شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 10-8
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تعليق الطلاق بنوع الحمل

ثم قال رحمه الله: [وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذكر وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً]: إن قال: أنت طالقٌ طلقة إن كان الذي في بطنك ذكراً، وأنت طالقٌ طلقتين إن كان الذي في بطنك أنثى، فجعل الطلاق مرتباً على وجود الحمل، لكن فصل في عدد الطلاق، فبينه وبين الله أنه إن كان رحم المرأة قد ضم ذكراً فهي طالق طلقة، وإن ضم أنثى فهي طالق طلقتين، فإن احتواهما البطن معاً طلقت ثلاثاً؛ لأنه علق الطلاق على وجود الجنس، ذكر كان أو أنثى، فلا نلتفت إلا لوجود الشيء.
وقال رحمه الله: [وإن كان مكانه (إن كان حملك أو ما في بطنك) لم تطلق بهما]: وإن كان حملك ذكراً فطلقة، وإن كان حملك أنثى فطلقتين بمعنى: إن كان الرحم اختص إما بذكر وإما بأنثى، وهذه الصورة يسمونها: صورة المحض، يعني: إن كنت تحملين ذكراً فطلقة، وإن كنت تحملين أنثى فطلقتين، فكأنه رتب الطلاق على الوجود المتمحض، يعني: أطلقك طلقة إن حملت ذكراً محضاً، وأطلقك طلقتين إن حملت أنثى محضاً، فإن حملت الاثنين لم يتحقق الشرط، لأن مراده: إذا خلص الرحم بواحدٍ منهما، فلا يقع الطلاق بمجوعهما؛ فيُفرق بين الأمرين، للفرق بين الصيغتين.
فقوله: إن كنت حاملاً بذكرٍ فطلقة، وإن كنت حاملاً بأنثى فطلقتين فإنه جعل الطلاق مرتباً على وجود الذكر والأنثى، سواءً كانا موجودين معاً، أو كانا موجودين بانفراد، ولا يقصد التمحض، وليست الصيغة مما تحتمل التمحض.
لكن إن قال: (إن كان حملك أو ما في بطنك لم تطلق بهما).
لقصد المحضية، أي: بيني وبين الله إن كان هذا الحمل أنثى فطلقتين، وإن كان ذكراً فطلقة فحينئذٍ ننظر إلى الحمل متمحضاً بالذكورة ومتمحضاً بالإناث.
فهذا الفرق بين المسألتين، في المسألة الأولى جعل الأمر مرتباً على وجود الذكر ووجود الأنثى بغض النظر عن المحضية وعدمها، وفي المسألة الثانية العكس.

الأسئلة

كيفية وقوع الطلاق المعلق بالحيض إذا كانت المرأة ليس لها عادة منضبطة

السؤال

لو كانت المرأة ليست لها عادة بأن كانت يأتيها الدم مرة يومين ومرة ثلاثاً أو أربعة أيام فعلق الطلاق بالحيضة الكاملة، أو نصف الحيضة فكيف يقع الطلاق في هذه الحالة؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالمرأة إذا لم تكن لها عادة فإنها تنتقل إلى التمييز، والتمييز المراد به أن تميز الدم: تميزه بلونه، وتميزه برائحته، وتميزه بغلظته ورقته، وبوجود الألم؛ لأن دم الحيض يخرج من قعر الرحم، فيكون حارقاً مؤلماً ودم الاستحاضة يخرج من عرق العاذل أو العاند على حسب الروايات فيميز كما قال بعض العلماء: باللون والريح وبالتألم وكثرة وقلة ميز الدمِ أي: ميز دم الحائض بلونه، كأن يأتيها في اليوم الأول أحمر غامقاً شديداً، ثم ينقطع بعد ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام ويصير أحمر فاتحاً، فأيام الأحمر الغامق يثبت الحيض به، وأما أيام انفتاح الدم وضعفه فيكون استحاضة، واستدلوا لذلك بالحديث الذي في السنن -ومن العلماء من حسن إسناده- وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) وقوله: (يعرف) أي: له عرف ورائحة، وعلى هذا قالوا: إنه يدل على أن التمييز معتبر، فتميزه وتبني على التمييز، ويكون حكمه حكم المميزات، والله تعالى أعلم.

شرح زاد المستقنع -

باب تعليق الطلاق بالشروط [5]

تعليق الطلاق على ولادة الذكر أو الأنثى، وتعليق عدد الطلاق بولادة أحدهما؛ كل ذلك بين أحكامه العلماء، ويختلف الحكم بولادة التوأم في هذه المسائل سواء كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكراً وأنثى.
وكذلك تعليق الطلاق على الطلاق فيه مسائل كثيرة؛ بين العلماء رحمهم الله أحكامها بالتفصيل.

تعليق الطلاق على الولادة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به] هذا الفصل وصفه بعض العلماء بتعليق الطلاق بالولادة، والناس تختلف عباراتهم والجمل التي يستخدمونها في تعليق الطلاق، ولما كانت الجمل تشتمل على بعض الأمور المهمة التي يختلف فيها الحكم مع اختلاف الأحوال فإن العلماء -رحمهم الله- يعتنون بذكر المسائل فيها، لكي يكون في ذلك رياضة للذهن، ومعونة لطالب العلم على استيعاب هذه الصور وأمثالها، وقد بينا ذلك فيما تقدم في مسائل التعليق.
وتعليق الطلاق بالولادة: أن يرتب الطلاق على وجود الولادة، وقد يكون الطلاق متوقفاً على معرفة نوعية الولد الذي تلده المرأة، فتارة يقول: أنت طالق إذا ولدتِ ذكراً، فيجعل الطلاق مرتباً على كون المولود ذكراً، وتارة يقول: إذا ولدتِ أنثى، فيكون الطلاق مقيداً بولادة الأنثى، وتارة يخالف في عدد الطلاق باختلاف نوعية المولود، فيقول: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة وإن ولدتِ أنثى فطلقتين، وتارة يقول: إن كان الذي في بطنكِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة وإن كان الذي في بطنكِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين، وفي القديم يتوقفون في مثل هذه الحالة إلى الولادة، فيتوقف العالم والمفتي عن الفتوى في الطلاق إلى خروج الولد، أو يعطي الحكم مرتباً على حسب نوعية الولد، لاختلاف عدد الطلاق باختلافه.
والولادة مأخوذة من الولد، والولد في لغة العرب يطلق على الذكر والأنثى، فإذا قيل: ولد، شمل الذكر والأنثى، وإن كان بعض الناس يخصونه بالذكور، ولكن هذا خلاف الأصل اللغوي، وخلاف إطلاق القرآن كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:11] فجعل الولد شاملاً للذكر وللأنثى، وسميت الولادة ولادة؛ لأنها تشتمل على الذكور أو على الإناث وهذا في الغالب، وقد تشتمل على الخنثى الذي لا يعرف أذكر هو أو أنثى؟ لكنه نادر الوقوع، والحكم للغالب، وقولهم: يعلق الطلاق على الولادة أي: على الإنجاب وإخراج الولد، ويختلف الحكم بحسب اختلاف هذا الإخراج وما علق عليه الطلاق من صفات.
ومناسبة هذا الفصل للذي قبله: أننا كنا نتحدث عن تعليق الطلاق بالحمل، وبينا المسائل المتعلقة بتعليق الطلاق على الحمل، وبعد أن فرغ -رحمه الله- من بيان مسائل تعليق الطلاق بالحمل شرع في بيان المسائل المتعلقة بالولادة، وهذا من باب الترتيب؛ لأن الولادة تأتي بعد الحمل، والناس يعلقون الطلاق على الحمل، ويعلقون الطلاق على الولادة، وقد تتصل أحكام تعليق الطلاق بالولادة بأحكام تعليق الطلاق بالحمل، كما لو قال لها: إذا كان حملكِ ذكراً فأنتِ طالق، وإذا كان حملكِ أنثى فأنتِ لستِ بطالق، أو قال لها: إن كان الذي في بطنكِ ذكراً فأنتِ طالق.
فحينئذٍ ننتظر إلى الولادة، فنحكم بوقوع الطلاق إن كان ذكراً من حين تكلم به، وتكون قد خرجت من عصمته وذلك بانتهاء عدتها بالولادة؛ لأننا نحكم بطلاقها منذ أن تلفظ بقوله: إن كان الذي في بطنكِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة.
فحينئذٍ إذا ولدت ذكراً علمنا أن الطلاق قد وقع من قوله: إن كان الذي في بطنكِ ذكراً، وقد كان الذي في بطنها ذكراً، فحينئذٍِ تطلق من حين تلفظه، ثم تبقى في عدتها إلى أن تخرج من العدة بولادة الولد؛ لأن المرأة الحامل تنتهي عدتها بوضع حملها، فنحكم بخروجها من العدة بمجرد خروج الذكر.

تعليق عدد الطلقات بنوع المولود

قوله: (إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى).
قال: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً، وأنتِ طالق طلقتين إن ولدتِ أنثى، فحينئذٍ اختلف عدد الطلاق باختلاف نوعية المولود، فالطلقة لازمة له إن كان الذي ولدته ذكراً، والطلقتان لازمة له إن كان الذي ولدته أنثى، وقد يعكس فيجعل الأكثر للذكر والأقل للأنثى، والحكم سواء، لكن من حيث التفصيل في الوقوع يختلف، فهو إذا قال لها: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة، وإن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين؛ فينبغي أن يعلم أن الطلاق موقوف على الولادة، فلا نطلق حتى تقع الولادة، فإذا حصلت الولادة حكمنا بوقوع الطلاق، إن كان ذكراً حكمنا بطلقة، وإن كان أنثى حكمنا بطلقتين.
ولا يخلو الذي في بطن المرأة من حالتين: إما أن يكون مولوداً واحداً وإما أن يكون أكثر من مولود، فإن كان الذي في بطنها مولوداً واحداً؛ فإن أخرجته ذكراً فلا إشكال؛ وإن أخرجته أنثى فلا إشكال؛ لأنك ستحكم بوقوع الطلاق بمجرد الولادة، ثم تفصل في عدد الطلاق على حسب نوعية المولود، هذا إذا قال لها: إن كان ذكراً، إن كان أنثى، لكن لو قال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً وسكت، فنتوقف على شيئين: على الولادة، وأن يكون المولود ذكراً، فإن ولدت أنثى فلا طلاق؛ لأنه قيد الطلاق فيما بينه وبين الله عز وجل بكون المولود ذكراً فلا يقع إلا إذا وقع الذي اشترطه.
إذاً إذا قال لها: إن ولدتِ ذكراً، إن ولدتِ أنثى.
وحدد الذكر أو الأنثى وجعل الطلاق لواحد منهما كأن يقول: إن ولدت ذكراً فأنتِ طالق طلقة، أو قال: إن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقة فلا تطلق عليه إلا بوجود الذكر إن اشترطه أو الأنثى إن اشترطها، لكن إذا جمع بين الذكر والأنثى في وقوع الطلاق فقال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة وإن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين حينئذٍ تنظر في ولادتها، وتخالف في حكم الطلاق من حيث العدد بحسب المولود.

تعليق ذات الطلاق بنوع المولود

إذاً من حيث الأصل إذا ولدت مولوداً واحداً وعلق الطلاق على ولادتها فله صورتان: إما أن يعلق الطلاق على جنس واحد ذكراً أو أنثى فلا نطلق إلا بوجود الجنس الذي علق الطلاق عليه، مثل أن يقول: إن ولدت ذكراً فأنتِ طالق مفهوم اللفظ: أنكِ إن ولدتِ أنثى فلست بطالق، فننظر إن كان الذي ولدته ذكراً طلقنا، وإن كان الذي ولدته أنثى فلا طلاق، هذا في حال تردد الطلاق بين الوقوع وعدم الوقوع في حال وجود الحمل الواحد، يعني: ذكراً أو أنثى، وأما إذا قال: أنتِ طالق إن ولدتِ ذكراً طلقة وأنتِ طالق طلقتين إن ولدتِ أنثى، فحينئذٍ الطلاق سيقع سيقع لكنه يختلف من حيث العدد.
فالفرق بين الصورة الأولى والصورة الثانية، أن الصورة الأولى: لا يقع الطلاق إلا إذا تحقق ما ذكره من كونه ذكراً أو كونه أنثى، وفي الصورة الثانية سيقع الطلاق سيقع، إن ولدت ذكراً طلقة، وإن ولدتِ أنثى طلقتين، فحينئذٍ إما أن تلد ذكراً وإما أن تلد أنثى، فإذا ولدت وليس هنا أكثر من واحد، فإن ولدت ذكراً وقع الطلاق، وإن ولدت أنثى وقع الطلاق، لكن يختلف العدد بحسب ما جعل في شرطه للأنثى من عدد وبحسب ما جعل في شرطه للذكر من عدد.
ففي الصورة الثانية يتنوع الحكم ويختلف بحسب اختلاف نوعية المولود، فإن جعل الأكثر من الطلاق للأنثى حكمنا بالطلقتين إن كان المولود أنثى، وحكمنا بطلقة إن كان المولود ذكراً، والعكس بالعكس، هذا في قوله: إن ولدتِ ذكراً أو أنثى وخالف في العدد، وكان المولود واحداً.

