شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحة 7
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحكم في الزروع إذا كانت مما تطول مدتها

وفي هذه الحالة يبقى السؤال بالنسبة للزروع مثل: أشجار النخيل، وأشجار الفواكه التي تبقى مدة طويلة كاللميون والتفاح والموز والبرتقال، فهذه الأشجار تبقى مدة طويلة وليست كالزروع الأخر.
ففي هذه الحالة لو أنه زرع نخلاً واتفق مع البائع على أن يعطيه النخل فيسري على ثمرة النخل التفصيل الذي ذكرناه في بيع الثمار التابعة للأصول، ويسري عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً وقد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
لكن اختلف العلماء -رحمهم الله- هل يكون للغاصب حق في قوله: (فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع)؟ مادام أن الغصب لا حق فيه ولا استحقاق فيه فهل الثمرة أيضاً تسقط؟ وجهان للعلماء، وخصص بعض العلماء هذا بوجود الصلح بين الطرفين.

حكم اتفاق الغاصب والمغصوب منه على بقاء الزرع

أما إذا اغتصب أرضاً وكان قد زرع فيها نخلاً أو نحوه، فإن الحكم الشرعي أنه يطالب بنقل هذا النخل وإخراج هذا الزرع، ويقال له: اقلع هذا النخل وعليك مؤونة القلع، إلا إذا اتفق مع رب الأرض على أن يعطيه قيمة النخل وينصرف عنه.
مثال ذلك: لو اغتصب أرضاً وزرع فيها مائة شجرة من النخيل من نوع النخلة منه بألفين، فإذا كانت مائة نخلة وكل نخلة بألفين فمعنى ذلك أن قيمة النخل مائتي ألف، فلو قال له رب الأرض: خذ المائتي ألف واترك هذا النخل، وتراضيا واصطلحا، فحينئذٍ لا إشكال، وتنتقل المسألة من الغصب إلى الصلح، وتسري عليها أحكام الصلح المتقدمة وتصبح بيعاً، لكن إذا أعطاه مائتي ألف ريال فإنه يضمن الغاصب المدة التي مضت وقد وضع يده على الأرض غصباً، فلو أنه مكث فيها سنتين، وكل سنة لها عشرة آلاف فإنه يدفع له ما عدا أجرة هاتين السنتين، فعشرون ألفاً مستحقة لصاحب الأرض، والمائتي ألف مستحقة للغاصب، فيعطى مائة وثمانين ألفاً.
وبناء على ذلك: إذا اتفقا على إبقاء النخل، أو إبقاء الزروع والأشجار واصطلحا على ذلك فلا إشكال، وتنتقل المسألة إلى البيع، ويضمن الغاصب لرب الأرض المدة التي أمضاها غصباً وتدفع أجرتها، فلو تنازل صاحب الأرض وقال: لا أريد العشرين ألفاً وهي لك وقد سامحتك في المدة فذلك لهما؛ لأنه صلح ولصاحب الحق أن يتنازل عن حقه كله أو بعضه، هذا بالنسبة في حال اصطلاحهما على إبقاء الزرع كما هو.

أوجه الضمان في الغصب

يمكن أن نفهم أن الغصب فيه الضمان من أحد ثلاثة أوجه.
الوجه الأول: ما يسمى بضمان اليد.
والوجه الثاني: ويسمى بضمان الجناية والتصرف.
والوجه الثالث: يسمى ب

الضمان باليد والجناية

. فالغاصب نضمنه إما من جهة اليد وهي يد الغصب التي يسميها العلماء: اليد العادية، وإما أن نضمنه من جهة الجناية، وإما أن نضمنه من الوجهين.
ثم إذا ضمناه في اليد أو الجناية أو من الوجهين، إما أن نضمنه لمنفعة، أو نضمنه لعين، أو نضمنه للعين مع المنفعة، فأصبحت ثلاث صور.

الضمان باليد والجناية

أما بالنسبة للحالة الثالثة: وهي الضمان باليد والجناية، فهذه صورتها أن يأخذ الشيء ويبقى عنده مدة لا يتصرف فيه، ثم يقدم على التصرف فيه، فالمدة التي لم يتصرف فيها في ذلك الشيء كما لو مضت سنة على سيارة محبوسة عند الغاصب، وبعد سنة أخذها وأتلفها، فإنه إذا حبسها ولم يستهلكها ولم يفعل بها شيء ضمن باليد، وضمن عين السيارة بالجناية، فهذا ضمان باليد وضمان بالجناية.
ويجتمع فيه مجموع الدليلين، فنوجب عليه ضمان اليد بدليل اليد، ونوجب عليه

ضمان الجناية

لوجود الجناية، هذا بالنسبة للأموال المغصوبة: تضمن باليد وتضمن بالجناية وتضمن بمجموع الأمرين اليد مع الجناية، سواء كان الضمان بالمنافع أو كان الضمان للأعيان أو كان الضمان لمجموع الأمرين.
وفي هذا دليل على عظمة هذه الشريعة وكمالها وسمو منهجها، أنها ضمنت للناس حقوقهم، وخاصة في هذا الزمان الذي أصبحت فيه الحقوق حتى في الأدبيات والاعتبارات والمعاني والحكميات، فلا شك أن ضمان حقوق الناس وصيانتها على هذا الوجه -وخاصة على أرجح أقوال العلماء رحمهم الله بإثبات ضمان اليد- يردع الظالم عن ظلمه، ويوجب إحقاق الحق ورد الحقوق إلى أهلها.
ولو تصورنا أن الرجل تغتصب منه عمارته أو مسكنه وتمضي عشرات السنين وهو قد حيل بينه وبين حقه، ثم يقال: لا يأخذ إلا العين فقط، ولا يأخذ إلا عمارته! فخلال هذه السنوات كلها قد يستفيد الغاصب وينتفع، ولذلك كان من إحقاق الحق وإبطال الباطل أن يقال: على الغاصب أن يتحمل المسئولية بضمان المنافع وضمان الأعيان وضمانهما معاً سواء كان ذلك بجنايته وتصرفه أو كان بمحض اغتصابه وحيلولته بين أصحاب الحقوق وحقوقهم، أو كان بمجموع الأمرين.
المالكية في المنافع يفرقون بين كونه يستغل أو لا يستغل، ويقولون: إذا استغل الغاصب بنفسه أو بغيره، استغل بنفسه مثل أن يسكن العمارة أو يركب السيارة، واستغل بغيره: كأن يؤجر السيارة على غيره، أو يؤجر المسكن على غيره فيضمن، أما لو أخذ السيارة وحبسها فقط فلا يضمن، وهذا ضعيف، والحقيقة أن مذهب الشافعية والحنابلة في التضمين باليد مذهب قوي، ولا شك أنه يضمن للناس حقوقهم، وأما الحنفية فعندهم أصل، حيث إنهم لا يرون تضمين المنافع مطلقاً، حتى ولو أنه استغل وسكن وأجر، ولو أن الغاصب أجر الدار عشر سنين فإنه لا يملك صاحب الدار إلا أن ترد له داره فقط، وهذا سنبينه ونبين دليلهم في ذلك وجوابهم إن شاء الله.

ضمان الجناية

ضمان الجناية ضابطه: أن يجني الغاصب على المنفعة أو على العين أو على الاثنين معاً.
يغتصب من أخيه المسلم شيئاً فيتصرف في منفعته ولا يتصرف في العين، أو يتصرف في العين ولا يتصرف في المنفعة، أو يتصرف في الاثنين، فيلزمه ضمان المنفعة في الصورة الأولى، وضمان العين في الثانية، وضمانهما معاً في الثالثة.
مثال ذلك: لو أن شخصاً اغتصب سيارة، وقام بركوب هذه السيارة واستغلال ركوبها شهراً كاملاً، فيضمن منفعة السيارة، فقد يرد السيارة وهي تامة كاملة ليس فيها أي نقص، فالعين تامة، ولكن الذي فات باستغلاله واستهلاكه وتصرفه هو المنفعة، فيقال له: ادفع منفعة السيارة، أي: ادفع أجرة السيارة لمدة شهر، هذا بالنسبة لضمان المنفعة بالجناية والتصرف.
وأما ضمان العين بالجناية والتصرف كرجل اغتصب الزجاجة ثم كسرها مباشرة، نقول له: يلزمك ضمان هذه الزجاجة، فهو يضمن عين الزجاجة بالمثلي إذا كان له مثلي أو بقيمته إذا لم يكن له مثلي، على التفصيل الذي سيأتي في ضابط الضمان، هذا بالنسبة للجناية على العين.
ويضمن المنفعة والعين بالجناية مثل: شخص أخذ سيارة وانتفع بها شهراً، ثم بعد شهر ذهب ورماها في الوادي وأتلفها تماماً، فحينئذٍ يضمن أجرة الشهر ضماناً للمدة، ويضمن قيمة السيارة إذا لم يكن لها مثلي أو مثلها إذا كان لها مثلي؛ لأن يده أتلفت بالجناية، فحينئذٍ يضمن المنفعة ويضمن العين، هذا بالنسبة لضمان العين والمنفعة بالجناية.
بالنسبة لضمان الجناية الأصل فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليردها) فقوله: لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جاداً ولا لاعباً، يقول بعض العلماء: أي: أنه يورث العداوة، فالشخص حينما يكون مع أخيه فيأخذ كتابه ويأخذ قلمه ويمنعه من القلم هذا يورث الشحناء ويورث البغضاء حتى ولو كان بالمزاح، وخاصة أن الشخص لا يمزح إلا إذا رأى أخاه بحاجة للكتاب، فهذا يورث نوعاً من الحقد ونوعاً من الضغينة؛ ولذلك أقفل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب ومنع منه فقال: (لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليردها) فأوجب الرد، وأوجب الضمان في الأخذ والتصرف، فدل على أن من تصرف بالشيء فإنه يضمنه، قال الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) دل على أن ما فعله الإنسان واجترحه يضمنه، ويكون مرهوناً به فقوله: (رَهِينَةٌ) فعيلة بمعنى: مفعولة، أي: مرهونة.
وبناء على ذلك: بينت الآية أن من اجترح أذية أخيه المسلم بإتلاف عين ماله أو تفويت منفعته أو مجموع الأمرين، فإنه يكون مرهوناً بذلك الشيء ويجب عليه ضمانه.

ضمان اليد

ضمان اليد يكون الغاصب قد اغتصب الشيء ولم يتصرف فيه، فحينئذٍ نضمنه بيد الغصب وهي التي أخذت، أو حالت بين المالك وملكه.
ويد الغصب تثبت على الشيء بضابط الغصب الذي تقدم معنا، وفي هذه الحالة الغاصب لا يتصرف في الشيء المغصوب، فيأخذ أرضاً ولا يتصرف فيها، أو يأخذ سيارة ولا يتصرف فيها ولا يحركها ولا ينقلها من مكانها، فإذا كان الغاصب قد اغتصب شيئاً ولم يتصرف فيه ولكن حال بينه وبين صاحبه، فقهره عليه وأخذه منه بالاستيلاء -وهذا ما تقدم معنا مما يسمى بالاستيلاء الحكمي- إذا لم يكن هناك نقل حيازة، فإنه في هذه الحالة يضمن المنفعة، ويضمن العين، ويضمن العين مع المنفعة.
وتصوير ذلك: لو أن رجلاً اغتصب سيارة وأخذ مفاتيحها من مالكها، وقال له: إذا قربت السيارة أو أخذت السيارة أفعل بك وأفعل؟! فهدده ومنعه من السيارة واستولى عليها حكماً أو استولى عليها قهراً، فالسيارة أصبحت منتقلة من يد الملكية من صاحبها إلى يد الغصب لمن اغتصب.
فلما غصبها ما تصرف في السيارة، ما فتحها ولا ركبها ولا تصرف فيها بشيء، فالسيارة تلفت في موضعها، بقيت -مثلاً- عشر سنوات ثم تعطلت تماماً وتلفت، فلم يتلفها الغاصب ولم يتلفها أجنبي ولم يتلفها المالك، وإنما التلف وقع بطبيعة الحال، أو نزلت عليها صاعقة من السماء فأحرقتها، المهم أنها لم تتلف بيد الغاصب ولا بتصرفه، ولا بأجنبي ولا بمالك.
في هذه الحالة نقول: اغتصابه يوجب ضمانه، وهذا ما يسمى بيد الغاصب، ويد الغاصب يقول بها جمهور العلماء، أنه بمجرد قهره لأخيه المسلم وأخذه لماله والاستيلاء عليه حقيقة أم حكماً، حقيقة: كأن يحوزه ويأخذ منه القلم فيجعله عنده في جيبه، أو يضعه في حقيبته، أو يضعه في درجه أو في دولابه، هذا النقل.
أو حكماً: يكون المغصوب في مكانه ولا يستطيع صاحبه أن يصل إليه بسببب منع الغاصب.
في هذه الأحوال كلها يضمن الغاصب، مع أنه لم يكن هو الذي أتلف، فيضمن المنفعة، ويضمن العين، ويضمن كذلك العين مع المنفعة.
الصورة الأولى: يضمن المنفعة، مثال ذلك: لو أخذ داراً فأخذ مفاتيحها ومنع صاحبها من الدخول والاستفادة منها، ومضى على هذا الغصب سنة، لم يدخل الدار ولم يتصرف فيها، فهذه الدار منعت سنة كاملة وهي بكامل أجزائها وكامل منافعها، فلما كملت السنة ردت الدار لصاحبها كاملة، فالعين كاملة، لكن تعطلت منفعتها سنة كاملة، فالذي اغتصبها يضمن المنفعة، وهذا مذهب الجمهور: يدفع أجرة الدار سنة كاملة.
الصورة الثانية: أن يضمن باليد العين، كأن يأخذ مثلاً سيارة لشخص ويقهره عليها فيغتصبها، ثم تتلف السيارة مباشرة بعد الغصب ولو بدقيقة، فبمجرد غصب الغاصب للعين تدخل إلى ذمته، سواء تلفت بتصرفه أو بتصرف غيره فيده ضامنة، وهذا ما يسمى بضمان اليد، فيضمن السيارة ولو تلفت بآفة سماوية.
كما لو أخذ مزرعة واغتصبها ولم يتصرف في المزرعة أبداً، وجاء إعصار بعد الغصب ولو بثانية وأحرقها، ضمن المزرعة كاملة، وهذا ضمان العين.
الصورة الثالثة: الضمان بالنسبة للعين مع المنفعة، مثل: أن يغتصب سيارة سنة، ثم تلفت هذه السيارة، ولم يتصرف فيها ولم يتلفها فقد ضمن بيد الغصب منفعة السيارة سنة، فيدفع أجرة استغلال السيارة سنة، ويدفع قيمة السيارة ضماناً للعين على التفصيل الذي تقدم في ضمان العين.
إذاً: ضمان اليد يكون للمنفعة ويكون للعين، ويكون للعين والمنفعة معاً.
ما الدليل على مسألة ضمان اليد؟! لماذا نضمن الغاصب ونلزمه بدفع أجرة الشيء أي: (منفعته) ونلزمه بدفع قيمة العين إذا تلفت، ونلزمه بدفع الاثنين إذا حصل الموجب للضمان بهما؟!! الدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) فدل على أن الغاصب بمجرد غصبه: (على اليد ما أخذت) بمجرد غصبه وقهره لأخيه المسلم واعتدائه على ماله فقد صار إلى ضمان حتى يؤديه.
فمن اغتصب عيناً وفيها منفعة ألزمناه بدفع المنفعة، وذلك بدفع الأجرة، فألزمناه بضمان المنفعة بدفع أجرتها.
ومن أخذ عيناً وتلفت بعد أخذه ألزمناه بردها؛ لأنه قد أخذها إما حقيقة أو حكماً.
ومن أخذ العين وحبسها مدة فيها منفعة وعطّلها عن صاحبها ضمن الأمرين، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر برد الحق كاملاً، فمن ضيع المنفعة قلنا له: رد هذه المنفعة بأجرتها، ومن ضيع العين قلنا له: رد هذه العين بضمانها، ومن ضيع الأمرين وجب عليه ضمانهما معاً.
ضمان اليد يقول به جمهور العلماء وينازع فيه الإمام أبو حنيفة رحمه الله وبعض أصحابه، والإمام أبو حنيفة عنده قاعدة، والحنفية رحمهم الله يقولون: ليس هناك في الغصب ضمان للمنفعة، ولا يرون ضمان المنافع.
وسيأتي هذا معنا -إن شاء الله- ونبين شبهتهم ودليلهم والجواب عليه في المسألة التي سيذكرها المصنف بعد هذه المسألة.

