أَوْ كَشَاهِدَيْنِ فَلَا، وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْوَاهِبِ فِي دَعْوَى الثَّوَابِ (فِي غَيْرِ) هِبَةِ النَّقْدِ (الْمَسْكُوكِ) وَأَمَّا هُوَ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ (إلَّا لِشَرْطٍ) مِنْ الْوَاهِبِ حَالَ الْهِبَةِ، أَوْ عُرْفٍ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ وَيَكُونُ الْعِوَضُ عَرَضًا، أَوْ طَعَامًا وَمِثْلُ الْمَسْكُوكِ السَّبَائِكُ وَالتِّبْرُ وَمَا تَكَسَّرَ مِنْ حُلِيٍّ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ كَالْعُرُوضِ يُصَدَّقُ فِيهِ الْوَاهِبُ (وَ) فِي غَيْرِ (هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ) شَيْئًا مِنْ عَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي أَنَّهُ وَهَبَ لِلثَّوَابِ إلَّا لِشَرْطٍ، أَوْ قَرِينَةٍ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا لِشَرْطٍ وَلَا تَكْفِي الْقَرِينَةُ وَمِثْلُ الزَّوْجَيْنِ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الصِّلَةُ (وَ) فِي غَيْرِ هِبَةٍ (لِقَادِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِ) مِنْ سَفَرِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الثَّوَابَ (وَإِنْ) كَانَ الْوَاهِبُ (فَقِيرًا) وَهَبَ (لِغَنِيٍّ) قَادِمٍ إلَّا لِشَرْطٍ، أَوْ عُرْفٍ كَمَا بِمِصْرَ.
(وَلَا يَأْخُذُ) الْوَاهِبُ لِلْقَادِمِ (هِبَتَهُ) حَيْثُ لَمْ يُصَدَّقْ (وَإِنْ) كَانَتْ (قَائِمَةً) وَتَضِيعُ مَجَّانًا عَلَى صَاحِبِهَا وَقَيَّدَهُ الْحَطَّابُ بِمَا إذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ لَطِيفَةً كَالْفَوَاكِهِ وَالثَّمَرِ بِخِلَافِ نَحْوِ الثِّيَابِ وَالْقَمْحِ وَالْغَنَمِ.
(وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ) " الْقِيمَةُ " فَاعِلُ لَزِمَ " وَوَاهِبَهَا " مَفْعُولُهُ " وَالْمَوْهُوبَ " عَطْفٌ عَلَيْهِ بِلَا، يَعْنِي يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ الْهِبَةَ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِ الْقِيمَةِ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا بِأَضْعَافٍ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ أَيْ دَفْعُهَا لِلْوَاهِبِ بَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَوْ كَشَاهِدَيْنِ فَلَا) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحَلَّفُ إلَّا إذَا أَشْكَلَ وَمُفَادُ كَلَامِهِ اتِّفَاقُ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى حَلِفِهِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ شَهَادَةِ الْعُرْفِ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْوَاهِبِ فِي دَعْوَى الثَّوَابِ إلَخْ) أَيْ فِي دَعْوَى قَصْدِهِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ " فِي غَيْرِ مَسْكُوكٍ " مُتَعَلِّقٌ بِ صُدِّقَ وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الثَّانِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ، نَحْوُ جَلَسْت فِي الْمَسْجِدِ فِي مِحْرَابِهِ وَهُوَ جَائِزٌ اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا هُوَ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَهَبُونَ لِلثَّوَابِ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَغْرَاضُ وَالْمَسْكُوكُ لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَغْرَاضُ فَهِبَتُهُ لِلثَّوَابِ خِلَافُ الْعُرْفِ فَلِذَا لَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِي قَصْدِ الثَّوَابَ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْمَسْكُوكِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ إلَّا لِشَرْطٍ السَّبَائِكُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ كَالْعُرُوضِ) أَيْ لِأَنَّ صَنْعَتَهُ لَمَّا كَانَتْ كَثِيرَةً نَقَلَتْهُ عَنْ أَصْلِهِ فَصَارَ مُقَوَّمًا بِخِلَافِ الْمَسْكُوكِ فَإِنَّ صَنْعَتَهُ وَهِيَ السِّكَّةُ لَمَّا كَانَتْ يَسِيرَةً لَمْ تَنْقُلْهُ عَنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الْمِثْلِيَّةُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ إلَخْ) لِأَنَّ الشَّأْنَ قَصْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِبَتِهِ لِلْآخَرِ التَّعَاطُفَ وَالتَّوَاصُلَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ قَرِينَةٍ) أَيْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْهِبَةِ لِلْآخَرِ الْإِثَابَةَ، أَوْ تَقُومَ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِهَا أَيْ أَوْ يَجْرِيَ الْعُرْفُ بِهَا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الثَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا لِشَرْطٍ) أَيْ أَوْ عُرْفٍ فَيُعْمَلُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: الْأَقَارِبُ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الصِّلَةُ) أَيْ مِثْلُ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ وَغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُصَدَّقُ) أَيْ الْوَاهِبُ لِلْقَادِمِ فِي دَعْوَاهُ قَصْدَ الثَّوَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَدِمَ شَخْصٌ مِنْ سَفَرِهِ وَأَهْدَى لَهُ شَخْصٌ هَدِيَّةً مِنْ فَاكِهَةٍ، أَوْ رُطَبٍ، أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ وَادَّعَى قَصْدَ الثَّوَابِ وَادَّعَى الْقَادِمُ عَدَمَهُ فَالْقَوْلُ لِلْقَادِمِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَأْخُذُ الْوَاهِبُ لِلْقَادِمِ هِبَتَهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا.
(قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ ح إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ لِلْقَادِمِ لَا يُصَدَّقُ وَاهِبُهَا فِي دَعْوَاهُ قَصْدَ الثَّوَابِ وَتَضِيعُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْهِبَةُ لَطِيفَةً كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الثِّيَابُ وَالْقَمْحُ وَالْغَنَمُ وَالدَّجَاجُ وَشِبْهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَاهِبِ فِي دَعْوَاهُ قَصْدَ الثَّوَابِ فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَلَمْ يُشَبِّهْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَيْهَا كَانَ لِلْوَاهِبِ أَخْذُهَا وَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ قِيمَتِهَا.
(تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَلْزَمُهُ ضِيَافَةٌ لِمَنْ ضَافَهُ وَلَا مُكَافَأَةٌ لِمَنْ أَهْدَى لَهُ وَلَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ تَحَمَّلَهَا اهـ وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيهِ مَا يَشْمَلُ مَنْ شَغَلَ أَوْقَاتَهُ بِالْمُطَالَعَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْفَتْوَى وَإِنْ اقْتَصَرَ عَنْ الِاجْتِهَادِ كَمَا فِي بْن لَا خُصُوصُ الْمُجْتَهِدِ كَمَا فِي عبق وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِ الشَّهَادَةِ لَهُ مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَيُؤْخَذُ مِنْ نَقْلِ تت أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ لُزُومِ مُكَافَأَتِهِ مَا لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِمُكَافَأَتِهِ، أَوْ يَكُونُ الَّذِي أَهْدَاهُ فَقِيهًا مِثْلَهُ وَإِلَّا لَزِمَتْهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ) أَيْ وَلَزِمَ وَاهِبَ الْهِبَةِ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ الْهِبَةَ وَقَوْلُهُ: لَا الْمَوْهُوبَ أَيْ لَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ أَيْ دَفْعُهَا لِلْوَاهِبِ وَالْفَرْضُ أَنَّ الثَّوَابَ لَمْ يُعَيَّنْ وَأَمَّا إذَا عُيِّنَ وَرَضِيَ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ قَبَضَهَا أَمْ لَا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: الْقِيمَةُ) فَاعِلُ لَزِمَ أَيْ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ الْأَخْذُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاهِبِ وَمِنْ حَيْثُ الدَّفْعُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ صَرْفِ الْكَلَامِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْهِبَةَ، وَقَوْلُهُ: فَلَهُ أَيْ
(إلَّا لِفَوْتٍ) عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ (بِزَيْدٍ) فِي ذَاتِهَا كَكِبَرٍ وَسِمَنٍ وَأَوْلَى بِعِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ (أَوْ نَقْصٍ) كَعَمًى وَعَرَجٍ فَيَتَعَيَّنُ دَفْعُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَحَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ لَا تُعْتَبَرُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْوَاهِبِ (مَنْعُهَا) أَيْ حَبْسُ هِبَتِهِ عِنْدَهُ (حَتَّى يَقْبِضَهُ) أَيْ ثَوَابَهَا الْمُشْتَرَطَ أَوْ مَا رَضِيَ بِهِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَضَمَانُهَا مِنْ الْوَاهِبِ.
(وَأُثِيبَ) الْوَاهِبُ أَيْ أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ (مَا) أَيْ شَيْئًا (يُقْضَى عَنْهُ) أَيْ عَنْ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (بِبَيْعٍ) أَيْ فِي الْبَيْعِ بِأَنْ يُرَاعَى فِيهِ شُرُوطُ بَيْعِ السَّلَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّلَامَةِ مِنْ الرِّبَا فَإِذَا أَثَابَهُ مَا يُعَاوِضُ النَّاسُ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ لَزِمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ (وَإِنْ) كَانَ الثَّوَابُ (مَعِيبًا) أَيْ فِيهِ عَيْبٌ حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ أَوْ يُكْمِلُهَا لَهُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْعَيْبِ فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامٌ وَدَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ، أَوْ عَرَضٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لَا مِنْ جِنْسِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى سَلَمِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةٌ وَلَا ذَهَبٌ وَلَا عَنْ الْفِضَّةِ كَذَلِكَ لِتَأْدِيَتِهِ لِصَرْفٍ أَوْ بَدَلٍ مُؤَخَّرٍ وَلَا عَنْ اللَّحْمِ حَيَوَانٌ مِنْ جِنْسِهِ، وَعَكْسُهُ وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرَضٌ، أَوْ نَقْدٌ لَا طَعَامٌ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ مَعَ الْفَضْلِ وَلَوْ شَكًّا فَهِبَةُ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ وَتُخَالِفُهُ فِي الْأَقَلِّ لِأَنَّهَا تَجُوزُ مَعَ جَهْلِ عِوَضِهَا وَجَهْلِ أَجَلِهِ وَلَا تُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَلَا يَلْزَمُ عَاقِدَهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ،.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ لُزُومِ الْوَاهِبِ قَوْلُهُ (إلَّا) أَنْ يُثِيبَهُ (كَحَطَبٍ) وَتِبْنٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِدَفْعِهِ فِي مُقَابَلَةِ الْهِبَةِ (فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ) فَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِإِثَابَتِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ.
(وَلِلْمَأْذُونِ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ مِنْ مَالِهِ.
(وَلِلْأَبِ فِي مَالِ وَلَدِهِ) الْمَحْجُورِ (الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ) لَا لِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إبْرَاءٌ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَجَّانًا وَلَيْسَ الْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي جَوَازِ هِبَةِ الثَّوَابِ.
(وَإِنْ) (قَالَ) قَائِلٌ (دَارِي صَدَقَةٌ) ، أَوْ حَبْسٌ وَوَقَعَ ذَلِكَ (بِيَمِينٍ) أَيْ الْتِزَامٍ وَتَعْلِيقٍ كَأَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَدَارِي صَدَقَةٌ (مُطْلَقًا)
[حاشية الدسوقي]
فَلِلْوَاهِبِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِفَوَاتٍ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ) قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ " احْتِرَازًا مِمَّا إذَا فَاتَ بِيَدِ الْوَاهِبِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الْقَبُولُ وَلَوْ بَذَلَ لَهُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: يَوْمَ الْقَبْضِ) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ يَوْمَ الْهِبَةِ.
(قَوْلُهُ: لَا تُعْتَبَرُ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا تُفِيتُ رَدَّ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ ثَوَابَهَا الْمُشْتَرَطَ) أَيْ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَقَوْلُهُ: أَوْ مَا رَضِيَ بِهِ أَيْ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
(قَوْلُهُ: وَضَمَانُهَا مِنْ الْوَاهِبِ) أَيْ وَضَمَانُهَا إذَا تَلِفَتْ فِي حَالِ حَبْسِهَا مِنْ الْوَاهِبِ فَإِنْ حَبَسَهَا وَمَاتَ الْوَاهِبُ وَهِيَ بِيَدِهِ فَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مُعَيَّنًا كَانَتْ نَافِذَةً لِلُزُومِهَا بِالْعَقْدِ كَالْبَيْعِ وَلَزِمَ الْمَوْهُوبَ لَهُ قَبْضُهَا وَدَفْعُ الْعِوَضِ لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ وَأَخْذُهَا بَلْ إنْ شَاءَ وَأَمَّا إنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ قَبْلَ إثَابَتِهِ عَلَيْهَا كَانَ لِوَرَثَتِهِ مَا كَانَ لَهُ فَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مُعَيَّنًا حِينَ عَقْدِهَا لَزِمَهُمْ دَفْعُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا يَلْزَمُهُمْ دَفْعُهُ بَلْ لَهُمْ رَدُّ الْهِبَةِ، لَكِنْ إنْ دَفَعُوهُ وَكَانَ قَدْرَ الْقِيمَةِ لَزِمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ.
(قَوْلُهُ: وَأُثِيبَ مَا يُقْضَى عَنْهُ) أَيْ مَا يَصِحُّ دَفْعُهُ قَضَاءً عَنْهُ فِي بَيْعِ السَّلَمِ، فَعَنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِ يُقْضَى لَا بِقَوْلِهِ أُثِيبَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْإِثَابَةِ بِمَا لَمْ يَجْزِ قَضَاؤُهُ عَنْ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَأُثِيبَ عَنْهُ مَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ أَيْ مَا يَصِحُّ دَفْعُهُ قَضَاءً فِي بَيْعِ السَّلَمِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ يَصِحُّ دَفْعُهُ قَضَاءً عَنْ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، أَوْ عَنْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْبَيْعِ) أَيْ بَيْعِ السَّلَمِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرَاعَى فِيهِ) أَيْ فِي الثَّوَابِ شُرُوطُ بَيْعِ السَّلَمِ أَيْ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَبِيعٌ لَا مُقْرَضٌ وَقَوْلُهُ: شُرُوطُ السَّلَمِ مَا عَدَا الْأَجَلَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هُنَا فَالْمُرَادُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نَقْدَيْنِ وَلَا شَيْئًا فِي أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ كَفَارِهِ الْحُمُرِ فِي الْأَعْرَابِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ) أَيْ فِي الثَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الثَّوَابُ مَعِيبًا) مَحَلُّ لُزُومِ قَبُولِ الثَّوَابِ الْمَعِيبِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَيْبُ فَادِحًا كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ وَلَوْ كَمَّلَ لَهُ الْقِيمَةَ اُنْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يُكْمِلُهَا لَهُ) أَيْ أَوْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ وَلَكِنْ يُكْمِلُهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ) أَيْ وَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرُدَّ الثَّوَابَ الْمَعِيبَ وَيَأْخُذَ غَيْرَهُ سَالِمًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةٌ إلَخْ) مَحَلُّ هَذَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَجَازَ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَيُفِيدُهُ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: فَهِبَةُ الثَّوَابِ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِعِوَضِهَا وَقَوْلُهُ: كَالْبَيْعِ أَيْ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَقَلِّ) أَيْ فِي أَقَلِّ الْأَحْوَالِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ عَاقِدَهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهَا الْقَبْضُ وَالْمُعَاطَاةُ يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ يَكْفِي أَيْضًا فِي الْبَيْعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ فَانْظُرْ مَا مُرَادُهُ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَرَادَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَهُمَا فِي الْهِبَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْفَوْرِيَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلِلْمَأْذُونِ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَلِلْأَبِ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَأَعَادَ اللَّامَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَهَبُ مِنْ مَالِهِ، وَالْأَبَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، " وَالْهِبَةُ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
(قَوْلُهُ: الْمَحْجُورِ) أَيْ عَلَيْهِ لِصِغَرٍ، أَوْ سَفَهٍ لَا إنْ كَانَ الْوَلَدُ رَشِيدًا فَلَيْسَ لِلْأَبِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لَا لِغَيْرِهِ) أَيْ لَا لِغَيْرِ الثَّوَابِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْوَصِيُّ كَالْأَبِ) أَيْ وَلَا مُقَدَّمُ الْقَاضِي بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْتِزَامٍ وَتَعْلِيقٍ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَمِينِ الِالْتِزَامُ وَالتَّعْلِيقُ بِقَصْدِ التَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ عَلَى نَفْسِهِ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالْيَمِينِ
أَيْ لِمُعَيَّنٍ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ (أَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ (بِغَيْرِهَا) أَيْ بِغَيْرِ يَمِينٍ (وَلَمْ يُعَيِّنْ) الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا (لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ) فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لِعَدَمِ مَنْ يُخَاصِمُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِي الْمُعَيَّنِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ) لِلصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ، أَوْ الْحُبْسِ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ كَأَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ أَوْ هِبَةٌ، أَوْ حَبْسٌ عَلَى زَيْدٍ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا لَهُ لِقَصْدِهِ الْقُرْبَةَ.
(وَ) إنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ (فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ مَسْجِدٍ سَمَّاهُ وَعَيَّنَهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ فَفِي الْقَضَاءِ وَعَدَمِهِ (قَوْلَانِ) وَأَمَّا بِيَمِينٍ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ لِمُعَيَّنٍ وَلَا لِغَيْرِهِ.
(وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا) أَيْ فِي الْهِبَةِ مِنْ لُزُومٍ وَغَيْرِهِ (بِحُكْمِنَا) لَا بِحُكْمِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَأَمَّا بَيْنَ ذِمِّيَّيْنِ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمَا وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ) أَيْ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِ الْحَرْبِيِّ فَخَرَجَ بِمَعْصُومٍ مَالُ الْحَرْبِيِّ وَالرِّكَازُ (عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ) بِأَنْ كَانَ فِي مَضْيَعَةٍ بِغَامِرٍ أَيْ فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ عَامِرٍ بِالْمُهْمَلَةِ ضِدِّ الْخَرَابِ خَرَجَ بِهِ مَا كَانَ بِيَدِ حَافِظٍ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ وَضَعَهُ صَاحِبُهُ بِمَكَانٍ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ وَخَرَجَ الْإِبِلُ أَيْضًا، أَوْ عَرَضَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَالْمُرَادُ عَرَضَ الضَّيَاعُ لَهُ فَفِيهِ قَلْبٌ
[حاشية الدسوقي]
الشَّرْعِيَّةِ كَوَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِدَارِي عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ إنْ فَعَلْت كَذَا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مُجَرَّدَ الْيَمِينِ الشَّرْعِيَّةِ كَوَاللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِدَارِي عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا وَعْدٌ بِالصَّدَقَةِ وَهُوَ إخْبَارٌ وَالْكَلَامُ هُنَا فِيمَا يُفِيدُ إنْشَاءَ الصَّدَقَةِ.
(قَوْلُهُ: لِمُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ) أَيْ أَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى شَيْءٍ بَلْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَدَارِي صَدَقَةٌ وَسَكَتَ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ) أَيْ أَوْ هِبَةٌ، أَوْ حَبْسٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَيْ أَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ، أَوْ حَبْسٌ، أَوْ هِبَةٌ وَسَكَتَ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ مَنْ يُخَاصِمُهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ كَانَ هُنَاكَ يَمِينٌ أَمْ لَا وَقَوْلُهُ: وَلِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ فِي الْمُعَيَّنِ أَيْ حَيْثُ كَانَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ وَالتَّشْدِيدَ عَلَى نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ ذَلِكَ) أَيْ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّنْفِيذِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ التَّنْفِيذِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
(قَوْلُهُ: فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهَا لَهُ) فَلَوْ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ عَلَى زَيْدٍ الْمُعَيَّنِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا، ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ وَطَلَبَهَا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ امْتَنَعَ رَبُّهَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ نَظَرًا لِلْحَالِ الْأَوَّلِ كَمَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِّ اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: فَفِي الْقَضَاءِ) أَيْ إنْ امْتَنَعَ وَقَوْلُهُ " وَعَدَمِهِ " أَيْ وَعَدَمِ الْقَضَاءِ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِدَفْعِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِابْنِ زَرِبٍ وَالثَّانِي لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ لِمُعَيَّنٍ وَلَا لِغَيْرِهِ) أَيْ وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا وَإِنْ قَالَ: دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ إلَخْ.
(دَرْسٌ) (قَوْلُهُ: وَقُضِيَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فِيهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الذِّمِّيُّ هُوَ الْوَاهِبَ لِلْمُسْلِمِ، أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ هُوَ الْوَاهِبَ لِلذِّمِّيِّ وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْوَانُّوغِيُّ عَنْ ابْن عَرَفَةَ يُؤْخَذُ مِنْهُ عِنْدِي الْقَضَاءُ بِالْمَكْرُوهِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ هِبَةِ الذِّمِّيِّ مَكْرُوهٌ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: مِنْ لُزُومٍ وَغَيْرِهِ) مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ قُضِيَ وَقَوْلُهُ " وَغَيْرِهِ " أَيْ كَإِثَابَةٍ عَلَيْهَا وَعَدَمِ لُزُومِهَا مِنْ أَصْلِهَا.
(قَوْلُهُ: فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمَا وَلَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا) وَقِيلَ إنْ تَرَافَعَا إلَيْنَا حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فَالْهِبَةُ إحْدَى أُمُورٍ خَمْسَةٍ فِيهَا عَدَمُ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَافُعِ وَالْخِلَافِ عِنْدَ التَّرَافُعِ قَالَ عِيَاضٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالزِّنَا وَالْهِبَةِ اُنْظُرْ بْن.
.
[بَابٌ فِي اللُّقَطَةِ]
(بَابٌ فِي اللُّقَطَةِ) اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ فَتْحُ الْقَافِ مَعَ أَنَّ قِيَاسَ فُعَّلَةٌ فِي الْمَفْعُولِ الَّذِي هُوَ مُرَادٌ هُنَا السُّكُونُ كَضُحْكَةٍ لِمَنْ يَضْحَكُ سِنُّهُ وَقُدْوَةٍ لِمَنْ يُقْتَدَى بِهِ وَالْفَتْحُ إنَّمَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي الْفَاعِلِ يُقَالُ رَجُلٌ ضُحَكَةٌ أَيْ كَثِيرُ الضَّحِكِ وَمِنْهُ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ أَيْ كَثِيرُ الْهَمْزِ وَاللَّمْزِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا) أَيْ ثَبَتَ لَهُ الِاحْتِرَامُ فِي الشَّرْعِ بِأَنْ لَا يَجُوزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ مُسْتَحِقِّهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا تَفْسِيرٌ لِلْمَالِ الْمَعْصُومِ وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُقْرَأُ بِالْوَصْفِيَّةِ وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْإِضَافَةِ أَيْ مَالُ شَخْصٍ مَعْصُومٍ أَيْ حَفِظَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ مَالٌ مَعْصُومٌ سَوَاءٌ قُرِئَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ بِالْوَصْفِيَّةِ يَشْمَلُ الرَّقِيقَ الْكَبِيرَ وَالِاصْطِلَاحُ أَنَّهُ آبِقٌ لَا لُقَطَةٌ نَعَمْ الرَّقِيقُ الصَّغِيرُ لُقَطَةٌ وَقَوْلُهُ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ، أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِقَيْدِ الْأَخْذِ بِالْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُسَمَّى لُقَطَةً إذَا اُلْتُقِطَ بِالْفِعْلِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَالٌ مَعْصُومٌ أُخِذَ مِنْ مَكَان خِيفَ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ فِيهِ فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ مَالَ لِلتَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ الْآتِي وَوَجَبَ أَخْذُهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فَلَاةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الْخَرَابُ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ الْإِبِلُ) أَيْ لِأَنَّهَا
(وَإِنْ كَانَ) الْمَالُ الْمَعْصُومُ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِمَالٍ (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) وَبَالَغَ عَلَى الْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ أَنَّهُ لَا يُلْتَقَطُ وَعَلَى مَا بَعْدَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ كَضَالَّةِ الْإِبِلِ.
(وَرُدَّ) الْمَالُ الْمُلْتَقَطُ (بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ) وَهُوَ الْعِفَاصُ أَيْ الْخِرْقَةُ، أَوْ الْكِيسُ وَنَحْوُهُ الْمَرْبُوطُ فِيهِ الْمَالُ (وَ) الْمَشْدُودُ (بِهِ) وَهُوَ الْوِكَاءُ بِالْمَدِّ أَيْ الْخَيْطُ (وَ) بِمَعْرِفَةِ (عَدَدِهِ بِلَا يَمِينٍ) أَيْ يُقْضَى لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ بِأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَكَذَا بِمَعْرِفَةِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ فَالْأَوْلَى حَذْفُ الْعَدَدِ لِيَكُونَ جَارِيًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ بِالْأَوْلَى وَمَا لَا عِفَاصَ لَهُ وَلَا وِكَاءَ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ الْأَوْصَافِ الْمُفِيدَةِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْآتِي بِهَا.
(وَ) لَوْ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي أَوْصَافِ اللُّقَطَةِ (قُضِيَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ عَرَفَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ (عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) وَكَذَا لِمَنْ عَرَفَ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ بِيَمِينٍ فِي هَذِهِ.
(وَإِنْ) (وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ) شَخْصٍ (أَوَّلٍ) أَيْ وَصْفًا كَوَصْفِهِ (وَلَمْ يَبِنْ) أَيْ يَنْفَصِلْ (بِهَا) الْأَوَّلُ انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ (حَلَفَا) أَيْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهَا لَهُ (وَقُسِمَتْ) وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ كَبَيِّنَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا (لَمْ يُؤَرِّخَا) أَيْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا أَيْضًا وَلَوْ انْفَصَلَ مَنْ أَخَذَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ أَرَّخَا (فَلِلْأَقْدَمِ) تَارِيخًا
[حاشية الدسوقي]
لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الضَّيَاعُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمَعْصُومُ) أَيْ الَّذِي عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِمَالٍ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ.
(قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُلْتَقَطُ) أَيْ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَالٍ فَأَفَادَ بِالْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ مَالٌ يُلْتَقَطُ وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ مَعَ أَنَّهُ مَالٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ دَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ كَضَالَّةِ الْإِبِلِ) أَيْ فَلَا يُلْتَقَطُ.
(قَوْله وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَبِّهَا أُجْرَةً وَهِيَ الْمُسَمَّى بِالْحَلَاوَةِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ، أَوْ الصَّدَقَةِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْخِرْقَةُ إلَخْ) إنَّمَا سُمِّيَ الْوِعَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا النَّفَقَةُ عِفَاصًا أَخْذًا لَهَا مِنْ الْعَفْصِ وَهُوَ الثَّنْيُ؛ لِأَنَّ الْوِعَاءَ تُثْنَى عَلَى مَا فِيهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُقْضَى لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا بِمَعْرِفَةِ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ) أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَالْخِلَافُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا عَرَفَهُمَا فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِيَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: الْمُفِيدَةِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ إلَخْ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اخْتَلَفَ اثْنَانِ فِي أَوْصَافِ اللُّقَطَةِ) أَيْ بِأَنْ وَصَفَهَا أَحَدُهُمَا بِأَوْصَافٍ وَالْآخَرُ بِأَوْصَافٍ وَكَانَ كُلٌّ مِنْ أَوْصَافِ هَذَا وَأَوْصَافِ هَذَا مَوْجُودَةً فِيهَا.
(قَوْلُهُ: قُضِيَ لَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: بِيَمِينٍ فِي هَذِهِ) أَيْ وَأَمَّا فِي الْأُولَى فَالْقَضَاءُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ كَمَا عَلِمْت وَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ فَقَطْ بِيَمِينٍ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ اهـ وَكَذَا يُقْضَى بِهَا لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْعَدَدَ عَلَى مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِيَمِينٍ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِجَمْعِهِ بَيْنَ صِفَتَيْنِ إحْدَاهُمَا ظَاهِرِيَّةٌ وَالْأُخْرَى بَاطِنِيَّةٌ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ صِفَتَيْنِ ظَاهِرِيَّتَيْنِ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ الْخَبَرَ لِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا عَرَفَهُمَا وَالثَّانِي لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْهُمَا وَمَا هُنَا قَدْ عَرَفَ الثَّانِي بَعْضَهُمَا وَشَيْئًا آخَرَ كَذَا قِيلَ وَنُوقِشَ فِيهِ بِأَنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ الْعِفَاصُ وَالْوِكَاءُ إذَا كَانَتَا أَقْوَى الْأَوْصَافِ الْمُحَصِّلَةِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَالِاثْنَانِ أَقْوَى مِنْ وَاحِدٍ مَعَ غَيْرِهِمَا تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ اللُّقَطَةَ إذَا وَصَفَهَا شَخْصٌ وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَقَبَضَهَا وَلَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا انْفِصَالًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ بِأَنْ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا أَصْلًا، أَوْ انْفَصَلَ بِهَا لَكِنْ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ لِوَاصِفٍ ثَانٍ، ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ فَوَصَفَهَا بِوَصْفٍ مِثْلِ وَصْفِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ وَصْفُ الثَّانِي عَيْنَ وَصْفِ الْأَوَّلِ، أَوْ غَيْرَهُ حَيْثُ لَا يُقْضَى لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِوَصْفِهِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَكَذَا لَوْ نَكَلَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ أَمَّا لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ انْفَصَلَ بِهَا انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ لِلثَّانِي، أَوْ فَشَا الْخَبَرُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ بِهَا فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ وَصْفَ الْأَوَّلِ، أَوْ رَآهَا مَعَهُ فَعَرَفَ أَوْصَافَهَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ وَصْفًا كَوَصْفِهِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنَ وَصْفِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرَهُ.
(قَوْلُهُ: حَلَفَا وَقُسِمَتْ) أَيْ وَلَا يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَخَذَهَا بِوَضْعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْحَوْزِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُولَاتِ وَهَذَا مَالٌ عُلِمَ أَنَّهُ لُقَطَةٌ كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ إنَّهَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَخَذَهَا لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالْحَوْزِ.
(قَوْلُهُ: وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا إذَا نَكَلَا تَبْقَى بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ وَلَا تُعْطَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا دَامَا نَاكِلَيْنِ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ مَا لَوْ وَصَفَهَا شَخْصٌ وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَأَخَذَهَا ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلثَّانِي وَتُنْزَعُ مِنْ الْأَوَّلِ وَلَوْ انْفَصَلَ بِهَا.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُؤَرِّخَا) أَيْ الْمِلْكَ كَمَا فِي نَقْلِ بْن وَغَيْرِهِ
وَمِثْلُهُ صَاحِبُ الْمُؤَرِّخَةِ دُونَ الْأُخْرَى.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى) مُلْتَقِطٍ (دَافِعٍ) لَهَا (بِوَصْفٍ) أَيْ بِسَبَبِ وَصْفِهَا وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ (وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ) بِأَنَّهَا (لِغَيْرِهِ) أَيْ لِغَيْرِ مَنْ أَخَذَهَا وَيَبْقَى الْكَلَامُ بَيْنَ الْمُدَّعِي الثَّانِي وَالْآخِذِ لَهَا وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى مَا مَرَّ.
(وَاسْتُؤْنِيَ بِالْوَاحِدَةِ) أَيْ يَجِبُ التَّرَبُّصُ وَعَدَمُ الدَّفْعِ لِمَنْ أَتَى بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْعِفَاصِ، أَوْ الْوِكَاءِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ (إنْ جَهِلَ) مَنْ ذَكَرَ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ (غَيْرَهَا) لَعَلَّ غَيْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَثْبَتَ مِمَّا وَصَفَهَا هُوَ بِهِ فَيَأْخُذَهَا فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ الْأَوَّلُ، أَوْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَصْلًا اسْتَحَقَّهَا الْأَوَّلُ (لَا) إنْ (غَلَطَ) بِأَنْ ذَكَرَ الْعِفَاصَ، أَوْ الْوِكَاءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْغَلَطَ فَلَا تُدْفَعُ لَهُ أَصْلًا (عَلَى الْأَظْهَرِ) لِظُهُورِ كَذِبِهِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي أَوْ نَسِيتُهُ.
(وَلَمْ يَضُرَّ) أَيْ لَا يَضُرُّ مَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءِ، أَوْ أَحَدَهُمَا (جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ) أَيْ عَدَدِ الشَّيْءِ الْمُلْتَقَطِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا يَعْلَمُ قَدْرَ مَا بَقِيَ،.
ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الِالْتِقَاطِ بِقَوْلِهِ (وَوَجَبَ) (أَخْذُهُ) أَيْ الْمَالِ الْمَعْصُومِ الَّذِي عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ (لِخَوْفِ خَائِنٍ) لَوْ تَرَكَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ لِوُجُوبِ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ حِينَئِذٍ (لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) أَخْذُهُ وَلَوْ خَافَ خَائِنًا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخَفْ خَائِنًا (كُرِهَ) وَلَوْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ كَأَنْ خَافَ الْخَائِنَ وَشَكَّ فِي أَمَانَتِهِ هُوَ
[حاشية الدسوقي]
وَقَالَ شَيْخُنَا لَمْ يُؤَرِّخَا السُّقُوطَ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِمَا كَتَبَهُ شَيْخُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الزَّرْقَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ صَاحِبُ الْمُؤَرِّخَةِ دُونَ الْأُخْرَى) أَيْ إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا أَرَّخَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَإِنَّ اللُّقَطَةَ تَكُونُ لِصَاحِبِ الْمُؤَرِّخَةِ، هَذَا إذَا تَكَافَأَتَا فِي الْعَدَالَةِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، أَوْ كَانَتْ الْمُؤَرِّخَةُ أَعْدَلَ بَلْ وَلَوْ كَانَتْ الَّتِي لَمْ تُؤَرِّخْ أَعْدَلَ؛ لِأَنَّ ذَاتَ التَّارِيخِ تُقَدَّمُ عَلَى الزَّائِدَةِ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، كَذَا قَرَّرَهُ عج.
(قَوْلُهُ: بِوَصْفٍ) أَيْ بِجِنْسِ وَصْفِ الصَّادِقِ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ إلَخْ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي لَهَا بَعْدَ أَخْذِهَا وَصَفَهَا وَصْفًا تُؤْخَذُ بِهِ بَلْ وَإِنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِهَا.
(قَوْلُهُ: وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ وَصْفِ الثَّانِي وَصْفَ أَوَّلٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا، أَوْ بَانَ وَمِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
. (قَوْلُهُ: وَعَدَمُ الدَّفْعِ) أَيْ عَاجِلًا.
(قَوْلُهُ: إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ بِأَنْ قَالَ حِينَ السُّؤَالِ عَنْهُ لَا أَدْرِي مَا هُوَ، أَوْ قَالَ كُنْت أَعْلَمُهُ وَنَسِيتُهُ وَلَا يُعَارِضُ الِاسْتِينَاءَ مَا مَرَّ عَنْ أَصْبَغَ مِنْ دَفْعِهَا لِوَاصِفِ الْعِفَاصِ دُونَ مَنْ عَرَفَ الْوَزْنَ وَالْعَدَدَ؛ لِأَنَّ دَفْعَهَا لَهُ لَا يُنَافِي الِاسْتِينَاءَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِمَّا أَتَى بِهِ الْأَوَّلُ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ وَصْفُ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَأَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لَا إنْ غَلَطَ) أَيْ إنَّهُ إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَغَلِطَ فِي الْوِكَاءِ بِأَنْ قَالَ الْوِكَاءُ كَذَا فَإِذَا هُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَوْ عَرَفَ الْوِكَاءَ وَغَلِطَ فِي الْعِفَاصِ فَلَا تُدْفَعُ لَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِخِلَافِ مَا إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَوْ أَحَدَهُمَا وَغَلِطَ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ كَأَنْ قَالَ بَنَادِقَةٌ فَإِذَا هِيَ مَحَابِيبُ، أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ قَالَ هِيَ يَزِيدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ مُحَمَّدِيَّةٌ، أَوْ الْعَكْسُ فَإِنَّهَا لَا تُدْفَعُ لَهُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهِ) أَيْ كَمَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ غَلَطُهُ وَإِخْبَارُهُ بِزِيَادَةٍ لِاحْتِمَالِ الِاغْتِيَالِ عَلَيْهِ فِيهَا وَأَمَّا غَلَطُهُ وَإِخْبَارُهُ بِنَقْصٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ فَقِيلَ تُدْفَعُ لَهُ لِاحْتِمَالِ عُذْرِهِ بِسَهْوٍ مَثَلًا وَقِيلَ لَا تُدْفَعُ لَهُ لِبُعْدِ احْتِمَالِ أَنَّ أَحَدًا زَادَهَا وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَوْ أَحَدَهُمَا غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِأَقَلَّ مِنْ عَدَدِهَا وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ مَا إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَوْ أَحَدَهُمَا وَلَكِنْ جَهِلَ صِفَةَ الدَّنَانِيرِ بِأَنْ قَالَ لَا أَدْرِي هَلْ هِيَ مَحَابِيبُ، أَوْ بَنَادِقَةٌ وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا إلَّا السِّكَّةَ بِأَنْ قَالَ هِيَ مُحَمَّدِيَّةٌ أَوْ يَزِيدِيَّةٌ وَلَمْ يَعْرِفْ عِفَاصَهَا وَلَا وِكَاءَهَا وَلَا وَزْنَهَا وَلَا عَدَدَهَا فَقِيلَ لَا تُعْطَى لَهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَقَالَ يَحْيَى تُعْطَى لَهُ إذَا عَرَفَ السِّكَّةَ وَعَرَفَ نَقْصَ الدَّنَانِيرِ إنْ كَانَ فِيهَا نَقْصٌ وَأَصَابَ فِي ذَلِكَ.