الحكم إذا علق الطلاق بنوع وولدت توأمين

لكن لو قال لها: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة وإن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين وولدت توأمين، ففي الصورة الأولى إذا قال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدت ذكراً، ننظر في التوأم، فلا نوقع الطلاق إلا إذا كان ذكراً، فلو كان التوأم صبيتين فلا طلاق؛ لأنه جعل الطلاق مرتباً على الذكر، وبينه وبين الله أن امرأته طالق إن ولدت الذكر ولم تلد ذكراً، وأما إذا علقه على الجنسين فقال: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً وطلقتين إن ولدتِ أنثى فأخرجت توأمين، إما أن تخرجهما ذكوراً أو تخرجهما أناثاً أو تخرجهما ذكراً وأنثى، فإذا كانت أخرجته ذكراً وقال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً وطلقتين إن ولدتِ أنثى نحكم بالطلقة الأولى بخروج الذكر الأول، وبمجرد خروجه يقع الطلاق، فتبقى المرأة معتدة بعد خروجه، فإن خرج المولود الثاني وهو الذكر الثاني أخرجها من عدتها ووقع الطلاق الثاني على امرأة خلو من نكاح؛ لأنها أجنبية عنه، فإنها بمجرد إخراج المولود الثاني أصبحت خارجة من عدتها، والطلاق الثاني لا يقع إلا بعد خروج الذكر الثاني، فخرج الذكر الثاني فأخرجها من عصمته وحينئذٍ جاء طلاقه ولم يصادف محلاً موجباً للوقوع.
على هذا نقول: إن قال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً، وطلقتين إن ولدتِ أنثى، وحملت بذكرين فولدتهما وكانت الولادة متعاقبة كما هو المعروف حكمنا بالطلقة الأولى بالذكر الأول، وحكمنا بكونها معتدة قبل خروج الذكر الثاني؛ لأن كل طلاق له عدته إلا ما استثناه الشرع، فنحكم بكونها معتدة قبل خروج التوأم الثاني، فلما خرج التوأم الثاني خرجت من عدة طلاق الأول؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فلما خرجت من العدة؛ والطلاق الثاني لا يقع إلا بعد تمام الولادة؛ لأنه قال: أنتِ طالق إن ولدتِ ذكراً، فيأتي الطلاق الثاني وهي أجنبية فلا يقع الطلاق الثاني فتطلق طلقة واحدة في هذه المسألة، والعكس في الأنثى، إن قال لها: أنتِ طالق إن ولدتِ أنثى طلقتين فولدت صبيتين فإن الطلقتين تقع بالأنثى الأولى ثم تخرج من العدة بالأنثى الثانية فلا تصادف الطلقة الثالثة محلاً، فلا تبين وإنما تكون أجنبية مطلقة طلقتين فقط.
إذاً: في حال حملها بالتوأم إن تمحض ذكوراً طلقت بالذكر الأول وبانت بالذكر الثاني ولم يقع طلاقها بالثاني، وهكذا في الأنثى، واختلف الحكم في عدد الطلاق بحسب ما علقه على الذكر والأنثى، هذا إذا اتحد التوأم، وكان ذكراً أو أنثى، لكن لو قال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً، وأنتِ طالق طلقتين إن ولدتِ أنثى، وحملت بتوأمين ذكر وأنثى، فإن حملت بتوأمين أحدهما ذكر والثاني أنثى فلا يخلو إما أن يخرج أحدهما قبل الآخر، وإما أن يخرجا مع بعضهما دفعة واحدة، فإن خرج الذكر طلقت طلقة واحدة، وأصبحت أجنبية بخروج الأنثى بعده؛ لأنها قد وضعت حملها فجاء طلاق الأنثى -وهما الطلقتان- على أجنبية، مثل ما ذكرنا في تمحض الذكور وتمحض الإناث، فنحكم بكونها طالقاً طلقة إن سبق الذكر وطلقتين إن سبقت الأنثى ولا نتبع الطلقة الأولى في الذكر ولا نتبع الطلقتين في الأنثى؛ لأنها تكون أجنبية بولادة التوأم الثاني، فنوقع الطلاق بالأول، ونخرجها من عصمته بولادة التوأم الثاني ثم نفصل في الأول على حسب ما رتب من العدد، إن طلقة فطلقة وإن طلقتين فطلقتين، لكن لو أنهما خرجا مع بعضهما، وقد قال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة، وإن ولدتِ أنثى فأنت طالق طلقتين، فإن كان قد قصد أن يكون الولد واحداً منهما، إن ولدتِ ذكراً متمحضاً أو ولدتِ أنثى متمحضة فحينئذٍ لا تطلق؛ لأنها لم تلد ذكراً محضاً ولم تلد أنثى محضة؛ لأنه ما قصد الجمع وإنما قصد أن يكون متمحضاً بالذكورة أو متمحضاً بالأنوثة، فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا تمحض الذي في بطنها مولوداً ذكراً أو مولوداً أنثى، هذا إذا كان قوله بصيغة التمحض، وقصد أن يكون مولودها ذكراً أو يكون مولودها أنثى دون أن يكون معه شريك، فلا تطلق؛ لأنه لم يتحقق الشرط الذي بنى عليه تعليقه، لكن لو قصد مطلق الولادة وقصد أنها إذا ولدت ذكراً أو أنثى مجموعين أو متفرقين فإنها تطلق ثلاثاً، طلقتان بالأنثى وطلقة بالذكر، ففي حال كونه يرتب الطلاق على الأنثى طلقتين وعلى الذكر طلقة ويخرجان مع بعضهما، إن قصد تمحض الولادة ذكراً أو تمحض الولادة أنثى وصرح بذلك فحينئذٍ لا تطلق؛ لأنها لم تضع ولداً ذكراً ولم تضع ولداً أنثى وإنما وضعت الاثنين، وهذه المسألة مشهورة حتى في الأيمان، لو حلف وقال: والله لا ألبس ثوباً من غزل فلانة، ثم لبس ثوباً فيه شيء من غزل فلانة، فالثوب ليس كله من غزلها، فهل ننظر إلى تمحض الثوب من غزلها؟ أو ننظر إلى مطلق الوجود؟ فإذا كنا ننظر إلى مطلق الوجود فحينئذٍ يحنث في يمينه، وإن نظرنا إلى التمحض فإنه لا يحنث في يمينه، وكلاهما وجهان في مذهب الإمام أحمد رحمه الله كما حكاه القاضي أبو يعلى وأشار إلى ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني.
هذا حاصل الكلام في مسألة اختلاف عدد الطلاق بالذكورة والأنوثة.
(إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى، فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به).
قال: (ولدت ذكراً ثم أنثى) لاحظ كلمة (ثم) وهي تقتضي الترتيب، إذا ولدت الذكر ثم ولدت بعده الأنثى؛ نطلقها بحسب السابق ذكراً كان أو أنثى، ثم نحكم بكونها معتدة، ثم نخرجها من العدة بمجرد وضعها للثاني، ونحكم بأن الطلاق الثاني لم يصادف محلاً، وهذا بيناه وفصلناه، لكن لو أنه قال لها: أنتِ طالق طلقة إن ولدتِ ذكراً، وطلقتين إن ولدتِ أنثى، ثم ولدت ذكراً فلما جاءها في وضعها وعنائها فقالت له: هكذا طلقتني يا فلان، قال: راجعتكِ، فراجعها، فجاء المولود المبارك الثاني فحينئذٍ تكون في عصمته ويأتي طلاق الثاني موجباً للبينونة، إذا راجعها قبل خروج الثاني فإننا نحكم بوقوع طلاق الثاني؛ لأن سقوط طلاق الثاني محله أن تكون أجنبية ولم تقع مراجعة، أما لو راجعها وعادت إلى عصمته فإذا خرج المولود الثاني فإنه يوجب الطلاق.
(حياً -كان المولود- أو ميتاً) لأنه قال: إن ولدتِ، والولادة تصدق بمجرد الخروج، فإذا أخرجته حياً فهو مولود وإن أخرجته ميتاً فهو مولود؛ لأن الولادة تقع على مطلق الإخراج، لكن إذا أخرجته ميتاً ففيه تفصيل: إذا كان كامل الخلقة فلا إشكال ويحكم بوقوع الطلاق، وأما إذا كان ناقص الخلقة، فهذه مسألة خلافية، بعض العلماء يقول: كل ما تخرجه المرأة وتسقطه من رحمها قبل تمام خلقته وفيه صورة الخلقة فإنه يتبعه أثر المولود في مسائل، منها: الدم، يعني: لو أنها أسقطت بعض الخلقة، وخرج معها الدم بعد إسقاطه أربعين يوماً، فهل نقول: يأخذ حكم المولود التام فيكون الدم دم نفاس؟ أو نقول: إن الإسقاط قبل تمام الخلقة لا يعتبر نفاساً فلا تأخذ حكم النفاس؟ والذي قواه غير واحد وانتصر له غير واحد من العلماء: أنها إن وضعت شيئاً فيه صورة الخلقة أنها تأخذ حكم النفساء، وعلى هذا فيكون دمها آخذاً حكم دم النفاس، ومن هنا تتفرع مسألة وقوع الطلاق؛ لأنها قد ولدت، والولادة تصدق على إخراج الحمل، وحينئذٍ قالوا: إنه يستوي في ذلك أن يكون تام الخلقة أو ناقص الخلقة، وبعض العلماء يشترط تمام الخلقة، ثم يبقى الإطلاق في كونه حياً أو ميتاً على التفصيل الذي ذكره المصنف رحمه الله.
(طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به) (طلقت بالأول) لأن بينه وبين الله أنها إذا وضعت فهي طالق، وقد وضعت مولودها فهي طالق، (وبانت بالثاني) أي: أنها إذا طلقت الطلقة الأولى أو الطلقتين إن كان السابق أنثى فإن المولود الثاني يخرجها من عصمة الرجل؛ لأنها قبل ولادة المولود الثاني في عدتها، وكل امرأة حامل إذا وضعت حملها خرجت من عدتها على ظاهر نص التنزيل: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فتصبح أجنبية بوضع الثاني، فإن أصبحت أجنبية بوضع الثاني فلا يقع عليها الطلاق الثاني على التفصيل الذي تقدم في حال التمحض أو حال الاختلاف.

الحكم إذا علق الطلاق بنوع وولدت توأمين ولم ندر من السابق منهما

قال المصنف رحمه الله: [وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة] أنت تلاحظ أن المصنف جاء بمسألة إذا قال: إن كان ذكراً، إن كان أنثى، وما إذا سبق أحدهما وتأخر الثاني، ولم يتكلم على بقية المسائل التي أشرنا إليها؛ لأن العلماء عندهم أشياء بدهية معروفة لا ينبهون عليها، خاصة في المختصرات، سواءً كانت من النظم أو النثر، وهم يذكرون المسائل المشكلة والمسائل التي تكون أصولاً لغيرها؛ لأنه حينما نبهك هنا على مسألة الاختلاف فقد وضع لك الأصل في حال التمحض الذي هو أخف حالاً من حال الاختلاف.
في هذه المسألة: إذا قال لها: إن ولدتِ ذكراً فأنت طالق طلقة، وإن ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين، وكان في بطنها توأماً ذكر وأنثى، فحينئذٍ يرد

السؤال

إن سبق أحدهما الآخر ولم نعلم هل السابق الذكر أو الأنثى؟ فهل نحكم بطلقة أو نحكم بطلقتين؟ هو قال لامرأته: إذا ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق طلقة وإذا ولدتِ أنثى فأنتِ طالق طلقتين فوضعت توأمين، سبق أحدهما الآخر، وأحدهما ذكر والآخر أنثى، فهل نقول: إنها تطلق طلقة واحدة أو نقول: تطلق طلقتين؟ وقد ذكرنا أنه إذا سبق أحدهما فالطلاق للسابق، فإن سبق الذكر فطلقة وإن سبقت الأنثى فطلقتان، فبالتأكيد أنه سبق أحدهما، ولكن المرأة أثناء نفاسها لم يكن عندها أحد، أو وضعت في ظلام وأخرجت الأول ثم الثاني، أو وضعت وعلمت أن الأول أنثى والثاني ذكر أو العكس ثم نسيت، أو التي وضعت كانت لا تعي ولا تتنبه وجاءت التي تقوم على ولادتها فأخرجت ذكراً وأخرجت أنثى ولم نعلم هل الذي سبق الذكر أم الأنثى؟ العلماء -رحمهم الله- عندهم قاعدة تقول: (اليقين لا يزال بالشك)، فإذا ولدت المرأة توأمين متعاقبين مختلفين، بهذين الشرطين: أن يكونا توأمين، وأن يكونا متعاقبين، أي: تلد الأول ثم الثاني بخلاف ما إذا ولدتهما مع بعضهما، إذا ولدت توأمين متعاقبين، وكان طلاقها مختلفاً بحسب اختلاف التوأمين جنساً، بأن يكون طلقة للذكر وطلقتين للأنثى أو العكس، طلقتان للذكر وطلقة للأنثى، وقد تأكدنا أن أحدهما سبق، فعند العلماء قاعدة، يقولون: نحن لا نشك في وقوع طلقة واحدة، أي: متحققون وعلى يقين أنها قد طلقت طلقة واحدة، وهذا ما فيه إشكال؛ لأنه إما أن يكون سبق الذكر وإما أن تكون سبقت الأنثى، والذكر يوجب طلقة والأنثى توجب طلقتين، فهناك طلقة لا إشكال في وقوعها، وهناك طلقة محتملة، حيث يحتمل أن الذي سبق هو الأنثى فتكون قد طلقت طلقتين وتأخر الذكر الذي يوجب الطلقة أو يكون الأمر بالعكس، بأن يكون سبق الذكر وتأخرت الأنثى فوقعت طلقة ولم تقع الطلقة الثانية؛ لأن الأنثى لا طلاق لها؛ لأن المرأة قد بانت بخروجها، فقالوا: اليقين عندنا طلقة والشك في الطلقة الثانية، فنقول: اليقين لا يزال بالشك، والأصل عدم وقوع الطلاق حتى يدل الدليل على وقوعه، فنحن ليس عندنا أمارة ولا غلبة ظن بسبق أحدهما، فتطلق طلقة واحدة، وهذا في حال ما إذا تحققنا أنه سبق أحدهما -بمعنى: التعاقب- ويكون قد خالف في عدد الطلاق، لكن لا تقع هذه المسألة إلا إذا حصل الشك، إذا شك في الذي سبق هل الأنثى أو الذكر؟ أما لو استطعنا أن نميز، ووجدت قرينة تدل على السبق، فحينئذٍ نحكم بالقرينة، مثال ذلك: لو أن المرأة دهمها الطلق فقذفت بالأول ثم قذفت بالثاني، فلما قذفت بالثاني حملته من بجوارها، فحينئذٍ الأول المتلطخ يمكن أن يعلم أو يعرف أنه الذي سبق فننظر فيه: إن كان ذكراً فذكر وإن كان أنثى فأنثى، فهنا علامة، إما أن يكون موضوعاً على الأرض والثاني حملته من تقوم على ولادتها، أو يكون المكان مختلفاً فوضعت الأول ثم نقلت إلى مكان آخر فوضعت الثاني، فنعلم أن الذي ولد في الغرفة الأولى هو السابق والذي في الغرفة الثانية هو اللاحق، فحينئذٍ إذا وجدت أمارة أو علامة تدل على سبق أحدهما على الآخر حكم بذلك، أو بالصوت الذي هو الصراخ، كأن تكون ولدت وكان الأول لا صوت له فوجد ميتاً، والثاني صرخ، فنعلم أن الحي هو الثاني، فإن كان ذكراً احتسبت الطلقتان بالسابق وهو الأنثى، والعكس بالعكس.
فإذا وجدت قرائن أو أمارات أو علامات تدل على سبق أحد المولودين للآخر فإنه يحكم بهذه العلامات، فمحل التفصيل أن يستويا ولا يمكن التمييز، أما إذا أمكن التمييز فإنه يحكم به، والقاعدة الشرعية تقول: (الغالب كالمحقق)، فغلبة الظن والشيء الغالب الوقوع نحكم به، وما دام أنه غلب على ظننا -بهذه الأمارات والعلامات- أنه السابق حكم بذلك واعتد به.

تعليق الطلاق على الطلاق

قال رحمه الله تعالى: [فصل: إذا علقه على الطلاق ثم علقه على القيام أو علقه على القيام ثم علقه على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين فيهما] يقول: إن طلقتكِ فأنتِ طالق وإن قمتِ فأنتِ طالق، أي: علق على الطلاق وعلق على القيام، فإذا علق على الطلاق وقال: إن طلقتكِ فأنتِ طالق؛ فقدم الطلاق على القيام فإنها إذا قامت تطلق طلقة بالقيام ثم طلقة ثانية بقوله: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، لأنه قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق ثم قال: إن قمتِ فأنتِ طالق، إن قعدتِ فأنتِ طالق، إن خرجتِ فأنتِ طالق؛ فخرجت أو قعدت أو قامت حكم بطلقتها الأولى لوجود صفة الخروج أو القيام أو القعود، وحكم بالطلقة الثانية لأنه جعل بينه وبين الله أن يطلقها إن كان وقع طلاقه عليها، وقد وقع طلاقه عليها بوجود الشرط، وحينئذٍ نحكم بأن التعليق الأول وهو قوله: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، موجب لوقوع الطلاق الثاني.
على هذا: إذا قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، يستوي أن يطلقها طلاقاً منجزاً أو طلاقاً معلقاً، فأي رجل يقول لامرأته: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، فأي طلاق يقع بعد هذه الجملة يتبع بطلاق ثانٍ لمكان التعليق، فأصبح الطلاق يحمل على الطلاق؛ لأنه فيما بينه وبين الله عز وجل قد طلق امرأته وهو مطلق لامرأته إن طلقها، فنقول: إذا وقع القيام بعد اشتراطها وتعليقه للطلاق على تطليقها؛ فإننا نحكم بكونها طالقاً بالقيام أولاً، ثم نحكم بطلاق التعليق على الطلاق بعد وقوع الطلاق المعلق على القيام.
قال رحمه الله: (إذا علقه -أي: الطلاق- على الطلاق) ومثال ذلك: أن يقول: أنتِ طالق إن طلقتكِ، (ثم علقه على القيام) يعني: علق الطلاق على القيام، فإنها تطلق طلقتين إذا قامت، فالقيام أوجب طلقة بالتعليق الثاني، وأوجب تطليق القيام طلقة بالتعليق الأول، إذا قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق وإن قمتِ فأنتِ طالق فتطلق بالقيام طلقة وتطلق طلقة ثانية بوجود الشرط من كونه مطلقاًَ لها، إذاً: قوله: إن طلقتكِ فأنتِ طالق يستوي فيه أن يطلقها منجزاً أو يطلقها معلقة.
(أو علقه على القيام ثم علقه على وقوع الطلاق).
(علقه على القيام) فقال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق، وإن وقع مني طلاق فأنتِ طالق، فحينئذٍ علق على الوقوع ليس على التطليق، وفرق بين التعليق على التطليق وبين وقوع الطلاق، هناك فرق بين الأمرين، فإنه إذا قال: إن طلقتكِ فأنتِ طالق فمراده إن وقع منه طلاق، فهذا يضاف للمستقبل ولا يضاف للماضي حتى لا تشكل علينا المسائل الآتية، إن طلقتكِ فأنتِ طالق، يعتبر تعليقاً مسنداً للمستقبل، بدليل أنه لو كان قد طلقها من قبل فإنها لا تطلق؛ لأنه يقول: إن طلقتكِ، والكلام مضاف إلى المستقبل، فلا يقع الطلاق فيما مضى ويقع فيما يأتي، فلو أنه قبل هذا التعليق علق الطلاق على قيام أو قعود أو جلوس فهذا مسند إلى الماضي وسيأتي، وإنما يؤثر في هذه الصيغة: (إن طلقتكِ) أن يكون مضافاً إلى المستقبل، وأن يكون تعليقه للطلاق بعد وجود التعليق على الشرط، يعني: على كونه مطلقاً لها.
بناءً على هذا: إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق، ثم قال: إن طلقتكِ فأنتِ طالق؛ فحينئذٍ لا نطلق إلا إذا وقع طلاق في المستقبل، فلو قامت طلقت بالتعليق الأول ولم تطلق بالتعليق الثاني؛ لأن التعليق الأول سابق للتعليق الثاني، والتعليق الثاني متعلق بما يقع من الشروط بعد تطليقه، وإنما طلقها قبل التعليق الثاني.
الآن عندنا لفظان: اللفظ الأول: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، بينه وبين الله أنه إن وقع منه طلاق في المستقبل فهي طالق عليه، أي رجل يقول لامرأته: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، ويوقع صيغة تعليق أو لفظ طلاق بعد هذه الكلمة نطلق عليه.
اللفظ الثاني: أن يكون طلق في الماضي أو علق في الماضي ووقع ما علقه في المستقبل فلا يؤثر؛ لأنه لم يطلق في الحال وإنما طلق فيما مضى بصيغة سابقة.
فهناك أمر لازم في صيغة (إن طلقتكِ فأنتِ طالق) وهو وقوع الطلاق منه في المستقبل وهو يقول: إن طلقتكِ يعني: إن وقع مني تطليق بعد هذا، فكل شخص قال: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، نقول له: انتبه، فكل طلاق منك سواءً كان معلقاً أو منجزاً بعد هذه الصيغة تنشئه -أي: تحدثه- فحينئذٍ يقع ويلزمك الطلاق الذي علقته على هذه الصيغة، وتطلق عليك مرتين، لكن لو علق طلاقاً قبل ذلك، نحو: إن ذهبتِ إلى أبيكِ، إن خرجتِ من البيت، إن قمتِ، إن قعدتِ، إن تكلمتِ، إن أكلتِ، إن شربتِ، ثم قال: إن طلقتكِ، فإن التعليق الأول مسند إلى الماضي، وسابق لشرطه فيما بينه وبين الله عز وجل، حيث إنه لم ينشئ طلاقاً؛ لأن التعليق قد وقع؛ ولذلك يقع التعليق منذ أن يعلقه فيما بينه وبين الله، بدليل أنه لو وقع منها الأكل أو الشرب قبل الصيغة الثانية التي فيها التعليق طلقت عليه، فإذاً التعليق الأول لا يتوقف على التعليق الثاني، والتعليق الثاني يتوقف على وقوع طلاق معلق أو منجز منشأ ومحدث بعد الصيغة.
إذاً فرق بين قوله: إن طلقتكِ وقوله: إن وقع مني طلاق، فقوله: إن طلقتكِ أضاف الأمر إلى المستقبل، فإذا سكت بعد هذه الجملة ولم يتلفظ بالطلاق، ولم يعلق الطلاق فالمرأة امرأته، وإن كان هناك تعليق سابق نحكم بالتعليق السابق مستقلاً عن هذه الجملة الثانية، هذا إذا قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، فنضيفه إلى ما بعده، والشرط عندنا أن يقع التعليق أو التنجيز بعد هذه الكلمة، وأنه لو قال قبل هذه الجملة: إن تكلمتِ فأنتِ طالق أو قمتِ فأنتِ طالق أو شربتِ فأنتِ طالق ثم قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق نقول: إن هذا التعليق مضاف إلى الماضي، وصحيح أن الطلاق الذي كان في التعليق السابق يقع بعد وقوع التعليق الثاني لكنه غير مرتبط به، ولا ينشئ طلاقاً ثانياً بالصيغة الثانية، وعلى هذا نقول: لو قال لها: إن قمتِ أو إن قعدتِ أو أكلتِ أو شربتِ ثم أتبع ذلك بقوله: إن طلقتكِ فأنتِ طالق لم يقع طلاق بالجملة الثانية حتى ينشئ تطليقاً بعدها.
لكن إن علق التطليق على وقوع الطلاق، قال: إن وقع مني طلاق فأنتِ طالق، لاحظ: (إن طلقتكِ) غير (إن وقع مني) فإن وقوع الطلاق شيء وإنشاء الطلاق شيء آخر، ففي الصورة الثانية تعلق تطليقه بالشرط الثاني على صفة، وبناءً على ذلك متى ما وجدت الصفة وجد التطليق، هو يقول لها: إن وقع مني طلاق، يعني: بسببي، فحينئذٍ يشمل ما إذا كان قبل التعليق الثاني أو بعد التعليق الثاني، وعليه: فإنه إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق، ثم قال: إن وقع مني طلاق فأنتِ طالق؛ فإنها إن قامت بعد الصيغة الثانية تطلق؛ لأن وقوع الطلاق قد وقع، فالصفة وجدت بخلاف الإنشاء الذي لم يوجد.
نختصر المسألتين ونقول: إن علق التطليق على الطلاق إنشاءً لم يقع حتى يطلق بعد الإنشاء تنجيزاً أو تعليقاً، وإن علق الطلاق على الطلاق وقوعاً لا إنشاءً فإنها تطلق بالطلاق المعلق قبل إنشاء الطلاق الثاني، فإن وجدت صفته حكم بالطلاق الثاني وطلقت به.
قال المصنف رحمه الله: [وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة] إن قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، فمعنى ذلك: طالق طلقة واحدة، ثم قال: إن قمتِ فأنتِ طالق، فقامت نطلقها طلقتين، طلقة بقيامها وطلقة بتعليق الطلاق على تطليقها؛ لأنه اشترط فيما بينه وبين الله: إن أنشأت أو وقع مني طلاق لك في المستقبل فأنتِ طالق، فأنشأ طلاقاً معلقاً بعد هذه الجملة فتطلق بوجوده إن حصل، فنطلق طلقة بوجود شرط القيام، ونطلق طلقة ثانية بوجود شرط الطلاق، هذا بالنسبة للصورة الأولى.
الصورة الثانية: العكس، قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق، ثم قال لها: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، فقد أسند الطلاق إلى وجود القيام فنطلقها بمجرد وجود القيام، ثم وجدنا شرطه بالتطليق بالطلاق مضافاً إلى مستقبل لم يُنشِئْ فيه طلاقاً، فلا نحكم بكونها طالقاً الطلقة الثانية.
فاختلفت الصيغتان: الصيغة الأولى التي توجب وقوع الطلاق طلقتين مبنية على كونه علق الطلاق على وجود طلاق في المستقبل، وقد طلق بعد هذه الجملة بالقيام، فتطلق بالقيام طلقة وتطلق بصيغة الشرط طلقة ثانية، وأما الصيغة الثانية فقد تمحض شرطه مضافاً إلى المستقبل أي: أنه إن أنشأ تطليقاً منجزاً أو معلقاً في مستقبله فتطلق، وإن لم ينشئ وإنما وقع طلاقه بناءً على تعليق سابق، ولم يكن هناك شرط منه بوقوع الطلاق على مثله، فلا نطلق عليه.
الخلاصة: من قال لامرأته: أنتِ طالق إن طلقتكِ طلقة، ثم قال لها: أنتِ طالق إن قمتِ فقامت؛ طلقت طلقتين، وإن قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق ثم قال: إن طلقتكِ فأنتِ طالق، فقامت؛ طلقت واحدة فقط بالقيام للتعليق الأول، ولم تطلق الثانية بالتعليق الثاني؛ لأنه لم ينشئ بعده طلاقاً لا منجزاً ولا معلقاً.