حكم قلع المبني أو المزروع في الأرض المغصوبة

قال رحمه الله: [وإن بنى في الأرض أو غرس لزمه القلع].
(لزمه القلع) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لعرق ظالم حق).
قال رحمه الله: [وأرش نقصها].
ينظر في الأرض بعد القلع إن نقصت قيمتها، يقال: ادفع الأرش، وهو الفرق بين قيمتها كاملة وقيمتها ناقصة.
قال رحمه الله: [وتسويتها].
ويلزم بتسويتها، يعني: إعادتها على وضعها وردم الحفر وإعادتها؛ لأنه أخذها مستوية فيردها مستوية، ولا يترك الحفر فيها؛ لأن هذا يشوه الأرض ويضر بمصلحة المالك.

منافع الأعيان المغصوبة مضمونة

قال رحمه الله: [والأجرة].
ويلزمه دفع أجرة الأرض، وهذا مبني على الأصل الذي ذكرناه من أن منافع الأعيان المغصوبة مضمونة، وخالف في هذه المسألة الحنفية وأشد ما يكون خلافهم في العقارات، فالأرض عندهم أصل ما يثبت عليها غصب.
يقولون: عندنا مالك وعندنا مملوك، فالأشياء إما أن تكون مالكة وإما أن تكون مملوكة، فالأرض التي غصبت مملوكة، فالشخص إذا جاء وأخذ الأرض قهراً فإنه لا يعتبر غاصباً لها؛ لأن هناك شيئاً يسمى التعدي بالتصرف، وهناك التعدي بدون تصرف، وهناك ما يجمع الأمرين، فإذا جاء الشخص وأخذ الشيء فقط ولم يتصرف فيه فإنه في هذه الحالة لا يكون غاصباً حقيقة؛ لأن الغصب عندهم يستقر بإزالة يد المالك عن الشيء، والعقار لا يمكن نقله ولا يمكن إزالة يد مالكه عنه؛ ولذلك لا يرون حقيقة الغصب تنطبق على العقارات في الأرض، سواء غرست أو بنيت، فلا يلزمون بدفع الأجرة؛ لأنهم لا يرون أن منافعه تضمن.
وعندهم دليلان: الدليل الأول: يقولون: إن المنافع ليست بمال، وإنما تضمن الأموال وما في حكمها، والمنافع ليست بأموال عند الحنفية، ولكن عند الجمهور أنها أموال بدليل: أن الدار تؤجر وتسكن بمائة ألف -مثلاً- تدفع لقاء السكن، والدابة أو السيارة تركبها؛ فمنفعتها تدفع لقاءها مائة ريال أو خمسين ريالاً، إذاً: معنى ذلك: أن السكنى والركوب والمنافع لها قيمة، وتعتبر من جنس الأموال من هذا الوجه.
الدليل الثاني: قالوا: عندما يأتي الشخص ويغتصب هذه العمارة ويأخذها، فإنه عند سكنى العمارة شهراً كاملاً -التي هي مدة الغصب- تكون جميع منافعها ومصالحها تحت ضمان الغاصب، والذي يتحمل مسئوليتها الغاصب، فمن حقه أن ينتفع، ومن حقه أن يغصب هذه المنافع، حتى زوائد المغصوب لا يدفعها ولا يضمنها، وهذا أصل عند الحنفية رحمهم الله، وهذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) فألزم بضمان الشيء الذي أخذ، وقد أخذ المنفعة فيلزمه رد قيمتها؛ لأنه يتعذر رد المنافع بمثلها، فيلزم بدفع قيمتها وضمانها بالقيمة، وكذلك أيضاً يتعذر رد المنافع بأعيانها؛ لأن سكنى الدار شهراً ذهبت ولا تستطيع أن تردها.
فما هي كالعين ترد! ولذلك لا يمكن رد المنافع بأعيانها، ولا يمكن رد المنافع بمثلها؛ لأنه ليس هناك دار مثل هذه الدار من كل الوجوه، فمثلاً: لو أنه اغتصب داراً في وسط المدينة، فإنه إذا وجد الدار في وسط المدينة لا يمكن أن يجد داراً في نفس المكان وبنفس الصفات، ولابد أن تكون مثلية؛ لأن المثلية يشترط فيها المساواة من كل الوجوه.
وبناء على ذلك: لا يصح أن يقال: إن المنافع تضمن بالمثل، فتعذر وجود المثلي وتعذر رد عين المنافع، وتعذر رد المثل فوجب ضمانها بالقيمة؛ ولذلك إذا عطّل عليه منافعه ومنعه من سكنى الدار سواء استغل أو لم يستغل فإنه يلزم بضمانها.

حكم من غصب جارحاً أو عبداً أو فرساً

قال رحمه الله: [ولو غصب جارحاً أو عبداً أو فرساً فحصل بذلك صيداً فلمالكها].
قوله: (ولو غصب جارحاً) غصب الجارح يشمل: الكلب المعلم، والطيور الجوارح مثل: الصقر والباز والشواهين والباشق ونحوها من جوارح الطير.
فالجوارح المعلمة سواء كانت من الطيور أو كانت من السباع العادية، إذا اغتصبه وأخذه وصاد به فللعلماء في ذلك وجهان: قال بعض العلماء: إذا أخذ الكلب وصاد به ملك الغاصب الصيد ورد الكلب.
وقال بعض العلماء: بل إن الصيد يكون ملكاً لصاحب الكلب، وهذا هو الصحيح الذي اختاره المصنف رحمه الله، والحنابلة والشافعية على هذا، أنه إذا اغتصب جارحاً فإن صيده يكون للمالك؛ وذلك لأن الجارح هو الذي أخذ الصيد، وأخذه وهو ملك لصاحبه، والشرع أحل لصاحبه المنفعة وأن ينتفع بذلك الكلب ويرتفق به.
لكن أصحاب القول الأول قالوا: إن الجارح من حيث الأصل لا يملك؛ فليست هناك يد وإنما له يد على المنفعة، فإذا اغتصبه حينئذٍ لا يكون هناك ملك لصاحب اليد الأصلية، فيبقى الانتفاع للغاصب وليس للمغصوب منه.
والصحيح: أن الصيد يكون للمغصوب منه.
وقوله: (أو عبداً).
أو غصب عبداً، فصاد هذ العبد وحصلت منه المنفعة، فإنه يكون ملكاً للمغصوب منه وليس للغاصب.
وقوله: (أو فرساً).
وهكذا الفرس لو أنه ارتفق به وانتفع، فإنه يضمن، وهذه المسألة تعرف بمنافع المغصوب، ومنافع المغصوب يمثل لها بالحيوانات، ويمثل لها بالعقارات؛ لأن الحيوان إما أن يكون آدمياً أو غير آدمي، فمثل لغير الآدمي بالجارح، ومثل للآدمي بالعبد، ومثل لغير المنقول بالعقار وهو الدار، ومثل للحيوان بالفرس.
فأصبح إما أن يكون حيواناً يملك منفعته، وإما أن يكون حيواناً يملك ذاته، وإما أن يكون آدمياً بالنسبة للمنافع، ومنافع الحيوانات إما أن تكون منفعة من حيوان لا تملك ذاته كالأسد والكلب، ولكن تملك منفعته: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] فإنه تملك منفعة الصيد به، ولذلك الكلب لا تملك عينه، وإذا أتلفه الغير فلا يضمن قيمة الكلب كما ذكرنا؛ لأن الشرع أسقط الثمن أو القيمة في الكلب، ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثمن الكلب سحت).
فإذاً: غصب الحيوان يشمل الآدمي وغير الآدمي؛ فإن كان آدمياً مثل له بالعبد، وإن كان غير آدمي فإما أن يكون حيواناً تملك ذاته ومثل له بالفرس، فالمنفعة تابعة لملكية الذات، أو يكون حيواناً لا تملك ذاته ومثل له بالجارح، فهذا التمثيل المراد به التقسيم ببيان التنظير في أصل المسألة في ملكية المنافع.
وقوله: (فحصل بذلك صيد فلمالكه).
يعني: من الكلب أو العبد بأن صاد له، أو ركب الفرس وصاد عليه، ففي هذه الأحوال كلها المنافع تكون ملكاً للمالك الأصلي للمنفعة أو المالك للرقبة مع منافعها على التفصيل الذي ذكرناه.

الأسئلة

انتقال العقد عند الحنفية من غصب إلى مزارعة

السؤال

في قول الحنفية رحمهم الله: إذا كانت الأرض معدة للزراعة ينتقل العقد إلى عقد مزارعة بين المالك والغاصب، ما هي صورة عقد المزارعة بينهما؟

الجواب

تنتقل المسألة من الغصب ومن صورة الاعتداء -لأنهم لا يرون الغصب في العقارات- إلى المزارعة، فنقول في هذه الأرض: هذا المكان إذا دفعت لشخص لكي يزرعها، كم يتفق أهل الأراضي في ذلك الموضع؟ مثال: لو كانت الأرض قريبة من المدن وأعطيت لشخص لزراعتها، فيعطاها على أن له النصف ولصاحب الأرض نصفها، فتكون مشاطرة بين الطرفين، فيقال: فهذه الأرض -المغصوبة- تأخذ حكم الأراضي الموجودة حولها، فيكون نصف الزرع -مثلاً- للمالك، ونصف الزرع للذي غصبها، فالنتاج لصاحب الأرض وللغاصب، هذا إذا كانت الأرض يزارع عليها في مكانها ومحلها بهذا القدر.
وبعض الأحيان يؤثر الشيء المزروع، فمثلاً: هناك مزارع يقع فيها عقد المزارعة؛ لأن عقد المزارعة يكون فيها العامل للبذر، فيبذر الأرض ويقوم عليها ويستصلحها ثم يشاركه صاحب الأرض في الإنتاج، فيكون صاحب الأرض قد قدم الأرض وقدم الماء الموجود فيها، ويكون العامل -الذي هو المزارع- قد دخل بالبذر وبالعمل، وهذا قدمناه وذكرناه حينما تعرضنا لمسألة المساقاة والمزارعة.
فالشراكة الآن بين العامل وبين رب الأرض، وهنا الشراكة بين الغاصب وبين رب الأرض، وفي بعض الأحيان يكون التأثير بحسب الزرع المزروع، فالمنطقة التي فيها الأرض المغصوبة أو المأخوذة إذا زرع فيها -مثلاً- الشعير، جرى العرف عند أهلها أن تكون ثلاثة أرباع للمالك وربع للعامل.
نقول: إذاً: للغاصب الربع ولمالك الأرض ثلاثة أرباع.
ولو زرعت ذرة وجرى العرف في ذلك الموضع أن يأخذ العامل ثلثين، والثلث لرب الأرض، نقول: الثلثان للغاصب والثلث لرب الأرض، فيقاس على هذا، فيحددون المزارعة وقدرها على حسب العرف، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فهم يرون كأنهما اشترطا ودخلا العقد على هذا على حسب العرف بذلك، فننصف الطرفين ونعطي هذا حقه بالعرف، ونعطي مالك الأرض أيضاً قدره من المزارعة بالعرف، والله تعالى أعلم.