[أَحْكَام الِالْتِقَاط]
(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ) الْحَقُّ كَمَا قَالَ بْن أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيمَا بَعْدَهُ عَلَى تَقْيِيدِ هَذَا بِعِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ " إدْرَاجُ الشَّكِّ فِيمَا قَبْلَهُ وَإِدْرَاجُ الشَّكِّ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا كُرِهَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الشَّارِحِ تَبَعًا لعبق وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ يَجِبُ الْأَخْذُ بِشَرْطَيْنِ: إنْ خَافَ الْخَائِنَ وَلَمْ يَعْلَمْ خِيَانَةَ نَفْسِهِ بِأَنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا فَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حَرُمَ الْأَخْذُ خَافَ الْخَائِنَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ كُرِهَ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، أَوْ شَكَّ فِيهَا فَالْوُجُوبُ فِي صُورَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْحُرْمَةُ وَكَذَلِكَ الْكَرَاهَةُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْرُمُ أَخْذُهُ) أَيْ هَذَا إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا بَلْ وَلَوْ خَافَ خَائِنًا فَيَحْرُمُ أَخْذُهُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ وَتَبِعَهُمْ الشَّارِحُ وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا إنَّ حُرْمَةَ أَخْذِهِ إذَا عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ وَلَمْ يَخَفْ خَائِنًا ظَاهِرَةٌ وَأَمَّا إذَا خَافَ خَائِنًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَلَا تَكُونَ خِيَانَةُ نَفْسِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا عَنْهُ وُجُوبَ حِفْظِهَا مِنْ الْخَائِنِ وَاسْتَظْهَرَ بَحْثَهُ الْحَطَّابُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وُجُوبُ الْأَخْذِ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: مَا إذَا خَافَ الْخَائِنَ وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، أَوْ شَكَّ فِيهَا، أَوْ عَلِمَ خِيَانَتَهَا
(عَلَى الْأَحْسَنِ) فَالْوُجُوبُ فِي صُورَةٍ وَالْحُرْمَةُ فِي صُورَتَيْنِ وَالْكَرَاهَةُ فِي ثَلَاثَةٍ.
(وَ) وَجَبَ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ الْمُلْتَقَطِ (سَنَةً) كَامِلَةً مِنْ يَوْمِ الِالْتِقَاطِ فَإِنْ أَخَّرَهُ سَنَةً، ثُمَّ عَرَّفَهُ فَهَلَكَ ضَمِنَ (وَلَوْ) كَانَ الْمُلْتَقَطُ (كَدَلْوٍ) وَدِينَارٍ وَدَرَاهِمَ كَصَرْفِهِ فَأَقَلَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ التَّافِهِ لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ التَّافِهِ إلَّا أَنَّهَا دُونَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ بَالٌ فَتُعَرَّفُ أَيَّامًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا لَا سَنَةً (لَا تَافِهًا) أَيْ لَا إنْ كَانَ تَافِهًا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النُّفُوسُ كُلَّ الِالْتِفَاتِ وَهُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ مَا لَا تَلْتَفِتُ النَّفْسُ إلَيْهِ وَتَسْمَحُ غَالِبًا بِتَرْكِهِ كَعَصًا وَسَوْطٍ وَشَيْءٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ فَلَا يُعَرَّفُ وَلَهُ أَكْلُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ، وَإِلَّا مُنِعَ وَضَمِنَ.
(بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) (بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) لَا دَاخِلَهُ (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ) مَرَّةً (بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ) أَيْ بِأَمَانَتِهِ (أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ اللُّقَطَةِ إنْ لَمْ (يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) بِأَنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَإِلَّا ضَمِنَ كَمَا لَوْ تَرَاخَى فِي التَّعْرِيفِ حَتَّى هَلَكَتْ.
(وَ) عَرَّفَهَا وُجُوبًا (بِالْبَلَدَيْنِ) مَعًا (إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ مَظَانِّ طَلَبِهَا.
(وَلَا يَذْكُرُ) الْمُعَرِّفُ وُجُوبًا (جِنْسَهَا) (عَلَى الْمُخْتَارِ) بَلْ يَذْكُرُهَا بِوَصْفٍ عَامٍّ كَمَالٍ، أَوْ شَيْءٍ، وَأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِ النَّوْعِ
[حاشية الدسوقي]
وَالْحُرْمَةُ فِي صُورَةٍ هِيَ مَا إذَا لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ وَعَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا مَا إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَشَكَّ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ أَوْ عَلِمَ أَمَانَتَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَجْمُوعَ الصُّوَرِ سِتٌّ؛ لِأَنَّ مُرِيدَ الِالْتِقَاطِ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، أَوْ خِيَانَتَهَا، أَوْ شَكَّ فِيهَا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ الْخَائِنَ لَوْ تَرَكَ الْأَخْذَ، أَوْ لَا وَقَدْ عَلِمْت أَحْكَامَهَا، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْكَرَاهَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْحَاكِمِ وَإِلَّا لَمْ يَأْخُذْهَا كَمَا فِي عبق.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَحْسَنِ) فِيهِ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْخِلَافَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِي صُوَرِ الْكَرَاهَةِ كُلِّهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ لَا يَخَافَ خَائِنًا وَيَعْلَمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَالْكَرَاهَةُ فِي غَيْرِهِ وَاخْتَارَ التُّونُسِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحْسَنِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَشَكَّ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهُ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُلْتَقِطِ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ إنْ جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ فِي تَعْرِيفِهِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ أَيْ وَجَبَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُلْتَقِطُ الشَّيْءَ الْمُلْتَقَطَ سَنَةً، أَوْ بِكَسْرِ الْقَافِ إنْ جُعِلَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ سَنَةً، ثُمَّ عَرَّفَهُ إلَخْ وَهَذِهِ عِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالسَّنَةِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إذَا ضَاعَتْ حَالَ التَّعْرِيفِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا أَخَّرَهُ سَنَةً وَأَمَّا إنْ أَخَّرَهُ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ شَرَعَ فِيهِ فَضَاعَتْ فَلَا ضَمَانَ فَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ التَّأْخِيرُ بِالسَّنَةِ فِيهِ نَظَرٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَدَلْوٍ) دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ الْمِخْلَاةُ وَقَوْلُهُ: كَصَرْفِهِ أَيْ مُمَاثَلَةً لِصَرْفِ الدِّينَارِ فِي الْقَدْرِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ التَّافِهِ) أَيْ بَلْ هِيَ فَوْقَهُ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا) أَيْ الدَّلْوَ وَالدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ.
(قَوْلُهُ: لَا سَنَةً) أَيْ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَالَ الْمُلْتَقَطَ إمَّا تَافِهٌ، أَوْ فَوْقَ التَّافِهِ فَالْأَوَّلُ لَا يُعَرَّفُ أَصْلًا وَالثَّانِي يُعَرَّفُ سَنَةً وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمَالَ الْمُلْتَقَطَ إمَّا تَافِهٌ وَهُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَإِمَّا كَثِيرٌ لَهُ بَالٌ وَهُوَ مَا فَوْقَ الدِّينَارِ وَإِمَّا فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ بَالٌ وَهُوَ الدِّينَارُ فَأَقَلُّ إلَى الدِّرْهَمِ فَالْأَوَّلُ لَا يُعَرَّفُ أَصْلًا وَالثَّانِي يُعَرَّفُ سَنَةً وَالثَّالِثُ يُعَرَّفُ أَيَّامًا حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ صَاحِبَهُ تَرَكَهُ وَلِلْمُلْتَقِطِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بَعْدَ تِلْكَ الْأَيَّامِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا بَعْدَ سَنَةٍ، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: لَا تَافِهًا) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ " كَدَلْوٍ "؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لِ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ بَعْدَ لَوْ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: كَعَصًا وَسَوْطٍ) أَيْ لَا كَبِيرَ قِيمَةٍ لَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَكْلُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبُّهُ) أَيْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِكَبَابِ مَسْجِدٍ) أَيْ وَسُوقٍ وَلَوْ دَاخِلَهُ.
(قَوْلُهُ: فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ مَرَّةً إلَخْ) هَذَا فِي غَيْرِ أَوَّلِ زَمَانِ التَّعْرِيفِ أَمَّا فِي أَوَّلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ.
(قَوْلُهُ: بِنَفْسِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَعْرِيفِهِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْجَارَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا بِمَعْنَى فِي وَالثَّانِيَ لِلْآلَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ) أَيْ بِأَمَانَتِهِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ فِي الْأَمَانَةِ فَإِذَا ضَاعَتْ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فَلَا ضَمَانَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضَمَانِ الْمُودَعِ إذَا أُودِعَ وَلَوْ أَمِينًا أَنَّ رَبَّهَا هُنَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لِحِفْظِهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنَ) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَرِّفُ مِثْلُهُ وَاسْتَأْجَرَ مَنْ يُعَرِّفُهَا وَضَاعَتْ مِنْهُ ضَمِنَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ هَذَا التَّقْيِيدُ تَبِعَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ التَّابِعَ لِابْنِ شَاسٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي تَعْرِيفَهَا بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَذْكُرُ الْمُعَرِّفُ وُجُوبًا جِنْسَهَا) أَيْ مِثْلَ حَيَوَانٍ، أَوْ عَيْنٍ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) أَيْ عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْخِلَافِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَجُوزُ لِلْمُعَرِّفِ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَ اللُّقَطَةِ وَعِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ: وَأَنْ لَا يَذْكُرَ جِنْسَهَا أَحْسَنُ أَيْ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ ذِكْرِ جِنْسِهَا أَحْسَنُ مِنْ مُقَابِلِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَالٍ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: يَا مَنْ ضَاعَ لَهُ مَالٌ أَوْ شَيْءٌ يَذْكُرُ أَمَارَتَهُ وَيَأْخُذُهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِ النَّوْعِ) أَيْ مِثْلُ بَقَرَةٍ، أَوْ حِمَارَةٍ، أَوْ ذَهَبٍ
وَالصِّنْفِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْجِنْسِ يُؤَدِّي أَذْهَانَ بَعْضِ الْحُذَّاقِ إلَى مَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ بِاعْتِبَارِ جَرْيِ الْعَادَةِ.
(وَدُفِعَتْ لِحِبْرٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا أَيْ عَالِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى عَالِمِ الْمُسْلِمِينَ (إنْ) (وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) أَيْ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ.
(وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا السَّنَةَ، (أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَا) عَنْ رَبِّهَا أَوْ نَفْسِهِ (أَوْ التَّمَلُّكُ) بِأَنْ يَنْوِيَ تَمَلُّكَهَا فَلِلْمُلْتَقِطِ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ (وَلَوْ) وُجِدَتْ (بِمَكَّةَ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا تُسْتَبَاحُ لُقَطَتُهَا بَعْدَ سَنَةٍ.
وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا حَالَ كَوْنِهِ (ضَامِنًا) لَهَا إذَا جَاءَ رَبُّهَا (فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّصَدُّقِ بِوَجْهَيْهِ وَالتَّمَلُّكِ (كَنِيَّةِ أَخْذِهَا) أَيْ كَمَا يَضْمَنُ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْتِقَاطِهَا وَلَوْ قَالَ كَنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا قَبْلَهُ كَانَ أَوْضَحَ يَعْنِي أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا رَأَى اللُّقَطَةَ فَنَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا، ثُمَّ أَخَذَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِرَبِّهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ؛ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ مَعَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا صَارَ كَالْغَاصِبِ فَيَضْمَنُ كَمَا إذَا نَوَى التَّمَلُّكَ قَبْلَ السَّنَةِ بَعْدَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا (وَ) كَمَا يَضْمَنُ فِي (رَدِّهَا) لِمَوْضِعِهَا، أَوْ غَيْرِهِ (بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ) أَيْ لِلتَّعْرِيفِ (إلَّا) أَنْ يَرُدَّهَا لِمَوْضِعِهَا (بِقُرْبٍ) مِنْ أَخْذِهَا فَضَاعَتْ (فَتَأْوِيلَانِ) فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ فَإِنْ أَخَذَهَا لِغَيْرِ الْحِفْظِ وَرَدَّهَا بِقُرْبٍ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا وَعَنْ بُعْدٍ ضَمِنَ أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ أَمْ لَا.
(وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ) أَيْ أَنَّ الرَّقِيقَ كَالْحُرِّ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ
[حاشية الدسوقي]
أَوْ فِضَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَالصِّنْفِ) مِثْلِ بَنَادِقَةٍ، أَوْ مَحَابِيبَ، أَوْ رِيَالَاتٍ.
(قَوْلُهُ: وَدُفِعَتْ لِحِبْرٍ) بَحَثَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ فَالِاحْتِيَاطُ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِلْحِبْرِ إلَّا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا) أَيْ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَصَدَّرَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ بِالْفَتْحِ وَقَالَ إنَّهُ رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ عَالِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) سُمِّيَ حِبْرًا بِكَسْرِ الْحَاءِ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ الْحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ تُدْفَعُ لِلْحِبْرِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحِبْرُ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ اللُّقَطَةُ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الدَّفْعَ لَهُ مَنْدُوبٌ؛ إذْ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ خِدْمَةٌ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِبْرٌ فَانْظُرْ هَلْ تُدْفَعُ لِرَاهِبِهِمْ أَيْ عَابِدِهِمْ أَوْ لِلسُّلْطَانِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقِلَّةِ اشْتِغَالِ الرَّاهِبِ بِالنِّسْبَةِ لِلسُّلْطَانِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ حَبْسُهَا) أَيْ حَتَّى يَظْهَرَ رَبُّهَا (قَوْلُهُ: فَلِلْمُلْتَقِطِ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ) اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَخْيِيرِ الْمُلْتَقِطِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا أَوْ بَيْعُهَا لِصَاحِبِهَا وَوَضْعُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَا تَمَلُّكُهَا لِمَشَقَّةِ خَلَاصِ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ) أَيْ وَهُوَ الْبَاجِيَّ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ: وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ حَاجٍّ وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْعَوْدُ فِي السَّنَةِ وَاسْتَدَلَّ الْبَاجِيَّ بِحَدِيثِ «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا» وَأَجَابَ الْمَشْهُورُ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تَحِلُّ قَبْلَ السَّنَةِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ فِي مَكَّةَ مَعَ أَنَّ عَدَمَ حِلِّهَا قَبْلَ السَّنَةِ عَامٌّ فِي مَكَّةَ وَغَيْرِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ تَعْرِيفِ لُقَطَتِهَا بِانْصِرَافِ الْحُجَّاجِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فِي التَّصَدُّقِ بِوَجْهَيْهِ) أَيْ عَنْ رَبِّهَا، أَوْ عَنْ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: كَنِيَّةِ أَخْذِهَا) أَيْ تَمَلُّكِهَا وَقَوْلُهُ: أَيْ قَبْلَ الْتِقَاطِهَا أَيْ قَبْلَ أَخْذِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ كَنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا قَبْلَهُ) أَيْ ثُمَّ أَخَذَهَا.
(قَوْلُهُ: فَنَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا) أَيْ فَقَبْلَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا نَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَحَازَ فَتَلِفَتْ مِنْهُ، أَوْ غُصِبَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ مَعَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا) أَيْ مَعَ فِعْلِ الْوَضْعِ حِينَ نِيَّتِهِ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الِاغْتِيَالِ لَا تُعْتَبَرُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا إذَا نَوَى التَّمَلُّكَ قَبْلَ السَّنَةِ بَعْدَ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا) أَيْ لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ هُنَا لَمْ تَتَجَرَّدْ بَلْ قَارَنَهَا الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ وَقَدْ جَعَلَ ح ضَمِيرَ قَبْلَهَا لِلسَّنَةِ وَحُمِلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مُرْتَضِيًا بَحْثَ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ الْأُولَى مَا إذَا رَآهَا مَطْرُوحَةً فَنَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا، ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا فَتَلِفَتْ الثَّانِيَةُ مَا إذَا نَوَى تَمَلُّكَهَا وَأَخَذَهَا فَتَلِفَتْ الثَّالِثَةُ مَا إذَا أَخَذَهَا لِلتَّعْرِيفِ، ثُمَّ نَوَى تَمَلُّكَهَا قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ وَحْدَهَا لَا تُعْتَبَرُ وَفِي الثَّانِيَةِ الضَّمَانُ قَطْعًا لِمُصَاحَبَةِ فِعْلِهِ وَهُوَ أَخْذُهَا لِنِيَّةِ الِاغْتِيَالِ وَفِي الثَّالِثَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مُصَاحَبَةِ فِعْلٍ؛ إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ النِّيَّةَ تَبَدَّلَتْ مَعَ بَقَاءِ الْيَدِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بِالضَّمَانِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ قَدْ صَاحَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ وَارْتَضَاهُ ح وَحُمِلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَشَارِحُنَا تَبَعًا لِغَيْرِهِ حَمَلَهُ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَمَا يَضْمَنُ فِي رَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا، أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ بَعْدَ بُعْدٍ مِنْ أَخْذِهَا وَالْحَالُ أَنَّهَا ضَاعَتْ بَعْدَ الرَّدِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي أَخْذِهَا الْمَكْرُوهِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مِنْ خَائِنٍ وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، أَوْ شَكَّ فِيهَا لَا فِي الْوَاجِبِ لِضَمَانِهِ بِرَدِّهَا مُطْلَقًا مِنْ قُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ اتِّفَاقًا لِتَرْكِهِ لِلْوَاجِبِ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ قَوْلُهُ: إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ وَلَا فِي الْحَرَمِ لِضَمَانِهِ بِأَخْذِهَا إنْ لَمْ يَرُدَّهَا مَكَانَهَا؛ لِأَنَّ رَدَّهَا فِيهِ وَاجِبٌ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَخَذَهَا لِغَيْرِ الْحِفْظِ) أَيْ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ أَخَذَهَا لِسُؤَالِ جَمَاعَةٍ هَلْ هِيَ لَهُمْ
وَعَدَمِهِ وَالضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ (وَ) إنْ ضَاعَتْ مِنْهُ (قَبْلَ السَّنَةِ) بِتَفْرِيطٍ أَوْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكٍ فَجِنَايَةٌ (فِي رَقَبَتِهِ) فَيُبَاعُ فِيهَا مَا لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهَا عَنْهُ وَأَمَّا بَعْدَ السَّنَةِ فَفِي ذِمَّتِهِ يُتَّبَعُ بِهَا إذَا عَتَقَ وَلَا يُبَاعُ فِيهَا.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا (أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) لَوْ بَقِيَ كَفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ وَخُضَرٍ وَلَا يَضْمَنُ (وَلَوْ) وُجِدَ (بِقَرْيَةٍ) أَيْ عَامِرٍ كَمَا لَوْ وُجِدَ بِغَامِرٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ لَكِنْ يَنْبَغِي الِاسْتِينَاءُ بِهِ قَلِيلًا وَأَمَّا مَا لَا يَفْسُدُ كَالتَّمْرِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ.
(وَ) لَهُ أَكْلُ (شَاةٍ) وَجَدَهَا (بِفَيْفَاءَ) وَلَمْ يَتَيَسَّرْ حَمْلُهَا لَلْعُمْرَانِ وَلَا ضَمَانَ فَإِنْ حَمَلَهَا لَلْعُمْرَانِ وَلَوْ مَذْبُوحَةً فَرَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ عَلِمَ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهَا وَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا إنْ حَمَلَهَا حَيَّةً كَمَا لَوْ وَجَدَهَا بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ، أَوْ اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فِي الْمَرْعَى (كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ) مِنْ سِبَاعٍ، أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، أَوْ مِنْ النَّاسِ بِفَيْفَاءَ وَعَسُرَ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ فَلَهُ أَكْلُهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ بِمَحَلِّ أَمْنٍ بِالْفَيْفَاءِ (تُرِكَتْ) فَإِنْ أَخَذَهَا عُرِّفَتْ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِالْعُمْرَانِ فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ (كَإِبِلٍ) فَإِنَّهَا تُتْرَكُ وَلَوْ بِمَحَلِّ خَوْفٍ إلَّا خَوْفَ خَائِنٍ.
(وَإِنْ أُخِذَتْ) الْإِبِلُ تَعَدِّيًا (عُرِّفَتْ) سَنَةً (ثُمَّ) بَعْدَ السَّنَةِ (تُرِكَتْ بِمَحْمِلِهَا) الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ فَقَوْلُهُمْ
[حاشية الدسوقي]
أَمْ لَا فَقَالُوا لَا، وَيُقَالُ لِهَذَا تَعْرِيفٌ حُكْمِيٌّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْحِفْظِ الِاغْتِيَالَ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ فِي هَذَا وَاجِبٌ فَلَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ: وَعَنْ بُعْدٍ ضَمِنَ إلَخْ وَقَوْلُهُ: أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ الْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ.
(قَوْلُهُ: وَعَدَمِهِ) أَيْ وَعَدَمِ وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ وَهُوَ حُرْمَتُهُ وَكَرَاهَتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِالْتِقَاطِ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّفُهَا حَالَ خِدْمَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهَا) أَيْ إسْقَاطُ ضَمَانِهَا عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بَعْدَ السَّنَةِ) أَيْ وَأَمَّا إذَا ضَاعَتْ بَعْدَ السَّنَةِ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَصَدُّقٍ، أَوْ تَمَلَّكَهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ وَلَوْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ) أَيْ هَذَا إذَا وُجِدَ بِغَامِرٍ أَيْ خَرَابٍ بَلْ وَلَوْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ وَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا كَانَ أَكَلَ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِرَبِّهِ حِينَ الِالْتِقَاطِ وَإِلَّا ضَمِنَ لَهُ قِيمَتَهُ، ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الشَّارِحِ أَنَّ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ بِرَبِّهِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إذَا أَكَلَهُ سَوَاءٌ كَانَ تَافِهًا، أَوْ لَهُ ثَمَنٌ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ طفى وَاَلَّذِي فِي ح وَتَبِعَهُ عبق أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ فِيمَا إذَا أَكَلَ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ - مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ تَافِهًا لَا ثَمَنَ لَهُ وَإِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِرَبِّهِ إذَا جَاءَ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ فِيمَا لَهُ ثَمَنٌ بَيْنَ مَا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ وَمَا لَا يَفْسُدُ إلَّا جَوَازُ الْقُدُومِ عَلَى الْأَكْلِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ فِيمَا يَفْسُدُ وَمَنْعُهُ فِي غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ) أَيْ بَلْ يَأْكُلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ التَّعْرِيفِ فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي عبق.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَنْبَغِي الِاسْتِينَاءُ إلَخْ) الَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ الِاسْتِينَاءُ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ) أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَأَمَّا إذَا كَانَ تَافِهًا جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِصَاحِبِهِ حِينَ وَجَدَهُ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ ثَمَنَهُ كَمَا مَرَّ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَيَسَّرْ حَمْلُهَا لَلْعُمْرَانِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ حَمْلُهَا وَلَا سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ فَإِنْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا لَلْعُمْرَانِ، أَوْ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ حُمِلَتْ، أَوْ سِيقَتْ وَعَرَّفَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَهَا فَإِنْ حَمَلَهَا وَلَوْ مَذْبُوحَةً وَعَلِمَ رَبُّهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهَا وَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ جَوَازَ الْأَكْلِ بِمَا إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ حَمْلُهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا فِي عبق مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا تَيَسَّرَ حَمْلُهَا، أَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَسْلَمُ، قَوْلُهُ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي بْن.
(قَوْلُهُ: وَلَا ضَمَانَ) أَيْ سَوَاءٌ ذَبَحَهَا وَأَكَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، أَوْ أَكَلَهَا فِي الْعُمْرَانِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ ذَبَحَهَا حِينَ الِالْتِقَاطِ فِي الصَّحْرَاءِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا وَجَدَهَا فِي الْفَلَاةِ وَأَكَلَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا إذَا عَلِمَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ عَالِمٍ بِرَبِّهَا حِينَ وَجَدَهَا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا فَإِنْ كَانَ أَكَلَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ وَجَدَهَا بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ) أَيْ فَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ.
(قَوْلُهُ: وَعَسُرَ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ) أَيْ فَإِنْ كَانَتْ بِمَحَلِّ خَوْفٍ بِفَيْفَاءَ وَتَيَسَّرَ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ لَمْ يَأْكُلْهَا وَعَرَّفَهَا فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا إذَا عَلِمَ.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ كَانَتْ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِمَحَلِّ الْعُمْرَانِ وَلَوْ مَخُوفًا تَكُونُ لُقَطَةً فَلَا تُؤْكَلُ وَإِذَا أَخَذَهَا عَرَّفَهَا.
(قَوْلُهُ: كَإِبِلٍ) ظَاهِرُهُ وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ، أَوْ فِي الْعُمْرَانِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: إلَّا خَوْفَ خَائِنٍ) أَيْ إلَّا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ أَخْذِ الْخَائِنِ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ وَتُعَرَّفُ وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ عبق وَالْخَرَشِيَّ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج وَفِي بْن الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَرْكُهَا مُطْلَقًا قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَدَمَ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ النَّاسِ وَأَمَّا فِي الزَّمَنِ الَّذِي فَسَدَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ تُؤْخَذَ وَتُعَرَّفَ فَإِنْ لَمْ تُعَرَّفْ بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا لِرَبِّهَا فَإِذَا أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ لَمَّا دَخَلَ النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا اهـ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَمِيمُ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَدَمُ الْتِقَاطِهَا مُطْلَقًا كَذَا فِي بْن لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ
الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ
تَقْتَضِي
لَا يُرَاعَى فِيهَا خَوْفٌ أَيْ خَوْفُ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ سِبَاعٍ وَأَمَّا خَوْفُ الْخَائِنِ فَمُوجِبٌ لِلِالْتِقَاطِ.
(وَ) لَهُ (كِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا) كَخَيْلٍ وَحُمُرٍ (فِي عَلَفِهَا) بِفَتْحِ اللَّامِ مَا تُعْلَفُ بِهِ مِنْ نَحْوِ فُولٍ وَأَمَّا بِالسُّكُونِ فَاسْمٌ لِلْفِعْلِ (كِرَاءً مَضْمُونًا) أَيْ مَأْمُونًا لَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُ مُيَاوَمَةً، أَوْ مُشَاهَرَةً أَوْ وَجِيبَةً فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَضْمُونِ ضِدَّ الْمُعَيَّنِ (وَ) لَهُ (رُكُوبُ دَابَّةٍ) مِنْ مَوْضِعِ الِالْتِقَاطِ (لِمَوْضِعِهِ) وَإِنْ لَمْ يَتَعَسَّرْ قَوْدُهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ أَكْرَاهَا فِي أَزْيَدَ مِنْ عَلَفِهَا أَوْ غَيْرِ مَأْمُونٍ، أَوْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ مَوْضِعِهِ (ضَمِنَ) الْقِيمَةَ - إنْ هَلَكَتْ - وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا وَقِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ إنْ لَمْ تَهْلِكْ.
(وَ) لَهُ (غَلَّاتُهَا) مِنْ لَبَنٍ وَسَمْنٍ، وَإِنْ زَادَ عَلَى عَلَفِهَا (دُونَ نَسْلِهَا) وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَوَبَرِهَا وَدُونَ كِرَائِهَا لِغَيْرِ الْعَلَفِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ مِنْ عِنْدِهِ (خُيِّرَ رَبُّهَا) إذَا جَاءَ (بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ) لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ (أَوْ إسْلَامِهَا) لِمُلْتَقِطِهَا فِي نَظِيرِهَا فَإِنْ أَسْلَمَهَا، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْوَاوِ بَدَلَ " أَوْ ".
(وَإِنْ) (بَاعَهَا) الْمُلْتَقِطُ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ الَّتِي عَرَّفَهَا بِهَا (فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ) الَّذِي بِيعَتْ بِهِ وَالْبَيْعُ مَاضٍ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَلَوْ عَدِيمًا لَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ مَلِيئًا (بِخِلَافِ مَا لَوْ) (وَجَدَهَا) رَبُّهَا (بِيَدِ الْمِسْكِينِ) الْمُتَصَدَّقِ بِهَا عَلَيْهِ (أَوْ) بِيَدِ (مُبْتَاعٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِسْكِينِ (فَلَهُ) أَيْ لِرَبِّهَا (أَخْذُهَا) مِنْ الْمِسْكِينِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمِسْكِينِ إنْ وَجَدَ عِنْدَهُ
[حاشية الدسوقي]
الْآنَ مَا صَنَعَ عُثْمَانُ كَمَا لَوْ قَالَ فِي تَضْمِينِ الْخُفَرَاءِ فَلِذَا اخْتَارَ شَيْخُنَا مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: لَا يُرَاعَى فِيهَا) أَيْ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ كِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا) أَيْ وَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا فِي مَنَافِعِهِ بِقَدْرِ عَلَفِهَا إنْ كَانَ عَلَفُهَا مِنْ عِنْدِهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي بَقَرٍ لَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَهِيَ الَّتِي وَجَدَهَا فِي الْعُمْرَانِ، أَوْ فِي الْفَيْفَاءِ وَتَيَسَّرَ سَوْقُهَا لَلْعُمْرَانِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَأْمُونًا) أَيْ مَأْمُونًا عَاقِبَتُهُ.
(قَوْلُهُ: مُيَاوَمَةً) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ مُيَاوَمَةً إلَخْ أَوْ مُشَاهَرَةً، أَوْ وَجِيبَةً وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ كِرَاؤُهَا فِي عَلَفِهَا مَعَ أَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُوَكِّلْهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَيْهَا فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلَحَ لِرَبِّهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أَكْرَاهَا كِرَاءً مَأْمُونًا وَجِيبَةً ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَضْمُونِ ضِدَّ الْمُعَيَّنِ) أَيْ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَضْمُونُ عَاقِبَتُهُ وَهُوَ الْمَأْمُونُ الَّذِي لَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ لِتَصْوِيبِ ابْنِ غَازِيٍّ مَضْمُونًا بِمَأْمُونًا وَوَجْهُ تَصْوِيبِهِ أَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ كِرَاءُ دَابَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَالْفَرْضُ هُنَا أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ.
(قَوْلُهُ: لِمَوْضِعِهِ) أَيْ مَحَلِّ إقَامَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا ضَمِنَ الْقِيمَةَ إنْ هَلَكَتْ إلَخْ) أَيْ وَيُقَدَّمُ فِي الضَّمَانِ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْكِرَاءِ غَيْرِ الْمَأْمُونِ - لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ - عَلَى الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ.
(قَوْلُهُ: وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا) فَإِذَا أُكْرِيَتْ لِأَجْلِ الْعَلَفِ وَزَادَ مِنْ كِرَائِهَا شَيْءٌ عَلَى الْعَلَفِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُلْتَقِطِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ بَلْ يَغْرَمُهُ لِرَبِّهَا إذَا جَاءَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ) أَيْ الَّتِي هِيَ الرُّكُوبُ لِغَيْرِ مَوْضِعِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ غَلَّاتُهَا) أَيْ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهَا إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يُكْرِهَا فِي عَلَفِهَا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي مَنَافِعِهِ وَضَمِيرُ غَلَّاتِهَا عَائِدٌ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الشَّاةِ وَمَا بَعْدَهَا، ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لَهُ الْغَلَّةَ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قَدْرِ عَلَفِهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ أَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ بِقَدْرِ عَلَفِهِ لَهَا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ مَعَهَا قَالَ شَيْخُنَا وَفِي كَلَامِ عج مَيْلٌ لِتَرْجِيحِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(قَوْلُهُ: وَصُوفِهَا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَوْ غَيْرَ تَامٍّ فَهُوَ لِرَبِّهَا مِثْلُ النَّسْلِ وَمَا مَعَهُ وَلَا يَأْخُذُهُ الْمُلْتَقِطُ لِنَفْسِهِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ لُقَطَةٌ مَعَهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ مِنْ عِنْدِهِ) أَيْ كُلَّ النَّفَقَةِ، أَوْ بَعْضَهَا وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَكْرَاهَا فَنَقَصَ الْكِرَاءُ عَنْ نَفَقَتِهَا وَكَمَّلَ الْمُلْتَقِطُ نَفَقَتَهَا مِنْ عِنْدِهِ فَيُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ اللُّقَطَةَ فِي نَفَقَتِهِ أَوْ يَفْتَدِيَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ بِدَفْعِ مَا لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ لَا فِي ذِمَّةِ رَبِّهَا كَالْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا سَلَّمَهُ الْمَالِكُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ شَيْئِهِ غَرِمَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ) أَيْ بِمِثْلِ النَّفَقَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا) أَيْ وَدَفَعَ مِثْلَ النَّفَقَةِ وَقَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ أَيْ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا لِلْمُلْتَقِطِ بِرِضَاهُ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ عَكْسَهُ كَذَلِكَ أَيْ إذَا دَفَعَ لَهُ النَّفَقَةَ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ النَّفَقَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ بَيْنَ إنَّمَا تُضَافُ لِمُتَعَدِّدٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْنِيَّةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمُتَعَدِّدِ، " وَأَوْ " لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أَوْ الْأَشْيَاءِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ بَاعَهَا الْمُلْتَقِطُ) أَيْ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ نَوَى تَمَلُّكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ صَارَ ضَامِنًا قِيمَتَهَا اُنْظُرْ الْبَدْرَ الْقَرَافِيَّ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَهَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَالْحُكْمُ أَنَّ رَبَّهَا مُخَيَّرٌ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ حُرًّا وَإِلَّا فَفِي رَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ فَدَاهُ بِقِيمَتِهَا وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهُ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وَالْبَيْعُ مَاضٍ) أَيْ فَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ نَقْضُهُ وَأَخْذُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً.
(قَوْلُهُ: يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ) أَيْ وَيَرْجِعُ
وَإِلَّا فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ فَلَهُ أَخْذُهَا أَيْ أَوْ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا، أَوْ عَنْ رَبِّهَا وَتَعَيَّبَتْ فَإِنْ بَقِيَتْ بِحَالِهَا تَعَيَّنَ أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ تَعَيَّنَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
(وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمِسْكِينِ بِنَفْسِ اللُّقَطَةِ (إنْ أَخَذَ) رَبُّهَا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُلْتَقِطِ (قِيمَتَهَا) وَذَلِكَ حَيْثُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَتَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ أَيْ وُجِدَتْ عِنْدَهُ مَعِيبَةً؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِحَالِهَا فَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا كَمَا مَرَّ.
وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمِسْكِينِ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا) الْمُلْتَقِطُ (عَنْ نَفْسِهِ) فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِشَيْءٍ لَا بِهَا وَلَا بِالْقِيمَةِ الَّتِي غَرِمَهَا لِرَبِّهَا كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَلَمْ تُوجَدْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ.
(وَإِنْ) (نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا) بَعْدَ تَعْرِيفِهَا السَّنَةَ (فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا) وَلَا أَرْشَ لَهُ فِي النَّقْصِ (أَوْ) أَخْذُ (قِيمَتِهَا) يَوْمَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَإِنْ نَوَى تَمَلُّكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ فَكَالْغَاصِبِ وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا فَلَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَالْقِيمَةُ.
(وَوَجَبَ) (لَقْطُ طِفْلٍ) أَيْ صَغِيرٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَغِذَاءٍ (نُبِذَ) صِفَةٌ لِطِفْلٍ أَيْ طِفْلٍ مَنْبُوذٍ وَهُوَ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِقَصْدِ النَّبْذِ فَلَا يَشْمَلُ مَنْ ضَلَّ عَنْ أَهْلِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَهُ بِمَضْيَعَةٍ (كِفَايَةً) أَيْ وُجُوبُ كِفَايَةٍ وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّقِيطَ بِقَوْلِهِ: صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ، وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةٌ لَا لَقِيطٌ وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَهُوَ الْأُمُّ فَعَلَيْهَا الْقِيَامُ بِهِ.
(وَ) وَجَبَ (حَضَانَتُهُ وَنَفَقَتُهُ) عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ
[حاشية الدسوقي]
عَلَيْهِ أَيْضًا بِالْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فَإِنْ أَعْدَمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحَابَاةِ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا حَابَى بِهِ فَقَطْ لَا بِأَصْلِ الثَّمَنِ؛ إذْ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ بَلْ عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَلَوْ عَدِيمًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُحَابَاةِ يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا أَعْدَمَ الْبَائِعُ وَبَيْنَ الثَّمَنِ لَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي بَلْ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ مُعْدِمًا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمَّا شَارَكَ الْبَائِعَ فِي الْعَدَاءِ بِالْمُحَابَاةِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا عِنْدَ عُدْمِ بَائِعِهِ وَلَا كَذَلِكَ الثَّمَنُ فَلِذَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهِ عِنْدَ عُدْمِ الْبَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَ الْمِسْكِينَ عَلَيْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ثَمَنِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ تَصَدَّقَ بِهَا وَيَرْجِعَ الْمُلْتَقِطُ بِتَمَامِ الثَّمَنِ عَلَى الْمِسْكِينِ؛ لِأَنَّهُ الْبَائِعُ.
(قَوْلُهُ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا) يَعْنِي التَّخْيِيرَ الْمُتَقَدِّمَ، وَهُوَ تَخْيِيرُ رَبِّهَا بَيْنَ أَخْذِهَا مِنْ يَدِ الْمِسْكِينِ، أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَبَيْنَ تَضْمِينِ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً، أَوْ تَعَيَّبَتْ أَوْ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَتَعَيَّبَتْ بِاسْتِعْمَالٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ رَبِّهَا وَجَاءَ رَبُّهَا فَوَجَدَهَا قَائِمَةً، أَوْ تَعَيَّبَتْ بِسَمَاوِيٍّ فِي يَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ تَعَيَّنَ أَخْذُهَا وَإِنْ وَجَدَهَا قَدْ فَاتَتْ بِهَلَاكٍ سَوَاءٌ تَصَدَّقَ بِهَا الْمُلْتَقِطُ عَنْ رَبِّهَا أَوْ عَنْ نَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ.
(قَوْلُهُ: وَتَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمِسْكِينِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّمَا لَهُ أَخْذُهَا كَمَا مَرَّ) أَيْ لَا أَخْذُ قِيمَتِهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى رُجُوعُ الْمُلْتَقِطِ عَلَى الْمِسْكِينِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تُوجَدْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ) أَيْ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا) أَيْ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ بِسَمَاوِيٍّ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَوَى تَمَلُّكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ) أَيْ وَنَقَصَتْ.