الأسئلة

إذا قال: إن ولدت ذكراً فأنت طالق، فهل يقيد هذا الطلاق بالحمل الموجود أم بأي حمل

السؤال

إذا قال: إن ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق، فهل يقيد هذا الطلاق بالحمل الذي في بطنها أم يبقى التعليق على أي وضع تلد فيه بذكر؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فيتقيد الحكم بهذا الذكر، وبناءً على ذلك: يقع الطلاق بخروجه، ولا يتبع بعد ذلك إلا إذا قال لها: كلما ولدتِ ذكراً فأنتِ طالق، فهذه مسألة ثانية، إذا قال لها: كلما ولدتِ، وجاء في صيغته بما يدل على التكرار أو يدل على البقاء فإنه يحكم به، والله تعالى أعلم.

الجمع بين قاعدة: اليقين لا يزال بالشك، والعمل بالشبهة بين الشبهتين

السؤال

ما الفرق بين قاعدة: (اليقين لا يزال بالشك) ومسألة الشبهة بين شبهتين، أعني: التي في مسألة اختصام سعد وعبد بن زمعة في الغلام؟

الجواب

قاعدة: (اليقين لا يزال بالشك) قاعدة مجمع على العمل بها واعتبارها؛ لدلالة نصوص الكتاب والسنة عليها، وهي إحدى القواعد الخمس المجمع عليها، والتي قامت عليها أكثر مسائل الفقه الإسلامي، وهي: (اليقين لا يزال بالشك) و (الأمور بمقاصدها)، و (المشقة تجلب التيسير)، و (الضرر يزال)، و (العادة محكمة)، هذه خمس قواعد انبنى عليها فقه الإسلام في أكثر مسائله، وقاعدة: (اليقين لا يزال بالشك) تدل على أن الأصل أن يعمل المسلم بما استيقنه ويلغي الشكوك والوساوس.
أما مسألة الشبهة بين الشبهتين فهي عند استواء الاحتمالين، وإذا استوى الاحتمالان أشبه الحلال من وجه وأشبه الحرام من وجه، فحينئذٍ ليس هناك أصل، يعني: إذا جئت -مثلاً- إلى شيء متردد بين أصلين فإنك لا تستطيع أن تغلب أحد الأصلين من كل وجه، بل تقول: إنني أتورع، فأتقي هذا وأستبرئ لديني، وأحتاط في أمري ونحو ذلك.
ومسألة الرضاع، ومسألة الولد للفراش، ومسألة إلحاق الولد بالشبه هذه كلها مسائل بُني فيها على غلبه الظن، وقصة عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه عند دخوله عليه الصلاة والسلام إلى مكة، وأمره عليه الصلاة والسلام لأم المؤمنين أن تحتجب منه لوجود الشبهة، هذه المسألة يقول بعض العلماء فيها: إذا كان هناك رضاع، وهذا الرضاع فيه شبهة، وتكلمت به امرأة، والشبهة فيه قوية، يقول: أعملِ الرضاع موجِباً لمنع النكاح، وأَسقطْه موجباً للمحرمية، فيعمل بالشبهتين، فيقول: أعملُ بالرضاع فأقول له: لا تتزوج هذه المرأة، وأُسقطُ الرضاع فأقول له: ليست بمحرم لك، وهذا مبني على الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام حينما قال: (كيف وقد قيل؟) في قصة المرأة التي ادعت أنها أرضعت صحابياً وزوجته، فقال له عليه الصلاة والسلام: (كيف وقد قيل؟)، فبعض العلماء يقول: الأمور المحرمة كالفروج والإرضاع ونحوها أمور ينبغي أن يحتاط فيها، فالنبي صلى الله عليه وسلم في مسألة الرضاع عمل بالشبهتين، فجعل للرضاع تأثيراً من جهة عدم جواز النكاح، ومنع الرجل أن يستبقي المرأة، وأيضاً أسقط حكم الرضاع واستند إلى الأصل من أنها أجنبية فمنعه من الدخول عليها ومصافحتها على أنها محرم له، فهذا يلجأ إليه الفقيه في بعض المسائل من باب الاحتياط والاستبراء للدين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (فمن اتقى الشبهات فقد استبراء لدينه وعرضه)، وبعض العلماء -رحمهم الله- عندهم إشكال في هذه المسألة، ويقول: إذا تردد الأمر بين شبهين محرم ومبيح فإنني أغلب المحرم؛ لأن القاعدة: (إذا تعارض حاظر ومبيح يقدم الحاظر) لأن التحريم فيه زيادة حكم وزيادة علم، فالمبيح باقٍ على الأصل ومستند إلى الأصل، والأصل يرجحه، لكن كونه يأتي شبه من الحرام فقد جاءت زيادة علم، وزيادة العلم توجب التقديم، فأقدم الحرام من هذا الوجه، وبعض العلماء يقول: لا، أقدم الحلال؛ لأن الأصل إباحة الأشياء؛ والشريعة شريعة تيسير؛ والنبي صلى الله عليه وسلم ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
وهذا كله مما يكون فيه اختلاف أنظار العلماء، وتحتك وتصطدم فيه الاجتهادات بين الأئمة، وعندها يظهر فتح الله على من فتح عليه من واسع علمه.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يلهمنا الحق ويرزقنا اتباعه، وأن لا يجعله ملتبساً علينا فنضِل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

حكم من علق الطلاق بوضع ذكر أو أنثى فوضعت خنثى

السؤال

ما الحكم لو ولدت خنثى وقد قال لها: إن ولدتِ ذكراً أو إن ولدتِ أنثى؟

الجواب

الخنثى في الأصل أن العلماء -رحمهم الله- يعطونه حكم الأنثى، ولذلك يعتبرونه مندرجاً تحت القاعدة المشهورة: (اليقين لا يزال بالشك)، فهو متردد بين الأنثى وبين الذكر، فاليقين أنه أنثى حتى نتيقن أنه ذكر، وإن كان في الواقع أنه بين الذكر والأنثى، فإذا ولدته على أنه خنثى وكان فيما بينه وبين الله قد اشترط تمحض الذكورية أو تمحض الأنوثة فلا طلاق؛ لأنه ليس بذكر محض ولا بأنثى محض، فإذا قصد أن يكون ذكراً محضاً أو أنثى محضاً، وكان أثناء الولادة لم يتمحض ذكراً ولم يتمحض أنثى، فاختار بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- أنه في هذه الحالة يحكم بعدم الطلاق؛ لأنه شرط فيما بينه وبين الله عز وجل أن يطلق الطلقة إن تمحض ذكراً وأخرجته ذكراً، ويطلق طلقتين إن تمحض أنثى وأخرجته أنثى، والخنثى ليس بذكر محض ولا بأنثى محض، ولذلك إذا تلفظ بهذا اللفظ وبينه وبين الله عز وجل أنه يقصد كونه ذكراً محضاً أو أنثى محضاً، فإنه لا يحكم بالطلاق، وزاد من ذكرنا من مشايخنا فقال: أما لو تبين بعد وضعه مباشرة أنه ذكر أو أنثى فحينئذٍ لا إشكال ويحكم بما تميز وآل إليه حاله، وقال بعض مشايخنا رحمة الله عليهم: عندي شبهة إذا كان التميز طارئاً بعد زمان، لاحتمال أن يكون مراده متمحضاً الذكورة والأنوثة أثناء الخروج وليس مراده أن يتميز بعد ذلك؛ لأنه ربما خرج مشكلاً أثناء الوضع والولادة، ثم تميز بعد الوضع والولادة بسنوات، وقد يتميز عند قرب البلوغ، ولذلك فالأصل يقتضي أنه إذا كان مراده أثناء الوضع، أن يكون ذكراً محضاً أو أنثى محضاً فلا طلاق، وهذا مثل قوله: إن كان أول ما تلدينه ذكراً فطلقة، وإن كان أول ما تلدينه أنثى فطلقتان، فولدتهما معاً فإنها لا تطلق، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأنه قال: إن كان أول ما تلدينه، مع أن الذكر موجود والأنثى موجودة؛ لأنه علق على صفة، فهو إذا استصحب الولادة صفة مؤثرة كأن يكون بينه وبين الله أن تتمحض الولادة بالذكورة أو بالأنوثة فحينئذٍ تؤثر الصفة ويحكم بالطلاق على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.
بالنسبة للمسألة الماضية كنا نركز في الجواب على مسألة الشبهة وتردد الشبهة، لكن السائل لعله يقصد تعارض قاعدة (اليقين لا يزال بالشك)، مع قاعدة العمل بالشبهين أو إعمال الشبهتين، إذا كان له شبه من حرام وشبه من حلال، أنا فيما يظهر لي من السؤال: أنه كيف يُجمع بين كوننا نعمل بالشبهتين، ولماذا لم نرجع إلى قاعدة (اليقين لا يزال بالشك)؟ إن كان هذا مراده فالجواب هو: أن قاعدة (اليقين لا يزال بالشك) في حال وجود الغلبة، مثلاً: شخص توضأ للظهر، ثم حضرت صلاة العصر وشك هل خرج منه شيء أو لا؟ فاليقين والغالب أنه لم يخرج شيء؛ لأن الأصل كونه متوضئاً متطهراً، وحينئذٍ لا تعارض، فعندنا أصل ثابت، لذا قالوا في القاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، لكن في الشبهين تعارض أصلان بدون ترجيح، ففي قصة ابن زمعة إذا جعلت الولد المختصم فيه ابناً، فحينئذٍ يكون ابن زمعة ويجوز أن يدخل على أم المؤمنين سودة بنت زمعة وتثبت المحرمية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش) فالمرأة كانت تحت زمعة وزنى بها الرجل، فإذا جئنا ننظر إلى الأصل الموجود من كونها فراشاً لـ زمعة فهذه الأمة تبعٌ لـ زمعة فولدها تبعٌ لـ زمعة، ولا إشكال ويحكم بكونه ولداً للفراش.
لكن إذا جئنا ننظر إلى القرائن الموجودة من كونه فيه شبه ممن يُدعى أنه ولده بالزنى، فحينئذٍ يقال: إنه ولده، ويؤثر فيه، وهذا على حكم الجاهلية؛ فبعض الأمور أبقيت على حكم الجاهلية، مثل الأنساب، فما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أنكحة الجاهلية لم تتوفر فيها شروط الإسلام فتكون باطلة، فالأنساب نبه العلماء على أنها تبقى على حكم الجاهلية، فإذا جئنا ننظر إلى الولد من حيث الشبه والصفات وجدنا فيه الشبه بمن زنى، فهذا يقتضي أن يلحق به، لكن في الشرع لا يلحق به وإنما يكون ولد زنى فلا يكون محرماً لـ سودة بنت زمعة رضي الله عنها وأرضاها، فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تحتجب منه، لأن فيه شبهاً يدل على أنه ليس للفراش، وأبقى حكم الفراش بناءً على الأصل، فأعمل الأصلين، وهذا من باب تردد الشبهين، ولم يوجد أصل نرجح به أحدهما على الآخر، بخلاف الوضوء، فعندنا أصل أنه متطهر، وهو يشك هل خرج منه شيء أو لا؟ فنقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، ونعمل بقاعدة: (اليقين لا يزال بالشك)، ثم القاعدة تدلك على هذا، فاليقين لا يزال بالشك، معناه: أن هناك أصلاً يمكن الرجوع إليه، وشبهة عارضة، وشكاً عارضاً، لكن في الشبهتين المستويتين يكون من باب تعارض الأصلين، مثل مسألتنا التي معنا، الأصل أنه أجنبي، والأصل أنه ولد، فهذان أصلان متضادان، فهو ولد لـ زمعة لأنه صاحب الفراش، وولد لذاك على أنه ألحق بالشبه، والشبه مؤثر، فتعارض الأصلان وكلٌ منهما معتبر في بابه.
ومن أمثلة تعارض الأصلين وأحدهما طارئ والثاني قديم: إذا رفع المصلي رأسه من الركوع هل يقبض يديه أو يسبلهما؟ إذا جئت تنظر إلى الأصل تقول: الأصل أن المصلي لا يتحرك حركة زائدة، ولا يقف بصفة زائدة إلا بدليل صريح؛ لأنه إذا قبض يديه سيعمل حركة، والأصل يقتضي أن يسبل يديه، فالأصل العام أن يسبل حتى يدل الدليل على القبض، فتغلب جانب الإسبال، أو تقول: الأصل أنه قابض قبل الركوع، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا رفع رأسه من الركوع رجع إلى الأصل الذي كان عليه.
فالقول الأول معتمد على أصل في الصلاة معتبر ولذلك قالوا: الأصل السكوت حتى يدل الدليل على الكلام، والأصل عدم الحركة حتى يدل الدليل على الحركة، فالأصل القديم مستند إلى نص في الصلاة (مالي أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيل شمس، أسكنوا في الصلاة) أي: لا تتحركوا ولا تفعلوا شيئاً إلا إذا أُمرتم بالحركة والفعل.
فشككنا في هذه المسألة هل قبضه عليه الصلاة والسلام قبل الركوع يستصحب لما بعد الركوع؟ أم نقول: إن ما بعد الركوع حالة مستقلة تحتاج إلى نص في القبض؟ من قبض يرجح هذا الأصل فهو على سنة، ومن أسبل يرجح هذا الأصل فهو على سنة، فهذا يعتبر من باب تعارض الأصلين، فهذه أصول متضادة ما تستطيع أن ترجح أحدها، لو قلت مثلاً: الأصل أن يسبل يديه؛ لأنه ما عندي دليل على القبض، يرد عليك ويقول: الأصل في الصلاة أن يقبض، فترد عليه وتقول: أصل القبض يكون قبل الركوع، وما بعد الركوع ليس له حكم ما قبل الركوع؛ لأن ما قبل الركوع فيه قراءة، وبعد الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، ولا يقرأ، وقد جاء النص: (حتى عاد كل فقار إلى موضعه ... ) المهم أن هذا من باب تعارض الأصلين وله نظائر كثيرة، والمقصود من هذا: أنه لا يتعارض تقديم الأصل مع مسألة الشبهات لما ذكرنا من الأدلة.

وصية في تربية الأولاد

السؤال

بعض الآباء يقتصر في تربيته لأبنائه على توفير المأكل والمشرب ويغفل عن التربية من حيث التأديب والتهذيب، فهل من وصية حول هذا الأمر؟

الجواب

أما بالنسبة لتربية الأولاد فالكلام حولها لا شك أنه يحتاج إلى وقت طويل، لكن جماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، وإذا أراد الله أن يقر عين الوالد في ولده رزقه أموراً تهيئ له البركة فتوضع له في ولده، وهذه الأسباب: أولها وأعظمها: دعاء الله أن يصلح له الذرية والولد، كما حكى الله عن أنبيائه وصالح عباده، فقال نبيه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:38] أي: لا تهب لي ذرية فقط، ولكن أسألك أن تكون طيبة، ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:38] وقال الله عن عباده الصالحين: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:74]، فيسأل الله في أوقات الإجابة أن يصلح له ذريته؛ لعلمه أنه إذا صلحت ذريته فإن الله عز وجل يقر عينه بهم في الدنيا والآخرة، فكم من بهجة للنظر، وكم من سرور للقلب، وكم من طمأنينة للنفس وراحة وبهجة بالولد الصالح، فهو خير معين بعد الله عز وجل على شدائد الدنيا، بل حتى إن الرجل في بيته مع زوجه لربما نزلت به مصيبة حتى كادت امرأته أن تطلق عليه، فيدخل الولد الصالح فيصلح ما بينه وبين زوجه، وهذه من بركات الذرية الصالحة، وإذا كان الولد صالحاً كان قائماً عليه إذا مرض، يقوم على شأنه ويحتسب أجره عند الله عز وجل، فيجد خيره وبركته ما شاء الله أن يجد.
وكذلك من الأسباب التي تهيئ الذرية الصالحة والولد الصالح: التربية الصالحة، والتربية تفتقر بالاختصار إلى أمرين مجملين: أولهما: أن ينظر الولد إلى الصلاح في قولك وعملك، وتكون قدوة له، فإذا رآك بمجرد أن تسمع داعي الله إلى الصلاة تبكر وتبتكر، وتشحذ همتك بالتبكير إلى بيوت الله، وعمارتها بذكر الله، خرج كما خرجت وبادر كما بادرت، ولربما غيبك لحدك وغيبك قبرك فتذكرك عند كل صلاة فترحم عليك، فالأب الصالح الذي يترجم بالقدوة الصالحة وبالعمل الصالح معاني للصلاح، يخط لولده صراطاً مستقيماً، وسبيلاً قويماً، يهتدي به ولده وولد ولده من بعده، حتى ينال أجره وأجر من اقتدى بذلك الهدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما الأمر الثاني في القدوة: إذا كانت القدوة هي الأساس، فينبغي على الوالد أن يهيئ لنفسه جميع أسباب القدوة، فإذا دخل البيت فليدخل بالحنان والبر والإحسان فيكون خير والد لولده، وما جُبلت قلوب الأبناء على حب الآباء بشيء مثل الإحسان، ومثل الرفق الذي ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، وهذا رسول الأمة صلى الله عليه وسلم وهو ساجد بين يدي الله يأتي ولده ويمتطي ظهره، فلما امتطى ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سكن عليه الصلاة والسلام ولم يزعجه ولم يقلقه، فشهد ابنه بحنانه ورحمته وبره عليه الصلاة والسلام، قال بعض العلماء: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن الحسن والحسين -على اختلاف الرواية- في الخلوة من ركوب الظهر لما ركبه أمام الناس، معناه: أنه كان إذا خلا مع الحسن والحسين يدللهم، ويدخل السرور عليهم إلى درجة أنهم يمتطون ظهره، ففعلا ذلك أمام الناس، فالقدوة بالإحسان وبالكلمة الطيبة وبالبر.
الكلمة الأخيرة: أن يكون هناك تعليم وتوجيه وإرشاد بكلمة طيبة، ونصيحة صادقة، وينبغي على كل والد وكل والدة أن تفرق بين النصيحة التي تكون ناشئة من أسباب دنيوية وغيرة على العرض وعلى النفس، وبين النصيحة الخارجة من قلب يخاف الله، يريد أن يقي نفسه وأهله من نار الله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهب لنا ولكم ذرية صالحة تقر بها العين.
اللهم بارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، وارزقنا خير الولد وخير الذرية إنك ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب تعليق الطلاق بالشروط [6]

قد يحلف الزوج بالطلاق على أمر يريد أن يمنع زوجته منه أو يحثها عليه، فيترتب على هذا الحلف مسائل في الطلاق بحثها العلماء رحمهم الله بتفاصيلها.

تعليق الطلاق على الطلاق بـ (كلما)

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق.
فوجدا، طلقت بالأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً].
تقدم معنا أن الطلاق له حالتان: الحالة الأولى: أن يوقعه الزوج منجزاً، كقوله لامرأته: أنت طالقٌ، فهذا طلاق منجز، حيث أمضى طلاقها دون أن يعلقه على شيء.
الحالة الثانية: أن يكون معلقاً، والتعليق له مسائل وأحكام اعتنى العلماء -رحمهم الله- ببيانها وتفصيلها، وبين المصنف -رحمه الله- مسائل التعليق، وذكرنا أن التعليق لا يكون إلا من زوج، وبينا أنه إذا وقع من الأجنبي فلا يقع على أصح أقوال العلماء رحمهم الله.
ثم هذا التعليق يشتمل على ربط حصول مضمون جملة على حصول مضمون جملة أخرى، وبينا أن لهذا التعليق أدواتٍ يتم من خلالها ربط الجمل بعضها ببعض، ومنها ما يقتضي التكرار، ومنها ما لا يقتضي التكرار، وبينا مسائل الطلاق بالشروط، وفصلنا جملة من تلك المسائل، وما زال المصنف -رحمه الله- في نوع خاص من التعليق، في معرض بيانه لتعليق الطلاق على الطلاق، فالطلاق قد يعلق على وقوع شيء إذا وقع وقع الطلاق، فيعلق إما على أقوال وإما على أفعال، ثم هذا الشيء إذا كان من جنس الطلاق فإنه يعتبر فرداً من أفراد تعليق الطلاق على وقوع الشيء، لأن التعليق قد يكون على الأقوال وقد يكون على الأفعال، والطلاق من الأقوال، فالمصنف -رحمه الله- لا زال في معرض بيانه للمسائل التي تتعلق بتعليق الطلاق على الطلاق، وتعليق الطلاق على الطلاق تارةً يكون تعليقاً لطلقة على وقوع طلاق منه، وتارةً ينسحب الطلاق ويتكرر.
قال رحمه الله: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق].

الفرق بين: (كلما طلقتك) و (كلما وقع عليك طلاقي)

هناك فرق بين الجملتين، فقوله: (كلما طلقتك) لا تقع الطلقة إلا بعد وقوع الطلاق منه، فأصبح الطلاق معلقاً عليه هو، وليس على وقوع الطلقة، وهناك فرق بين أن يعلق الطلاق على وقوعه من المطلق وبين أن يعلق الطلاق على مجرد وقوع الطلاق، فإذا علقه على تطليقه فلا تطلق إلا بتطليقه، ويكون الطلاق منحصراً في ذلك التطليق الذي يقع منه، وأما (كلما وقع عليك طلاقي) فقد علق الطلاق على وقوع الطلاق، فينسحب الطلاق وراء بعضه، فتطلق لوقوع الشرط الطلقة الأولى، فإن وقعت الطلقة الأولى جاء الشرط وتحقق للطلقة الثانية؛ لأنه كلما وقع عليها طلاق تقع طلقة ثانية لشرط ثان مستأنف، ويكون هذا مقتضياً للتكرار.
اللفظة الأولى: كلما طلقتك فأنت طالق، فلو قال لها: أنت طالقٌ فإنها تطلق عليه طلقتين: الطلقة الأولى: بقوله: أنت طالق، والطلقة الثانية: مرتبة على شرط بينه وبين الله، أنه إن طلقها فهي طالق، فيكون الطلاق معلقاً على وقوعه من المطلق، ولا تستطيع أن تحدث طلقة ثالثة بعد هاتين الطلقتين لأنه يتقيد الطلاق في هذا الشرط بأن يحصل منه الطلاق، ولم يحصل منه إلا مرةً واحدة فلا يتكرر.
اللفظة الثانية: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فقد علق الطلاق على وقوع الطلاق، فإذا قال لها: أنت طالق، وقع عليها الطلاق فتطلق الطلقة الثانية، فإذا طلقت الطلقة الثانية، وقع عليها طلاق فوقع الشرط فتطلق الثالثة، هذا الفرق بين الصورة الأولى والصورة الثانية، يقول رحمه الله: (وإن قال كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق).
(كلما طلقتك) أسند إلى نفسه، (كلما وقع عليك طلاقي) أسند الطلاق ورتبه على وقوع الطلاق، وفي كلتا الصورتين لا يمكن أن يقع الطلاق في الابتداء إلا إذا حصل منه طلاق، فإذا حصل منه طلاق في قوله: (كلما طلقتك) فأسند الطلاق إلى نفسه؛ فتطلق طلقة واحدة مع الطلقة التي طلقها، لكن في قوله: كلما وقع عليك الطلاق مني فأنت طالق، فإنه إذا طلقها الطلقة الأولى؛ جاءت الطلقة الثانية بالشرط مثل الصورة الأولى، لكن هناك أمر آخر مرتب على الطلقة الثانية، وهو أنه كلما وقع طلاق تقع طلقة، فوقعت الثانية بالشرط ووقعت الثالثة بعدها بالوقوع؛ لأنه وقع طلاق فتحقق الشرط مرتين، ففي المرة الأولى تحقق بتطليقه، وفي المرة الثانية تحقق بوقوعه لتحقق الشرط فتطلق عليه ثلاثا.
ففي اللفظ الأول تطلق عليه مرتين، الطلقة الأولى بناءً على لفظه وتطليقه، والطلقة الثانية بناءً على شرطه، وأما في اللفظ الثاني: فإنها تطلق عليه ثلاثا، تطلق عليه الطلقة الأولى؛ لأنه طلق، وتطلق عليه الطلقة الثانية؛ لأنه وقع عليها طلاقه، وتطلق عليه الطلقة الثالثة لأنه وقع طلاقه بالطلقة الثانية، ولو كان الطلاق عشرين لانسحب الطلاق وراء بعضه حتى يستتم العشرين، هذا الفرق بين الصورة الأولى والثانية.
في الصورة الأولى: التكرار بوقوع الطلاق منه، وفي الصورة الثانية: التكرار بوقوع الطلاق؛ و (كلما) تقتضي التكرار، فيتكرر عليه الطلاق في الصورة الأولى بتكرره منه، كلما وقع منه طلاقه، ولا يتكرر إذا لم يقع منه طلاق، وفي الصورة الثانية: تقتضي (كلما) التكرار لحدوث الطلاق ويسحب بعضه بعضاً، فالطلقة الأولى موجبةٌ للثانية، والثانية موجبةٌ للثالثة، وهكذا حتى يستتم عدد الطلاق.

تعليق الطلاق على الحلف

حكم إيقاع الطلاق بالحلف بالطلاق

قال رحمه الله تعالى: [فصل: إذا قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق إن قمت، طلقت في الحال].
شرع المصنف -رحمه الله- في تعليق الطلاق على الحلف، والحقيقة أن الحلف له بابٌ مخصوص وهو باب الأيمان، والحلف شيء والطلاق شيءٌ آخر، لكن تجوّز العلماء وتسامحوا في إطلاق الحلف على الطلاق، وهذا لا يستلزم أن الطلاق يأخذ أحكام اليمين كلها، إنما هذا تجوز لوجه الشبه بين اليمين الذي هو الحلف وبين الطلاق، ووجه الشبه ينحصر في صور خاصة، منها: الطلاق في هذه الصورة في تعليق الطلاق بالشرط لقصد الكف أو الحمل على الفعل، فإذا علق الطلاق على شيء زاجراً امرأته عن ذلك الشيء أو حاثاً لها على ذلك الشيء، فإنه حينئذٍ يكون في معنى اليمين من جهة الحث على الترك أو على الفعل، لا أنه يمين؛ لأن الحلف لا يصلح بغير الله عز وجل، ولا ينعقد بغير الله عز وجل: (ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فليس بيمين شرعي من كل وجه، وإن كان بعض العلماء يرى أنه يكفر كفارة يمين، لكن هذا قول مرجوح، وجمهور السلف والأئمة -رحمهم الله- على وقوع الطلاق المعلق بالشرط الذي ألزم فيه المكلف نفسه فيما بينه وبين الله أن امرأته إن خرجت طلقت عليه، فلا فرق بين قوله: إن جاء الغد أو إن طلعت الشمس فأنت طالق، وبين قوله: إن قمت فأنت طالق، أو إن قعدت، أو إن سلمت على أبيك، أو إن زرت أهلك، فكلٌ منهما بمعنىً واحد، وهذا قول جمهور العلماء -رحمهم الله- ومنهم الأئمة الأربعة، فإذا علق فيما بينه وبين الله عز وجل من أجل أن يحث امرأته على فعل أو يمنعها ويزجرها من فعل فإنه في معنى اليمين من جهة الحث والمنع، لكنه لا يأخذ حكم اليمين من كل وجه، هذا من حيث الأصل، قال بعض العلماء: إنه يكون في حكم اليمين، وهذا قول مرجوح لأنه مبني على القياس والنظر، وأنتم تعلمون أن الطلاق مبناه تعبدي، وألفاظه في الأصل تعبدية في الكيفية، فالشرع جعل الطلاق جده جدٌ وهزله جدٌ، يقول العلماء: لفظ الطلاق على الخطر والمخاطرة، فالأصل أنه لا يتكلم متكلم بهذا الطلاق إلا ألزمه الشرع به، هذا هو الأصل، فلن يستطيع أحد أن يسقط هذا الإلزام الذي ألزم به المكلف نفسه إلا بدليل شرعي يبين أنه لا يأخذ حكم الطلاق، حتى الهازل الذي لا يقصد ولا يريد إيقاع الطلاق أمضى الشرع عليه الطلاق، مع أنه لا نية له، والشرع يعظم أمر النية، وقد تقدم بيان حكمة الشرع في اعتماد الطلاق، وأخذ الناس فيه بالحزم وبالجد، حتى أن الرجل لو قال لامرأته: أنت طالق، وفيما بينه وبين الله قصد أنها طالق من حبل؛ فإنها تطلق عليه قضاءً، كل هذا حتى لا يتلاعب الناس بهذا اللفظ المبني على الخطر، وأنه ينبغي أن يحتاط في أمر دينه، فهو حينما يقول لامرأته: إن خرجت من الدار فأنت طالق، لا يختلف اثنان أنه فيما بينه وبين الله عز وجل يريد إيقاع الطلاق إن خرجت من داره، وكونه يريد أن يمنعها أو يريد أن يحثها على الفعل؛ هذا أمر خارج عن صلب الموضوع، صلب الموضوع أن الله أعطاه إذا تلفظ بهذا الطلاق أن يمضي عليه الطلاق، هذا الذي مضت عليه الشريعة في جد الطلاق وهزله، وإذا ثبت كونه يقصد المنع فهذا أمر جاء تبعاً، وشرع الله ألزم كل مطلق بطلاقه، وجمهور العلماء على وقوع الطلاق المعلق بشرط سواءً تضمن الشرط حثاً أو منعاً وزجراً بحيث يقصد منه أن يحث امرأته على شيء أو تمتنع منه، فإن وقع الشرط وقع المشروط، فلو قال لها: إن خرجت فأنت طالق، فكل شخص يعرف معنى الطلاق، ويعرف أنه يقول لزوجته: إن خرجت -يعني: بينه وبين الله- فأنت طالق، فلا فرق بين قوله: إن خرجت فأنت طالق، وبين قوله: إن جاء الغد فأنت طالق، هذا قصده في الزمان، وهذا قصده في وقوع الفعل أو عدم وقوعه إن لم تقومي، إن لم تذهبي، إن لم تأتي، إن لم تعملي، كل هذا بينه وبين الله، وجاء بصيغة معروفةٍ في لسان العرب، وربط مضمون جملة بمضمون جملة أخرى، فنلزمه فيما بينه وبين الله بطلاقه، هذا من حيث الأصل.
إذا ثبت هذا، فإن تسمية الطلاق حلفاً ليس المراد أنه من كل وجه يأخذ حكم اليمين، ولا تشرع فيه كفارة اليمين، وما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أحداً في الطلاق أن يكفر كفارة يمين، ولا عن واحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفتى أحداً في مسألة من مسائل الطلاق أن يكفر كفارة يمين، بل جماهير السلف من العلماء والأئمة -رحمهم الله- على أن من علق طلاقاً بينه وبين الله عز وجل على وقوع الشيء الذي اشترطه؛ أنه يلزم بالطلاق، ولا فرق في ذلك بين أن يعلق على زمان أو مكان أو بين أن يعلق على وقوع شيء أمراً وحثاً أو زجراً وتركاً.

تعليق الطلاق على الحلف بالطلاق

شرع المصنف -رحمه الله- في تعليق الطلاق على الحلف، وكما ذكرنا أنه إذا قال لها: إن ذهبت إلى أمك، إن ذهبت إلى أهلك، إن قمت، إن قعدت، إن لم تتكلمي، إن لم تعملي، إن تكلمت فأنت طالق، إن خرجت فأنت طالق، وكان يقصد منعها من الخروج، أو منعها من الكلام.
إلخ.
هذه يسميها العلماء الحلف بالطلاق، ويتجوزون في تسمية الطلاق بالحلف.
فهنا كي يبين المصنف حكم التعليق على وجود أمرٍ آخر مرتبط بالحث على فعل شيء أو ترك شيء قال رحمه الله: (إذا قال: إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق إن قمت، طلقت في الحال).
(إذا حلفت بطلاقك) أي: إذا وقعت مني صيغة الحلف بالطلاق فإنك طالقة، بناءً على هذا: ننتظر منه أن يقول هذه الصيغة، فلو قال لها بعد هذا: إن قمت فأنت طالق، فإنها تطلق؛ لأنها وجدت صيغة الحلف؛ لأنه لا يريد منها القيام إن قال لها: إن قمت، أو قال لها: إن خرجت، فهو لا يريد منها الخروج، فهذا في معنى الحلف لما ذكرنا، فعلق الطلاق على الحلف وكأنه قال: إن علقت طلاقك على فعلك شيئاً أو تركك شيئاً فأنت طالق، فإن وقع منه تعليق على هذا الوجه فإنه يحكم بالطلاق، سواءً قال لها: إن قمت، إن قعدت، إن أكلت، إن تكلمت ونحو ذلك من صيغ التعليق فإنها تطلق في الحال، ولو قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالقٌ، قال ذلك -مثلاً- الساعة الواحدة ظهراً، ثم الساعة الثانية قال لها: إن ذهبت إلى بيت أبيك فأنت طالق، طلقت في الساعة الثانية ظهراً بالتعليق الأول؛ لأنه وقع منه تعليق على الخروج، وهو بمعنى الحلف، ثم ننتظر إن خرجت إلى أبيها وقعت الطلقة الثانية، وهذا مبني على ما ذكرناه من مسألة التعليق على الحلف.
قال المصنف رحمه الله: [لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرط لا حلف].
تقدمت معنا مسائل التعليق على الزمان، وإضافته إلى الزمان المستقبل، وبينا الصور والمسائل التي ذكرها العلماء في هذا الموضع.
صورة المسألة التي ذكرها المصنف: أن يقول لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن طلعت الشمس فأنت طالق، (إن طلعت الشمس) ليست بحلف؛ لأنها لا تتضمن حثاً على فعل، ولا منعاً من شيء، فهذه الجملة ليست عندهم في معنى اليمين ولا في معنى الحلف، وقالوا: في هذه الحالة علق طلاقه على طلوع الشمس فإن طلعت الشمس حكم بطلاقها، وفي هذه المسألة بعض العلماء يقول: إنها تطلق حالاً، والجمهور على أنها تطلق بطلوع الشمس، فعلى هذا إذا اشترط الحلف فلا بد وأن تتضمن صيغة التعليق أمراً بشيء أو نهياً عنه كما ذكرنا.

تكرار صيغة (إن حلفت بطلاقك فأنت طالق)

قال المصنف رحمه الله: [وإن حلفت بطلاقك فأنت طالق أو إن كلمتك فأنت طالق وأعاده مرة أخرى طلقت واحدة ومرتين فاثنتان وثلاثا فثلاث].
(إن حلفت بطلاقك فأنت طالق) يقع الطلاق فيها بصورتين: الصورة الأولى: أن يحلف وتقع منه صيغة ثانية غير الصيغة التي قالها أولاً، مثال ذلك: أن يقول: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق؛ ثم يقول لها: إن قمت فأنت طالق، فإنها تطلق في الحال؛ لأنه حلف بطلاقها بقوله: إن قمت، وهي صيغة للحلف غير الصيغة التي ذكرها أولاً.
الصورة الثانية: أن يكون التطليق بهذا التعليق بنفس الصيغة، مثال ذلك: أن يقول لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم بعد وقت قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، فهذا حلفٌ بالطلاق فتطلق عليه، ولو جاء مرة ثانية وقال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق فالطلقة ثانية، وإن جاء مرة ثالثة وقال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، تطلق الطلقة الثالثة؛ لأنه في كل إعادة يعيدها وقعت منه صيغة الحلف، ووقع منه التعليق الذي يوصف بكونه حلفا عند من يسميه بهذا الاسم من العلماء رحمهم الله.
إذاً: (إن حلفت بطلاقك) لها صورتان: إما أن يحلف بطلاقها حقيقة وحينئذٍ لا إشكال، إذا وقع الشرط وقع المشروط.
وإما أن يكرر نفس الصيغة، وهي من صيغ الحلف.
فالتطليق يكون إما بوقوع حلف خارجٍ عن الصيغة الأساسية أو يكون بتكرار الصيغة نفسها؛ لأنه فيما بينه وبين الله أنه مطلقٌ لها إن وقعت منه صيغة الحلف، فإن طلقنا عليه في المرة الأولى فقد طلقنا عليه بصيغة الحلف وتحقق الشرط، وهكذا في المرة الثانية، وهكذا في المرة الثالثة.
(أو إن كلمتك فأنت طالق وأعاده مرة أخرى طلقت واحدة ومرتين فاثنتان، وثلاثاً فثلاث).
(أو إن كلمتك فأنت طالق) في هذه الحالة لو جاء وقال لها مرة ثانية: إن كلمتك فأنت طالق، فقد كلمها، مثلاً: قال لها الآن: إن كلمتك فأنت طالق، ثم بعد دقيقة قال لها: إن كلمتك فأنت طالق، فإنها تطلق عليه، فإن رجع مرة ثانية وقال: إن كلمتك فأنت طالق، فطلقة ثانية، وإن رجع فثالثةً؛ لأنه تكلم، وإذا وقع الشرط فقد وقع المشروط، بناءً على ذلك: يحكم بطلاقها ثلاثاً إن تكرر منه ذلك ثلاثاً.

تعليق الطلاق على الكلام

قال رحمه الله تعالى: [فصل: إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق، فتحققي، أو قال: تنحي، أو اسكتي، طلقت].
هذه أمثلة لا يستغرب الإنسان منها، فهي نوع من الرياضة لذهن الفقيه وطالب العلم الذي سيجلس غداً للفتوى أو للقضاء أو للتعليم، ومن علم بهذه المسائل الغريبة العجيبة فإنه سيأتيه مثلها، ولكل أهل زمان أسلوبهم وطريقتهم، فلا يظن الطالب أن هذا شيء غريب معقد، بل هذا نوع من الترويض، وهو مدروس من العلماء رحمهم الله، وهم أبعد من أن يضيعوا أوقاتهم وأوقات من يدرس كتبهم، بل هذه المسائل تدرس بعناية، ويراد بها الترويض للذهن على المسائل الغريبة في الطلاق، وسيأتيك من أسئلة الناس ما لم يخطر لك على بال، فالعلماء يضربون أمثلة متعددة، وكلمات غريبة، ويقصدون منها وضع ضوابط للفقيه بحيث إذا سئل عن أي مسألة يعرف أصلها، فقد يأتي رجل لم يقرأ الفقه البتة؛ ويأتيك بشيء أشبه ما يكون بما ذكره العلماء، وقد رأينا في مجالس علمائنا ومشائخنا من يأتي بكلمات مبنية على كلام العلماء رحمهم الله، لكنها اختلفت باختلاف عادات الناس وأساليبهم، فالكلمات التي يذكرها العلماء مثل قولهم: إذا علق الطلاق على شيء، إذا علق على شيء آخر؛ كل هذا ترويض لطالب العلم الذي سيكون فقيها أو مدرساً أو مفتياً أو قاضياً، حتى لا يستغرب شيئاً مما يقع بين يديه، ويستطيع أن يقيس، والقاضي تأتيه المسائل من كل حدب وصوب، وليست معينة، وكذلك المفتي، وكذلك من يدرس ويعلم.
فنحن دائماً في المسائل الغريبة ننبه على هذه التنبيهات لأنها تربط طالب العلم بهذه الأشياء، وتجعله ينتبه للأساسيات، ونحن لا يهمنا تحقق الكلمة، والذي يهمنا الأصل والقاعدة والضابط الذي يبنى عليه، وترتبط به مسائل الباب، والذي يدرس الفقه بلا معرفة لقواعده وضوابطه لا يستطيع أن يتصدر للفتوى في المسائل الغريبة التي لم يدرسها، لكن الذي يعرف الضوابط والأصول يستطيع أن يستذكر، ويستطيع أن يحفظ، ويستطيع أن يستحضر عند الحاجة إلى ذلك.
قوله: (إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي، أو قال: تنحي، أو اسكتي، طلقت).
هذا الفصل فيه تعليق الطلاق على الكلام، إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق، فتحققي، جملة (تحققي) كلام يتحقق به ما اشترطه على نفسه: إن كلمتك فأنت طالق، فأي شيء يصير بعد هذه الصيغة من الكلام ويصدق عليه أنه كلام، فإنه يحكم بوقوع الطلاق به، فإذا قال لها: قومي، اقعدي، اسكتي، ارفعي هذا، ضعي هذا، فقد وقع الشرط ويحكم بطلاق المرأة.
هل الإشارة كالكلام؟

الجواب

هو قال: إن كلمتك، والإشارة شيء، والكلام شيءٌ آخر، فالكلام يكون صوتاً مشتملاً على الحروف الهجائية، فإذا حصل منه كلامٌ حُكِم بالطلاق، وإن حصلت منه إشارة فلا طلاق، فلا بد وأن يتحقق الشرط على الصفة المعتبرة: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي، تثبتي، تريثي، انتبهي، وقعت جملة من الكلام بعد صيغة الشرط فيحكم بطلاقها.
لاحظ حينما قال لها: إن كلمتك فأنت طالق فانتبهي، البعض قد يظن أنها مرتبطة، والواقع أنه كلامٌ بعد الصيغة، فتطلق به، كما لو قال لها بعد عشر دقائق: احذري، فلو قال لها: انتبهي احذري، موصولاً بصيغته أو مفصولاً فالحكم واحد، ومراد المصنف: أن اتصال الكلام بالصيغة وانفصاله سواء في الحكم، وانظر إلى دقته: مثَّل بكلام متصل بالصيغة حتى تفهم أنه إذا انفصل فتطلق من باب أولى وأحرى؛ لأنه لو قال لها: (إن كلمتك فأنت طالق، ثم كلمها، طلقت)، قد يظن الظان أنه ما يقع إلا إذا كلمها بعد الصيغة فقط، لكن قال المصنف: إن قال لها: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي، والكلام متصل بالصيغة، فإذا حُكِم بطلاقها بشيء متصل فمن باب أولى أن يحكم بطلاقها إذا انفصل الكلام.

تعليق الطلاق على الابتداء بالكلام

قال المصنف رحمه الله: [وإن بدأتك بكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه ما لم ينو عدم البداءة في مجلس آخر].
(إن بدأتك بكلام فأنت طالق، قالت هي: إن بدأتك بالكلام فعبدي حرٌ) إذاً كلٌ منهما قد اشترط شيئا، الرجل يشترط الطلاق إذا ابتدأها بالكلام، وهي تشترط العتق إذا ابتدأته بالكلام، فهو حينما قال لها: إذا ابتدأتك بكلام فأنت طالق، هذه الصيغة فيما بينه وبين الله أن زوجته طالق إن كان هو المبتدئ أولاً بالكلام، فلما تكلمت بعد الصيغة أسقطت هذا الحلف، وأسقطت هذا التعليق؛ لأنها ردت عليه وقالت: إن بدأتك، ولما ردت عليه سقطت البداءة منه، وفي هذه الحالة لا يتحقق شرطه، ويحكم برفع الصيغة، ولا يقع الطلاق، ولا يحكم بوقوعه إلا إذا قصد البداءة في مجلس آخر، مثلاً قال لها: لا تكلميني في الغرفة، قالت: وأنت لا تكلمني في الغرفة، قال: إن بدأتك بالكلام في الغرفة فأنت طالق، قالت: وإن بدأتك بالكلام في الغرفة فعبدي حر، في هذه الحالة الكلام وقع قبل المحل المعتبر بالشرط، فننتظر حتى يدخلا الغرفة، ثم من بدأ منهما وقع عليه ما اشترطه.
وبهذا يفرق بين أن يقول: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، يعني: بعد كلامي هذا، فإذا قالت له: إن بدأتك، أسقطت البداءة كما في الصورة الأولى، وبين أن يقصد مجلساً آخر مثل ما ذكرنا في الصورة الثانية، أو يقصد موضعاً آخر أو زماناً آخر، مثلاً: قال لها: لا تكلميني عند أبي، قالت: وأنت لا تتكلم عند أبي، قال: إن بدأتك بالكلام فأنت طالق، قالت: وإن بدأتك بالكلام فعبدي حر، معناه: عند حضور الوالد، وحينئذ يبقى الاثنان أخرسين وإلا وقع الطلاق ووقع العتق، فتسكت ويسكت، فأيهما خاطب الثاني فإنه يُحكم عليه بما التزم به، إن كان الرجل فطلاق وإن كانت المرأة فعتق، هذا بالنسبة لمسألة تعليق الطلاق على الكلام.

تعليق الطلاق بالخروج بغير إذن

قال رحمه الله تعالى: [فصل: إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه أو أذن لها ولم تعلم أو خرجت تريد الحمام وغيره أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل].

عدم جواز خروج المرأة من بيتها بغير إذن زوجها

أولاً: لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، وهذا أمر لا إشكال فيه وأجمع عليه العلماء رحمهم الله، لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فليأذن لها)، فإذا كانت عند خروجها إلى بيت الله، وخروجها إلى طاعة الله، وخروجها إلى فريضة من فرائض الله عز وجل تستأذن، فمن باب أولى ما عدا ذلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من بيت الزوجية إلا بإذن زوجها، هذا الأصل، وإذا خرجت من دون إذن الزوج، وصارت تخرج بدون إذنه، فإن هذا نشوز، ويحكم بنشوزها وتسري عليها أحكام المرأة الناشزة؛ لأن من حق الزوج على زوجته: أن لا تخرج إلا بإذنه، وهذا حق القوامة الذي تقدم بيانه في الحقوق الزوجية؛ وخروجها بغير إذنه طعن في رجولة الرجل، وحرمان له من حقه في القيام على المرأة، والله يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:34]، فجعل المرأة تحت قوامته؛ لأن أمور الزوجية لا تستقيم إلا بهذا، وإذا صارت المرأة تخرج بدون إذن فهذا نوع من الاسترجال، وقد (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسترجلات) واسترجال المرأة يكون بالكلام ويكون بالفعل، فإذا استرجلت المرأة وصارت تخرج من بيت زوجها بدون إذن زوجها فإنها -والعياذ بالله- يُخشى عليها هذا الوعيد الشديد، وهو لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنة الله عز وجل، ومن لعنه الله لم يبق شيء في الأرض ولا في السماء إلا لعنه: ﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:159]، نسأل الله السلامة والعافية، فالأصل: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية إلا بإذن الزوج، وله أن يمنع زوجه بقوله: إن خرجت من البيت فأنت طالق، أو يقول لها: إن خرجت من هذه الغرفة فأنت طالق، إما أن يُطْلِق اللفظ ويقول: إن خرجت، دون أن يقيد اللفظ بزمان ولا بوقت معين ولا بظرف معين، وإما أن يقيد ويقول: إن خرجت اليوم فأنت طالق، إن خرجت هذا الأسبوع، إن خرجت هذه الساعة، وهذا كله تقييد يتقيد به تعليق الطلاق.

الفرق بين الكل والجزء في تعليق الطلاق بالخروج

إذا قال لها: إن خرجت فأنت طالق؛ فوقع خروج من المرأة حكمنا بطلاقها، ويشترط أن يتحقق وصف الخروج، فلو أخرجت يدها، أو أخرجت رجلها؛ فلا طلاق، فإن خروج الجزءِ ليس كخروج الكل، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدني إلى عائشة رضي الله عنها رأسه وهو معتكفٌ بالمسجد وهي في حجرتها، والمعتكف لا يجوز له الخروج من المسجد، فأخرج جزأه وهو الرأس ولم يحكم بانتقاض اعتكافه، قالت: (إن كان يدني إليّ رأسه فأرجله)، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لـ عائشة وهو في المسجد: (ناوليني الخمرة، قالت: يا رسول الله: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك)، لأنها ظنت أنها لو ناولته وأدخلت يدها أنه كدخولها كلها، وليس كما ظن بعضهم أن المعنى: حيضتك ليست في يدك، أي: لا تستطيعين رفع هذا العذر عنك، لأن هذا مجاز، والحديث على الحقيقة، واليد هي المعروفة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر الحمل على الحقيقة، (إن حيضتك ليست في يدك) أي: أنك إذا ناولتيني باليد، فإنها جزءٌ، والجزء لا يأخذ حكم الكل.
إذا ثبت هذا: فالخروج الذي يعلق عليه الطلاق لا بد وأن يقع كاملاً، فلو خرج بعضها لم يحكم بطلاقها على التفصيل السابق.