حكم صلاة العيد في الأودية

السؤال

يقول السائل: نحن نسكن في قرية تحيط بها الجبال، ولا يوجد مصلى للعيد إلا في وادي السيل، وقيل لنا: أن الصلاة لا تصح في الوادي، فهل هذا صحيح؟ وهل نترك الوادي ونصلي في الجامع، مع العلم أننا نخشى مداهمة السيل أو نحوه؟

الجواب

أما في الحقيقة من حيث الأصل فالسنة الصلاة في البراري والصحراء، لكن لو صليتم في الوادي فالصلاة صحيحة، ولا أعرف أحداً من أهل العلم يقول: إن الصلاة داخل الوادي باطلة، والله يقول عن مكة: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:37] يعني: مكة التي هي قبلة المسلمين كلها في وادي، ولا أحد يقول: إن الصلاة في الوادي باطلة.
لكن هل نطلب السنة على وجه يعرض أرواح الناس للخطر، في الأزمنة التي يغلب على الظن فيها وجود المطر في المنطقة أو حول المنطقة التي هي مراوي الوادي، لأن مشكلة الوادي وهذا معروف بالاستقراء والتتبع وقول أهل الخبرة ربما تكون مراوي الوادي على بعد مائتين كيلو.
فالذي يظهر أنه لا يجوز تعريض أرواح الناس لمثل هذا.
وأما إذا كان في زمان يغلب على الظن عدم وجود السيل، ويغلب على الظن عدم وجود الضرر فالأمر فيه أخف إن شاء الله، أما الصلاة -إن شاء الله- صحيحة، والله تعالى أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم.

حكم زراعة شخص في أرض شريكه دون إذن

السؤال

من زرع دون إذن شريكه، هل له أحكام الغاصب وذلك في الشق الذي لشريكه؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة أفتى فيها بعض أهل العلم رحمهم الله: أنه إذا زرع في نصيب شريكه مكن الشريك من الزراعة في نصيبه عوضاً، فيقال له: ازرع لمدة ثلاثة أشهر، ويقال لشريكه: إذا فرغ تأخذ أنت أيضاً أرضه وتزرع وتأخذ كما أخذ.
وهذا إنما يتأتى في حال استواء الأرضين، كما لو كانت الأرض بينهما مناصفة، وكانت القسمة قسمة مهايأة بين الشريكين وكلا الأرضين بصفات واحدة حيث يكون هناك عدل بين الطرفين.
وهناك وجه لبعض العلماء رحمهم الله أنه ينزل الشريك منزلة الغاصب ويعتبره في حكم الغاصب، فإذا زرع وحصد ضمن أجرة الأرض مدة زراعته.
فعلى الوجه الأول يمكن المظلوم من أخذ حقه بالزراعة، وعلى الوجه الثاني يمكن من أخذ حقه عن طريق المعاوضة بالإجارة، والله تعالى أعلم.

معنى النقص المستقر

السؤال

قال الشارح رحمه الله في مسألة أرش النقص: (وكذا كل عين مغصوبة على الغاصب ضمان نقصها إذا كان نقصاً مستقراً) فما معنى قوله: مستقراً؟

الجواب

النقص ينقسم إلى صور، في بعض الأحيان يبقى ويؤثر في المالية ويؤثر في القيمة، وبعض الأحيان لا يبقى، فمثلاً: لو أنه أخذ العبد فمرض العبد ونقصت قيمته، ثم لما رده رده وقد شفي.
أخذ منه فرساً، والفرس صحيح سوي، فمكث عند الغاصب ثلاثة أشهر، في الشهر الأول مرض وهذا نقص، لكنه غير مستقر؛ لأنه لما دخل في الشهر الثاني شفي، فرجع إلى حالته، ففي هذه الحالة لا يكون مضموناً ولا يلزم بدفع النقص؛ لأنه عاد على حالته والنقص الذي حدث عارض، فالعوارض التي لا تستقر ولا تثبت وليست بمؤثرة لا بالضمان في الأعيان ولا بالضمان في المنافع، والله تعالى أعلم.

قاعدة الغالب كالمحقق

السؤال

لو منع الغاصب المالك أن يزرع أرضه، فكيف يكون ضمان الغاصب، إذ لا ندري لو زرع المالك هل ستخرج ثمرته أم تفسد؟

الجواب

طبعاً هذا ليس بوارد من وجوه: أولاً: أنه إذا منعه من الزراعة فالقهر موجود، وصفة الغصب موجودة من جهة الاعتداء على أموال الناس، فيتحمل مسئولية هذا الاعتداء.
ثانياً: قولك: نحن لا ندري هل يخرج الزرع أو لا، القاعدة في الشريعة أن الحكم للغالب، فالأرض أرض زراعية، والبذر موجود، والزمن زمن زراعة، فما هو الغالب؟! فالغالب أن يخرج الزرع.
ولذلك تقول القاعدة -وهذه فائدة استخدام القواعد وتعملها-: إن الغالب كالمحقق، والحكم للغالب، والنادر لا حكم له، تقول: الغالب أن الأرض تخرج زرعها فيضمن له ذلك ولا عبرة بالنادر وكونه يحتمل أنها ما تخرج لا نعمل به، بل نعمل الغالب ونحكم بأنه ضامن لهذه الأرض هذه المدة، وعلى هذا يلزم بالضمان.
الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله قرر في كتابه النفيس: قواعد الأحكام ومصالح الأنام مسألة الظنون الضعيفة، وقال: إن الشريعة تبني على الظن الراجح، وأكثر مسائل الشريعة على الظنون الراجحة، يعني: على غلبة الظن، والظنون الضعيفة -من حيث الأصل- والاحتمالات الضعيفة لا يلتفت إليها ألبتة.
يقول رحمه الله: إذ لو ذهبنا نعمل مثل هذه الظنون الفاسدة لما استقامت الشريعة؛ لأننا إذا عملنا بهذه الظنون الفاسدة نقول: يحتمل أنها ما تخرج يحتمل تخرج! ولو أننا أعملنا بالاحتمال الضعيف ما بقي شيء، فأنت في أعظم الأشياء: الصلاة، التي هي ركن الإسلام وعموده، ويقف المسلم بين يدي ربه بالظنون؛ لأنه يستقبل القبلة بغالب الظن، فهو إن توجه إلى جهة القبلة هل هو قاطع 100% أنه على جهة القبلة؟! بل بغالب الظن.
وإذا جاء وتوضأ هل هو يقطع 100% أنه على وضوئه؟ ربما دخله الشك أنه خرج منه شيء ولم يخرج، فالظنون الفاسدة لا يلتفت إليها.
في الصيام لو جاء ورأى آثار مغيب الشمس هل يقطع 100% أنها غابت؟ لا يمكن، ففي بعض الأحيان لا يستطيع أن يقطع.
وحينما تأتي لعالم وتسأله عن مسألة اجتهادية ويفيتك، فالغالب صوابه، وغلبة الظن حينما تراه إنساناً يوثق بدينه وعلمه وقد شهد له أهل العلم بأنه أهل لهذا العلم الذي يفتي فيه في العقيدة أو في الحديث أو في الفقه وفي المسائل والأحكام، وجئت تسأله في شيء بينك وبين الله عز وجل وتتعبد لله عز وجل، فقد يكون الشيخ مخطئاً، فيستحل الرجل وطء زوجته بغلبة الظن، ويقول له: لا، الطلاق ما وقع، فيحتمل أنه وقع، ويحتمل أن الشيخ أخطأ، لكن هذه الظنون كلها لا يلتفت إليها ولا يعتد بها، والحكم في الشرع لغالب الظن أنه مادام على علم وبصيرة والله وصف أمثال هؤلاء فقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:162] فوصفهم برسوخ العلم، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:43] ورد إليهم بغلبة الظن بصوابهم.
ومن هنا كانت أحكام الشريعة والتعبد الله سبحانه وتعالى بغلبة الظن.
فإذا جئنا للحقوق وفصل الحقوق ومقاطع الحقوق بين الخصمين نحكم فيها بغالب الظن إن لم نكن على يقين وقطع؛ لأن الله تعبدنا بهذا الغالب.
وبهذا الغالب يمكننا أن نصل إلى حق كل ذي حق فنأمر من أخذ الحق برده، ونقول: إن هذه الأرض مادامت قد تهيأت للأسباب وهي صالحة للزرع فإنها تكون في حكم الأرض المزروعة، والله تعالى أعلم.

شرح زاد المستقنع -

باب الغصب [4]

المغصوب عند رده له ثلاث حالات: إما أن يرد وتكون فيه زيادة، أو يرد ويكون فيه نقص، أو يرد وتكون فيه زيادة من وجه ونقص من وجه آخر، وقد فصلت الشريعة كل هذه الحالات بأحكامها حتى لا يظلم أحد أحداً، وألزمت بإعطاء كل ذي حق حقه ولو كان ظالماً.

أحوال زيادة المغصوب ونقصانه

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى وآله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن ضرب المصوغ، ونسج الغزل، وقصر الثوب أو صبغه ونجر الخشب ونحوه، أو صار الحب زرعاً، أو البيضة فرخاً، والنوى غرساً رده، وأرش نقصه ولا شيء للغاصب، ويلزمه ضمان نقصه].
المغصوب له حالتان: الحالة الأولى: أن يرده الغاصب كما أخذه، دون زيادة أو نقصان، وفي هذه الحالة يكون صاحب الحق قد وصل إليه حقه كاملاً، إلا أنه يجب على الغاصب أن يضمن أجرة المغصوب إن كانت هناك منفعة منعها من الشيء المغصوب، وبينا هذا فيما تقدم.
وبناء على هذا: يبقى

السؤال

إذا تصرف الغاصب في الشيء المغصوب؟ أو أن هذا المغصوب زاد من نفسه، أو نقص، أو تلف بعضه بآفة سماوية أو نحو ذلك؟ فالعلماء رحمهم الله يجعلون هذه المسألة تحت عنوان: زيادة المغصوب ونقصانه.
فإذا زاد المغصوب أو نقص فله حالتان: الحالة الأولى: أن تكون الزيادة والنقصان قد نشأ كل منهما من الشخص الغاصب، فيزيد الشيء المغصوب بفعل من الغاصب، أو ينقص الشيء المغصوب بفعل من الغاصب، وحينئذٍ تكون يد الغاصب يداً معتدية في حال النقص، ويداً متفضلة في حال الزيادة.
الحالة الثانية: أن تكون الزيادة والنقصان من المغصوب نفسه، فالمغصوب بنفسه نقص أو تلف بعضه كما لو أن شخصاً اغتصب طعاماً وأخذه من صاحبه، فتلف بعض الطعام وبقي بعضه وكان التلف من نفس الطعام، أو اغتصب عصيراً فصار العصير خمراً -والعياذ بالله- بسبب المدة، وهذا من نفس العصير؛ لأنه إذا طالت عليه المدة تخمر، فحينئذٍ حصل النقص من الشيء المغصوب.
وقد تكون الزيادة من الشيء المغصوب أيضاً، مثل: ما لو أن هذا المغصوب أخذه الغاصب في حالة سيئة، ثم تحسنت حالته، كأن يكون مريضاً ثم شفي من مرضه دون أن يكون الغاصب قد عالجه أو سعى في علاجه، أو يكون العبد مجنوناً -كما في القديم- ثم أفاق من جنونه دون فعل من الغاصب، وحينئذٍ هذا الشيء الذي هو الزيادة والتحسن وقعت بفضل الله عز وجل وليس للغاصب فيها أثر.
إذاً: عندنا مسألة أحوال الزيادة والنقص، وعندنا أحوال التغير التي هي الزيادة في المغصوب أو النقص، وعندنا منشأ هذا التغير، وهو أن يكون ناشئاًَ من العين المغصوبة، أو يكون ناشئاً من الغاصب.
فالمصنف رحمه الله ذكر هذه المسائل، وفي الحقيقة كل من الزيادة والنقص ينقسم إلى أقسام: تارة تكون الزيادة والنقص في الذات، وتارة في المنفعة، وتارة في الصفة.
فتزيد الذات وتزيد المنفعة، أو تنقص الذات وتنقص المنفعة، أو تزيد الصفات أو تنقص، هذه كلها أحوال للزيادة والنقص، فإن حدثت في العين المغصوبة زيادة فإما أن تكون في ذاتها، مثل: ما لو ولدت الغنم وتكاثرت، فهذه زيادة في ذات الغنم.
أو تكون الزيادة في منفعة العين المغصوبة مثل: ما لو كانت العين المغصوبة على صفة وتصرف الغاصب فيها، فأصبحت تصلح للاستغلال في أكثر من شيء، كأن تكون السيارة للركوب فقط، ثم يتصرف فيها بطريقة ما فتصبح للركوب وللحمل عليها، فحينئذٍ زادت منافعها.
وتارة تكون الزيادة في الصفة، مثل: ما كان في القديم يغصب رقيقاً، ويكون الرقيق جاهلاً فيعلمه، فإذا علمه صنعة تكون حينئذٍ الزيادة في الصفة، أو يغتصب إبلاً أو بقراً أو غنماً وهي مريضة فيردها صحيحة، أو يأخذها صحيحة ويردها مريضة، إذاً: النقص والزيادة في الصفات.
وتكون الزيادة والنقص في القيمة، فيغتصبه سيارة وقيمتها أثناء الغصب عشرة آلاف ريال، ثم يرخص سعرها فتصبح بثمانية آلاف ريال، فهذا نقص في السوق والقيمة.
أو يغتصبه أرضاً أو عمارة قيمتها مليوناً ثم تصبح قيمتها نصف المليون أو العكس، يأخذها وقيمتها مائة ألف ثم يردها وقيمتها مائتا ألف، فهذه زيادة القيمة ونقصها.
فهذه أربعة أحوال في الزيادة والنقص؛ الذات، المنفعة، الصفات، القيمة.
كل هذا تمهيد لما سيذكره المصنف رحمه الله من المسائل، فإما أن تكون العين المغصوبة زائدة أو ناقصة، وإذا زادت أو نقصت فإما من الغاصب وإما من غير الغاصب، ثم أحوال الزيادة والنقص إما في ذات العين المغصوبة أو منافعها أو قيمتها أو في صفاتها، هذه كلها أمثلة سيذكرها المصنف تدور حول هذه الضوابط التي ذكرناها.

حكم زيادة شيء في المغصوب يمكن فصله

وقوله: (ولا شيء للغاصب (. فلو قال الغاصب: إني تكلفت في ضرب المصوغ، وتكلفت في نسج الغزل، وتكلفت في زرع الحب والنوى، وتكلفت في نجر الخشب، نقول: يدك يد اعتداء فلا يضمن لك فعلك؛ لأنه واقع في غير موقعه وغير مأذون به شرعاً، ولا تستحق عليه؛ لأنه لو قلنا باستحقاقه فمعناه أن غصبه صحيح؛ ولذلك يصف العلماء رحمهم الله يده بأنها يد عادية، ويسمونها اليد العادية، واليد العادية لا تستحق أن يضمن لها ما فعلت إلا إذا زادت أعياناً يمكن فصلها عن الشيء المغصوب، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له طالب العلم.
إذا غصب شخص شيئاً وأدخل على الشيء المغصوب أعياناً يمكن فصلها ففي هذه الحالة الأعيان ملك للغاصب، ونقول للغاصب: خذ حقك ورد للناس حقوقهم، وما يمكن أن نقول له مثل المغصوب: خذ مالك وخذ مال غيرك؛ لأن الله لم يجعل له سلطاناً على مال أخيه.
فنقول: الغاصب يرد ما اغتصبه، ثم بعد ذلك نقول للغاصب: خذ ما أحدثته من الزيادات التي يمكن فصلها عن العين المغصوبة، هذه المسألة خاصة خارجة عما نحن فيه، نحن نتكلم على الزيادات التي لا يمكن فصلها، فإن الحب إذا صار زرعاً والنوى إذا صار غرساً لا يمكنك أن ترد الغرس إلى نوى، ولا يمكن أن ترد الزرع إلى حالته الأولى حبوباً.
فحينئذٍ نقول: يضمن له عين المغصوب ويضمن له النقص المترتب على فعله.

حكم البيض المغصوب إذا صار فرخا

ً وقوله: (أو البيضة فرخاً).
تفريخ البيض يحتاج إلى كلفة، ويحتاج إلى مؤونة وعمل، ولربما تكون الكلفة لها قيمة وهي إجارة من يقوم بتفريخ البيض، فلو اغتصب عدداً من البيض ثم استأجر من يفرخه أو قام بتفريخه، فهذا التفريخ قد يستحق مائة ريال مثلاً، على حسب عدد البيض.
فنقول: ترده أفراخاً؛ لأن صاحب البيض مالك للبيض وما نشأ منه وكونه أفراخاً؛ لأن الفرع تابع لأصله، فلما ملك البيض ملك منفعته أو ما ينشأ عنه مما يتفرع عليه، فالفرع تابع لأصله والفرخ تابع لأصله البيض، فمالك البيض مالك للأفراخ.
وثانياً: نقول له: تضمن النقص الذي ترتب على تفريخ هذا البيض.
ولو قال: أريد مؤنتي وتعبي حينما نجرت الخشب ونسجت الغزل وفرخت البيض، نقول: ليس لك منه شيء؛ لأنك فعلت شيئاً لم تؤمر به، فلم يأمرك أحد أن تفرخ البيض أو تنجر الخشب أو تقصر الثوب، بل تصرفت بها من عند نفسك في يد عادية.
واليد العادية يعني: المعتدية؛ لأن يده على الشيء ليست بيد حق وإنما هي يد عادية، لكن لو كانت يد حق لأثبتنا له حقه وضمن له ذلك الحق في تصرفه في الأعيان.

حكم من صير النوى المغصوب غرسا

ً وقوله: (والنوى غرساً).
لو صار النوى غرساً، النوى من التمر والرطب ممكن أن تستفيد منه في أكثر من منفعة، وممكن أن يؤخذ النوى علفاً للدواب، فتسمن وتنتفع، وممكن أن يزرع، فالنوى فيه أكثر من منفعة.
فإذا صرفه إلى منفعة الزرع فقد خصه ببعض المنافع، فنقول: تكون العين المغصوبة ملكاً لصاحبها، وما نشأ عنها تابع لها، فهذا الغرس تابع للنوى المغصوبة، فيكون ملكاً لصاحبه، هذا الحكم الأول.
وثانياً: يجب عليه ضمان النقص بعد تقدير ما حدث من نقص بسبب هذا التصرف.
وقوله: [رده وأرش نقصه].
(رده) في هذه الحالة يرد جميع الأعيان المغصوبة، وما تفرع عنها، فيرد الدنانير المضروبة والدراهم، ويرد النسيج، ويرد المنجور من الخشب، ويرد الزرع، ويرد النوى الذي صار نخلاً، والحب الذي صار زرعاً؛ يرده لأنه فرع تابع لأصله المغصوب.
وثانياً: يلزمه ضمان النقص على التفصيل الذي ذكرناه.

حكم ضرب الذهب المغصوب

فقوله: (وإن ضرب المصوغ).
أولاً: المصوغ يكون من الذهب والفضة، والذهب والفضة إما أن يكونا سبائك، وإما أن يكونا حلياً، وإما أن يكونا نقداً مضروباً؛ إن كان من الذهب فدنانير، وإن كان من الفضة فدراهم.
فالذهب فيه منفعة الحلي، فيمكن أن يصاغ حلياً كالأسورة والقلائد، وفيه منفعة النقد فيكون ثمناً للأشياء كالدنانير، وفي زماننا الجنيهات، وإما يكون سبائك موضوعة من أجل غلاء السوق أو نقصه أو يجعلها الإنسان عنده بحيث يتصرف بها عند الحاجة، والفضة كذلك تكون سبيكة وتكون خاماً وتكون أيضاً حلياً، وتكون دراهم مضروبة.
في حالة ما إذا غصب ذهباً أو فضة فإما أن يأخذها سبائك أو حلياً ويردها مضروبة أو العكس.
والعلماء رحمهم الله لما قالوا: وإن ضرب المصوغ، دائماً نقول: ليس المهم المثال، المهم قاعدة المثال، فالذهب منه القلائد والأسورة والخواتيم، وفي الحقيقة فيه منفعة اللبس، وفيه زيادة الصنعة؛ لأن صنعته تكلف وجعله أسورة وقلائد وخواتم يكلف على الشخص، لأنه يحتاج إلى قيمة للصنعة، فإذا كان مصوغاً يمكن للمرأة صاحبة الذهب أن تتحلى به، وهذه منفعة، وممكن أن تصوغه وتضربه دراهم إذا كان فضة أو تضربه دنانير إذا كان ذهباً.
لكن بالعكس، لو كان دراهم وأرادت أن تحوله حلياً فإن منفعة الدراهم قاصرة، لأنها في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، ما يمكن للمرأة أن تتجمل بالدراهم، لكن بالنسبة للحلي تتجمل به ويمكن أن تضربه فيكون عملة سواء كان ذهباً أو فضة.
ففي حالة ما إذا أخذه حلياً ثم صاغه وضربه دراهم أو دنانير فحينئذٍ نقصت المنفعة الموجودة فيه؛ لأن المنفعة الموجودة فيه بالحلي أتم وأكمل مما لو كان دراهم أو دنانير، فإذا أخذه وهو حلي وعبث به فصيره دنانير أو دراهم فقد أنقص منه الصنعة وكلفتها، وأنقص منه المنفعة.
وعلى هذا اختلف العلماء، بعض من أهل العلم يقول: إذا أخذ الذهب أو الفضة وتصرف فيهما بأي تصرف بنقص أو زيادة فإنه يرد عين المغصوب، زائداً أو ناقصاً ولا نطالبه بالضمان.
ومن أهل العلم من قال: إذا ضرب المصوغ دنانير أو دراهم فنطالبه برده إلى ما كان عليه، فيرد المغصوب على حالته التي كان عليها أو قريباً منها إذا تعذر عليه المثلية.
ومنهم من قال: يرده ويضمن النقص الموجود، فمثلاً: لو كان حلياً وهذا الحلي كله أسورة، فأخذ كيلو غرام من الذهب كله حلي، وصاغه وصهره وصيره جنيهات، قالوا: نسأل الصاغة: لو أردنا أن نصير الكيلو الذهب مصاغاً وأسورة مثل ما كانت كم يكلف؟ قالوا: يكلف كل سوار خمسة ريالات مثلاً، وهي عشرة أسورة، فحينئذٍ استحق خمسين ريالاً، فقالوا: يرد المصوغ ويرد النقص الذي حدث بسبب التغير، فيضمنونه مغصوب، ويضمنونه النقص للمنافع، وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمه الله.
قالوا: لأنه ظلم صاحب المصوغ ففوت عليه منفعة المصوغ، ويجب عليه رد العين، فنطالبه بالأمرين: نطالبه أن يرد الذهب، إذا كان كيلو غرام فإنه يرده على حالته مهما بلغ من الدنانير المضروبة من الذهب، أو الدراهم المضروبة من الفضة، ونطالبه بدفع القيمة لكلفة الصنعة.
وفي هذه الحالة يُشكل على هذا القول مسألة الربا؛ لأنه حينما غصب ذهباً وجب عليه أن يرد المثل وزناً بوزن، ويداً بيد، فإذا طالبناه بالفضل، فضل الصنعة، كان هذا نوع من المبادلة مع الفضل والزيادة، ولذلك قال بعض العلماء رحمه الله: لا يستقيم أن يطالب بالزيادة من هذا الوجه.
ومما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط الفضل في التماثل بين الذهب بالذهب والفضة بالفضة في الصنعة والجودة، بدليل حديث التمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي بتمر جيد قال عليه الصلاة والسلام: (أكل تمر خيبر مثل هذا؟ قالوا: لا، والله يا رسول الله! إنا نبيع الصاع من هذا -يعني: الجيد- بالصاعين من الرديء، فقال عليه الصلاة والسلام: أوه عين الربا رده، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً) الحديث.
قالوا: فأسقط الجودة في لقاء الربوي بالربوي، وأوجب التماثل بغض النظر عن كون أحدهما جيداً والآخر رديئاً، وقد قررنا هذا في باب الربا والصرف، وبينا أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب) يقتضي التماثل بغض النظر عن الجودة في الصنعة، وبغض النظر عن الجودة في نفس الذهب معيار (21) و (24)، بينا هذا، وقلنا: إن مذهب السلف الصالح رحمهم الله على هذا بدليل قصة ابن عمر مع الصائغ، حينما قال: إني أبيع المصاغ وأستفضل -يعني: إذا بادلت بالذهب- قدر الصنعة والتعب، فنهاه ابن عمر واستدل بعموم الحديث.
وهذا يدل على أن السلف من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان كانوا يفهمون العموم على ظاهره.
فإذا ثبت هذا فإنه إذا رد الذهب بالذهب على القول الأول: لا يرد إلا عين المغصوب سواء نقصت منافعه أو زادت، قالوا: لا نضمنه ذلك النقص.
ما هو جواب المصنف رحمه الله؟ وما هو جواب الحنابلة رحمهم الله عن هذا الإشكال؟!! بينا أنهم يقولون: يجب ضمان الصنعة، وهذا الضمان للصنعة يوجب أن يتحقق التفاضل، والله فرض علينا في مبادلة الذهب بالذهب التماثل، فردوا رحمهم الله -ويوافقهم على ذلك بعض الشافعية- فقالوا: إن هذا ليس من باب المبادلة والبيع، وإنما هو من باب الضمانات، والضمانات خارجة عن قاعدة الربا وليس لها علاقة؛ لأنه هو ما بادل الذهب بذهب، بل هذا عين الذهب الذي اغتصب، وهذا ضمان للتصرف في المغصوب، فلا توجد مبادلة، ومن الذي قال: إنه يبادل الذهب بذهب؟ وهذا الجواب سديد وصواب إن شاء الله؛ لأنه لم يبادل ذهباً من غير الذهب الذي أخذه، وإنما رد عين المأخوذ وليس فيه مبادلة حتى يرد إشكال الربويات في المسألة التي ذكروها.
ولا شك وأرى فيما ظهر والله أعلم أن هذا القول من القوة بمكان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:126]، وأوجب الله عز وجل ورسوله ضمان الحقوق لأهلها.
فهذا الذي أخذ الذهب وتصرف فيه إذا رده وهو ناقص فإنه لم يرد الحق لصاحبه تاماً كاملاً، فنقول له: عليك أن ترد عين المغصوب ويلزمك أن ترد حق الزيادة التي انتقصتها بفعلك.
ثم إن هذا الرجل الذي اغتصب الذهب تصرف، ونؤاخذه بتصرفه، فإيجاب الضمان عليه على ما فعله من ضرب المصوغ إنما هو إلزامه بما فعل وجنت يداه، ومؤاخذة الجاني بجنايته تدل عليه الأصول الشرعية وتقرره، ولذلك لا شك ولا إشكال -إن شاء الله- في رد المصوغ مع ضمان النقص الحاصل بسبب الضرب.

حكم نسج الغاصب للغزل بعد غصبه

وقوله: (ونسج الغزل).
المسألة الثانية: مسألة نسج الغزل.
المسألة الأولى: ينبغي أن ننبه على قضية وهي: إذا كان المضروب نقص وألزمناه بضمان النقص يرد

السؤال

لو أنه زاد فأصبح المصوغ بعد ضربه أفضل وأتم وأكمل مما لو كان مصوغاً؟ في الحقيقة بعض العلماء يذكر هذا وإن كان محل إشكال؛ لأن الحلي لا يشك أن منفعة الحلي مع وجود الصنعة أكبر، ولذلك اقتصرنا في الشرح على ما ذكرناه على أنه نقص وليس بزيادة.
وقوله: (نسج الغزل) الشيء المغزول إذا أراد الإنسان أن يتصرف فيه فينسجه، وربما يأخذه ويتصرف فيه فيجعله رداءً أو لحافاً، فمن حيث الأصل: الشيء المغزول يمكن أن ينتفع به في أكثر من منفعة، ويمكن أن يصرف في أكثر من وجهة، فإذا أخذه وصرفه على وجهة معينة فقد عطل المنافع التي كانت فيه أولاً.
وهذا مذهب بعض العلماء رحمهم الله: أن نسج الغزل يعتبر من إنقاص العين المغصوبة وليس من زيادتها، وبعض العلماء يقول: الزيادة، ويجعل نسجه -يعني: قيامه بالنسيج- كلفة وتعباً، وفي هذه الحالة يقول: استغل مادة الغزل واستفاد منها وجعل منها فائدة، وجعل لها قيمة، فمن هنا يكون المغصوب قد زاد، لم ينقص.
والأول أظهر من جهة المنفعة، والثاني أظهر من جهة الصفة، فهناك فرق بين الصفة وبين المنفعة، إذا جئنا ننظر إلى أن الشيء وهو خام حينما تأخذ خام الصوف أو خام الوبر وتريد أن تصرفه لأكثر من جهة فأنت بالخيار بين أكثر من منفعة، فيمكن أن تصرفه إلى منفعة الملبوسات، ويمكن أن تصرفه إلى منفعة الفرش والبسط، فالمنافع فيه وهو خام أكثر وأتم إذا كان منسوجاً أو كان قد صرفه الغاصب إلى جهة معينة من المنافع.
ومن جهة الصفة كونه أصبح منسوجاً لا شك أنه تكلفه الصنعة، وتحتاج منه إلى مال، خاصة إذا استأجر من يقوم بذلك، فهذه زيادة.
فهي نقص من وجه، وزيادة من وجه آخر.
وعلى هذا: إن شئت جعلت من زيادة المنفعة، وإن شئت جعلته من زيادة الذات ومن زيادة صفة الذات، وإن شئت جعلته من نقص المنافع.
والثاني أظهر وهو: أنه من نقص المنافع لأن صاحب الصوف ربما أراده لشيء غير الشيء الذي فعله الغاصب، وعلى هذا يكون أضيق، ويكون في هذه الحالة ضامناً للنقص، فنقول له: يلزمك دفع هذا الشيء الذي نسجته، فيعطيه المغصوب منه بعينه.
ثم ننظر ما الذي حدث من النقص؟ فلو كانت قيمته وهو غزل يساوي خمسين ألفاً في السوق، وبعد أن نسجه أصبحت قيمته أربعين ألفاً؛ لزمه ضمان النقص، ويرد الشيء المغصوب مع ضمان نقصه.
وأيضاً لو كان زائداً فإنه يرده ولا يطالب بأجرة الصنعة والعمل، فلو أن هذا الشيء الذي نسجه كانت قيمته قبل أن يتصرف فيه مائة، وبعد أن تصرف فيه فأحدث فيه الصنعة كلفته الصنعة خمسين ريالاً فأصبح يباع بمائة وخمسين، فقال: أريد أن يضمن حقي؛ نقول: ليس لعرق ظالم حق.
وعلى هذا: يسقط استحقاقه في هذه المنفعة ولا يضمن له كما سيأتي إن شاء الله في نص المصنف رحمه الله على هذه المسألة.

حكم تقصير الغاصب للثوب المغصوب أو صبغه

وقوله: [وقصر الثوب أو صبغه].
يكون مفصلاً ويكون غير مفصل، والعرب تسمي غير المفصل ثوباً مثل: الإحرام، فالإحرام إذا ائتزرت به في أسفل البدن، وجعلت الثاني رداء على كتفيك قيل: ثوبان، ويقال: إن هذا ثوب وهذا ثوب، فالملبوس ثوب، إذا لم يكن مفصلاً له اسمه الخاص كالقميص ونحوه.
فالثوب إذا كان مفصلاً فإن منفعته أكمل، لكن إذا أخذ منه وقصره وحوره فإن هذا ينقص منفعة الثوب ويضر بمصلحته، وحينئذٍ يكون النقص للذات، لاحظ أن الأمثلة الأولى فيها نقص للمنفعة ولكن تقصير الثوب في بعض الأحيان قد يقص من الثوب شيئاً، كما لو كان للثوب كمان طويلان وقص هذين الكمين نقص، وهكذا لو كان الثوب كاملاً سابغاً إلى أنصاف الساقين فقصه فصار في حكم القميص فهذا نقص.
ففي هذه الحالة تصرفه في الثوب في قصارته نقص في ذاته، فلما فرغ من نقص المنافع شرع في نقص الذوات، فقال في هذه الحالة: لو أخذ من الشخص ثوباً وتصرف فيه فقصره وحوره ونقصت قيمته بالنصف، فإننا نطالبه برد الثوب ونطالبه برد النقص الذي وقع في القيمة بسبب تصرفه.
ولو سأل سائل: ما الدليل على ذلك؟ نقول: نطالبه برد المغصوب؛ لأنه ملك لصاحبه وهو عين الثوب.
ونطالبه بضمان النقص؛ لأنه من جناية يده، وقد أخذ الشيء كاملاً فرده ناقصاً، والله أوجب المعاقبة بالمثل ولا مثلية إلا بضمان النقص.
فنقول: عليه أن يرد الثوب مع ضمان أرش النقص.

حكم نجر الغاصب للخشب المغصوب

وقوله: (ونجر الخشب ونحوه).
في زماننا الآن الألواح الموجودة في الخشب، أو الأوصال التي تأتي شبه مادة خامة، ممكن أن يأخذ الألواح ويجعلها دواليب، أو يجعلها مكاتب، أو يجعلها في أسطحة المنازل، أو يجعلها في أكثر من منفعة، فهي كمادة خام تصلح لأكثر من منفعة.
فلو أنه أخذها ونجرها ووضعها مثلاً في نجارتها كطاولات أو أبواب أو نوافذ حتى تستغل في هذه المنفعة فقد أنقص المنافع الموجودة في العين.
فإذاً قد تقرأ قوله: (نجر الخشب) ما هو نجر الخشب؟ العلماء يريدون أصل المسألة وهي مسألة المنافع، أن الغاصب إذا اغتصب شيئاً فأنقص منافعه وجب عليه ضمان ذلك النقص، فإذا نظرت إلى ألواح الخشب بمنافعها التامة بعد نجارتها قد انتقصت فيجب علينا أن نقدر ذلك النقص بالرجوع إلى أهل الخبرة ونلزمه ضمانه، وهذا من العدل الذي أمر الله به ورسوله عليه الصلاة والسلام وقامت عليه السموات والأرض، هذا فعله وهذه جنايته.
فنقول: رد الخشب بحاله منجوراً، ثم اضمن ذلك النقص الذي ترتب على فعلك، فيجب عليه أن يضمنه ويرده على صاحبه.

حكم الحب المغصوب إذا صار زرعا

ً وقوله: (أو صار الحب زرعاً).
وهنا إذا نظرنا إلى الحب نجد فيه أكثر من منفعة، ممكن للحب أن يطحن ويصير دقيقاً ثم بعد ذلك يكون فيه من المنافع الكثير، وممكن للحب أن يعطى للدواب فتغتذي به، وممكن للحب أن يغرس ويزرع.
فلما يأتي ويضعه في الزرع يكون حينئذٍ حده في منفعة من تلك المنافع، وصيره إلى منفعة قد لا ترغب فيها ولا تحب هذه المنفعة، فنقول: إنه يصير ملكاً لصاحبه الذي هو المغصوب منه ثم يجب عليه ضمان النقص على الأصل الذي قررناه.

حكم خصي الغاصب للعبد المغصوب

قال رحمه الله: [وإن خصى الرقيق رده مع قيمته].
في الأمثلة الأولى أكثرها يمكن أن نجعلها تابعة لنقص المنافع على التفصيل الذي ذكرناه.
وفي قوله: (وإن خصى الرقيق) هذا نقص للذات ونقص للمنفعة، نقص لذات المغصوب ونقص لمنفعته، فالخصاء من حيث الأصل الشرعي يقع على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون للآدميين.
الصورة الثانية: أن يكون للبهائم.
أما للآدميين فجماهير أهل العلم على تحريمه، ولا يجوز خصاء الآدمي؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلقه من أجل النسل والتكاثر ويخلف بعضه بعضاً، فجعله في الأرض خليفة أي: أن آدم وذريته يستخلف بعضهم بعضاً، ويبقى هذا النسل لعمارة الكون بذكر الله عز وجل، وفي الخصاء تعطيل لهذا المقصود، وكذلك فيه إضرار بالآدمي؛ لأن الخصاء تعذيب وفيه تغيير للخلقة، ولذلك ذكره الله عز وجل من الأفعال المحرمة التي يسولها الشيطان للعصاة من بني آدم؛ فيأمرهم فيبتك آذان الأنعام ويأمرهم بتغيير خلق الله، ويأمرهم بالتصرف في هذه الذوات البشرية بإخراجها عن طبيعتها التي فطرها الله عز وجل عليها: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:30] لا يجوز أن يبدل خلق الله.
وفي الحديث: (لعن صلى الله عليه وسلم الواشرة والمستوشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فجعل العلة تغيير خلقة الله عز وجل، ومن لعنه الله لم يبق شيء في الأرض ولا في السماء إلا لعنه، ومن لعن طرد من رحمة الله، والطرد مراتب، فهناك لعنة تطرد صاحبها طرداً أبدياً فيختم على قلبه والعياذ بالله، وهي لعنة الكفر، ولعنة الكافرين -نسأل الله السلامة والعافية- التي يختم بها على أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم فهم صم بكم عمي.
وهناك لعنات المعاصي في كبائر الذنوب وتتفاوت بحسب درجات الكبائر، فبعضها أشد من بعض على حسب ما حرم الله عز وجل مما يقع فيه الإنسان من كبائر.
فالتغيير للخلقة له هذا الوعيد الشديد، واللعن من الله سبحانه وتعالى، فالأصل يقتضي عدم جواز التصرف في الآدمي بخصائه.
ومن هنا يحرم إجراء العمليات الجراحية التي تؤدي إلى قطع النسل، وتؤدي إلى تعطيل منفعة الذرية والمنفعة التي يجدها الإنسان من التكاثر والنسل، ومنفعة الجماع والاستمتاع؛ إلا إذا وجدت الضرورة، مثل: الأورام الخبيثة التي يخشى بها ضرر البدن كله، فهذه تستثنى، أما من حيث الأصل فلا يجوز استئصال هذه الأعضاء.
ومن هنا حرمت جراحة تغيير الجنس كلها؛ لأنها تغيير لخلقة الله عز وجل دون وجود دوافع توجب الإذن الشرعي لفعلها.
فثبت أن الخصاء للآدمي لا يجوز، وحكى عليه غير واحد بالإجماع، وكانوا في القديم يفعلونه في الأرقاء ويعتبر من أسوأ العادات وأشنعها، ويعتبر من المظالم التي كان يظلم بها الأرقاء، كانوا يخصونهم خوفاً على الأعراض، لكنه -والحمد لله- انقرض وذهب لما فيه من تغيير خلقة الله عز وجل، والاعتداء على حرمة الآدمي.
أما خصاء البهائم ففيه منفعة من جهة تطييب اللحم، وللعلماء فيه خلاف مشهور، بعض العلماء يقول: يجوز خصاء البهائم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين مقرونين موجوئين، والموجوء هو: الخصي.
وقالوا: إنه في الأضاحي يطيب اللحم، فهو نقص من وجه وكمال من وجه آخر.
وقال بعض العلماء: لا يجوز الخصاء؛ لأن هناك فرقاً بين الذي يحصل اتفاقاً وبين الذي يحصل قسراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أضحيته وجد الخصي أطيب لحماً -والأضحية تراد للحمها- فاشتراه، ولا يدل هذا على الإذن، والحقيقة أن القول بالجواز فيه قوة، وخاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى به، ولكن الشبهة موجودة.
فإذا ثبت هذا؛ فإنه إذا خصى الرقيق فإنه يعطل منافعه؛ لأنه يتكاثر، ومن مصلحة المالك وجود هذا التكاثر، فهو تعطيل للمنفعة.
وهذه المسألة مهمة وهي: أن الاعتداء على الأعضاء وتعطيل منافعها بالكلية يوجب ضمانها، فمن اعتدى على إنسان عمداً فشلّ يده -والعياذ بالله-، فإنه يضمن نصف ديته، ولو أنه عطل ما كان متعدداً كاليدين والرجلين تقسم الدية على حسب أعداده، وهذا سيأتينا -إن شاء الله- في كتاب الديات.
فالأذنان في كل أذن نصف الدية، والعينان في كل عين نصف دية، ثم أجفان العين الأربعة يكون لكل جفن ربع دية، فبالاعتداء من الغاصب على الرقيق بخصائه عطل منفعة عضو كامل، ولذلك يفسد عليه جماعه ويفسد المنفعة المترتبة على الجماع.
وعلى هذا: لو اعتدى شخص على آخر فضربه ضربة على خصيته وأضرت به وأماتت الخصيتين وجب أن يدفع الدية كاملة، ويلزمه ضمان الدية كاملة.
في هذه الحالة نقول: اعتداؤه بالخصاء فوت منفعة هذا العضو وعطلها بالكلية فيجب ضمانها تامة كاملة، وهذا بالقيمة، فيضمن قيمته كاملة.
وهناك خلاف في الاعتداء على الأرقاء، بعض العلماء يقولون: يضمنون بالديات نصف دية الحر، وبعضهم قال: يضمنون بالقيمة، وهذا مما يسمى بقياس الشبه، وقياس الشبه هو: أن يتردد الفرع المختلف فيه بين أصلين مختلفين في الحكم، كل منهما يوجد فيه شبه منه، فأنت إذا نظرت إلى الرقيق تجده آدمياً، فهذا يوجب إلحاقه بالحر فيجب أن يدفع نصف ديته إذا قتله، وتضمن منافعه بنصف ما في الحر، فلو كانت الدية مائة ألف وأتلف خصيته يدفع خمسين ألفاً، التي هي الدية الكاملة للرقيق.
القول الثاني: يقول: لا، يضمن بالقيمة، ففي بعض الأحيان تكون قيمة الرقيق ضعفي دية الحر، لأن فيه منافع، ويباع -مثلاً- بمائتي ألف، فلو أنه أضر به وعطل عضوه التناسلي يدفع قيمته كاملة.
فإذاً: يتردد بين الأصلين، هل نلحقه بالحر من جهة الآدمية فنوجب ضمانه كاملاً بالنسبة للديات، ويكون على الوجه المعروف؟ أم نلحقه بالأموال ونوجب ضمانه بالقيمة؟ وجهان سيأتي -إن شاء الله- بيانهما في باب الجنايات.
فالذي يهمنا هنا أننا نقول للغاصب: عطلت منفعة لعضو كامل، وعطلته من صار كأنه غير موجود، فيجب عليك ضمان قيمة الرقيق بالغة ما بلغت، ويجب عليك رد الرقيق بحالته الناقصة.

حكم ضمان نقص سعر السوق

قال رحمه الله: [وما نقص بسعر لم يضمن].
تقدم في الأمثلة الأولى النقص في المنافع وفي الذوات، وانظر إلى قوله: (وإن خصى الرقيق) فجاء بجملة منفصلة عن الجملة المتقدمة؛ لأنه بإخصاء الرقيق صار اعتداء على الذوات، وبعض العلماء يرى أنه اعتداء على المنافع، فإذا جئت تنظر إلى أن العضو تعطل فلا ينتشر ولا يجامع فيكون نقصاً للذات، وإذا جئت تنظر إلى المنفعة المترتبة من الجماع يكون نقص منفعة، وأياً ما كان فقوله: (وإن خصى الرقيق) هذا للذات، ويبقى السؤال للنوع الثالث من النقص والزيادة وهو: السعر، فقضية نقص السعر ترجع إلى السوق، ويرجع فيها إلى أهل الخبرة، فقيمة الشيء المغصوب إذا نقصت أو زادت فيها الضمان، فإذا أخذ المغصوب وقيمته ناقصة ورده وقيمته كاملة فإنه يرده على حاله.
مثلاً: لو أخذ شيئاً قيمته مائة ألف، ولما أراد أن يرده أصبح يساوي مائة وخمسين، فإنه يرده بحاله ولا يرد له المالك الخمسين، ولا يضمن له الخمسين.
لكن لو أخذه وقيمته مائة، ورده وقيمته خمسون فإنه لا يضمن الغاصب؛ لأن هذا النقص ليس بيده وليس ناشئاً من تصرفه وليس له به علاقة، بل هو راجع إلى تقدير الله عز وجل وأمره سبحانه وتعالى.
وهنا تكاد تكون المسألة إجماعية، أنه ما يضمن نقص السوق، إلا أن فيها شذوذاً وخلافاً حكي عن أبي ثور الفقيه المشهور إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي -وكان شافعياً ثم أصبح صاحب مذهب واجتهاد وهو الذي يقول فيه الإمام أحمد رحمه الله: (أعرفه بالسنة منذ ثلاثين عاماً) فكان إماماً رحمه الله في الفقه والعلم والعمل- فهنا الإمام يرى أنه إذا نقص في السوق فإنه يدفع ويلزمه الضمان، بناء على هذا القول الضعيف الشاذ: لو أخذ السيارة وقيمتها خمسون ألفاً، ولما ردها بعد سنة أصبحت قيمتها خمسة وعشرين ألفاً فيردها مع خمسة وعشرين ألفاً، ويضمن النقص، ولكن الصحيح أنه لا يضمن نقص السوق.
فإذاً: أصبح عندنا نقص الذوات مضمون، ونقص المنافع مضمون، ونقص السوق والسعر غير مضمون، على أصح قولي العلماء رحمهم الله.

حكم ضمان النقص بمرض

قال رحمه الله: [ولا بمرض عاد ببرئه].
هذا نقص الصفات.
صورة المسألة: أخذ دواب وهي مريضة، كأن يغتصب إبلاً أو بقراً أو غنماً وهي مريضة، ثم ردها وهي صحيحة قد عوفيت وشفاها الله عز وجل، فلا يضمن المغصوب منه الزيادة، وكذلك لو أنه أخذها وهي سليمة صحيحة -وهي صورة المسألة التي معنا- ومرضت عنده ثم شفيت، فردها وهي صحيحة فلا ضمان عليه، فلو اغتصب خمسين رأساً من الإبل، وهي سليمة وبعد شهر ظهر فيها الجرب -والعياذ بالله- فأصبحت مريضة وردها مجروبة فحينئذٍ تقدر قيمتها وهي صحيحة، وتقدر قيمتها وهي جرباء ويدفع ويلزمه ضمان النقص، فلو أخذها وهي سليمة وردها ونصفها مريض، نقول: هذا المريض يرجع إلى أهل الخبرة فينظرون في النقص الحادث في هذا النصف، فنسألهم: كم قيمته؟ قالوا: خمسون ألف ريال.
نقول له: رد الإبل المريضة بحالها وهي مريضة وادفع ضمان النقص.
إذاً: لو أخذ الصحيحة وردها مريضة ضمن نقص المرض منها، ولو كان المرض من غير يده، لأن بعض الأمراض تأتي بسببه هو، وبعض الأمراض لا يتدخل فيها، فسواء تعاطى السببية فاعتدى أو لم يتعاط السببية فإنه يضمن، لو سألك سائل وقال لك: أنا أسلم لك أنه لو تسبب في مرضها مثل: أن يسقيها ماءً ملوثاً فمرضت بهذا الماء، فهذه سببية فإن قصد فهو عدوان، وإن لم يقصد فهو خطأ موجب للضمان؛ لأن السببية نوعان: سببية اعتداء، وسببية خطأ، فسببية الاعتداء أن يقصد أنها تمرض، فحينئذٍ لا إشكال أنه يضمن، يقول لك: أنا أقبل منك أنه لو وضع لها ما يتسبب في مرضها أنه يضمن، لكن لو أنها مرضت من الله سبحانه وتعالى، وجاءها المرض قضاء وقدراً، وماؤها طيب، ومرعاها طيب، ومرضت؛ فحينئذٍ لماذا نضمنه؟! تقول: من باب اليد العادية؛ لأن الضمان يكون بالتعدي ويكون باليد ويكون بالإفضاء، هذه كلها وجوه للضمان، فتضمنه من جهة اليد، إذا كان ما له دخل في الشيء، تقول: لأنه لما اغتصب صارت يده يد عدوان، ويد العدوان تضمن تسببت أو لم تتسبب.
يقول لك: كيف وجه ذلك؟ تقول: لأنه لما اعتدت يده وأخذها وهي سليمة صحيحة فإن الله ألزمه في ذمته أن يردها صحيحة سليمة، فإذا نقصت وأصابها الضرر -ولو كان قضاء وقدراً- فإنه لم يرد الكامل كاملاً، وإنما رده ناقصاً فلم يرد المثل، فيجب عليه الضمان بيده التي اعتدت والتي يسميها العلماء: اليد العادية؛ لأنه بالغصب صار متحملاً للمسئولية.
وعلى هذا: يجب عليه ضمان النقص في الصفات ولو لم يكن له تسبب.
لاحظ في الأول -وهو النقص إذا كان في المنافع- الغالب أنه يفعل شيئاً ويتدخل، فيجعل المصوغ مضروباً، ويجعل النوى غرساً، والحب زرعاً، فهذا يتعاطى الفعل، لكن هنا في الصفات كثير منها قد يكون له تدخل منه، لكن كثيراً ما تكون الصفات من غير فعل منه.

ضمان النقص في العبد بعد تعليمه

قال رحمه الله: [وإن عاد بتعليم صنعة ضمن النقص].
وهذه المسألة صورتها: أن ينقص الشيء المغصوب من وجه ويزيد من وجه آخر، فمثلاً: غصب رقيقاً، وعندما غصبه كان سليماً، فمرض عنده، نقول: يضمن النقص العارض بالمرض، فلو كان هذا النقص يوجب عليه ضماناً يقدر بخمسين ريالاً، حيث أخذه وقيمته مائة وهو صحيح، ورده مريضاً بنقص خمسين، تقول: يرده ومعه خمسون ريالاً.
فلو أنه علم الرقيق صنعة، وهذه الصنعة زادت في قيمته خمسين ريالاً، فهو نقص من وجه وزيادة من وجه آخر، نقول: نجعلها بالمكافأة، فنجعل الخمسين بالنقص مقابل الخمسين بالزيادة؟

الجواب

فيه تفصيل، إن كانت الزيادة من جنس النقص كافأت، وإن كانت الزيادة من غير جنس النقص لم تكافئ؛ لأنه ثبت استحقاق صاحب المغصوب لضمان نقصه بالمرض، والتعليم خارج عن المرض، فالتعليم شيء والمرض شيء آخر.
وعلى هذا: يكون عليه ضمان النقص، وأما الزيادة فلم يأمره أحد بتعليمه، وعلى هذا: الزيادة التي أدخلها من عند نفسه لا يكون له فيها استحقاق؛ لأنه لم يأمره أحد بهذا التعليم، فليست هناك مقابلة ومكافأة.
لكن لو كانت الزيادة من جنس التعليم كما لو أخذه وهو متعلم لصنعة، ثم نسي هذه الصنعة، فأخذه وشغله في أعمال أخرى مجانسة لهذه الصنعة، فتعلم فيها جانباً من جنس الجانب الذي كان يتقنه أولاً ونسيه، فحينئذٍ نقول: إن هذا التعليم لما كان مقارباً لجنس الأول لم يكن النقص من كل وجه، فيمكنه أن يعارض ويكافئ، لكن في المرض لا، فالمرض مع التعليم جنسان مختلفان فلا يتكافئان ولا يتقابلان.

حكم الزيادة في العبد المغصوب ثم النقصان

قال رحمه الله: [وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته ثم نسي أو هزل فنقصت ضمن الزيادة].
في الأول كانت الأمثلة كلها من جهة تصرفات الغاصب، وهنا الضمان يكون باليد العادية، فنضمن الغاصب من جهة اعتدائه، فلو أخذ المغصوب مريضاً ثم شفي عنده، ثم عاد مريضاً مرة ثانية، فرده مريضاً، نقول: لما شفي ويده يد عدوان ثبت عليه المغصوب كاملاً؛ لأن كل دقيقة وكل لحظة يقوم فيها الغصب فالخطاب متوجه عليه أن يرده، فلما سلم وعوفي وشفي توجه عليه خطاب الله عز وجل برد الحقوق إلى أصحابها فامتنع فأصبحت يده متحملة للمسئولية لو نقص، كما لو أخذه صحيحاً ثم مرض عنده، فإذا أخذه مريضاً ثم شفي عنده ثم عاوده المرض يجب عليه ضمان النقص العارض بالمرض.
كذلك أيضاً: لو أخذه هزيلاً ثم أطعمه وحسن حاله وأصبحت صفاته كاملة بالسمن ونحوه، فعاد مرة ثانية وقصر فيه حتى أصبح هزيلاً، فرده هزيلاً نقول: اضمن النقص العارض بالهزال، وعلى هذا: يكون التضمين من جهة اليد العادية مركباً من أن الغاصب مطالب شرعاً برد المغصوب، فكل تأخير يوجب عليه الضمان.
ومن أمثلة هذه المسألة في الودائع وما تقدم معنا في الوكيل، إذا أمر برد الشيء وقصر فيه وتأخر فهذا إهمال يوجب أن تنتقل يد الأمانة إلى يد الضمان والاعتداء، فإذا قصد ذلك صار معتدياً، وإذا قصر وأهمل صار مهملاً فيلزم بالضمان، وهذا هو الذي يؤثر في اليد، فاليد يد معتدية، والغاصب يده معتدية.
ففقه المسألة: أنه إذا تحسنت حال المغصوب فإنها حال كمال، فيجب عليه أن يرده، فلما قصر وتأخر في الرد ضمن ذلك النقص الذي وقع عنده وتحت يده وتكون يده يد ضمان من هذا الوجه.
قال رحمه الله: [ضمن الزيادة كما لو عادت من غير جنس الأول].
كما لو أنه أخذه وهو صحيح ثم مرض عنده وعلمه صنعة تكافئ المرض، فقد رده بزيادة من غير جنس الأول؛ لأن جنس الأول: الصحة، والزيادة: علم الصنعة، وعلم الصنعة ليس من جنس الصحة، فالصحة باب خاص والعلم باب خاص.
فإذاً: نقول: يجب عليه ضمان النقص الذي حدث في حال اغتصابه للعين.
قال رحمه الله: [ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما].
صورة المسألة في هذا: لو أنه أخذ المغصوب وهذا المغصوب يتقن صنعة، ثم علمه صنعة ثانية من جنس الصنعة نفسها في النجارة أو الحدادة أو الكهرباء أو السباكة، فلما علمه إياها نسي الصنعة الأولى، فبالصنعة الأولى تكون قيمة الرقيق مائة ألف، وبالصنعة الثانية التي علمه إياها تبقى قيمة الرقيق كما هي، ويباع بمائة ألف.
فليس هناك من نقص، فالصفة -وهي العلم- كاملة، بمعنى: الجنس واحد وليس هناك تأثير في العين المغصوبة، لكن لو أنه اغتصبه وهو يتقن صنعة ثم علمه صنعة ثانية وجعله يعمل فيها فنسي الصنعة الأولى التي هي من جنسها، وكانت الصنعة الثانية أقل، فصارت قيمته ثمانين ألفاً، وبالصنعة الأولى تكون قيمته مائة، فيضمن العشرين وهي النقص.
فإذاً: إذا جئنا نقابل ونكافئ النقص الموجود بالزيادة الحادثة فإنه ينظر إلى اتحاد الجنس، فإن اختلف الجنس لم تؤثر الزيادة في النقص، ويجب ضمان النقص ورد العين زائدة دون دفع شيء للغاصب.
أما إذا كانت الزيادة من جنس الشيء الناقص فإنه في هذه الحالة ينظر: فإما أن تساوي أو تكون أكثر أو تكون أقل، فإذا كانت مساوية فلا إشكال، وإن كانت أقل ضمن النقص، وإن كانت أكثر رده بالزيادة، هذا بالنسبة لقوله: (إلا أكثرهما).

الأسئلة

حكم تنازل المغصوب منه عن حقه

السؤال

إذا صرف الغاصب الشيء المغصوب في منفعة أرادها المالك فما الحكم في ذلك؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إذا تصرف الغاصب ورضي المغصوب منه عن تصرفه وأقره فهذه المسألة تأتي على صور عديدة، ومن أشهرها: أن تنتقل إلى مسألة الصلح، ويرضى المغصوب منه بما فعله الغاصب على سبيل الصلح والمعاوضة، خاصة إذا كانت هناك زيادات توجب المقابلة، بحيث يجعل حقه مقابل ما أحدثه الغاصب.
أما من حيث الأصل الشرعي إذا رضي المغصوب منه تصرف الغاصب فقد سقط استحقاقه، أي: في هذه الحالة إذا قال: رضيت وما فعله أقبله، ولا أريد أن يدفع لي زيادة، فقد سقط استحقاقه.
أخذ دواباً قيمتها -مثلاً- خمسون ألف ريال، وردها ناقصة مريضة قد أصبحت قيمتها ثلاثين ألفاً، فقيل له: ما حقك؟ قال: ما أريد شيئاً وأنا راضٍ بهذا التصرف، وتنازل عن حقه وأبرأه، فلا إشكال.
فنحن نتكلم عن الأصل، أن الأصل يوجب الضمان لكن إذا رضي المغصوب منه وأقر فعل الغاصب، أو -مثلاً- ضرب المصوغ فرضي المغصوب منه وقال: أريد مضروباً، فحينئذٍ لا إشكال، فهو لا يريد أن يطالب بحق في ذلك، والتصرف الذي في ماله مقبول عنده، فيسقط استحقاقه بالرضا، والله تعالى أعلم.

أسباب ضعف الهمة في طلب العلم

السؤال

ما نصيحتك لمن يفتر عن طلب العلم ولا يصبر على مكابدة مسائله، وكيف تقوى الهمة في طلب العلم؟

الجواب

ضعف الهمة في طلب العلم له أسباب، أعظمها وأخطرها وأشدها: سوء النية وتغير الطوية، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11] فالعلم فيه حجة، فلربما دخل طالب العلم وقلبه لله، فإذا وجد حلاوة العلم ولذته؛ لأن للعلم حلاوة وله لذة وكرامة وأنس، ومن ذاق لذة العلم نسي كل لذة سواها، ومن خاض بحور العلم وخاض في هذه العلوم المستفادة والمستقاة من نور الكتاب والسنة ألهته عن كل شيء، وكان العلماء رحمهم الله يتحدثون بما وهبهم الله من فضله.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جنتي في صدري)، فالعلم جنة لا يعرف حلاوتها ولا لذتها ولا بركتها ولا خيرها إلا من وفقه الله عز وجل، فأتم عليه النعمة وكملها، أسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.
فإذا وجد لذة العلم وأحس أن الله علمه وأنه قد ارتقى عن مستوى الجهل ربما اغتر، وظن أن له من الحول والقوة والذكاء والحفظ ما مكنه من ذلك، فإذا غير ما بنفسه غير الله ما به، فسلبه الله حوله وسلبه قوته، وأصابه بالخذلان والفتور.
النية هي التي تؤثر في همة طالب العلم، والنية هي الوقود الصالح الذي تتقد به القلوب وتشتعل بنور الإيمان حتى تتعلق بالله سبحانه وتعالى في كل كلمة وفي كل حرف، فلا تشتكي سآمة ولا مللاً.
ولذلك نجد السلف الصالح رحمهم الله لما كانت نيتهم خالصة لله عز وجل -نحسبهم ولا نزكيهم على الله عز وجل- تغربوا عن الأوطان، وفارقوا الأهل والولدان، وحصل لهم من المشاق والمتاعب ما الله به عليم، وكان الرجل ينتظر الحديث الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نجده اليوم من أسهل ما يكون مدوناً في الكتب، كان الرجل يجلس على طعامه ولم يفطر يوماً وهو في شدة الجوع فإذا جلس يهيئ طعامه بنفسه، قيل له: إن الشيخ الفلاني له مجلس في مسجد كذا يريد أن يحدث، فيترك طعامه وينطلق إلى الشيخ، وهو جائع ولكن الله يطعمه، وهو في شدة الإعياء ولكن الله يمده بحوله وقوته، جنة في الصدور تنسي الإنسان السآمة والملل والتعب والنصب.
منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا، فتجد طالب العلم له الهمة الصادقة والإخلاص، ومن صدق مع الله صدق الله معه.
أما الأمر الثاني الذي يؤثر في طالب العلم: الجهل بحقيقة هذا العلم، ومن عرف هذا العلم ومكانته عند الله سبحانه وتعالى وعاقبته المحمودة في الدنيا والآخرة؛ هان عليه كل شيء، وبذل كل ما يستطيع لبلوغ هذه المنزلة الكريمة، والدرجة الشريفة المنيفة، وهو يسأل الله صباح مساء أن يكون من أهلها، إذا عرف حق العلم وقدره لن يسأم ولن ينصب ولن يشتكي التعب ولا السآمة ولا الملل؛ ولذلك قال الله عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11] ما رضي الله سبحانه بشيء يقرنه بأحب الأشياء إليه وأعظمها زلفى لديه وهو الإيمان به سبحانه وتوحيده الذي أنزل من أجله كتبه وأرسل من أجله رسله إلا العلم فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11] فقرنه بالإيمان.
ثم قرنه بالإيمان في الثواب والعاقبة، وهذا من أفضل ما يكون وأجل ما يكون، لأنه لو قرن العلم بالإيمان من الجهة العامة على سبيل الإطلاق والعموم فليس كقرنه من جهة الثواب؛ لأن المقصود الأعظم من الأعمال والأقوال والطاعات: ثوابها وعاقبتها وجزاؤها؛ لأن العبد ينتظر من الله حسن الجزاء، فإذا قرن الله أعظم الأشياء عنده وأجلها وأكرمها عليه بالعلم دلّ على أن العلم في منزلة عظيمة، ومرتبة شريفة كريمة.
ولذلك وقف الهدهد بين يدي سليمان عليه السلام الذي ما على وجه الأرض يومها أحد أكرم على الله منه، فوقف أمامه وهو طائر، ولكن بسبب العلم تشرَّف أن يقول له: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:22] فللعلم مكانة ومنزلة، تبوأ بها صاحبه المنزلة الكريمة في الدنيا والآخرة.
إذا أردت شرف العلم وعرفت ماذا يريد الله بهذا العلم جعلك الله عز وجل في همة كاملة، لا تسأم ولا تحس بالسآمة ولا الملل متى ما عرفت شرف ما تطلب.
إن الذي تطلبه أحبه الله عز وجل وشرّفه وكرّمه، وأحب أهله وجعلهم من خيرة خلقه، فقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلّمه) أحب الله العلم وشرّفه وكرّمه، فاختار أهله في أشرف المواطن وأحبها وأعزها عنده سبحانه وتعالى بعد التوحيد وهي الصلاة، فلا يتقدم لإمامة الناس إلا عالم، فقال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) انظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم يشرّف أهل العلم، فجعلهم بين الناس وبين ربهم في الإمامة التي هي المقام الشريف والمنصب المنيف، فيكون بين العباد وبين ربهم مؤتمناً على أركان الصلاة وشرائطها وواجباتها, فهو شرف عظيم فيتحمل حتى سهو المأموم، كذلك أيضاً شرف الله العلم ورفع قدر أهله إذا تكلموا به, ففي يوم الجمعة من تكلم وقال لأخيه: أنصت فقد لغى.
ومن شرفه: أنه إذا تكلم بعلم أمر الله غيره أن ينصتوا, فلذلك تأتي الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد ويكتبون من بكّر وابتكر, حتى إذا قام الخطيب يخطب طووا الصحف وأنصتوا, أنصتوا للعالم الرباني الذي يتكلم عن علم وبصيرة.
ومن شرف العلم: أن الناس تنتظر من يدلها على الله ويهديها إلى صراطه, الناس أموات لا يمكن أن يحيوا إلا بالعلم, والناس في ظلام لا يمكن أن يهتدوا إلا بالله عز وجل ثم بالعلماء الذين هم ورثة الأنبياء, والناس في شقاء لا سعادة لهم إلا إذا تعلموا وعلموا, والناس في عذاب لا يمكن أن يرحموا إلا بالعلم, ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:204] هذا فقط وأنت تستمع إلى القرآن, فكيف إذا استمعت ووعيت؟ فالرحمة تامة كاملة, فالأمة لا تزال في عناء وتعب وشقاء حتى تعرف قيمة هذا العلم وتعرف شرفه, ولذلك كان السلف الصالح رحمهم الله أعرف الناس بالعلم, وأولهم الصحابة رضوان الله عليهم, الذين عرفوا حق هذا العلم حينما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبوه صغاراً وكباراً, ورجالاً ونساءً, فالنساء يقفن ويقلن: (يا رسول الله! غلب الرجال على حديثك فاجعل لنا يوماً).
وهذا من محبتهن للعلم وشعورهن بفضله.
وقال سهيل لما رجع إلى أهل مكة قال: (والذي يحلف به سهيل! ما رأيت أشد حباً من أصحاب محمد لمحمد صلى الله عليه وسلم, والله ما كلمهم إلا أطرقوا وكأن على رءوسهم الطير, وما رمقوه بأبصارهم).
رضي الله عنهم وأرضاهم.
وعرف السلف الصالح فضل هذا العلم حينما تتلمذوا على العلماء، فتجدهم حريصين على مجالستهم وعلى حبهم حريصين على نقل فتاويهم ونشر الخير عنهم؛ حتى أصبحت الأمة في عز مجدها وعلو شأنها لما عرفت حق العلم.
والله لا يمكن لهذه الأمة أن تنال الخير في الدين والدنيا والآخرة إلا بهذا العلم, ولا يمكن أن تناله إلا بفضل الله ثم بفضل العلماء وطلاب العلم, ولا يمكن لطلاب العلم أن ينالوا هذا العلم بهمة صادقة لا تعب فيها ولا نصب ولا سآمة ولا ملل إلا إذا عرفوا حق هذا العلم.
فالمقصود: أن الهمة تستقر بمعرفة منزلة العلم، وانظر إلى التاجر في موسمه يسهر ليله ويبلي جسمه وتصيبه الأمراض في بعض الأحيان، فيكون مريضاً، فإذا رأى الدنانير والدراهم ألهته عن مرضه وسقمه, فكيف بمن يرى رحمة الله عز وجل؟ فطالب العلم في كل كلمة يسمعها ترفع له درجة ومنزلة, وحالك اليوم ليس كحالك بالأمس.
ومن شرف مجالس العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يغفر للعبد الشقي الذي يمر ويجلس اللحظة من ذكر الله عز وجل في مجلس العلم, وجاء في الحديث: (تقول الملائكة: إن فيهم فلاناً -أي: أنه عبدٌ خطاء كثير الذنوب, مر فجلس معهم- فيقول الله تعالى: وله قد غفرت, هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) الله أكبر! حتى مجالس العلم فيها السعادة والرحمة، تقوم منها وأنت منشرح الصدر مطمئن القلب, إذا عرف طالب العلم قيمة العلم تعب من أجله.
كذلك مما يعين على الهمة الصادقة الشكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:7] طالب العلم الذي يريد أن يقوم من المجلس يشتاق إلى الذي بعده وبمجرد ما أن ينتهي من المجلس وقلبه معلق بالله عارف بحق الله وحق عباده, فيشكر لله عز وجل ويقول: اللهم لك الحمد علمتني ما لم أكن أعلم.
وكم من أمم تنتظر من يعلمها؟! كل سطر تقرؤه وتسمعه ترفع به الدرجات والحسنات، وهو رفعة لك في الدنيا ومرضاة لربك.
فإذاً: إذا نظرت أنك أصبت رحمة وأصبت خيراً وبراً فقل: الحمد لله, يرضى الله عنك وفي الحديث: (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها)، فكيف بمن أصاب لذة العلم التي هي أشرف من الطعام والشراب؟! فلا تقم من مجلس علم إلا وأنت تحمد الله وتشكره وتثني على الله بما هو أهله, فإن الله يقول لنبيه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:113]. طالب العلم إذا شكر نعمة الله وهبه الله الفتح, وزاده من الهمة الصادقة، وكذلك عليه أن يشكر نعمة العلماء, فيذكر فضل السلف الصالح, سل نفسك: كم من مجلس علم جلسته ولما قمت من المجلس ترحمت على صاحب الكتاب, وسألت الله أن يرحم سلف هذه الأمة الذين حفظوا العلم ووعوه وتعبوا من أجلك حتى أصبح العلم اليوم سهلاً بين يديك, تنثر أمامك دواوين العلم من أئمة السلف الصالح, وتعيش الساعات واللحظات وأنت في أنس عظيم، بين يديك الأئمة وفحول العلم؟ فهل شكرت فضلهم بعد شكر الله عز وجل؟ ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
فطالب العلم الميت القلب ا

شرح زاد المستقنع -

باب الغصب [5]

قد يتصرف الغاصب في المغصوب بخلطه مع غيره، فلا يؤدي هذا إلى سقوط حق المغصوب منه، بل يحفظ حقه ويؤدَّى على تفصيل عند العلماء.
وكذلك قد يتصرف الغاصب في المغصوب بإعطائه للغير أو حتى لصاحب الحق لكن دون علمه، فكذلك لا يسقط حق المالك الأصلي بل يؤدى له على تفاصيل عند العلماء رحمهم الله.

أحكام اختلاط المغصوبات بغيرها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وإن خلط بما لا يتميز كزيت أو خلطه بمثلهما].
شرع المصنف -رحمه الله- في هذا الفصل في بيان جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالتصرف في الشيء المغصوب، بخلطه مع غيره، سواء كان ذلك الغير ينفصل عن المغصوب أو كان يمتزج معه حتى يصيرا كالشيء الواحد، ومن عادة العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا بينوا أحكام الغصوبات أن يبينوا حكم هذه المسألة؛ لأن هناك مغصوباً يترك على حاله، ومغصوباً يتصرف فيه الغاصب، وهذا الفرض العقلي لا بد من بيان حكمه، وإذا تصرف فيه، فإما أن يتصرف في منافع المغصوب -وقد تقدم بيانها- وإما أن يتصرف في ذات المغصوب دون إضافة شيء عليه أو نقص شيء منه، وقد تقدم بيانه.
أما اليوم فالحديث عن الخلط، بمعنى: إضافة شيء إلى المغصوب، وإذا خلط بالمغصوب غيره فهناك صورتان:

خلط المغصوب بشيء يمكن فصله وتمييزه

الصورة الأولى: أن يكون ذلك الغير مما ينفصل عن المغصوب ولا يتصل به، بحيث يمكن أن يفصل كل واحد منهما عن الآخر.
الصورة الثانية: أن يكون العكس، بحيث يمتزجان ويختلطان حتى يصيرا كالشيء الواحد، ويصعب حينئذ تمييز الشيء المغصوب عما خلط به.
فأما الصورة الأولى، وهي: أن يقوم الغاصب بخلط المغصوب بغيره بحيث يمكن التمييز، فمن أمثلتها: أن يغصب تمراً، ثم يخلط التمر بالبر، فالبر شيء والتمر شيء، وحينئذ لا إشكال في تمكن الغاصب من فصل حق المغصوب منه عن حقه هو، فنقول له: يلزمك حينئذ أن تفصل المغصوب عما خلطته به وترده إلى صاحبه، في هذه الحالة -إذا خلط المغصوب بشيء يمكن تمييزه- عندنا حكمان: الحكم الأول: أنه مطالب بالتمييز.
والحكم الثاني: وهو متعلق بالحالات الخاصة، وهي التي لا يمكننا فيها التمييز إلا بمشقة وكلفة وأجرة وعمل، فإن أمكن التمييز بأن يقول الغاصب: أنا أميزه، كرجل اغتصب أرزاً وخلطه ببر، وكان الأرز نصف صاع والبر نصف صاع، فشيء يسير يمكن فصله وفصل بعضه عن بعض، لكن لو اغتصب -مثلاً- عشرة آصع من البر وخلطها بعشرة آصع من الأرز، فهذا يحتاج إلى مشقة وعناء، وإلى وقت وإلى زمان، نقول: تستأجر من يقوم بذلك، ويلزم الغاصب بدفع القيمة؛ لأن الأمر بالشيء أمرٌ بلازمه، ولما كنا مأمورين برد هذا المغصوب إلى صاحبه وتوقف هذا الرد وإبراء ذمة الغاصب على استئجار من يقوم به، لزمه أن يستأجر وأن يرد الحق إلى صاحبه، ولو كلفه ذلك قيمة المغصوب أو أكثر، فلو فرضنا أن تمييز المغصوب عما خلط به يكلف مائة وقيمة المغصوب ثمانون، يقال: أنت ملزم بالفصل حتى ولو كانت التكلفة أكثر من القيمة؛ لأنها جناية يد يلزمه ضمانها كما تقدم معنا في أجرة رد الشيء المغصوب إلى المغصوب منه، هذا بالنسبة للصورة الأولى التي يخلط فيها الشيء المغصوب بما يمكن تمييزه، والحكم فيها واضح، والسبب في عدم ذكر المصنف -رحمه الله- لهذه الصورة: ظهور الحكم فيها ووضوحه.

خلط المغصوب بشيء لا يمكن تمييزه عنه

أما إذا خلط المغصوب بشيء لا يمكن تمييزه عنه، فهذا يأتي على أحوال: ففي ببعض الأحوال تكون عين المغصوب موجودة، ولكنها تمتزج مع الشيء الذي اختلطت به من جنسها كزيت بزيت، وأرز بأرز، وبر ببر، وتمر بتمر -من نوع واحد- فحينئذ عين المغصوب موجودة، ولكن لا نتمكن من فصل حق الغاصب من حق المغصوب منه.
الصورة الثانية: أن يكون الخلط بشيء ليس من جنس المغصوب، كأن يخلط -كما ذكر المصنف- الدهن بالسويق، فحينئذ الدهن شيء والسويق شيء، لكن حينما خلطا مع بعضهما صارا كالشيء الواحد، وكمن اغتصب سمناً فصنع به طعاماً، وكمن اغتصب دهناً من زيت ونحوه فقلى به طعاماً أو نحو ذلك، ففي هذه الحالة يكون الحكم مخالفاً للمسألة الأولى.
إذا خلط المغصوب بشيء من جنسه: كأن يجعل الزيت مع الزيت والأرز مع الأرز والتمر مع التمر، فحينئذ إما أن يكون الشيء الذي أدخله على المغصوب أغلى ثمناً وأجود، وإما أن يكون مثله في الجودة والثمن، وإما أن يكون أردأ منه، كرجل أخذ منك لتراً من زيت الزيتون ووضعه مع لتر آخر من زيت الزيتون، فإما أن يكون مثله في القيمة والجودة والرداءة ومن نوع واحد وقيمتهما واحدة، وإما أن يكون أغلى منه وأجود منه -الذي يكون حق الغاصب - أو يكون حق المغصوب أغلى وحق الغاصب أرذل.
فإذا خلطه بمثله وكانا بصفة واحدة وثمن واحد، فحينئذ قال طائفة من العلماء: يجب على الغاصب أن يرد قدر المغصوب، فلو اغتصب صاعاً من تمر وخلطه مع صاع آخر، نقول له: خذ من هذا المخلوط صاعاً واحداً، وفقه المسألة يقوم على أن الغاصب له حق، والمغصوب منه له حق، وكلا الحقين مشتركان في الصاعين، فلو أننا قلنا لصاحب المغصوب: خذ الصاعين.
ظلمنا الغاصب، ولو أننا قلنا للغاصب: خذ الصاعين.
بقي الأصل كما هو والظلم كما هو، فالعدل أن يقال: رد إلى صاحب العين المغصوبة قدر ما اغتصبت صاعاً أو لتراً -إذا كان زيتاً أو نحوه- فإذا رده ربما يعترض معترض ويقول: إننا لم نرد عين المغصوب؛ لأن الذي رُدَّ هو المغصوب، ومعه حق الغاصب، ف

الجواب

رددنا عين المغصوب ورددنا مثله، والضمان في الغصب إما أن ترد الشيء المغصوب أو ترد ما هو مثل له، فلو أنه اغتصب صاعاً وخلطه بصاع آخر وامتزجا مع بعضهما فإنه حينئذ لو أنك أخذت صاعاً من هذا المخلوط، وقدر نسبة المغصوب النصف، فالنصف الثاني يعتبر بمثابة المثلي للمغصوب؛ لأنه مثله في الجودة، ومثله في القيمة والسعر، فليس هناك ضرر، فإذا قال لك قائل: لماذا عدلت إلى المثلي؟ تقول: لأنه تعذر العين، وتعذر أن نضمن العين، فنلزمه بضمان المثل، والشريعة تلزم بالعين متى أمكن ردها، وتلزم بالمثلي إذا تعذر رد العين، وهذا هو المذهب الصحيح؛ أنه إذا خلط الصاع بصاع مثله؛ وجب ضمان الصاع من المخلوط، إذا اتفقا جودة ورداءة واتفقا قيمة، فحينئذ يضمن لصاحب الحق بقدر حقه قل أو كثر.
وهناك من العلماء من يقول: يخير الغاصب، ونقول له: أنت بالخيار إن شئت أخذت صاعاً من هذا الذي اختلط، وإن شئت طالبت بالمثلي من خارج المخلوط، ولكن الصحيح ما ذكرناه، أنه يضمن له حقه؛ لأنه إما أن يأخذ العين أو يأخذ المثل، وعندنا قاعدة وهي: (أنه لا يصار إلى البدل متى ما أمكن الرجوع إلى العين).
أي: ما دام أنه يمكننا أن نرجع إلى العين ونستوفي منها الحقوق، فلا يمكن أن ننتقل إلى البدل والمثل، وهنا لو قلنا له: أعطه صاعاً مثل الصاع الذي أخذته، فإنه يضمن البدل ولا يضمن الذات، ولا شك أنك لو ضمنت بعض الذات أفضل من أن يكون الضمان خارجاً عن الذات كلها، ولهذه القاعدة دليل سنبينه -إن شاء الله- في قصة حكومة سليمان مع داود عليهما السلام في قضية الغنم، حيث إن الله تعالى صوب حكم سليمان بمراعاته لهذه القاعدة.
الحالة الثانية: أن يكون الشيء الذي أدخله على المغصوب أجود من الذي اغتصبه، مثال ذلك: لو أخذ أرزاً وخلطه بأرز أجود وأفضل من الأرز الذي أخذه، كأن يكون -مثلاً- الأرز الذي أخذه الكيلو منه بخمسة ريالات، والأرز الذي خلطه به من نفس النوع ولكن قيمة عشرة ريالات، فحينئذٍ يكون الخلط بما هو أجود وبما هو أغلى ثمناً، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: إذا خلط الأرز أو الدقيق أو التمر ونحو ذلك بما هو أجود منه، ننتقل إلى المثل؛ لأنه لا يمكن فصله، فحينئذٍ نقول له: انتقل إلى مثله.
ونترك الاثنين للغاصب، أي: العين المغصوبة -الذي هو الصاع المغصوب- مع ما هو أجود منه، يترك للغاصب، ونقول للغاصب: ابحث عن مثل ما اغتصبته، وهو صاع يعادل الصاع الذي أخذته في الصفة والقيمة.
وقال بعض العلماء: يلزم الغاصب بدفع صاع من المخلوط الذي فيه الجيد الذي له، فإن أبى فرض عليه ذلك -هذا إذا رضي المغصوب منه- ونلزمه بأخذ صاع من هذا المخلوط حتى ولو كان أجود.
وحينئذ يرد

السؤال

كيف نلزم الغاصب بدفع شيء من حقه، مع أنه أجود؟ قالوا: ألزمناه بدفع الصاع من هذا المخلوط؛ لأن عين المغصوب موجودة فيه، فإذا ألزمناه بدفع صاع كان بعض العين مضموناً، فيبقى الزائد بقدر الصاع مما يؤخذ من المخلوط وهو ملك لصاحبه؛ لأنه هو الذي تسبب في الخلط، فتصبح زيادة يستحقها صاحب المال؛ لأنها من تصرفات الغاصب التي فيها العمد والعدوان، بمعنى: كأن الغاصب هو الذي جنى على نفسه، وهو الذي يتحمل مسئولية جنايته، فلم يأمره أحد بالخلط، ويده يد عادية؛ لأنها دخلت على مال الغير، ورضي بإتلاف ماله بإدخاله مع مال الغير، فيتحمل مسئولية الضرر في النقص الحاصل على مالك، ونقول حينئذ: يلزمك أن تدفع الصاع، ويُلزم المغصوب منه.
قالوا: لو قال المغصوب منه: لا أريد، وأريد صاعاً مثل صاعي من غير المخلوط، فهل يطاع ويلزم بضمان المثلي؟ قولان للعلماء، والصحيح: أنه لا يطاع بل يلزم بأخذ الصاع مما اغتصب منه، أي: من المخلوط.
السؤال الذي يرد: لماذا ألزمناه؟ لأنه تبقى العين، وتبقى اليد في القدر الذي سيكون في داخل الصاع، هذا وجه.
والوجه الثاني: وجود الجيد والأفضل إنما هو حقه وزيادة، وكونه يقول: لا آخذ.
ليس له موجب شرعي، وإذا قال: لا آخذ، فهذا نوع من التفريط، فلو قال: أريد مِثلاً من خارج، صار فيه ضرر على المالك؛ لأنه في هذه الحالة يذهب ويتكلف شراء الصاع من خارج، وحقه مضمون والجيد فيه المثل وزيادة، فليس هناك من مظلمة حتى يقول: أريد الغير.
فيجب حينئذ إعطاