَدَنَا وَدَلَّنَا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَتْرُكَ مُقَاتَلَتَهُمْ وَنَشْتَغِلَ بِمُقَاتَلَةِ غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى لِقُوَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّرْكُ وَاجِبًا عَلَيْنَا، وَإِذَا كَانَ تَرْكُ مُقَاتَلَتِهِمْ جَائِزًا كَانَ قِتَالُهُمْ جَائِزًا كَمَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ النُّوَبُ غَيْرَهُمْ فِي الْأَصْلِ) أَيْ؛ لِأَنَّ النُّوَبَ فِي الْأَصْلِ صِنْفٌ مِنْ السُّودَانِ (قَوْلُهُ: لِمُوَافَقَتِهَا الْحَدِيثَ) أَيْ وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ قِتَالِ الرُّومِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِمْ بِخِلَافِ الْحَبَشَةِ فَقَدْ قِيلَ بِمَنْعِ قِتَالِهِمْ هُمْ وَالتُّرْكُ.
(تَنْبِيهٌ) الرُّومُ أَوْلَادُ رُومِ بْنِ عِيصُوِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ سُمُّوا بِاسْمِ أَبِيهِمْ، وَهُمْ الَّذِينَ تُسَمِّيهِمْ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ بِالْإِفْرِنْجِ، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ كَالْإِنْجِلِيزِ وَالْفِرِنْسِيسِ وَدِبْرَهْ وَنِيمْسَهْ وَمَوْسَقَهْ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا التُّرْكُ فَهُمْ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنْ أَوْلَادِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ تُرِكُوا مِنْ يَأْجُوجَ، وَمَأْجُوجَ خَلْفَ السَّدِّ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا تَوَلَّدَ لِسَانُهُمْ مِنْ الْفَارِسِيِّ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْعَرَبِيِّ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا حُرِّمَ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ السَّبِّ نَافِعًا، وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي بْن خِلَافًا لِمَا فِي عبق مِنْ الْجَوَازِ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ) أَيْ بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ تِلَاوَتُهُ عَلَيْهِمْ أَيْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَظْهَرِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ لَا إلَى الشَّرْطِ كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُهُ.
اهـ بْن (قَوْلُهُ: وَإِنْ يَظُنَّ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَوَازَ إقْدَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْكَثِيرِ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَأَنْ يَظُنَّ تَأْثِيرَهُ فِيهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ لِلْكَمَالِ لِمَا يَأْتِي مِنْ جَوَازِ الِافْتِخَارِ فِي الْحَرْبِ فَمَفْهُومُهُ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ خش مِنْ الْحُرْمَةِ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ تَأْثِيرَهُ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ وَلَوْ عَلِمَ ذَهَابَ نَفْسِهِ كَمَا فِي عبق، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَنْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] .
(قَوْلُهُ: مِنْ سَبَبِ إلَخْ) إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ سَبَبًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ وَالتَّعَدُّدُ إنَّمَا هُوَ فِي أَسْبَابِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: وَإِنْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ هَلَكَ) أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ طَرْحُ نَفْسِهِ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ
(وَوَجَبَ) الِانْتِقَالُ (إنْ رَجَا) بِهِ (حَيَاةً أَوْ طُولَهَا) ، وَلَوْ حَصَلَ لَهُ مَعَهَا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْتِ لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ قَوْلَهُ (كَالنَّظَرِ) مِنْ الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ (فِي الْأَسْرَى) قَبْلَ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ (بِقَتْلٍ) ، وَيُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ (أَوْ مَنٍّ) بِأَنْ يُتْرَكَ سَبِيلُهُمْ، وَيُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ (أَوْ فِدَاءٍ) مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا بِالْأَسْرَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَوْ بِمَالٍ (أَوْ) ضَرْبِ (جِزْيَةٍ) عَلَيْهِمْ، وَيُحْسَبُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا (أَوْ اسْتِرْقَاقٍ) ، وَيَرْجِعُ لِلْغَنِيمَةِ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْفِدَاءُ (وَلَا يَمْنَعُهُ) أَيْ الِاسْتِرْقَاقَ (حَمْلٌ) لِأَمَةٍ (بِمُسْلِمٍ) كَأَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمٌ كِتَابِيَّةً حَرْبِيَّةً بِبَلَدِ الْحَرْبِ ثُمَّ تُسْبَى حَامِلًا أَوْ يَتَزَوَّجُ كَافِرٌ كَافِرَةً وَيُسْلِمُ ثُمَّ تُسْبَى حَامِلًا، وَقَدْ أَحْبَلَهَا حَالَ كُفْرِهِ أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَهِيَ رَقِيقَةٌ لِسَابِيهَا، وَالْحَمْلُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ مُسْلِمٌ، وَأَمَّا رِقُّهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَرِقٌّ) كَأَمَةٍ (إنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ) أَيْ فِي حَالَ كُفْرِ أَبِيهِ ثُمَّ أَسْلَمَ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْوُسْطَى لَا إنْ حَمَلَتْ بِهِ حَالَ إسْلَامِ أَبِيهِ كَمَا فِي الطَّرَفَيْنِ فَحُرٌّ.
(وَ) وَجَبَ لَهُمْ (الْوَفَاءُ بِمَا) أَيْ بِالشَّرْطِ الَّذِي (فَتَحَ لَنَا) الْحِصْنَ أَوْ الْقَلْعَةَ أَوْ الْبَلَدَ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِهِ (بَعْضُهُمْ) كَأَفْتَحُ لَكُمْ عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ عَلَى أَهْلِي أَوْ عَلَى عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِي أَوْ بَنِي فُلَانٍ، وَيَكُونُ هُوَ آمِنًا مَعَ مَنْ طَلَبَ لَهُ الْأَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِأَحَدٍ إلَّا مَعَ طَلَبِهِ لِنَفْسِهِ (وَ) وَجَبَ الْوَفَاءُ (بِأَمَانِ الْإِمَامِ) (مُطْلَقًا) بِبَلَدِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ سَلَاطِينِ الْمُسْلِمِينَ أَمَّنَهُ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ كَانَ الْأَمَانُ لِإِقْلِيمٍ أَوْ عَدَدٍ مَحْصُورٍ (كَالْمُبَارِزِ) يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا شَرَطَهُ مِنْ الْقِتَالِ (مَعَ قِرْنِهِ) بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُكَافِئُ لَهُ فِي الشَّجَاعَةِ رَاجِلَيْنِ أَوْ رَاكِبَيْنِ فَرَسَيْنِ أَوْ بَعِيرَيْنِ بِسَيْفٍ أَوْ خِنْجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (وَإِنْ أُعِينَ) الْقِرْنُ الْكَافِرُ (بِإِذْنِهِ قُتِلَ) الْمُعَانُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْمُعِينِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ قُتِلَ الْمُعِينُ فَقَطْ.
(وَ) جَازَ (لِمَنْ) (خَرَجَ) لِلْمُبَارَزَةِ (فِي) جُمْلَةِ (جَمَاعَةٍ) مُسْلِمِينَ (لِمِثْلِهَا) مِنْ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ شَخْصٍ لِآخَرَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَكِنْ عِنْدَ الْقِتَالِ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقِرْنٍ (إذَا فَرَغَ) الْمُسْلِمُ (مِنْ قِرْنِهِ الْإِعَانَةُ) لِغَيْرِهِ عَلَى قِرْنِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْجَمْعَ مُقَابِلٌ لِلْجَمْعِ (وَأُجْبِرُوا) أَيْ أَهْلُ الْحِصْنِ
[حاشية الدسوقي]
مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ أَيْ يَعْلَمَ أَنَّهُ إنْ مَكَثَ مَاتَ حَالًا، وَإِنْ رَمَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ مَاتَ حَالًا، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ نَزَلَ الْبَحْرَ مَكَثَ حَيًّا وَلَوْ دَرَجَةً، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَإِنْ مَكَثَ مَاتَ حَالًا وَجَبَ عَلَيْهِ النُّزُولُ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَوَجَبَ إنْ رَجَا حَيَاةً إلَخْ (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الِانْتِقَالُ) أَيْ مِنْ سَبَبِ الْمَوْتِ لِسَبَبٍ آخَرَ، وَقَوْلُهُ: إنْ رُجِيَ بِهِ أَيْ بِالِانْتِقَالِ بِمَعْنَى الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الرَّجَاءُ عَلَى جِهَةِ الشَّكِّ (قَوْلُهُ: وَيُحْسَبُ) أَيْ قِيمَةُ الْأَسِيرِ الْمَقْتُولِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَضِيعُ عَلَى الْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُتْرَكُ سَبِيلُهُمْ) أَيْ مَجَّانًا مِنْ غَيْرِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُمْ لَا عَاجِلًا، وَلَا آجِلًا (قَوْلُهُ: وَيُحْسَبُ) أَيْ مَنْ مَنَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَأَعْتَقَهُ مِنْ الْخُمُسِ الَّذِي لِبَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِدَاءٍ مِنْ الْخُمُسِ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَحْصُلُ الْفِدَاءُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ وَيَضُمُّهُ لِلْغَنِيمَةِ، أَوْ يَحْصُلُ الْفِدَاءُ بِرَدِّ الْأَسْرَى الَّذِينَ عِنْدَهُمْ وَحِينَئِذٍ فَيُحْسَبُ الْقَدْرُ الَّذِي يُفَكُّ بِهِ الْأَسْرَى مِنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ.