حالات وقوع الطلاق عند تعليقه بالخروج بغير إذن

إذا خرجت حُكم بطلاقها، إلا إذا قيد فقال: إن خرجت بدون إذني فأنت طالق، فخرجت بدون إذنه نقول: تطلق؛ لأنه إما أن يطلق فيقول: إن خرجت فأنت طالق، وإما أن يقيد فيقول: إن خرجت اليوم، فهذا مقيد بزمان، أو إن خرجت بإذني، فهذا مقيد بصفة، فقوله: إن خرجت بدون إذني فأنت طالق، معناه: إن خرجت بالإذن فلا طلاق.
(إذا قال: إن خرجت بغير إذني).
رتب الطلاق على الصفة، وهي: أن لا يوجد الإذن.
(أو إلا بإذني).
إن خرجت إلا بإذني فأنت طالق؛ فما بعد (إلا) يخالف ما قبلها في الحكم، فهو يقول لها: أنت طالق إن خرجت إلا أن تخرجي بإذني، هذا أصل التقدير، فمعنى ذلك: أنها إذا استأذنت لا تطلق، فقوله: إن خرجت بغير إذني أو: إن خرجت إلا بإذني، المعنى واحد، وهو انتفاء الإذن.
(أو حتى آذن لك) إذا قال لها: حتى آذن لك فمعناه: أنك ممنوعة من الخروج إلا أن آذن لك وإلا تكوني طالقاً إن خرجت بدون إذني، أي: إن خرجت فأنت طالق حتى آذن لك؛ هذا التقدير، واللفظة الأخيرة: إن خرجت فأنت طالق حتى آذن لك، يعني: حتى آذن لك بالخروج.
(أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق).
(إن خرجت إلى غير الحمام) في هذه الحالة تصبح إما أن يقصد أن خروجها إلى الحمام موجب للطلاق، أو يقصد أنها إن خرجت إلى أي شيء طالق إلا أن تخرج إلى الحمام فلا طلاق، فيقول: إن خرجت إلى الحمام فأنت طالق، فالمعنى: أنها لو خرجت لشراء حوائجها أو لصلة رحمها أو لبر والديها لا تطلق؛ لأنه قيد طلاقها بالخروج إلى الحمام.
وإن قال لها: إن خرجت لغير الحمام فأنت طالق، معناه: أنها إذا خرجت إلى الحمام لا تطلق، وإن خرجت إلى صلة رحمها أو بر والديها أو غير ذلك حُكم بطلاقها، وهذا كله ترويض للأفهام لفهم الألفاظ التي يذكرها الناس، والمعنى: أنه يرتب طلاقها ويعلقه على شيء لم يأذن لها به.
(فخرجت مرة بإذنه).
إن قال لها: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، فقالت له: يا أبا فلان أريد أن أذهب إلى أبي، قال لها: اذهبي، هذه المرة الأولى، ثم خرجت المرة الثانية بدون إذن، فإن الطلاق يقع بالمرة الثانية لا بالأولى.
(ثم خرجت بغير إذنه) خرجت في الأولى بإذنه وخرجت في الثانية بدون إذنه.
(أو أذن لها ولم تعلم) يقول لها: إن خرجت بغير إذني فأنت طالق، ثم جلس مع أصحابه أو جلس مع والديها، فندم، وقال: أذنت لها، ولكنها لم تعلم، فخرجت بدون إذنه، فهنا نعلم أنه في الأصل ترتب الطلاق على الخروج بدون إذن، ومعنى نشوز المرأة وخروجها من بيت الزوجية بدون إذن موجود، حتى ولو أذن لها، مثلاً: وقع الإذن الساعة الثانية ظهراً، ووقع خروجها الساعة الثالثة عصراً، ولم تعلم بإذن الزوج، فحينئذٍ المعنى الذي يقصده من نشوزها عليه وعصيانها لأمره قد تحقق، وكونه أذن بدون علمها لا يؤثر، ولذلك يحكم بطلاقها.
(أو خرجت تريد الحمام وغيره) قال لها: إن خرجت إلى الحمام فأنت طالق، فخرجت إلى الحمام والبقالة، فإنها تطلق.
وقد كانت هناك حمامات خاصة بالنساء كانت في القديم؛ لأن البيوت كان يصعب فيها وجود الماء، فكان من الصعوبة أن المرأة تتنظف في بيتها، فكان هناك نوع من الحمامات للرجال وللنساء، وهو مكان للتنظيف بالبخار، وهو موجود إلى الآن في بعض المناطق الإسلامية، وكان موجوداً في المدينة إلى عهد قريب.
فإن قال لها: إن خرجت إلى الحمام فأنت طالق، فقالت: أريد أن أخرج إلى الحمام وإلى البقالة، فأشتري ما أريد، فوقع خروجها لأمرين، الحمام الذي منعت منه، والبقالة التي لم تمنع منها، ففي هذه الحالة يرد

السؤال

  • والعلماء يقصدون الصور والمعاني والضوابط أكثر مما يقصدون اللفظ نفسه والاسم نفسه- هل إذا جمعت بين المحظور وغيره، وبين المأذون به وغير المأذون به، هل يكون الحكم كما لو انفردت بمحظور غير مأذون به؟

الجواب

نعم، سواءً خرجت إلى الحمام قصداً أو خرجت إلى الحمام مع غيره، وعلى هذا: يحكم بطلاقها؛ لأن الصفة -وهي خروجها إلى الحمام- قد تحققت بذهابها إليه، سواء ذهبت إلى غيره أو لم تذهب، وسواء ذهبت إلى غيره قبل، أو ذهبت إلى غيره بعد، فالصفة المعتبرة للحكم بالطلاق موجودة ... ) أو عدلت منه إلى غيره طلقت في الكل) خرجت إلى الحمام ثم عدلت أثناء الطريق إلى غيره، فالأمر الذي من أجله تركبت الصيغة -وهو نشوزها وخروجها من البيت- تحقق، فهي إذا خرجت إلى الحمام فبمجرد ما تخطو خطوةً واحدة من البيت خارجة إلى الحمام فقد تحقق خروجها، بخلاف ما إذا قال لها: إذا دخلت الحمام -لا حظ الفرق، وهذا هو الذي يقصده الفقهاء بهذه العبارات، الدقة في الحكم على الشيء- لو قال لها: إذا دخلت الحمام بغير إذني فأنت طالق، وخرجت تريد دخول الحمام، لكنها في الطريق عدلت، لم تطلق؛ لأنه ركب الشيء على وجود شيء معين وهو صفة الدخول، لكن إذا قال لها: إن خرجت إلى الحمام من غير إذني، فننظر أول خروجها من البيت لما خطت الخطوة الأولى خارج البيت فإنها قصدت أن تخرج إلى الحمام بدون إذنه فيحكم بطلاقها.

حالات عدم وقوع الطلاق عند تعليقه بالخروج بغير إذن

قال المصنف رحمه الله: [لا إن أذن فيه كلما شاءت].
أذن لها بعد ذلك، وقال لها: كلما شئت اذهبي إلى الحمام، فهذا ناقض لما قبله، ولاحظ: هناك فرق بين أن يأذن لها مرة وبين أن يقول لها: متى ما شئت فاذهبي، متى ما شئت فزوري والدك، ولا شك أن قوله: إذا ذهبت إلى والدك، إذا زرت والدك فأنت طالق، لا يجوز؛ لأن هذا من العقوق، ولا يجوز للزوج أن يمنع زوجته من برها لوالديها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما السمع والطاعة بالمعروف، فالمرأة لا تطيع زوجها إذا قال لها: لا تكلمي أباك ولا تكلمي أمك، فلا سمع له -ولا كرامة- ولا طاعة له في هذا، لكن المشكلة إذا علق الطلاق على هذا، ففي هذه الحالة إذا قال لها: إذا ذهبت إلى أبيك، إذا زرت أباك، وقصد ظرفاً معينا في حال الخصومة أو علم أن والدتها تفسدها في هذا الوقت وهذا الظرف، فقال لها: إن خرجت إلى والدتك فأنت طالق، ووقعت بهذا الظرف المعين، فقال: إن شئت، قال لها في الأول: إن ذهبت إلى أمك بغير إذني فأنت طالق، وهو يقصد أنها إذا ذهبت لابد أن يكون معها حتى لا تفسدها أمها وحتى لا تدخل بينه وبينها، فاستأذنت، فقال لها: اذهبي متى شئت، هذا إذن عام، فلو ذهبت المرة الأولى ثم ذهبت بعدها مرة ثانية لم تطلق، بخلاف الذي ذكرناه أولاً، فيما لو أذن لها مرةً واحدة، فبين المصنف -رحمه الله- الفرق بين الإذن العام والإذن الخاص، فإن أذن لها إذنا خاصا، تقيد الحكم به ولا طلاق في ذلك المأذون به، ويقع الطلاق في غيره، فلو استأذنته يوم السبت أن تذهب إلى أمها فأذن لها، ثم خرجت الأحد بدون استئذان، وقع الطلاق في خروجها يوم الأحد، وإن استأذنته يوم الاثنين لخروجها إلى أمها، فقال لها: اذهبي متى شئت، وزوري أمك متى أردت، فإنه حينئذ لا تطلق بزيارتها بعد ذلك؛ لأنه قد أذن لها وارتفع الحلف.
قال المصنف رحمه الله: [أو قال: إلا بإذن زيد، فمات زيد ثم خرجت].
قال: أنت طالق إن خرجت من البيت إلا بإذن زيد، وزيد أخوها مثلاً، زوجها أراد أن يسافر، فقال لها: أنت طالق إن خرجت من البيت إلا بإذن زيد، ففي هذه الحالة، علق الأمر على إذن زيد، فلو مات زيد فما الحكم؟ مثل ما ذكرنا هناك أنه إذا أذن لها إذناً عاماً ارتفع تعليقه، كذلك هنا: إن مات من علق الطلاق على عدم إذنه؛ ارتفع تعليقه في هذه الحالة، وانتهى الأمر، ويرتفع التعليق؛ لأن التعليق مقيد بوجوده فإذا توفي ارتفع بوفاته.

الأسئلة

معنى قولهم: تطلق قضاء

السؤال

أشكلت عليّ عبارة: تطلق قضاء، ولا تطلق بينه وبين الله عز وجل؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فعند العلماء: القضاء والديانة، والحكم والديانة، الديانة: فيما بينك وبين الله عز وجل، مثلاً: قال رجلٌ لامرأته: أنت طالق، وقصد من حبل، والله يشهد عليه بقرارة قلبه أنه ما قصد الطلاق، إنما قصد أنها طالق من وثاق، أو طالق من حبل، فسألته وقالت له: أنا طالق؟ قال: قصدت أنك طالق من حبل، إذا صدقته وتعرف فيه الصدق وسكتت؛ فحينئذ هي زوجة له وتعمل على ظاهر هذا، ولا إشكال لأنه ديانة فيما بينه وبين الله ينفعه ذلك، وهي إذا صدقته بقيا على ما هما عليه، ولو كان جالسا مع أصحابه فقال: امرأتي طالق، وكانت امرأته مربوطة، أو كانت مسحورة، وقصد أنها طالق من سحرها، أو أطلقها الله من سحرها، أو انحل عنها بلاؤها، وقصد هذا، ولم تعلم زوجه، ولم يرفع ذلك إلى القاضي، حُكِم بالظاهر وأنها زوجته ونفعه فيما بينه وبين الله، لكن لو رفع إلى القاضي، فإن القاضي يحكم بأنه مطلق لزوجته على الأصل، فيقول له القاضي: هل قلت: امرأتي طالق؟ قال: قلت امرأتي طالق، يقول القاضي: هذا اللفظ لفظ طلاق، وعندي أن هذا اللفظ إذا صدر من زوج مكلف وتوفرت فيه شروط الطلاق فإنني أحكم بطلاقه قضاءً؛ لأنه لو فتح الباب للناس لتجرأ الفساق والفجار؛ فيطلق أحدهم امرأته ويقول: قصدت أنها طالق من حبل، فيتلاعب الناس بالشرع، وهذا الذي جعل الشريعة تحكم بأن الطلاق جده جدٌ وهزله جدٌ، فهذا يدل على أن الطلاق فيه ديانة فيما بين العبد وبين الله، وفيه قضاء في حكم الحكام والقضاة.
وبهذا يحكم على الظالم، وهذا المعنى له نظائر -ليس في القضاء فقط- فلو أن شخصاً ادعى أن له على فلان عشرة آلاف ريال وجاء بشاهدي زور -والعياذ بالله- وزُكي الشاهدان، فالقاضي يحكم على الظاهر، بأن له عشرة آلاف ريال، القضاء ينفذ، ويلزم المظلوم بدفع العشرة آلاف، لكن هذا قضاء، وأما ديانةً بينه وبين الله فالظالم هذا يعتبر آثما، وآكلاً للمال بالباطل مع أنه حكم له بالقضاء، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار)، يعني: ما ينفعه حكم القضاء، ولذلك لو قال لامرأته: أنت طالق، وقصد الحبل، ونفذ عليه حكم القاضي بأنها طلقة، وكانت آخر طلقة، فهي زوجته فيما بينه وبين الله، ولكنها ليست زوجةً له فيما بينه وبين الناس، فهذا الحكم الظاهر والحكم الباطن، فلو أنها تعلم أنه صادق فيما يقول، فيجوز لها أن تمكنه من نفسها إذا صدقته ووثقت بقوله، وإن حكم القاضي على الظاهر بالطلاق، لكن لو اطلع القاضي على الجماع، وثبت عنده بإقرار أنه جامعها بعد حكم القضاء فإنه في حكم الزاني، هذا حكم القضاء وحكم الديانة، ولذلك لا يحكم في القضاء إلا بالظاهر، بناءً على الأصول المعتبرة لإثبات الأحكام والدعاوى.
وعلى هذا: فالحكم بالطلاق قد يحكم به ديانة وقضاءً، وقد يحكم به ديانة لا قضاءً، وقد يحكم به قضاءً لا ديانة.
يحكم به ديانة وقضاءً: لو أن شخصاً قال لامرأته: أنت طالق، وفيما بينه وبين الله: أنه مطلق لها، فثبت عند القاضي لفظه فحكم بالطلاق قضاءً، والحكم ديانة أنه مطلق لزوجته.
ويحكم به ديانة لا قضاء: لو أنه -مثلاً- قال لامرأته: الحقي بأهلك، وقصد الطلاق، وهذه كناية طلاق، فقيل له: ماذا قصدت؟ قال: قصدت أن تلحق بأهلها وما قصدت الطلاق، ففي هذه الحالة لا ينفذ الطلاق قضاءً، ويحكم بأنها كناية طلاق يشترط فيها النية -كما تقدم معنا- لكنه فيما بينه وبين الله نوى الطلاق فتطلق عليه ديانةً ولا تطلق عليه قضاءً.
وتطلق عليه قضاءً لا ديانة: مثل: أن يأتي بلفظ ظاهره الطلاق ويتقيد بالنية، ولم يقصد به الطلاق، فيحكم بالطلاق على ظاهره، مع أنه في الحقيقة والباطن غير مطلق لزوجته.
والله تعالى أعلم.

دلائل طلب العبد لرضوان الله

السؤال

ما دلائل طلب العبد لرضوان الله تعالى؟

الجواب

ما أعطى الله عبداً بعد الإيمان به وتوحيده شيئاً أحب ولا أكرم عليه من طلبه لرضوان الله سبحانه عنه؛ ولذلك عظم الله رضوانه، وأخبر أنه أكبر من كل شيء، فذكر نعيم الجنة وما أعد لأوليائه فيها ثم قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:72]، وفي الحديث الصحيح: (أن الله تعالى إذا أدخل أهل الجنة ورأوا ما فيها من النعيم وما فيها من الفضل والتكريم، قال الله تعالى: هل أزيدكم؟ أحل عليكم رضائي فلا أسخط عليكم أبدا)، فأعظم النعم وأجل المنن -بعد نعمة الإيمان- أن يكون العبد مرضياً عنه، وإذا رضي الله عن العبد أرضاه، وإذا أرضى ربك عبده أسعده في الدنيا والآخرة، فما ظنك بولي الله الصالح الذي قرت عينه بمرضاة ربه عليه، فلن يسلك سبيلاً إلا سهله الله له، ولن يقرع باباً من الخير والبر إلا فتحه الله في وجهه، وبارك له فيه، وتأذن له بحبه، رضوان الله جل جلاله هو الغاية العظيمة والأمنية الجليلة الكريمة التي من أجلها بكت عيون الخاشعين، وتقرحت قلوب الصالحين، ومن أجله انتفضت الأقدام في جوف الليل بين يدي الله من المتهجدين الراكعين الساجدين، ومن أجلها سالت دماء الشهداء، طلباً لمرضاة الله جل جلاله، فبيعت الأنفس من أجل أن يشتري العبد مرضاة ربه، باع نفسه وربح البيع وربحت التجارة مع ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، رضوان الله هو الأمنية العظيمة التي يتمناها العبد السعيد من ربه.
وهناك دلائل تبشر العبد بأنه يطلب مرضاة الله، أول هذه الدلائل: سرٌ بينك وبين الله جل جلاله، فأول ما يدل على أن العبد يريد وجه الله أن يمتلأ قلبه بتوحيد الله والإيمان به سبحانه، فتصبح جميع أموره وجميع شئونه لله لا لأحدٍ سواه، أول دلائل وبشائر الطلب الصادق لمحبة الله ورضوانه أن يكون الإنسان مخلصاً لله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162 - 163]، هذا الإخلاص وهذا التوجه الذي يجعل العبد في جميع أموره يريد وجه الله ولا يريد شيئاً سواه، والذي يريد مرضاة الله لا يتكلم إلا لربه، ولا يعمل إلا لربه، ليله ونهاره وصبحه ومساؤه كله لله وحده لا شريك له، فليس في قوله رياء ولا سمعة، وأكره ما يكره أن يطلع عبدٌ على طاعة بينه وبين الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن ربه يحب منه أن يخفي عبادته، ويحب منه أن يقصد وجهه ولا يقصد أحداً سواه، فأول الدلائل وأول الأمارات: الإخلاص لوجه الله جل جلاله في جميع شئونه وأحواله، منذُ أن يلتزم ويسير على منهج الله ليس له وجه يتوجه إليه ويقصده إلا وجه الله سبحانه وتعالى، عند ذلك يطيب قوله، ويطيب عمله، فلم تطب الأقوال والأعمال إلا بالإخلاص لذي العزة والجلال.
ومن دلائل طلب مرضاة الله عز وجل: أن يسعى العبد في أحب الأشياء إلى الله فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس، فلا يسمع بكلمة تقربه من ربه أو ترضي ربه عنه إلا تكلم بها، ولو رأى الموت بين عينيه، ولا يعلم بعملٍ يقربه من ربه ويرضي ربه عنه إلا سعى في تحقيقه، وسعى في طلبه غاية جهده، كذلك أيضاً يسعى فيما بينه وبين الناس في كل شيء يقربه إلى الله جل جلاله، ويبدأ أول ما يبدأ بوالديه، ثم بأولاده، ثم بزوجته، وأدناه أدناه من الأقربين، يطلب رضى ربه عنه فيما بينه وبين والديه، وفيما بينه وبين رحمه، ولن تجد أحداً رضي الله عنه إلا وجدته باراً بوالديه، فرضي الله عمن أرضى والديه، يشتري مرضاة الله بابتسامة والده، يشتري مرضاة الله في أبٍ وقف على آخر أعتاب هذه الدنيا، يلتمس مرضاة الله في ابتسامة يجدها من هذا الأب أو في سرور يدخله عليه، أو في كربةٍ ينفسها عنه، أو في حاجةٍ يقضيها له، أو في ضيق يوسعه عنه بإذن الله جل جلاله، يشتري مرضاة الله ويضحي ويبذل كل ما يستطيع بذله من نفسه وماله طلباً لهذه المرضاة، لأنه سمع رسول الأمة صلى الله عليه وسلم يقول: (رضا الله من رضا الوالدين)، فينتظر هذا الرضا بفارغ الصبر، فلا تشرق عليه شمس يوم إلا جعل والديه بين عينيه، في كلامه، فلا يقول إلا الكلمة التي ترضي الله، وفي فعله، فلا يفعل إلا ما يرضيه، ثم ينطلق رضيا راضيا مرضيا عنه في ذوي رحمه وقرابته، ويبدأ بأولاده، يدخل السرور عليهم، ويعلم أن الله يرضى عنه عندما يكون رحيماً بأولاده، قائماً بحقوقهم، مؤدياً الواجبات إليهم، يرعاهم في دينهم، ويتفقدهم في شئونهم، ويأمرهم بما أمرهم الله به، وينهاهم عما نهاهم الله عنه، ويعلمهم ويرشدهم، ولا يدخر عنهم شيئاً من الخير من أمر دينهم أو دنياهم أو آخرتهم، فإذا أرضى الله في أهله وولده رضي الله عنه، ولذلك تجد الرجل الموفق السعيد محافظاً على أولاده، محافظاً على فلذة كبده وذريته، يتفقدهم في أوامر الله، نشّأهم منذ نعومة أظفارهم على الطاعة والصلاة، فيعرفون بيوت الله، ويعرفون فريضة الله، ويؤدون الصلاة على أتم وجه وأكمله، ويرى ذلك عزيمة وفريضة عليه، فرضوان الله لا يكون بالتشهي ولا بالتمني ولا بالدعوى ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
كذلك من أسباب رضوان الله عز وجل عن العبد: أن يبدأ بقلبه، فينقي هذا القلب من الغِل والحسد وكراهية المسلمين وسوء الظن بهم، يبدأ بقلبه هذا فيغسله بماء الإيمان، ويعرضه على قوارع التنزيل، وأوامر العظيم الجليل، التي تأمره أن يكون أخاً صادقاً مع إخوانه، ويتذكر دائماً كلما رأى مسلما قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:10]، يحس أنه أخوه، وفي بعض الأحيان ربما تكون أخوة الإيمان في القلب أعظم من أخوة الحسب والنسب، فكما أنه يحب لأخيه من حسبه ونسبه ما يحب لنفسه؛ فإنه يحب لإخوانه في الدين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، لا يفرق بين غنيهم وفقيرهم، ولا رفيعهم ووضيعهم، ولا جليلهم وحقيرهم، فكلهم إخوانٌ له في الله، والله يشهد أنه في قرارة قلبه كذلك، يظهر على لسانه الكلام الطيب وفي قرارة قلبه ما هو أزكى منه وأجمل، ما عنده نفاق، وما يلقى الناس بوجه يضحك لهم وقلبه -والعياذ بالله- مكفهر، مليءٌ بسوء الظنون، وبالحسد، والكراهية، خاصة إذا كان من طلاب العلم، وخاصة إذا كان من الصالحين، فالأمر -والله- أشد ويعلم أن الله مطلع على سريرته، وسيحاسبه يوم القيامة من هو شهيد على العبد بما في الضمير، قال الله جل جلاله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:9 - 10]، الله يوم القيامة لا ينظر للابتسامات المكذوبة، والكلمات المعسولة، إنما ينظر إلى ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالله جل جلاله لا ينطلي عليه الكذب ولا يخادع سبحانه وتعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:142]، فالذي يلتمس مرضاة الله بصدق بهذا الصفاء والنقاء والمودة والإخاء والأخوة الإسلامية المبنية على نصوص الكتاب والسنة لا يتلاعب بها، وليست عنده موازين مختلفة أبداً، فهو مسلم حقاً، وجه وجهه لله فعلاً، يلتمس مرضاة الله، وإذا جلس مع أفقر الناس فهو كما لو جلس مع أغنى الناس، يبتسم لهذا ويبتسم لهذا، وكان بعض علماء السلف -رحمهم الله- يعظمون الفقراء في بعض الأحيان أكثر من الأغنياء، ولذلك قيلت الكلمة المشهورة: (ما أعز من الفقراء في مجلس سفيان الثوري رحمه الله) لأنه كان يطلب مرضاة الله بصدق، لا بالنفاق ولا بالكذب ولا بالدعاوى العريضة ولا بالخداع للمسلمين، الذي يلتمس مرضاة الله عبدٌ صادق يحب الصدق ويوالي بصدق.
ومن دلائل رضوان الله على العبد: أن تظهر عليه أمارات في تصرفاته مع إخوانه المسلمين عموماً، وخاصةً مع العلماء والأئمة، وبالأخص سلف هذه الأمة، فلا يذكرهم إلا بكل خير، يترحم على أمواتهم، ويحسن المخرج لهم إن كان عندهم خطأ وزلل، ويعذرهم إن كان لهم عذر، وينشر ما كان منهم من الجميل، ويستر ما كان منهم من القبيح، تأسياً بقوله عليه الصلاة والسلام: (اذكروا محاسن موتاكم)، فيكون مع أصلح خلق الله -وهم العلماء- كأحسن ما يكون، فالمؤمن يوالي المؤمن على أتم الوجوه، وأولى الناس بالموالاة والمحبة والصفاء والنقاء هم أهل العلم.
واعلم أن الله أعلم بخلقه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:124]، فهؤلاء الصفوة اختارهم الله -جل جلاله- من فوق سبع سماوات حملةً لدينه، وأمناء على شرعه، إن كنت تلتمس مرضاة الله فكن كأحسن ما يكون مع علماء الأمة وسلفها، فاعتقد فضلهم وادع لهم وانشر محاسنهم، فإن العبد الذي يشتري مرضاة الله عز وجل يشتريها بمحبة الصالحين: (فمن أحب قوماً حُشِر معهم) كما قال صلى الله عليه وسلم.
كذلك من دلائل مرضاة الله عز جل على العبد: أن يبارك له في وقته وفي عمره، فإذا التزم بهذا الدين وجدته لا تمضي عليه ساعة ولا لحظة إلا في خير وبر، وكذلك كان نبي الأمة صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضوان الله عليهم، والعلماء العاملون؛ لا تضيع أوقاتهم هدرا، وإذا أردت أن ترى العلامة الصادقة على محبة الله للعبد فانظر كيف يبارك له في عمره، فإما أن يكون في مصلحة الدين فيما بينه وبين الله أو فيما بينه وبين الناس، يحرص من يشتري مرضاة الله على أن لا تمضي عليه ساعة إلا في ذكر الله وشكره، ويتقطع حرقة على كل ساعة مضت في غير ذكر الله أو شكره وطاعته، فإن (الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله أو عالماً أو متعلماً)، فإذا بورك للإنسان في وقته وأصبحت كل أوقاته في طاعة الله؛ تجده يجلس في بيته إما أن يقرأ كتاباً ينتفع به، أو يسمع من والديه موعظة أو ذكرى أو عظة يتعظ بها أو قصة مؤثرة، أو يجلس مع أولاده يأمرهم بطاعة الله عز وجل ومرضاة الله، ويدلهم على كل خير، وهذه عمارة الأوقات، ومن أفضل ما تمضى به: ذكر الله جل جلاله، فالعبد الذ

شرح زاد المستقنع -

باب تعليق الطلاق بالشروط [7]

تعليق الطلاق بالمشيئة

له صور: أن يعلقه بمشيئة الله أو بمشيئة غيره، وقد يعلقه بمشيئة منفردة أو بمشيئة مشتركة، وقد يعلقه بمشيئة منفردة فيشرك صاحب المشيئة معه غيره؛ وكل هذه الصور لها أحكام شرعية بينها العلماء رحمهم الله.

تعليق الطلاق بالمشيئة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى].
بيّن المصنف -رحمه الله- في هذا الفصل جملة من مسائل التعليق، وهذا التعليق مُختص بالتعليق بالمشيئة، يُعلق الطلاق على مشيئة امرأته أو أجنبي أو مشيئة الله عز وجل، فإذا تعلق الطلاق بالمشيئة فإنه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يعلقه بمشيئة الله عز وجل.
القسم الثاني: أن يعلقه بمشيئة غير الله عز وجل.
فإذا علقه بمشيئة الله عز وجل مثل أن يقول: أنت طالق إن شاء الله، فسيأتي الكلام عنها، وسيذكر المصنف -رحمه الله- هذه المسألة.
وأما التعليق بمشيئة غير الله عز وجل فينقسم إلى قسمين: إما أن يعلق بمشيئة منفردة.
أو يعلق بمشيئة مشتركة.
مشيئة منفردة مثل أن يقول: بمشيئتكِ -يخاطب زوجته- إذا شئتِ، متى شئتِ.
وإما أن يعلق بمشيئة مشتركة كأن يقول: إذا شئتِ وشاءت أمك، إذا شئتِ وأمك، إذا شئتِ وأبوك، وأخوك، أو غير ذلك.

تعليق الطلاق على مشيئة الزوجة

وقد شرع المصنف بالكلام عن تعليق الطلاق بمشيئة غير الله عز وجل.
فذكر تعليق الطلاق على مشيئة الزوجة، مثل أن يقول لها: إن شئتِ، أو إذا شئتِ، أو متى شئتِ، وهذا يسمى بالمشيئة المنفردة؛ لأنه أسند وعلق الطلاق على مشيئة شخص واحد، هو الزوجة: إذا شئتِ ومتى شئتِ وإن شئتِ، وإذا أسند الطلاق إلى مشيئة واحد فإما أن يسنده مقيداً وإما أن يسنده مطلقاً، مقيداً كأن يقول لها: إن شئت الآن، فيقصد في الحال، فيتقيد بالحال، أو إن شئت هذه الساعة، أو خلال ساعة، أو خلال هذا اليوم، أو خلال هذا الأسبوع، أو ما لم تغب الشمس، أو ما لم يطلع الفجر، فيقيد الطلاق بمشيئتها في هذه المدة، فلو أنها مضت عليها وانتهت، ولم تشأ الطلاق، فحينئذٍ لا يقع الطلاق إذا لم تشأ في هذه المدة المقيدة، أو قال: إن شئتِ ما دمت قائمةً، فيقيده بحال قيامها، فإن جلست انقطع الإسناد، والتمديد للطلاق كان معلقاً بالمشيئة حال قيامها.
والمشيئة: أمر متعلق بالقلب، وهو أمر غيبي خفي، لا يمكن أن نعلمه إلا إذا أخبرت به، وهكذا لو كان الذي علق الطلاق بمشيئته أجنبياً، فقال: إن شاء زيدٌ، أو متى شاء زيدٌ، أو إن شاء أبوك، أو شاءت أمك، في هذه الأحوال ننظر إلى مشيئة من ينفذ الطلاق، فلا يخلو إما أن يشاء الطلاق أو يشاء عدم الطلاق، فإذا شاء الطلاق فإنه يحكم بالطلاق، فلو قال لها: إن شئتِ، فقالت: قد شئتُ طلاقي، فإنها تطلق، أو قال لها: إن شاءت أمك، فذهبت إلى أمها فقالت الأم: أشاء الطلاق، وقع الطلاق؛ لأنه معلق على شيء يقع بوقوعه، وهو شرط بينه وبين الله عز وجل أنه إن وقعت هذه المشيئة فامرأته طالق، سواءً شاءت الزوجة أو أبوها أو أخوها أو أياً كان فمن علق الطلاق بمشيئته، ما دام أن هذا الشرط قد تحقق، وهو وجود المشيئة التي علق الطلاق على وجودها، فنحكم بالطلاق.
وتقدم معنا أن الصحابة كانوا يعتبرون التعليق، وأجمع أئمة السلف على اعتبار التعليق من حيث الجملة، فلو قال لها: إن طلعت الشمس أو إن غابت الشمس فأنت طالق، فإنها تطلق وجهاً واحداً، وهكذا حينما قال لها: إن شاء أبوك، إن شئتِ، إن شاء عمك، إن شاء خالك، وقد شاء ذلك الغير مضى الطلاق ونفذ، لأن الذي اشترطه بينه وبين الله: أن امرأته طالقة إن وجدت هذه المشيئة.
الحالة الثانية: أن لا تشاء الطلاق، تقول: لا ما أريد الطلاق، ولا أشاء الطلاق، أو لا أحب الطلاق، لا أرضى الطلاق، وتعذرت بأنها لا مشيئة لها بالطلاق، فحينئذٍ انتفى الشرط فلا يقع ما التزم به من طلاقها، وتبقى المرأة في عصمته، وهكذا لو قال لها: إذا شاءت أمك أو شاء أبوك، فذهبت وسألت أباها، وسألت أمها، فقالت أمها: لا أريد الطلاق، وقال أبوها: لا أريد الطلاق، فإنها لا تطلق.
إذاً: إذا أسندت المشيئة إلى شخص سواءً كانت الزوجة أو غيرها، فإنه إن شاء الطلاق وقع، وإن لم يشأ الطلاق لم يقع، هذا حكم إسناد الطلاق إلى مشيئة منفردة.
لكن في بعض الأحيان قد تدمج المشيئة إلى مشيئة آخر، فتركب المشيئة على المشيئة، مثلاً: يقول لها: أنت طالق إن شئتِ، فقالت: قد شئتُ إن شئتَ، قد تخشى من زوجها ولا تريد أن يكون الأمر إليها، فردت عليه وقالت: قد شئتُ إن شئتَ، أو تقول: قد شئتُ إن شاءت أمي، قد شئت إن شاء أبي، أو إن شاء أخي، أو إن شاء فلان، فإن قالت: قد شئتُ إن شاء أبي أو شاءت أمي، فأسندت مشيئتها إلى الغير فلا طلاق، ولو طلق ذلك الغير؛ لأنه فيما بينه وبين الله اشترط أن تكون لها مشيئة، فلما أسندت إلى الغير دل على أنها لا تشاء الطلاق لأنها لو شاءت الطلاق لقالت: شئتُ، وهو يقول: إن شئتِ، يعني: إن كان منك مشيئة وأردت الطلاق فأنت طالق.
قوله: [إذا طلقها بمشيئتها بإن أو بغيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء]: لأنه اشترط فيما بينه وبين الله أنها طالق إن شاءت، ولم يقع ذلك الشرط فلا يقع المشروط.

الخلاف في زمن المشيئة للمرأة إذا علق الطلاق على مشيئتها

قوله: [ولو تراخى].
(لو) إشارة إلى خلاف مذهبي، بعض العلماء يقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شئتِ، أو إن شئتِ فأنت طالق، فلها أن تشاء الطلاق مباشرة، بلا تراخٍ، فلو تراخت فإنه لا مشيئة لها، مثلاً: لو قالت بعد ساعة أو بعد ساعتين أو بعد ثلاث ساعات: قد شئت الطلاق، فلا طلاق، يعني: لا بد أن يكون جوابها مباشرة، وهذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من أئمة السلف رحمهم الله، والجمهور أنه لا يشترط أن يكون جوابها على الفور، وأنه لو وقعت منها المشيئة ولو متراخية فإنه يقع الطلاق، ما لم يقيدها أو يرفعها.
هناك قول ثالث للحسن البصري وعطاء بن أبي رباح -رحمهما الله- يقولان: نعطيها مهلة مدة المجلس، فإذا قال لها: أنت طالق إن شئتِ، في مجلس، فإنه من حقها أن تطلق ويقع الطلاق إن أخبرت بمشيئتها في ذلك المجلس، فإن قامت عنه انقطع الإسناد ولا طلاق، والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور المصنف -رحمه الله- أنه لا يشترط الفور.

الحكم إذا أحالت المرأة مشيئتها على مشيئة الغير

قال رحمه الله: [فإن قالت: قد شئتُ إن شئت فشاء لم تطلق]: إذا أسند الطلاق إلى فرد فإما أن يبت الطلاق، وإما أن لا يبت الطلاق، وإما أن يُسند للغير، هذه ثلاثة أحوال: أن يبت الطلاق فيقع، وأن لا يبت الطلاق فلا يقع، وأن يسند إلى الغير فلا يقع، على أصح قولي العلماء وهو مذهب الجمهور، وفي وجه ضعيف عند الشافعية -رحمهم الله- أشار الإمام النووي وغيره إلى ضعفه قالوا: إذا أسندت إلى الغير تنتقل مشيئتها إلى مشيئة الغير، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه فيما بينه وبين الله شرط أن امرأته تطلق إذا وقعت منها المشيئة، فهي لما نفت أن عندها مشيئة للطلاق وأسندت للغير دل على أن قلبها خالٍ من المشيئة، وحينئذٍ لا طلاق.

تعلق الطلاق بمشيئة مشتركة

قال المصنف رحمه الله: [وإن قال: إن شئت وشاء أبوك أو زيدٌ، لم يقع حتى يشاءا معا، وإن شاء أحدهما فلا]: هذا من التسلسل والترتيب المنطقي في الأحكام، يبين أول شيء: مشيئتها، وثانياً: إذا أسندت مشيئتها إلى الغير، وثالثاً: إذا وقعت المشيئة مشتركة، يعني: أن يقول لها: إن شئت وشاء فلان؛ لأننا قلنا: إما أن يسند لمشيئة الله أو مشيئة غيره، ومشيئة غيره إما أن تكون مفردة كأن يقول: إن شئتِ، ثم تأتي الصورة الأخرى أن تقول: قد شئتُ إن شاء فلان، قد شئتُ إن شئتَ، فهي مركبة لكنها مبنية على الصورة الأولى، والصورة الثانية: أن تكون مشتركة، فيسند المشيئة لأكثر من واحد فيقول لها: إن شئتِ وشاء أبوك، إن شئتِ وأبوك، إن شئتِ وأخوك، وهكذا، فإذا أسند المشيئة إلى اثنين أو ثلاثة، فللعلماء وجهان: أصحهما وهو مذهب الجمهور: أنه لا يقع الطلاق إلا إذا شاءا معاً، فتقول: قد شئتُ، ويقول الآخر: شئت، فإذا شاءا معاً فإنه حينئذٍ يقع الطلاق، وإن شاء أحدهما ولم يشأ الآخر فإنه لا يقع الطلاق، وهذا هو الصحيح؛ لأن الواو تقتضي الجمع والتشريك، فلما أسند المشيئة إلى شخصين فإنه لا يقع الحكم ولا يقع الذي اشترطه من الطلاق إلا بوقوع المشيئة من الاثنين معاً، فإذا وقعت من أحدهما فلا يعتد بمشيئة ذلك الواحد حتى تقع المشيئة منهما جميعاً على الوجه الذي اشترطه.

تعلق الطلاق بمشيئة الله

قال المصنف رحمه الله: [وأنت طالق وعبدي حرٌ إن شاء الله وقعا]: أصل التقدير: أنتِ طالق إن شاء الله وعبدي حر إن شاء الله، وهذا النوع الثاني من الإسناد بالمشيئة وهي مشيئة الله عز وجل.
مشيئة الله عز وجل يختلف حكمها في الطلاق والعتاق والأيمان، يقول: أنتِ طالق إن شاء الله، أو: عبدي حر إن شاء الله، أو: والله لا آكل إن شاء الله، وهكذا.
هذه المسألة تعرف بمسألة الاستثناء بمشيئة الله عز وجل، ووجه ذلك: أنه يستثني الطلاق ويجعله معلقاً على وجود المشيئة، يقول: امرأتي طالق إن شاء الله، ففي هذه الحالة اختلف العلماء -رحمهم الله- هل يقع الطلاق أو لا يقع؟ فيها قولان مشهوران، لكن قبل أن نذكر القولين نُنبِّه على مسألة وهي أن من قال: إن شاء الله، لابد أن يكون قاصداً للتعليق، فينوي في قرارة قلبه أنه معلق لطلاقه على مشيئة الله عز وجل، فلا يأتي يقول: إن شاء الله، بلسانه هكذا بالعادة أو نحوها، إنما يقصد ذلك بقلبه، فمن العلماء من يقول: لابد أن تكون عنده نية بالمشيئة، من قبل أن يقول أنت طالق، وهذا عند من يرى أن المشيئة مؤثرة، فيقول: لو قال لها: أنت طالق، ثم طرأ عليه، أن يقيد بالمشيئة لم ينفعه؛ لأنه لما قال: أنت طالق، وقع الطلاق، فلا يصح بعد ذلك أن يقول: إلا أن يشاء الله، أو: إن شاء الله؛ لأن هذا نوع من التلاعب ونوع من إسقاط ما وجب، وما وجب لا يمكن إسقاطه؛ لأن الشرع جعل كل من يتلفظ بالطلاق يُلزم به حتى في حالة الهزل، فلو فُتح الباب للناس لتلاعبوا بالطلاق، فيطلق الرجل ثم يقول: إن شاء الله، ولهذا يشترط لمن قال: إن شاء الله، أن يكون قاصداً بنيته تعليق الطلاق على مشيئة الله عز وجل، ومحل هذا التعليق قبل أن يتلفظ بالطلاق، وقال بعض العلماء: يمكنه أن ينوي الاستثناء أثناء الجملة ما لم يتم جملة الطلاق، فلو قال لها: أنت، ثم تذكر أن يستثني، فقال: أنت طالق، إن شاء الله، أجزأه عند هؤلاء، حتى لو قال لها: أنت طا، وقبل أن يتم جملة طالق نوى في قرارة قلبه أن يقيد بمشيئة الله؛ أجزأه، أما إذا استتم الجملة ففيه خلاف عند من يقول بأن المشيئة تؤثر، فمنهم من يقول: إنه لا ينفعه ذلك؛ لأن الطلاق قد مضى، ومنهم من يقول: إنه ينفعه ذلك، وأعجب من هذا أن بعضهم يقول: له أن يستثني ولو بعد مدة طويلة شهر أو أشهر، وهذا قول مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وبعض السلف، والذي عليه العمل عند من يقول بالاستثناء بالمشيئة: أن يكون في نيته أن يستثني قبل أن يستتم الجملة أو قبل أن يتكلم بها.
إذا ثبت هذا فللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يقع الطلاق إذا علقه بمشيئة الله عز وجل مطلقاً، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، وقع عليه الطلاق ويؤاخذ به، وهذا القول قال به: قتادة وسعيد بن المسيب من أئمة التابعين، ويُروى عن عطاء بن أبي رباح وقال به الثوري والأوزاعي وهو مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليهم.
القول الثاني: أنه لا يقع طلاقه، وهو قول بعض أئمة السلف من التابعين وهو مذهب الشافعي ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
وهذا الخلاف إذا كان قوله: إن شاء الله، بقصد التعليق بخلاف ما لو قال: إن شاء الله، تبركاً بذكر الله عز وجل؛ لأن اسم الله مبارك فيقول: إن شاء الله أفعل، إن شاء الله أقول، ولا يقصد التعليق، ولا ينوي في قلبه التعليق، وكذلك مسبوق اللسان، مثل من عادته أن يقول: إن شاء الله، فلما قال: أنت طالق، قال: إن شاء الله، فجرى بها لسانه دون أن يكون قاصداً للتعليق بقلبه، وكذلك إذا قصد التحقيق، فيقول لها: أنت طالق إن شاء الله، تحقيقاً وإثباتاً للأمر، في هذه الصور كلها يقع الطلاق وجهاً واحداً عند العلماء، فمن قال: أنت طالق إن شاء الله، ولم ينو في نفسه التعليق وإنما قال: إن شاء الله، تبركاً بذكر اسم الله عز وجل، أو قاله تحقيقاً للوقوع كما يقول لك: آتيك إن شاء الله، بقصد التحقيق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) أي: تحقيقاً للحوقه وموته عليه الصلاة والسلام؛ فهذا كله يقع فيه الطلاق؛ لأنه ليس بتعليق ولا في معنى التعليق.
استدل الذين قالوا بوقوع الطلاق بقولهم: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فعندنا لفظان: اللفظ الأول: قوله: أنت طالق، أو زوجتي طالق، أو امرأتي طالق.
واللفظ الثاني: قوله: إن شاء الله، الذي هو التعليق.
فوقع لفظ الطلاق المعتبر من الشخص المعتبر على الصفة التي لا يشك في وقوعه فيها، وعلق في الجملة الثانية على أمر لا يمكننا علمه، فلا نعلم هل شاء الله أو لم يشأ؟ قالوا: واليقين أنه مطلق، والتعليق نشك في تأثيره وبناءً على ذلك يُلزم بقوله، لأن الشريعة لم تفتح باب التلاعب في الطلاق أبداً، حتى أن الهازل إذا تلفظ به تؤاخذه، مع أنها قد عفت وسامحت في كثير من الأمور إلا هذا اللفظ، فما دام أنه قال: أنت طالق، والله في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته كلاهما حكم بأن من طلق فإنه يلزم بطلاقه، فنلزمه بالطلاق، وهذا اللفظ معتبر من الشخص ولا يؤثر فيه التعليق؛ لأنه أُسند إلى ما لا يمكن علمه، فلما أسند إلى ما لا يمكن علمه فمعناه: أن التعليق غير مؤثر؛ لأنه ما ثبت أن الله لا يشاء طلاقه، فنبقى على الأصل ونؤاخذه بلفظه، فيقع عليه الطلاق.
وبعض أئمة السلف له وجه ثانٍ من الاستدلال على وقوع الطلاق: وهو ما يلي: إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، فنقول له: قد شاء الله طلاق امرأتك؛ لأنه أذن بالطلاق، فنعتبرها طالقاً، وهذا قول عطاء بن أبي رباح كان إذا سُئل عن هذه المسألة يقول له: (قد شاء الله طلاق امرأتك) لأنه أذن بالطلاق، فلما تلفظت به فإنه شاء تطليقها، وهو محكوم به شرعاً، فتلزم بطلاقها، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا سئل عن قول الرجل: أنت طالق إن شاء الله، قال: (من قال: أنت طالق إن شاء الله، فهي طالق)، ويروى عن أبي سعيد وابن عمر رضي الله عنهما أنهما قالا: (كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى التعليق -يعني: بالاستثناء بالمشيئة- في الطلاق والعتاق) أي: أنه لا يؤثر في الطلاق ولا يؤثر في العتق، ولذلك ذكره المصنف -رحمه الله- في قوله: أنت حر إن شاء الله، فلم ير تأثيره في الطلاق، ولم ير تأثيره في العتق، وقولهما رضي الله عنهما: (كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) أشبه بالإجماع، ولذلك قالوا: لم يحفظ لهم مخالف، وهو حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، يمضي عليه الطلاق.
واستدل أصحاب القول الثاني الذين ذهبوا إلى أنها لا تطلق، بقولهم: اليقين أنها امرأته، وهو علق الطلاق على مشيئة الله، ولم يثبت ما يدل على أن الله قد شاء طلاقها، قالوا: فلو علق الطلاق على مشيئة عبد لتوقفتم في الحكم عليه حتى ننظر هل يشاء أو لا يشاء؟ وهنا قد علق المشيئة على الله سبحانه وتعالى، وليس عندنا دليل يثبت أن الله قد شاء طلاقها، ومن هنا قالوا: لا تطلق عليه.
والقول بالوقوع من القوة بمكان؛ لأن أصحاب القول الثاني بنوا على القياس على من استثنى في اليمين، قال عليه الصلاة والسلام: (من حلف فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث) أخرجه الترمذي وحسنه، ومن العلماء من يقول: إنه صحيح لغيره، هذا الحديث يدل على أنه لو قال في اليمين: والله لا أفعل إن شاء الله، والله أفعل إن شاء الله، أنه لو لم يفعل أو فعل ما حلف على عدم فعله لم يحنث؛ لأنه علق على المشيئة، قالوا: والطلاق واليمين بابهما واحد، ولكن هذا ضعيف، فالطلاق يخالف اليمين، فإنه إذا قال: والله لا أفعل إن شاء الله، ولم يفعل، علمنا أن الله قد شاء أنه لا يفعل، وكذلك إذا قال: والله أفعل كذا إن شاء الله، فإنه إذا فعله فقد شاء الله عز وجل أن يفعله، ويمكننا العلم بمشيئة الله عز وجل، وبهذا فرق العلماء بينهما، وباب الطلاق من باب الإنشاء، وباب الإنشاء أضيق من أن يعلق، ولذلك إذا قال لامرأته: أنت طالق، فقد طلق، ثم قوله بعد ذلك: إن شاء الله لا يمكن علمه، والأصل مضي الطلاق على كل من تلفظ به، فنلزمه بالطلاق، فالقول بوقوعه من القوة بمكان.
وأحب أن أنبه على أنني في المسائل الخلافية إذا قلت: الراجح كذا، والذي يترجح في نظري كذا وكذا، فلا شك عندي على غالب ظني أنه الراجح، لكن إذا قلت: أقواهما وأولاهما بالصواب، فهذا لا يستلزم الترجيح من كل وجه، بل القول الثاني يكون له وجه، وله قوة؛ تمنع من البت بالراجح في هذه المسألة.
فمن قال من العلماء: إن الاستثناء بالمشيئة مؤثر فإنه لا يوقع الطلاق، ومن قال: إنه غير مؤثر فإنه يوقع الطلاق، وإذا قلنا: الاستثناء بالمشيئة مؤثر، فبعضهم يقول: لا يؤثر إلا إذا تلفظ به وأسمعه للغير، فيقول: زوجتي طالق إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله، بصوت يسمعه الغير، ومن أهل العلم من يقول: لو حرّك بها لسانه دون أن يُسمع الغير بل لم يسمع غير نفسه فإنه يجزئه، وهذا القول الثاني هو الأقوى، يعني: لو قلنا بتأثير الاستثناء بالمشيئة فإنه لابد وأن يتلفظ بذلك في الحكم والقضاء، ويجزئه أن يكون اللفظ بقدر يسمعه هو.
لكن لو قال أمام الناس: زوجتي طالق، وسمعه الناس يقول: زوجتي طالق؛ ثم قال: إن شاء الله، بصوت لم يسمعه إلا هو، ثم رفع عند القاضي، فإن القاضي يطلقها عليه قضاء، ولا تطلق عليه ديانة وفتوى، وهذا عند من يرى أن الاستثناء بالمشيئة مؤثر، لأن الذي سمعه الناس وقامت عليه البينة هو قوله: أنت طالق، فلو فتح الباب لتلاعب الناس، وأصبح كل رجل يقول لامرأته: أنت طالق، ثم يقول: استثنيت، وقلت: إن شاء الله، فمن قال: إن شاء الله، بصوت لم يسمعه إلا هو، فإنها تطلق عليه قضاءً، ولكنه بينه وبين الله يجزئه، ويؤثر ديانة، ولا يؤثر قضاءً وحكماً.

تعليق الطلاق على مشيئة الله مع شيء آخر

قال المصنف رحمه الله: [وإن دخلتِ الدار فأنت طالق إن شاء الله، طلقت إن دخلت]: هنا تعليقان: تعليق الطلاق على الدخول، ثم تعليق وقوع الطلاق بالدخول على المشيئة.
لو علق الطلاق على مشيئة مخلوق؛ كأن يقول: أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء فلان؛ ففي هذه الحالة ننتظر أمرين: دخولها الدار، ثم نسأل فلاناً الذي علق الطلاق على مشيئته: هل يشاء أو لا يشاء، إن دخلت دار أبي بدون إذني فأنت طالق إن شاء أبي، من باب أن يعاقبها، إن دخلت على أمي مرة ثانية أو آذيتِ أمي مرة ثانية فأنت طالق إن شاءت أمي، فحينئذٍ لا إشكال فننتظر الأذية وننتظر مشيئة الأم، ولا يمكن أن نحكم بوقوع الطلاق بمجرد وقوع الأذية، فنتقيد بالمشيئة، ولم يذكر المصنف هذه المسألة لظهورها، لكن ذكر التعليق بمشيئة الله عز وجل، فلو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، عند من يرى أن (إن شاء الله) مؤثرة، فحينئذٍ لا يقع الطلاق؛ لأنه علقه على مشيئة الله عز وجل، والتعليق بمشيئة الله يسقط الطلاق، وأما على المذهب الذي اختاره المصنف -رحمه الله- وهو مذهب الإمام أحمد في الرواية التي اختارها أكثر من واحد من أصحابه رحمة الله عليهم: أنه إذا علق بالمشيئة فالمشيئة لا تؤثر، وبناءً على ذلك: إن دخلت الدار فإنه يُحكم بطلاقها، وما قال: نكفر كفارة يمين؛ لأن اليمين شيء، والطلاق شيء آخر، حتى ولو قصد منعها، وقد بينا هذه المسألة وذكرنا كلام العلماء -رحمهم الله- فيها وأن جماهير السلف والخلف -رحمهم الله- على أنه إذا علق على الدخول أو الخروج ونحوها من الصفات كما حكاه ابن المنذر وغيره بالإجماع أنه إذا وقع هذا الذي علق الطلاق عليه وقع الطلاق.
فحينئذٍ نحكم بوقوع الطلاق إن دخلت في الدار، ولا ننتظر العلم بمشيئة الله؛ لأن هذا يتعذر، ويحكم بمضي الطلاق ونفوذه.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
تعليق الطلاق بنوع الحملالأسئلةكيفية وقوع الطلاق المعلق بالحيض إذا كانت المرأة ليس لها عادة منضبطةالسؤالالجوابباب تعليق الطلاق بالشروط [5]تعليق الطلاق على الولادةتعليق عدد الطلقات بنوع المولودتعليق ذات الطلاق بنوع المولودالحكم إذا علق الطلاق بنوع وولدت توأمينالحكم إذا علق الطلاق بنوع وولدت توأمين ولم ندر من السابق منهماالسؤالتعليق الطلاق على الطلاقالأسئلةإذا قال: إن ولدت ذكراً فأنت طالق، فهل يقيد هذا الطلاق بالحمل الموجود أم بأي حملالسؤالالجوابالجمع بين قاعدة: اليقين لا يزال بالشك، والعمل بالشبهة بين الشبهتينالسؤالالجوابحكم من علق الطلاق بوضع ذكر أو أنثى فوضعت خنثىالسؤالالجوابوصية في تربية الأولادالسؤالالجوابباب تعليق الطلاق بالشروط [6]تعليق الطلاق على الطلاق بـ (كلما)الفرق بين: (كلما طلقتك) و (كلما وقع عليك طلاقي)تعليق الطلاق على الحلفحكم إيقاع الطلاق بالحلف بالطلاقتعليق الطلاق على الحلف بالطلاقتكرار صيغة (إن حلفت بطلاقك فأنت طالق)تعليق الطلاق على الكلامالجوابتعليق الطلاق على الابتداء بالكلامتعليق الطلاق بالخروج بغير إذنعدم جواز خروج المرأة من بيتها بغير إذن زوجهاالفرق بين الكل والجزء في تعليق الطلاق بالخروجحالات وقوع الطلاق عند تعليقه بالخروج بغير إذنالسؤالالجوابحالات عدم وقوع الطلاق عند تعليقه بالخروج بغير إذنالأسئلةمعنى قولهم: تطلق قضاءالسؤالالجوابدلائل طلب العبد لرضوان اللهالسؤالالجوابباب تعليق الطلاق بالشروط [7]تعليق الطلاق بالمشيئةتعليق الطلاق بالمشيئةتعليق الطلاق على مشيئة الزوجةالخلاف في زمن المشيئة للمرأة إذا علق الطلاق على مشيئتهاالحكم إذا أحالت المرأة مشيئتها على مشيئة الغيرتعلق الطلاق بمشيئة مشتركةتعلق الطلاق بمشيئة اللهتعليق الطلاق على مشيئة الله مع شيء آخر
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل