السنة في الطواف بعد الدخول وأحكام ما يزاحمه من الفرائض والواجبات
فإذا دخل البيت فالسنة أن يبتدئ بالطواف؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل دلالةً واضحة على أنه لما دخل مكة لم يشتغل بأي شيء، وإنما انصرف إلى البيت وطاف صلوات الله وسلامه عليه، وقد ثبت عنه ذلك في عُمَرِه، وثبت عنه في حجة الوداع، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة لم يشتغل بشيء غير الطواف بالبيت)، ولذلك قال العلماء: لا يسن للإنسان أن ينصرف إلى أي شيء غير الطواف، حتى كان بعض العلماء يكره للإنسان إذا دخل مكة أن يبحث عن السكن، أو عن المنزل قبل أن يطوف بالبيت؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابتدأ فحيا مكة وحيا البيت بالطواف، فقالوا: السنة في الحج والعمرة أنه إذا دخل أول ما يبدأ يبدأ بالطواف، وما أقدمه من البلاد البعيدة، وقد نأت داره، وابتعد عن أحبابه وأولاده وفارقهم إلا من أجل طاعة الله تعالى ومرضاة الله تعالى، ومن أجل هذه القربة التي من أعظمها وأجلها أن يطوف ببيت الله عز وجل.
فكان من هديه أن ابتدأ صلوات الله وسلامه عليه بالطواف بالبيت، فالسنة -كما نص العلماء- أن لا يشتغل بشيء بعد دخوله مكة غير الطواف بالبيت، فقد توضأ صلوات الله وسلامه عليه ثم دخل من باب بني شيبة، وابتدأ طوافه عليه الصلاة والسلام، هذه هي السنة.
إلا أنهم قالوا: إنه قد يرخص للإنسان في أحوال خاصة، كأن يكون معه الضعفة والحطمة، أو يكون معه كبار السن، أو معه الأطفال، أو معه النساء، فهؤلاء إذا احتاج الإنسان أن يرفق بهم في دخولهم فينزلهم أو يتفقد مواضع نزلهم، فهذا لا بأس به من باب الرفق، ولا حرج فيه، ولكن السنة إذا كان الإنسان قوياً جلداً ومعه الرفقة أن يبتدئ -كما ذكرنا- بتحية البيت.
فإذا ابتدأ يبتدئ بالطواف.
ولو أقيمت الصلاة المفروضة، أو تذكر فائتةً مفروضةً عليه، ولو طاف فات وقتها، فهل يبتدئ بالطواف أو بالصلاة المفروضة؟ ذهب جماهير العلماء إلى أنه يبتدئ بالصلاة المفروضة؛ لأن الصلاة المفروضة قد ضاق وقتها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:14] وفي قراءة: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِلذِكْرَى) وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)، فلو كان ناسياً لصلاةٍ مفروضة وتذكرها عند دخوله للبيت، أو دخل في آخر وقت الظهر، أو دخل في آخر وقت أي صلاة مفروضةٍ وجبت عليه فإنه يبتدئ بالصلاة المفروضة، وأما النوافل فلا يبتدئ بشيءٍ منها.
ولكن اختلف العلماء: لو أنه دخل وعليه فريضة ولم تقم، بمعنى أنك صليت الفريضة في المسجد الحرام، ودخلت بعد صلاة العصر مثلاً، فهل الأفضل أن تبتدئ بصلاة العصر أو تبتدئ بالطواف؟ قالوا: يبتدئُ بالطواف؛ لأن وقت العصر موسع، فيصيب سنة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء بالطواف، ولأنه إذا طاف وركع ركعتي الطواف خرج من الخلاف، ثم بعد ذلك يصلي العصر، فيكون إيقاعه لركعتي الطواف قبل صلاة العصر، وإن كانت ركعتي الطواف قد استثنيت في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعةٍ شاء من ليل أو نهار).
فيبتدئ بالطواف بالبيت -كما ذكرنا- ويقدمه على سائر الطاعات، إلا إذا أقيمت المفروضة، أو كانت هناك خطبة جمعة، فإذا كانت هناك خطبة جمعة فقد قال بعض العلماء: إنه يتعين عليه أن يجلس لاستماع الخطبة، ولا يبتدئُ بالطواف، وقال بعض العلماء: إن له أن يطوف بالبيت، وينتظر إقامة الصلاة، وذلك لأن الطواف بالبيت ركن عمرته، فلذلك يبتدئُ بالركن، ويقدمه على واجب الاستماع إلى الخطبة.
قالوا: ثم بعد فراغه من طوافه يصلي، ثم يجلس وينصت لما بقي من الخطبة، ولا شك أن القول بأنه يجلس من أول الخطبة، فيصلي تحية المسجد، ثم يجلس يستمع الخطبة هو أولى وأحرى، ولكن لو طاف لمكان الركن، وانتظر إقامة الصلاة، فأتم طوافه وأشواطه ثم صلى الفرض فإنه لا حرج عليه؛ لأن الجمعة لم تجب عليه في الأصل، فإذا كان مسافراً فإنها لا تجب عليه، ولذلك لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم جمعة في سفره.
الاضطباع كيفيته ومحله
[ثم يطوف مضطبعاً].
فإذا دخل البيت فإنه مباشرة يبتدئ بالطواف ويضطبع، والاضطباع: أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن، ويلقي بطرفيه على عاتقه الأيسر.
والاضطباع مأخوذٌ من الضبع وهو العضد، وذلك لأنه ينكشف بحسر الرداء عن العاتق، فقالوا: إنه اضطباع.
والأصل في هذا الاضطباع أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم في عمرة القضاء، أو القضية، قال كفار قريش: يقدم عليكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فنزل جبريل بالوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بما قالوه من الشماتة به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه رضوان الله عليهم، فقال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرءاً أراهم من نفسه اليوم جلداً) فلما استفتح طوافه صلوات الله وسلامه عليه اضطبع، وذلك لمكان الرمل، ثم خَبَّ وَرَمل الأشواط الثلاثة الأول، فقالوا كما جاء في رواية السير: إنهم ينقزون نقز الظباء، أي: بقوتهم وجلدهم، والسبب في ذلك: أن المدينة كانت فيها الحمى، وكانت مشهورةً بذلك، حتى كان الكفار في الجاهلية إذا انتهوا من التجارة بالشام وأرادوا المرور بالمدينة يعشِّر الرجل منهم تعشير الحمار بخيبر، وذلك من عقائد الجاهلية التي كانوا عليها، كما أشار إلى ذلك الناظم بقوله: واختلقوا التعشير أن يعشر من النهيق بحذاء خيبر فكانوا يعشرون بخيبر خوفاً من حمى المدينة، ويظنون أن ذلك يحفظهم، وكانت المدينة معروفةً بالحمى، فلما قدم عليه الصلاة والسلام إلى المدينة أصابت الحمى أصحابه، فدخل على أبي بكر وهو محموم، وعلى بلال رضي الله عنه وهو محموم، وكان أبو بكر يحن إلى مكة وكذلك بلال، فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد -أي: وأشد؛ لأن (أو) بمعنى (الواو) - وصححها، وانقل حماها إلى الجحفة)، فصححها الله عز وجل، ونُقلت الحمى منها بقدرة الله عز وجل إلى الجحفة، فاستجيبت دعوته صلى الله عليه وسلم، فلما أرادوا دخول مكة أراد الكفار الشماتة بهم فقالوا: (وهنتهم حمى يثرب).
أي أنهم سيقدمون ضعافاً هزيلين، ويريدون بذلك الشماتة بدين الله عز وجل، وإن كانت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فلما استفتح النبي صلى الله عليه وسلم الطواف كشف عن ضبعه أو عن عضده ثم رمل الأشواط الثلاثة الأول فأراهم الجلد، وكانوا جلوساً جهة الحُجْر، فإذا توارى صلوات الله وسلامه عن البيت بين الركنين مشى هو وأصحابه، فإذا طلع عليهم من جهة الحُجر رملَ صلوات الله وسلامه عليه، وكان يمشي بين الركنين، فهذا الأصل في الرمل، ثم نسخ ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، أنه أصبح الرمل لجميع الثلاثة الأشواط من أولها إلى آخرها.
وهذا الاضطباع إنما يكون في طواف العمرة إذا كان الإنسان معتمراً، ويكون في طواف العمرة في الحج أيضاً، وهذا الطواف ركنٌ بالنسبة لعمرة الحج إذا كان متمتعاً.
وكذلك أيضاً طوافه إذا كان قارناً، أو كان مفرداً فإنه يبتدئُ طوافه بالرمل مع الاضطباع في الثلاثة الأشواط الأولى، وذلك في الطواف الأول، أما بقية الأطوفة كطواف الإفاضة ففيه تفصيل، فالذي جاء مفرداً إلى عرفاتٍ مباشرة، ولم يطف قبل فإن من العلماء من نص على أنه يشرع له الرمل في طوافه بالبيت يوم النحر؛ لأنه يكون متحللاً وليس عليه إحرامٌ، ولكنه يرمل في طواف الركن وهو طواف الإفاضة.
وأما بالنسبة للمتمتع والقارن، وكذلك المفرد الذي طاف طواف القدوم فلا يشرع لهم أن يرملوا في طواف الإفاضة والركن.
أما بالنسبة لهذا الاضطباع فمحله للرجال دون النساء، فهو مشروعٌ للرجل ولا يشرع للمرأة اضطباع، ولا يشرع للنساء رمل، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: (ليس على النساء رمل)؛ لأن المرأة إذا رملت تكشفت، ولذلك لا يجوز لها أن ترمل لا في الطواف ولا في السعي بين الصفا والمروة.
النية في الطواف وكيفية ابتداء أشواطه
قال رحمه الله تعالى: [يبتدئ المعتمر بطواف العمرة، والقارن والمفرد للقدوم].
أي: يبتدئ فينوي طواف العمرة، إذا كان معتمراً، وهو طواف الركن، وكذلك بالنسبة للحاج ينوي طواف القدوم.
قال رحمه الله تعالى: [فيحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبله].
(فيحاذي الحجر الأسود بكله)، يفيد أنه لا يصح الطواف إلا بالمحاذاة للحجر بجميعه، وإذا تقدم ولو خطوةً واحدة، فحاذى ببعض بدنه، وبقي بعض بدنه في المكان الذي هو ابتداء الطواف لم يصح الشوط الأول، وعليه أن يعيد ذلك الشوط؛ لأنه لابد في الشوط أن يستتم الطواف بالبيت بأجزائه الكاملة، فلابد أن يسامت الحجر بجميع بدنه، فلو سامته ببعض بدنه ككتفه، أو شقه الأيسر، وبقي شقه الأيمن في الجهة التي هي دون الحجر فإنه لا يصح شوطه -كما ذكرنا- ويلزمه أن يعيد ذلك الشوط.
فعليه أن يبتدئ ويحاذي الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ أول ما ابتدأ فاستلم الحجر وقبله صلوات الله وسلامه عليه، وهذه هي السنة، فالأفضل والأكمل أن يبتدئ باستلام الحجر وتقبيله، والاستلام: أن يضع يده على الحجر كالمسّلم والمصافح.
أما بالنسبة للتقبيل فهو معروف، وهو أن يقبل الحجر إذا أمكنه وتيسر له، أما إذا لم يمكنه، وحاذى الحجر فإنه يجزيه.