(قَوْلُهُ: فَكَالْغَاصِبِ) أَيْ يَضْمَنُ أَرْشَ النَّقْصِ وَلَوْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ) أَيْ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقَصَتْ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ هَلَكَتْ بَعْدَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ) أَيْ وَبَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا سَنَةً وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ نَقَصَتْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَقْتَ إرَادَتِهَا الْأَخْذَ، أَوْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهَا فَإِنْ أَخَذَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ لِمَحَلٍّ مَأْمُونٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَكَانَ لَهَا مَالٌ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِهِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِإِذْنِهِ صَارَ كَأَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ صَغِيرٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى.
(قَوْلُهُ: نُبِذَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى اتِّحَادِ مَعْنَى اللَّقِيطِ وَالْمَنْبُوذِ كَمَا عِنْدَ الْجَوْهَرِيِّ وَالْمُتَقَدِّمِينَ وَقِيلَ اللَّقِيطُ مَا اُلْتُقِطَ صَغِيرًا فِي الشَّدَائِدِ وَالْبَلَاءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ، وَالْمَنْبُوذُ بِخِلَافِهِ وَقِيلَ الْمَنْبُوذُ مَا دَامَ مَطْرُوحًا، وَلَا يُسَمَّى لَقِيطًا إلَّا بَعْدَ أَخْذِهِ وَقِيلَ الْمَنْبُوذُ مَا وُجِدَ بِفَوْرِ وِلَادَتِهِ وَاللَّقِيطُ بِخِلَافِهِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِمَضْيَعَةٍ) أَيْ وُجِدَ بِمَضْيَعَةٍ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ مَنْ نُبِذَ قَصْدًا وَمَنْ ضَلَّ عَنْ أَهْلِهِ وَيُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ؛ إذْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ الْحِرْزِ سَارِقٌ.
(قَوْلُهُ: كِفَايَةً) مَحَلُّ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ عَيْنًا كَمَا فِي الْإِرْشَادِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْوُجُوبُ وَلَوْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ بِدَعْوَى رِقِّيَّتِهِ مَثَلًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِالْخِيَانَةِ عُذْرًا يُسْقِطُ عَنْهُ الْوُجُوبَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا رِقُّهُ) أَيْ وَلَمْ يُعْلَمْ رِقُّهُ بَلْ عُلِمَتْ حُرِّيَّتُهُ أَوْ شُكَّ فِيهَا وَفِي رِقِّيَّتِهِ.
(قَوْلُهُ: فَخَرَجَ إلَخْ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَقَوْلُهُ: فَخَرَجَ إلَخْ أَيْ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فَخَرَجَ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَبْلُغَ إلَخْ) هَذَا
وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْتِقَاطِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ وَهَذَا (إنْ لَمْ يُعْطَ) مَا يَكْفِيهِ (مِنْ الْفَيْءِ) فَإِنْ أُعْطِيَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ وُجُوبِ النَّفَقَةِ إنْ لَمْ يُعْطَ إلَخْ قَوْلُهُ (إلَّا أَنْ يُمَلَّكَ كَهِبَةٍ) مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ حُبْسٍ فَنَفَقَتُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَحُوزُهُ لَهُ الْمُلْتَقِطُ؛ لِأَنَّهُ كَأَبِيهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَا يُمَلَّكُهُ، ثُمَّ الْفَيْءُ، ثُمَّ الْحَاضِنُ (أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ) مَالٌ مَرْبُوطٌ بِثَوْبِهِ (أَوْ مَدْفُونٌ) وَفِي نُسْخَةٍ " مَدْفُونًا " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ (تَحْتَهُ إنْ كَانَتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) أَيْ وَرَقَةٌ مَثَلًا مَكْتُوبٌ فِيهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَدْفُونَ تَحْتَ الطِّفْلِ لِلطِّفْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رُقْعَةٌ فَالْمَالُ لُقَطَةٌ.
(وَ) وَجَبَ (رُجُوعُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ الْمُنْفِقِ عَلَى اللَّقِيطِ (عَلَى أَبِيهِ) بِمَا أَنْفَقَ عَلَى اللَّقِيطِ (إنْ) كَانَ أَبُوهُ (طَرَحَهُ عَمْدًا) وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ لَا بِدَعْوَى الْمُلْتَقِطِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَبِ وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ أَيْضًا إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا حِينَ الْإِنْفَاقِ وَأَنْ يَحْلِفَ الْمُنْفِقُ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ لَا حِسْبَةً فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ السَّرَفِ وَمَفْهُومُ طَرَحَهُ أَنَّهُ لَوْ ضَلَّ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ هَرَبَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ الْمُنْفِقُ عَلَى الْأَبِ الْمُوسِرِ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ حِينَئِذٍ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبَرُّعِ وَمَعْنَى الْوُجُوبِ فِي هَذَا الْفَرْعِ الثُّبُوتُ (وَالْقَوْلُ) إنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِنْفَاقِ (لَهُ) أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ بِالْكَسْرِ (أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً) أَيْ تَبَرُّعًا بَلْ لِيَرْجِعَ بِيَمِينِهِ لَا قَوْلُ الْأَبِ إنَّهُ حِسْبَةٌ.
(وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ) لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي النَّاسِ (وَوَلَاؤُهُ) (لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ أَنَّهُمْ يَرِثُونَهُ فَمَحَلُّ مَالِهِ إذَا مَاتَ بَيْتُ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ الْمُلْتَقِطُ بَلْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
(وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) أَيْ اللَّقِيطِ إنْ وُجِدَ (فِي) قَرْيَةٍ مِنْ (قُرَى الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قُرَى الْكُفَّارِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ
[حاشية الدسوقي]
إذَا كَانَ اللَّقِيطُ ذَكَرًا فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِلَى دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا بَعْدَ إطَاقَتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَيَعْلَمُ بِهِ الْمُلْتَقِطُ حَالَ إنْفَاقِهِ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ كَمَا مَرَّ فِي النَّفَقَاتِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْفَيْءِ) مُرَادُهُ بِهِ بَيْتُ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُمَلَّكَ) بِالتَّشْدِيدِ.
(قَوْلُهُ: وَيَحُوزُهُ لَهُ الْمُلْتَقِطُ) أَيْ بِدُونِ نَظَرِ حَاكِمٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ غَيْرِهِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ مِنْهُ كَمَا فِي سَمَاعِ زُونَانَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى لَا يَحُوزُ لَهُ إنْ كَانَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْوَلِيِّ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ وَالْمُلْتَقِطُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ إلَخْ) أَيْ عُلِمَ مِنْ عُدُولِهِ عَنْ قَوْلِهِ، أَوْ يُمَلَّكُ بِالْعَطْفِ عَلَى يُعْطَى الْمُوهِمِ لِمُسَاوَاةِ مَالِهِ لِلْفَيْءِ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ لِقَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يُمَلَّكَ كَهِبَةٍ " الْمُفِيدِ لِتَقْدِيمِ مَالِهِ، ثُمَّ الْفَيْءِ، ثُمَّ الْمُلْتَقِطِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَدْفُونٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى نَائِبِ فَاعِلِ " يُوجَدَ " وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ الْعَائِدُ عَلَى الْمَالِ الْمَفْهُومِ مِنْ السِّيَاقِ لِدَلَالَةِ " يُمَلَّكَ " عَلَيْهِ وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيرُ الصِّفَةِ أَيْ مَالٌ ظَاهِرٌ، أَوْ مَدْفُونٌ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) قَيْدٌ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا) اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الطَّرْحِ عَمْدًا طَرْحُهُ لِوَجْهٍ أَمْ لَا وَجَعَلَهُ الْبِسَاطِيُّ خَارِجًا بِقَوْلِهِ عَمْدًا وَسَلَّمَهُ ح قَالَ بْن وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ نَظَرٌ - وَإِنْ سَلَّمَهُ الْحَطَّابُ بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي المج.
(قَوْلُهُ: مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَبِ) أَيْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ قَبُولُ قَوْلِ الْأَبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَنَانِ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا) أَيْ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْلِفَ إلَخْ) أَيْ كَمَا سَيَأْتِي لَلْمُصَنِّفِ وَمَحَلُّ حَلِفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ وَإِلَّا فَلَا حَلِفَ وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَأَنْ اخْتَلَفَا فِي يُسْرِ الْأَبِ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ.
(قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ السَّرَفِ) أَيْ وَهُوَ نَفَقَةُ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: وَمَعْنَى إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَجِبُ لِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى أَبِي اللَّقِيطِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى اللَّقِيطِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ وَعَدَمُ الرُّجُوعِ.
(قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْفَرْعِ) وَأَمَّا فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ طَلَبًا جَازِمًا.
(قَوْلُهُ: بَلْ لِيَرْجِعَ) أَيْ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً يَصْدُقُ بِعَدَمِ النِّيَّةِ فَإِنْ نَوَى الْمُلْتَقِطُ حِسْبَةً لَمْ يَرْجِعْ وَلَوْ طَرَحَهُ أَبُوهُ عَمْدًا نَظَرًا لِنِيَّةِ الْمُنْفِقِ لَكِنْ فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ رُجُوعُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ نَظَرًا لِحَالَةِ الْأَبِ وَهُوَ التَّعَمُّدُ فَكَانَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ حُرٌّ) أَيْ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ شَرْعًا فَلَوْ أَقَرَّ اللَّقِيطُ بِرِقِّيَّتِهِ لِأَحَدٍ أُلْغِيَ إقْرَارُهُ؛ إذْ لَا يَثْبُتُ رِقُّ الشَّخْصِ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ وَسَوَاءٌ الْتَقَطَهُ حُرٌّ، أَوْ عَبْدٌ، أَوْ كَافِرٌ فَهُوَ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا الْأَصْلُ) أَيْ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ أَيْ الَّذِينَ لَمْ يَتَقَرَّرْ عَلَيْهِمْ مِلْكٌ.
(قَوْلُهُ: وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِكُفْرِهِ لَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ كَذَا قِيلَ وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ مِنْ وَضْعِ مَالِ الْكَافِرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ مَعَهُ وَارِثُهُ فَإِنَّ مَالَهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ أَنَّهُمْ يَرِثُونَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلَاءِ الْمَالُ لَا الْوَلَاءُ الَّذِي هُوَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ الْمُخْتَصِّ بِمَنْ أُعْتِقَ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: لَا يَرِثُهُ الْمُلْتَقِطُ) أَيْ مَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْإِمَامُ إرْثَهُ وَإِلَّا وَرِثَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي النَّظَرُ فِيهَا لِلْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ: لَك وَلَاؤُهُ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
(كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا) أَيْ فِي الْقَرْيَةِ لَا بِقَيْدِ الْمُسْلِمِينَ (إلَّا بَيْتَانِ) لِلْمُسْلِمِينَ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا (إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ فَإِنْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَمِثْلُ الْبَيْتَيْنِ الْبَيْتُ كَالثَّلَاثَةِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ.
(وَإِنْ) وُجِدَ (فِي) قَرْيَةٍ مِنْ (قُرَى الشِّرْكِ) الَّتِي لَيْسَ فِيهَا بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ (فَ) هُوَ (مُشْرِكٌ) ، وَإِنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ تَغْلِيبًا لِلدَّارِ.
(وَلَمْ يَلْحَقْ) اللَّقِيطُ شَرْعًا (بِمُلْتَقِطِهِ وَلَا غَيْرِهِ) إنْ ادَّعَاهُ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لَهُ بِأَنَّهُ ابْنُهُ وَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا ذَهَبَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ طُرِحَ فَإِنْ أَقَامَهَا لَحِقَ بِهِ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ (أَوْ بِوَجْهٍ) كَمَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ طَرَحَهُ لَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ إذَا طُرِحَ الْجَنِينُ عَاشَ، أَوْ لِغَلَاءٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَيَلْحَقُ بِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُدَّعَى.
(وَلَا يَرُدُّهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ لِمَوْضِعِهِ (بَعْدَ أَخْذِهِ) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ بِالْتِقَاطِهِ إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ) لَا لِنِيَّةِ تَرْبِيَتِهِ بَلْ (لِيَرْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ) فَرَفَعَهُ لَهُ (فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) لِلنَّاسِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُ فَلَهُ رَدُّهُ حِينَئِذٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْضِعُ مَطْرُوقًا بِأَنْ لَمْ يُوقِنْ بِأَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ أَخْذِهِ حَتَّى مَاتَ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ شَكَّ فَالدِّيَةُ وَمِثْلُ أَخْذِهِ لِيَرْفَعَهُ لِحَاكِمٍ أَخْذُهُ لِيَسْأَلَ مُعَيَّنًا هَلْ هُوَ وَلَدُهُ أَمْ لَا.
(وَ) لَوْ تَسَابَقَ جَمَاعَةٌ، أَوْ اثْنَانِ عَلَى لَقِيطٍ، أَوْ لُقَطَةٍ وَكُلٌّ أَمِينٌ وَأَهْلٌ لِكِفَايَتِهِ (قُدِّمَ الْأَسْبَقُ) وَهُوَ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَلَوْ زَاحَمَهُ عَنْهُ الْآخَرُ وَأَخَذَهُ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي وَضْعِ الْيَدِ قُدِّمَ (الْأَوْلَى) أَيْ الْأَصْلَحُ لِحِفْظِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ أَوْلَى بِأَنْ اسْتَوَيَا (فَالْقُرْعَةُ) .
(وَيَنْبَغِي) لِلْمُلْتَقِطِ (الْإِشْهَادُ) عِنْدَ الِالْتِقَاطِ عَلَى أَنَّهُ الْتَقَطَهُ، خَوْفَ طُولِ الزَّمَانِ فَيَدَّعِي الْوَلَدِيَّةَ أَوْ الِاسْتِرْقَاقَ (وَلَيْسَ بِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ فَأَوْلَى الْقِنُّ (الْتِقَاطٌ) .
[حاشية الدسوقي]
(قَوْلُهُ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) ظَاهِرُهُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ حَيْثُ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ سُئِلَ أَهْلُ الْبَيْتَيْنِ فَجَزَمُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى إسْلَامِ الْمَسْبِيِّ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ وَلِأَنَّهُمَا قَدْ يُنْكِرَانِ لِنَبْذِهِمَا إيَّاهُ وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: وَالْبَيْتُ كَالْبَيْتَيْنِ) أَيْ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ح مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ كَالْمُصَنِّفِ كَمَا فِي بْن.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشِّرْكِ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قُرَى الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُ: فَهُوَ مُشْرِكٌ وَإِنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ نَحْوُهُ لِأَبِي الْحَسَنِ وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ يَكُونُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ كَانَ عَلَى دِينِهِ قَالَ بْن وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَهُ) أَيْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَيْ لِكُلٍّ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَامَهَا لَحِقَ بِهِ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ كُفْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ لَهُ - الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ - الْمُلْتَقِطَ أَوْ غَيْرَهُ، كَانَ الْمُلْتَقِطُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ.
وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُسْتَلْحِقَ لِلَّقِيطِ إمَّا مُلْتَقِطُهُ، أَوْ غَيْرُهُ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُسْتَلْحِقُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ بِكُفْرِهِ فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّمَانِيَةِ إنْ أَقَامَ الْمُسْتَلْحِقُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّ هَذَا اللَّقِيطَ وَلَدُهُ لَحِقَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: فَيَلْحَقُ بِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُدَّعَى) اُنْظُرْ هَلْ لُحُوقُهُ بِهِ فِي الثَّمَانِ صُوَرٍ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ وتت وَالشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ، أَوْ فِي أَرْبَعٍ مِنْهَا فَقَطْ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ مُسْلِمًا كَانَ هُوَ الْمُلْتَقِطَ، أَوْ غَيْرُهُ، كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ، أَوْ بِكُفْرِهِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَنَحْوُهُ فِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ قَائِلًا وَأَمَّا إذَا اسْتَلْحَقَهُ ذِمِّيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ - مِنْ أَنَّ الْأَبَ يَسْتَلْحِقُ مَجْهُولَ النَّسَبِ - عَدَمُ تَوَقُّفِ الِاسْتِلْحَاقِ هُنَا عَلَى الْبَيِّنَةِ أَوْ الْوَجْهِ.
قُلْت: قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَدْ خَالَفَ هُنَا أَصْلَهُ؛ إذْ مُقْتَضَى أَصْلِهِ أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ هُنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيِّنَةٍ، أَوْ وَجْهٍ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: لِمَوْضِعِهِ) أَيْ وَلَا لِمَوْضِعٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ أَخْذِهِ) بِنِيَّةِ حِفْظِهِ، أَوْ بِلَا نِيَّةِ حِفْظِهِ وَلَا رَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ لِلنَّاسِ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ رَدُّهُ حِينَئِذٍ) أَيْ لِعَدَمِ أَخْذِهِ لِلْحِفْظِ فَلَمْ يَشْرَعْ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ حَتَّى يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْضِعُ مَطْرُوقًا بِأَنْ لَمْ يُوقِنْ بِأَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ) فِي الْكَلَامِ نَقْصٌ أَيْ حَرُمَ رَدُّهُ فَإِنْ رَدَّهُ وَمَاتَ فَإِنْ تَحَقَّقَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ شَكَّ) أَيْ فِي أَخْذِهِ أَيْ فِي أَنْ يَأْخُذَهُ أَحَدٌ، أَوْ لَا يَأْخُذَهُ فَالدِّيَةُ وَانْظُرْ هَلْ دِيَةُ خَطَأٍ، أَوْ عَمْدٍ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ.
(قَوْلُهُ: لِيَسْأَلَ مُعَيَّنًا هَلْ هُوَ وَلَدُهُ أَمْ لَا) أَيْ فَإِذَا قَالَ لَهُ لَيْسَ وَلَدِي جَازَ لَهُ رَدُّهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ زَاحَمَهُ عَنْهُ الْآخَرُ وَأَخَذَهُ) أَيْ فَيُنْزَعُ مِنْ ذَلِكَ الْمُزَاحِمِ وَيُدْفَعُ لِلْأَسْبَقِ.
(قَوْلُهُ: قُدِّمَ الْأَوْلَى) أَيْ فَلَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ نُزِعَ مِنْهُ وَدُفِعَ لِلْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَكُنْ أَوْلَى بِأَنْ اسْتَوَيَا) أَيْ فِي الْأَصْلَحِيَّةِ وَوَضْعِ الْيَدِ.
(قَوْلُهُ: خَوْفَ طُولِ الزَّمَانِ) عِلَّةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى الشَّرْطِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ أَيْ إذَا كَانَ يَخَافُ أَنَّهُ عِنْدَ طُولِ الزَّمَانِ يَدَّعِي مَا ذُكِرَ فَإِنْ تَحَقَّقَ، أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ دَعْوَى ذَلِكَ وَجَبَ الْإِشْهَادُ وَاللُّقَطَةُ كَاللَّقِيطِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ
(بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ رُبَّمَا أَدَّى لِعَجْزِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِتَرْبِيَتِهِ وَلِأَنَّ حَضَانَتَهُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَقَوْلُهُ الْتِقَاطٌ أَيْ أَخْذُ لَقِيطٍ وَأَمَّا أَخْذُ اللُّقَطَةِ فَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ أَيْ فَلَهُ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَوْ قِنًّا إذْ تَعْرِيفُهَا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ.
(وَنُزِعَ) لَقِيطٌ (مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ) شَرْعًا (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْكَافِرُ إذَا الْتَقَطَهُ.
(وَنُدِبَ) (أَخْذُ) عَبْدٍ (آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ) رَبَّهُ فَيَعْرِفُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ عَرَفَ يَتَعَدَّى لِوَاحِدٍ أَيْ يُنْدَبُ لِمَنْ وَجَدَ آبِقًا وَعَرَفَ رَبَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ (وَإِلَّا) يَعْرِفْ رَبَّهُ (فَلَا يَأْخُذُهُ) أَيْ يُكْرَهُ أَخْذُهُ (فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ) لِرَجَاءِ مَنْ يَطْلُبُهُ مِنْهُ (وَوُقِفَ) عِنْدَ الْإِمَامِ (سَنَةً) فَإِنْ أَرْسَلَهُ فِيهَا ضَمِنَ (ثُمَّ) إذَا مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَجِئْ رَبُّهُ (بِيعَ) أَيْ بَاعَهُ الْإِمَامُ (وَلَا يُهْمِلُ) أَمْرَهُ بَلْ يَكْتُبُ اسْمَهُ وَحِلْيَتَهُ مَعَ بَيَانِ التَّارِيخِ وَالْبَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ لِتَسْجِيلِهِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يَعْلَمَ رَبَّهُ (وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ) الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ مِنْ ثَمَنِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ رَبُّهُ وَكَذَا أُجْرَةُ الدَّلَّالِ (وَمَضَى بَيْعُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِلْعَبْدِ وَيَجُوزُ ابْتِدَاءً بَعْدَ سَنَةٍ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ، ثُمَّ بِيعَ (وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْته) سَابِقًا قَبْلَ الْإِبَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ لِاتِّهَامِهِ عَلَى نَقْضِ بَيْعِ الْإِمَامِ بِالْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ، وَمَفْهُومُ قَالَ أَنَّهُ إنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ عُمِلَ بِهَا وَنُقِضَ الْبَيْعُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِرَبِّ الْآبِقِ (عِتْقُهُ) حَالَ إبَاقِهِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ وَالْإِيصَاءُ بِهِ لِلْغَيْرِ (وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ) لَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) أَيْ وَأَمَّا بِإِذْنِهِ فَيَجُوزُ وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ حَضَانَتُهُ وَنَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ فِي أَخْذِهِ صَارَ كَأَنَّهُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ فَلَوْ الْتَقَطَ لَقِيطًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلِسَيِّدِهِ إجَازَتُهُ وَرَدُّهُ لِمَوْضِعِ الْتِقَاطِهِ إنْ كَانَ مَطْرُوقًا وَأَيْقَنَ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ كَمَا مَرَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْمُكَاتَبِ فِي جَوَازِ الِالْتِقَاطِ بَلْ يُمْنَعُ الْتِقَاطُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَهِيَ أَوْلَى مِنْهُ فِي مَنْعِ أَخْذِ اللَّقِيطِ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّ لِزَوْجِهَا مَنْعَهَا مِمَّا يَشْغَلُهَا عَنْهُ وَالْمُكَاتَبُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهِ اللَّقِيطَ، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ تَعْلِيلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُمْنَعُ أَيْضًا مِنْ أَخْذِهِ اللُّقَطَةَ إذَا كَانَتْ عَبْدًا صَغِيرًا وَانْظُرْهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَنُزِعَ لَقِيطٌ) أَيْ وَأُقِرَّ تَحْتَ يَدِ شَخْصٍ مُسْلِمٍ وَجُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ نُزِعَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَأَبَى الْإِسْلَامَ فَمُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
(قَوْلُهُ: شَرْعًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِإِسْلَامِهِ وَذَلِكَ كَالْمَوْجُودِ فِي قَرْيَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: أَخْذُ آبِقٍ) هُوَ مَنْ ذَهَبَ مُخْتَفِيًا بِلَا سَبَبٍ وَالْهَارِبُ مَنْ ذَهَبَ مُخْتَفِيًا لِسَبَبٍ كَذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّ هَذَا فَرْقٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَالْعُرْفُ الْآنَ أَنَّ مَنْ ذَهَبَ مُخْتَفِيًا مُطْلَقًا أَيْ لِسَبَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ يُقَالُ لَهُ آبِقٌ وَهَارِبٌ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ يَعْرِفُ) مُتَعَلِّقٌ بِ نُدِبَ وَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ؛ لِأَنَّ الْمُضِرَّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالْأَجْنَبِيِّ لَا بِغَيْرِهِ خُصُوصًا نَائِبَ الْفَاعِلِ فَإِنَّ رُتْبَتَهُ التَّقْدِيمُ وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِآبِقٍ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَغْوٌ، وَاللَّامَ بِمَعْنَى مِنْ أَيْ عَبْدٍ آبِقٍ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ الْآخِذُ أَيْ مِنْ سَيِّدٍ يَعْرِفُهُ الْآخِذُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حِفْظِ الْأَمْوَالِ) فِيهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ سَيِّدِهِ لِأَجْلِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إنْشَادٍ وَتَعْرِيفٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ) أَيْ وَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَخْذُهُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِخِيَانَتِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا لِلْوُجُوبِ، نَعَمْ مَحَلُّ الْوُجُوبِ إذَا خَشِيَ ضَيَاعَهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ ضَرَرًا مِنْ السُّلْطَانِ إذَا أَخَذَهُ لِيُخْبِرَ صَاحِبَهُ بِهِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ) صَرَّحَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ غَيْرُ شَرْطٍ وَلِأَنَّ عَدَمَ نَدْبِ أَخْذِهِ لَا يَقْتَضِي النَّهْيَ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَرَاهَةُ وَلِيُفَرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَإِنْ أَخَذَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهُ) أَيْ لِاحْتِيَاجِهِ لِلْإِنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ فَيُخْشَى أَنْ يَصِلَ لِعِلْمِ السُّلْطَانِ فَيَأْخُذَهُ.
(قَوْلُهُ: وَوُقِفَ سَنَةً) أَيْ وَيُنْفِقُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ بِيعَ) أَيْ بَعْدَهَا مَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا وَإِلَّا بِيعَ قَبْلَهَا كَمَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ تَقْيِيدٌ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَوُقِفَ عِنْدَ الْإِمَامِ سَنَةً، ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَعْلَمَ رَبَّهُ) أَيْ فَإِذَا جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ قَابَلَ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْأَوْصَافِ عَلَى مَا كُتِبَ فِي السِّجِلِّ فَإِنْ وَافَقَ دَفَعَ لَهُ الثَّمَنَ.
(قَوْلُهُ: وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ وَأَخَذَ الْإِمَامُ نَفَقَتَهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ رَبُّهُ) أَيْ بِخِلَافِ مَنْ أَخَذَهُ لِكَوْنِهِ يَعْرِفُ رَبَّهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ بِنَفَقَتِهِ حَتَّى يَحْضُرَ رَبُّهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ نَفَقَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَبْلَ مَجِيءِ رَبِّهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الْإِمَامِ الصَّبْرَ إلَى أَنْ يَحْضُرَ رَبُّهُ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لِلْأَحْرَارِ وَمَصَالِحِهِمْ، وَالْعَبْدُ غَنِيٌّ بِسَيِّدِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهِ أُلْزِمَ بِبَيْعِهِ مِمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ) أَيْ عِنْدَ حُضُورِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ وَقَوْلُهُ: كُنْت أَعْتَقْته أَيْ نَاجِزًا أَوْ مُؤَجِّلًا.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِهِ) أَيْ وَلَهُ أَخْذُ الثَّمَنِ وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ عج وَكَذَا لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ كُنْت أَوَلَدْتهَا إلَّا أَنْ يُحْضِرَ الْوَلَدَ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ أَوْلَدَهُ لَهَا وَيَقُولَ هَذَا وَلَدُهَا فَتُرَدَّ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا بِمَحَبَّةٍ وَنَحْوِهَا وَإِلَّا فَلَا تُرَدُّ إلَيْهِ
(وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ) مِنْ قَتْلٍ، أَوْ جَلْدٍ إذَا فَعَلَ مَا يَقْتَضِيهَا وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا لَا تُقَامُ عَلَيْهِ لِغَيْبَةِ سَيِّدِهِ.
(وَضَمِنَهُ) الْمُلْتَقِطُ (إنْ أَرْسَلَهُ) بَعْدَ أَخْذِهِ وَلَوْ خَوْفًا مِنْ شِدَّةِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ أَيْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْإِرْسَالِ لِرَبِّهِ إذَا حَضَرَ إنْ هَلَكَ الْعَبْدُ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ يُؤْذِيَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلَا يَضْمَنُ وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ إنَّمَا أَرْسَلَهُ لِلْخَوْفِ مِنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَشُبِّهَ فِي الضَّمَانِ قَوْلُهُ (كَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ) أَيْ الْآبِقَ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ مِنْ مُلْتَقِطِهِ (فِيمَا) أَيْ فِي عَمَلٍ (يَعْطَبُ فِيهِ) وَعَطِبَ فَإِنْ سَلِمَ ضَمِنَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ أَبَقَ أَمْ لَا.
وَعَطَفَ عَلَى أَرْسَلَهُ قَوْلَهُ (لَا) يَضْمَنُ الْمُلْتَقِطُ (إنْ أَبَقَ) الْعَبْدُ بِفَتْحِ الْبَاءِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُلْتَقِطِ (وَإِنْ) كَانَ الْعَبْدُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ آبِقًا (مُرْتَهَنًا) بِالْفَتْحِ أَيْ فِي دَيْنٍ فَأَبَقَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ بِالْكَسْرِ (وَحَلَفَ) الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ أَبَقَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنِّي، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْآبِقِ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا يُتَّهَمُ بِالتَّفْرِيطِ لِضَيَاعِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ.
(وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ) مِنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) بِغَيْرِ اسْتِينَاءٍ وَأَوْلَى بِشَاهِدَيْنِ (وَأَخَذَهُ) مُدَّعِيهِ حَوْزًا لَا مِلْكًا (إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ) أَنَّهُ عَبْدِي (إنْ صَدَّقَهُ) الْعَبْدُ عَلَى دَعْوَاهُ وَذَلِكَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ فَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُ بِأَثْبَتَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ وَأَخَذَهُ الْمُفِيدُ لِلْحَوْزِ وَقَالَ فِيمَا قَبْلَهُ وَاسْتَحَقَّهُ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ وَمَفْهُومُ صَدَّقَهُ أَنَّهُ إنْ كَذَّبَهُ أَخَذَهُ أَيْضًا إنْ وَصَفَهُ وَلَمْ يُقِرَّ الْعَبْدُ بِأَنَّهُ لِفُلَانٍ، أَوْ أَقَرَّ وَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ أَخَذَهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
(وَلْيَرْفَعْ) مُلْتَقِطُ الْعَبْدِ
[حاشية الدسوقي]
وَيُعْطَى ثَمَنَهَا.
(قَوْلُهُ: وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ) أَيْ يُقِيمُهَا عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وُجُوبًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ قَتْلٍ، أَوْ جَلْدٍ) أَيْ أَوْ رَجْمٍ لِلِوَاطٍ فَاعِلًا كَانَ، أَوْ مَفْعُولًا وَانْظُرْ إذَا حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ الْقَتْلِ وَقُتِلَ هَلْ تَضِيعُ النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ إمَامٍ وَمُلْتَقِطٍ لِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ لَا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ) أَيْ سَوَاءٌ أَرْسَلَهُ قَبْلَ السَّنَةِ، أَوْ بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِخَوْفٍ مِنْهُ) أَيْ أَوْ خَوْفٍ مِنْ السُّلْطَانِ بِسَبَبِ أَخْذِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ، أَوْ يَضْرِبَهُ وَلَوْ كَانَ الضَّرْبُ ضَعِيفًا لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَإٍ فِيمَا يَظْهَرُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ إذَا أَرْسَلَهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ لِلْإِمَامِ وَإِلَّا رَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ فَإِنْ أَرْسَلَهُ مَعَ إمْكَانِ رَفْعِهِ إلَيْهِ ضَمِنَ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ بِحِيلَةٍ، أَوْ بِحَارِسٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُرْسِلُهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ بِالْأُجْرَةِ كَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ حِفْظِهِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ خَفِيفٍ مِثْلِ سَقْيِ دَابَّةٍ فَلَا شَيْءَ لِرَبِّهِ فِي نَظِيرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَعَطِبَ) أَيْ فَيَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْإِيجَارِ.
(قَوْلُهُ: ضَمِنَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ) أَيْ ضَمِنَ الْمُسْتَأْجِرُ لِرَبِّهِ إذَا حَضَرَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِمَا اسْتَأْجَرَ بِهِ وَإِنْ دَفَعَ لَهُ وَعَلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ وَكَانَتْ الْأُجْرَةُ الَّتِي دَفَعَهَا لَهُ قَائِمَةً وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ.
. (قَوْلُهُ: لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ آبِقًا، ثُمَّ بَعْدَ أَخْذِهِ أَبَقَ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ أَنَّهُ مَاتَ عِنْدَهُ، أَوْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ إذَا حَضَرَ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا فَرَّطَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ يَأْبَقُ فِي مِثْلِهَا فَأَبَقَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ.
(قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ) أَيْ وَهُوَ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: 140] . وَفِي مُضَارِعِهِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ وَالضَّمُّ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمَنَعَ وَدَخَلَ.
(قَوْلُهُ: لَا بِقَيْدِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِخْدَامًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ فِي عَبْدٍ آبِقٍ أَخَذَهُ إنْسَانٌ، ثُمَّ إنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ وَانْتَقَلَ مِنْهُ لِعَبْدٍ غَيْرِ آبِقٍ أَخَذَهُ إنْسَانٌ رَهْنًا فِي دَيْنٍ وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ أَبَقَ مِنْهُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْآبِقُ مُرْتَهَنًا بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ مُرْتَهَنًا قَبْلَ إبَاقِهِ وَعَلَى هَذَا فَلَا اسْتِخْدَامَ.
(قَوْلُهُ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ) أَيْ لِأَنَّ الرَّهْنَ الْمَذْكُورَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْبَلُ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ تَلَفَهُ، أَوْ ضَيَاعَهُ بِيَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ) أَيْ بَلْ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدِي مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيُتَّهَمُ الْمُرْتَهِنُ فِي إضَاعَتِهِ وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ عَبْدًا لَمْ يَعْرِفْ سَيِّدَهُ فَحَضَرَ إنْسَانٌ ادَّعَى أَنَّهُ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَوْلَى بِشَاهِدَيْنِ) أَيْ وَأَوْلَى مِنْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِهِمَا الشَّاهِدَانِ؛ يَسْتَحِقُّهُ بِشَهَادَتِهِمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.
(قَوْلُهُ: وَأَخَذَهُ مُدَّعِيهِ حَوْزًا لَا مِلْكًا) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهِ وَلَا مِنْ وَطْءِ الْأَمَةِ وَإِنْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ صَادِقًا.
(قَوْلُهُ: إنْ صَدَّقَ الْعَبْدُ عَلَى دَعْوَاهُ) أَيْ سَوَاءٌ وَصَفَ السَّيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدَ أَمْ لَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بَعْدَ أَنْ صَدَّقَ أَنَّهُ لِمُدَّعِيهِ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ ثَانِيًا لِغَيْرِ مَنْ صَدَّقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَذَلِكَ بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ) أَيْ الْإِمْهَالِ فِي الدَّفْعِ لَهُ، وَالِاسْتِينَاءُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ ذَلِكَ الِاسْتِينَاءِ مَعَ كَوْنِ الدَّفْعِ لَهُ حَوْزًا لَا مِلْكًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُ إلَخْ) هَذَا ثَمَرَةُ كَوْنِ الْأَخْذِ حَوْزًا لَا مِلْكًا.
(قَوْلُهُ: الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ) أَيْ وَلِكَوْنِ الْأَخْذِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ حُلِّفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ وَلَمَّا كَانَ الْأَخْذُ هُنَا حَوْزًا سَقَطَتْ عَنْهُ الْيَمِينُ كَذَا قَالَ عبق.
(قَوْلُهُ: أَخَذَهُ الْمُقَرُّ لَهُ) أَيْ سَوَاءٌ وَصَفَ ذَلِكَ.
أَمْرَ الْعَبْدِ (لِلْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْمُلْتَقِطُ (مُسْتَحِقَّهُ) - بِكَسْرِ الْحَاءِ - أَيْ مَالِكَهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ فَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا آنِفًا وَذَلِكَ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَخْ فَإِنْ عَرَفَ مُسْتَحِقَّهُ لَمْ يَحْتَجْ لِرَفْعٍ وَمَحَلُّ الرَّفْعِ لِلْإِمَامِ (إنْ لَمْ يَخْشَ ظُلْمَهُ) وَإِلَّا لَمْ يَرْفَعْ.
(وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ) أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ مِنْ قُطْرٍ إلَى قَاضِي قُطْرٍ آخَرَ عِنْدَهُ آبِقٌ (بِكِتَابِ قَاضٍ) مِنْ قُطْرِهِ مَضْمُونُهُ (أَنَّهُ قَدْ) (شُهِدَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ) الْفُلَانِيُّ، خَبَرُ أَنَّ الثَّانِيَةِ: (هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ وَوَصَفَهُ) فِي مَكْتُوبِهِ (فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ) وُجُوبًا (بِذَلِكَ) حَيْثُ طَابَقَ وَصْفُهُ الْخَارِجِيُّ مَا فِي الْكِتَابِ وَلَا يَبْحَثُ عَنْ بَيِّنَتِهِ وَلَا غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
.
(دَرْسٌ) (بَابٌ) فِي الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ.
وَهُوَ لُغَةً يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا الْفَرَاغُ كَمَا فِي وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَمِنْهَا الْأَدَاءُ كَمَا فِي قَضَى زَيْدٌ دَيْنَهُ أَيْ أَدَّاهُ وَوَفَّاهُ وَمِنْهَا الْحُكْمُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَالْقَاضِي الْحَاكِمُ أَيْ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْفِعْلِ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا إلَّا مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ لِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (أَهْلُ الْقَضَاءِ) (عَدْلٌ) أَيْ مُسْتَحِقُّهُ عَدْلٌ أَيْ عَدْلٌ شَهَادَةً وَلَوْ عَتِيقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَالْعَدَالَةُ تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَالْحُرِّيَّةَ وَعَدَمَ الْفِسْقِ (ذَكَرٌ) مُحَقَّقٌ لَا أُنْثَى وَلَا خُنْثَى (فَطِنٌ) ضِدُّ الْمُغَفَّلِ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ وَلَا يَتَفَطَّنُ لِمَا يُوجِبُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ وَتَنَاقُضَ الْكَلَامِ فَالْفَطِنَةُ جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَقُوَّةُ إدْرَاكِهِ لِمَعَانِي الْكَلَامِ (مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ) فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْمُقَلِّدِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ (وَإِلَّا) يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ (فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ الَّذِي لَهُ فِقْهٌ كَامِلٌ بِضَبْطِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ وَاسْتِخْرَاجِ مَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ بِقِيَاسٍ عَلَى الْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَصْلٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ
[حاشية الدسوقي]
الْعَبْدَ أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: أَمْرَ الْعَبْدِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ.
(قَوْلُهُ: فَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ) أَيْ وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ عَبْدًا لَا يَعْرِفُ سَيِّدَهُ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ لِلْإِمَامِ وَإِلَّا كَانَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ " فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَ لِلْإِمَامِ ". (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَخْشَ ظُلْمَهُ) أَيْ انْتَفَتْ خَشْيَةُ ظُلْمِهِ أَيْ خَوْفُ ظُلْمِهِ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ ظُلْمًا وَأَوْلَى إذَا تَحَقَّقَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا تَنْتَفِ خَشْيَةُ ظُلْمِهِ بِأَنْ ظَنَّ، أَوْ تَحَقَّقَ أَخْذَهُ ظُلْمًا لَمْ يَرْفَعْ.
(قَوْلُهُ: خَبَرُ أَنَّ الثَّانِيَةِ) لَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ مَحَطُّ الْفَائِدَةِ وَإِنَّمَا مَحَطُّهَا هَرَبَ إلَخْ فَالْأَوْلَى نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ اسْمِ أَنَّ وَأَنَّ " هَرَبَ " هُوَ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْخَبَرُ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَتِمُّ الْفَائِدَةُ بِهِ نَفْسِهِ وَقِسْمٌ تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ مَعَ تَابِعِهِ نَحْوُ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وَمَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْحَالَ قَيْدٌ فِي عَامِلِهَا وَوَصْفٌ لِصَاحِبِهَا.
(قَوْلُهُ: هَرَبَ مِنْهُ) حَالٌ مِنْ " فُلَانٌ " عَلَى تَقْدِيرِ قَدْ؛ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْعِلْمِ، أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بِذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَبْحَثُ عَنْ بَيِّنَتِهِ) أَيْ عَنْ حَالِهَا وَلَا يَطْلُبُ إحْضَارَهَا وَشَهَادَتَهَا عِنْدَهُ ثَانِيًا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفِدْ وَحْدَهُ أَيْ لَمْ يَفِدْ كِتَابُ الْقَاضِي وَحْدَهُ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِهَذَا وَذَلِكَ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ هُنَا أَلَا تَرَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ سَيِّدَهُ يَأْخُذُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ، أَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى قَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ طفي وَالثَّانِي ظَاهِرُ بْن.
.
[بَابٌ فِي الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ]
(بَابٌ فِي الْقَضَاءِ) (قَوْلُهُ: أَهْلُ الْقَضَاءِ) أَيْ الْمُتَأَهِّلُ لَهُ وَالْمُسْتَحِقُّ لَهُ عَدْلٌ فَغَيْرُ الْعَدْلِ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْجُمْهُورِ) أَيْ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ حَيْثُ قَالَ يُمْنَعُ تَوْلِيَةُ الْعَتِيقِ قَاضِيًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْتَحَقَّ فَتُرَدَّ أَحْكَامُهُ.
(قَوْلُهُ: تَسْتَلْزِمُ إلَخْ) أَيْ مِنْ اسْتِلْزَامِ الْكُلِّ لَا جُزْئِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ وَصْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ وَلَا يُغْنِي عَنْ الْعَدْلِ قَوْلُهُ: مُجْتَهِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: لَا أُنْثَى وَلَا خُنْثَى) أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُمَا لِلْقَضَاءِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُمَا.
(قَوْلُهُ: جَوْدَةُ الذِّهْنِ) أَيْ الْعَقْلِ فَمُجَرَّدُ الْعَقْلِ التَّكْلِيفِيِّ لَا يَكْفِي لِمُجَامَعَتِهِ لِلْغَفْلَةِ وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْقَاضِي غَيْرَ زَائِدِ فِي الْفَطَانَةِ كَمَا يَأْتِي فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلُ الْفَطَانَةِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَطِنٌ أَيْ ذُو فَطَانَةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ النَّسَبِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَبِنٌ وَتَمِرٌ أَيْ صَاحِبُ لَبَنٍ وَتَمْرٍ لَا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ، أَوْ أَنَّ " فَطِنٌ " بِمَعْنَى فَاطِنٍ أَيْ جَيِّدِ الذِّهْنِ.
(قَوْلُهُ: مُجْتَهِدٌ) أَيْ مُطْلَقٌ إنْ وُجِدَ قَالَ ح يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(قَوْلُهُ: فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) أَيْ فَأَفْضَلُ مُقَلِّدٍ وَهُوَ مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَالْمَذْهَبِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْأَمْثَلُ بَلْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ وُجُودِهِ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْعَالِمِ حَيْثُ شَاوَرَ الْعُلَمَاءَ.
(قَوْلُهُ: لَهُ فِقْهٌ) أَيْ فَهْمٌ كَامِلٌ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِاعْتِبَارِ أَصْلٍ) أَيْ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِقِيَاسٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَخْ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَمْثَلِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا عَلِمْتَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ كَوْنَهُ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا إنْ وُجِدَ غَيْرُ شَرْطٍ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ وَكَذَلِكَ
(وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) وَهُوَ الْخَلِيفَةُ وَصْفٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنَّهُ (قُرَشِيٌّ) فَلَا تَصِحُّ خِلَافَةُ غَيْرِ الْقُرَشِيِّ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ» وَقُرَيْشٌ قِيلَ هُوَ فِهْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ هُوَ النَّضْرُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا وَلَا عَلَوِيًّا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ - وَهُوَ تَيْمِيٌّ وَعُمَرَ - وَهُوَ عَدَوِيٌّ - وَعُثْمَانَ - وَهُوَ أُمَوِيٌّ وَعَلِيٍّ - وَهُوَ هَاشِمِيٌّ -، وَالْكُلُّ مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ الْخِلَافَةُ فِي بَنِي أُمَيَّةَ مَعَ كَثْرَةِ الْفِتَنِ، ثُمَّ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ.
(فَحُكْمُ) الْمُقَلِّدِ وُجُوبًا مِنْ خَلِيفَةٍ أَوْ قَاضٍ (بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ وَلَا بِالضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ وَكَذَا الْمُفْتِي فَإِنْ حَكَمَ بِالضَّعِيفِ نُقِضَ حُكْمُهُ إلَّا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ وَكَانَ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ وَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِمُرَجِّحٍ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ فَلَا يُنْقَضُ كَمَا لَوْ قَاسَ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَهُوَ أَهْلُهُ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ ذَا بَصَرٍ وَكَلَامٍ وَسَمْعٍ فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْأَعْمَى، أَوْ الْأَبْكَمِ أَوْ الْأَصَمِّ (وَ) إنْ وَقَعَ (نَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ) الْوَاوُ بِمَعْنَى، أَوْ أَيْ لَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَلَا فِي صِحَّةِ دَوَامِهَا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَلِذَا قَالَ (وَوَجَبَ عَزْلُهُ) وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَمْرَانِ: عَدَمُ جَوَازِ وِلَايَتِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَصِحَّةُ حُكْمِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
(وَلَزِمَ الْمُتَعَيَّنَ) أَيْ الْمُنْفَرِدَ فِي الْوَقْتِ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ
[حاشية الدسوقي]
كَوْنُهُ مُقَلِّدًا أَمْثَلَ.
(قَوْلُهُ: وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَصْفٌ خَامِسٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْخَمْسَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ابْتِدَاءً لَا فِي دَوَامِ وِلَايَتِهِ؛ إذْ لَا يَنْعَزِلُ بَعْدَ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَهُ بِطُرُوِّ فِسْقٍ كَنَهْبِ أَمْوَالٍ؛ لِأَنَّ عَزْلَهُ مُؤَدٍّ لِلْفِتَنِ فَارْتُكِبَ أَخَفُّ الضَّرَرَيْنِ، وَسُدَّ الذَّرِيعَةُ نَعَمْ إنْ طَرَأَ كُفْرُهُ وَجَبَ عَزْلُهُ وَنُبِذَ عَهْدُهُ.
(قَوْلُهُ: وَقُرَيْشٌ) أَيْ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الْخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ هُوَ فِهْرٌ إلَخْ وَلُقِّبَ بِقُرَيْشٍ تَصْغِيرِ قِرْشٍ حَيَوَانٍ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ يَفْتَرِسُ غَيْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةِ لِافْتِرَاسِهِ لِأَعْدَائِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا فَقَدْ ذَكَرَ طفى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا أَفْضَلِيَّةَ لِعَبَّاسِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لعبق.
(قَوْلُهُ: بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِقَوْلِهِ " مُقَلَّدِهِ " بَلْ وَكَذَا قَوْلُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَشْهُورِ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الشَّارِحِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلَ إمَامِهِ، أَوْ قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِقَوْلِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ أَيْ بِمَذْهَبٍ غَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَإِنْ حَكَمَ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِ إمَامِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ مُقَلَّدُهُ رَسُولًا أُرْسِلَ إلَيْهِ بَلْ حَكَوْا خِلَافًا إذَا اشْتَرَطَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ فَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ الشَّرْطُ وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ يُفْسِدُ التَّوْلِيَةَ وَقِيلَ يَمْضِي الشَّرْطُ لِمَصْلَحَةٍ اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: أَيْ بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ) أَيْ كَرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لِتَقْدِيمِ رِوَايَةِ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِ فِيهَا وَأَوْلَى فِي غَيْرِهَا وَكَذَا عَلَى رِوَايَتِهِ فِي غَيْرِهَا عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْ الْإِمَامِ أَحَدٌ فِيهَا شَيْئًا قُدِّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُفْتِي) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِفْتَاءُ إلَّا بِالرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ لَا بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَلَا بِالضَّعِيفِ مِنْ مَذْهَبِهِ نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا تَحَقَّقَ الضَّرُورَةَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةَ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ كَمَا يَتَحَقَّقُهَا مِنْ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ سَدُّوا الذَّرِيعَةَ وَقَالُوا بِمَنْعِ الْفَتْوَى بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ خَوْفَ أَنْ لَا تَكُونَ الضَّرُورَةُ مُتَحَقِّقَةً لَا لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالضَّعِيفِ وَلَوْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ يَوْمًا مَا قَالَهُ بْن وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ صَدِيقَهُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ إذَا تَحَقَّقَ ضَرُورَتَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الصَّدِيقِ لَا يَخْفَى عَلَى صَدِيقِهِ اهـ قَالَهُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَةِ عبق.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَهْلُهُ) أَيْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَاسِ وَإِلَّا رُدَّ.
(قَوْلُهُ: الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ) فَالْمَعْنَى وَنَفَذَ حُكْمُ مَنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِاثْنَتَيْنِ مِنْهَا أَوْ بِالثَّلَاثَةِ فَلَا تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ كَمَا فِي ح عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي بْن رَجَّحَ الْبَاجِيَّ وَابْنُ رُشْدٍ صِحَّةَ وِلَايَةِ مَنْ لَا يَكْتُبُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَاضِي أَنْ يَعْرِفَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " وَاجِبٌ " أَيْ وَحَيْثُ كَانَ وَاجِبًا فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارُ وِلَايَتِهِ إلَّا إذَا اتَّصَفَ بِعَدَمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اتَّصَفَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ ابْتِدَاءً وَلَا اسْتِمْرَارًا مَعَ صِحَّةِ مَا وَقَعَ مِنْهُ الْحُكْمُ هَذَا وَتَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْأَعْمَى فِي الْفَتْوَى كَمَا فِي فَتَاوَى الْبُرْزُلِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلِذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ كَوْنِ عَدَمِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَاجِبًا بِالنَّظَرِ لِلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ وَجَبَ عَزْلُهُ هَذَا إذَا كَانَ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حِينَ التَّوْلِيَةِ بَلْ وَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَلَام الْمُصَنِّفِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى إلَخْ وَقَوْلَهُ وَوَجَبَ عَزْلُهُ.
(قَوْلُهُ: عَدَمُ إلَخْ) هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ
(أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ وَلَدِهِ، أَوْ عَلَى النَّاسِ (إنْ لَمْ يَتَوَلَّ، أَوْ) الْخَائِفَ (ضَيَاعَ الْحَقِّ) لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ (الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) فَاعِلُ لَزِمَ أَيْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ وَلَزِمَهُ الطَّلَبُ مِنْ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا يَضُرُّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَلَبِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُتَعَيَّنٍ عَلَيْهِ (وَأُجْبِرَ) الْمُتَعَيَّنُ لَهُ بِانْفِرَادِ شُرُوطِهِ (وَإِنْ بِضَرْبٍ، وَإِلَّا) يَتَعَيَّنْ وَلَا خَافَ فِتْنَةً وَلَا ضَيَاعَ حَقٍّ (فَلَهُ الْهَرَبُ، وَإِنْ عُيِّنَ) مِنْ الْإِمَامِ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَحَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِأَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَيَحْرُمُ دَفْعُ مَالٍ لِأَجْلِ تَوْلِيَتِهِ وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ وَلَوْ صَوَابًا فَلَا يَرْفَعُ خِلَافًا.
(وَحَرُمَ) قَبُولُ الْقَضَاءِ، أَوْ طَلَبُهُ (لِجَاهِلٍ وَطَالِبِ دُنْيَا) مِنْ الْمُتَدَاعِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَأَمَّا طَلَبُ مَالٍ مِمَّا هُوَ لِلْقَضَاءِ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ وَقْفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُنْدَبُ إذَا كَانَ فِي ضِيقِ عَيْشٍ وَأَرَادَ التَّوْسِعَةَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ.
(وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) لِلنَّاسِ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ، وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي لَا الشُّهْرَةِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، ثُمَّ شُبِّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلُهُ (كَوَرِعٍ) وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (غَنِيٍّ) أَيْ ذِي مَالٍ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ التَّنَزُّهِ وَتَرْكِ الطَّمَعِ خُصُوصًا إذَا انْضَمَّ لَهُ وَرَعٌ (حَلِيمٍ) لَيْسَ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ مَنْشَأٌ لِلظُّلْمِ وَأَذِيَّةِ النَّاسِ (نَزِهٍ) أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ بِتَرْكِ مَا لَا يَلِيقُ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ.
(نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ لِلطَّعْنِ فِيهِ كَابْنِ الزِّنَا وَاللِّعَانِ
[حاشية الدسوقي]
وَوَجَبَ عَزْلُهُ، وَقَوْلُهُ وَصِحَّةُ حُكْمِهِ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَنَفَذَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَوْ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَوَلَّ) أَيْ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَزْيَدَ مِنْهُ فِقْهًا.
(قَوْلُهُ: فَاعِلُ لَزِمَ) " وَالْمُتَعَيَّنَ " مَفْعُولُهُ " وَالْخَائِفَ " عَطْفٌ عَلَيْهِ " وَفِتْنَةً " بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ خَائِفَ أَوْ بِالْجَرِّ بِإِضَافَتِهِ لِخَائِفٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ ضَيَاعَ " عَطْفٌ عَلَى " فِتْنَةً " وَفِيهِ الْحَذْفُ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ أَيْ أَوْ الْخَائِفَ ضَيَاعَ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ) لَكِنْ إنْ طَلَبَهُ مُشَافَهَةً لَزِمَهُ الْقَبُولُ فَوْرًا وَإِنْ أَرْسَلَ لَهُ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَقُولَ قَبِلْتُ سَوَاءٌ شَافَهَهُ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ بَلْ يَكْفِي فِي تَحْصِيلِ الْوَاجِبِ شُرُوعُهُ فِي الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَلَبِهِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، أَوْ خَافَ الْفِتْنَةَ أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَتَوَلَّ وَفِي بْن قَالَ الشَّيْخُ الْمِسْنَاوِيُّ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَالٍ، وَأَفْرَطَ قَوْمٌ كعج وَمَنْ تَبِعَهُ فَقَالُوا: وَلَوْ بِمَالٍ وَفِي ح مَا نَصُّهُ اُنْظُرْ إذَا قِيلَ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فَطَلَبَ فَمُنِعَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى تَرْكِهِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: وَأُجْبِرَ الْمُتَعَيَّنُ لَهُ) أَيْ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَبُولِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِجَعْلِ نَائِبِ أُجْبِرَ الْمُتَعَيَّنَ لَهُ بِانْفِرَادِ شُرُوطِهِ مِنْهُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَأُجْبِرَ بِضَرْبِ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ فِتْنَةً، أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ فَلَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّهِ إلَّا الطَّلَبُ، أَوْ الْقَبُولُ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْجَبْرُ عَلَى الْقَبُولِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ الْإِمَامِ لَتَأَتَّى الْجَبْرُ عَلَى الْقَبُولِ عِنْدَ الْإِبَايَةِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا عَلَّقَ الْخَوْفَ بِغَيْرِ الْإِمَامِ.
(قَوْلُهُ: دُونَ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ الْهُرُوبُ مِنْهُ إذَا عُيِّنَ كَجِهَادٍ تَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَةِ كُلَّهَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلَّا الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ بَلْ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ كَذَا فِي بْن.
(قَوْلُهُ: وَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ وَلَوْ صَوَابًا) مِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ دَافِعَ الرِّشْوَةِ لِأَخْذِ الْقَضَاءِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ قُضَاةِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ نَافِذَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ قَبُولُ الْقَضَاءِ، أَوْ طَلَبُهُ لِجَاهِلٍ) أَيْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقَضَاءِ وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَى السُّلْطَانِ تَوْلِيَتُهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ لَا عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَنُدِبَ) أَيْ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى تَوْلِيَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) أَيْ لِكَوْنِهِ خَامِلًا لَا يُؤْخَذُ بِفَتْوَاهُ وَلَا يَتَعَلَّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَتَوَلَّاهُ بِقَصْدِ إفَادَةِ الْجَاهِلِ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَفْتِي.
(قَوْلُهُ: لَا الشُّهْرَةِ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَوْلِيَتَهُ لِأَجْلِ الشُّهْرَةِ لِرِفْعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَإِنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ لَا مَنْدُوبٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الْأَوْرَعُ فَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ إلَخْ) أَيْ وَلِهَذَا كَانَ وُجُودُ الْمَالِ عِنْدَ ذَوِي الدِّينِ زِيَادَةٌ لَهُمْ فِي الْخَيْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ.
(قَوْلُهُ: بِتَرْكِ) أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ مَا لَا يَلِيقُ فَلَا يَصْحَبُ الْأَرْذَالَ وَلَا يَجْلِسُ مَجَالِسَ السُّوءِ وَلَا يَتَعَاطَى مُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ.
(قَوْلُهُ: نَسِيبٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ غَيْرِ النَّسِيبِ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ نَسَبِهِ مُحَقَّقًا أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ لَيْسَ بِابْنِ لِعَانٍ اهـ وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ سَحْنُونٍ تَوْلِيَةَ وَلَدِ الزِّنَا مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ زَادَ وَلَكِنْ لَا يَحْكُمُ
(مُسْتَشِيرٍ) لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ بَلْ رُبَّمَا ظَهَرَ الصَّوَابُ عَلَى يَدِ جَاهِلٍ.
(بِلَا دَيْنٍ) عَلَيْهِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ.
(وَ) بِلَا (حَدٍّ) أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي زِنًا، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ أَحَطُّ مِنْ رُتْبَةِ الْمَدِينِ عِنْدَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ أَنَّهُ تَابَ.
(وَ) بِلَا (زَائِدٍ) أَيْ زِيَادَةٍ، وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهَا (فِي الدَّهَاءِ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ هُوَ جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَالرَّأْيِ فَالْمَطْلُوبُ الدَّهَاءُ وَيُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ زَائِدًا فِيهِ عَنْ عَادَةِ النَّاسِ خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفِرَاسَةِ وَتَرْكِ قَانُونِ الشَّرِيعَةِ مِنْ طَلَبِ الْبَيِّنَةِ وَتَجْرِيحِهَا وَتَعْدِيلِهَا وَطَلَبِ الْيَمِينِ مِمَّنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَ) بِلَا (بِطَانَةِ سُوءٍ) أَيْ يُتَّهَمُ مِنْهَا السُّوءُ، وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا وَاجِبَةٌ وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي شَأْنِهِ.
(وَ) نُدِبَ لِلْقَاضِي (مَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ) فِي غَيْرِ رُكُوبٍ بَلْ يَسْتَعْمِلُ الِانْفِرَادَ مَا أَمْكَنَ إذْ كَثْرَةُ الِاجْتِمَاعِ لَا خَيْرَ فِيهَا مَعَ اتِّهَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي عَلَيْهِمْ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إلَّا لِضَرُورَةِ خَادِمٍ وَمُعِينٍ فِي أَمْرٍ مِنْ الْخُصُومَاتِ وَرَفْعِ الظُّلَامَاتِ وَلِذَا قَالَ (وَ) نُدِبَ لَهُ (تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ غَالِبًا مِنْ تَعْلِيمِ الْأَخْصَامِ التَّحَيُّلَ وَقَلْبَ الْأَحْكَامِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْعِدَ عَنْهُ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ.
(وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ) مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ (بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ) مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ فَيَحْمَدُ اللَّهَ فِي الْأَوَّلِ وَيَتَنَحَّى فِي الثَّانِي أَوْ يُبَيِّنُ وَجْهَ الْحَقِّ لِلنَّاسِ (وَ) بِمَا يُقَالُ فِي (حُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) لِيَعْمَلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ إبْقَاءٍ، أَوْ عَزْلٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ.
(وَ) نُدِبَ لَهُ (تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاضِي فِي مَجْلِسِهِ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْحُكْمُ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ انْتِهَاكِ مَجْلِسِ الشَّرْعِ
[حاشية الدسوقي]
فِي الزِّنَا لِعَدَمِ شَهَادَتِهِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: مُسْتَشِيرٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ) أَيْ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَأَمَّا الَّتِي فِيهَا النَّصُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ قَالَ بْن إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ بَعْدُ " وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ وَشَاوَرَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ كَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا وَإِنْ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ كَانَ تَكْرَارًا مَعَ هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ الثَّانِي وَالْمُرَادُ أَنْ يُوَلَّى مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِرَأْيِهِ فِي الْأُمُورِ وَالْآتِي مَعْنَاهُ يُنْدَبُ لَهُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ، أَوْ يُخْتَارَ الْأَوَّلُ وَالْمَعْنَى وَنُدِبَ تَوْلِيَةُ مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَمَعْنَى الْآتِي وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ الْعَمَلُ بِهَذَا الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ يَحْتَاجُ لِدِقَّةِ النَّظَرِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: بِلَا دَيْنٍ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ " غَنِيٍّ " لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا بِأَشْيَاءَ إنَّمَا تَأْتِي لَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَامٍ فَيَحْتَاجُ لِلدَّيْنِ فَذَكَرَ هُنَا أَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِهِ كَوْنَهُ بِلَا دَيْنٍ.
. (قَوْلُهُ: أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمَحْدُودِ جَائِزَةٌ وَأَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ وَظَاهِرُهُ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ إذَا تَابَ وَإِلَّا فَلَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الْقَضَاءِ يُقْبَلُ مِنْ الْقَاضِي فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ اسْتِنَادُ الْقَاضِي لِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ فِي الْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ إلَخْ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْضُوعَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ تَابَ أَيْ إنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَكَمَ فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَمْ لَا مَوْضُوعُهُ أَنَّهُ تَابَ مِمَّا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا لَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهَا) قَدْ يُقَالُ يُمْكِنُ أَنَّ الْمَعْنَى وَبِلَا عَقْلٍ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ أَيْ فِي جَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالْفِكْرِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ جَوْدَةُ الذِّهْنِ) أَيْ وَهُوَ الْفَطَانَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَبِلَا زِيَادَةٍ فِي الْفَطَانَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا) أَيْ وَإِلَّا نَقُلْ يُتَّهَمُ فِيهَا السُّوءُ بَلْ قُلْنَا الْمُرَادُ وَبِلَا بِطَانَةٍ مُحَقَّقَةِ السُّوءِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُحَقَّقَةِ السُّوءِ وَاجِبَةٌ لَا مَنْدُوبَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى الْمُصَنِّفِ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي أُمُورِهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ لَا مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِالسُّوءِ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَمْنَعَ الَّذِينَ كَانُوا يَرْكَبُونَ مَعَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ مِنْ رُكُوبِهِمْ مَعَهُ بَعْدَهَا وَكَذَلِكَ الْمُصَاحِبُونَ لَهُ قَبْلَ التَّوْلِيَةِ فِي غَيْرِ الرُّكُوبِ يُنْدَبُ لَهُ تَرْكُ مُصَاحَبَتِهِمْ بَعْدَهَا.
(قَوْلُهُ: مَعَ اتِّهَامِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي إلَخْ) أَيْ فَيَمْتَنِعُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ مِنْ طَلَبِهِ.
(قَوْلُهُ: تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) أَيْ تَقْلِيلُ الْأَعْوَانِ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمْ لِإِعَانَتِهِ كَالرُّسُلِ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ الْقَاضِي لِإِحْضَارِ خَصْمٍ، أَوْ سَمَاعِ دَعْوَةٍ نِيَابَةً عَنْهُ، أَوْ سَمَاعِ شَهَادَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَقَلْبَ الْأَحْكَامِ) أَيْ تَغْيِيرَ الْحَالَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وُقُوعُ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يُبْعِدَ عَنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَعْوَانِ مَنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ فِي هَذِهِ الْخِدْمَةِ أَيْ لِأَنَّهُ يَزْدَادُ سُوءُهُمْ وَضَرَرُهُمْ بِالنَّاسِ.
(قَوْلُهُ: وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ إلَخْ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَّخِذَ شَخْصًا مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَالصَّلَاحِ يُرْسِلُهُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا يَسْمَعُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ فِي الْقَاضِي وَفِي حُكْمِهِ وَفِي شُهُودِهِ وَيَأْتِيهِ يُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمْ مِنْ ثَنَاءٍ عَلَيْهِ، أَوْ سُخْطٍ.
(قَوْلُهُ: فِي سِيرَتِهِ) أَيْ غَيْرِ حُكْمِهِ.
(قَوْلُهُ: بِمُقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ الْإِخْبَارِ وَقَوْلُهُ: مِنْ إبْقَاءٍ أَيْ لِلشُّهُودِ أَوْ عَزْلِهِمْ وَقَوْلُهُ: أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ أَيْ أَوْ أَمْرٍ لَهُمْ بِفِعْلِ مَا هُوَ لَائِقٌ وَنَهْيٍ لَهُمْ عَمَّا لَيْسَ بِلَائِقٍ.
(قَوْلُهُ: وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ كَقَوْلِهِ لَهُ ظَلَمْتَنِي، أَوْ كَذَبْتَ عَلَيَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤَدِّبُهُ إذَا قَالَهُمَا لِلْخَصْمِ، أَوْ لِشَاهِدٍ وَأَمَّا إذَا قَالَ: يَا ظَالِمُ
وَحُرْمَةِ الْحَاكِمِ وَلَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُسْتَنَدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ وَالتَّأْدِيبُ بِمَا يَرَاهُ أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ كَمَا هُوَ مُفَادُ الْمُصَنِّفِ وَنَصَّ غَيْرُهُ: لَا بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ وَإِنْ شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَلْ يَرْفَعُهُ لِغَيْرِهِ إنْ شَاءَ وَالْعَفْوُ أَوْلَى (إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي) ، أَوْ خَفْ اللَّهَ، أَوْ اُذْكُرْ وُقُوفَك بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ (فَلْيَرْفُقْ بِهِ) فَلَا يَجُوزُ تَأْدِيبُهُ وَمِنْ الْإِرْفَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْتَ قَدْ لَزِمَك الْإِقْرَارُ بِقَوْلِك كَذَا، أَوْ أَنْتَ قَدْ رَضِيتَ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ عَلَيْك فَكَيْفَ تَجْحَدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَطْلُبُ عَدَمَ الْحُكْمِ عَلَيْك وَالْإِمْهَالَ.
(وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى مِنْ الْخَلِيفَةِ وَلَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى اسْتِخْلَافٍ وَلَا عَدَمِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ اتَّسَعَ عَمَلُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ مُسْتَخْلَفِهِ إلَّا أَنْ يُنْفِذَهُ هُوَ إلَّا أَنْ يَتَّسِعَ عَمَلُهُ فَيَجُوزَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لَكِنْ (فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) عَنْهُ بِأَمْيَالٍ كَثِيرَةٍ يَشُقُّ إحْضَارُ الْخُصُومِ مِنْهَا إلَى مَحَلِّهِ (مَنْ) أَيْ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا (عَلِمَ مَا اُسْتُخْلِفَ فِيهِ) فَقَطْ فَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَإِذَا اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْأَنْكِحَةِ فَقَطْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَسَائِلِ النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْقِسْمَةِ وَالْمَوَارِيثِ وَجَبَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ وَهَكَذَا.
(وَانْعَزَلَ) الْمُسْتَخْلَفُ بِالْفَتْحِ (بِمَوْتِهِ) أَيْ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ وَالْوَكِيلُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ وَبِعَزْلِهِ وَنَصَّ عَلَى الْمَوْتِ مَعَ أَنَّ عَزْلَهُ كَذَلِكَ أَيْ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ بِعَزْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَوْتَ لَمَّا كَانَ يَأْتِي بَغْتَةً لَمْ يَنْعَزِلْ النَّائِبُ بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ وَلَا يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي إذَا جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ الِاسْتِخْلَافَ، أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ (لَا هُوَ) أَيْ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي (بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الَّذِي وَلَّاهُ
[حاشية الدسوقي]
أَوْ يَا كَاذِبُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ مُطْلَقًا قَالَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي، أَوْ لِلْخَصْمِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ تَأْدِيبِ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْمُنْتَقِمِ لِنَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبُ التَّأْدِيبِ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَسَاءَ عَلَى الْقَاضِي وَأَمَّا إذَا أَسَاءَ عَلَى غَيْرِهِ أَيْ كَشَاهِدٍ، أَوْ خَصْمٍ كَانَ الْأَدَبُ وَاجِبًا قَطْعًا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَحُرْمَةِ) عَطْفٌ عَلَى " مَجْلِسِ ". (قَوْلُهُ: وَنَصَّ غَيْرُهُ) أَيْ كَابْنِ عَاصِمٍ فِي مَتْنِ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ جَفَا الْقَاضِيَ فَالتَّأْدِيبُ ... أَوْلَى وَذَا لِشَاهِدٍ مَطْلُوبُ
أَيْ فَالتَّأْدِيبُ أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ، وَذَلِكَ التَّأْدِيبُ مَطْلُوبٌ أَيْ وَاجِبٌ إذَا أَسَاءَ عَلَى شَاهِدٍ أَيْ أَوْ خَصْمٍ.
(قَوْلُهُ: لَا بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ) أَيْ لَا يُنْدَبُ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ.
(قَوْلُهُ: فَلْيَرْفُقْ بِهِ) أَيْ نَدْبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْدِيبُهُ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي آيَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: 206] . الْآيَةَ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ الْإِرْفَاقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ إلَخْ) أَيْ وَمِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنَا لَا أُرِيدُ إلَّا الْحَقَّ، أَوْ رَزَقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ تَقْوَاهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنُصَّ إلَخْ) أَمَّا لَوْ نَصَّ لَهُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَوْ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَلَوْ فِي الْجِهَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنْ نَصَّ عَلَى عَدَمِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ وَلَوْ فِي الْجِهَةِ الْبَعِيدَةِ وَلَوْ لِعُذْرٍ وَيَنْبَغِي أَنَّ الْعُرْفَ بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَدَمِهِ كَالنَّصِّ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا اسْتِخْلَافُهُ لَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا قَالَ الْأَخَوَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ وَلَوْ لِمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ.
(قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ) لَكِنَّهُ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ عَنْهُ كَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْمَسْأَلَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ إمَّا أَنْ يَنُصَّ لِلْقَاضِي عَلَى الِاسْتِخْلَافِ، أَوْ عَلَى عَدَمِهِ، أَوْ لَا يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ، أَوْ بَعِيدَةٍ مِنْهُ فَإِنْ نَصَّ لَهُ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ جَازَ مُطْلَقًا لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِهِ فِي الْجِهَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ وَالْبَعِيدَةِ وَإِنْ نَصَّ عَلَى عَدَمِهِ مُنِعَ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ قَرِيبَةً فَالْمَنْعُ إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَقَوْلَانِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِهَةُ بَعِيدَةً فَالْجَوَازُ كَانَ لِعُذْرٍ، أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِخْلَافِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلِفُ بِالْكَسْرِ وَقْتَ الِاسْتِخْلَافِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَمِثْلُ الِاسْتِخْلَافِ الْعَزْلُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَمْيَالٍ كَثِيرَةٍ) أَيْ زَائِدَةٍ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: مَنْ عَلِمَ إلَخْ) أَيْ وَإِذَا اسْتَخْلَفَ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَلِمَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَانْعَزَلَ الْمُسْتَخْلَفُ) أَيْ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْقَاضِي بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ أَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ فِي جِهَةٍ قَرِيبَةٍ لِنَصِّ الْخَلِيفَةِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ فَلَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَا بِعَزْلِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَمِثْلُهُمَا مَنْ قَدَّمَهُ الْقَاضِي لِلنَّظَرِ عَلَى أَيْتَامٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي الَّذِي قَدَّمَهُ وَلَا بِعَزْلِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ إلَخْ) أَيْ فَالْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ) قَدْ يُقَالُ إنَّ مَوْضُوعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُوَ الِاسْتِخْلَافُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ هَذَا فَلَيْسَ كَلَامُهُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: لَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ إمَارَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ سَلْطَنَةً أَوْ غَيْرَهَا وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ الْخَلِيفَةَ وَلَيْسَ
(وَلَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ الَّذِي وَلَّاهُ (الْخَلِيفَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ نَفْسِ الْخَلِيفَةِ بِخِلَافِ نَائِبِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ نَائِبٌ عَنْ نَفْسِ الْقَاضِي فَلِذَا انْعَزَلَ بِمَوْتِهِ وَأَمَّا لَوْ عَزَلَهُ الْأَمِيرُ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ قَطْعًا وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَزْلَهُ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي إذَا شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ عَزْلِهِ (أَنَّهُ) كَانَ (قَضَى بِكَذَا) وَلَا مَفْهُومَ لِلظَّرْفِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْعَزْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
(وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ) أَيْ جَازَ لِلْإِمَامِ نَصْبُ قَاضٍ مُتَعَدِّدٍ يَسْتَقِلُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حُكْمِ الْآخَرِ كَقَاضِي رَشِيدٍ وَقَاضِي الْمَحَلَّةِ وَقَاضِي قَلْيُوبَ، أَوْ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ بِبَلَدٍ (أَوْ خَاصٍّ)
[حاشية الدسوقي]
الْمُرَادُ بِالْأَمِيرِ مَنْ لَهُ إمَارَةٌ غَيْرُ السَّلْطَنَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمُبَالَغَةِ حِينَئِذٍ؛ إذْ شَرْطُهَا صِدْقُ مَا قَبْلَهَا عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ الْخَلِيفَةَ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْأَمِيرُ الَّذِي وَلَّاهُ غَيْرَ الْخَلِيفَةِ بَلْ وَلَوْ كَانَ الْأَمِيرُ الَّذِي وَلَّاهُ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ الْخَلِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: لَيْسَ نَائِبًا عَنْ نَفْسِ الْخَلِيفَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَمْ يُوَلِّهِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا وَلَّاهُ لِمَصَالِحِ النَّاسِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَاضِيَ إلَخْ إشَارَةٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْقَاضِي فِي جِهَةٍ بَعِيدَةٍ حَيْثُ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَبَيْنَ الْقَاضِي حَيْثُ لَمْ يَنْعَزِلْ بِمَوْتِ الْخَلِيفَةِ وَهَذَا الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاهٍ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي نَائِبًا عَنْ الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ لِلْخَلِيفَةِ عَزْلُهُ؛ كَيْفَ وَأَصْلُ الْقَضَاءِ لِلْخُلَفَاءِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْ الْخَلِيفَةِ فَلِمَ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي نَائِبِ الْقَاضِي.
فَإِنْ قُلْتَ: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْقَاضِي.
قُلْتُ: السُّلْطَانُ أَيْضًا إنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَقْضِيَ لِأَجْلِ التَّخْفِيفِ عَنْ نَفْسِهِ اهـ اُنْظُرْ بْن وَلِذَا اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّ خَلِيفَةَ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْقَاضِي وَلَا بِمَوْتِهِ كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ خِلَافًا لَلْمُصَنِّفِ وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي المج عَلَى هَذَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَزْلَهُ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ عَزْلُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَافِذًا لِضَرُورَةِ النَّاسِ لِذَلِكَ كَمَا فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَانْظُرْ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْقَاضِي مَعْلُومَ الْقَضَاءِ مِنْ يَوْمِ وِلَايَتِهِ إذَا وَلِيَ بِبَلَدٍ يَحْتَاجُ لِسَفَرٍ، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ فَالْمَعْلُومُ لِلْمَعْزُولِ إلَى يَوْمِ بُلُوغِهِ اهـ وَاسْتَظْهَرَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ الثَّانِيَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ) أَيْ وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الْقَبُولِ مَا إذَا قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ شَهِدَ عِنْدِي شَاهِدَانِ بِكَذَا وَقَدْ كُنْت قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنِّي حُكْمٌ وَلِلطَّالِبِ حِينَئِذٍ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَطْلُوبَ أَنَّهُ مَا شَهِدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ الطَّالِبُ لِدَعْوَةٍ جَدِيدَةٍ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الطَّالِبُ وَثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَفْهُومُ شَهَادَتِهِ أَنَّ إخْبَارَ الْقَاضِي عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا يُقْبَلُ قَبْلَ عَزْلِهِ لَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إخْبَارَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ حَكَمَ بِكَذَا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهَادَةِ لِتَقَدُّمِ دَعْوَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لَا قَبْلَ الْعَزْلِ وَلَا بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ وَالْخِطَابِ بِأَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ إخْبَارَهُ دَعْوَى قَبْلَ الْعَزْلِ لَا بَعْدَهُ فَإِنْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو بِحَقٍّ عِنْدَ قَاضِي مِصْرَ مَثَلًا وَإِنَّ قَاضِيَ الْجِيزَةِ حَكَمَ لَهُ بِذَلِكَ الْحَقِّ فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَحَضَرَ قَاضِي الْجِيزَةِ لِمِصْرِ وَشَهِدَ عِنْدَ قَاضِيهَا بِأَنَّهُ قَضَى، أَوْ حَكَمَ بِكَذَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَانَ قَاضِي الْجِيزَةِ إذْ ذَاكَ مَعْزُولًا، أَوْ غَيْرَ مَعْزُولٍ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَاضِي الْجِيزَةِ أَرْسَلَ لِقَاضِي مِصْرَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُشَافَهَةً قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ التَّدَاعِي عِنْدَهُ أَيْ عِنْدَ قَاضِي مِصْرَ قَبْلَ ذَلِكَ الْإِخْبَارِ مِنْ قَاضِي الْجِيزَةِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَعْزُولٍ لَا إنْ كَانَ مَعْزُولًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ قَضَيْت بِكَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ وَإِقْرَارُ الشَّخْصِ إنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ قَبْلَ الْعَزْلِ أَيْضًا) أَيْ وَلَوْ انْضَمَّ لَهُ شَخْصٌ آخَرُ فِي الشَّهَادَةِ.
(قَوْلُهُ: يَسْتَقِلُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا إنَّمَا مَعْنَى الِاسْتِقْلَالِ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ نُفُوذُ حُكْمِهِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ كَمَا سَيَقُولُ، وَحَاصِلُ مَا أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ تَوْلِيَةُ قُضَاةٍ مُتَعَدِّدِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ - أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ - عَامٌّ حُكْمُهُ فِي جَمِيعِ النَّوَاحِي بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، أَوْ بِبَعْضِهَا، وَيَجُوزُ لَهُ أَيْضًا تَوْلِيَةُ مُتَعَدِّدِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ مُسْتَقِلٌّ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِنَاحِيَةٍ يَحْكُمُ فِيهَا بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ الْبَعْضُ كَذَا وَالْبَعْضُ كَذَا فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَلَا يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ هَذَا إذَا كَانَ التَّشْرِيكُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بَلْ وَلَوْ كَانَ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بِحَيْثُ تَوَقَّفَ حُكْمُ كُلٍّ عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَكُونُ نِصْفَ حَاكِمٍ كَذَا قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا قَالَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقُضَاةِ وَأَمَّا تَحْكِيمُ شَخْصَيْنِ فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِهِ وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ فِي تَحْكِيمِهِمَا أَبَا مُوسَى وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ.
(تَنْبِيهٌ) أَشْعَرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الْقَاضِي بِمَنْعِ تَعَدُّدِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ
عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ أَيْ مُسْتَقِلٍّ عَامٍّ فِي النَّوَاحِي، أَوْ الْأَحْكَامِ، أَوْ خَاصٍّ (بِنَاحِيَةٍ) كَالْغَرْبِيَّةِ أَوْ الْمَنُوفِيَّةِ بِمِصْرَ (أَوْ نَوْعٍ) أَيْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَالْأَنْكِحَةِ، أَوْ الْبُيُوعِ أَوْ الْفَرَائِضِ.
(وَ) إذَا تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّفْعَ لِقَاضٍ وَأَرَادَ الْآخَرُ الرَّفْعَ لِقَاضٍ آخَرَ كَانَ (الْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) وَهُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ دُونَ الْمَطْلُوبِ (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَكُنْ طَالِبٌ مَعَ مَطْلُوبٍ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ رُفِعَ إلَى (مَنْ) أَيْ قَاضٍ (سَبَقَ رَسُولُهُ) لِطَلَبِ الْإِتْيَانِ عِنْدَهُ (وَإِلَّا) يَسْبِقْ رَسُولُ قَاضٍ بَلْ اسْتَوَيَا فِي الْمَجِيءِ مَعَ دَعْوَى كُلٍّ أَنَّهُ الطَّالِبُ (أُقْرِعَ) لِلْقَاضِي الَّذِي يَذْهَبَانِ إلَيْهِ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ لِلذَّهَابِ لَهُ ذَهَبَا لَهُ (كَالِادِّعَاءِ) أَيْ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الِادِّعَاءِ بَعْدَ إتْيَانِهِمَا لِلْقَاضِي الَّذِي أَقْرَعَا فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ، أَوْ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى الذَّهَابِ لَهُ، ثُمَّ تَنَازَعَا فِي تَقْدِيمِ الدَّعْوَى؛ إذْ الْمَوْضُوعُ أَنَّ كُلًّا طَالِبٌ وَسَيَأْتِي لَهُ مَا يُغْنِي عَنْ هَذَا التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ، وَأُمِرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ، قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ وَإِلَّا فَالْجَالِبُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ.
(وَ) جَازَ لِمُتَدَاعِيَيْنِ (تَحْكِيمُ) رَجُلٍ (غَيْرِ خَصْمٍ) مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ قَاضٍ لَهُ يُحَكِّمَانِهِ فِي النَّازِلَةِ بَيْنَهُمَا لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ (وَ) غَيْرِ (جَاهِلٍ وَكَافِرٍ) وَأَمَّا الْجَاهِلُ وَالْكَافِرُ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُمَا (وَغَيْرِ)
[حاشية الدسوقي]
تَبَاعَدَتْ الْأَقْطَارُ جِدًّا لِإِمْكَانِ النِّيَابَةِ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ النِّيَابَةُ لِتَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ جِدًّا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
(قَوْلُهُ: عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ) أَيْ لَا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " تَعَدُّدُ " وَلَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى " مُسْتَقِلٍّ "؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْلَالِ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ كُلٌّ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ وَاحِدًا وَلَكِنْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ لَهُ وَيُطَالِبُ الْآخَرَ بِهِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ رُفِعَ إلَى مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ لِطَلَبِ الْإِتْيَانِ عِنْدَهُ) فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِقَاضٍ وَذَهَبَ الْآخَرُ لِقَاضٍ آخَرَ فَأَرْسَلَ كُلُّ قَاضٍ عَوْنَهُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِهِ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَالْحَقُّ بِهِ فِي إقَامَةِ الدَّعْوَى عِنْدَ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ.
(تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ الْمُدَّعَى بِهِ وَكَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ يُطَالِبُ الْآخَرَ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَأَمَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ بِشَيْءٍ مُغَايِرٍ لِمَا يَدَّعِي بِهِ الْآخَرُ فَفِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ وَابْنِ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْقُضَاةِ فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عِنْدَ قَاضٍ وَفَرَغَ فَلِصَاحِبِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ، أَوْ فِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ الْقَاضِيَيْنِ فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا لِقَاضٍ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: وَإِنْ ذَهَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِقَاضٍ فَالْمُعْتَبَرُ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ مِنْ الْقُضَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبْقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ طَالِبًا إنَّمَا يُعْتَبَرُ سَبْقُ الرَّسُولِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ وَإِلَّا عُمِلَ بِقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي الَّذِي يَدَّعِي عِنْدَهُ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: أَيْ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى لَيْسَ قَوْلَهُ: مُجَرَّدًا عَنْ مُصَدِّقٍ وَلَمْ يَجْلُبْ خَصْمَهُ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إلَخْ) حَاصِلُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْمُدَّعِي وَهُوَ مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ: عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَا الْمُدَّعِي قُدِّمَ الْجَالِبُ لِصَاحِبِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِرَسُولِ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا - وَالْحَالُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدَّعِي أَنَّهُ الْمُدَّعِي - أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالْكَلَامِ فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ: إذْ الْمَوْضُوعُ أَنَّ كُلًّا يَدَّعِي أَنَّهُ طَالِبٌ لَصَحَّ قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إلَخْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَتَحْكِيمُ رَجُلٍ غَيْرِ خَصْمٍ) أَيْ تَحْكِيمُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ مِنْهُمَا مُغَايِرٍ لِكُلٍّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يَحْتَاجُ التَّحْكِيمُ لِشُهُودٍ تَشْهَدُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا حَكَّمَاهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ قَاضٍ لَهُ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُحَكَّمُ مُوَلًّى مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَكَأَنَّ الْحُكْمَ وَاقِعٌ مِنْ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ خَصْمَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً وَمَضَى حُكْمُهُ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا وَقِيلَ يُكْرَهُ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ هُوَ الْقَاضِيَ وَيَمْضِي حُكْمُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ إنْ كَانَ غَيْرَ جَوْرٍ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ هُوَ الْقَاضِيَ سَوَاءٌ كَانَ حُكْمُهُ جَوْرًا، أَوْ غَيْرَ جَوْرٍ وَالْأَوَّلُ نَقْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ وَالثَّالِثُ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ " لَا تَحْكِيمُ خَصْمٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَنْفُذُ " لَا يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ جَوْرًا فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، أَوْ بِمَا إذَا كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الْجَارِيَ فِي تَحْكِيمِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ جَارٍ فِي تَحْكِيمِ الْأَجْنَبِيِّ فَقِيلَ بِجَوَازِهِ وَنُفُوذِ حُكْمِهِ وَقِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ وَعَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ فَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ " غَيْرِ خَصْمٍ " وَيَقُولَ وَجَازَ تَحْكِيمُ غَيْرِ جَاهِلٍ وَكَافِرٍ إلَخْ وَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى مَا لِلَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ مِنْ الْجَوَازِ ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كَانَ الْمُحَكَّمُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ كَانَ قَاضِيًا أَمْ لَا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِ)
(مُمَيِّزٍ) عَطْفٌ عَلَى " خَصْمٍ " كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فَالْمَعْنَى وَتَحْكِيمُ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَهُوَ الْمُمَيِّزُ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَجَازَ تَحْكِيمُ مُمَيِّزٍ وَأَتَى بِغَيْرِ هُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ عَلَى خَصْمٍ وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَوْ قَالَ " وَتَحْكِيمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ عَالِمٍ مُمَيِّزٍ " لَكَانَ أَوْضَحَ وَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَيَذْكُرُهُ كَالْمَرْأَةِ.
وَجَوَازُ التَّحْكِيمِ إنَّمَا يَكُونُ (فِي مَالٍ وَجُرْحٍ) وَلَوْ عَظُمَ فَإِنْ حَكَّمَا خَصْمًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ كَافِرًا لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يُصِبْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ فَالْمُرَادُ بِالْخَصْمِ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ النَّقْلِ فَإِنْ سَأَلَ الْجَاهِلُ عَالِمًا فَأَرَاهُ وَجْهَ الْحَقِّ فَحَكَمَ بِهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمَ جَاهِلٍ (لَا) فِي (حَدٍّ) مِنْ سَائِرِ الْحُدُودِ (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ وَقَتْلٍ وَوَلَاءٍ) لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ (وَنَسَبٍ) كَذَلِكَ (وَ) لَا فِي (طَلَاقٍ وَعِتْقٍ) فَيَمْتَنِعُ التَّحْكِيمُ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِغَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إمَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا لِآدَمِيٍّ كَمَا فِي اللِّعَانِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ النَّسَبِ وَأَمَّا الْحَدُّ وَالْقَتْلُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ فَالْحَقُّ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ بَائِنًا لَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي الْعِصْمَةِ وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الْعَبْدِ لِلرِّقِّ وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ.
(وَمَضَى) حُكْمُهُ فِي أَحَدِ هَذِهِ السَّبْعَةِ (إنْ حَكَمَ صَوَابًا) فَلَا يُنْقَضُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ وَتَرَكَ هُنَا بَعْضَ مَسَائِلَ ذَكَرَهَا فِي الْحَجْرِ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يُحَكَّمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحُبْسِ الْمُعَقَّبِ وَأَمْرِ الْغَائِبِ وَمَالِ يَتِيمٍ إلَخْ وَزَادَ هُنَا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَاللِّعَانَ.
(وَأُدِّبَ) أَيْ إذَا اسْتَوْفَى وَأَمَّا إذَا حَكَمَ وَلَمْ يَسْتَوْفِ مَا حَكَمَ بِهِ فَلَا أَدَبَ.
(وَفِي) صِحَّةِ حُكْمِ (صَبِيٍّ) مُمَيِّزٍ (وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَفَاسِقٍ) أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
[حاشية الدسوقي]
(مُمَيِّزٍ) يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ: قَبْلُ " وَجَاهِلٍ "؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ جَاهِلٍ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَوْلَى اهـ بْن وَقَدْ يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ اللُّزُومَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَعْتُوهًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَطْفُهُ) أَيْ عَطْفُ مُمَيِّزٍ عِنْدَ حَذْفِ " غَيْرِ " وَقَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ عَطْفُهُ عَلَى خَصْمٍ أَيْ لِتَجْرِيَ الْمَعْطُوفَاتُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ.
(قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُ) أَيْ بِقَوْلِنَا " رَجُلٍ " الصَّبِيُّ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَجَوَازُ التَّحْكِيمِ) أَيْ تَحْكِيمِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمُسْلِمِ الْعَالِمِ الْمُمَيِّزِ إنَّمَا يَكُونُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَجَرْحٍ) أَيْ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً وَقَوْلُهُ: وَلَوْ عَظُمَ أَيْ كَقَطْعِ يَدٍ، أَوْ رِجْلٍ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ) أَيْ وَلَوْ وَافَقَ الصَّوَابَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَقَدْ عَلِمْت النَّقْلَ فِيمَا إذَا حَكَّمَا خَصْمًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ حَكَمَ وَلَمْ يُصِبْ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ) أَيْ فَإِذَا حَكَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَتَرَتَّبَ عَلَى حُكْمِهِ إتْلَافٌ فَإِنْ كَانَ لِعُضْوٍ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إتْلَافُ مَالٍ كَانَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ.
(قَوْلُهُ: أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ) أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا خُصُومَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ كَمَا قَالَ عبق وخش.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي اللِّعَانِ.
. . إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلْوَلَدِ بِقَطْعِ نَسَبِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْخَصْمَيْنِ - أَعْنِي الزَّوْجَيْنِ - وَكَذَلِكَ النَّسَبُ إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَبِ وَرَجُلٍ آخَرَ فَالْأَبُ يَقُولُ إنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ ابْنِي وَالرَّجُلُ الْآخَرُ يَقُولُ إنَّهُ ابْنُك أَمَّا لَوْ كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَلَدِ فَالْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ الْحَقُّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَرَجُلٍ آخَرَ فِي الشَّخْصِ الْمَعْتُوقِ بِأَنْ ادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَمَّا إذَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْمَعْتُوقِ كَانَ الْحَقُّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ) أَرَادَ بِالْحُدُودِ مَا يَشْمَلُ الْقَتْلَ قِصَاصًا.
(قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ هَذِهِ السَّبْعَةِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَكَّمَ إذَا حَكَمَ فِيمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَجْرِ عَلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ صَوَابًا أَنَّهُ لَا يَمْضِي وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ وَلَكِنَّ الَّذِي كَانَ يُقَرِّرُهُ شُيُوخُ عج أَنَّهُ يَمْضِي أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ نَقْلُ التَّوْضِيحِ كَمَا فِي بْن.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُخْتَصًّا بِالْقُضَاةِ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَحَكَمَ فِيهِ الْمُحَكَّمُ وَكَانَ حُكْمُهُ صَوَابًا فَإِنَّهُ يَمْضِي وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ وَأَمَّا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالسُّلْطَانِ كَالْإِقْطَاعَاتِ فَحُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِيهِ غَيْرُ مَاضٍ قَطْعًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ إلَخْ) نَصُّ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِي الرُّشْدِ وَضِدِّهِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْحُبْسِ الْمُعَقَّبِ وَأَمْرِ الْغَائِبِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَحَدٍّ وَقِصَاصٍ وَمَالِ يَتِيمٍ الْقُضَاةُ، فَهَذِهِ عَشَرَةٌ، ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بَعْضَهَا وَهُوَ الْحَدُّ وَالْقَتْلُ وَالنَّسَبُ وَالْوَلَاءُ وَزَادَ عَلَيْهَا هُنَا ثَلَاثَةً اللِّعَانَ وَالطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ فَجُمْلَةُ مَا يَخْتَصُّ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْقَاضِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
(قَوْلُهُ: وَأُدِّبَ) أَيْ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ: أَيْ إذَا اسْتَوْفَى أَيْ إذَا حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ لِمَا حَكَمَ بِهِ بِأَنْ قَتَلَ، أَوْ حَدَّ، أَوْ اقْتَصَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَدَبَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا نَفَّذَ الْحُكْمَ أَمَّا إذَا حَكَمَ وَلَمْ يُنَفِّذْ مَا حَكَمَ بِهِ فَلَا أَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ يُزْجَرُ أَيْ يُعَزَّرُ فَقَطْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِقَتْلٍ فَعُفِيَ عَنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَدَبِهِ مُطْلَقًا اُنْظُرْ ح. (قَوْلُهُ: فَلَا أَدَبَ) أَيْ وَيُزْجَرُ وَيُعَزَّرُ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي صِحَّةِ حُكْمِ صَبِيٍّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ وَعَدَمِهَا كَمَا ذَكَرَ شَارِحُنَا وَهُوَ ظَاهِرُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمَوَّاقِ وَأَمَّا تَحْكِيمُ مَنْ ذُكِرَ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ابْتِدَاءً اتِّفَاقًا وَلَيْسَتْ الْأَقْوَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي صِحَّةِ التَّحْكِيمِ كَمَا فِي تت وعبق وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَصْبَغَ وَالثَّانِي لِمُطَرِّفٍ وَالثَّالِثُ لِأَشْهَبَ وَالرَّابِعُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ التَّحْكِيمِ وَعَدَمِهِ اُنْظُرْ بْن، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَفِي صَبِيٍّ إلَخْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ " أَقْوَالٌ
أَوَّلُهَا الصِّحَّةُ، ثَانِيهَا عَدَمُهَا (ثَالِثُهَا) الصِّحَّةُ (إلَّا) فِي تَحْكِيمِ (الصَّبِيِّ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ جَارَ (وَرَابِعُهَا) الصِّحَّةُ (إلَّا) فِي تَحْكِيمِ صَبِيٍّ (وَفَاسِقٍ) وَيَجُوزُ إبْقَاءُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُقَدَّرَ: وَفِي جَوَازِ تَحْكِيمِ صَبِيٍّ إلَخْ وَعَدَمِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ الصِّحَّةُ وَفِي عَدَمِهِ عَدَمُهَا.
(وَ) جَازَ لِلْقَاضِي (ضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ بَعْدَ لُزُومِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ.
(وَ) جَازَ (عَزْلُهُ) أَيْ الْقَاضِي أَيْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَهُ (لِمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْ عَزْلَهُ لِكَوْنِ غَيْرِهِ أَقْوَى مِنْهُ، أَوْ أَحْكَمَ، أَوْ أَصْبَرَ أَوْ لِنَقْلِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ (وَلَمْ يَنْبَغِ) عَزْلُهُ (إنْ شُهِرَ عَدْلًا) أَيْ بِالْعَدَالَةِ (بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ شَكْوَى بَلْ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ فَالتَّجَرُّدُ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْكَشْفِ وَالنَّظَرِ وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُهُ صَادِقٌ بِمَا إذَا تَعَدَّدَتْ الشَّكْوَى وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَهَرْ بِالْعَدَالَةِ أَنْ يَعْزِلَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكْوَى وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَلْيُبْرَأْ) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُبْرِئَهُ عَنْ الشَّيْنِ إنْ عَزَلَهُ (عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أَيْ جَرْحٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةٍ كَكَوْنِ غَيْرِهِ أَعْلَمَ بِالْأَحْكَامِ وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ لِسُخْطٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مُوجِبَ عَزْلِهِ لِئَلَّا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدُ.
(وَ) جَازَ لَهُ (خَفِيفُ) (تَعْزِيرٍ) شَأْنُهُ السَّلَامَةُ مِنْ النَّجِسِ (بِمَسْجِدٍ) (لَا حَدٌّ) فَلَا يَجُوزُ فِيهِ خَشْيَةَ خُرُوجِ نَجَاسَةٍ مِنْهُ يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ.
(وَجَلَسَ) نَدْبًا (بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ أَيْ بِرِحَابِهِ لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ وَالْحَائِضُ وَجُلُوسُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ يَكُونُ (بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَ) غَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ تَرْوِيَةٍ وَعَرَفَةَ وَلَيْلٍ.
[حاشية الدسوقي]
أَرْبَعَةٌ " كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: أَوَّلُهَا الصِّحَّةُ) أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ ثَانِيهَا عَدَمُهَا أَيْ فِي الْأَرْبَعَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ جَارِيَةٌ فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَكَّمَ فِيهِ الْمُحَكَّمُ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْمَالُ وَالْجَرْحُ وَفِيمَا يَمْضِي فِيهِ حُكْمُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَهِيَ الْأُمُورُ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا بِقَوْلِهِ لَا فِي حَدٍّ وَلِعَانٍ إلَخْ وَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ الْمَزِيدُ عَلَى مَا هُنَا وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي تَحْكِيمِ الْمُمَيِّزِ لَا يُنَافِي جَزْمَهُ فِيمَا مَرَّ بِجَوَازِ تَحْكِيمِهِ وَصِحَّةِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيمَا مَرَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْبَالِغِ احْتِرَازًا عَنْ بَالِغٍ بِهِ عَتَهٌ، أَوْ جُنُونٌ وَفِيمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ ضَرْبُ خَصْمٍ) أَيْ بِيَدِهِ أَوْ أَعْوَانِهِ وَقَوْلُهُ: لَدَّ عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ أَيْ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ اللَّدَدُ بِالْبَيِّنَةِ لَا إنْ عَلِمَ الْقَاضِي مِنْهُ ذَلِكَ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ وَسَلَّمَهُ ح وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا لَبَن خِلَافًا لعبق تَبَعًا لتت مِنْ جَوَازِ ضَرْبِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ بَلْ اسْتِنَادًا لِعِلْمِهِ.
(قَوْلُهُ: بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ) أَيْ فِي قَدْرِهِ.
(قَوْلُهُ: الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ) أَيْ لِأَنَّ ضَرْبَهُ لِلْخَصْمِ إذَا لَدَّ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: وَجَازَ عَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ) أَيْ تَعُودُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِيهِ فَإِنْ عُزِلَ لَا لِمَصْلَحَةٍ فَالنَّقْلُ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ لَكِنْ بَحَثَ فِيهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ: قُلْت: فِي عَدَمِ نُفُوذِ عَزْلِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لَغْوِ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْبَغِ) أَيْ لَمْ يَجُزْ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِالْعَدَالَةِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عَدْلًا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ أَيْ إنْ شُهِرَ كَوْنُهُ عَدْلًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ بِالشَّكْوَى الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ وَالنَّظَرِ فِي شَأْنِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الشِّكَايَةُ فِيهِ وَاحِدَةً، أَوْ مُتَعَدِّدَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْكَشْفِ وَالْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ فَإِنْ وَجَدَهُ عَدْلًا فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ أَبْقَاهُ وَإِنْ وَجَدَهُ مَسْخُوطًا فِي الْبَاطِنِ عَزَلَهُ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَعْزِلَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّكْوَى) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ حَالِهِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ إنْ عَزَلَهُ لَا بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ؛ إذْ يَصِيرُ مَعْنَاهُ يَبْرَأُ عَنْ الرِّضَا وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَزَلَهُ الْأَمِيرُ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ بِأَنْ عَزَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ غَيْرِ الْجُرْحَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُبْرِئَهُ مِمَّا يَشِينُهُ بِأَنْ يُعْلِمَ النَّاسَ بِبَرَاءَتِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا عَزَلَهُ لِمَصْلَحَةٍ وَيُشْهِرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بِمُنَادَاةٍ مَثَلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَزْلَ مَظِنَّةُ تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِي الْمَعْزُولِ وَكَوْنُ الْعَزْلِ لِمَصْلَحَةٍ قَدْ يَخْفَى عَلَى النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدُ) أَيْ مَعَ أَنَّ الْمَعْزُولَ لِسُخْطٍ لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ بَعْدُ وَلَوْ صَارَ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
(قَوْلُهُ: شَأْنُهُ السَّلَامَةُ مِنْ النَّجِسِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ دُونَ الْحَدِّ.
(قَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ وَالْكَرَاهَةَ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنْ ظَنَّ حُصُولَ دَمٍ أَوْ نَجَاسَةٍ حَرُمَ وَإِنْ شَكَّ فِي حُصُولِ ذَلِكَ كُرِهَ اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَجَلَسَ بِهِ) أَيْ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِرِحَابِهِ) أَيْ لَا فِيهِ فَيُكْرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ الْأُولَى لِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي الرِّحَابِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَالْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: 21] . وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْمُرُورُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ صَرَفَهُ الشَّارِحُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ مَارًّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَرَّرَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: لِيَصِلَ إلَيْهِ الْكَافِرُ إلَخْ) أَيْ وَلِخَبَرِ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» . (قَوْلُهُ: وَغَيْرِ وَقْتِ نُزُولِ مَطَرٍ) أَيْ كَثِيرٍ
أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إلَّا لِضَرُورَةٍ اقْتَضَتْ جُلُوسَهُ فِيهَا كَمَا فِي مِصْرَ يَوْمَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ فَإِنَّ الْجَمَّالِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ هَرَبُوا، أَوْ أَنْكَرُوا.
(وَ) جَازَ لَهُ (اتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ) عَدْلَيْنِ لِمَنْعِ دُخُولِ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ وَتَأْخِيرِ مَنْ جَاءَ بَعْدُ حَتَّى يَفْرُغَ السَّابِقُ مِنْ قَضِيَّتِهِ.
(وَبَدَأَ) الْقَاضِي أَوَّلَ وِلَايَتِهِ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ وُجُوبًا بَعْدَ النَّظَرِ فِي الشُّهُودِ لِيُبْقِيَ مَنْ كَانَ عَدْلًا وَيَطْرُدَ مَنْ كَانَ فَاسِقًا (بِمَحْبُوسٍ) أَيْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ مِنْ إرْسَالٍ، أَوْ إبْقَاءٍ أَوْ تَحْلِيفٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ (ثُمَّ) بِالنَّظَرِ فِي حَالِ (وَصِيٍّ) عَلَى يَتِيمٍ هَلْ هُوَ مُحْسِنٌ فِي تَرْبِيَتِهِ وَمَالِهِ أَمْ لَا (وَمَالِ طِفْلٍ) أَنَّهُ وَصِيٌّ أَمْ لَا (وَمُقَامٍ) أَيْ وَفِي حَالِ مُقَامٍ أَقَامَهُ عَلَى مَحْجُورٍ قَاضٍ قَبْلَهُ (ثُمَّ) فِي (ضَالٍّ) وَمِنْهُ اللُّقَطَةُ (وَنَادَى) أَيْ أَمَرَ أَنْ يُنَادَى فِي عَمَلِهِ (بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ) لَا وَصِيَّ لَهُمَا وَلَا مُقَامَ (وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا إلَيْهِ) لِيَنْظُرَ فِي شَأْنِهِمَا وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمَا مَنْ يَصْلُحُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ (فِي الْخُصُومِ) لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي قَوْلِهِ: وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ.
(وَرَتَّبَ كَاتِبًا) عِنْدَهُ يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا (عَدْلًا شَرْطًا) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَرْتِيبَهُ شَرْطٌ (كَمُزَكٍّ) أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ (وَاخْتَارَهُمَا) مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِحَيْثُ يَكُونَانِ أَعْدَلَ الْمَوْجُودِينَ وَالْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي هُنَا مُزَكِّي السِّرِّ الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِحَالِ الشُّهُودِ لَا مُزَكِّي الْبَيِّنَةِ
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَيْ فَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ) أَيْ لِلْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ يَعْنِي يَوْمَ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ) هُوَ بَوَّابُ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَبَوَّابٍ أَيْ مُلَازِمٍ لِبَابِ الْبَيْتِ الْبَرَانِيِّ وَقَوْلُهُ: لِمَنْعِ دُخُولِ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ هَذَا مِنْ وَظِيفَةِ الْبَوَّابِ الْمُلَازِمِ لِبَابِ الْبَيْتِ الْبَرَانِيِّ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُهُ: وَتَأْخِيرِ مَنْ جَاءَ إلَخْ هَذَا مِنْ وَظِيفَةِ الْحَاجِبِ وَهُوَ بَوَّابُ الْمَحَلِّ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ الْقَاضِي فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: وَبَدَأَ الْقَاضِي أَوَّلَ وِلَايَتِهِ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ وُجُوبًا إلَخْ) الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَالِاسْتِحْبَابُ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَازِرِيِّ اُنْظُرْ نَصَّهَا فِي بْن.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ النَّظَرِ فِي الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى حُكْمِهِ وَعَلَى إقْرَارِ الْخُصُومِ وَإِنْكَارِهِمْ عَلَى مَا يَدَّعُونَ بِهِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ النَّظَرِ إلَخْ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ أَيْ بُدَاءَةً إضَافِيَّةً لَا حَقِيقِيَّةً.
(قَوْلُهُ: أَيْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانُوا مَحْبُوسِينَ فِي الدِّمَاءِ، أَوْ غَيْرِهَا وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ أَيْ بِالْمَحْبُوسِ فِي دَعَاوَى الدِّمَاءِ لِمَا ذَكَرُوا أَنَّهَا أَوَّلُ مَا يَقْضِي فِيهِ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ إرْسَالٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي ضَالٍّ) أَيْ فِي مَالٍ ضَالٍّ أَيْ فَيَنْظُرُ هَلْ أَتَى رَبُّهُ أَمْ لَا فَيُرَتِّبَ عَلَى ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ مِنْ إبْقَاءٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ صَرْفٍ فِي مَصَارِيفِ بَيْتِ الْمَالِ.
(قَوْلُهُ: وَنَادَى بِمَنْعِ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالنِّدَاءِ فِي عَمَلِهِ أَنَّ كُلَّ يَتِيمٍ لَمْ يَبْلُغْ لَا وَصِيَّ لَهُ فَقَدْ حَجَرْت عَلَيْهِ وَكُلَّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ فَقَدْ مَنَعْت النَّاسَ مِنْ مُدَايِنَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ وَكُلَّ مَنْ عَلِمَ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْهُمَا فَلْيَرْفَعْهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ فَمَنْ دَايَنَهُ، أَوْ بَاعَ مِنْهُ، أَوْ ابْتَاعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمُنَادَاةِ انْكِفَافُ النَّاسِ عَنْهُمَا لَكِنْ فِي السَّفِيهِ تَمْضِي مُعَامَلَاتُهُ الْحَاصِلَةُ قَبْلَ النِّدَاءِ وَأَمَّا الْحَاصِلَةُ بَعْدَهُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ قَبْلَ النِّدَاءِ وَبَعْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ " وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ " مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ فِي خُصُوصِ السَّفِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ رُتْبَةَ الْمُنَادَاةِ فِي رُتْبَةِ النَّظَرِ فِي أَمْرِهِمَا فَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ النَّظَرِ فِي الْمَحْبُوسِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّبْصِرَةِ وَحُكْمُ الْمُنَادَاةِ الْمَذْكُورَةِ النَّدْبُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَهْرَامَ وتت وَالْوُجُوبُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ التَّبْصِرَةِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ فِي الْخُصُومِ) هَذِهِ مَرْتَبَةٌ رَابِعَةٌ وَظَاهِرُهُ تَأْخِيرُ النَّظَرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مُسَافِرُونَ يَخْشَوْنَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالنَّظَرُ فِيمَا بَيْنَ الْخُصُومِ يَكُونُ فِي أَيِّ يَوْمٍ مَا عَدَا الْأَوْقَاتَ السَّابِقَةَ وَأَمَّا النِّدَاءُ وَمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حِينَ التَّوْلِيَةِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ) أَيْ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا.
(قَوْلُهُ: وُجُوبًا) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ نَدْبًا وَهُوَ مَا فِي ح. (قَوْلُهُ: أَيْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ شَرْطًا حَالٌ مِنْ الْعَدَالَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ عَدْلًا لَا مِنْ التَّرَتُّبِ الْمَفْهُومِ مِنْ رَتَّبَ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَرْتِيبَهُ شَرْطٌ) أَيْ فِي تَوْلِيَتِهِ، أَوْ فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِحَالِ الشُّهُودِ) أَيْ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِحَالِ شُهُودِهِ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِيَشْهَدُوا عَلَى أَحْكَامِهِ وَعَلَى إقْرَارِ الْخُصُومِ وَيَسْتَنِيبَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى.
فَإِنْ قُلْت حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي هُنَا مُزَكِّيَ السِّرِّ فَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: فِيمَا مَرَّ وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ.
قُلْت أَعَادَهُ لِإِفَادَةِ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ عَدْلًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ سَابِقًا وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ إلَخْ إلَى حُكْمِ تَرْتِيبِ
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ وَلَا يُرَتَّبُ.
(وَالْمُتَرْجِمُ) الَّذِي يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِمَعْنَى لِسَانِ الْمُدَّعِي الَّذِي لَا يَفْهَمُهُ الْقَاضِي (مُخْبِرٌ) فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَاهِدٌ وَأَمَّا عَدَالَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا (كَالْمُحَلِّفِ) الَّذِي يَبْعَثُهُ الْقَاضِي لِتَحْلِيفِ الْخُصُومِ يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ أَيْضًا.
(وَأَحْضَرَ) الْقَاضِي وَلَوْ مُجْتَهِدًا (الْعُلَمَاءَ) نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا (أَوْ شَاوَرَهُمْ) إنْ لَمْ يُحْضِرْهُمْ وَفِي نُسْخَةٍ وَشَاوَرَهُمْ بِالْوَاوِ وَهَذَا فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي شَأْنُهَا تَدْقِيقُ النَّظَرِ فِيهَا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الظَّاهِرَةُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ بِإِحْضَارِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَ) أَحْضَرَ وُجُوبًا (شُهُودًا) لِيَحْفَظُوا الْإِقْرَارَاتِ الَّتِي تَقَعُ مِنْ الْخُصُومِ خَشْيَةَ جَحْدِ الْإِقْرَارِ وَأَيْضًا الْحُكْمُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالشُّهُودِ وَإِنَّمَا نَكَّرَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مَعَ التَّعْرِيفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ الْمُقَامِينَ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إحْضَارُ مُطْلَقِ شُهُودٍ.
(وَلَمْ يُفْتِ) يَعْنِي يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ كَالْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ وَالْجِنَايَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَكَمَ بِمَا أَفْتَى رُبَّمَا قِيلَ حَكَمَ بِذَلِكَ لِتَأْيِيدِ فَتْوَاهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِهِ لِتَجْدِيدِ نَظَرٍ، أَوْ تَرْجِيحِ حُكْمٍ قِيلَ إنَّهُ حَكَمَ بِمَا لَمْ يُفْتِ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ مُزَوَّرًا.
(وَلَمْ يَشْتَرِ) ، أَوْ يَبِعْ شَيْئًا (بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) أَيْ يُكْرَهُ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ، أَوْ شَغْلِ الْبَالِ إلَّا أَنْ يَخِفَّ فِيمَا عُلِمَ ثَمَنُهُ فَيَجُوزَ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْضًا
[حاشية الدسوقي]
مُزَكِّي السِّرِّ وَأَشَارَ هُنَا بِقَوْلِهِ كَمُزَكِّي إلَخْ إلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَلَيْسَ مَا تَقَدَّمَ مُغْنِيًا عَمَّا هُنَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ) أَيْ بِخِلَافِ مُزَكِّي السِّرِّ فَإِنَّهُ يَكْفِي كَوْنُهُ وَاحِدًا.
(قَوْلُهُ: فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ) أَيْ ذَكَرٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَكْفِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي عبق وخش مِنْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَقَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ هُوَ ابْنُ شَاسٍ لَكِنْ فِي ح أَنَّ مَحَلَّ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ إذَا جَاءَ الْخَصْمُ بِمَنْ يُتَرْجِمُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ ذَلِكَ الْمُتَرْجِمِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْ يَتَّخِذُهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مُتَرْجِمًا وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ أَيْضًا) أَيْ وَذُكُورَتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(قَوْلُهُ: وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُشَاوِرًا لَهُمْ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ شَاوَرَهُمْ أَيْ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُمْ أَيْ بِأَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ سَمَاعِهِمْ وَمِنْ الْحُكْمِ فِيهَا فَإِنْ وَافَقُوهُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ وَإِنْ خَالَفُوهُ وَأَظْهَرُوا لَهُ فَسَادَ مَا حَكَمَ بِهِ نَقَضَهُ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ فَقِيلَ إنَّهُ يُحْضِرُهُمْ مُشَاوِرًا لَهُمْ كَفِعْلِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ كَانَ إذَا جَلَسَ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ رَأَوْا مَا رَآهُ أَمْضَاهُ وَقِيلَ إنَّهُ يَسْتَشِيرُهُمْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَفِعْلِ عُمَرَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ أَوْ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ لَا أَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُجْتَهِدًا) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الظَّاهِرُ لَهُ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ غَيْرَ الظَّاهِرِ لَهُمْ فَإِذَا أَحْضَرَهُمْ وَتَكَلَّمُوا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا ظَهَرَ وَيَرْجِعَ عَنْ اجْتِهَادِهِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ وُجُوبًا) أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَأَحْضَرَ وُجُوبًا شُهُودًا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوُجُوبِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُنْدَبُ إحْضَارُهُمْ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا الْحُكْمُ إنَّمَا يَتِمُّ بِالشُّهُودِ) فَفِي حَاشِيَةِ جَدّ عج مَا نَصُّهُ الَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَعَلَيْهِ فَإِحْضَارُ الشُّهُودِ وَاجِبٌ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مَعَ التَّعْرِيفِ) أَيْ مِنْ جَعْلِ " أَلْ " لِلْعَهْدِ.
(قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي خُصُومَةٍ) أَيْ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُخَاصَمَ فِيهِ احْتِرَازًا عَنْ الْعِبَادَاتِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَكُلِّ مَا لَا يَدْخُلُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَلَا يُكْرَهُ إفْتَاؤُهُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ، وَظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَنْعُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تَعْرِضَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ عَلَى يَدَيْ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُ عَنْهَا اهـ بْن قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَكَذَا إذَا عَلِمَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ قَصْدَ السَّائِلِ مُجَرَّدُ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ الطَّلَبَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ تَعَلُّمُ الْأَحْكَامِ فَلَا يُكْرَهُ لِلْقَاضِي إجَابَتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ مَذْهَبُ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ مُقَلِّدًا وَلَيْسَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ أَمَّا لَوْ عُرِفَ مَذْهَبُهُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ كَانَ مُقَلِّدًا وَكَانَ هُنَاكَ فَقِيهٌ مُقَلِّدٌ لِمَذْهَبِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فَتْوَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ) أَيْ التَّخَاصُمُ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: إلَى تَطَرُّقِ الْكَلَامِ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَشْتَرِ، أَوْ يَبِعْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِوَكِيلِهِ الْمَعْرُوفِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَقَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ يُؤْذِنُ بِالْمَنْعِ قَالَ ح وَيَنْبَغِي رَدُّ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِغَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) أَيْ كَمَا نَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَيُفِيدُهُ مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ شَغْلُ الْبَالِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْضًا) وَهُوَ لِابْنِ شَاسٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ خَوْفُ الْمُحَابَاةِ لَا شَغْلُ الْبَالِ وَعَزَا بَهْرَامُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ " لَمْ " مَكَانَ " لَا " النَّافِيَةِ (كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ) مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْهُ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا (وَإِبْضَاعٍ) أَيْ إعْطَائِهِ مَالًا لِمُسَافِرٍ لِيَجْلُبَ لَهُ بِهِ سِلْعَةً أَيْ يُكْرَهُ فِي الْجَمِيعِ.
(وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ) أَيْ طَعَامٍ يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ فَالْمُرَادُ الْوَلِيمَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (إلَّا النِّكَاحَ) فَإِنَّهُ يَجِبُ بِشُرُوطِهِ.
(وَقَبُولُ هَدِيَّةٍ) أَيْ يَحْرُمُ قَبُولُهَا (وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا) بِأَكْثَرَ مِنْهَا لِمَيْلِ النُّفُوسِ لِلْمُهْدِي وَيَجُوزُ لِلْفَقِيهِ وَالْمُفْتِي قَبُولُهَا مِمَّنْ لَا يَرْجُو مِنْهُ جَاهًا وَلَا عَوْنًا عَلَى خَصْمٍ (إلَّا مِنْ) شَخْصٍ (قَرِيبٍ) لَا يَحْكُمُ لَهُ كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأُمِّهِ وَخَالِهِ فَيَجُوزُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَكَذَا مَا قَبْلَهَا بِالْأَوْلَى (وَ) فِي جَوَازِ قَبُولِ (هَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ) لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا أَيْ الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي (كَرَاهَةِ) (حُكْمِهِ فِي) حَالِ (مَشْيِهِ) أَيْ سَيْرِهِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ (أَوْ) حُكْمِهِ (مُتَّكِئًا) لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ - أَيْ مَظِنَّةِ ذَلِكَ - وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي كَرَاهَةِ (إلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ) خُصُومَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ عَمَلِهِ وَغَيْرِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ خَرْقٌ لِمَا يَزْعُمُ تَحْرِيمَهُ وَجَوَازِهِ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي كَرَاهَةِ (تَحْدِيثِهِ) جُلَسَاءَهُ بِمُبَاحٍ (بِمَجْلِسِهِ) (لِضَجَرٍ) نَزَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُصَانُ عَنْ الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَجَوَازِهِ لِيُرَوِّحَ قَلْبَهُ وَيَرْجِعَ إلَيْهِ فَهْمُهُ قَوْلَانِ.
(وَ) فِي اشْتِرَاطِ (دَوَامِ الرِّضَا) مِنْ الْخَصْمَيْنِ (فِي التَّحْكِيمِ) أَيْ فِيمَا إذَا حَكَّمَا شَخْصًا فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ (لِلْحُكْمِ) أَيْ لِانْتِهَائِهِ أَيْ هَلْ يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ مِنْ الْمُحَكَّمِ دَوَامُ رِضَاهُمَا بِهِ حَتَّى يَحْكُمَ فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا.
[حاشية الدسوقي]
لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَا أَعْرِفُ وُجُودَ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْمَذْهَبِ لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ وَعَزَاهُ الْمَازِرِيُّ لِلشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ " لَمْ " مَكَانَ " لَا ") أَيْ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَحْكَامِ الِاسْتِقْبَالِيَّة لَا الْمَاضِيَةِ.
(قَوْلُهُ: كَسَلَفٍ) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ سَلَفٌ وَقِرَاضٌ وَقَوْلُهُ: فِيهِمَا أَيْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْهُ لِغَيْرِهِ) فِي بْن أَنَّ سَلَفَهُ مِنْ الْغَيْرِ ظَاهِرٌ كَرَاهَتُهُ وَأَمَّا سَلَفُهُ لِلْغَيْرِ فَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ جَائِزٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ كَلَامُهُ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لعبق وخش خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُكْرَهُ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ خَوْفَ الْمُحَابَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ) أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَقَطْ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ وَفِي ح عَنْ التَّوْضِيحِ كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ الْإِجَابَةَ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُمْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ بِشُرُوطِهِ) فِي ابْنِ مَرْزُوقٍ مَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ جَوَازُ حُضُورِهِ لِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ لَا وُجُوبُهُ وَرَجَّحَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ خش.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَحْرُمُ قَبُولُهَا) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَبُولَ الْقَاضِي لِلْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ سَاقَهُ فِي الْمَكْرُوهَاتِ فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَايَرَ تَعْبِيرَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْكَرَاهَةِ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ فِي تَوْضِيحِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ وَتَقَدَّمَ لَهُ الْمَنْعُ فِي فَصْلِ الْقَرْضِ فَلِذَا قَرَّرَهُ بِهِ شَارِحُنَا وَكَأَنَّهُ جَعَلَ " قَبُولُ هَدِيَّةٍ " فَاعِلًا لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَحَرُمَ قَبُولُ هَدِيَّةٍ وَجَعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْفَقِيهِ إلَخْ) أَيْ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ قَبُولُهَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ مَا دَامَ الْخِصَامُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مَا قَبْلَهَا) أَيْ مِنْ السَّلَفِ وَمَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ بِالْأَوْلَى أَيْ لِأَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ حَرَامٌ وَمَا قَبْلَهُ مَكْرُوهٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِي جَوَازِ قَبُولِ هَدِيَّةٍ) أَيْ وَفِي جَوَازِ قَبُولِ الْقَاضِي لِهَدِيَّةٍ مِنْ شَخْصٍ مُعْتَادٍ بِالْإِهْدَاءِ إلَيْهِ قَبْلَ تَوَلِّيهِ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ جَوَازِ قَبُولِهَا بَلْ يُكْرَهُ قَوْلَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْهَدِيَّةُ الَّتِي أُهْدِيَتْ لَهُ بَعْدَ تَوَلِّي الْقَضَاءِ مِثْلَ الْمُعْتَادَةِ قَبْلَهُ قَدْرًا وَصِفَةً وَجِنْسًا لَا أَزْيَدَ وَإِلَّا حَرُمَ قَبُولُهَا اتِّفَاقًا وَالظَّاهِرُ حُرْمَةُ قَبُولِهَا كُلِّهَا لَا الزَّائِدَةِ فَقَطْ قِيَاسًا عَلَى صَفْقَةٍ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْكَرَاهَةِ) أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَعْبِيرِ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بِلَا يَنْبَغِي.
(قَوْلُهُ: فِي حَالِ مَشْيِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الِاسْتِخْفَافِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاشِيًا) أَيْ بَلْ كَانَ رَاكِبًا وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ.
(قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ) أَيْ بِالْحَاضِرِينَ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ أَيْضًا كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ.
(قَوْلُهُ: وَفِي كَرَاهَةِ إلْزَامِ يَهُودِيٍّ إلَخْ) أَيْ هَلْ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُمَكِّنَ الْمُسْلِمَ، أَوْ النَّصْرَانِيَّ مِنْ خِصَامِهِ لِيَهُودِيٍّ بِسَبْتِهِ وَأَنْ يَبْعَثَ لَهُ رَسُولًا لِأَجْلِ إحْضَارِهِ لِمُخَاصَمَتِهِ فِيهِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فِي خُصُومَةٍ) أَيْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ وَقَوْلُهُ: وَبَيْنَ مُسْلِمٍ أَيْ أَوْ نَصْرَانِيٍّ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ خَرْقٌ لِمَا يَزْعُمُ تَحْرِيمَهُ) أَيْ وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ السَّبْتَ وَعَدَمِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَجَوَازِهِ) أَيْ لِعَدَمِ تَعْظِيمِ السَّبْتِ شَرْعًا، وَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الْيَهُودِيَّ بِالذِّكْرِ مُخْرِجٌ لِلنَّصْرَانِيِّ فَلَا يُكْرَهُ إحْضَارُهُ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِهِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُعَظِّمُونَ الْأَحَدَ كَتَعْظِيمِ الْيَهُودِ لِلسَّبْتِ وَسَوَّى ابْنُ عَاتٍ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنَّ تَسْوِيَةَ النَّصْرَانِيِّ بِالْيَهُودِيِّ إنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ عِنْدِهِ لَا نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَمَّا كَانَ الْقَوْلُ بِتَسْوِيَةِ النَّصْرَانِيِّ لِلْيَهُودِيِّ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَذْكُرْ النَّصْرَانِيَّ فِي مَوْضُوعِ الْقَوْلَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُصَانُ عَنْ الْحَدِيثِ فِيمَا لَا يَعْنِي) أَيْ وَلِمَا فِي حَدِيثِهِ بِمَا لَا يَعْنِي مِنْ إذْهَابِ مَهَابَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ الرِّضَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ) أَيْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ ذَلِكَ الْمُحَكَّمُ
قَبْلَهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا رُجُوعٌ قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَوْ رَجَعَ لَمْ يَنْفَعْهُ رُجُوعُهُ وَلَهُ بَتُّ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ (قَوْلَانِ) الرَّاجِحُ الثَّانِي وَأَمَّا لَوْ رَجَعَا مَعًا فَلَهُمَا ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يَمْضِي إنْ حَكَمَ وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ رِضَاهُمَا لِلْحُكْمِ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ دَخَلَا عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِمَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ نُصِبَ لِلْإِلْزَامِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِهِ.
(وَلَا يَحْكُمُ) الْحَاكِمُ أَيْ يُمْنَعُ وَقِيلَ يُكْرَهُ أَنْ يَحْكُمَ (مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ) تَمَامِ (الْفِكْرِ) (وَمَضَى) حُكْمُهُ إنْ حَكَمَ مَعَهُ وَكَانَ صَوَابًا وَأَمَّا حُكْمُهُ مَا يُدْهِشُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا وَلَا يَمْضِي بَلْ يُتَعَقَّبُ وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي وَالْمُدْهِشُ كَالْغَضَبِ وَالْخَوْفِ وَضِيقِ النَّفْسِ وَالْحَصْرِ وَالشَّغْلِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ.
(وَعَزَّرَ) الْقَاضِي وُجُوبًا (شَاهِدَ زُورٍ) وَهُوَ مَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ صَادَفَ الْوَاقِعَ (فِي الْمَلَإِ) بِالْهَمْزِ مَقْصُورًا أَيْ الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاسِ بِالضَّرْبِ الْمُوجِعِ (بِنِدَاءٍ) أَيْ مَعَ نِدَاءٍ عَلَيْهِ وَالطَّوَافِ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَإِشْهَارِ أَمْرِهِ لِيَرْتَدِعَ هُوَ وَغَيْرُهُ (وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ وَجْهَهُ بِنَحْوِ سَوَادٍ، أَوْ طِينٍ.
(ثُمَّ فِي) (قَبُولِهِ) إنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ (تَرَدُّدٌ) فِي النَّقْلِ وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ مُحَصَّلَ التَّرَدُّدِ هَلْ لَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا، أَوْ فِيهِ قَوْلَانِ وَأَمَّا الْقَاضِي إذَا عُزِلَ بِجُنْحَةٍ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ صَارَ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ.
(وَإِنْ) (أَدَّبَ) الْقَاضِي (التَّائِبَ) أَيْ شَاهِدَ زُورٍ أَتَى تَائِبًا مُقِرًّا بِزُورِهِ قَبْلَ الثُّبُوتِ عَلَيْهِ (فَأَهْلٌ) أَيْ فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ لَمْ يَفْعَلْ مُنْكَرًا
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقَاضِي) أَيْ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلَا عَلَى الْمُرَافَعَةِ لَهُ بِاخْتِيَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ لِلرَّفْعِ لَهُ يُجْبِرُ الْآخَرَ لِمُوَافَقَتِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَإِنَّهُ نَصَبَ إلَخْ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ أَيْ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِلْإِلْزَامِ وَقَطْعِ مَادَّةِ النِّزَاعِ وَالشَّارِعُ دَاعٍ لِذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: دَخَلَا عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِمَا) أَيْ بِاخْتِيَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ دَوَامِ رِضَاهُمَا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ لِانْتِهَاءِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يُمْنَعُ) هَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَمَضَى "؛ إذْ لَا يُحْتَاجُ لِلنَّصِّ عَلَى مُضِيِّ الْمَكْرُوهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَقَوْلُهُ: أَيْ يُمْنَعُ أَيْ كَمَا فِي ح عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ أَيْ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ تت.
(قَوْلُهُ: مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ) أَيْ مَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْضِي) أَيْ مُطْلَقًا بَلْ إنْ كَانَ صَوَابًا مَضَى وَإِلَّا رُدَّ فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَا يُدْهِشُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ إنَّمَا يُخَالِفُ مَا يُدْهِشُ عَنْ تَمَامِهِ فِي الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَأَمَّا الْحُكْمُ مَعَ كُلٍّ فَهُوَ مَاضٍ إنْ كَانَ صَوَابًا وَإِلَّا رُدَّ.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ الْمُفْتِي) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مَعَ وُجُودِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ تَمَامِ فِكْرِهِ، أَوْ أَصْلِ فِكْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَضِيقِ النَّفْسِ) أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِاللَّقَسِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَصْرِ) أَيْ بِالْبَوْلِ وَمِثْلُهُ الْحَقْنُ بِالرِّيحِ.
(قَوْلُهُ: وَالشَّغْلِ بِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ) أَيْ كَجُوعٍ شَدِيدٍ وَعَطَشٍ وَأَكْلٍ فَوْقَ الْكِفَايَةِ وَكَثْرَةِ ازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ سَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ لَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ بَوَّابُهُ إلَّا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ وَفِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ: السَّتْرُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِجْمَاعُ الْفِكْرِ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ) أَيْ شَهِدَ بِذَلِكَ عَمْدًا وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ لِشُبْهَةٍ فَلَا تَكُونُ شَهَادَتُهُ زُورًا اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: الْجَمَاعَةِ مِنْ النَّاسِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَشْرَافًا.
(قَوْلُهُ: بِالضَّرْبِ الْمُوجِعِ) أَيْ وَيُرْجَعُ فِي قَدْرِهِ لِاجْتِهَادِ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ نِدَاءٍ عَلَيْهِ) أَيْ أَنَّ هَذَا شَاهِدُ زُورٍ وَانْظُرْ هَلْ الْوُجُوبُ مُنْصَبٌّ عَلَى التَّعْزِيرِ وَالنِّدَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ مُنْصَبٌّ عَلَى خُصُوصِ التَّعْزِيرِ وَكَوْنِهِ فِي الْمَلَإِ، وَالنِّدَاءُ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ فَقَطْ اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ) أَيْ يُكْرَهُ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ أَصْلًا، وَحَلْقُهَا عِنْدَهُمْ نَكَالٌ أَيْ تَعْيِيبٌ وَتَمْثِيلٌ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ يَحْرُمُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ وَكَذَا مَا يُفْعَلُ فِي الْأَفْرَاحِ بِمِصْرَ مِنْ تَسْخِيمِ الْوَجْهِ بِسَوَادٍ كَفَحْمٍ أَوْ دَقِيقٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ: بِنَحْوِ سَوَادٍ) أَيْ كَدَقِيقٍ، أَوْ حِبْرٍ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي قَبُولِهِ) أَيْ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إذَا شَهِدَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ كَانَ قَبْلَ التَّعْزِيرِ أَوْ بَعْدَهُ فَالتَّرَدُّدُ جَارٍ فِي الْحَالَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ.
(قَوْلُهُ: تَرَدُّدٌ) أَيْ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى طَرِيقَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهِدَ بِالزُّورِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا أَيْ لِاحْتِمَالِ بَقَائِهِ عَلَى خَوْبَشَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهِدَ أَوَّلًا بِالزُّورِ فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَعَدَمِ قَبُولِهَا قَوْلَانِ وَالثَّانِيَةُ عَكْسُ هَذِهِ لِابْنِ رُشْدٍ فَقَالَ إنْ كَانَ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا بِالزُّورِ فَقَوْلَانِ فِي شَهَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُظْهِرٍ لَهُ حِينَ شَهِدَ أَوَّلًا بِالزُّورِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا قَالَ شَيْخُنَا نَقْلًا عَنْ تت وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنْسَبُ بِالْفِقْهِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَقْرَبُ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَقُّ عَدَمُ قَبُولِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا بِالزُّورِ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ، أَوْ لَا وَاَلَّذِي فِي المج أَنَّ الظَّاهِرَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ حَيْثُ تَابَ وَلَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلصَّلَاحِ حِينَ شَهَادَتِهِ أَوَّلًا وَأَمَّا إنْ كَانَ مُظْهِرًا لَهُ مِنْ قَبْلُ فَلَا تُقْبَلُ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ) أَيْ فَالْقَاضِي أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ أَيْ أَنَّهُ أَصَابَ فِي فِعْلِهِ وَوَضَعَ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ
وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ.
(وَ) عَزَّرَ (مَنْ) (أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) بِحَضْرَتِهِ كَأَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ يَا فَاجِرُ، أَوْ أَنْتَ فَاجِرٌ ظَالِمٌ (أَوْ) مَنْ أَسَاءَ عَلَى (مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ فِي ذَلِكَ بَلْ يَسْتَنِدُ فِي ذَلِكَ لِعِلْمِهِ وَالْحَقُّ حِينَئِذٍ لِلَّهِ لِانْتَهَاكِ حُرْمَةِ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَرْكُهُ وَأَمَّا بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الثُّبُوتِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ (لَا بِ شَهِدْتَ) أَيْ لَا يُعَزِّرُهُ بِقَوْلِهِ لِلشَّاهِدِ شَهِدْتَ عَلَيَّ (بِبَاطِلٍ) بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِزُورٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَاطِلِ شَهَادَةُ الزُّورِ؛ إذْ الْبَاطِلُ أَعَمُّ مِنْ الزُّورِ لِأَنَّ الْبَاطِلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ وَالزُّورَ بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِ الشَّاهِدِ فَقَدْ يَشْهَدُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ وَيَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ قَضَاهُ، أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ، أَوْ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِهِ، أَوْ عَفَا عَنْهُ وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى الشَّاهِدِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الزُّورِ فَإِنَّهَا تَعَمُّدُ الْإِخْبَارِ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ (كَلِخَصْمِهِ) أَيْ كَقَوْلِهِ لِخَصْمِهِ (كَذَبْتَ) عَلَيَّ، أَوْ ظَلَمْتَ أَوْ ظَلَمْتَنِي فَلَا يُؤَدَّبُ بِخِلَافِ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا كَذَّابُ فَيُؤَدَّبُ.
(وَلْيُسَوِّ) وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالنَّظَرِ لَهُمَا (وَإِنْ) كَانَ أَحَدُهُمَا (مُسْلِمًا) شَرِيفًا (وَ) الْآخَرُ (كَافِرًا) .
(وَقُدِّمَ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى (الْمُسَافِرُ) وُجُوبًا عَلَى الْحَاضِرِ وَلَوْ سَبَقَ الْحَاضِرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْمُسَافِرُ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَ) قُدِّمَ (مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ) لَوْ قُدِّمَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَلَوْ مُسَافِرًا لِضَرَرِ الْفَوَاتِ (ثُمَّ السَّابِقُ) إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ
[حاشية الدسوقي]
لِفِعْلِهِ أَمْرًا مَطْلُوبًا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُؤَدِّبُ التَّائِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّبَهُ لَكَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً لِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَنَقَلَهُ ابْنُ سَعْدٍ اهـ بْن وَفِيهِ أَنَّهُ يَتُوبُ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلَى رَدِّ الظُّلَامَةِ الَّتِي شَهِدَ بِهَا فَإِذَا رَدَّهَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ التَّأْدِيبِ فَيَكُونُ التَّأْدِيبُ مَرْجُوحَ الْفِعْلِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ وَقِيلَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ سَحْنُونٍ؛ إذْ ابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ رَاجِحُ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ أَسَاءَ عَلَى مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ) أَيْ بِحَضْرَتِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ أَنْت قَدْ افْتَرَيْت عَلَيَّ فِي فَتْوَاك، أَوْ فِي شَهَادَتِك، أَوْ شَهِدْت عَلَيَّ بِالزُّورِ.
(قَوْلُهُ: إلَى بَيِّنَةٍ فِي ذَلِكَ) أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ لِبَيِّنَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِسَاءَةِ، وَقَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَرْبَعَ وَهِيَ تَأْدِيبُ الْقَاضِي لِمَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتِي بِمَجْلِسِهِ - مُسْتَنِدًا لِعِلْمِهِ - تُزَادُ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِدَ لِعِلْمِهِ إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَفِي التَّجْرِيحِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ) أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتِي، أَوْ عَلَى الشَّاهِدِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِزُورٍ) أَيْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِلشَّاهِدِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُعَزِّرُهُ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْمَوَّاقِ مَا نَصَّهُ ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ قَالَ لَهُ شَهِدْتَ عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ لَمْ يُعَاقَبْ وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَإِشْهَارَهُ بِأَنَّهُ مُزَوِّرٌ نُكِّلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ اهـ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَهُ إلَّا لِقَرِينَةٍ تُكَذِّبُهُ اهـ عبق.
(قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاقِعِ) أَيْ بِأَنْ شَهِدَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ خِلَافُ الْوَاقِعِ، أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالزُّورَ بِالنِّسْبَةِ لِعِلْمِ الشَّاهِدِ) أَيْ بِأَنْ شَهِدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مَا شَهِدَ بِهِ مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ، أَوْ خِلَافَ الْوَاقِعِ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ فَإِذَا شَهِدَ بِمَا هُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ كَانَ بَاطِلًا وَزُورًا وَإِذَا شَهِدَ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا لَا زُورًا وَإِذَا شَهِدَ بِمَا هُوَ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَانَ ذَلِكَ زُورًا لَا بَاطِلًا.
(قَوْلُهُ: فَقَدْ يَشْهَدُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ) أَيْ كَدَيْنٍ لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو.
(قَوْلُهُ: وَيَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ قَضَاهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ قَضَاهُ فَتِلْكَ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ لَا زُورٌ.
(قَوْلُهُ: كَذَبْت عَلَيَّ) أَيْ فِيمَا ادَّعَيْته وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا - أَعْنِي قَوْلَهُ لِخَصْمِهِ أَنْتَ كَذَبْت أَوْ ظَلَمْتنِي وَمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِلشَّاهِدِ: أَنْتَ شَهِدْت عَلَيَّ بِبَاطِلٍ - مِنْ انْتِهَاكِ مَجْلِسِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ لَهُمَا تَعَلُّقًا بِالْخُصُومَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بُطْلَانٌ وَكَذِبٌ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْخُصُومَةِ لَا أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ فِي ذَاتِهِ بِخِلَافِ الْإِسَاءَةِ بِنَحْوِ يَا ظَالِمُ، أَوْ يَا فَاجِرُ فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْخُصُومَةِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ صِفَتَهُ كَذَا فِي ذَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُسَوِّ) أَيْ الْقَاضِي وُجُوبًا أَخْذًا مِنْ لَامِ الْأَمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا) أَيْ هَذَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ بَلْ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مُسْلِمًا هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِأَنْ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ حَكَى قَوْلًا بِجَوَازِ رَفْعِ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ وَنَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِمَالِكٍ وَحِينَئِذٍ فَالْمَحَلُّ لِلَوْ لَا لِإِنْ اهـ بْن وَقَدْ أَجَابُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا بِأَنَّ اصْطِلَاحَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِلَوْ كَانَتْ إشَارَةً لِلْخِلَافِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ خِلَافٌ أَنْ يَسِيرَ لَهُ بِلَوْ.
(قَوْلُهُ: وَقُدِّمَ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى الْمُسَافِرُ) يَعْنِي أَنَّهُ إذَا تَدَاعَى عِنْدَ الْقَاضِي مُسَافِرُونَ وَغَيْرُهُمْ وَتَنَازَعُوا فِي التَّقْدِيمِ لِلدَّعْوَى قُدِّمَ الْمُسَافِرُ عَلَى الْحَاضِرِ وَقَوْلُهُ: وُجُوبًا أَيْ وَقِيلَ نَدْبًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سَبَقَ الْحَاضِرُ) أَيْ لِمَجْلِسِ الْقَاضِي بِأَنْ أَتَى إلَيْهِ قَبْلَ إتْيَانِ الْمُسَافِرِ وَقَوْلُهُ: إلَّا لِضَرُورَةٍ أَيْ إلَّا كَانَ يَحْصُلُ لِلْمُقِيمِ ضَرَرٌ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهِ وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُقِيمُ فَإِنْ حَصَلَ لِكُلٍّ ضَرَرٌ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ الْآخَرِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ) أَيْ وَمُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ وَذَلِكَ كَمُدَّعِي نِكَاحٍ اسْتَحَقَّ فَسْخًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَخِيفَ إنْ.
مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ (وَإِنْ) كَانَ السَّابِقُ مُلْتَبِسًا (بِحَقَّيْنِ) أَوْ أَكْثَرَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ بِكُلِّ حُقُوقِهِ (بِلَا طُولٍ) فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا طُولٌ يَضُرُّ بِالْمُتَأَخِّرِ قُدِّمَ بِأَحَدِهِمَا وَأُخِّرَ الثَّانِي عَمَّنْ يَلِيهِ (ثُمَّ) إذَا لَمْ يَكُنْ مُسَافِرٌ وَلَا سَابِقٌ بِأَنْ جَاءُوا مَعًا أَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمْ وَجُهِلَ وَادَّعَى كُلٌّ السَّبْقَ وَلَا مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ بِالتَّقْدِيمِ قُدِّمَ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) وَلَوْ كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ مَعَ رِجَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُنَّ (كَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ) تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَيُقَدِّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا: الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ وَكَذَا الْمُقْرِئُ إلَّا لِمُهِمٍّ وَكَذَا أَرْبَابُ الْحِرَفِ كَالْخَبَّازِ.
(وَأُمِرَ) (مُدَّعٍ) نَائِبُ فَاعِلِ " أُمِرَ " أَيْ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ أَوَّلًا وَالْمُدَّعِي هُوَ مَنْ (تَجَرَّدَ قَوْلُهُ) حَالَ الدَّعْوَى (عَنْ مُصَدِّقٍ) مِنْ أَصْلٍ، أَوْ مَعْهُودٍ عُرْفًا أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ هَذَيْنِ حِينَ الدَّعْوَى وَلِذَا طَلَبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ لِيُصَدَّقَ وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهُوَ مَنْ تَمَسَّكَ بِأَصْلٍ، أَوْ عُرْفٍ وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ وَقَوْلُهُ (بِالْكَلَامِ) أَيْ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقٌ بِ أُمِرَ (وَإِلَّا) يُعْلَمْ الْمُدَّعِي بِأَنْ قَالَ كُلٌّ أَنَا الْمُدَّعِي
[حاشية الدسوقي]
أُخِّرَ النَّظَرُ فِيهِ يَحْصُلُ دُخُولٌ وَمُدَّعِي طَعَامٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَعَطْفُ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَمُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي مُسَافِرًا، أَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَلَوْ مُسَافِرًا الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَوْ غَيْرَ مُسَافِرٍ وَيَكُونُ مُبَالَغَةً فِي مُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ وَأَمَّا جَعْلُهُ مُبَالَغَةً فِي الْغَيْرِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ مُدَّعِي مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَعَطْفُ الْمُصَنِّفِ مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعَ الْمُسَافِرِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَشَدَّ ضَرَرًا مِنْهُمَا فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
(قَوْلُهُ: مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّابِقَ إذَا كَانَ يَدَّعِي بِحَقَّيْنِ فَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِحَقَّيْهِ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا طُولٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُقَدَّمُ بِأَحَدِ الْحَقَّيْنِ وَيُؤَخَّرُ الْحَقُّ الثَّانِي عَنْ جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلَ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْأَوْلَى لَلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ السَّابِقُ وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ عَلَى الْمَقُولِ هَكَذَا بِصِيغَةِ الِاسْمِ لِاخْتِيَارِ الْمَازِرِيِّ لَهُ مِنْ خِلَافٍ لَكِنَّ كَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُ الْمُصَنِّفُ قَالَ لِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ كَمَا فِي: قَالَ وَهُوَ الْأَشْبَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ مُلْتَبِسًا بِحَقَّيْنِ) الْأَوْضَحُ وَإِنْ كَانَتْ دَعْوَى السَّابِقِ بِحَقَّيْنِ وَدَعْوَى الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ بِحَقٍّ وَاحِدٍ إذَا كَانَ لَا طُولَ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: قُدِّمَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِيهِ طُولٌ.
(قَوْلُهُ: وَأُخِّرَ الثَّانِي عَمَّنْ يَلِيهِ) صَوَابُهُ عَنْ جَمِيعِ مَنْ حَضَرَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ النَّوَادِرِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِي بِرِقَاعٍ بِعَدَدِهِمْ وَيَأْمُرَ أَحَدَهُمْ بِأَخْذِ رُقْعَةٍ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا قُدِّمَ وَهَكَذَا.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا، أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) أَيْ اللَّاتِي يَخْرُجْنَ لَا الْمُخَدَّرَاتِ اللَّاتِي يُمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ كَلَامِهِنَّ فَإِنَّهُنَّ يُوَكِّلْنَ، أَوْ يَبْعَثُ الْقَاضِي لَهُنَّ فِي مَنْزِلِهِنَّ وَاحِدًا مِنْ طَرَفِهِ يَسْمَعُ دَعْوَاهُنَّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ إلَخْ) أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ خُصُومَتُهُنَّ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بَلْ وَكَانَتْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُقْرِئُ) أَيْ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ يُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ، ثُمَّ الْأَسْبَقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِمُهِمٍّ) بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَكْثَرَ قَابِلِيَّةً فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِتَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَنَافِعِ عَلَى قِلَّتِهَا.
(قَوْلُهُ: كَالْخَبَّازِ) أَيْ وَالطَّحَّانِ فَيُقَدَّمُ الْمُسَافِرُ ثُمَّ الْأَسْبَقُ، ثُمَّ أُقْرِعَ هَذَا كَلَامُهُ وَاَلَّذِي فِي ابْنِ غَازِيٍّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ وَاَلَّذِي فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ أَنَّ أَرْبَابَ الصَّنَائِعِ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا قُدِّمَ الْآكَدُ فَالْآكَدُ بِجُوعِ أَهْلٍ، أَوْ خَوْفِ فَسَادٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ يَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْكَلَامِ أَوَّلًا) يَعْنِي وُجُوبًا وَذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا مُدَّعٍ بِأَنْ يَسْمَعَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ يَتَخَاصَمَانِ فَعَلِمَ بِهِ، أَوْ دَخَلَا عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى تَكَلَّمَا فَعَلِمَ بِهِ أَوْ قَالَ لَهُمَا مَا شَأْنُكُمَا، أَوْ مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا مُدَّعٍ وَوَافَقَهُ خَصْمُهُ عَلَى ذَلِكَ فَعُلِمَ الْجَوَابُ عَمَّا أُورِدَ هُنَا مِنْ الدَّوْرِ وَهُوَ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَلَامِهِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَأْمُورَ بِهِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا الْمُرَادُ بِهِ الدَّعْوَى، وَالْكَلَامَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا غَيْرُ الدَّعْوَى مِثْلُ تَخَاصُمِهِمَا، أَوْ جَوَابِهِ إذَا سَأَلَهُمَا مَا شَأْنُكُمَا.
(قَوْلُهُ: مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ حَالَ الدَّعْوَى إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ تَعْرِيفَ الْمُدَّعِي بِمَا ذُكِرَ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ مَنْ صَحِبَ دَعْوَاهُ بَيِّنَةٌ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ: عَنْ مُصَدِّقٍ لِوُجُودِ الْمُصَدِّقِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ التَّجَرُّدُ حَالَ الدَّعْوَى فَهَذَا يُسَمَّى مُدَّعِيًا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالْبَيِّنَةِ، وَقَدْ يُدْفَعُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ أَيْضًا بِتَفْسِيرِ الْمُصَدِّقِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ التَّجَرُّدَ عَنْ مُصَدِّقٍ خَاصٍّ لَا يُنَافِي مُصَاحَبَةَ مُصَدِّقٍ غَيْرِهِ أَعْنِي الْبَيِّنَةَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَصْلٍ أَوْ مَعْهُودٍ) فَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: أَنْتَ عَبْدِي فَهُوَ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَجَرَّدَ عَنْ الْأَصْلِ وَعَنْ الْمَعْهُودِ عُرْفًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَكَذَا مَنْ قَالَ فُلَانٌ لَمْ يَرُدَّ لِي الْوَدِيعَةَ مُدَّعٍ لِتَجَرُّدِ قَوْلِهِ عَنْ الْمَعْهُودِ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ تَصْدِيقُ الْأَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ) فَمَنْ قَالَ: لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفٌ مِنْ بَيْعٍ مَثَلًا فَهُوَ مُدَّعٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا حِينَ دَعْوَاهُ
(فَالْجَالِبُ) لِصَاحِبِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِرَسُولِ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْكَلَامِ ابْتِدَاءً (وَإِلَّا) يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمَا، وَإِذَا أُمِرَ بِالْكَلَامِ (فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ) نَحْوُ لِي عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِالْمَعْلُومِ مِنْ الْمَجْهُولِ نَحْوِ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا أَعْلَمُهُ وَبِالْمُحَقَّقِ مِنْ غَيْرِهِ نَحْوِ لِي عَلَيْهِ دِينَارٌ فِي ظَنِّي، أَوْ وَهْمِي فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهَذَا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ كَأَنْ يَتَّهِمَ إنْسَانًا بِسَرِقَةِ شَيْئِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ فَرَّطَ فِيهِ فَتُسْمَعَ وَيَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ (وَكَذَا) تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إنْ ادَّعَى بِمَجْهُولٍ وَبَيَّنَ السَّبَبَ نَحْوُ لِي عَلَيْهِ (شَيْءٌ) مِنْ بَقِيَّةِ مُعَامَلَةٍ مَثَلًا وَلَكِنْ لَمْ أَعْلَمْ قَدْرَهُ فَيُلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ بِشَيْءٍ مُحَقَّقٍ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ وَيُحَلَّفُ.
(وَإِلَّا) يَدَّعِ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ بِأَنْ ادَّعَى بِمَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ (لَمْ تُسْمَعْ) دَعْوَاهُ (كَ أَظُنُّ) أَنَّ لِي عَلَيْهِ شَيْئًا، أَوْ أَنَّ لِي عَلَيْهِ دِينَارًا، وَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ، ثُمَّ إذَا ادَّعَى بِمُحَقَّقٍ مَعْلُومٍ، أَوْ مَجْهُولٍ عَلَى قَوْلِ الْمَازِرِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ (وَكَفَاهُ) فِي بَيَانِ السَّبَبِ (بِعْت وَتَزَوَّجْت) مَثَلًا وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الصِّحَّةَ (وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ) حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ سَلَفٍ أَوْ قِرَاضٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَوْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ مِنْ نِكَاحٍ، أَوْ نَفَقَةٍ (وَإِلَّا) يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي السَّبَبَ (فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) وُجُوبًا فَإِنْ غَفَلَ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْهُ فَإِنْ قَالَ لَا عِلْمَ عِنْدِي بِهِ، أَوْ لَا أُبَيِّنُهُ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ فَلَا يُطَالَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ كَمَا يَأْتِي (ثُمَّ) بَعْدَ بَيَانِ السَّبَبِ أَمَرَ الْقَاضِي (مُدَّعًى عَلَيْهِ) وَهُوَ مَنْ (تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ) شَرْعِيٍّ كَالْأَمَانَةِ فَإِنَّهُ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْأَمِينَ مُصَدَّقٌ فِي قَوْلِهِ كَالْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ (أَوْ أَصْلٍ) كَالْمَدِينِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّيْنِ.
[حاشية الدسوقي]
مُجَرَّدٌ عَنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْعَدَمُ.
(قَوْلُهُ: فَالْجَالِبُ لِصَاحِبِهِ) أَيْ فَاَلَّذِي جَلَبَ صَاحِبَهُ لِمَجْلِسِ الْقَاضِي هُوَ الَّذِي إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَكُنْ أَحَدُهُمَا جَالِبًا) أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَعْلَمْ الْمُدَّعِيَ بِأَنْ قَالَ كُلٌّ: أَنَا الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ: أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ فِي الِادِّعَاءِ أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ: فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِلْمِ الْمُدَّعِي بِهِ تَصَوُّرُهُ أَيْ تَمَيُّزُهُ فِي ذِهْنِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي وَأَمَّا تَحَقُّقُهُ فَهُوَ رَاجِعٌ لِجَزْمِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ أَيْ لِذَلِكَ الْمُدَّعَى بِهِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلتَّصْدِيقِ فَلِأَجْلِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِهِ وَتَمَيُّزِهِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِأَنَّ لِي عَلَيْهِ شَيْئًا أَتَحَقَّقُهُ لَكِنْ لَا أَعْلَمُ ذَاتَهُ وَلِاشْتِرَاطِ التَّحَقُّقِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِ أَشُكُّ، أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ دِينَارًا مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ) بَيَانٌ لِلسَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالْمَعْلُومِ عَنْ الْمَجْهُولِ) أَيْ عَمَّا إذَا ادَّعَى بِمَجْهُولٍ كُلِّيٍّ " عَلَيْهِ شَيْءٌ أَتَحَقَّقُهُ وَلَكِنْ لَا أَدْرِي عَيْنَهُ فَلَا " يُسْمَعُ دَعْوَاهُ سَوَاءٌ بَيَّنَ السَّبَبَ أَوْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ مِنْ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى بِمَجْهُولٍ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ كَمَا مَرَّ فِي الْمِثَالِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ أُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ إمَّا بِتَعْيِيبِهِ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ وَبِالْمُحَقَّقِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا فِي غَيْرِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ وَأَمَّا إذَا قَالَ: أَتَّهِمُهُ بِسَرِقَةِ دِينَارٍ مَثَلًا فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَى الِاتِّهَامِ تَرْجِعُ لِلشَّكِّ وَالظَّنِّ فَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ اشْتِرَاطُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ؛ إذْ كَأَنَّهُ قَالَ فَيَدَّعِي بِمُحَقَّقٍ مَعْلُومٍ لَا بِمَشْكُوكٍ، أَوْ مَظْنُونٍ إلَّا إنْ كَانَ مَشْكُوكًا، أَوْ مَظْنُونًا وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فَالْحَقُّ أَنَّ مَا هُنَا وَهُوَ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحَقَّقًا لَا مَشْكُوكًا وَلَا مَظْنُونًا وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ، وَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ - مِنْ سَمَاعِ دَعْوَى الِاتِّهَامِ الْمُفِيدِ عَدَمَ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمُدَّعَى بِهِ مُحَقَّقًا - طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ تَوَجُّهُ يَمِينِ التُّهْمَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَدَمُ تَوَجُّهِهَا وَالْمُعْتَمَدُ مَا يَأْتِي كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ وَنَحْوُهُ فِي بْن.
(قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ بِشَيْءٍ مُحَقَّقٍ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ دَفَعْت لَك كَذَا وَكَذَا وَبَقِيَ لَك كَذَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَدَّعِ بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ إلَخْ) يُشِيرُ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا إلَخْ مُخْرَجٌ مِنْ الْقَيْدَيْنِ قَبْلَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْ الْقَيْدِ الثَّانِي فَقَطْ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ كَ أَظُنُّ.
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّرَّاحِ) أَيْ الْقَائِلِ إنَّهُ إذَا ادَّعَى بِمَعْلُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ وَبَيَّنَ السَّبَبَ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ) أَيْ سَبَبِ مَا ادَّعَى بِهِ وَقَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ أَيْ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى.
(قَوْلُهُ: وَكَفَاهُ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَكْفِي فِي بَيَانِ السَّبَبِ أَنْ يَقُولَ: لِي عَلَيْهِ مِائَةٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْ نِكَاحٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ مِنْ بَيْعٍ صَحِيحٍ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ صَحِيحٍ، أَوْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ: بِعْت أَيْ وَلِي عِنْدَهُ ثَمَنُهُ وَتَزَوَّجْت أَيْ وَلِي عِنْدَ الزَّوْجِ الصَّدَاقُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ غَفَلَ) أَيْ الْقَاضِي عَنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي عَنْ السَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْهُ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إذَا بَيَّنَ سَبَبَهُ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْهُودٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ بِأَمْرٍ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ، وَقَوْلُهُ: كَالْأَمَانَةِ أَيْ كَتَصْدِيقِ ذِي الْأَمَانَةِ وَهَذَا مِثَالٌ لِلْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ) مِثَالٌ لِمَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِمَعْهُودٍ شَرْعِيٍّ فَمَنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ، أَوْ مَالَ الْقِرَاضِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِتَرَجُّحِ قَوْلِهِ بِالْمَعْهُودِ شَرْعًا وَهُوَ تَصْدِيقُ الْأَمِينِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمَدِينِ) مِثَالٌ لِمَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ:
وَكَمُدَّعٍ أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بِخِلَافِ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَتَقَ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ اسْتَلْزَمَتْ الْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَيْهِ الرِّقُّ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ كَرَبِّ الدَّيْنِ، وَسَيِّدُهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ كَالْمَدِينِ وَقَوْلُهُ (بِجَوَابِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ أُمِرَ أَيْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يُجِيبَ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ فَإِنْ أَقَرَّ، وَإِلَّا طَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَإِنْ أَقَامَهَا فَظَاهِرٌ، وَإِلَّا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ (إنْ) أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ (خَالَطَهُ بِدَيْنٍ) وَلَوْ مَرَّةً أَيْ أَنَّ بَيْنَهُمَا خُلْطَةً (أَوْ تَكَرَّرَ بَيْعٌ) بِالنَّقْدِ الْحَالِّ (وَإِنْ) كَانَ ثُبُوتُ الْخُلْطَةِ (بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْخُلْطَةِ اللَّطْخُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ وَلَوْ أُنْثَى (لَا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ) أَيْ جَرَّحَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَدَاوَةٍ وَنَحْوِهَا حِينَ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الدَّيْنِ وَلَا تَكُونُ كَالْمَرْأَةِ فِي ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ فَتُوجِبُ تَوَجُّهَ الْيَمِينِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ خَالَطَهُ شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ فُهِمَ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ إلَخْ لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثُبُوتُ خُلْطَةٍ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ الْخُلْطَةِ لِتَوَجُّهِ الْيَمِينِ ثَمَانِ مَسَائِلَ تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ بِقَوْلِهِ (إلَّا) (الصَّانِعَ) يُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا لَهُ فِيهِ صَنْعَةٌ فَيُحَلَّفُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ؛ لِأَنَّ نَصْبَ نَفْسِهِ لِلنَّاسِ فِي مَعْنَى الْخُلْطَةِ وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ يَنْصِبُ نَفْسَهُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
(وَالْمُتَّهَمَ) بَيْنَ النَّاسِ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ، أَوْ غَصْبٍ فَيُحَلَّفُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ وَفِي مَجْهُولِ الْحَالِ قَوْلَانِ تَقَدَّمَا فِي الْغَصْبِ.
(وَ) إلَّا (الضَّيْفَ) يَدَّعِي أَوْ
[حاشية الدسوقي]
بِأَصْلٍ فَمَنْ قَالَ حِينَ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ كَذَا: إنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيَّ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الدَّيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَكَمُدَّعٍ أَنَّهُ حُرٌّ) وَالْحَالُ أَنَّ شَخْصًا يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ فَمُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ: بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي النَّاسِ شَرْعًا وَإِنَّمَا طَرَأَ لَهُمْ الرِّقُّ هُوَ السَّبْيُ بِشَرْطِ الْكُفْرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّبْيِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ مُدَّعِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ رَقِيقٌ فَصَارَ الرِّقُّ مِنْ جِهَةِ الْأَصْلِ فَدَعْوَى مُدَّعِي الْحُرِّيَّةِ نَاقِلَةٌ عَنْ الْأَصْلِ فَتَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَقَامَهَا فَبِهَا وَنَعِمَتْ وَإِلَّا بَقِيَ فِي الرِّقِّ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ) أَيْ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَتَقَ) أَيْ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِخِلَافِ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مُدَّعِيًا) أَيْ لِمُخَالَفَتِهِ فِي دَعْوَاهُ لِلْأَصْلِ وَقَوْلُهُ: كَرَبِّ الدَّيْنِ أَيْ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيِّدُهُ) أَيْ سَيِّدُ الْعَبْدِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ عَتَقَ وَقَوْلُهُ كَالْمَدِينِ أَيْ كَمَا أَنَّ الْمَدِينَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُوَافِقٌ فِي دَعْوَاهُ لِلْأَصْلِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ دَعْوَاهُ مُوَافِقَةً لِلْأَصْلِ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْإِثْبَاتِ، وَيُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى مَلَاءَ الْمَدِينِ وَادَّعَى الْمَدِينُ الْعُسْرَ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِإِثْبَاتِهِ بِبَيِّنَةٍ مَعَ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْعُسْرُ.
قُلْت قَدْ تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ؛ لِأَنَّ الْعُسْرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ لَكِنَّ الْغَالِبَ الْمَلَاءُ وَمِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ غَالِبٌ فَلَمَّا تَعَارَضَا هُنَا صَارَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْغَالِبَ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ خَالَطَهُ إلَخْ) إنَّمَا يُحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ الْخُلْطَةِ إذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي عَامَلَهُ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ: إنْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أَيْ مُتَرَتِّبٍ عَلَى بَيْعٍ لِأَجَلٍ أَوْ حَالٍّ، أَوْ قَرْضٍ وَلَوْ مَرَّةً بِأَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ نَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَضَهُ، أَوْ بَاعَ لَهُ سِلْعَةَ كَذَا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ وَلَا نَعْرِفُ قَدْرَ الثَّمَنِ، أَوْ الْقَرْضِ وَلَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ.
(قَوْلُهُ: اللَّطْخُ) أَيْ حُصُولُ الظَّنِّ بِثُبُوتِ الْمُدَّعَى بِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ) أَيْ لَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ.
(قَوْلُهُ: حِينَ شَهِدَتْ) أَيْ لِلْمُدَّعِي بِأَصْلِ الدَّيْنِ الَّذِي ادَّعَى بِهِ.
(قَوْلُهُ: شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ) أَيْ وَالتَّقْدِيرُ وَأُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِعُرْفٍ أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ فَإِنْ أَجَابَ بِالْإِقْرَارِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فُهِمَ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ) هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَلِذَا قِيلَ لَعَلَّ نَاسِخَ الْمُبْيَضَّةِ قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ: لَا فِي الْأَمْرِ بِالْجَوَابِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ بَلْ يَأْمُرُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَقْرُنَهُ) أَيْ أَنْ يَقْرُنَ قَوْلَهُ إنْ خَالَطَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْمُرَادِ) أَيْ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَصَاحِبِ الْمَبْسُوطِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ لِجَرَيَانِ الْعَمَلِ بِهِ وَمَعْلُومٌ أَنْ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ إنْ خَالَفَهُ.
(قَوْلُهُ: تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الثَّمَانِيَةَ يَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْخُلْطَةُ اتِّفَاقًا وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَاهَا.
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ التَّاجِرُ إلَخْ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ غَرِيبٌ، أَوْ بَلَدِيٌّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ وَأَمَّا دَعْوَى أَهْلِ السُّوقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُونٌ لَا تَكُونُ الْخُلْطَةُ حَتَّى يَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا مُجَرَّدُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي السُّوقِ فَلَا يَكْفِي فِي إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ سَحْنُونٌ وَكَذَا الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ وَالدَّرْسِ وَالْحَدِيثِ فَلَا تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَالضَّيْفَ) هُوَ لُغَةً مَنْ نَزَلَ عَلَيْك، أَوْ أَنْزَلْته لِلْغِذَاءِ سَوَاءٌ كَانَ غَرِيبًا أَمْ لَا وَالْمُرَادُ.
يُدَّعَى عَلَيْهِ (وَ) إلَّا الدَّعْوَى (فِي) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) كَثَوْبٍ بِعَيْنِهِ (وَ) إلَّا (الْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مِمَّنْ يَمْلِكُ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُودَعُ عِنْدَهُ مِثْلُهَا وَأَنْ يَكُونَ الْحَالُ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ كَالسَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ (وَ) إلَّا (الْمُسَافِرَ) يَدَّعِي (عَلَى) بَعْضِ (رُفْقَتِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا (وَ) إلَّا (دَعْوَى مَرِيضٍ) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَدَّعِي عَلَى غَيْرِهِ بِدَيْنٍ (أَوْ) دَعْوَى (بَائِعٍ عَلَى) شَخْصٍ (حَاضِرٍ الْمُزَايَدَةَ) أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَتَهُ بِكَذَا، وَالْحَاضِرُ يُنْكِرُ الشِّرَاءَ فَتَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ خُلْطَةٌ.
وَإِذَا أَمَرَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ (فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُدَّعِي (الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) خَوْفَ جُحُودِهِ بَعْدُ.
(وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ) أَيْ الْمُدَّعَى (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْحَاكِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ الْخَامِ وَقَطْعِ النِّزَاعِ بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَنْكَرَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ (قَالَ) الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَةٌ) فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا كَمَا يَأْتِي.
(فَإِنْ نَفَاهَا) بِأَنْ قَالَ لَا بَيِّنَةَ لِي (وَاسْتَحْلَفَهُ) أَيْ طَلَبَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ وَحَلَفَ (فَلَا بَيِّنَةَ) تُقْبَلُ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ (إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ) حِينَ تَحْلِيفِهِ خَصْمَهُ وَحَلَفَ أَنَّهُ نَسِيَهَا، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا، ثُمَّ عَلِمَ وَكَذَا إذَا ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَشْهَدُ لَهُ، أَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ شَرَطَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي عَدَمَ الْقِيَامِ بِبَيِّنَةٍ يَدَّعِي نِسْيَانَهَا، أَوْ عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا وَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ (أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا) هَذَا فِي حَيِّزِ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ وَجَدَهُ بَعْدَ مَا اسْتَحْلَفَهُ وَحَلَفَ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا إذَا قَامَ بِهِ عُذْرٌ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَجَدَ ثَانِيًا أَنَّ الْحَلِفَ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ إمَّا لِكَوْنِ الْحَاكِمِ لَا يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ مُطْلَقًا، أَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَقَالَ الْمُدَّعِي: لَيْسَ لِي غَيْرُ هَذَا فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ
[حاشية الدسوقي]
بِهِ هُنَا خُصُوصُ الْغَرِيبِ سَوَاءٌ ضَافَ أَيْ نَزَلَ بِنَفْسِهِ فِي مَنْزِلِك لِأَجْلِ الْغِذَاءِ، أَوْ أَنْزَلْته أَنْتَ أَمْ لَا بِأَنْ نَزَلَ فِي مَسْجِدٍ مَثَلًا فَجَلَسْت عِنْدَهُ فَادَّعَيْت عَلَيْهِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْك، أَوْ ادَّعَى عَلَيْك أَخْذَ شَيْءٍ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي مُعَيَّنٍ) الْمُرَادُ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ تَهْلِكْ عَيْنُهُ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا مُشَاهَدًا أَمْ لَا لَا خُصُوصُ الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ وَذَلِكَ كَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الْجُوخَةَ الَّتِي كُنْت لَابِسًا لَهَا بِالْأَمْسِ جُوخَتِي، أَوْ الدَّابَّةَ الَّتِي عِنْدَك دَابَّتِي.
(قَوْلُهُ: وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا) اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَاشِرٍ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا يُحَلَّفُ فِيهَا إلَّا الْمُتَّهَمُ وَأَهْلُ الْوَدِيعَةِ لَيْسُوا مُتَّهَمِينَ اهـ بْن وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ دَعْوَى أَنَّهُ أُودِعَ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ كَأَنْ تَدَّعِيَ عَلَى إنْسَانٍ بِأَنَّك أَوْدَعْته كَذَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَيُحَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدُونِ ثُبُوتِ خُلْطَةٍ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا لَا دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الضَّيَاعِ كَمَا فَهِمَ ابْنُ عَاشِرٍ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا الْمُسَافِرَ) أَيْ الْمَرِيضَ كَمَا فِي نَصِّ أَصْبَغَ سَوَاءٌ كَانَ مَرَضُهُ مَخُوفًا أَمْ لَا.
(قَوْلُهُ: يَدَّعِي عَلَى بَعْضِ رُفْقَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا) أَيْ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتْلَفَ لَهُ مَالًا فِي السَّفَرِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا دَعْوَى مَرِيضٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) اعْلَمْ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَرَضِ هُنَا وَالْمَرَضِ الْمُقَيَّدِ بِهِ الْمُسَافِرُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْمَرَضُ هُنَا مَخُوفٌ وَمَرَضُ الْمُسَافِرِ مُطْلَقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكْرَارَ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: عَلَى شَخْصٍ حَاضِرِ الْمُزَايَدَةَ) أَيْ فِي سِلْعَتِهِ الَّتِي تَسَوَّقَ بِهَا وَلَا مَفْهُومَ لِبَائِعٍ بَلْ كَذَلِكَ دَعْوَى مُشْتَرٍ عَلَى بَائِعٍ أَنَّهُ بَاعَ لَهُ وَأَنْكَرَ الْبَيْعَ فَيُحَلَّفُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْخُلْطَةُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَى حَاضِرٍ الْمُزَايَدَةَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى بَائِعٌ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَتَهُ مِنْ غَيْرِ تَسَوُّقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُنْكِرِ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَ بْن.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَقَرَّ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ فَلَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَاكِمِ ذَلِكَ أَيْ التَّنْبِيهُ الْمَذْكُورُ وَهَذَا إضْرَابٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ مِنْ تَخْيِيرِ الْحَاكِمِ فِي التَّنْبِيهِ، ثُمَّ إنَّ طَلَبَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ.
(قَوْلُهُ: أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينًا عَلَى صِحَّتِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ فِيهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَلَك مَطْعَنٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَحْلَفَهُ) أَشْعَرَ إتْيَانُهُ بِالسِّينِ الْمُفِيدَةِ لِلطَّلَبِ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُعْتَدَّ بِهَا فِي مَقَامِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُسْقِطَةَ لِلْبَيِّنَاتِ هُوَ الْيَمِينُ الْمَطْلُوبُ وَأَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي بِغَيْرِ طَلَبِ خَصْمِهِ لَمْ تُفِدْهُ يَمِينُهُ وَلِخَصْمِهِ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَيْهِ ثَانِيًا وَلَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ إذَا وَجَدَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي ابْنِ غَازِيٍّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَفَ) أَيْ يَمِينًا وَاحِدَةً سَوَاءٌ كَانَ مَا ادَّعَى بِهِ الْمُدَّعِي شَيْئًا وَاحِدًا، أَوْ كَانَ أُمُورًا مُتَعَدِّدَةً فَالْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ فِي إسْقَاطِ الْخُصُومَاتِ وَفِي مَنْعِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ مُتَعَدِّدًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: فَلَا بَيِّنَةَ تُقْبَلُ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ وَأَخَذَ الْحَقَّ ثُمَّ وَجَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْقَضَاءِ فَإِنَّ لَهُ الْقِيَامَ بِهَا وَالرُّجُوعَ بِمَا دَفَعَهُ ثَانِيًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا لِعُذْرٍ) أَيْ فِي نَفْيِهِ لَهَا وَاسْتِحْلَافِهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: كَنِسْيَانٍ) أَيْ لِلْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: عَدَمَ عِلْمِهِ بِهَا) أَيْ أَصْلًا وَذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ فَرْعُ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ.
(قَوْلُهُ: فَيُفِيدُ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ وَجَدَ الشَّاهِدَ الثَّانِيَ بَعْدَ مَا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ طَلَبَ حَلِفَهُ وَحَلَفَ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَخْ) أَيْ، أَوْ كَانَ الْحَاكِمُ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي الْأَمْوَالِ كَالْمَالِكِيِّ لَكِنْ
ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ وَيَضُمَّهُ لِلْأَوَّلِ.
(أَوْ) عَدَمَ قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدٍ (مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ) أَيْ الْيَمِينَ الْحَاكِمُ (الْأَوَّلُ) أَيْ لَمْ يَرَ الْحُكْمَ لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي مَذْهَبِهِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِيمَا يُقْضَى فِيهِ عِنْدَنَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَهِيَ الْأَمْوَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَرَى ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ أَيْ طَلَبَ الْمُقِيمُ يَمِينَهُ وَحَلَفَ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ يَرَى الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لِعَزْلِ الْأَوَّلِ أَوْ مَوْتِهِ، أَوْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، أَوْ كَانَ بِقُطْرٍ آخَرَ وَيَحْلِفُ مَعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ بِذَلِكَ حَقَّهُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ حَلِفِهِ عِنْدَ الْأَوَّلِ وَالْحُكْمِ لَهُ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لِلْمُدَّعِي وَهَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ " وَرَفَعَ الْخِلَافَ ".
(وَ) لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ بِحَقٍّ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْت قَدْ حَلَّفْتَنِي عَلَيْهِ سَابِقًا وَكَذَّبَهُ الْمُدَّعِي فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لَهُ يَمِينُهُ) أَيْ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي (أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ أَيْ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ فَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا غَرِمَ، وَإِنْ نَكَلَ فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقَدْ حَلَّفَهُ سَابِقًا وَيَسْقُطُ الْحَقُّ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً وَبَرِئَ وَلَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعِي.
(قَالَ) الْمَازِرِيُّ (وَكَذَا) لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي (أَنَّهُ عَالِمٌ) حَقُّهُ: أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ (بِفِسْقِ شُهُودِهِ) فَإِنْ حَلَفَ بَقِيَ الْأَمْرُ بِحَالِهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ الْحَقُّ فَالْمُدَّعِي يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ مَعْمُولٌ لِادَّعَى مُقَدَّرًا أَيْ إذَا ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَالِمٌ إلَخْ حَلَّفَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى وَتَرَكَ كَيْفِيَّةَ الْيَمِينِ
[حاشية الدسوقي]
كَانَتْ الدَّعْوَى الَّتِي أَقَامَ الْمُدَّعِي فِيهَا شَاهِدًا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ) أَيْ كَانَ نَاسِيًا لَهُ، أَوْ غَائِبًا وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَيَضُمَّهُ لِلْأَوَّلِ) أَيْ وَيُعْمَلَ بِشَهَادَتِهِمَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالرَّدِّ مُعَلَّلٌ بِالِانْفِرَادِ فَيَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَدَمَ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا الْحَلِّ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَطَفَ عَلَى لِعُذْرٍ مَحْذُوفًا مَعَ ثَلَاثِ مُضَافَاتٍ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا إلَخْ) إذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا التَّصْوِيرَ وَجَدْت الِاسْتِثْنَاءَ بِالنَّظَرِ لِهَذَا الْفَرْعِ مُنْقَطِعًا إذْ لَيْسَ فِيهِ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ بَعْدَ نَفْيِهَا كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ عَدَمَ عَمَلِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِمَنْزِلَةِ نَفْيِ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ وَرَفْعِ الْمُدَّعِي لِمَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَهُوَ الْقَاضِي الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ إقَامَتِهَا فَتَأَمَّلْ اهـ شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَا يَرَى ذَلِكَ) أَيْ كَالْحَنَفِيِّ وَقَوْلُهُ: فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَيْ وَحَكَمَ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ طَلَبَ الْمُقِيمُ) أَيْ مُقِيمُ الشَّاهِدِ وَهُوَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ وَقَوْلُهُ: وَحَلَفَ أَيْ وَحَكَمَ لَهُ بِعَدَمِ دَفْعِ شَيْءٍ لِلْمُدَّعِي وَقَوْلُهُ: عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ آخَرَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ مَعَهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يُقِيمُ ذَلِكَ الشَّاهِدَ أَيْ ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ وَأَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَأْخُذُ حَقَّهُ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَمُّ شَاهِدٍ لِآخَرَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ حَلِفِهِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ حَلَفَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: وَرَفَعَ الْخِلَافَ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْفَعْ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ إذْ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ الشَّاهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ وَيَحْلِفَ مَعَهُ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرَدِّ ذَلِكَ الشَّاهِدِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَحَكَمَ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لِلْمُدَّعِي وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ ذَكَرَهُ طفى وَنَقَلَهُ فِي المج وَسَلَّمَهُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُ لِانْفِرَادِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِ، ثُمَّ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِعَدَمِ دَفْعِهِ لَهُ وَأَمَّا لَوْ حَكَمَ بِبُطْلَانِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، أَوْ حَكَمَ بِعَدَمِ دَفْعِ شَيْءٍ لِلطَّالِبِ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ إقَامَةُ الشَّاهِدِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَغَايَةُ مَا فِي فَرْعِ الْمُصَنِّفِ إهْمَالُ الشَّاهِدِ وَتَرْكُ الْحُكْمِ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ فِي هَذَا الْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ تَحْلِيفُهُ) أَيْ كَانَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ وَكَانَ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِالْحَقِّ إنْ وَجَدَهَا وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى سَابِقًا -، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ مَرَّةً أُخْرَى وَقَوْلُهُ: فَإِنْ حَلَفَ أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَقَدْ بَرِئَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَيْ وَإِلَّا يَحْلِفْ بِأَنْ نَكَلَ غَرِمَ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ نَكَلَ) أَيْ الْمُدَّعِي وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ أَوَّلًا فَإِنْ حَلَفَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ) أَيْ فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا نَكَلَ الْمُدَّعِي لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ الْمُتَوَجِّهَةُ عَلَيْهِ وَهِيَ حَلِفُهُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ: وَبَرِئَ أَيْ إنْ حَلَفَهَا وَإِلَّا غَرِمَ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ رَدُّهَا) أَيْ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدُّ الْيَمِينِ الْمُتَوَجِّهَةِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ: بَقِيَ الْأَمْرُ بِحَالِهِ) أَيْ مِنْ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ فَيَحْلِفُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمُدَّعِي يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ) أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا حَقٌّ (قَوْلُهُ: فَذَكَرَ كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى) أَيْ كَيْفِيَّةَ دَعْوَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي وَهُوَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ
أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ لِظُهُورِهَا مِمَّا ذُكِرَ.
(وَأَعْذَرَ) الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وهَذَا مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَسِيمِ قَوْلِهِ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفِهَا بِأَنْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ (بِأَبْقَيْت لَك حُجَّةٌ) أَيْ مَطْعَنٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا أَنْظَرَهُ كَمَا يَأْتِي وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيُسْتَأْنَفُ (وَ) إذَا كَانَ الْمُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ غَائِبًا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لِكَوْنِهِ أُنْثَى (نُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِعْذَارِ وَيَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْلُ.
وَاسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ لَا إعْذَارَ فِيهَا بِقَوْلِهِ (إلَّا الشَّاهِدَ بِمَا) أَيْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الْحَاضِرِينَ إذْ لَوْ أَعْذَرَ فِيهِمْ لَلَزِمَ الْإِعْذَارُ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ.
(و) إلَّا شَاهِدًا أَيْ جِنْسَهُ (مُوَجِّهَهُ) الْقَاضِي لِسَمَاعِ دَعْوَى
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِفِسْقِهِمْ) بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ: وَأَعْذَرَ إلَيْهِ) إمَّا مُسْتَأْنَفٌ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ أَقَامَهَا وَسَمِعَهَا الْقَاضِي وَأَعْذَرَ إلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ إلَى مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ مَا يَشْمَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِتَجْرِيحِ بَيِّنَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ وَلَوْ عَمَّمَ فِي كَلَامِهِ هُنَا كَانَ مَا يَأْتِي مُكَرَّرًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْضَرَهَا وَسَمِعَ شَهَادَتَهَا أَعْذَرَ) كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَإِذَا جَاءَ الْخَصْمُ ذَكَرَ لَهُ الْقَاضِي أَسْمَاءَ الشُّهُودِ وَأَنْسَابَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ فَإِنْ ادَّعَى فِيهِمْ مَطْعَنًا كَلَّفَهُ إثْبَاتَهُ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ فَإِنْ طَلَبَ إحْضَارَ الْبَيِّنَةِ ثَانِيًا لِيَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ لَمْ يُجَبْ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ سَأَلَهُ عَنْ عُذْرِهِ) ذَكَرَ شَيْخُنَا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِي أَعْذَرَ إلَيْهِ لِلسَّلْبِ أَيْ قَطَعَ عُذْرَهُ وَأَزَالَهُ وَلَمْ يُبْقِ لَهُ عُذْرًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَثْبَتَ عُذْرَهُ وَحُجَّتَهُ فَهُوَ كَقَوْلِك أَعْجَمْت الْكِتَابَ أَيْ أَزَلْت عُجْمَتَهُ بِالنَّقْطِ وَشَكَا إلَيَّ زَيْدٌ فَأَشْكَيْتُهُ أَيْ أَزَلْتُ شِكَايَتَهُ.
(قَوْلُهُ: بِأَبْقَيْت إلَخْ) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ إعْذَارًا مُصَوَّرًا أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ، أَوْ أَلَك مَطْعَنٌ أَوْ قَادِحٌ، أَوْ مَدْفَعٌ، أَوْ مَقَالٌ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِهِ نَفْيُهُ لَهُ بِأَنْ قَالَ لَا مَطْعَنَ عِنْدِي وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا " أَيْ وَإِلَّا يَنْفِهِ وَلَكِنْ وَعَدَ بِإِثْبَاتِهِ أَنْظَرَهُ فَإِنْ أَرَادَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الطَّعْنَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَّمَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ عَلَيْهِ الْمَحْكُومَ بِشَهَادَتِهَا فَلَا يُقْبَلُ طَعْنُهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْهَا وَكَانَ عَدَمُ طَعْنِهِ لِعَدَمِ وُجُودِ بَيِّنَةٍ تَطْعَنُ أَوْ نَسِيَهَا، أَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَهُ الطَّعْنُ بَعْدَ الْحُكْمِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْهَدُ بِذَلِكَ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ وَكَذَا يُقَالُ إذَا أَمْهَلَهُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْإِعْذَارُ وَاجِبٌ) مَحَلُّ وُجُوبِهِ إنْ ظَنَّ الْقَاضِي جَهْلَ مَنْ يُرِيدُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ، أَوْ ضَعْفَهُ وَأَمَّا إنْ ظَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّ لَهُ الطَّعْنَ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ بَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ بِدُونِهِ بَاطِلٌ فَيُنْقَضُ وَيَسْتَأْنِفُ) هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبُرْزُلِيِّ وَقَالَ النَّاصِرُ: لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِدُونِ إعْذَارٍ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفَ الْإِعْذَارَ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نَقَضَهُ وَإِلَّا بَقِيَ الْحُكْمُ وَهُوَ لَا يُعَادِلُ الْأَوَّلَ لِحِكَايَةِ صَاحِبِ الْمِعْيَارِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَيْهِ ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِدُونِ الْإِعْذَارِ مَحَلُّهُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْخَصْمَيْنِ وَالْقَاضِي وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَدَمَ الْإِعْذَارِ وَادَّعَى الْقَاضِي أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ الْإِعْذَارَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ كَمَا قَالَ الْأَخَوَانِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا يُسْتَأْنَفُ الْإِعْذَارُ فَإِنْ أَبْدَى الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مَطْعَنًا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: غَائِبًا) أَيْ عَنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ لِكَوْنِهِ أُنْثَى وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ.
(قَوْلُهُ: نُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) أَيْ بِأَنْ يُرْسِلَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لِذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَائِبِ يَقُولَانِ لَهُ إنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَامَ عَلَيْك بَيِّنَةً فُلَانًا وَفُلَانًا أَلَك مَطْعَنٌ فِيهَا فَالْإِعْذَارُ لَهُ بِوَاحِدٍ وَاجِبٌ وَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى التَّعَدُّدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ نَدْبِ تَوْجِيهِ الْمُتَعَدِّدِ فِي الْإِعْذَارِ لِلْغَائِبِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً وَأَمَّا الْغَائِبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ مَعَ الْأَمْنِ وَالثَّلَاثَةِ مَعَ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ وَإِذَا قَدِمَ أَعْذَرَ لَهُ فِي الشُّهُودِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِمْ لَهُ فَإِنْ أَبْدَى فِيهِمْ مَطْعَنًا وَأَثْبَتَهُ نُقِضَ الْحُكْمُ وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ فِيهِمْ بَعْدَ قُدُومِهِ نُقِضَ الْحُكْمُ.
(قَوْلُهُ: إلَّا الشَّاهِدَ إلَخْ) أَيْ فَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَقِّ الْمُدَّعِي فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِلُزُومِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ إعْذَارٍ فِي الشُّهُودِ الشَّاهِدِينَ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ.
(قَوْلُهُ: لِمُشَارَكَتِهِ) أَيْ الْقَاضِي لَهُمْ أَيْ الشُّهُودِ فِي سَمَاعِ الْإِقْرَارِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُمْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ جِنْسَهُ) أَيْ الصَّادِقَ بِاثْنَيْنِ.
(قَوْلُهُ: لِسَمَاعِ دَعْوَى) أَيْ فَإِذَا وَجَّهَهُمَا الْقَاضِي
أَوْ لِتَحْلِيفٍ أَوْ حِيَازَةٍ فَلَا إعْذَارَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُمْ مَقَامَ نَفْسِهِ وَهُوَ لَا يُعْذِرُ فِي نَفْسِهِ.
(وَ) إلَّا (مُزَكِّيَ السِّرِّ) أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ فَلَا إعْذَارَ فِيهِ وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَسْمِيَتُهُ وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ أَوْ جَرَّحَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ.
(وَ) إلَّا (الْمُبَرِّزَ) أَيْ الْفَائِقُ فِي الْعَدَالَةِ لَا إعْذَارَ فِيهِ (بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْ أَوْ قَرَابَةٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ.
(وَ) إلَّا مَنْ يُخْشَى (مِنْهُ) الضَّرَرُ عَلَى بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَيْهِ، أَوْ جُرِّحَتْ بَيِّنَتُهُ فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ (وَ) إذَا أَعْذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: لِي فِيهَا مَطْعَنٌ مِنْ فِسْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ (أَنْظَرَهُ) الْقَاضِي (لَهَا) أَيْ لِلْحُجَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَيْ لِإِثْبَاتِهَا (بِاجْتِهَادِهِ) بِمَا يَقْتَضِيهِ نَظَرُهُ فَلَيْسَ لِأَمَدِهَا زَمَنٌ مُعَيَّنٌ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا (حَكَمَ) عَلَيْهِ (كَنَفْيِهَا) أَيْ كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ لَوْ نَفَاهَا بِأَنْ قَالَ لَا حُجَّةَ لِي.
(وَلْيُجِبْ) الْقَاضِي مَنْ سَأَلَهُ: مَنْ جَرَّحَ بَيِّنَتِي (عَنْ) تَعْيِينِ (الْمُجَرِّحِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ، إنْ لَمْ يَخْشَ مِنْهُ عَلَيْهِ
[حاشية الدسوقي]
لِسَمَاعِ دَعْوَى مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ مِنْ امْرَأَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُعْذِرُ فِيهِمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِتَحْلِيفٍ) أَيْ تَحْلِيفِ امْرَأَةٍ، أَوْ مَرِيضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْذِرَ لِطَالِبِ الْيَمِينِ فِي الشَّاهِدَيْنِ الْمُوَجَّهَيْنِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حِيَازَةٍ) أَيْ إنْ أَرْسَلَهُمَا الْقَاضِي لِحِيَازَةِ دَارٍ أُرِيدَ بَيْعُهَا عَلَى غَائِبٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُخْبِرَ الْقَاضِي سِرًّا بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ) أَيْ الْمُلَازِمِينَ لَهُ لِسَمَاعِ إقْرَارِ الْخُصُومِ وَالشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ فِي الْوَقَائِعِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ " مُزَكِّيَ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْكَافِ وَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِهَا أَيْ الشَّاهِدَ الْمُزَكَّى سِرًّا وَعَلَى كِلَيْهِمَا فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَعَدَالَةَ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ ثَابِتَةٌ بِعِلْمِ الْمُزَكِّي لَا بِعِلْمِ الْقَاضِي وَحِينَئِذٍ فَعَدَالَةُ الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ أَقْوَى فَإِذَا لَمْ يُعْذِرْ فِي الْأَضْعَفِ لَا يُعْذِرُ فِي الْأَقْوَى مِنْ بَابِ أَوْلَى وَحِينَئِذٍ فَالْفَتْحُ يُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي بِالْكَسْرِ وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالْكَسْرِ فَلَا تُفِيدُ عَدَمَ الْإِعْذَارِ فِيمَنْ زَكَّاهُ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا مُجَرِّحُهُمْ) أَيْ لَا إعْذَارَ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ سُئِلَ عَمَّنْ عَدَّلَ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ سَأَلَ الْمَطْلُوبُ الْقَاضِيَ عَمَّنْ زَكَّى بَيِّنَةَ الطَّالِبِ وَعَدَّلَهَا، أَوْ سَأَلَ الطَّالِبُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُزَكِّيَ لِلْأُولَى وَالْمُجَرِّحَ لِلثَّانِيَةِ مُزَكِّي السِّرِّ فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ لِسُؤَالِ ذَلِكَ السَّائِلِ بِذِكْرِ الْمُعَدِّلِ أَوْ الْمُجَرِّحِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُقِيمُ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْفَائِقَ) أَيْ لِأَقْرَانِهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا بِهِمَا فَيُعْذِرُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلَك مَطْعَنٌ فِيهِ بِعَدَاوَةٍ لَك، أَوْ بِقَرَابَةٍ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبِلَ قَدَحُهُ وَإِنْ قَدَحَ فِيهِ بِغَيْرِهِمَا كَأَكْلٍ فِي سُوقٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَدَحُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبَرِّزَ لَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ فِيهِ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ، أَوْ الْقَرَابَةِ وَأَمَّا بِغَيْرِهِمَا فَلَا يُسْمَعُ الْقَدَحُ بِهِ فِيهِ وَأَمَّا مَا قَبْلَ الْمُبَرِّزِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ لَا يُقْبَلُ الْقَدَحُ فِيهِ بِأَيِّ قَادِحٍ كَانَ وَلَوْ بِعَدَاوَةٍ، أَوْ قَرَابَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا إعْذَارَ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ لَا تُسَمَّى لَهُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الْإِعْذَارِ هُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ أَحَدِ تَلَامِذَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ غَيْرُ ابْنِ بَشِيرٍ تِلْمِيذِ الْمَازِرِيِّ وَلَفْظُ ابْنِ يُونُسَ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْهَدُ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي سِرًّا وَإِنْ خَافُوا مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُمْ؛ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَيُعْذِرَ إلَيْهِمْ فِيهِمْ فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَمِثْلُ مَا لِابْنِ يُونُسَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفُ أَتَى بِهِ جَمْعًا لِلنَّظَائِرِ فَقَطْ اُنْظُرْ طفى وبن وَقَدْ يُجَابُ عَنْ تَضْعِيفِهِمْ قَوْلَ ابْنِ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ وَإِنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِعْذَارِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى الْبَيِّنَةِ لَكِنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يُهْمِلَ حَقَّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ التَّفْتِيشِ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَتَنَزَّلُ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمْ مَنْزِلَةَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ حَاصِلٌ بِغَيْرِهِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى الْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَعْذَرَ إلَيْهِ) أَيْ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لِإِثْبَاتِهَا) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِأَمَدِهَا) أَيْ لِأَمَدِ إثْبَاتِهَا بِالْبَيِّنَةِ.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ أَيْ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ كَمَا إذَا نَفَاهَا وَكَمَا لَوْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ بَعِيدَةُ الْغَيْبَةِ كَالْعِرَاقِ بِتَجْرِيحِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَتْ بَيِّنَتُهُ وَيُقِيمُهَا عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ اهـ خش.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا) أَيْ بِالْحُجَّةِ بِمَعْنَى الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِالْمَطْعَنِ.
(قَوْلُهُ: وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) حَاصِلُهُ أَنْ الْمُدَّعِيَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ لَهُ بِحَقٍّ عَلَى شَخْصٍ فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِتَجْرِيحِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي فِي حَلِفِهِ فَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِي الْقَاضِيَ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَيُوَجِّهَ لَهُ الْإِعْذَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْمُجَرِّحِ وَالْمُدَّعِي عَدَاوَةٌ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَرَابَةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ التَّجْرِيحُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهَا الضَّرَرُ مِنْ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مُزَكِّي سِرٍّ أَمَّا لَوْ كَانَ الْمُجَرِّحُ مُزَكِّيَ سِرٍّ، أَوْ بَيِّنَةً يُخْشَى عَلَيْهَا الضَّرَرُ مِنْ الْمُدَّعِي فَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ تَعْيِينُ الْمُجَرِّحِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِسُؤَالِ الْمُدَّعِي عَمَّنْ جَرَّحَ بَيِّنَتَهُ وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّجْرِيحُ بِبَيِّنَةٍ وَإِنَّمَا الْقَاضِي
(وَ) إذَا أَنْظَرَهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّتِهِ فَإِنَّهُ (يُعَجِّزُهُ) أَيْ يَحْكُمُ بِعَجْزِهِ أَيْ بِعَدَمِ قَبُولِ بَيِّنَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ زِيَادَةٍ عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ بِأَنْ يَقُولَ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ حُجَّةً وَقَدْ أَنْظَرْنَاهُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَحَكَمْنَا بِعَجْزِهِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ التَّعْجِيزِ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ نَعَمْ إذَا عَجَّزَهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا أَوْ نَسِيَهَا.
ثُمَّ اسْتَثْنَى خَمْسَ مَسَائِلَ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْجِيزُ فِيهَا فَقَالَ (إلَّا فِي دَمٍ) كَادِّعَاءِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ فَأَنْظَرَهُ لِيَأْتِيَ بِهَا فَلَمْ يَأْتِ فَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتَعْجِيزِهِ عَنْ قِيَامِهَا فَمَتَى أَتَى بِهَا حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(وَحُبْسٍ) أَيْ وَقْفٍ ادَّعَاهُ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ حَبَّسَهُ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ فَطَلَبَ الْحَاكِمُ مِنْهُ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَعَجَزَ عَنْهَا فِي الْحَالِ فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا مَتَى وَجَدَهَا، وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
(وَعِتْقٍ) ادَّعَاهُ الرَّقِيقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَقَالَ عِنْدِي بَيِّنَةٌ وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا إنْ وَجَدَهَا، وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهِ الْآنَ عَلَى الرِّقِّ.
(وَنَسَبٍ) كَادِّعَائِهِ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَعَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا فَلَا يَحْكُمُ بَعْدَ سَمَاعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ.
(وَطَلَاقٍ) ادَّعَتْهُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَأَنَّ لَهَا بَيِّنَةً وَعَجَزَتْ عَنْ إقَامَتِهَا الْآنَ فَلَا يَحْكُمُ بِإِبْطَالِ سَمَاعِهَا، وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ (وَكَتَبَهُ) أَيْ التَّعْجِيزَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي سِجِلِّهِ كَمَا تَقَدَّمَ
[حاشية الدسوقي]
عَلِمَ فِي الْبَيِّنَةِ شَيْئًا يَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ فَرَدَّهَا فَلَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا جَوَابٌ؛ لِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِدَ لِعِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا أَنْظَرَهُ) أَيْ أَنْظَرَ مَنْ كَانَ مُطَالَبًا بِالْبَيِّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِيًا طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ لَهُ بِمَا يَدَّعِيهِ، أَوْ كَانَ مُدَّعًى عَلَيْهِ طُلِبَ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ الْمُجَرِّحَةُ فِي الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَيْهِ فَهَذَا انْتِقَالٌ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: زِيَادَةٍ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْحُكْمِ بِعَجْزِهِ زِيَادَةً أَيْ زَائِدًا عَلَى الْحُكْمِ بِالْحَقِّ.
(قَوْلُهُ: وَيَكْتُبُ ذَلِكَ) أَيْ التَّعْجِيزَ فِي سِجِلِّهِ وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَكَتَبَهُ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ عَدَمُ ذِكْرِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَقُولَ إلَخْ الْمُنَاسِبُ بِأَنْ يَكْتُبَ فِيهِ وَادَّعَى إلَخْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ وَإِذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا أَنَّهُ مِمَّا يُكْتَبُ فِي السِّجِلِّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمُعَجَّزِ إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ قِيلَ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ لَهُ وَجْهٌ كَنِسْيَانِهَا، أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا أَوْ غَيْبَتِهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ فِي الْبَيَانِ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ إذَا عَجَّزَ الْمَطْلُوبَ وَقَضَى عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ يَمْضِي وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا عَجَّزَ الطَّالِبَ فَإِنَّ تَعْجِيزَهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ سَمَاعِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ وَأَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً فَلَا تُقْبَلُ لَهُ حُجَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهَا وَحَلَفَ اهـ بْن وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ أَيْ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: أَيْ خَوْفًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَكْتُبُ ذَلِكَ فِي سِجِلِّهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَةُ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْهَا، أَوْ نَسِيَهَا) أَيْ إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَمَحَلُّ إقَامَتِهِ لَهَا إنْ عَجَّزَهُ مَعَ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ لَا مَعَ ادِّعَائِهِ حُجَّةً فَلَا يُقِيمُهَا وَلَوْ مَعَ ادِّعَاءِ نِسْيَانِ بَيِّنَتِهِ وَحَلِفِهِ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: فَلَهُ إقَامَتُهَا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ طَالِبًا، أَوْ مَطْلُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ كَانَ طَالِبًا لَا مَطْلُوبًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي دَمٍ وَحُبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) أَيْ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَ طَالِبَ إثْبَاتِهَا سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ أَوْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً وَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لَهَا وَأُنْظِرَ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَإِنْ عَجَّزَهُ كَانَ حُكْمُهُ بِالتَّعْجِيزِ غَيْرَ مَاضٍ فَإِذَا قَالَ مُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ: لِي بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ وَأُمْهِلَ لِلْإِتْيَانِ بِهَا فَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الدَّمِ وَالْحَبْسِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِ ذَلِكَ الْمُدَّعِي فَإِنْ حَكَمَ بِعَجْزِهِ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ وَأَمَّا طَالِبُ نَفْيِهَا فَإِنَّهُ يَمْضِي حُكْمُهُ بِتَعْجِيزِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِمُدَّعِي الدَّمِ، أَوْ النَّسَبِ أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْحَبْسِ، أَوْ الْعِتْقِ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدِي بَيِّنَةٌ تُجَرِّحُ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي فَإِذَا أُمْهِلَ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ حَكَمَ الْقَاضِي بِثُبُوتِ الدَّمِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ وَالْحُبْسِ وَالْعِتْقِ وَتَعْجِيزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِذَا عَجَّزَهُ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ كَذَا قَالَ الْجِيزِيُّ وَارْتَضَاهُ بْن وَقَالَ عج: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ لَيْسَ لِلْقَاضِي تَعْجِيزُهُ أَصْلًا فِيهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عج يَقُولُ إنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ فِي عَدَمِ التَّعْجِيزِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ وَالْجِيزِيُّ يَقُولُ لَيْسَ النَّفْيُ فِيهَا كَالْإِثْبَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَكَلَامُ خش فِي كَبِيرِهِ عَنْ بَعْضِ التَّقَارِيرِ يُقَوِّي مَا قَالَهُ عج.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِتَعْجِيزِهِ) فَإِنْ حَكَمَ بِتَعْجِيزِهِ كَانَ الْحُكْمُ بَاطِلًا وَقَوْلُهُ: حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِعَدَمِ قَتْلِهِ أَوَّلًا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَنَعَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِعَدَمِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَحْكُمُ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا) فَإِنْ حَكَمَ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ مَاضٍ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا وَجَدَهَا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ الْآنَ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِعَدَمِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمَ أَنَّهَا فِي عِصْمَتِهِ) أَيْ وَإِنْ حَكَمَ بِبَقَائِهَا
(وَإِنْ لَمْ يُجِبْ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ (حُبِسَ وَأُدِّبَ) بِالضَّرْبِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ (حَكَمَ) عَلَيْهِ بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْإِقْرَارِ (بِالْحَقِّ بِلَا يَمِينٍ) مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فَرْعُ الْجَوَابِ وَهُوَ لَمْ يُجِبْ.
(وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ) الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فَإِنْ بَيَّنَهُ الْمُدَّعِي عُمِلَ بِهِ إذْ قَدْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غُرْمٌ كَالْقِمَارِ وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غُرْمٌ قَلِيلٌ كَالرِّبَا، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ لَمْ يُطْلَبْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجَوَابٍ (وَ) لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي نَسِيتُهُ ثُمَّ قَالَ تَذَكَّرْتُهُ، وَإِنَّهُ كَذَا (قُبِلَ نِسْيَانُهُ بِلَا يَمِينٍ) مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ) (أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ) بِحَقٍّ (الْمُعَامَلَةَ) مِنْ أَصْلِهَا بِأَنْ قَالَ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ (فَالْبَيِّنَةُ) عَلَى الْمُدَّعِي تَشْهَدُ بِالْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ (ثُمَّ) بَعْدَ إقَامَتِهَا (لَا تُقْبَلُ) مِنْ الْمَطْلُوبِ (بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ) لِذَلِكَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ (بِخِلَافِ) قَوْلِهِ (لَا حَقَّ) أَوْ لَا دَيْنَ (لَك عَلَيَّ) فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ بِالدَّيْنِ فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَتَهُ بِالْقَضَاءِ فَتُقْبَلُ إذْ كَلَامُهُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ فِيهِ تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ إذْ قَوْلُهُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَقٌّ وَقَضَاهُ.
(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ) كَالْقَتْلِ وَالْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِهَا) مِنْ الْمُدَّعِي بَلْ حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهَا شَاهِدًا وَاحِدًا فَيَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ (وَلَا تُرَدُّ) عَلَى الْمُدَّعِي إذْ لَا ثَمَرَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِ الدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَقَوْلُهُ وَلَا تُرَدُّ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ فَإِنْ لَمْ تَتَجَرَّدْ بِأَنْ أَقَامَ عَدْلًا
[حاشية الدسوقي]
فِي الْعِصْمَةِ الْآنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ بِإِقْرَارٍ وَلَا إنْكَارٍ) أَيْ بِأَنْ سَكَتَ.
(قَوْلُهُ: حُبِسَ وَأُدِّبَ بِالضَّرْبِ) أَيْ وَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي فِي قَدْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ) أَيْ بَعْدَ الْحَبْسِ وَالضَّرْبِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ حَكَمَ عَلَيْهِ وَمِثْلُ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَابِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ شَكُّهُ فِي أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَا يَدَّعِيهِ فَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ فَقَالَ عِنْدِي شَكٌّ فِي أَنَّ لَهُ عِنْدِي مَا يَدَّعِيهِ أَوْ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الْمُدَّعِي وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ادَّعَى بِهِ وَقَالَ: يُحَلَّفُ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذُ مَا ادَّعَى بِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ) أَيْ الَّذِي تَرَتَّبَ الدَّيْنُ لِأَجْلِهِ.
(قَوْلُهُ: قُبِلَ نِسْيَانُهُ) أَيْ دَعْوَاهُ نِسْيَانَهُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ) أَيْ تَشْهَدُ بِالْقَضَاءِ لِذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي.
(قَوْلُهُ: تَكْذِيبٌ لِبَيِّنَتِهِ بِالْقَضَاءِ) وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مَا إذَا أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَرَّ بِهَا وَأَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَلَكِنَّهُ قَضَاهُ إيَّاهُ وَأَقَامَ عَلَى الْقَضَاءِ بَيِّنَةً فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْقَضَاءِ كَمَا فِي النَّوَادِرِ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ أَوَّلًا تَكْذِيبٌ لَهَا.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمِائَةٍ مِنْ قَرْضٍ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: إذْ كَلَامُهُ الْمَذْكُورُ) أَعْنِي قَوْلَهُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ، أَوْ لَا دَيْنَ لَك عَلَيَّ هَذَا وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ وَهُمَا لَا مُعَامَلَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْعَامِّيِّ وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُعْذَرُ وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي الصِّيغَتَيْنِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ ح فِي بَابِ الْوَكَالَةِ عَنْ الرُّعَيْنِيِّ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَالْعِتْقِ) أَيْ وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهَا) فَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ بِكَذَا وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ السَّيِّدِ، أَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ، أَوْ غَيْرُهَا عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَلَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى وَلِيِّ مُجْبَرَةٍ أَنَّهُ زَوَّجَهُ بِنْتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَلِيِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا مَسَائِلُ مِنْهَا قَوْلُهُ: وَيُحَلَّفُ الطَّالِبُ إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْعَدَمِ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ وَأَنَّ الطَّالِبَ يَعْلَمُ بِعُسْرِهِ وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ الْعِلْمَ بِعُسْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمَطْلُوبِ فَإِنَّ الطَّالِبَ يُحَلَّفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِعُسْرِهِ وَيُحْبَسُ الْمَطْلُوبُ لِإِثْبَاتِ عُسْرِهِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَكَذَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَحْلِيفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي وَلِلْقَاتِلِ الِاسْتِحْلَافُ عَلَى الْعَفْوِ وَمِنْهَا الْمُتَّهَمُ يُدَّعَى عَلَيْهِ الْغَصْبُ، أَوْ السَّرِقَةُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ مُوجَبُهُمَا مِنْ أَدَبٍ وَقَطْعٍ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمُدَّعَى بِهِ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَمِنْهَا مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ فَتَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهُ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمُنَازَعَةٍ وَتَشَاجُرٍ كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يُحَلَّفْ اُنْظُرْ ح وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ أَنَّ الدَّعْوَى الَّتِي تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا وَيَمِينٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهَا وَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي إنْ أَرَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَذَا الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُهَا الْمُدَّعِي مَعَ الشَّاهِدِ، أَوْ الْمَرْأَتَيْنِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ عَنْهَا غَرِمَ بِنُكُولِهِ وَشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَدُّهَا عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لَا تُرَدُّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ مَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَأَنْكَرَ فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الرِّقَّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ فَدَعْوَى ذَلِكَ الْمُدَّعِي رُقْيَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَ الْأَصْلِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ ضَعُفَتْ جِدًّا فَلَمْ تَتَوَجَّهْ الْيَمِينُ لِإِبْطَالِهَا.
(قَوْلُهُ: وَلَا تُرَدُّ) أَيْ تِلْكَ الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْمُدَّعِي أَيْ لَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى
فَقَطْ تَوَجَّهَتْ وَلَا تُرَدُّ لَكِنَّ تَوَجُّهَهَا فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَإِنْ حَلَفَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالسَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ تُرِكَ، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ دُيِّنَ وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا تَتَوَجَّهُ كَمَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَنْكَرَ الْأَبُ فَأَقَامَ الزَّوْجُ شَاهِدًا وَاحِدًا بِذَلِكَ فَلَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْأَبِ وَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَسَيَأْتِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الشَّهَادَاتِ فِي قَوْلِهِ وَحُلِّفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ فَقَوْلُهُ هُنَا (كَنِكَاحٍ) مِثَالٌ لِمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ لَا مِثَالٌ لِمَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ شَاهِدِ الْمُدَّعِي.
(وَأَمَرَ) الْقَاضِي نَدْبًا (بِالصُّلْحِ) (ذَوِي الْفَضْلِ) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ (وَ) ذَوِي (الرَّحِمِ) أَيْ الْأَقَارِبَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ أَمْرٌ يُوجِبُ الشَّحْنَاءَ وَالتَّفَرُّقَ بِخِلَافِ الصُّلْحِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لِجَمْعِ الْخَوَاطِرِ وَتَأْلِيفِ النُّفُوسِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا (كَأَنْ خَشِيَ) الْحَاكِمُ بِحُكْمِهِ (تَفَاقُمَ) أَيْ اتِّسَاعَ (الْأَمْرِ) أَيْ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَيَأْمُرُهُمَا بِالصُّلْحِ لَكِنَّ فِي هَذَا وُجُوبًا سَدًّا لِلْفِتْنَةِ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَأْمُرُ مَنْ ذُكِرَ بِالصُّلْحِ وَلَوْ ظَهَرَ وَجْهُ الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ الْآتِي وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ ثُمَّ الْأَمْرُ بِالصُّلْحِ فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ لَا فِي نَحْوِ طَلَاقٍ.
(وَلَا يَحْكُمُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ (لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) كَأَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ (عَلَى الْمُخْتَارِ) وَكَذَا لَا يَحْكُمُ عَلَى مَنْ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَمُقَابِلُ الْمُخْتَارِ يَجُوزُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ يَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِالتَّسَاهُلِ فِيهَا وَأَمَّا إنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ لِابْنِهِ مَثَلًا عَلَيْهِ.
(وَنُبِذَ) (حُكْمُ جَائِرٍ) وَهُوَ الَّذِي يَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ عَمْدًا وَمِنْهُ مَنْ يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ نَظِيرٍ لِتَعْدِيلٍ وَلَا تَجْرِيحٍ فَيَنْقُضُهُ مَنْ تَوَلَّى بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَقِيمًا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ وَلَا يَرْفَعُ حُكْمُهُ الْخِلَافَ مَا لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ (وَجَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) الْعُلَمَاءَ وَلَوْ وَافَقَ الْحَقَّ (وَإِلَّا) بِأَنْ شَاوَرَهُمْ (تُعُقِّبَ) حُكْمُهُ وَيُنْقَضُ مِنْهُ الْخَطَأُ (وَمَضَى) مِنْهُ (غَيْرُ الْجَوْرِ) وَهُوَ الصَّوَابُ، وَإِنَّمَا تُعُقِّبَ مَعَ الْمُشَاوَرَةِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ عَرَفَ الْحُكْمَ فَقَدْ لَا يَعْرِفُ إيقَاعَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِزِيَادَةِ نَظَرٍ فِي الْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذْ الْقَضَاءُ صِنَاعَةٌ دَقِيقَةٌ لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا كُلُّ النَّاسِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ الْعِلْمُ
[حاشية الدسوقي]
الْمُدَّعِي بِحَيْثُ إذَا حَلَفَهَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ لِئَلَّا يَلْزَمَ ثُبُوتُ مَا ذُكِرَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ مَعَ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَا ثَمَرَةَ فِي رَدِّهَا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ تَوَجُّهَهَا) أَيْ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ.
(قَوْلُهُ: كَالسَّيِّدِ فِي الْعِتْقِ) أَيْ وَالْكِتَابَةِ وَكَالزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ وَكَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلَا تَتَوَجَّهُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَنَّ الْغَالِبَ فِي النِّكَاحِ الشُّهْرَةُ فَشَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِيهِ رِيبَةٌ فَلِذَا لَمْ يُطْلَبْ الْوَلِيُّ بِالْيَمِينِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْغَالِبُ فِيهِ الشُّهْرَةَ فَلَا رِيبَةَ فِي شَهَادَةِ الْوَاحِدِ فِيهِ فَلِذَا أُمِرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا مِثَالٌ لِمَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْيَمِينُ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدٍ لِلْمُدَّعِي الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِمُجَرَّدِهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَرَ الْقَاضِي) أَيْ وَكَذَلِكَ الْمُحَكَّمُ.
(قَوْلُهُ: وَالرَّحِمِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَإِلَّا أَوْهَمَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالصُّلْحِ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا فَضْلٍ وَرَحِمٍ مَعًا وَأَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِأَحَدِهِمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ) أَيْ وَهُوَ مَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ لَهُ أَكِيدَةً وَإِنَّمَا مُنِعَ حُكْمُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ وَحَكَمَ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ فَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، أَوْ لَا يُنْقَضُ وَهُوَ ظَاهِرُ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ، أَوْ يَنْقُضُهُ هُوَ لَا غَيْرُهُ وَهُوَ مَا فِي النَّوَادِرِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمُخْتَارِ) أَيْ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ مِنْ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
(قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْمُخْتَارِ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لِلْخَلِيفَةِ وَهُوَ أَقْوَى تُهْمَةً فِيهِ مِنْ تُهْمَةِ مَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ لِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ.
(قَوْلُهُ: وَنُبِذَ) أَيْ طُرِحَ وَأُلْقِيَ.
(قَوْلُهُ: حُكْمُ جَائِرٍ) أَيْ حُكْمُ مَنْ شَأْنُهُ الْجَوْرُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ مُسْتَقِيمًا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ) أَيْ وَلَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ؛ لِأَنَّ الْجَائِرَ قَدْ يَتَحَيَّلُ وَيُوقِعُ الصُّورَةَ صَحِيحَةً وَإِنْ كَانَتْ فِي الْوَاقِعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَافَقَ الْحَقَّ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ تُعْلَمْ صِحَّةُ بَاطِنِهِ أَمَّا إنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ صِحَّةُ بَاطِنِهِ فَلَا يُنْقَضُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَائِرِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ فَإِنَّ الْجَاهِلَ غَايَتُهُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِالْجَائِرِ وَعِبَارَةُ بَهْرَامَ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْجَاهِلِ يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ صَوَابًا اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا تُعُقِّبَ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْجَاهِلِ اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّ الْجَاهِلَ تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ مُطْلَقًا وَغَيْرَ الْجَاهِلِ إنْ كَانَ مُشَاوِرًا فَلَا يُتَعَقَّبُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشَاوِرٍ تُعُقِّبَ فَيُنْقَضُ مِنْهُ الْخَطَأُ وَيُمْضَى مَا كَانَ صَوَابًا اهـ بْن وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ الْعِلْمُ بَلْ هُوَ شَرْطُ كَمَالٍ فَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْجَاهِلِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مُشَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ فَمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ يُنْقَضُ وَمَا شَاوَرَ فِيهِ يُتَعَقَّبُ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ فَالْجَاهِلُ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْقَضَاءِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ الْعِلْمُ)
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يُوَلَّى الْجَاهِلُ لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَرَضِهِ، أَوْ سَفَرِهِ.
(وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ) أَيْ لَا يَنْظُرُ فِيهِ مَنْ يَتَوَلَّى بَعْدَهُ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْهَرْجُ وَالْخِصَامُ وَتَفَاقُمُ الْحَالِ وَحُمِلَ عِنْدَ جَهْلِ حَالِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ إنْ وَلَّاهُ عَدْلٌ (وَنَقَضَ) إنْ عَثَرَ عَلَى خَطَأِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ مِنْ غَيْرِ تَفَحُّصٍ (وَبَيَّنَ) النَّاقِضُ (السَّبَبَ) الَّذِي نَقَضَ مِنْ أَجْلِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلْجَوْرِ وَالْهَوَى (مُطْلَقًا) أَيْ نَقَضَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ فَقَوْلُهُ نَقَضَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَقَوْلُهُ (مَا) أَيْ حُكْمًا مَفْعُولُهُ (خَالَفَ) فِيهِ (قَاطِعًا) مِنْ نَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ الْقَوَاعِدِ كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْأَخِ دُونَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ كُلَّهَا عَلَى قَوْلَيْنِ اخْتِصَاصِ الْجَدِّ أَوْ مُقَاسَمَةِ الْأَخِ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاخْتِصَاصِ الْأَخِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ (أَوْ) خَالَفَ فِيهِ (جَلِيَّ قِيَاسٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِهَا أَيْ قِيَاسًا جَلِيًّا وَهُوَ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ أَوْ ضَعْفِهِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ وَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَمْرَيْنِ: أَوَّلُهُمَا قَوْلُهُ (كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ) بَعْضُهُ بِأَنْ وَقَعَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَأَبَى الشَّرِيكُ الثَّانِي مِنْ عِتْقِ نَصِيبِهِ فَحَكَمَ لَهُ قَاضٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى لِهَذَا الْمَالِكِ لِلْبَعْضِ وَيَأْتِي لَهُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ فِيهِ لِيَكْمُلَ عِتْقُهُ
[حاشية الدسوقي]
أَيْ وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ تَوْلِيَتِهِ وَنُفُوذِ حُكْمِهِ وَلَوْ شَاوَرَ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ قَدْ يُوَلَّى الْجَاهِلُ إلَخْ) أَيْ فَاشْتِرَاطُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ عِنْدَ إمْكَانِ ذَلِكَ وَتَيَسُّرِهِ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَالِمِ) أَيْ فَإِذَا وُجِدَ الْعَالِمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَوُلِّيَ نُقِضَ حُكْمُ الْجَاهِلِ الْمَذْكُورِ وَكَانَ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ وِلَايَتِهِ كَوْنُهُ عَالِمًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إنْ وَلَّاهُ عَدْلٌ) أَيْ أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْمَجْهُولُ الْحَالِ قَاضِيَ مِصْرٍ.
(قَوْلُهُ: وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْقَاضِيَ الْعَدْلَ الْعَالِمَ إذَا عَثَرَ عَلَى حُكْمٍ خَطَأٍ مُخَالِفٍ لِلنَّصِّ الْقَاطِعِ، أَوْ لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَكَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ صَادِرًا مِنْ قَاضٍ عَدْلٍ عَالِمٍ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ وَبَيَانُ السَّبَبِ فِي نَقْضِهِ.
فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَعَقُّبَهُ؛ لِأَنَّ نَقْضَ حُكْمِهِ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ تَعَقُّبِهِ قُلْت إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ إلَيْهِ فَظَهَرَ خَطَؤُهُ مِنْ غَيْرِ فَحْصٍ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَيْ نَقَضَهُ هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُخْطِئُ وَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ أَيْ كَانَ حُكْمَهُ، أَوْ كَانَ حُكْمَ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: مَا خَالَفَ قَاطِعًا) نَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ مَا خَالَفَ الظَّنَّ الْجَلِيَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالُوا إذَا خَالَفَ نَصَّ السُّنَّةِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وَهُوَ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْقَاطِعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ مُطْلَقًا مُتَوَاتِرَةً أَوْ لَا، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ فِي السُّنَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ) أَيْ وَكَحُكْمِهِ بِمُسَاوَاةِ الْبِنْتِ لِأَخِيهَا فِي الْمِيرَاثِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ) أَيْ وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَأَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةٍ نَافِيَةٍ دُونَ الْمُثْبِتَةِ) هَذَا مِثَالٌ لِمَا خَالَفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَمِثَالُهُ أَيْضًا الْحُكْمُ بِعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، أَوْ مَتَى مَا طَلَّقْتُك وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ تَحَقَّقَ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَجِدْ مَحَلًّا، وَكُلُّ شَيْءٍ أَدَّى ثُبُوتُهُ إلَى نَفْيِهِ يَنْتَفِي قَطْعًا فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ أَصْلًا كَذَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي خَالَفَهَا أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ أَنْ يُجَامِعَ الْمَشْرُوطَ وَإِلَّا أُلْغِيَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: قَبْلَهُ كَالْعَدَمِ لَا يُعْتَبَرُ فَهُوَ مُلْغًى لِأَجْلِ أَنْ تَحْصُلَ الْمُجَامَعَةُ وَحِينَئِذٍ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَزِمَ الثَّلَاثُ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ شَبَّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ) أَيْ بِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَا خَالَفَ قَاطِعًا أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكَافَ لِلتَّشْبِيهِ لَا لِلتَّمْثِيلِ لِعَدَمِ صِحَّةِ جَعْلِ مَا بَعْدَهَا مِثَالًا لِمَا قَبْلَهَا كَمَا قَالَ طفى؛ إذْ لَيْسَ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِسْعَاءِ مُخَالَفَةُ قَاطِعٍ وَلَا جَلِيِّ قِيَاسٍ بَلْ وَلَا سُنَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ أُخْرَى وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ هُوَ مُوَافِقٌ لِسُنَّةٍ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا مَرْجُوحَةٌ وَلِذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ إنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمُخَالَفَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ فَمَا خَالَفَ عَمَلَهُمْ يُنْقَضُ بِمَنْزِلَةِ مَا خَالَفَ قَاطِعًا وَالنَّقْضُ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ اهـ كَلَامُ طفى، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِمَا خَالَفَ السُّنَّةَ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ سَوَاءٌ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ لِسُنَّةٍ أَصْلًا، أَوْ مُسْتَنِدًا لِسُنَّةٍ ضَعِيفَةٍ كَحُكْمِ الْقَاضِي فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَالْكَافُ لِلتَّمْثِيلِ فِي الْجَمِيعِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ جَعَلَهَا لِلتَّشْبِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلَيْنِ وَلِلتَّمْثِيلِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ وَقَعَ) أَيْ عِتْقُ الْبَعْضِ
فَإِنَّهُ يُنْقَضُ وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِهَذَا الْبَعْضِ حَنَفِيًّا يَرَى أَنَّ مَذْهَبَهُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ يُحَدُّ لَوْ شَرِبَ النَّبِيذَ وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحَدَّ مَذْهَبَهُ وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ (وَشُفْعَةِ جَارٍ) وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ وَاسْتَبْعَدَ الْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُ نَقْضَ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي كُلٍّ حَدِيثٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا سِيَّمَا عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ لَمَّا قَالُوا بِخِلَافِهِمَا صَارَ الْعَمَلُ بِهِمَا كَأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
(وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) أَيْ حُكْمِ الْقَاضِي عَلَى عَدُوِّهِ عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً فَيُنْقَضُ (أَوْ) حُكْمٍ (بِشَهَادَةِ كَافِرٍ) عَلَى كَافِرٍ، أَوْ مُسْلِمٍ مَعَ عِلْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) كَعَمَّةٍ وَخَالَةٍ فَيُنْقَضُ (أَوْ) مِيرَاثِ (مَوْلًى أَسْفَلَ) مِنْ مُعْتِقِهِ (أَوْ) حُكْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ لِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ بَلْ (بِعِلْمٍ) مِنْهُ (سَبَقَ مَجْلِسَهُ) قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا وَأَمَّا لَوْ قَضَى بِمَا عَلِمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بِأَنْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يُنْقَضُ.
(أَوْ جَعَلَ بَتَّةً) ، أَوْ ثَلَاثًا (وَاحِدَةً) أَيْ حَكَمَ بِذَلِكَ فَيُنْقَضُ وَيُؤَدَّبُ الْمُفْتِي بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ مُنْكَرٌ فِي الدِّينِ (أَوْ) ثَبَتَ (أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا) أَيْ حُكْمًا صَحِيحًا (فَأَخْطَأَ) عَمَّا قَصَدَ لِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَوْ اشْتِغَالِ بَالٍ (بِبَيِّنَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِثَبَتَ الْمُقَدَّرِ أَيْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَخْطَأَ عَمَّا قَصَدَهُ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ بِدُونِ بَيِّنَةٍ فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ وَيَنْقُضُهُ هُوَ.
(أَوْ) (ظَهَرَ) بَعْدَ قَضَائِهِ (أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، أَوْ صَبِيَّيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ) فَيَنْقُضُهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ (كَأَحَدِهِمَا) كَمَا إذَا حَكَمَ بِأَحَدِهِمَا مَعَ عَدْلٍ فَيَنْقُضُ (إلَّا بِمَالٍ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ (فَلَا يُرَدُّ) إلَيْهِ حُكْمُهُ (إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ لَهُ (وَإِلَّا) يَحْلِفْ (أُخِذَ) الْمَالُ (مِنْهُ إنْ حَلَفَ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْعَدْلِ فَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَ) إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْعَبْدِ وَمَا مَعَهُ (حَلَفَ) وَلِيُّ الدَّمِ (فِي الْقِصَاصِ) مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (خَمْسِينَ) يَمِينًا
[حاشية الدسوقي]
قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُنْقَضُ) اعْلَمْ أَنَّ النَّقْضَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ بِعَدَمِ النَّقْضِ نَظَرًا لِكَوْنِ أَدِلَّتِهَا غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ وَالنَّقْضُ عِنْدَهُ مَقْصُورٌ عَلَى مُخَالَفَةِ الْقَاطِعِ وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ انْفَرَدَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ اُنْظُرْ بْن.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَبْعَدَ الْمَازِرِيُّ إلَخْ) بَلْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ فَلَا يُنْقَضُ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي كُلٍّ) أَيْ مِنْ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ وَشُفْعَةِ الْجَارِ.
(قَوْلُهُ: حَدِيثٌ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ فِيهِمَا لَمْ يُخَالِفْ قَاطِعًا وَلَا جَلِيَّ قِيَاسٍ.
(قَوْلُهُ: عَدَاوَةً دُنْيَوِيَّةً) أَيْ وَأَمَّا حُكْمُهُ عَلَى عَدُوِّهِ فِي الدِّينِ فَلَا يُنْقَضُ.
(قَوْلُهُ: عَلَى كَافِرٍ أَوْ مُسْلِمٍ) اعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ إجْمَاعًا وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى مِثْلِهِ فَقَبِلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ.
(قَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِ الْقَاضِي) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يُغَايِرَ قَوْلَهُ بَعْدُ أَوْ ظَهَرَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْكِتَابِ) أَيْ وَلِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَيْضًا وَهُوَ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَى الْفَاسِقِ فَالْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ لَا يَجُوزُ وَالْكَافِرُ أَشَدُّ فِسْقًا وَأَبْعَدُ عَنْ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ فَبِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ مِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ مُنْتَظِمٌ وَإِلَّا فَلَا نَقْضَ وَإِنَّمَا نُقِضَ الْحُكْمُ بِمِيرَاثِ ذِي الرَّحِمِ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .
(قَوْلُهُ: بِعِلْمٍ) أَيْ بِسَبَبِ عِلْمٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهَا) أَيْ وَقَبْلَ جُلُوسِهِ فِي مَحَلِّ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ طَائِعًا وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَكَمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ وَأَمَّا هُوَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُهُ مَا دَامَ قَاضِيًا لَا إنْ عُزِلَ، ثُمَّ وُلِّيَ وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُكْرَهًا فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ مُعْتَبَرٌ عَلَى مَا لِسَحْنُونٍ وَبِهِ الْعَمَلُ عَلَى مَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: مُنْكَرٌ فِي الدِّينِ) أَيْ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُوَطَّإِ فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِهِ وَلَا الْحُكْمُ وَلَا الْعَمَلُ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ اعْتَمَدَتْ عَلَى قَرَائِنَ، أَوْ عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَنَّهُ قَصَدَ الْحُكْمَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَأَخْطَأَ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا إذَا ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ نَقَضَهُ هُوَ إذَا تَرَافَعَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِصِدْقِ نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ إلَخْ) أَيْ وَعِلْمُ الْبَيِّنَةِ بِقَصْدِهِ يَكُونُ بِالْقَرَائِنِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ) أَيْ فَاشْتِرَاطُ الْبَيِّنَةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ نَقْضِهِ لِحُكْمِ غَيْرِهِ وَأَمَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ خَطَأَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ) أَيْ مُطْلَقًا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ كَأَحَدِهِمَا لِأَجْلِ الِاسْتِثْنَاءِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ كَافِرَيْنِ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ: أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا حَكَمَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ لَا مَا إذَا أَخْطَأَ كَمَا هُنَا وَلَا يُغْنِي مَا هُنَا عَمَّا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ بِكَافِرٍ لَا يُنْقَضُ جَرْيًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِإِشْهَادِ الْكَافِرِ عَلَى مِثْلِهِ فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا لَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ اهـ بْن.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِمَالٍ) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ حُكْمُهُ بِأَحَدِهِمَا بِمَالٍ.
(قَوْلُهُ: أُخِذَ الْمَالُ مِنْهُ) أَيْ أَخَذَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمَالَ مِنْ الْمَحْكُومِ لَهُ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ) أَيْ وَبَعْدَ قَتْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَمَا مَعَهُ) أَيْ كَافِرٍ، أَوْ صَبِيٍّ.
(قَوْلُهُ: فِي الْقِصَاصِ) أَيْ فِيمَا إذَا حَصَلَ