(قَوْلُهُ: وَيُحْسَبُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِمْ) أَيْ، وَيُحْسَبُ قِيمَةُ الْأَسْرَى الَّذِينَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ مِنْ الْخُمُسِ أَيْضًا وَالْجِزْيَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ مَحَلُّهَا بَيْتُ الْمَالِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تُحْسَبُ مِنْ الْخُمُسِ هُوَ مَا نَقَلَهُ ح عَنْ اللَّخْمِيِّ وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
اُنْظُرْ بْن (قَوْلُهُ: وَأَمَّا رِقُّهُ) أَيْ رِقُّ الْحَمْلِ.
(قَوْلُهُ: فَحُرٌّ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا مِلْكَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لَا سَابِي أُمِّهِ وَلَا غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: بِبَلَدٍ إلَخْ) أَيْ كَانَ ذَلِكَ الْإِمَامُ حِينَ أَعْطَى الْأَمَانَ لِلْحَرْبِيِّ فِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِهِ أَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ سُلْطَانٍ آخَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: أَمِنَهُ) أَمِنَ الْإِمَامُ الْحَرْبِيَّ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كَنَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ عَدَدٌ مَحْصُورٌ) أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَمَانُ بَعْدَ الْفَتْحِ أَوْ قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: كَالْمُبَارِزِ) أَيْ فَإِذَا بَرَزَ لِلْمَيْدَانِ وَاحِدٌ مِنْ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبَ أَنَّ قَرِينَهُ فُلَانٌ الْكَافِرُ يَبْرُزُ لَهُ فَقَالَ ذَلِكَ الْكَافِرُ بِشَرْطِ أَنْ نُقَاتِلَ مَاشِيَيْنِ أَوْ رَاكِبَيْنِ عَلَى خَيْلٍ أَوْ إبِلٍ أَوْ نَتَقَاتَلُ بِالسُّيُوفِ أَوْ الرِّمَاحِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَفِّيَ لِقِرْنِهِ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُبَارِزِ الْقَتْلَ مِنْ قِرْنِهِ الْكَافِرِ فَنَقَلَ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُعَانُ بِوَجْهٍ لِأَجْلِ الشَّرْطِ وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ إعَانَةُ الْمُسْلِمِ وَدَفْعِ الْمُشْرِكِ عَنْهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ مُبَارَزَتَهُ عَهْدٌ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ قَالَ الْمَوَّاقُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلْجَ الْمُكَافِئَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْسِرَهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا إنْقَاذُهُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفْعُهُ عَنْهُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ كَمَا فِي الْبِسَاطِيِّ (قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْقَافِ) أَيْ وَجَمْعُهُ أَقْرَانٌ وَقَوْلُهُ: الْمُكَافِئُ أَيْ الْمُمَاثِلُ (قَوْلُهُ: فِي الشُّجَاعَةِ) أَيْ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ الْبَطْشِ وَالْقِتَالِ، وَأَمَّا الَّذِي يُقَارِنُك فِي سِنِّك فَهُوَ قَرْنٌ بِالْفَتْحِ وَقَرِينٌ وَجَمْعُهُ قُرَنَاءُ كَمَا فِي الْمَشَارِقِ (قَوْلُهُ: قُتِلَ الْمُعِينُ فَقَطْ) أَيْ وَتُرِك الْمُعَانُ لِمُبَارِزِهِ يَتَقَاتَلَانِ حَتَّى يَحْصُلَ مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ مُبَارَزَتُهُ عَهْدٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ إلَّا مَنْ بَارَزَهُ فَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ أَعَانَهُ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ حُمِلَ عَلَى الْإِذْنِ إنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا رَاطَنَهُ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ فَجَاءَ عَقِبَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ.
(قَوْلُهُ: وَأُجْبِرُوا أَيْ أَهْلُ الْحِصْنِ إلَخْ)
أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ مَنْ قَدِمَ بِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ إذَا نَزَلُوا بِأَمَانٍ (عَلَى) مُقْتَضَى (حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إنْ كَانَ) مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ (عَدْلًا) فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ مِنْ تَأْمِينٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلَ شَهَادَةٍ فَيَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالصَّغِيرَ كَذَا قِيلَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَدْلُ الشَّهَادَةِ فَغَيْرُهُ مِنْ صَغِيرٍ وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا إلَخْ (وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ) لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ إذَا أَنْزَلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ فَحَكَمَ بِالْقَتْلِ أَوْ الْأَسْرِ أَوْ بِضَرْبِ جِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَلَا يُرَدُّونَ لِمَأْمَنِهِمْ إنْ أَبَوْا (وَإِلَّا) بِأَنْ انْتَفَى الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا (نَظَرَ الْإِمَامُ) فِيمَا حَكَمَ بِهِ إنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَتَوَلَّى الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَرُدُّهُمْ لِمَأْمَنِهِمْ ثُمَّ شَبَّهَ فِي نَظَرِ الْإِمَامِ قَوْلَهُ: (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْإِمَامِ (إقْلِيمًا) أَيْ عَدَدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدَ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَمَّنَ غَيْرُ الْإِمَامِ دُونَ إقْلِيمٍ بِأَنْ أَمَّنَ عَدَدًا مَحْصُورًا أَوْ وَاحِدًا (فَهَلْ يَجُوزُ) ابْتِدَاءً، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِيهِ خِيَارٌ (وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (أَوْ) لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ (يُمْضَى) إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ ثُمَّ الْجَوَازُ ابْتِدَاءً أَوْ مُضِيُّهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمَانِ الْوَاقِعِ (مِنْ مُؤَمِّنٍ مُمَيِّزٍ) وَالْأَوْلَى حَذْفُ مُؤَمِّنٍ (وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ رِقًّا أَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ لَا) إنْ كَانَ الْمُؤَمِّنُ (ذِمِّيًّا أَوْ خَائِفًا مِنْهُمْ) حَالَ عَقْدِ الْأَمَانِ فَلَا يَمْضِي؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى سُوءِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَخَوْفَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ (تَأْوِيلَانِ) رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ لَا، وَلَوْ قَدَّمَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ، وَلَوْ صَغِيرًا يَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْبَالِغُ فِيهِ الْخِلَافُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَلَوْ قَالَ مِنْ صَغِيرٍ مُمَيِّزٍ إلَخْ كَانَ أَحْسَنَ.
(وَسَقَطَ الْقَتْلُ) لِتَأْمِينِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا أَمْضَاهُ (وَلَوْ) وَقَعَ الْأَمَانُ (بَعْدَ الْفَتْحِ) ، وَكَذَا يَسْقُطُ غَيْرُهُ مِنْ جِزْيَةٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ فِدَاءٍ
[حاشية الدسوقي]
أَيْ أَنَّهُ إذَا حَاصَرَ الْجَيْشُ حِصْنًا، وَأَرَادُوا قَتْلَ مَنْ فِيهِ فَقَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ نَنْزِلُ لَكُمْ مِنْهُ عَلَى حُكْمِ فُلَانٍ أَوْ رَاضِينَ بِحُكْمِ فُلَانٍ فِينَا الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْجَيْشِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إنْزَالُهُمْ مِنْ الْحِصْنِ أَوْ الْقَلْعَةِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ بَلْ عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ إذَا كَانُوا مُتَرَجِّينَ أَنَّ فُلَانًا يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمٍ هَيِّنٍ كَفِدَاءٍ فَلَمَّا نَزَلُوا حَكَمَ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ أَوْ الْأَسْرِ لِمَا رَآهُ مِنْ
الْمَصْلَحَةِ
أُجْبِرُوا عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمْ بَعْدَ نُزُولِهِمْ وَحُكْمُ فُلَانٍ فِيهِمْ لَا نَرْضَى بِحُكْمِهِ لِأَنَّنَا كُنَّا نَظُنُّ أَنَّهُ يَرْأَفُ بِنَا فَوَجَدْنَاهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ قَدِمَ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا قَدِمَ بِلَادَنَا حَرْبِيُّونَ بِتِجَارَةٍ وَطَلَبُوا الدُّخُولَ بِأَمَانٍ، وَقَالُوا نَرْضَى بِمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْنَا فُلَانٌ مِنْ أَخْذِ مَا يُرْضِيهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَإِذَا دَخَلُوا، وَقَالَ حَكَمْت بِالْعُشْرِ فَأَبَوْا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ فُلَانٌ مِنْ أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَذَا قِيلَ) أَيْ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ الْعَدَالَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ حَاكِمٍ وَهِيَ لَا تَتَجَزَّأُ فَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ عَدْلًا فِيمَا حَكَّمُوهُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاكِمُ عَامًّا أَوْ خَاصًّا وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ عَدْلُ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الْحُرُّ الذَّكَرُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ السَّالِمُ مِنْ الْفِسْقِ.
اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ) أَيْ فَإِذَا أَمَّنَ غَيْرُ الْإِمَامِ إقْلِيمًا وَجَبَ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ وَتَوَلَّى الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَ الْإِقْلِيمِ مِنْ خَصَائِصِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدَ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ) أَيْ الَّتِي هِيَ الْهِنْدُ وَالْحِجَازُ، وَمِصْرُ وَبَابِلُ وَالرُّومُ وَالتُّرْكُ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَالصِّينُ وَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالشَّامُ فَمِنْ مِصْرَ بِدَلِيلِ اتِّحَادِ الدِّيَةِ وَالْمِيقَاتِ وَالْيَمَنُ وَالْحَبَشَةُ مِنْ الْحِجَازِ، وَكُلُّ إقْلِيمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقَالِيمِ سَبْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي مِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْسَبَ مِنْ ذَلِكَ جَبَلٌ، وَلَا وَادٍ وَالْبَحْرُ الْأَعْظَمُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ، وَمُحِيطٌ بِهِ بِجَبَلِ قَافٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى حَذْفُ مُؤَمِّنٍ) هَذَا إذَا جُعِلَ مُؤَمِّنٌ مَأْخُوذًا مِنْ الْأَمَانِ أَوْ مِنْ التَّأْمِينِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الْإِيمَانِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: لَا ذِمِّيًّا مُحْتَرَزُهُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى مِنْ مُؤْمِنٍ؛ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الْحَالِ (قَوْلُهُ: تَأْوِيلَانِ) سَبَبُهُمَا قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ قَوْلُ مَالِكٍ أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَا عِنْدِي أَمَانُ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْأَمَانَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالِاجْتِهَادِ ابْنُ يُونُسَ، جَعَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافًا وَجَعَلَهُ غَيْرُهُ وِفَاقًا فَقَوْلُهُ أَمَانُهَا جَائِزُ أَرَادَ بِالْجَوَازِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا إبَاحَةَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً (قَوْلُهُ: وَلَوْ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَعَدَمُ الْخَوْفِ مِنْهُمْ إذَا أَعْطَى أَمَانًا كَانَ كَأَمَانِ الْإِمَامِ فِي الْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَلَا يَتَعَقَّبُ وَلَوْ كَانَ خَسِيسًا لَا يُسْأَلُ عَنْهُ إذَا غَابَ وَلَا يُشَاوَرُ إنْ حَضَرَ وَلَوْ كَانَ خَارِجًا عَلَى الْإِمَامِ، فَإِنْ وَقَعَ الْأَمَانُ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ أُنْثَى فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنْ صَدَرَ مِنْ كَافِرٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، أَوْ مِنْ خَائِفٍ مِنْهُمْ كَانَ غَيْرَ مُنْعَقِدٍ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الصَّغِيرِ) أَيْ فِي جَوَازِهِ ابْتِدَاءً، وَعَدَمُ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً بَلْ إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ مَضَى وَإِنْ رَدَّهُ رُدَّ.
(قَوْلُهُ: إذَا أَمْضَاهُ) هَذَا شَرْطٌ فِيمَا يَحْتَاجُ لِإِمْضَاءٍ كَتَأْمِينِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَكَتَأْمِينِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْبَالِغِ إقْلِيمًا أَمَّا تَأْمِينُ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْبَالِغِ الْمُسْلِمِ الْعَدَدَ الْمَحْصُورَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْقَتْلُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إمْضَاءِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مَاضٍ عَلَى نَفْسِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ)
إنْ وَقَعَ قَبْلَهُ فَالْأَمَانُ بَعْدَ الْفَتْحِ لَا يُسْقِطُ إلَّا الْقَتْلُ وَلِلْإِمَامِ النَّظَرُ فِي بَقِيَّةِ الْأُمُورِ، وَقَبْلَهُ عَامٌ فِي إسْقَاطِ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الْأَمَانُ مِنْ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ يَكُونُ (بِلَفْظٍ) عَرَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ إشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) أَيْ يَفْهَمُ الْحَرْبِيُّ مِنْهَا الْأَمَانَ وَإِنْ قَصَدَ الْمُسْلِمُ بِهَا ضِدَّهُ، وَيَثْبُتُ الْأَمَانُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ بِبَيِّنَةٍ لَا بِقَوْلِ الْمُؤَمِّنِ كُنْتُ أَمَّنْتُهُمْ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، ثُمَّ شَرَطَ الْأَمَانَ (إنْ لَمْ يَضُرَّ) بِالْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ اسْتَوَتْ الْمَصْلَحَةُ وَعَدَمُ الضَّرَرِ فَإِنْ أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ وَجَبَ رَدُّهُ (وَإِنْ ظَنَّهُ) أَيْ ظَنَّ الْأَمَانَ (حَرْبِيٌّ) مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ لَهُ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ الْمُؤَمِّنُ كَأَنْ خَاطَبَ مُسْلِمٌ صَاحِبَهُ أَوْ خَاطَبَ حَرْبِيًّا بِكَلَامٍ فَظَنَّهُ الْحَرْبِيُّ أَمَانًا (فَجَاءَ) مُعْتَمِدًا عَلَى ظَنِّهِ (أَوْ) (نَهَى) الْإِمَامُ (النَّاسَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ التَّأْمِينِ (فَعَصَوْا) نَهْيَهُ، وَأَمَّنُوا (أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا) أَيْ لَمْ يَعْلَمُوا نَهْيَهُ.
(أَوْ) (جَهِلَ) الْحَرْبِيُّ (إسْلَامَهُ) أَيْ إسْلَامَ الْمُؤَمِّنِ لَهُ بِأَنْ أَمَّنَهُ ذِمِّيٌّ فَاعْتَقَدَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ (لَا) إنْ عَلِمَ أَنَّهُ ذِمِّيٌّ وَجَهِلَ (إمْضَاءَهُ) بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ أَمَانَهُ مَاضٍ كَأَمَانِ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ فَلَا يُمْضَى، وَهُوَ فَيْءٌ (أُمْضِيَ) الْأَمَانُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ (أَوْ رُدَّ) الْحَرْبِيُّ (لِمَحَلِّهِ) أَيْ لِمَحَلِّ التَّأْمِينِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُ (وَإِنْ) (أُخِذَ) الْحَرْبِيُّ حَالَ كَوْنِهِ (مُقْبِلًا) إلَيْنَا (بِأَرْضِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِأُخِذَ (وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ) مِنْكُمْ (أَوْ) أُخِذَ (بِأَرْضِنَا) ، وَمَعَهُ تِجَارَةٌ (وَقَالَ) لَنَا إنَّمَا دَخَلْت أَرْضَكُمْ بِلَا أَمَانٍ لِأَنِّي (ظَنَنْت أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ أَوْ) أُخِذَ (بَيْنَهُمَا) ، وَقَالَ جِئْت أَطْلُبُ الْأَمَانَ (رُدَّ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ (لِمَأْمَنِهِ) أَيْ لِمَحَلِّ أَمْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَا أَسْرُهُ، وَلَا أَخْذُ مَالِهِ.
(وَإِنْ) (قَامَتْ قَرِينَةٌ) عَلَى صِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ (فَعَلَيْهَا) الْعَمَلُ فَإِنْ قَامَتْ عَلَى كَذِبِهِ رَأَى الْإِمَامُ فِيهِ رَأْيَهُ مِنْ قَتْلٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَإِنْ رُدَّ) مُؤَمَّنٌ تَوَجَّهَ لِبَلَدِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ لَهَا (بِرِيحٍ فَعَلَى أَمَانِهِ) الْأَوَّلِ لَا يُعْتَرَضُ لَهُ (حَتَّى يَصِلَ) لِبَلَدِهِ أَوْ لِمَأْمَنِهِ فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ وُصُولِهِ لَهَا، فَقِيلَ فَيْءٌ، وَقِيلَ إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا، وَقِيلَ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي رَدِّهِ وَإِنْزَالِهِ.
(وَإِنْ) (مَاتَ) الْمُسْتَأْمِنُ (عِنْدَنَا فَمَالُهُ) وَدِيَتُهُ إنْ قُتِلَ (فَيْءٌ) فِي بَيْتِ الْمَالِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) بِبَلَدِنَا (وَارِثٌ) فَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ فِي دِينِهِمْ وَلَوْ ذَا رَحِمٍ فَمَالُهُ لَهُ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَمْ لَا
[حاشية الدسوقي]
وَأَوْلَى بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى فَتْحِ الْحِصْنِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ عَلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ لَا يَجُوزُ لِمُؤَمِّنِهِ قَتْلُهُ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ أَمَانِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مُؤَمِّنِهِ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ بِالتَّأْمِينِ بَعْدَ الْفَتْحِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُؤَمِّنِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَيْسَ لَهُ اتِّفَاقًا كَذَا فِي التَّوْضِيحِ وح، وَمُقْتَضَى نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي تَأْمِينِ غَيْرِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا تَأْمِينُ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ الْقَتْلُ اتِّفَاقًا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: إنْ وَقَعَ) أَيْ الْأَمَانُ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ إلَخْ) كَفَتْحِنَا لَهُمْ الْمُصْحَفَ وَحَلِفِنَا أَنْ نَقْتُلَهُمْ فَظَنُّوا ذَلِكَ أَمَانًا، وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا أَمَانًا أَنَّهُ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ لَكِنْ يُخَيِّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ إمْضَائِهِ وَرَدِّهِ لِمَأْمَنِهِ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الْأَمَانِ وَبَيْنَ مَا فِي الْمَوَّاقِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَحُمِلَ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَلَى الْأَمَانِ الْمُنْعَقِدِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَلَى مَا يَشْمَلُ تَخْيِيرَ الْإِمَامِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِمَامِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْأَمَانُ بِقَوْلِهِ كُنْتُ أَمَّنْتُهُمْ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ اسْتَوَتْ إلَخْ) فَالشَّرْطُ فِي لُزُومِ الْأَمَانِ عَدَمُ الضَّرَرِ لَا وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَضَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ) أَيْ كَمَا لَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ) أَيْ أَوْ بِإِشَارَةٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْمُؤَمِّنُ الْأَمَانَ كَمَا فِي بْن (قَوْلُهُ: أَوْ خَاطَبَ حَرْبِيًّا بِكَلَامٍ إلَخْ) كَقَوْلِ الْمُسْلِمِ لِرَئِيسِ مَرْكَبِ الْعَدُوِّ أَرْخِ قَلْعَك أَوْ لِشَخْصٍ مِنْهُمْ بِالْفَارِسِيَّةِ " مَتَرْسْ " أَيْ لَا تَخَفْ فَظَنُّوا ذَلِكَ أَمَانًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُ) هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُمْ فَيْءٌ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ اُنْظُرْ ح اهـ بْن (قَوْلُهُ: وَجَهِلَ إمْضَاءَهُ) أَيْ حُكْمَ إمْضَائِهِ وَهُوَ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَقَوْلُهُ: فَلَا يُمْضَى أَيْ، وَلَا يُعْذَرُ بِذَلِكَ الْجَهْلِ (قَوْلُهُ: أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) أَوَلِلتَّخْيِيرِ أَيْ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْضَائِهِ أَوْ رَدِّهِ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي كَانَ فِيهِ قَبْلَ التَّأْمِينِ سَوَاءٌ كَانَ يَأْمَنُ فِيهِ أَوْ يَخَافُ فِيهِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي حَالِ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ وَلَا فِي حَالِ تَوَجُّهِهِ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ (قَوْلُهُ: أَوْ أَخَذَ بَيْنَهُمَا) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ يُرَدُّ فِي هَذِهِ لِمَأْمَنِهِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ إنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ، وَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ كَمَا فِي ح وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَخَذَ بِحِدْثَانِ مَجِيئِهِ، وَإِلَّا خُيِّرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقٍ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِهِ) أَيْ كَعَدَمِ وُجُودِ سِلَاحٍ مَعَهُ وَقَوْلُهُ: (أَوْ كَذِبِهِ) أَيْ كَوُجُودِهِ مَعَهُ، وَقَوْلُهُ: فَعَلَيْهَا الْعَمَلُ أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى أَمَانِهِ الْأَوَّلِ) أَيْ وَلَهُ بَعْدَ رَدِّهِ نُزُولُهُ بِمَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ قَبْلَ السَّفَرِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَهُ الذَّهَابُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى أَمَانِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ رَجَعَ إلَخْ) نَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ: وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَأْمَنَهُ فَفِي حِلِّ أَخْذِهِ وَتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي إنْزَالِهِ آمِنًا وَرَدِّهِ، ثَالِثُهَا إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا الْأَوَّلُ لِلصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالثَّانِي لِمُحَمَّدٍ وَالثَّالِثُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا) أَيْ أَخَذَ فَيْئًا، وَإِلَّا رَدَّهُ الْإِمَامُ لِمَأْمَنِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْزَالِهِ) أَيْ عِنْدَنَا بِأَمَانٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا إلَخْ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إمَّا أَنْ يَمُوتَ عِنْدَنَا، وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ فِي بَلَدِهِ وَيَكُونُ لَهُ مَالٌ
(وَلَمْ يَدْخُلْ) بَلَدَنَا (عَلَى التَّجْهِيزِ) بَلْ دَخَلَ عَلَى الْإِقَامَةِ وَلَوْ بِالْعَادَةِ، أَوْ جَهِلَ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَوْ لَا عَادَةَ، وَكَذَا إنْ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَوْ الْعَادَةُ ذَلِكَ وَطَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فِيهِمَا، وَمَحَلُّ كَوْنِ مَالِهِ فَيْئًا مَا لَمْ يَنْقُضْ الْعَهْدَ وَيُحَارِبْ فَيُؤْسَرُ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَمَالُهُ لِمَنْ قَتَلَهُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (وَ) مَالُهُ (لِقَاتِلِهِ) مِنْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ (إنْ) نَقَضَ الْعَهْدَ، وَ (أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ) أَيْ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ فَلَا مَفْهُومَ لِلْقَتْلِ ثُمَّ إنْ كَانَ مَنْ أَسَرَهُ مِنْ الْجَيْشِ أَوْ مُسْتَنِدًا لَهُ خُمِّسَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ، وَإِلَّا اخْتَصَّ بِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ هَذِهِ عَنْ قَوْلِهِ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا إلَخْ، وَفِي قَوْلِهِ وَإِلَّا أَرْسَلَ مَعَ دِيَتِهِ إلَخْ وَفِي قَوْلِهِ كَوَدِيعَتِهِ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ الثَّلَاثِ (وَإِلَّا) بِأَنْ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ فِيهَا (أُرْسِلَ) مَالُهُ (مَعَ دِيَتِهِ) إنْ قُتِلَ ظُلْمًا أَوْ فِي مَعْرَكَةٍ قَبْلَ أَسْرِهِ (لِوَارِثِهِ) ، وَلَا حَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ وَإِلَّا رَاجِعٌ لِلشَّرْطِ الثَّانِي فَقَطْ أَيْ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ (كَوَدِيعَتِهِ) الَّتِي تَرَكَهَا عِنْدَنَا وَسَافَرَ لِبَلَدِهِ فَمَاتَ فَتُرْسَلُ لِوَارِثِهِ (وَهَلْ) مُطْلَقًا (إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ (أَوْ) هِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (فَيْءٌ) لِبَيْتِ الْمَالِ لَا تُرْسَلُ (قَوْلَانِ) وَمَحَلُّهُمَا إذَا دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ فَإِنْ طَالَتْ كَانَ مَالُهُ وَلَوْ وَدِيعَةً فَيْئًا، كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ أُسِرَ فِي الْمَعْرَكَةِ اخْتَصَّ بِهِ آسِرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ جَيْشًا، وَلَا مُسْتَنِدًا لَهُ، وَإِلَّا خُمِّسَ كَمَا مَرَّ، وَوَدِيعَتُهُ كَذَلِكَ.
(وَ) لَوْ قَدِمَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ وَمَعَهُ سِلَعٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ (كُرِهَ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الرَّاجِحِ (لِغَيْرِ الْمَالِكِ)
[حاشية الدسوقي]
عِنْدَنَا نَحْوَ وَدِيعَةٍ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ، وَأَمَّا أَنْ يُقْتَلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا إلَخْ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ، وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: كَوَدِيعَتِهِ فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ كَمَا فِي خش وَالشَّيْخِ سَالِمٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَأَشَارَ لِلثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ فَهُوَ قَسِيمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ فَلَا يُتَوَهَّمُ رُجُوعُهُ لَهُمَا خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ عبق عَنْ شَيْخِهِ وَتَبِعَهُمَا الشَّارِحُ، وَأَشَارَ لِلرَّابِعَةِ بِقَوْلِهِ، وَهَلْ إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ قَوْلَانِ هَذَا تَحْقِيقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ عبق مِنْ الْخَلَلِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ حُكْمُ مَالِهِ عِنْدَنَا فِي مَوْتِهِ بِبَلَدِهِ كَمَوْتِهِ عِنْدَنَا، وَمَالُهُ فِي مَوْتِهِ بَعْدَ أَسْرِهِ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَلَوْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَفِي كَوْنِهِ لِوَارِثِهِ أَوْ فَيْئًا لَا يُخَمَّسُ نَقْلَا الصَّقَلِّيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مَعَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
اهـ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: كَوَدِيعَتِهِ، الْمَالُ الْمَتْرُوكُ عِنْدَنَا لَا خُصُوصُ الْوَدِيعَةِ الْعُرْفِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) أَيْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ ثُمَّ يَذْهَبُ لِبِلَادِهِ (قَوْلُهُ: وَطَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَنَا فِيهِمَا) أَيْ فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْخَمْسِ يَكُونُ مَالُهُ وَدِيَتُهُ فَيْئًا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ) أَيْ مَعَ مَالِهِ يَكُونُ لِمَنْ أَسَرَهُ إذَا لَمْ يُقْتَلْ، وَقَوْلُهُ: وَمَالُهُ لِمَنْ قَتَلَهُ أَيْ إذَا قُتِلَ (قَوْلُهُ: أَيْ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ) أَيْ أَوْ حَارَبَ وَأُسِرَ وَلَمْ يُقْتَلْ بَلْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَمَالُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ (قَوْلُهُ: فَلَا مَفْهُومَ لِلْقَتْلِ) إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْتَلْ بَلْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَمَالُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ، وَإِنْ قُتِلَ فَمَالُهُ لِقَاتِلِهِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ هَذِهِ عَنْ قَوْلِهِ إلَخْ) أَيْ بِحَيْثُ يَقُولُ وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ، وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتِهِ لِوَارِثِهِ كَوَدِيعَتِهِ، وَهَلْ إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلَانِ وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَخْ) أَيْ فَكَأَنَّهُ قَالَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيْءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ مَا لَمْ يُؤْسَرْ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ، وَإِلَّا كَانَ مَالُهُ لِآسِرِهِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ أُرْسِلَ مَالُهُ لِوَارِثِهِ مَا لَمْ يُؤْسَرْ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ، وَإِلَّا كَانَ مَالُهُ لِآسِرِهِ، وَوَدِيعَتُهُ تُرْسَلُ لِوَارِثِهِ مَا لَمْ يُؤْسَرْ عِنْدَنَا وَيَمُوتُ، وَإِلَّا كَانَتْ لِآسِرِهِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِقَاتِلِهِ إنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ لَيْسَ رَاجِعًا لِمَا قَبْلَهُ، وَلَا لِمَا بَعْدَهُ بَلْ هُوَ كَلَامُ مُسْتَقِلٌّ عَلَى حِدَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ) أَيْ، وَمَاتَ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: أَوْ فِي مَعْرَكَةٍ) الصَّوَابُ حَذْفُ ذَلِكَ إذْ لَا دِيَةَ لَهُ إنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: لِوَارِثِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فِي بَلَدِهِ أُرْسِلَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ (قَوْلُهُ: وَهَلْ مُطْلَقًا إلَخْ) أَيْ، وَهَلْ يُرْسَلُ مَالُهُ وَوَدِيعَتُهُ لِوَارِثِهِ حَيْثُ دَخَلَ عَلَى التَّجْهِيزِ وَمَاتَ عِنْدَنَا، وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِلَّا أُرْسِلَ مَالُهُ لِوَارِثِهِ وَلِقَوْلِهِ كَوَدِيعَتِهِ فَالْقَوْلَانِ لَا يَخْتَصَّانِ الْوَدِيعَةِ الْعُرْفِيَّةِ كَمَا زَعَمَهُ عبق بَلْ مَوْضُوعُهُمَا الْمَالُ الْمَتْرُوكُ عِنْدَنَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَمِنْ فَرْضِهِمَا فِي الْوَدِيعَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْمَالِ الْمُسْتَوْدَعِ الْمَتْرُوكُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا خُصُوصُ الْوَدِيعَةِ الْعُرْفِيَّةِ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَيْءٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْوَدِيعَةِ وَالْأَوْلَى وَهُمَا أَيْ الْمَالُ الْوَدِيعَةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ الْوَدِيعَةِ الْمَالَ الْمَتْرُوكَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ لَا خُصُوصَ الْوَدِيعَةِ الْعُرْفِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ) أَيْ بَلْ مَاتَ عِنْدَنَا بِقُرْبِ دُخُولِهِ عِنْدَنَا أَوْ رَجَعَ لِبَلَدِهِ وَمَاتَ فِيهَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ طَالَتْ) أَيْ، وَمَاتَ عِنْدَنَا (قَوْلُهُ: وَوَدِيعَتُهُ كَذَلِكَ) أَيْ تَكُونُ لِآسِرِهِ يَخْتَصُّ بِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ جَيْشًا، وَلَا مُسْتَنَدًا إلَيْهِ، وَإِلَّا خُمِّسَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَدِمَ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ إلَخْ) أَيْ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلُوا بِلَادَنَا بِالْقَهْرِ وَنَهَبُوا مِنْهَا أَمْتِعَةً وَأَرَادُوا بَيْعَهَا فِيهَا فَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا فَلَهُمْ أَخْذُهَا مِمَّنْ اشْتَرَاهَا بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ مَجَّانًا وَأَمَّا إنْ
(اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) أَيْ سِلَعِ الْمَالِكِ إمَّا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَتَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَيْهَا أَوْ لِأَنَّهُ بِشِرَائِهَا يُفَوِّتُهَا عَلَى الْمَالِكِ كَمَا قَالَ (وَفَاتَتْ بِهِ) أَيْ بِاشْتِرَاءِ غَيْرِ الْمَالِكِ عَلَى الْمَالِكِ فَلَيْسَ لَهُ إلَيْهَا سَبِيلٌ بِثَمَنٍ، وَلَا غَيْرِهِ (وَ) فَاتَتْ أَيْضًا (بِهِبَتِهِمْ لَهَا) لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ يُحَقِّقُ مِلْكَهُمْ أَوْ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَهْدِ صَارَ لَهُ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَا بَاعُوهُ أَوْ وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، وَمَجَّانًا فِي الْهِبَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَانْتُزِعَ) مِنْ الْمُسْتَأْمِنِ (مَا سَرَقَ) مِنَّا زَمَنَ الْعَهْدِ (ثُمَّ عِيدَ بِهِ بِبَلَدِنَا) بَعْدَ ذَهَابِهِ لِدَارِ الْحَرْبِ عَادَ بِهِ السَّارِقُ أَوْ غَيْرُهُ لَكِنْ إنْ عَادَ بِهِ السَّارِقُ قُطِعَ، وَلَوْ شَرَطَ عِنْدَ الْعَهْدِ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا سَرَقَ وَلَا تُقَامُ عَلَيْهِ حُدُودُ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِانْتُزِعَ (لَا) يُنْتَزَعُ مِنْهُمْ (أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ) أَسَرُوهُمْ ثُمَّ (قَدِمُوا بِهِمْ) بِأَمَانٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُمْ يُنْتَزَعُونَ مِنْهُمْ جَبْرًا بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَبِهِ الْعَمَلُ (وَمَلَكَ) الْحَرْبِيُّ (بِإِسْلَامِهِ) جَمِيعَ مَا بِيَدِهِ مِمَّا غَصَبَهُ أَوْ سَرَقَهُ أَوْ نَهَبَهُ (غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) مِنْ رَقِيقٍ وَلَوْ مُسْلِمًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقًا لِأَجَلٍ وَذِمِّيٍّ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ فَلَا يَمْلِكُهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلَا حَبْسًا مُحَقَّقًا، وَلَا مَا سَرَقَهُ زَمَنَ عَهْدِهِ، وَلَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا وَدِيعَةً، وَلَا مَا اسْتَأْجَرَهُ مِنَّا حَالَ كُفْرِهِ (وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدِ) بِقِيمَتِهَا وُجُوبًا عَلَى سَيِّدِهَا لِشَبَهِهَا بِالْحُرَّةِ، وَاتَّبَعَتْ ذِمَّتَهُ إنْ أُعْسِرَ.
(وَ) مَلَكَ مِنْ مُدَبَّرٍ، وَمُعْتَقٍ لِأَجْلِ مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْهُمَا فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ (عَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ) فَإِنْ حُمِلَ بَعْضُهُ رُقَّ بَاقِيهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ (وَ) عَتَقَ (مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْأَجَلِ (وَلَا يُتْبَعُونَ) الْأَوْلَى وَلَا يُتْبَعَانِ أَيْ لَا يَتْبَعُهُمَا مَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ عِتْقِهِمَا (بِشَيْءٍ) وَلَعَلَّهُ جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِهِمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جُمِعَ لِرُجُوعِهِ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَيْضًا (وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) فِي الْمُدَبَّرِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ وَرُقَّ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ
[حاشية الدسوقي]
اشْتَرَاهَا بِقَصْدِ الْفِدَاءِ لِرَبِّهَا فَالْأَحْسَنُ أَخْذُهَا بِالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ بِأَخْذِ الْكُفَّارِ لَهَا بِالْقَهْرِ مَا دَامَتْ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ قَائِمَةً فِيهَا (قَوْلُهُ: اشْتِرَاءُ سِلَعِهِ) أَيْ مِنْ الْحَرْبِيِّ الَّذِي دَخَلَ بِهَا بِلَادَنَا بِأَمَانٍ (قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّهُ بِشِرَائِهَا يُفَوِّتُهَا عَلَى الْمَالِكِ) هَذَا التَّعْلِيلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَيَأْتِي أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمَالِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ شِرَاؤُهَا، وَلِذَا رَدَّهُ أَبُو الْحَسَنِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) أَيْ بَعْدَ دُخُولِهِمْ بِهَا بِلَادَنَا بِأَمَانٍ، وَأَمَّا مَا أَخَذُوهُ مِنْ بِلَادِنَا نَهْبًا وَوَهَبُوهُ فِيهَا فَلَا يَمْلِكُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَلَا يَفُوتُ عَلَى مَالِكِهِ بِالْهِبَةِ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي قَبُولِ الْهِبَةِ كَالشِّرَاءِ، وَإِلَّا كَانَ يَقُولُ، وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ وَاتِّهَابُهَا أَيْ قَبُولُ هِبَتِهَا وَبَعْضُهُمْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْكَرَاهَةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، وَالتَّعْلِيلُ الثَّانِي فِي كَرَاهَةِ الشِّرَاءِ مَوْجُودٌ فِي الْهِبَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَرْبِيَّ (قَوْلُهُ: لَا أَحْرَارَ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَلَا تُنْزَعُ مِنْهُمْ جَبْرًا عَلَيْهِمْ لَا بِالْقِيمَةِ، وَلَا بِدُونِهَا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِمْ بِلَادَهُمْ كَمَا لَا يُنْزَعُ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي قَدِمُوا بِهَا عِنْدَنَا بِأَمَانٍ، وَقَدْ كَانُوا أَخَذُوهَا غَصْبًا أَوْ نَهْبًا لَا سَرِقَةً كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَا أَخَذُوهُ مِنْ بِلَادِنَا بَعْدَ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا بِالْقَهْرِ، وَقَدَرْنَا عَلَى نَزْعِهِ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ لِبِلَادِهِمْ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ بِمُجَرَّدِ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْهَا بَلْ حَتَّى تَنْقَطِعَ إقَامَةُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ عَنْهَا، وَأَمَّا مَا دَامَتْ شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ أَوْ غَالِبُهَا قَائِمَةً فِيهَا فَلَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ.
(قَوْلُهُ: الْقَوْلُ الْآخَرُ) يَعْنِي لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا الْعَزْوُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْآخَرُ فَهُوَ أَنْ يُنْتَزَعَ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ الْإِنَاثُ دُونَ الذُّكُورِ هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَوَّاقِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: أَنَّهُمْ يُنْتَزَعُونَ مِنْهُ جَبْرًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا (قَوْلُهُ: وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) أَيْ سَوَاءٌ قَدِمَ إلَيْنَا فِي حَالِ كُفْرِهِ بِأَمَانٍ أَوْ لَمْ يَقْدُمْ حَالَ كُفْرِهِ لَكِنْ قَدِمَ حَالَ إسْلَامِهِ، وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَ، وَأَقَامَ بِبَلَدِهِ فَسَيَأْتِي فِي آخَرِ الْبَابِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ إلَخْ فَقَوْلُ خش قَدِمَ بِأَمَانٍ وَأَقَامَ بِبَلَدِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ بْن؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَدِمَ بِذَلِكَ حَالَ إسْلَامِهِ لَا يَمْلِكُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ بِبَلَدِهِ فَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَلَيْسَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ (قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الرَّقِيقِ وَالذِّمِّيِّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُرُوضِ كَالْكُتُبِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِذَا مَلَكَ مَا ذَكَرَ بِإِسْلَامِهِ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَا حَبْسًا) أَيْ، وَلَا يَمْلِكُ حَبْسًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا مَا سَرَقَهُ زَمَنَ عَهْدِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ لَهُمْ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا أَخَذُوهُ عَلَى طَرِيقِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَمِثْلُ الْمَسْرُوقِ اللُّقَطَةُ فَلَا يَمْلِكُهَا وَتُؤْخَذُ مِنْهُ مَجَّانًا (قَوْلُهُ: وَلَا دَيْنًا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ مِنْ شَيْءٍ اشْتَرَاهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ مِنْهُ وَاقْتَرَضَهُ مِنْهُ، وَلَوْ وَقَعَ الشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ وَالسَّلَفُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ حَالَ كُفْرِهِ (قَوْلُهُ: بِقِيمَتِهَا) أَيْ عَلَى أَنَّهَا قِنٌّ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ فِدَائِهَا مَا لَمْ تَمُتْ أَوْ يَمُتْ سَيِّدُهَا، وَإِلَّا فَلَا فِدَاءَ لِمَوْتِهَا فِي الْأَوَّلِ وَخُرُوجِهَا حُرَّةً فِي الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: رُقَّ بَاقِيهِ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَتَقَ مَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ مِنْهُ وَرُقَّ بَاقِيهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَرُقَّ كُلُّهُ) أَيْ لِعَدَمِ حَمْلِ الثُّلُثِ لِشَيْءٍ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ مَدِينًا دِينًا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ بِتَمَامِهَا هِيَ وَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُ أَيْ لِحَمْلِ
لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ بَيْنَ إسْلَامِهِ لَهُ أَوْ أَخْذِهِ وَدَفَعَ قِيمَتَهُ لَهُ كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ هُنَا لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ فَكَذَا وَارِثُهُ، وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ إنْ أَدَّى لِلَّذِي أَسْلَمَ وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ عَقَدَهَا، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ لَهُ، وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ وَسَكَتَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ لِوُضُوحِهِ
(وَحُدَّ زَانٍ) بِحَرْبِيَّةٍ أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ قَلَّ الْجَيْشُ أَوْ كَثُرَ (وَ) قُطِعَ (سَارِقٌ) نِصَابًا (وَ) لَوْ قَدْرَ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ (إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) لَا إنْ لَمْ يُحَزْ فَلَا يُقْطَعُ (وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ) غَيْرُ الْمَوَاتِ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَكَذَا الدُّورُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صِيغَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَا لِتَطْيِيبِ نَفْسِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ بِخِلَافِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ عَدَمِ أَخْذِ كِرَاءٍ لَهَا، وَعَدَمِ بَيْعِهَا مَا دَامَتْ بِبُنْيَانِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ مَوْجُودَةٌ أَمَّا إذَا انْهَدَمَتْ وَجَدَّدَ النَّاسُ أَبْنِيَةً جَازَ حِينَئِذٍ أَخْذُ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعُ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ وَالْإِرْثِ كَمَا هُوَ الْآنَ فِي مَكَّةَ، وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَوْلَى لَوْ تَجَدَّدَتْ بَلَدٌ بِأَرْضٍ بَرَاحٍ كَالْقَاهِرَةِ وَلَوْ كَانَ أَصْلُ الْأَرْضِ وَقْفًا لِأَنَّ الْبِنَاءَ مَمْلُوكٌ، وَأَمَّا أَرْضُ الزِّرَاعَةِ فَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِيمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا وَالْكَلَامُ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَا تُورَثُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْفَلَّاحِينَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الذُّكُورَ تَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ دُونَ الْإِنَاثِ كَمَا فِي بَعْضِ قُرَى الصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إجْرَاؤُهُمْ عَلَى عَادَتِهِمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ وَالْعُرْفَ صَارَتْ كَالْإِذْنِ مِنْ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ.
وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَوَنَائِبُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْوَرَثَةَ مِنْ وَضْعِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ يُؤَدِّي إلَى الْهَرْجِ وَالْفَسَادِ؛ وَلِأَنَّ لِمُوَرِّثِهِمْ نَوْعَ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَيْضًا الْعَادَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ حُكْمِ السَّلَاطِينِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ رِعَايَةً
لِحَقِّ الْمَصْلَحَةِ
نَعَمْ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَالْأَمْرُ لِلْمُلْتَزِمِ، وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ فَتَاوَى مَعْزُوَّةٍ لِبَعْضِ أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ الْخَرَشِيِّ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالشَّيْخِ يَحْيَى الشَّاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ تُورَثُ فَهِيَ فَتْوَى بَاطِلَةٌ لِمُنَافَاتِهَا مَا تَقَدَّمَ وَغَالِبُهُمْ قَدْ شَرَحَ هَذَا الْمُخْتَصَرَ، وَلَمْ يَذْكَرْ الْإِرْثَ، وَلَا بِالْإِشَارَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاوَى مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ (كَ) أَرْضِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُمِّسَ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ الْأَرْضِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ أَيْ يُقْسَمُ أَخْمَاسًا خُمُسٌ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَرْبَعَةُ لِلْمُجَاهِدِينَ تُقْسَمُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَمَحَلُّ وَقْفِ الْأَرْضِ وَتَخْمِيسِ غَيْرِهَا (إنْ أُوجِفَ) أَيْ قُوتِلَ (عَلَيْهِ) ، وَلَوْ حُكْمًا كَهَرَبِهِمْ قَبْلَ الْمُقَاتَلَةِ بَعْدَ نُزُولِ الْجَيْشِ بِلَادَهُمْ
[حاشية الدسوقي]
الثُّلُثِ بَعْضَهُ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ جَاءَ إلَيْنَا مُسْلِمًا أَوْ دَخَلَ بِأَمَانٍ ثُمَّ أَسْلَمَ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ الْجَانِي) أَيْ فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ عَنْ مُدَبَّرٍ جَانٍ خُيِّرَ وَارِثُهُ إمَّا أَنْ يَدْفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَيَأْخُذَ الْمُدَبَّرَ أَوْ يُسَلِّمَهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَحُدَّ زَانٍ بِحَرْبِيَّةٍ) أَيْ زَنَى بِهَا قَبْلَ حَوْزِ الْمَغْنَمِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ ذَاتِ مَغْنَمٍ أَيْ زَنَى بِهَا بَعْدَ حَوْزِ الْمَغْنَمِ، وَقَوْلُهُ: إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ وَسَارِقٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ، وَكَسَارِقٍ بِالْكَافِ لِأَجْلِ أَنْ يَظْهَرَ رُجُوعُ الشَّرْطِ لِمَا بَعْدَهَا، وَهَذَا وَالصَّوَابُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَدَمُ الْحَدِّ لِلشُّبْهَةِ، وَعَدَمُ الْقَطْعِ حَتَّى يَسْرِقَ نِصَابًا فَوْقَ حَظِّهِ اُنْظُرْ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: إنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) أَيْ جُمِعَ فِي مَكَان بِالْفِعْلِ بِحَيْثُ صَارَ مُعَيَّنًا بَيْنَ أَيْدِي الْمُجَاهِدِينَ قَبْلَ قَسْمِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُ الْأَرْضَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ (قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، وُقِفَتْ قَالَ طفى لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فِيهَا هَلْ يَقْسِمُهَا كَغَيْرِهَا أَوْ يَتْرُكُهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى، وَقْفِهَا تَرْكُهَا غَيْرُ مَقْسُومَةٍ لَا الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحَبْسُ، وَأَقَرَّهُ بْن، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِوَقْفِهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُتْرَكُ لِلْمَصَالِحِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ إلَّا ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَالشَّارِحُ قَدْ قَالَ إنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ) أَيْ بَلْ هِيَ كَالْمَسَاجِدِ لِمَنْ سَبَقَ، وَفِي بْن عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ لِلدُّورِ كِرَاءٌ وَيَكُونُ فِي الْمَصَالِحِ كَخَرَاجِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ (قَوْلُهُ: وأَوْلَى لَوْ تَجَدَّدَتْ بَلَدٌ) أَيْ أَوْلَى فِي جَوَازِ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (قَوْلُهُ: قَرِيبًا) أَيْ بِقَوْلِهِ فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ فِيهَا) أَيْ فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ لِلسُّلْطَانِ أَيْ فَيُمَكِّنُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ وَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَتَحْتَ يَدِهِ أَرْضٌ يَزْرَعُهَا، وَيُؤَدِّي خَرَاجَهَا فَالنَّظَرُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَلَا تُورَثُ عَنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ نَعَمْ وَارِثُهُ أَوْلَى وَأَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ وَقْفِ الْأَرْضِ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَرْضٍ لِلْمُجَاهِدِينَ كَالْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا تُورَثُ عَمَّنْ مَاتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ جَرَتْ إلَخْ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ إلَخْ) جَوَابُ الشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ مَاتَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ الْكَلَامِ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ (قَوْلُهُ: نَوْعَ اسْتِحْقَاقٍ) أَيْ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيكِهِ لِلْأَرْضِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّذِي لَوْلَاهُ لَخَرِسَتْ الْأَرْضُ وَتَلِفَتْ فَهُوَ شِبْهُ الْخُلُوِّ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ (قَوْلُهُ: لِلْمُلْتَزِمِ) أَيْ هُوَ نَائِبُ السُّلْطَانِ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِمَنْ يَشَاءُ (قَوْلُهُ: لِمُنَافَاتِهَا مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهَا وَقْفٌ، وَقَدْ يُقَالُ الْقَوْلُ بِوَقْفِيَّةِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الْجَيْشِ فَلَعَلَّ تِلْكَ
عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَمَّا لَوْ هَرَبُوا قَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَيَكُونُ مَا انْجَلُوا عَنْهُ فَيْئًا مَوْضِعُهُ بَيْتُ الْمَالِ، وَكَذَا لَوْ هَرَبُوا بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَقَبْلَ نُزُولِهِ بَلَدَهُمْ عَلَى مَا لِلْبَاجِيِّ (فَخَرَاجُهَا) أَيْ الْأَرْضِ.
(وَالْخُمُسُ) الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (وَالْجِزْيَةُ) الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ وَالْفَيْءُ، وَعُشُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ، وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَمَا أَخَذَهُ مِنْ تِجَارَتِهِمْ مَحَلُّهَا بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِاجْتِهَادِهِ فِي مَصَالِحِهِمْ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَيَبْدَأُ بِالصَّرْفِ نَدْبًا (لِآلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَيُوَفِّرُ نَصِيبَهُمْ لِمَنْعِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ (ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَتَرْمِيمِهَا وَالْقَنَاطِرِ، وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَالْغَزْوِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَقَضَاءِ دَيْنِ مُعْسِرٍ، وَعَقْلِ جِرَاحٍ وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ، وَإِعَانَةِ حَاجٍّ وَتَزْوِيجِ أَعْزَبَ، وَإِعَانَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّرْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ (وَبُدِئَ) مِنْ الْمَصَالِحِ وُجُوبًا بَعْدَ الْآلِ (بِمَنْ فِيهِمْ الْمَالُ) أَيْ بِمَنْ فِي بَلَدِهِمْ الْخَرَاجُ أَوْ الْخُمُسُ أَوْ الْجِزْيَةُ فَيُعْطَوْنَ حَتَّى يُغْنَوْا كِفَايَةَ سَنَةٍ إنْ أَمْكَنَ (وَنُقِلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْمَالِ إنْ كَانَ هُنَاكَ أَحْوَجُ مِمَّنْ فِيهِمْ الْمَالُ (وَنَفَّلَ) الْإِمَامُ أَيْ زَادَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ خَاصَّةً (السَّلَبَ) بِالْفَتْحِ مَا يُسْلَبُ، وَيُسَمَّى النَّفَلُ الْكُلِّيَّ وَغَيْرَهُ وَيُسَمَّى الْجُزْئِيَّ فَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ السَّلَبِ كَانَ أَشْمَلَ (لِمَصْلَحَةٍ) مِنْ شَجَاعَةٍ وَتَدْبِيرٍ (وَلَمْ تَجُزْ) أَيْ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ، وَقِيلَ تَحْرُمُ، وَهُوَ ظَاهِرُهُ (إنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأَنَّ (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ السَّلَبُ) أَوْ مَنْ جَاءَنِي بِشَيْءٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَتَاعٍ فَلَهُ رُبْعُهُ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ يَصْرِفُ نِيَّتَهُمْ لِقِتَالِ الدُّنْيَا فَلِذَا جَازَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ
[حاشية الدسوقي]
الْفَتْوَى بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ نَظَرًا
لِلْمَصْلَحَةِ
وَدَفْعِ الْهَرَجِ أَوْ يُقَالُ الْأَرْضُ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُزَارِعِينَ فِيهَا حَقٌّ يُشْبِهُ الْخُلُوَّ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيكِهِمْ الْأَرْضَ وَالْعِلَاجُ فِيهَا وَالْخُلُوّ يُورَثُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ بَلْ هُوَ فَيْءٌ يُصْرَفُ بِتَمَامِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُخَمَّسُ إلَّا مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلَّمِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُخَمَّسُ، وَأَمَّا مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ دُونَ قِتَالٍ فَعِنْدَنَا لَا يُخَمَّسُ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ وَنَقَلَهُ الْأَبِيُّ، وَأَقَرَّاهُ فَأَنْتَ تَرَى الْمَازِرِيَّ لَمْ يَعْزُ الْقَوْلَ بِالتَّخْمِيسِ إلَّا لِلشَّافِعِيِّ مَعَ سَعَةِ حِفْظِهِ قَالَهُ طفى (قَوْلُهُ: أَيْ الْأَرْضُ) أَيْ الْمَأْخُوذَةُ عَنْوَةً، وَقَهْرًا بِالْمُقَاتَلَةِ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْخُمُسُ) أَيْ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَا نِيلَ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ، وَكَذَا خُمُسُ الرِّكَازِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَفِي نُدْرَتِهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ (قَوْلُهُ: الْعَنْوِيَّةُ وَالصُّلْحِيَّةُ) أَيْ الْمَضْرُوبَةُ عَلَى أَهْلِ الْعَنْوِيَّةِ، وَأَهْلِ الصُّلْحِ (قَوْلُهُ: وَخَرَاجُ أَرْضِ الصُّلْحِ) ، وَذَلِكَ إذَا صَالَحُونَا عَلَى أَنَّ كُلَّ فَدَانٍ عَلَيْهِ كَذَا، وَقَوْلُهُ: (وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَرْبِ) ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا صَالَحَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى دَفْعِ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ الْقَدْرَ الَّذِي عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَوْ كُلِّ فَدَانٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ الْجِزْيَةَ الصُّلْحِيَّةَ وَخَرَاجَ أَرْضِ الصُّلْحِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمَا أُخِذَ مِنْ تِجَارَتِهِمْ) وَيُزَادُ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ مَالُ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ وَالْمَالُ الَّذِي جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ، وَمَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَهَذِهِ جِهَاتُ بَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَيُوَفِّرُ) أَيْ يَكْثُرُ وَيَعْظُمُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ: الصَّرْفُ أَيْ صَرْفُ الْإِمَامِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَهُ كَمَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنَّهُ يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ الْآلِ) أَيْ فَالْبُدَاءَةُ هُنَا إضَافِيَّةٌ بِخِلَافِ الْبَدَاءَةِ بِالْآلِ فَإِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ.
(قَوْلُهُ: وَنَقَلَ لِلْأَحْوَجِ الْأَكْثَرَ) أَيْ وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَمَّنْ فِيهِمْ الْمَالُ لِغَيْرِهِمْ الْأَكْثَرَ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَحْوَجَ مِنْهُمْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرُ فُقَرَاءِ الْبَلَدِ الَّتِي جُبِيَ فِيهَا الْمَالُ أَكْثَرَ احْتِيَاجًا مِنْهُمْ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَصْرِفُ الْقَلِيلَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ الَّتِي جُبِيَ فِيهَا الْمَالُ ثُمَّ يَنْقُلُ الْأَكْثَرَ لِغَيْرِهِمْ (قَوْلُهُ: وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ) اعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ هُوَ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا لِمَصْلَحَةٍ، وَهُوَ جُزْئِيٌّ، وَكُلِّيٌّ فَالْأُولَى مَا يَثْبُتُ بِإِعْطَائِهِ بِالْفِعْلِ كَأَنْ يَقُولَ خُذْ يَا فُلَانُ هَذَا الدِّينَارَ أَوْ الْبَعِيرَ مَثَلًا وَالثَّانِي مَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: مَا يُسْلَبُ) أَيْ مَا يُنْزَعُ مِنْ الْمَقْتُولِ وَقَوْلُهُ: وَيُسَمَّى أَيْ مَا يُسْلَبُ مِنْ الْمَقْتُولِ، وَقَوْلُهُ: النَّفَلُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَوْلُهُ: الْكُلِّيُّ أَيْ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّلَبَ أَيْ وَنَفَّلَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ السَّلَبِ وَقَوْلُهُ: (وَيُسَمَّى الْجُزْئِيَّ) أَيْ النَّفَلَ الْجُزْئِيَّ (قَوْلُهُ: كَانَ أَشْمَلَ) أَيْ لِشُمُولِهِ لِلنَّفَلِ الْكُلِّيِّ وَهُوَ السَّلَبُ، وَالْجُزْئِيِّ وَهُوَ مَا يُعْطِيهِ لَهُ بِفِعْلٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ تَنْفِيلَ غَيْرِ السَّلَبِ مَعْلُومٌ بِالْأَوْلَى مِنْ تَنْفِيلِ السَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْعَامُّ مَعَ كَثْرَتِهِ فَالْخَاصُّ الْقَلِيلُ أَوْلَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ لِشَخْصٍ لَمَّا عَلِمَ مِنْ شَجَاعَتِهِ أَوْ تَدْبِيرِهِ إذَا قَتَلْتَ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ أَوْ أَعْطَاهُ دِينَارًا أَوْ بَعِيرًا فَإِنَّهُ يُحْسَبُ سَلَبُ الْقَتِيلِ أَوْ الدِّينَارُ أَوْ الْبَعِيرُ مِنْ الْخُمُسِ لَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعَدُوِّ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِعَدَمِ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يَقُولَ أَيْ
إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (وَمَضَى) الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ (إنْ لَمْ يُبْطِلْهُ) الْإِمَامُ (قَبْلَ) حَوْزِ (الْمَغْنَمِ) فَإِنْ أَبْطَلَهُ اُعْتُبِرَ إبْطَالُهُ فِيمَا بَعْدَ الْإِبْطَالِ لَا فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ إبْطَالُهُ بَعْدَ الْمَغْنَمِ بَلْ كُلُّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا اسْتَحَقَّ مَا رَتَّبَهُ لَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْإِمَامِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبَهُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَشْخَاصِ، وَفِي كُلِّ سَلَبٍ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ) دُونَ الذِّمِّيِّ مَا لَمْ يُنَفِّذْهُ لَهُ الْإِمَامُ (سَلَبٌ) مِنْ حَرْبِيٍّ (اُعْتِيدَ) وُجُودُهُ مَعَ الْمَقْتُولِ حَالَ الْحَرْبِ كَدَابَّتِهِ الْمَرْكُوبَةِ لَهُ أَوْ الْمَمْسُوكَةِ بِيَدِهِ أَوْ يَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ وَسَرْجِهِ وَلِجَامِهِ وَدِرْعِهِ وَسِلَاحِهِ وَمِنْطَقَتِهِ، وَمَا فِيهَا مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ (لَا سِوَارٌ وَصَلِيبٌ، وَعَيْنٌ) ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ (وَدَابَّةٌ) غَيْرُ مَرْكُوبَةٍ، وَلَا مَمْسُوكَةٍ لِلْقِتَالِ بَلْ جَنِيبُ إمَامِهِ بِيَدِ غُلَامِهِ لِلِافْتِخَارِ فَلَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْمُعْتَادِ، وَلَهُ الْمُعْتَادُ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) قَوْلَ الْإِمَامِ لِبُعْدٍ أَوْ غَيْبَةٍ إذْ سَمَاعُ بَعْضِ الْجَيْشِ كَافٍ (أَوْ تَعَدَّدَ) السَّلَبُ بِتَعَدُّدِ الْقَتْلَى فَلَهُ الْجَمِيعُ (إنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا) اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ قَاتِلًا (وَإِلَّا) بِأَنْ عَيَّنَ قَاتِلًا بِأَنْ قَالَ إنْ قَتَلْت يَا فُلَانُ قَتِيلًا فَلَكَ سَلَبُهُ فَقَتَلَ أَكْثَرَ (فَالْأَوَّلُ) لَهُ سَلَبُهُ فَقَطْ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَنِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ قَتَلَهُمَا مَعًا، وَقِيلَ لَهُ الْأَقَلُّ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ وَالْأَكْثَرُ فِي الثَّانِي.
(وَلَمْ يَكُنْ) السَّلَبُ (لِكَمْرَأَةٍ) مِنْ صَبِيٍّ وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ وَزَمِنٍ وَشَيْخٍ فَانٍ (إنْ لَمْ تُقَاتِلْ) قِتَالَ الرِّجَالِ فَإِنْ قَاتَلْت بِالسِّلَاحِ أَوْ قَتَلْت أَحَدًا فَسَلَبُهَا لِقَاتِلِهَا (كَالْإِمَامِ) تَشْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ (إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) ، وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ (أَوْ) لَمْ (يَخُصَّ نَفْسَهُ) بِأَنْ قَالَ إنْ قَتَلْت أَنَا قَتِيلًا فَلِي سَلَبُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حَابَى نَفْسَهُ (وَلَهُ) أَيْ لِلْقَاتِلِ (الْبَغْلَةُ) الْأُنْثَى (إنْ قَالَ) الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا (عَلَى بَغْلٍ) فَهُوَ لَهُ لِصِدْقِ الْبَغْلِ عَلَى الْأُنْثَى بِخِلَافِ مِنْ قَتَلَ قَتِيلًا عَلَى بَغْلَةٍ فَهِيَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ الذَّكَرُ لِعَدَمِ صِدْقِ الْبَغْلَةِ عَلَى الْبَغْلِ الذَّكَرِ (لَا إنْ كَانَتْ) الدَّابَّةُ (بِيَدِ غُلَامِهِ) غَيْرُ مَمْسُوكَةٍ لِلْقِتَالِ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهِيَ كَمَا مَرَّ.
(وَقَسَّمَ) الْإِمَامُ (الْأَرْبَعَةَ) الْأَخْمَاسِ الْبَاقِيَةِ (لِحُرٍّ)
[حاشية الدسوقي]
الْإِمَامُ، وَقَوْلُهُ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) فَاعِلٌ يَجُزْ، أَيْ لَمْ يَجُزْ هَذَا اللَّفْظُ وَكَذَا مَا كَانَ بِمَعْنَاهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَدُوِّ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُجَاهِدِينَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِفَسَادِ نِيَّتِهِمْ (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ) أَيْ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَيْ مَنْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إذَا كَانَ الْقِتَالُ قَدْ انْقَضَى كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا فِي الْمَاضِي.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبْطَلَهُ) أَيْ أَظْهَرَ الرُّجُوعَ عَنْهُ قَبْلِ حَوْزِ الْمَغْنَمِ (قَوْلُهُ: فِيمَا بَعْدَ الْإِبْطَالِ) أَيْ فَإِنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَ الْإِبْطَالِ فَلَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ وَإِنْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا قَبْلَ الْإِبْطَالِ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَبَرُ إبْطَالُهُ بَعْدَ الْمَغْنَمِ) أَيْ بَعْدَ حَوْزِهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ مِنْ أَقَلِّ الْغَنِيمَةِ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ مَا رَتَّبَهُ مِنْ الْخُمُسِ بَلْ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ أَوْ فَلَهُ دِينَارٌ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ الْغَنِيمَةِ (قَوْلُهُ: وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ) أَيْ إذَا قَالَ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُنَفِّذْهُ لَهُ الْإِمَامُ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ إنْ حَكَمَ بِهِ مَضَى؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ فَلَا يَتَعَقَّبُ فِيهِ.
اهـ. بْن (قَوْلُهُ: اُعْتِيدَ وُجُودُهُ مَعَ الْمَقْتُولِ) ، وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ قَتِيلَهُ بِعَدْلَيْنِ إنْ شَرَطَ الْإِمَامُ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ اُنْظُرْ ح. اهـ. بْن (قَوْلُهُ: وَلَهُ الْمُعْتَادُ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ السَّلَبَ الْمُعْتَادَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ الْإِمَامِ) أَيْ قَوْلُهُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ (قَوْلُهُ: كَافٍ) أَيْ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ الْمُعْتَادِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ) أَيْ وَإِذَا كَانَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَجْعَلُ عَدَمَ قَوْلِهِ ذَلِكَ شَرْطًا مَعَ أَنَّهُ مُنَافٍ لِلْمَوْضُوعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ) وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ إنْ قَتَلْت قَتِيلًا وَبَيْنَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مُشْكِلٌ إذْ فِي كِلَيْهِمَا النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، وَهِيَ تَعُمُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ الْفَاعِلَ كَانَ غَيْرَ دَاخِلٍ عَلَى اتِّسَاعِ الْعَطَاءِ وَحِينَئِذٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَطَاءُ، وَلَوْ وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَإِنَّ الْعُمُومَ يُقَوِّي الْعُمُومَ كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَهُ الْأَقَلُّ) أَيْ الْأَقَلُّ مِنْ السَّلَبَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَقْتُولُ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا قَتَلَهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ أَيْ مِنْ السَّلَبَيْنِ، وَقَوْلُهُ: فِي الثَّانِي أَيْ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا قَتَلَهُمَا مَعًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ لِكَمْرَأَةٍ) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ سَلْبٌ اُعْتِيدَ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السَّلَبُ الْمُعْتَادُ مِنْ كَمَرْأَةٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ كَمَرْأَةٍ فَلَا يَكُونُ سَلَبَهَا إذْ سَلَبُهَا لِقَاتِلِهَا إذْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهَا وَلَا قَتْلُ مَنْ ذَكَرَ مَعَهَا هَذَا إذَا لَمْ تُقَاتِلْ قِتَالَ الرِّجَالِ، وَقَدْ عَلِمْت مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِكَمْرَأَةٍ بِمَعْنَى مِنْ (قَوْلُهُ: تَشْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ وَلِلْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبُ إلَخْ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ سَلَبَ الْمَقْتُولِ الْمُعْتَادِ يَكُونُ لِقَاتِلِهِ الْمُسْلِمِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ كَذَلِكَ يَكُونُ سَلَبُهُ لِقَاتِلِهِ إذَا كَانَ هُوَ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَقُلْ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا مِنْكُمْ فَلَهُ سَلَبُهُ بِأَنْ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ بِدُونِ مِنْكُمْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ قَالَ مِنْكُمْ فَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: غَيْرُ مَمْسُوكَةٍ لِلْقِتَالِ عَلَيْهَا) أَيْ فَلَيْسَتْ لِقَاتِلِهِ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مَمْسُوكَةً بِيَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ عَلَيْهَا، وَمَا هُنَا فِيمَا إذَا قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَغْلُهُ، وَمَا مَرَّ