من عجز عن استلام الحجر وتقبيله، وما ينبغي أن يراعيه من يقبل الحجر
قال رحمه الله تعالى: [فإن شق قبل يده].
فإن شق عليه أن يستلم الحجر -كما ذكرنا- ويقبله استلمه بيده وقبل يده، والاستلام ثبتت به السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استلمه بيده، وثبت بالأحاديث الصحيحة أنه كان إذا عجز عن التقبيل استلمه بيده وقبل يده، فالسنة أنه إذا عجز الإنسان عن التقبيل بفمه وضع يده وقبل موضعه، وكذلك أيضاً لو كان معه محجنٌ أو عصا، فاستلم به قَبَّل المحجن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلم بالمحجن وقبله صلوات الله وسلامه عليه.
وأما لو أشار بيده فإنه لا يشرع له أن يقبلها كما يفعل العامة، وإنما يشرع تقبيل اليد إذا لمس واستلم، أما إذا لم يستلم فإنه لا يقبل، فالتقبيل لا يكون إلا للحجر أو لما استلم به الحجر؛ كيده، أو محجنٍ متصلٍ به، ونحو ذلك، فيقبله.
وهل يسجد على الحجر؟ السجود على الحجر أن يدخل رأسه بحيث تكون جبهته على الحجر، نقلها شيخ الإسلام رحمه الله، وثبت وصح عن جمعٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسجدون على الحجر، بمعنى: أنهم يضعون الجبهة على الحجر، وصح هذا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله رضي الله عن الجميع، صحت عنهم بذلك الأخبار، ولذلك نص العلماء على أنه لا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك، والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم الاستلام والتقبيل، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحجر: (لولا أني رأيت رسول الله صلى عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) وهذا يدل على أن السنة والأفضل أن الإنسان يحرص على تقبيل الحجر، ويتعاطى الأسباب التي لا ضرر فيها على الناس، وهذا إنما يكون للرجال في الغالب، وأما النساء فالغالب فيهن أنهن إذا قبلن الحجر زاحمنَ الرجال وفتنّ العباد، فالأفضل لهنّ أن لا يقتربن من جهة الحجر، خاصةً وأنهنّ قد ينحرفنَ في طوافهن، فإنهنّ إذا انحرفنَ عن الطواف، وأصبح البيت عن يمين المرأة بطل ذلك، ولزمها أن تعيد من أول ذلك الشوط؛ لأنها إذا انحرفت بيدها وجاء البيت عن يمينها -كما سيأتي إن شاء الله- لم يصح ذلك منها، ولزمها أن تعود إلى أول شوطها؛ لأنه لابد وأن يكون البيت عن اليسار، وقد طاف عليه الصلاة والسلام وجعل البيت عن يساره.
ثم إذا أراد الإنسان أن يقبل، فلا يزاحم الناس ولا يؤذهم، أما لو زاحمه الغير، وصبر على أذيته فإنه أفضل؛ لما فيه من الصبر على طاعة الله، فلو كان هناك زحام فصبرت ولم تؤذ أحداً حتى تبلغ الحجر، فهذا لا شك أنه أفضل؛ لأن التعب والنصب في طاعة الله يعظم به الأجر للإنسان، وكون الإنسان يرى الزحام عليه ويتركه لغيره فلا إيثار في القُرب، فحرص الإنسان عليه لا شك أنه أفضل وأكمل، وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يترك تقبيل الحجر منذُ أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله، ما ترك استلام الركن ولا تقبيل الحجر منذُ أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم ويقبل، ولذلك لما جاءه السائل وقال له: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت إن كان عليه زحام؟ قال: (دع أرأيت باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله).
وهذا يدل على حرصه رضي الله عنه وأرضاه وحبه لهذه السنة، ولكن الإنسان لا يؤذ الغير، فإذا استطاع أن يصل إلى الحجر من دون أذية، ومن دون إضرار فلا شك أنه أفضل وأكمل، وكان ابن عمر يقرأ في الشوط الواحد ما يقرب من خمسمائة آية، وذلك لأنه يصبر على الحجر وينتظر، وقد يكون في شدة الشمس والحر، وأثر عنه رضي الله عنه أنه كان الناس يزاحمونه حتى يدمون أنفه، فيصيبه الرعاف رضي الله عنه وأرضاه، وهو صابرٌ لا يفارق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس بواجب، ولكن حبه للسنة، وحبه للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل من الصعب عنده أن يجاوز الحجر وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً فيه فيجاوزه دون أن يفعله، فهذا من باب الأفضل، ولكن إذا كان الأمر فيه مشقة، أو فيه إضرارٌ بالغير فلا؛ فإنه لا تلتمس السنن بما فيه محظورٌ شرعي، وخاصةً إذا كان على الإنسان فيه فتنة.
فالمقصود: أنه يحرص الإنسان على تقبيل الحجر، وإذا قبله فإنه يراعي الثبات في الموضع، يثبت في موضعه فيقبل، ثم بعد ذلك ينصرف حتى يستتم الطواف بالبيت في شوطه؛ لأنه في بعض الأحيان إذا قبل فإنه ربما ينحرف فيصرف بجذعه إلى ما بعد موضع الاعتداد ببداية الطواف، فحينئذٍ يلزمه أن يجعل البيت عن يساره، حتى يقع طوافه كاملاً.
ومن الأخطاء التي قد يقع فيها بعض الناس: أنه إذا جاء لتقبيل الحجر وهو في حج، أو طواف ركن عليه في عمرة، ونحو ذلك، فإنه يصعد على الحجر الذي على البيت، وهذا الحجر من البيت، فيبطل شوطه؛ لأن الحجر الذي هو الشاذروان -وهي الزيادة الموجودة في أسفل البيت من البيت- وهو مأمورٌ بالطواف بكل البيت، فصعوده على هذا الجزء من أجل التقبيل -خاصة إذا كان عليه طواف ركن- يفوّت هذا الموضع، وقد نص جماهير العلماء رحمة الله عليهم على أنه لو ترك خطوةً واحدة من الطواف لم يصح؛ لأنه عبادة كالصلاة ينبغي أن تؤدى بصفتها مثل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الجزء من البيت؛ فلابد وأن يجعله في طوافه، بحيث يطوف به كاملاً، أما لو رقى عليه، ومشى فإنه في هذه الحالة كأنه لم يطف بالبيت كاملاً لهذا النقصان.
الإشارة باليد إلى الحجر وما يقوله، وأين يكون البيت منه؟
قال رحمه الله تعالى: [فإن شق اللمس أشار إليه ويقول ما ورد].
أي: إن شق عليه اللمس أشار إليه، فيشير إليه بكفه، ويقول ما ورد، والذي ورد هو ما في مستدرك الحاكم: (اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم)، فهذا الذي ورد في الحاكم، وسامح فيه العلماء رحمة الله عليهم أن يقوله في بداية طوافه.
ثم بعد ذلك يدعو بما تيسر له من خيري الدنيا والآخرة، فيسأل الله عز وجل صلاح دينه ودنياه وآخرته، ويدعو لمن له حقٌ عليه كوالديه وذرياته وأهله وزوجه، يدعو لهم بالصلاح والخير، فيسعى بالدعاء، وسؤال الله عز وجل خيري الدنيا والآخرة.
قال رحمه الله تعالى: [ويجعل البيت عن يساره].
أجمع العلماء على أنه لا يصح الطواف إذا جعل البيت عن يمينه، مع أن اليمين أشرف من اليسار، واعتبر بعض العلماء بأن اليسار فيه القلب، وأشرف ما في الإنسان قلبه؛ لما فيه من توحيد الله عز وجل، فهو أشرف ما في الإنسان، قالوا: لذلك يكون إلى جهة اليسار لمكان القلب، فهذا اعتبار لبعض العلماء، ولكن هذه أمور تعبدية، ولا يتكلف في بحث مثل هذه الأمور أو السؤال عنها، إنما يطوف على اليسار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف عن اليسار، والشرع أمره أن يطوف بهذه الصفة المخصوصة، فيتأسى بما ورد فيجعل البيت عن يساره.
مسائل في الطواف ينبغي مراعاتها
وفي الطواف مسائل، أهمها: أن الطواف يختلف بحسب الأحوال، فتارةً يكون طواف ركن، وتارةً يكون طوافاً واجباً، وتارةً يكون طواف نافلة.
فطواف الركن: كأن يكون طواف عمرة، وكذلك طواف الركن في الحج، كطواف الإفاضة.
ويكون الطواف واجباً كطواف الوداع في الحج.
ويكون الطواف نافلةً كسائر الأطوفة التي يقصد بها التقرب إلى الله عز وجل في غير النذر.
المسألة الثانية: إذا طاف فإنه ينبغي أن يدور بالبيت كاملاً، أي: أن يدور بجسمه كاملاً بالبيت، ويشترط أن يكون هناك استقبالٌُ للبيت، قالوا: الطائف بالبيت قبلته أن يجعل البيت عن اليسار، وعلى هذا فلو انحرف أثناء طوافه فأصبح البيت عن يمينه، أو انحرف لتقبيله فأصبح البيت عن يمينه، فلابد وأن يرجع من الموضع الذي انحرف فيه، حتى يستتم طوافه بالبيت عن اليسار.
المسألة الثالثة: أن الطواف بالبيت لا يصح إلا داخل الحرم، فإذا طاف خارج الحرم -كأن يطوف خارج حدود الحرم- فإنه يبطل طوافه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:26] فهذا يدل على أن الطواف إنما يكون في المسجد، وعلى هذا إجماع العلماء رحمة الله عليهم: أن الطواف لا يصح إلا في المسجد، فلو طاف بسيارةٍ، أو طاف مثلاً بقدميه خارج بناء المسجد فإنه لا يصح طوافه بإجماع العلماء.
ولو طاف في الدور الثاني فإنه يجزيه؛ لأنه طائفٌ بالبيت، فالطواف في الدور الثاني كالطواف في الدور الأسفل؛ لأن أعلى المسجد آخذٌ حكم أسفله، ولذلك لو اعتكف إنسانٌ فصعد إلى سطح المسجد فإنه بالإجماع لم يبطل اعتكافه، ويدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (من اغتصب قيد شبرٍ من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، فجعل المحاذي من أسفل له حكم الأعلى، وكأنه اغتصب الأرض بما سفُل، قالوا: كذلك أيضاً له حكم الأعلى، وعليه قالوا: إن الإنسان إذا طاف في سطح المسجد في الدور الثالث، أو طاف في الدور الثاني فإن طوافه صحيح؛ لأنه قد طاف بالبيت داخل البيت، وهو آخذٌ حكم من هو بداخل المسجد.
عدد أشواط الطواف، وحكم النقص منها، أو الإضافة عليها
قال رحمه الله تعالى: [ويطوف سبعاً].
قوله: (ويطوف سبعاً).
أي: ويطوف سبعة أشواط كاملة، فلو انتقص منها خطوةً واحدة فإنه لم يصح طوافه حتى يتم هذه الخطوة، إذا كان في الداخل أمكنه التدارك، وإلا بطل طوافه، ولزمته الإعادة إذا خرج من المسجد.
فإذا انتقص من هذه السبعة شوطاً، أو نصف الشوط أو قدراً من شوط فإنه يقضيه ما دام في المسجد، ما لم يطل الفاصل المؤثر، وقال بعض العلماء: يجوز له القضاء ما دام في المسجد، وهذا قوي، ثم إذا لم يقضه وخرج من المسجد بطل طوافه، ولزمه أن يرجع ويعيد الطواف ويستأنف، وحينئذٍ يقولون: يتدارك ما دام في المسجد، فإذا خرج من المسجدٍ قطع التدارك ولزمه الاستئناف.
فيطوف سبعة أشواط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعة أشواط، وهذا في جميع الأطوفة، السنة فيها أن تكون سبعة أشواط.
أما في طواف الركن فلا إشكال، وكذلك الواجب، لكن لو أن إنساناً أراد أن يجمع السبع إلى سبعٍ أخرى في نافلة، كأن يطوف سبعاً؛ ومن بعدها سبعاً، ومن بعدها سبعاً، ثم يجمع ركعات الطواف سرداً وراء بعضهن، كأن يطوف السبع الأولى، ثم يتبعها بنية السبع الثانية، ثم يتبعها بالسبع الثالثة، ثم يصلي ست ركعات، فقد أُثر عن بعض السلف رحمهم الله أنه كان يرخص في ذلك، ويفتي بأنه لا حرج أن يجمع الأطوفة وراء بعضها، خاصةً حين يكون هناك عذر، كأن يكون بعد صلاة العصر أو عند طلوع الشمس أو عند غروبها في ساعة النهي المجمع عليها، ويكون طوافه نافلة، فلا يحب أن يصلي في هذا الوقت، فيطوف سبعاً ثم يطوف من بعدها سبعاً، حتى يستتم الغروب ويدخل وقت الإذن فيجمع الصلوات.
وكذلك أيضاً قالوا: قد يؤخر ركعتي المقام، كأن يطوف بعد الفجر، ويغلب على ظنه أنه إذا ارتفع النهار يفرغ الموضع الذي خلف المقام، فيريد -مثلاً- فضيلة الصلاة في هذا الموضع، فحينئذٍ قالوا: لا حرج أن يجمع السبع إلى السبع، ويضم السبع إلى السبع، ولو تكررت شفعاً أو وتراً.
الرمل في الطواف، صفته ومحله
قال رحمه الله تعالى: [يرمل الآفاقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً].
أي: يرمل الآفاقي في هذا الطواف ثلاثاً، لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم خبَّ الأشواط الثلاثة الأول، ومشى باقي الطواف)، وهذه -كما قلنا- سنة الرَّمَل، والرمل للعلماء فيه قولان: القول الأول: قال بعض العلماء: هو تقارب الخطى مع هز المناكب.
والقول الثاني: أن يباعد في الخطى ولا يصل إلى درجة السعي، ولا يهز منكبه.
وظاهر قولهم: (إنهم ينقزون نقز الظباء) -كما جاء في السير- أن هز المنكب فيه أوجَه، وهو أقوى وأدل على القوة والجلد، وكان المقصود من الرمل إظهار القوة والجلد، والسنة -كما ذكرنا- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رمل الثلاثة الأشواط الأولى في عمرة القضاء أو القضية والتي كانت بعد عام من الحديبية، فلما فتح الله عليه مكة، وجاء بعد فتحها في عمرة الجعرانة منصرفه من غنائم الطائف، اعتمر من الجعرانه صلوات الله وسلامه عليه، فخبَّ الأشواط الثلاثة كاملة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وأرضاهما، فقال العلماء: إنه لما شُرع الرمل في أول الأمر كان يمشي بين الركنين -بين الركن اليماني والحجر-، ولكن بعد أن زال السبب رمل الأشواط الثلاثة كاملة، ولذلك قال: (من الحجر إلى الحجر)، أي: أن رمله كان كاملاً صلوات الله وسلامه عليه.
فيرمل الثلاثة الأشواط الأولى متتابعة، ولا يمشي بين الركنين، وهذا هو أصح القولين، أن المشي بين الركنين منسوخ، وأن السنة إذا رمل أن يستتم الرمل للثلاثة الأشواط كاملة، فإذا فعل ذلك فهي السنة، وهذه الثلاثة الأشواط يصحبها الاضطباع كما ذكرناه.
قوله: [ثم يمشي أربعاً].
وهي الأربعة الأشواط المتبقية.
ازدحام الفضائل في الطواف وما يقدم منها
إذا كان قربك من البيت يمنعك من الرمل للزحام، وبعدك عن البيت تتمكن معه من الرمل، فهل الأفضل القرب من البيت مع فوات الرمل؟ أو البعد عن البيت مع تحصيل الرمل؟ إن هذه المسألة تعرف عند العلماء بازدحام الفضائل، وقد تزدحم الفضائل وتزدحم السنن المؤكدة، وقد تزدحم الفرائض، فقال بعض العلماء -كما اختاره ابن عقيل -: الأفضل أن يبتعد عن البيت لكي يرمل؛ لأن فضيلة الرمل مؤكدة في الطواف، حتى أوجبها بعض العلماء، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم رمل وقال: (خذوا عني مناسككم)، فقالوا: إنها متصلة بالعبادة، وفضيلة القرب من البيت متصلة بالمكان لمكان العبادة، والمتصل بذات العبادة يقدم على المتصل بزمانها ومكانها، وتوضيح ذلك أنه إذا رمل فإن الرمل متصل بذات الطواف، ومن نفس أفعال الطواف، ولكن القرب من البيت متصلٌ بالمكان -بمكان العبادة- فاختار بعض العلماء أنه يبتعد من البيت للرمل، وهذا ما يميل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وأشكل على هذا القول أنهم قالوا: لو قلنا بهذا -أي: تفضيل ما اتصل بالعبادة على ما اتصل بمكانها- لساغ للرجل -كما يقول ابن عقيل رحمه الله تعالى- أن يتأخر عن الصف الأول لفضيلة التورك! فإن الإنسان في الصف الأول في الرباعية لا يستطيع أن يتورك، فالتورك فضيلةٌ متصلةٌ بالعبادة ذاتها، والصف الأول فضيلةٌ متصلةٌ بالمكان، فقالوا: لو قلنا بهذا فإنه يلزم -بناءً عليه- أن يتأخر إلى الصف الثاني، ولم يقل أحد: إنه يشرع التأخر إلى الصف الثاني من أجل التورك.
وقد أجاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن هذا بأجوبة نفيسة.
أولها: أن الصف الأول من اللازم على المكلف أن يتمه بخلاف القرب من البيت، ولم يرد النص بالقرب من البيت وتأكُّدِ القرب أو الدعوة إليه، وإنما هو فُضِّل بصورة العبادة، وفرقٌ بين ما ورد النص به، كما قال عليه الصلاة والسلام: (يتمون الصف الأول فالأول)، ونص العلماء على أنه لو رأى في الصف الذي أمامه فرجة قبل إحرام الصلاة ولم يسدها أنه آثم؛ لأنه ترك المأمور، ولذلك قالوا: إنه يأثم بتأخره عن هذه الفرجة، بخلاف القرب من البيت.
الأمر الثاني: أن الصلاة متصلةٌ بالجماعة في المسجد، فلابد من إكمال الصفوف، فاتصل الناس بعضهم ببعض، ولكن الطواف ليست له صفةٌ معينة تعين على الناس أن يتصل بعضهم ببعض، فقال: إن هذه الفضيلة -أعني: فضيلة البعد عن البيت مع الرمل- آكد من فضيلة التورك في الصف الأول، فقالوا: يترك التورك في الصف الأول ولو أنه متصل، ويكتب له أجره بالنية.
استلام الركن، وماذا يفعل من عجز عنه؟
قوله: [يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة].
يستلم الحجر والركن اليماني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الركن اليماني، وهل إذا عجز عن استلام الركن اليماني يشير إليه أو لا؟ جمهور العلماء على أنه لا يشير إذا عجز عن استلامه، وأنه يكفيه أن يقول الدعاء بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:201]، وأنه لا يشير بيده وإنما تختص الإشارة بالحجر.
وقال بعض السلف -وهو أيضاً عن الإمام مالك إمام دار الهجرة- إنه لا بأس أن يشير بيده إذا عجز؛ لأن كلا الركنين من البيت، ولما عجز عليه الصلاة والسلام عن استلام الحجر أشار بيده صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لم يثبت عنه أنه عجز عن استلام الركن اليماني، فقالوا: إنه يغتفر في هذا لو أشار بيده.
والأمر ما دام أن له وجهاً، وقال به بعض السلف فهو خفيف، فلو أنه أشار بيده لا ينكر عليه، ولكن قالوا: الأفضل والأكمل أنه لا يشير بيده، فإن أشار بيده فلا بأس، فيستلم الركن بيده، فإن لم يستطع لزحامٍ، ونحوه تركه كما ذكرنا.
مما يبطل به الطواف فعلاً أو تركاً
قال رحمه الله تعالى: [ومن ترك شيئاً من الطواف، أو لم ينوه، أو نسكه، أو طاف على الشاذروان، أو جدار الحجر، أو عريان أو نجس لم يصح].
قوله: [ومن ترك شيئاً من الطواف].
في هذه الجمل يشير المصنف إلى أمورٍ لابد من توفرها للحكم بصحة الطواف.
أولها: أن الطواف لابد وأن يكون كاملاً، فإذا ترك شيئاً من الطواف -وشيئاً نكرةٌ- لم يصلح طوافه، فلو ترك -كما قالوا- خطوةً واحدة فإنه حينئذٍ لا يصح ذلك الشوط حتى يتم هذه الخطوة، فإذا لم يتمها بطل طوافه كله إن خرج من البيت، ولزمته الإعادة كما ذكرنا.
والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف السبعة الأشواط كاملةً، وعليه فإنه إذا انتقص شيئاً منها لم يطف كما أمره الله تعالى، ويلزمه حينئذٍ قضاء هذا الشوط، أو التدارك إذا أمكنه التدارك.
ويحصل التدارك لو كان الشخص -مثلاً- في آخر شوط، وبدل أن ينتهي مقابلاً للحجر انصرف قبل أن يستتم الطواف، فبقيت له خطوتان، أو ثلاث، أو أربع، فحينئذٍ يرجع من الموضع الذي انصرف منه ثم يتمه، فإذا فعل ذلك صح طوافه، وأما إذا لم يرجع، ولو كان القدر خطوة واحدة -كما ذكرنا- فإنه حينئذٍ يبطل الطواف إن خرج من البيت.
قوله: [أو لم ينوه].
من شروط صحة الطواف: النية، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:2]، والطواف بالبيت من العبادة والقربة، ولا يمكن له أن يتحقق إلا بالنية، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، أي: إنما اعتبار الأعمال وصحتها بالنية، فإذا لم ينو الطواف لم يصح طوافه، أي: لم يصح على الوجه الذي يريده، فلو دخل لطواف عمرة، أو دخل لطواف ركن في الحج ناسياً، فحينئذٍ لا يجزيه ذلك، وتلزمه الإعادة.
قوله: [أو نسكه].
كشخصٍ أحرم إحراماً مبهماً، ولم يعين إحرامه قبل الطواف بالبيت؛ لأنه يصح -على أحد أقوال العلماء كما اختاره المصنف وغيره- أن يحرم بالعمرة والحج إحراماً مبهماً، ثم يعين قبل أن يبتدئ الطواف، فإذا ابتدأ الطواف ولم يعين فحينئذٍ لا يقع طوافه عن الفرض، ويبطل فرضاً، ويلزمه أن يعيده بعد تعيينه.
قوله: [أو طاف على الشاذروان].
هي قمة قدرها ثلاثة أذرع ارتفاعاً من الأرض من البيت، وهي من البيت، ولابد لهذا القدر أن يطوف الإنسان عليه بجسمه، بحيث لو رقى عليه فإنه لم يستتم الطواف على الوجه الشرعي، فلا يصح طوافه من هذا الوجه.
قوله: [أو جدار الحِجْر].
طبعاً الحجر ليس كله من البيت، وإنما قيل: قدر ثلاثة أذرع، فلابد أن يكون طوافه من وراء الحجر، فلو دخل بين الحِجْر وبين الكعبة لم يصح طوافه.
وقال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه: يصح طوافه، والصحيح أنه لا يصح، كما هو مذهب الجمهور، والدليل على أنه لابد وأن يطوف من ورائه: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:29]، فقال: (بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، أي: القديم، إشارةً إلى أن العبرة ببناء إبراهيم عليه السلام، فلما تركت قريش من البيت قدر هذا، وهو من البيت، فإن جاء الطائف وطاف فيما بين هذا القدر بين الحجر وبين البيت، فإنه لم يطف بالبيت العتيق الذي هو بناء إبراهيم عليه السلام، الذي وضع بناءه عليه، وإنما تقاصرت النفقة بقريش، فكان بناؤها ناقصاً.
فإذا طاف فإنما طاف بالبيت بالبناء، ولم يطف بالبيت العتيق، وعلى هذا قالوا: إن الله عز وجل نص على (العتيق)؛ تنبيهاً على استتمام الطواف بالبيت على ما كان عليه من بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
قوله: [أو عريانٌ].
أي: إن طاف بالبيت عريان، فإنه لا يصح طوافه، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه بعث مناديه ينادي -في سنة تسع-: ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عُريان.
فلا يصح الطواف بالبيت والإنسان عارٍ، بل لابد من أن يكون مستتراً، فإذا طاف عارياً لم يصح طوافه.
وعلى هذا فلو انكشفت عورته أثناء الطواف ففيه تفصيل: قال بعض العلماء: إن انكشفت وتدارك؛ لغلبة الناس والحطمة والزحام، كأن تكون حطمةٌ من الناس وغلب على أمره، أو كان ضعيفاً، أو مريضاً فغلب على أمره، فانكشفت عورته أثناء الطواف، وتدارك فستر مباشرةً بعد الانكشاف، صح طوافه ولم يؤثر.
وأما إذا ترك وتساهل، فإنه لا يصح طوافه كما ذكرنا، فلا يصح طوافه بالبيت إلا إذا استتر، فلابد وأن يكون ساتراً لعورته.
قوله: [أو نجس لم يصح].
هو في الحقيقة (متنجساً)؛ لأن المؤمن لا ينجس، أي: إن طاف بالبيت متنجساً؛ لأن المؤمن لا ينجس، ولكنهم يقولون: والحال أنه نجس، أو وهو نجس، لكن على العموم فلفظ (متنجس) أنسب؛ لأن المؤمن لا ينجس، وإنما يقال: متنجس.
والمتنجس: هو الذي عليه نجاسة في ثوبه، أو بدنه، فإذا كان في ثوبه نجاسة كرعافٍ، أي: إن رعفَ الدَمَ فنزل على ثوبه الذي هو إحرامه، أو نزل الدم على بدنه نفسه، فحينئذٍ لا يصح طوافه، إلا إذا كان معذوراً، كالشخص الذي معه الدم مسترسل، أو كان قدر الدم في حال العذر وهو ما دون الدرهم، أي: قدر الهللة القديمة فما دونها فهو معفوٌ عنه، فإذا كان الدم متفرقاً أو مجتمعاً بقدر الدرهم البغلي -وهو الدرهم الذي كان موجوداً في القديم، يقال له: البغلي، وهو يعادل الهللة القديمة الصفراء، وأقل من القرش الموجود في زماننا بقليل- فهو معفو عنه، فلو طاف وعليه هذا القدر فإنه بالإجماع يصح طوافه؛ لأن اليسير من الدم مستثنى إجماعاً.
أحكام ركعتي الطواف
قال رحمه الله تعالى: [ثم يصلي ركعتين خلف المقام].
أي: إذا انتهى من طوافه صلى ركعتين خلف المقام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه، جاء إلى المقام، وصلى عليه الصلاة والسلام ركعتين، قال تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125] فقوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) قيل: هو المقام، والسنة لكل من طاف بالبيت أن يصلي خلفه، ويجعله بينه وبين البيت، فقد كان المقام في القديم متصلاً ملتصقاً بالبيت، ثم نظراً لوجود الأذية بالطائفين في الزحام أُخِّر عن البيت، فإذا صلى وجعل المقام بينه وبين البيت، فهذه هي السنة، فلو كان هناك زحام حول المقام فإنه يتأخر، حتى ولو في أروقة المسجد، فيجعل المقام بينه وبين البيت.
وقال بعض العلماء: إذا تأخر بحيث لا يستطيع أن يصلي في جهة المقام إلا في الأروقة فالأفضل أن يصلي في صحن المسجد، ولا يتأخر إلى الأروقة، والسبب في ذلك أن قديم المسجد أفضل مما هو بعد؛ لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:108]، خاصةً وأن هناك قولاً يقول: إن المقام هو مكة كلها، فإذا كان مصلياً، أو صلى في أي موضع من مكة أجزأه، لذلك يقولون: إنه يصلي في أي مكان من صحن المسجد، والأفضل والسنة أن يجعل المقام بينه وبين البيت على ظاهر السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فيصلي هاتين الركعتين، يقرأُ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد)، وهما سورتا الإخلاص؛ لاشتمالهما على أعظم الأشياء وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى، التي من أجلها أنزل كتبه، وأرسل رسله، وهو توحيد الله عز وجل، ولذلك قرأها عليه الصلاة والسلام في صلاته كما ثبت في الحديث الصحيح عنه، يقرأ في الركعة الأولى (قل يا أيها الكافرون)، وهي براءة من عبادة غير الله عز وجل، ومن كل دينٍ سوى دين الله، ويقرأ في الثانية بـ (قل هو الله أحد) التي جمعت مقاصد التوحيد، ففيها النفي والإثبات، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:1 - 2] هذا إثبات، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:3 - 4] هو النفي، وهذا هو أصل شهادة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ لأنها تشتمل على النفي، وعلى الإثبات، وهما أساس التوحيد.
ولا شك أن الحج والعمرة إنما شرعهما الله تعالى من أجل توحيده، فهذه المشاعر والمناسك ما أوجدها الله تعالى إلا من أجل الدلالة على التوحيد، ولذلك يقرأ الإنسان بهاتين السورتين، ويحرص على قراءتهما مستشعراً لمعانيهما العظيمة؛ لأن المقصود من حجه وعمرته أن يرجع بزاد التوحيد والإخلاص لله عز وجل، وينظر كيف أن هذه البنية أمر الله بالطواف بها، ولو طاف بغيرها فإنه لا يجوز، ومحرمٌ عليه، وقد يصل إلى الشرك والعياذ بالله، وهذا يدل على أنه عبدٌ مأمور تحت أمر الله عز وجل، وتحت حكمه، لا يقدم ولا يؤخر إلا بأمر الله سبحانه وتعالى، فيقرأ بهاتين السورتين العظيمتين مستشعراً لما فيهما من معاني التوحيد، وإخلاص العبادة لله عز وجل.
الأسئلة
إدراج نية ركعتي الطواف مع نية السنة الراتبة
السؤال
هل تندرج ركعتي الطواف تحت السنن الرواتب؟
الجواب
لقد اختلف في ركعتي الطواف، فقال بعض العلماء: إنها واجبة إذا كانت في طوافٍ واجب، كأطوفة الركن، والأطوفة الواجبة في النذر، وطواف الوداع، ونحوها، وحينئذٍ لا تندرج؛ لأن الواجب لا يندرج تحت السنة كما لا يخفى.
وعلى القول بأنها ليست بواجبة، فحينئذٍ يسوغ أن يقال باندراجها من جهة كون المقصود أن يقع تنفله بين أذان الظهر وإقامته بالأربع، فإذا صلاها ناوياً الركعتين القبلية في الظهر من الأربع، أو الركعتين البعدية في الظهر من الأربع ساغ ذلك وأجزأه، والأولى ألا يفعل ذلك والله تعالى أعلم.
حكم الإشارة باليد إلى الحجر عند الفراغ من الشوط السابع
السؤال
إذا انتهى الطائف من طوافه في الشوط السابع، فهل يسن له أن يرفع يده مشيراً إلى الحجر؟ أم يمضي ولا يشير؟
الجواب
هذه المسألة مبنية على مسألة المحاذاة للحجر: فهل الإشارة عند المحاذاة للحجر من أجل المحاذاة أو من أجل استفتاح الطواف؟ فقال بعض العلماء: المحاذاةُ عند ابتداء الحجر من أجل استفتاح الطواف، كرفع اليدين للتكبير استفتاحاً للصلاة، فكلما استفتح طوافاً يرفع يديه، وعلى هذا الوجه فإنه إذا أتم الطواف لا يرفع يديه.
وعلى هذا الوجه أيضاً أنه إذا رفع يديه عند مواجهة الحجر إنما ينوي بها أن يكون استفتاحاً لطوافه.
وأما الوجه الثاني فقالوا: إن رفع اليدين شرع من أجل أن يكون بدلاً عن استلام الحجر، فإذا كان الإنسان يستطيع استلام الحجر، أو تقبيله، فحينئذٍ لا يشير، وأما إذا لم يستطع تقبيله، ولا استلامه فإنه يشير بالمحاذاة، وعلى هذا الوجه ففي آخر الشوط السابع إن استلم فإنه لا يشير، وأما إذا لم يستلم فإنه يشير لمكان المحاذاة، وهذا يشهد له قوله: (كان يستلم الحجر، فإذا لم يستطع استلمه بمحجنٍ فقبله، فإذا لم يستطع أشار بيده)، فجعله مركباً على المحاذاة عند عدم الاستطاعة للتقبيل والله تعالى أعلم.
حكم الطهارة في الطواف
السؤال
ما حكم الطهارة في الطواف؟
الجواب
تجب الطهارة للطواف على أصح قولي العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين كما في الصحيحين، لما نفست وحاضت، وقال: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت).
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما والذي اختلف في رفعه ووقفه وصح موقوفاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بالبيت الصلاة)، فقوله: (الطواف بالبيت الصلاة) يدل على أنه آخذ حكم الصلاة، ولذلك لا يطوف وهو متلبسٌ بنجاسة، وكذلك أيضاً يطوف وهو مستقبلٌ للبيت بالصفة التي ذكرناها، فقالوا: إنه يشترط له الطهارة، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قالوا فيه: قد صح موقوفاً، وإذا صح موقوفاً، فإن ابن عباس رضي الله عنهما -وناهيك به علماً وفقهاً في الدين- دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، وهو قول صحابي جليل له مكانته في الفقه، مع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة في حديث عائشة وذلك يقوي القول القائل بوجوب الوضوء للطواف بالبيت.
ومما يؤكد هذا: أن الطواف بالبيت تتبعه أو يكون بعده صلاة الركعتين، ولا يمكن أن إنساناً يطوف بالبيت وهو محدث، ثم يذهب ويتوضأ من أجل أن يصلي الركعتين، فيفصل بين طوافه وسعيه بهذا الفعل الغريب، ولذلك قالوا: إنه إذا لم تدل الأدلة الصريحة فإن القرائن تقوي القول القائل بأنه لابد من الطهارة للطواف بالبيت والله تعالى أعلم.
طواف حامل النجاسة
السؤال
من طاف بالبيت وهو يحمل النجاسة، كمن يحمل طفلاً صغيراً قد أحدث، فما حكم طوافه؟
الجواب
أما بالنسبة لحمل الطفل، فحمل النجاسة يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن تتصل بالندى، كأن يكون حاملاً لطفلٍ فبال الطفل فندى على لباس الإنسان، فحينئذٍ يتنجس مَنْ حَمَله، وعلى هذا يحمل حديث فاطمة رضي الله عنها لما أتت بابنٍ لها صغير وأجلسته في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فبال على الرسول صلى الله عليه وسلم فرشه بماء، فهذا يدل على أن النجاسة تسري بالندى والرطوبة.
وإذا كانت على هذا الوجه تكون النجاسة مؤثرة، ولا يصح له الطواف إذا حمله وبال وسرى البول إليه، ولابد له أن يتطهر، فينحرف عن الطواف، ويغسل ما به من علاقة النجاسة ويبني على ما مضى من طوافه، ولا حرج عليه في ذلك كما لو رعف في صلاته.
وأما الصورة الثانية فهي: أن تكون النجاسة منفصلة، كأن يحمل طفلاً وفيه نجاسةٌ كبولٍ، ولكنه في حفاظةٍ، أو نحو ذلك، فلا تسري من المحمول إلى من يحمله، فهذه فيها خلافٌ معروف: هل حمل النجاسة يؤثر أو لا؟ فقال بعض العلماء: من حمل النجاسة فإن صلاته صحيحةٌ، إذا لم يكن ندىً ولا رطوبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة، والغالب في الصبية ألا تسلم، فقالوا: نظراً للغالب أنها لا تسلم وقد حملها عليه الصلاة والسلام.
وقال بعض العلماء: حمل النجاسة يؤثر، فإذا لم تكن لها رطوبة، وحملها الإنسان واتصلت به وكانت على عاتقه، أو على رأسه، أو حملها بين يديه وصدره، فإنها تؤثر، والاحتياط ألا يفعل ذلك، إلا في حالة الاضطرار والحاجة، فلو حمل صبياً لا يستطيع أن يتركه، ويخاف عليه أن يؤذى، أو يخاف عليه أن يؤخذ، فحينئذٍ يصح له أن يطوف وهو حاملٌ له، مع وجود نجاسته لمكان الضرورة، كالمستحاضة إذا غلبها الدم، ولم تستطع أن تنفك عنه والله تعالى أعلم.
مكان استئناف الشوط بعد قطعه لنحو أداء الصلاة
السؤال
إذا أوقف الطواف لأداء الصلاة، فهل يعيد الشوط من جديد؟ أم يبدأ من مكانه؟
الجواب
إذا قطع الطواف من أجل الصلاة فحينئذٍ يصلي ثم يعود، وللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يرجع إلى بداية الشوط، ويعيد هذا الشوط الذي قطعه ولو بقيت منه خطوة؛ لأنه ألغي بالفصل.
ومنهم من يقول: يرجع للموضع الذي قطع منه، وهذا هو الأصح والأقوى، والسبب في ذلك أن قول أصحاب القول الأول -الذين يقولون بإلغاء الشوط- ضعيف؛ لأنهم لو قالوا بهذا المعنى للزمه أن يعيد الطواف كله، فكونهم يقولون: يعود من أول الشوط، في حين يبقون بقية الأشواط، ويرون الفاصل غير مؤثر، يلزمهم ألا يلغوا ما مضى من الشوط، فكما أنهم لم يلغوا ما مضى من الأشواط يلزم منه ألا يُلغى ما مضى من الشوط نفسه؛ لأن الأجزاء تأخذ حكم ما تقدمها من الأشواط، فإذا قلت: إنه فاصلٌ مؤثر، أثر على الاثنين، أما أن تقول: فاصلٌ مؤثرٌ في الشوط، وغير مؤثر على بقية الأشواط، فهذا تفصيلٌ بدون دليل، وعلى هذا فإنه إذا قطع أثناء الشوط فإنه يعيد من الموضع الذي قطع منه، لكن الأفضل والأكمل أن يعيد من أول الشوط والله تعالى أعلم.
الفصل بين الطواف والسعي
السؤال
ما حكم الفصل بين الطواف والسعي؛ لقضاء حاجةٍ من حوائجه؟
الجواب
هذه المسألة في الحقيقة كنت أتورع عنها ولا زلت، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما فصل بين طوافه وسعيه، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان الإنسان يريد السنة إذا اعتمر، أو أدى عمرته، فإنه لا يفصل، هذا إذا كان الفاصل بالخروج من المسجد، أما إذا كان الفاصل في داخل المسجد كأمر احتاج إليه، واضطر إليه ولم يتباعد، فالأمر يسير، كشخصٍ -مثلاً- بعد الطواف تعب والده، أو تعبت والدته، أو تعب أولاده، وجلس معهم يرفق بهم، وييسر لهم، أو احتاجوا في داخل المسجد أن يسقيهم، أو نحو ذلك، فالأمر يسير، لكن أن إنساناً يطوف، ثم يذهب ليستريح في نزله، فيطوف في أول النهار، ويأتي في آخر النهار يسعى، أو يطوف في أول النهار، ويأتي من اليوم الثاني يسعى، فتقصده هذه المخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوقف فيه، وكان بعض العلماء يرى أن الطواف يلغى، ولابد من صلة الطواف بالسعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بعد طوافه، ولم يفصل بين طوافه وسعيه إلا بأمرين: أحدهما شربه لزمزم كما جاء في مسند الإمام أحمد.
والثاني: صلاته صلوات الله وسلامه عليه للركعتين مع تقبيله للحجر بعدها، هذا هو السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفاصل، ولكنه فاصل من جنس العبادات، وحتى شربه لزمزم إنما هو من العبادة؛ لأنه قصد به العبادة، وعلى هذا فإن الذي يظهر -والعلم عند الله- أنه يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا يفصل والله تعالى أعلم.
الدعاء على الصفا والمروة
السؤال
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو وهو على الصفا والمروة دعاءً طويلاً، ولكن هل يحصل تحقيق السنة بذلك القدر الطويل؟ أم يحصل بمجرد الدعاء، ولو لفترةٍ وجيزة، لاسيما عند الزحام؟
الجواب
في الحقيقة السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قرب من الصفا تلا الآية، ثم صعد وكبر، ثم هلل قائلاً: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
ثم دعا، ثم رجع ثانيةً وكبر ثلاثاً، وهلل ودعا، ثم رجع ثالثةً وكبر ثلاثاً، وهلل ودعا، فأصبح تكبيره تسعاً، وتهليله ستاً، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، هذه هي السنة المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفعل على المروة مثل ما فعل على الصفا، وهذا الموضع كان بعض أهل العلم يقول: إنه من المواضع الفاضلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحرى فيه الدعاء، وأكثر فيه الدعاء، وجعل فيه أفضل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، بالثناء على الله عز وجل بتوحيده وتهليله سبحانه وتعالى.
وقد فرج الله عز وجل عن هاجر في هذا الموضع -الذي هو بين الصفا والمروة-، وهي تسعى وتسعى، فقال: يجتهد في هذا الموضع قدر استطاعته، ويطيل.
وكان بعض العلماء من مشايخنا -رحمة الله عليهم- ربما يجلس فوق نصف الساعة إلى قرابة الساعة على الصفا، وعلى المروة مثله، حتى نجلس الساعات الطويلة وهو في سعيه، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:35].
فمن يعرف فضل وشرف الوقوف بين يدي الله، ويجد لذة مناجاته، وحلاوة سؤاله سبحانه وتعالى، والتذلل له جل وعلا، لا شك أنه لا يسأم ولا يمل، حتى يحس أن ألذ الساعات، وأشرفها عنده حين يقف بين يدي الله عز وجل.
فإذا استشعر الإنسان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرص على تطبيقه، وجد قيمة لذة عمرته، ووجد لها الأثر، ووجد أنه يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسير على نهجه، ويقتفي أثره؛ فتصيبه الرحمة، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، ولذلك من اتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبادته فإنه يُهدى، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158].
فمن حرص على اتباع السنة، والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، كملت هدايته على قدر كمال متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولكن الناس -إلا من رحم الله- أصبحوا ينظرون إلى هذه العبادة نظرة شكلية، فتجد الإنسان يحمل هم منزله ويحمل هم طعامه وشرابه، وساعة خروجه، وساعة دخوله، وتؤقت الأشياء توقيتاً، كأن الإنسان يريد أن يخرج من هذا، وكأنه في سجن أو نحوه، من الضيق والهم، وكأنه يريد أن ينتهي من عمرته، وهذا لا يليق، بل الذي ينبغي للإنسان إذا جاء أن يستشعر أنه ما تغرب عن أهله، ولا ولده، إلا من أجل ذكر الله عز وجل، وأن الله تعالى بلغه، والله أعلم كم من قلوبٍ احترقت بالشوق والحنين لرؤية البيت، فضلاً عن الطواف به، والسعي بين الصفا والمروة، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، فالتقمتهم بحار، وذهبوا في الفيافي والقفار، وأدركتهم المنايا فيها قبل أن يصلوا إلى هذه الأمنية العزيزة، والله بلغك، ويسر لك وسهل، وأعطاك المال، وأعطاك الصحة والعافية والأمن والأمان، وأنت في نعم الله ترفل صباح مساء، فإذا جئت لذكره أحسست وكأنه ثقيل، وكأن فيه عناءً عليك، ولا شك أن هذا من الحرمان، نسأل الله السلامة والعافية.
فينبغي على الإنسان أن يجتهد قدر استطاعته وقوته في ذكر الله عز وجل على الصفا، وسؤال الله عز وجل.
وما يدريك؟! فلعلك أن تصيب باباً في السماء مفتوحاً فتستجاب دعوتك، وتفرج كربتك، وتكفى همك، وترجع وقد جبر الله كسرك، ورفع درجتك، وغفر ذنبك، فهذا لا شك أن الإنسان إذا استشعره هان عليه أن يطيل الوقوف، وأن يتلذذ بمناجاة الله عز وجل.
ويروى عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أنه كان له مطمعٌ أن يخطب إلى عبد الله بن عمر ابنته رمانة، فجاءه وهو يطوف بالبيت، فانتظر حتى دخل في شوطه فدخل معه، وحدثه بما يريد، فلم يجبه ابن عمر رضي الله عنهما بشيء، ولم يكلمه، وكأنه لم يسمع ما يقول، فلما انتهى عروة رضي الله عنه من كلامه، ورأى ما رأى من ابن عمر رضي الله عنهما، ظن أن ابن عمر لا يريد أن يزوجه، فمضى وهو منكسر الخاطر، حتى إذا رجع إلى المدينة مرض ابن عمر، فجاء عروة يزور ابن عمر، فقال له ابن عمر: إنك قد سألتني أن تنكح رمانة، أكما أنت -أي: أنيتك على ما هي-؟ قال: نعم.
فدعا بابني عمٍ له، وعقد له عليها، وقال: (إنك قد سألتنيها في مقامٍ يتراءى للعبد ربُه).
ومراده بذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، يعني: في هذا المقام وأنا مقبلٌ على الله في الطواف ليس المقام مقام زواج، ولا بحديث زواجٍ، ولا غيره، فكانوا إذا أقبلوا على الطواف، وعلى الذكر، وعلى العبادة يقبلون بقلوبٍ كاملة، وقوالب كاملة، تستشعر لذة مناجاة الله سبحانه وتعالى، وحلاوة ذكره، فإذا وجد الإنسان هذا الاستشعار أطال الدعاء، ولم يسأم ولم يمل.
وأيوب عليه السلام لما نزل إليه رجل جراد من ذهب، وهو يجمع، فقال الله تعالى: ألم أغنك من رحمتي؟ قال: (ربي! لا غنى لي عن بركاتك).
فأنت في موضع مبارك، في موضع تستجاب فيه الدعوة، وما يدريك أنك واقف في الموضع الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما يدريك أنها ساعة تستجاب فيها الدعوة، أو تفتح لها أبواب السماء؟ فعندها إذا استشعر الإنسان مثل هذا انشرح صدره، واطمأن قلبه، وكمال اللذة والسرور، والبهجة والطمأنينة، وسعادة الدنيا، لحظة مناجاة الله عز وجل؛ لأن الله جل وعلا جعل العبد في كبد، وفي هم وغم، فلا يزول همه، ولا يذهب غمه إلا إذا أقبل على الله عز وجل، فإذا أقبل على الله أحس أن الهموم تتبدد عنه، وأن الغموم تزول عنه، وأنه في سعادة، وفي أنس، وفي بهجة.
نسأل الله بعزته وجلاله أن يذيقنا حلاوة مناجاته، ولذة مناجاته، والأنس به سبحانه وتعالى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
باب دخول مكة [2]
إن الله تعالى شرع لنا أن نؤدي العبادة بكيفية معلومة لا يقبل العمل بغيرها، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى، ولهذا يجب على المسلم أن يعرف هيئات العبادات وكيفياتها، ومن جملة ذلك معرفة كيفية القيام بالسعي بين الصفا والمروة مشياً وسعياً وذكراً ومسافة وابتداءً وانتهاءً، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالسعي.
استلام الحجر بعد الركعتين، والسعي بين الصفا والمروة
الشرب من زمزم، ثم استلام الحجر إذا تيسر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: ثم يستلم الحجر ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً، ويقول ما ورد].
ما زال المصنف رحمه الله يبين جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بنسك الحج والعمرة، فبين أن الهدي فيمن أتم طوافه بالبيت، وصلى الركعتين أن يستلم الحجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته ثبت عنه أنه شرب من زمزم، ثم استلم الحجر ومضى إلى الصفا، فبين رحمه الله أنه بعد انتهائه من الصلاة، وفراغه من طوافه، واستتمامه للركعتين يستلم الحجر، فإن تيسر له فالحمد لله وقد أصاب السنة، والأجر أعظم، وإن لم يتيسر له فليس ذلك بشيء واجب، فيمضي إلى الصفا.
متى يكون السعي؟
والسنة أن يقع سعيه بين الصفا والمروة عقب طوافه بالبيت، ولا يكون هناك فاصل مؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع، وفي عُمَره أنه كان بعد فراغه من ركعتي الطواف يمضي إلى الصفا، ولم يثبت عنه أنه فصل بين طوافه صلوات الله وسلامه عليه وصلاته بعد الطواف وبين السعي بين الصفا والمروة، ولذلك نص العلماء على أنه ينبغي أن يصل سعيه بين الصفا والمروة بطوافه بالبيت.
الخروج إلى الصفا والأفضلية في باب دخوله
قوله: [ويخرج إلى الصفا من بابه فيرقاه حتى يرى البيت].
أي: يخرج إلى الصفا، وهو الجبل الأيمن إذا استدبر الإنسان الكعبة، فالجبلان أيمنهما إذا استدبرت الكعبة هو الصفا، والأيسر هو المروة، والصفا: هو الحجر الأملس، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج إلى الصفا، وقول المصنف: (من بابه)، فهذا ليس بواجب، وإنما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا قصداً، وعليه فإنه لو خرج من أي الأبواب أجزأه، والآن أصبح مكان السعي بين الصفا والمروة ليس بينه وبين البيت جدار، وإنما هناك الفتحات المعروفة، فمن أيها دخل فإنه لا حرج عليه، ولكن السنة: أن يكون من آخرها حتى يستقبل البيت؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الرقي على الصفا، حكمه والأذكار الواردة فيه
قوله: [فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً].
أي: يرقى على الصفا؛ لأنه لا يستتم السعي بين الصفا والمروة إلا إذا رقى على الصفا، ورقى على المروة، حتى يصدق عليه أنه قد سعى بينهما وتطوف بهما، وأما لو كان سعيه بين الصفا والمروة دون الجبل فإنه لا يجزيه إذا لم يرق طرف الجبل.
وقوله: (يرقاه)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رقى الصفا، يقال: (رقى الجبل) إذا صعد عليه، والسنة للرجال الصعود، وأما بالنسبة للنساء فيجتزئن بأقل الموضع، ولا يصعدن إلى الأعلى؛ لما فيه من التكشف والظهور أمام الناس، وكلما كُنَّ بين الناس كان أستر لهن، ولذلك نص العلماء على أن هذا الموضع من المواضع التي يختلف فيها الحكم بالنسبة للرجال والنساء، فالمرأة تجتزئ بأطراف الصفا وبأطراف المروة، والرجل يصعد إلى الصفا، ويصعد إلى المروة، وكذلك الرجل يرمل في طوافه وسعيه بين الصفا والمروة، والمرأة لا ترمل وإنما تمشي؛ لأنها إذا رملت تكشفت، وعلى هذا فإن الصعود سنة للرجال وليس بسنة للنساء، والهدي أن المرأة تختصر بأقل أطراف الجبل، ثم تمضي لوجهها.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة أنه قبل أن يصعد الصفا خرج من باب بني شيبة، ثم بعد ذلك قرأ الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158]، (وقال: أبدأ بما بدأ الله به)، ولذلك قال العلماء: فيه دليل على أن البداءة بالسعي لا تكون إلا بالصفا، فلو ابتدأ بالمروة لم يجزئه ذلك، ولم يحتسب شوطه الذي بين المروة والصفا، فلابد في البداية أن تكون من الصفا، فيقرأ الآية قبل صعود الصفا؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبتدئ بما بدأ الله به وهو الصفا.
فقوله: [فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد].
أي: يرقى على الصفا، وكان من هديه صلوات الله وسلامه عليه: أنه إذا صعد النشز من الأرض، كالجبال والهضاب والأماكن العالية كبر الله، وإذا نزل إلى الوديان والوهاد سبح الله، وهذه هي السنة؛ لأن الله يذكر على كل شرف وعالٍ، فإذا علا ناسب أن يقول: (الله أكبر)، فهو سبحانه أكبر من كل شيء، وناسب أن يعظم الله، وأن يذكر الله عز وجل بالتعظيم والإجلال، وهذا من الذكر المناسب للحال.
استقبال البيت على الصفا، وما يقوله من أذكار
فالنبي صلى الله عليه وسلم كبر على الصفا ثلاثاً.
والسنة أنه يستقبل البيت، قال العلماء: ثبتت الأحاديث الصحيحة كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في منسك النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رقى الصفا واستقبل البيت)، ولذلك أجمع العلماء على أن السنة أن يستقبل البيت حتى يراه، ويجعله قبل وجهه، وهذا كما ذكر بعض العلماء -تنبيه على التوحيد، وإخلاص العبادة لله عز وجل، قالوا: وكما أنه إذا صلى جعل البيت قبلته، وإذا طاف بالبيت جعل البيت قبلته من جهة كونه يجعل البيت عن يساره، كذلك إذا سعى بين الصفا والمروة فرقى جبل الصفا، أو رقى جبل المروة، فإنه يستقبل البيت بالدعاء والمسألة والتضرع والابتهال لله سبحانه وتعالى.
وقالوا: إنه تأكيد للتوحيد، فإنه يتوجه إلى البيت، ويوحد الله عز وجل، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه ابتدأ دعاءه بالتكبير ثلاث مرات: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، وهذه رواية الصحيح، وفي رواية للنسائي: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
يقول بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على الصفا، فدعا الناس إلى توحيد الله لما أمره الله عز وجل أن يبلغ رسالة الله، وأن يؤدي أمانته، فأُمر بالجهر بالدعوة، فنادى في قريش فعمم وخصص، ثم دعاهم إلى التوحيد فقال: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) فقال له أبو لهب: تباً لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:1] الآيات.
قال العلماء: كُذِّب عليه الصلاة والسلام على الصفا والمروة، وعلى رءوس الأشهاد؛ لأنه وقف أمام قريش عامها وخاصها، وإذا به في حجة الوداع أمام مائة ألف من أمته وأصحابه، كلهم يقول: كيف يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما كان منه إلا أن أثنى على الله تعالى بما هو أهله، فقال: (لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، فأنجز الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما وعده، ونصره وأعزه وأكرمه صلوات الله وسلامه عليه، ورفع ذِكْره، وأبقى له رفعة الذكر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل رفع له ذكره، حتى في يوم يجمع فيه الأشهاد، فيكون عليه الصلاة والسلام فيه الشافع المشفع، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، فقال: (لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
ثم استفتح بالدعاء عليه الصلاة والسلام، فسأل الله عز وجل المسألة، ثم رجع وقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا، ثم رجع عليه الصلاة والسلام فكبر).
عدد مرات التكبير والتهليل والدعاء عند العلماء والسنة في حمد الله تعالى
وللعلماء في الدعاء والاستفتاح وجهان: الوجه الأول: قال بعض العلماء: يستفتح بالتكبير مع التهليل ثم يدعو، ثم يرجع مرة ثانية يكبر ويهلل ويدعو، ثم يختم مرة ثالثة بالتكبير والتهليل ولا يدعو، فعلى هذا الوجه الأول: يكون التكبير تسع مرات، ثلاثاً في الأولى، والثانية ثلاثاً، والثالثة ثلاثاً، ثم التهليل ستاً؛ لأنه يكون في المرة الأولى التي استفتح فيها المسألة مرتين، وهما: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده.
إلخ)، فيكون التهليل ستاً، ويكون الدعاء مرتين، هذا هو أقوى الأوجه، وهو الذي يدل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وأرضاهما، وهي السنة في الحج والعمرة، أن الإنسان إذا صعد على الصفا كبر الله ثلاثاً، ثم هلل بالمرتين اللتين ذكرناهما، ثم يدعوه، ثم يرجع فيكبر ويهلل، ثم يدعو، ثم يختم دعاءه بالتكبير والتهليل، فيكون دعاؤه مرتين، ويكون تكبيره تسعاً، وتهليله ست مرات، هذا هو أصح الأوجه عند العلماء.
الوجه الثاني: أن يبتدئ بالتكبير ثلاثاً مع التهليل مرتين ويدعو، ثم يكبر ويهلل ويدعو، ثم يكبر ويهلل ويدعو، فيكون التكبير تسعاً، والتهليل ستاً، والدعاء ثلاثاً، فالفرق بين هذه الصفة الثانية والصفة الأولى زيادة الدعاء، فكأنهم يرون أن هذا التكبير والتهليل والثناء على الله استفتاح للدعاء، وأصحاب القول الأول يرونه استفتاحاً وختماً للدعاء، وعلى هذا فإن الوجه الثاني يختاره جمع من العلماء -كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ومنهم القاضي أبو يعلى، وأصح الأوجه ما ذكرنا.
وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الثابت الصحيح ذكر الحمد إجمالاً، ففيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى على الصفا، فحمد الله بما هو أهله) وهذا -كما يقول العلماء- للعلماء فيه وجهان: فمنهم من يقول: هذا الحمد الذي اشتمل عليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه هو الذي اشتمل عليه حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وبناء عليه فإنه يسن أن يقتصر الإنسان على هذه الصفة الواردة في حديث جابر رضي الله عنه، وهذا يختاره بعض العلماء المحققين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيرى أن الحمد الوارد في حديث أبي هريرة محمول على التفصيل الوارد في حديث جابر.
وهناك وجه ثانٍ يقول: إنه يزيد الحمد لله إذا استفتح الدعاء؛ لأن السنة أن الداعي إذا استفتح دعاءه يستفتح بحمد الله.
ولكن الوجه الأول أقوى؛ لأن القاعدة في الأصول أن المجمل يحمل على المبين، فـ أبو هريرة رضي الله عنه أجمل، وأما جابر رضي الله عنه فإنه بين وفصل، فيحمل ما أجمله أبو هريرة على ما فصله جابر بن عبد الله رضي الله عن الجميع.
والسنة في هذا الدعاء -كما ذكرنا- أولاً: أن يستقبل البيت، وأن يكون واقفاً؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كان كبير السن، أو عاجزاً، أو نحو ذلك ولا يستطيع الرقي، فلو أنه ركب ما يحمل فيه، فاستقبل البيت، أو اتجه إلى جهة البيت إذا لم يستطع رؤية البيت، فإنه حينئذٍ يمكنه أن يدعو وهو جالس، ولكن إذا أمكنه أن يقف فإنَّه يقف عند الدعاء تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الدعاء على الصفا والمروة والاستكثار منه
ثم يرفع يديه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهي السنة، وأجمع العلماء على سنية رفع اليدين في الدعاء على الصفا والمروة؛ لأن الأحاديث صحيحة، ولذلك قال العلماء: من المواضع التي يشرع فيها رفع اليدين في النسك في الحج والعمرة على الصفا والمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه، وسأل الله عز وجل من فضله، والسنة أن يجتهد في الدعاء، وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما -وهو الذي عرف بالتأسي، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم- يطيل الدعاء ويطيل المسألة، حتى جاءت الرواية الصحيحة عنه أنه كان أصحابهَ يَملُّون من طول قيامه رضي الله عنه وأرضاه، ولكن قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:35]، فمن عرف الله، وأَجَلَّه بأسمائه وصفاته، وعظم شعائره، وأخلص في مواطن الدعاء، ومواطن الثناء على الله، وصبر واصطبر، فإنه يحس بلذة مناجاة الله سبحانه وتعالى، وحلاوة ذكره، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يثني على الله بما هو أهله، ويدعو، ويسأل الله عز وجل، ويلح في دعائه ومسألته.
قال بعض العلماء: من المواطن التي ترجى فيها الإجابة الدعاء على الصفا والمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحرى الدعاء هناك، قالوا: فيشرع له أن يستكثر من سؤال الله تعالى من خيري الدنيا والآخرة، ويجعل مسألة الآخرة هي الأصل؛ لأن أمور الدنيا يسيرة، والإنسان يأخذ من دنياه ما يبلغ به آخرته، فيجعل المسألة لآخرته في صلاح دينه، واستقامته على طاعة ربه، ويسأل الله عز وجل حسن الطاعة، وكمال الاستقامة، والثبات على ذلك إلى لقاء الله عز وجل، فالسنة أن يجتهد في الدعاء.
فإذا فرغ من الدعاء نزل عن الصفا؛ تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تنصب قدماه في الوادي.
كيفية النزول من الصفا والهرولة بين العلمين الأخضرين
قال رحمه الله تعالى: [ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول].
أي: ثم ينزل ماشياً؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلى العلم الأول، فإن كان كبير السن، أو امرأة اجتزأت بأطراف الصفا، أو أطراف المروة، فإنها حينئذٍ تمضي لوجهها، ويمضي الرجل لوجهه.
قال رحمه الله تعالى: [ثم يسعى شديداً إلى الآخر].
العلمان موجودان إلى الآن، والعلمان هما علامة على الوادي، أي: على طرفي الوادي؛ لأن جبل الصفا وجبل المروة كانت تمتد أجزاؤهما إلى أطراف الوادي، وكان الذي بينهما مجرى الوادي الذي ينصب على جهة البيت كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:37]، فتفيض الجبال على الأبطح، ومن الأبطح تنصب على جهة الصفا، ومن جهة الصفا تنصب إلى البيت، فمكة أشبه بالمنكفئة، كالمدينة فيها أعلى وأسفل، فالمدينة عاليتها قباء والعوالي، وسافلتها جهة أحد، كذلك مكة، قالوا: عاليها جهة المقابر، جهة المعلاة، وأسفلها من جهة الجنوب، فمجرى الوادي بين الصفا والمروة، وكان في القديم واضح المعالم، لكنه لما وسع، وأُخذ من الصفا، وأخذ من أجزاء المروة أصبح هناك علمان ولا زالا موجودين إلى اليوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي حتى يأتي العلمين، فإذا جاء إلى العلم هرول وسعى صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا السعي فيه مسائل منها: المسألة الأولى: أنه كان لـ هاجر حينما ابتليت بعطش ابنها إسماعيل، فإن الله سبحانه وتعالى ألهمها أن تسعى بين الصفا والمروة، فالسعي بين الصفا والمروة كان أصله منها، ويقول بعض العلماء: إن الله سبحانه وتعالى أبقاه من معالم الحنيفية، حتى يتذكر كل مكروب ومنكوب أن الله سبحانه وتعالى لكل كربة ونكبة، فإن هذه المرأة ضعيفة ومع طفلها الصغير، وكانت كما قال الله تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:37]، لا أنيس ولا جليس، ولكن تركهم إبراهيم عليه السلام لله عز وجل، فقالت: إلى من تدعنا يا إبراهيم؟! قال: لله.
قالت: (إذاً لا يضيعنا الله)، واستقبل الوادي، ودعا بدعواته، فبقيت هي وصبيها، وما شأنك بامرأة ضعيفة مع صبيها، وهو يصرخ ويستنجد يسأل الماء من شدة الظمأ؟ فسعت بين الصفا والمروة، فمن سعى بين الصفا والمروة تذكر مثل هذا الموقف، وتذكر أن الله فرج عن هذه المرأة الضعيفة، فأزال همها، وبدد غمها، وكشف كربتها، وجعل تفريج كربتها من تحت قدم ولدها، ولم يأتِ أحد يسقيها فيمتن عليها بالسقية، ولم يجعل تفريج كربتها لمخلوق يأتي فيسعفها، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل تفريج كربتها من تحت قدم ابنها الذي تريد أن تسقيه، وهذا لا شك أنه من أعظم الآيات، ومن أعظم الدلائل على توحيد الله عز وجل وعظمته سبحانه، وأن من الخذلان أن يرفع العبد كفه لمخلوق كما قال تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:13].
فإن من أعظم الحرمان، ومن أعظم الخسارة: أن ينصرف المخلوق عن الخالق إلى مخلوق مثله، أو إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:31] فلا شك أنه من أعظم الحرمان وأعظم الخسارة.
فالله تعالى جعل مثل هذه المواقف تحيي في القلوب، وتذكي في النفوس الالتجاء إلى الله تعالى والتوكل على الله تعالى والاستعانة بالله تعالى، التي هي مقاصد التوحيد، ومن أسس التوحيد الذي لا يمكن أن ينظر الله عز وجل إلى عمل العامل، وقول القائل إلا بعد تحقيقه، وما جعلت الصفا ولا جعلت المروة إلا من أجله.
المسألة الثانية: فإذا انصبت القدمان في الوادي سعى؛ لأن هاجر عليها السلام سعت، واختار جمع من العلماء أن يكون السعي شديداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبتت عنه السنة أنه سعى سعياً شديداً، وجعل الإزار يدور على ركبتيه -صلوات الله وسلامه عليه- من شدة سعيه، وقال: (أيها الناس! إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا)، وهذا -كما يقولون- سمي سعياً؛ لأنه في هذا الموضع يسعى ولا يمشي، أما المرأة فإنها تمشي؛ لأنها إذا سعت تكشفت، ولا يجوز رمل النساء لا في الطواف بالبيت، ولا في السعي بين الصفا والمروة، وقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا اشتد سعيه قال: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم) كما رواه عنه الإمام أحمد بن حنبل في المسند.
وإذا انتهى إلى طرف العلم فحينئذٍ يمشي كما مشى حال انصبابه من الصفا إلى الوادي.
أفعال المروة صعوداً أو نزولاً
قال رحمه الله تعالى: [ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قال على الصفا].
بعد انتهائه من الوادي، وبلوغه إلى طرف العلم يمشي فيرقى المروة، وإذا رقى المروة استقبل البيت، فإذا كان لا يستطيع أن يراه -كما هو الحال الآن- فمن أهل العلم من قال: يجتهد في تحري جهة البيت، وهذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه لما كانت الصفا لها جدار، وكانوا لا يستطيعون الرؤية قالوا: نص على أنه يحرص على استقبال جهة البيت كيفما كان، أي: يحاول قدر استطاعته أن يكون مستقبلاً لجهة البيت، فيرفع يديه، ثم يكبر ويهلل، ويدعو على الصفة التي ذكرناها على الصفا.
قال رحمه الله تعالى: [ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا].
أي: ثم ينزل ويمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، ويعتَبِرُ في رجوعه ما اعتبره في نزوله، فالحكم لا يختلف في الشوط الذي يئوب به من المروة، أو الذي يذهب به من الصفا، فالحكم واحد، ويجتهد في الدعاء والمسألة، فيسأل الله عز وجل من فضله في سعيه، ولو قرأ القرآن فلا حرج، ولو دعا أو أثنى على الله بما هو أهله، فسبح وكبر وحمد ونحو ذلك فلا حرج عليه.
مسافة السعية، وحكم الابتداء بالمروة
[يفعل ذلك سبعاً، ذهابه سعيةٌ ورجوعه سعيةٌ].
أي: ذهابه من الصفا إلى المروة سعيةٌ، وإيابه من المروة إلى الصفا سعية، فيبتدئ بالصفا وينتهي بالمروة، ويقف على كلٍّ أربعاً على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، وهناك قول أنه إذا فرغ من الشوط الأخير لا يقف على المروة، والذي اختاره جمع من العلماء أنه يقف ويدعو؛ لأن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صنع على المروة مثل ما صنع على الصفا، حتى انتهى من سعيه، فاختار جمع من العلماء أن يكون وقوفه عليها أربعاً.
ويكون ذهابه شوطاً ورجوعه شوطاً، وكان بعض العلماء -وهو قول ضعيف- يرى: أن الذهاب والرجوع شوط واحد، فحينئذٍ يكون أربعة عشر مرة.
والقائل بهذا توفي ولم يحج ولم يعتمر، حتى كان بعض أهل العلم يقول: لو حج أو اعتمر ما قال بقوله هذا؛ لأنه لو حج واعتمر، ووجد المشقة التي تكون في أربعة عشر شوطاً لما قال بهذا القول.
قال رحمه الله تعالى: [فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول].
السنة أن يبدأ بالصفا، فإن قال قائل: لو بدأ بالمروة قبل الصفا، فهل يحتسب تلك السعية أو لا يحتسبها؟ فالجواب أنه لا يحتسبها، ولا يجزيه أن يبتدئ بالمروة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ بالصفا، وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، وفي رواية للنسائي في السنن الكبرى: (ابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، وهذا هو الذي عليه المُعَوَّل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم)، فهذا هو منسكه، وهذا الذي فعله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، أنه ابتدأ بالصفا، فاجتمعت دلالة الكتاب، ودلالة السنة على أن البداءة تكون بالصفا، ولو ابتدأ بالمروة فإنه يلغي ذلك الشوط ولا يعتد به.
أفعال مسنونة حال السعي
قال رحمه الله تعالى: [وتسن فيه الطهارة والستارة والموالاة].
قوله: (وتسن فيه الطهارة) يعني: في السعي بين الصفا والمروة، فيجوز للإنسان أن يسعى بين الصفا والمروة وهو محدث حتى ولو كان جنباً، ولو كانت المرأة حائضاً فإنه يصح سعيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عائشة رضي الله عنها لما حاضت: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، فلو كانت الطهارة شرطاً في صحة السعي لقال لها: اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت، ولا تسعي بين الصفا والمروة، ولكنه عليه الصلاة والسلام اقتصر على ذكر الطواف، فدل على أنه يصح أن يسعى الإنسان وعليه الحدث الأصغر أو الأكبر.
والسنة والأفضل الطهارة، كما قال المصنف: (وتسن له الطهارة) يعني: أن الأفضل والأكمل أن يكون الإنسان على وضوء، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت سبعاً، وصلى ركعتي الطواف، ثم مضى لوجهه ولم يُذكر له حدثٌ، فطاف بين الصفا والمروة، وسعى بينهما وهو على طهارة، فقالوا: تسن الطهارة، فهي الأفضل والأكمل، ومما يؤكد هذا أنه بين الصفا والمروة سيذكر الله، والأفضل في ذكر الله أن يكون الإنسان على طهارة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله)، فدل على أن الأفضل في حق ذاكر الله عز وجل أن يكون على طهارة، وأن هذا أكمل وأعظم لأجر الإنسان.
ثانياً: ستر العورة: قوله: [وتسن فيه الطهارة والستارة].
المراد بالستارة: ستر العورة، أي: يسعى بين الصفا والمروة وقد ستر عورته.
فلو أنه سعى بين الصفا والمروة فانحل إزاره في زحام، أو نحو ذلك، فانكشفت عورته في شوط، أو نحو ذلك، فإنه تجزيه تلك السعية، ولا يعتبر ستر العورة شرطاً لصحة السعي بين الصفا والمروة.
ثالثاً: الموالاة: قوله: [والموالاة].
الموالاة تقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون سعيه عقب الطواف فيوالي بينهما، وهذه هي السنة كما ذكرنا.
والصورة الثانية للموالاة، أو الموضع الثاني للموالاة: أن يكون سعيه متوالياً، فلا يفصل بين السعية والسعية، فإذا فصل بينهما فللعلماء قولان: منهم من قال: لا يصح سعيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والى، وقال: (خذوا عني مناسككم).
وقال بعض العلماء: العبرة أن يَطَّوَّف بهما كيفما كان، فإن تَطَوَّف ثلاثة أشواط في ساعة، ثم تَطَوَّف أربعة أشواط في ساعة ثانية أجزأه، واختلفوا في الفاصل، والأقوى أنه لا يفصل بين السعي، وأنه يوقعه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.
ماذا يفعل بعد السعي
قال رحمه الله تعالى: [ثم إن كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل].
أي: إن كان متمتعاً لا هدي معه فإنه يقصر من شعره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ندب أصحابه، وأمرهم أن يفسخوا حجهم بعمرة فتحللوا، أمر من لم يسق الهدي أن يتحلل، وأن يجعلها عمرة، فقالوا: يا رسول الله! أيُّ الحل؟ قال: الحل كله، قالوا: يا رسول الله! أنذهب إلى منىً ومذاكرنا تقطر منياً -فأثبت عليه الصلاة والسلام هذا الحكم- قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)، فرغب عليه الصلاة والسلام، وأكد في فسخ الحج بالعمرة، وجعله لازماً لأصحابه، وطيب خواطرهم بالقول فقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)، وقال عليه الصلاة والسلام في اللفظ الثاني في الصحيح: (إني قلدت هديي ولبدت شعري، فلا أحل حتى أنحر)، فأمر أصحابه أن يتحللوا بعمرة.
فإذا كان الإنسان لم يسق الهدي، وأراد أن يتمتع، فإنه حينئذٍ يتحلل بعد انتهائه من السعي كما تحلل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويُقَصِّر شعره حتى يجعل فضيلة الحلق لحجه، هذا إذا كان الفاصل قصيراًَ، ولكن استحب جمع من العلماء أنه يحلق؛ لأنه بإمكانه أن ينبت له الشعر فيما بين عمرته وبين حجه، فيُصيب الدعاء بالرحمة في الموضعين، وهذا لا شك له وجه، وأما إذا قَصُر الوقت فإن التقصير أفضل، وكونه يجعل الدعاء بالرحمة للحج قالوا: إنه أفضل، فيقصر من شعره، ويترك الحلاقة لتحلله من حجه.
قال رحمه الله تعالى: [ثم إذا كان متمتعاً لا هدي معه قصر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج].
قوله: (وإلا حل إذا حج) يعني: أنه يتحلل بعد حجه.
وقت قطع التلبية
[والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية].
التلبية: فيها مسائل تقدمت معنا، وبينا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وأحكامها، ومن مسائلها: متى يقطع المحرم تلبيته؟ وجواب هذا السؤال أنه لا يخلو المحرم إما أن يكون بحج، وإما أن يكون بعمرة، فهناك موضعان: الموضع الأول: بالنسبة للحج، متى يقطع الحاج تلبيته؟ والموضع الثاني: بالنسبة للمعتمر متى يقطع تلبيته؟ قال بعض العلماء: المعتمر يقطع تلبيته عند دخوله للحرم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما -والسند صحيح- أنه كان إذا قدم من جهة المدينة، واستقبل من جهة التنعيم قطع التلبية.
والقول الثاني: أنه يقطع تلبيته عند استلامه للحجر، أي: عند ابتدائه للطواف.
والقول الأول للمالكية، والقول الثاني اختاره الشافعية والحنابلة، أن المعتمر يقطع تلبيته عند استلام الحجر، وهذا القول احتجوا له بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في عمرة الجعرانة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر من الجعرانة بعد انصرافه من غزوة الطائف: (لم يزل يلبي حتى استلم الحجر)، قالوا: فيه دليل على أن التلبية تقطع عند استلام الحجر، ولأن أول الأركان يلي إحرامه ونيته إنما هو الطواف بالبيت، فشرع له أن يلبي حتى يبتدئ الطواف، وحينئذٍ يقطع التلبية، وهذا هو أصح أقوال العلماء؛ لأن السنة واضحة في دلالتها على صحته، أن المعتمر يقطع التلبية عند استلام الحجر.
وحينئذٍ نقول: من اعتمر يقطع التلبية عند ابتداء الطواف إن استلم الحجر، فيؤخر حتى يستلم الحجر، وأما إذا لم يستلم الحجر في طوافه فعند استفتاحه الطواف يقطع التلبية.
وعلى هذا لو حج، وكان قد نوى التمتع بعمرته، فحينئذٍ عند ابتدائه للطواف أو عند استلامه للحجر يقطع تلبيته لهذا الأصل.
الأسئلة
مكان استئناف السعي بعد قطعه للصلاة
السؤال
هل يأخذ السعي حكم الطواف، فيما إذا أقيمت الصلاة وهو يسعى، من حيث الاستئناف أو الرجوع إلى نفس المكان؟
الجواب
إذا أقيمت الصلاة وهو في السعي فإنه يقطع سعيه، ثم يمضي للصلاة ويصلي، ولا يقطع السعي إلا عند الفراغ من الإقامة إذا كان موضع صلاته قريباً؛ لأن ما شرع لحاجة يقدر بقدرها، فلا يقطع مباشرة، وإنما ينتظر حتى يفرغ من الإقامة، ثم بعد ذلك إذا كان الموضع قريباً قطع سعيه ودخل في الصفوف.
وعلى هذا فلو قطع السعي فهل يعيد الشوط، أي: يعيد السعية من أولها؟ أو يبتدئ من الموضع الذي قطع منه؟ أصح الأقوال أنه يبتدئ من الموضع الذي قطع منه، والأفضل والأكمل أنه يعيد السعية من أولها، والله تعالى أعلم.
وقت رفع اليدين حال الدعاء على الصفا والمروة
السؤال
علمنا أنه يرفع يديه في الدعاء على الصفا والمروة، ولكن هل يكون الرفع مع بداية التكبير والتهليل؟ أم يرفع إذا أراد الدعاء؟
الجواب
هذه المسألة تنبني على قولنا: هل كان تكبيره عليه الصلاة والسلام وتهليله من أجل المسألة والدعاء؟ وهذا يرجحه غير واحد من العلماء، فقالوا: إنه استفتح التكبير والتهليل من أجل الدعاء والمسألة، ولذلك جعله أثناء الدعاء.
فقال بعض العلماء: على هذا الوجه يجعل رفعه لليدين من بداية التكبير.
والوجه الثاني يقول: إن التكبير من أجل الرقي على المكان النشز والعالي، فكبر صلوات الله وسلامه عليه وهلل، ثم بعد ذلك دعا، فيكون الرفع عند الدعاء، والأول أقوى، والله تعالى أعلم.
محل قراءة قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)
السؤال
هل يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158] إذا دنى من الصفا فقط؟ أم كذلك إذا دنى من المروة؟
الجواب
المحفوظ أنه إذا دنا من الصفا، ولا يكرر ذلك في بقية الأشواط ولا يكرره عند المروة؛ لأن هذا الذكر قصد منه النبي صلى الله عليه وسلم الاستشهاد لقوله: (أبدأ بما بدأ الله به)، فلما جعله للبداءة اقتصر على محله، فقالوا: إنه ذكر مقصود من النبي صلى الله عليه وسلم، من باب التنبيه على مراعاة ترتيب الكتاب، والاهتداء بهدي القرآن في تقديم ما قدمه الله عز وجل وتأخير ما أخره، والله تعالى أعلم.
حكم العجز عن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف
السؤال
إذا لم يستطع المكلف أن يستلم الحجر الأسود بعد الركعتين التي بعد الطواف هل يشرع له أن يشير إليه، أم ينصرف إلى الصفا؟
الجواب
السنة أن يستلم، فإن عجز عن الاستلام انصرف، وأما الإشارة فلا يحفظ فيها دليل يدل عليها، وإنما ثبتت الإشارة عن النبي صلى الله عليه وسلم داخل الطواف، وأما خارج الطواف فتحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يدل عليها، والله تعالى أعلم.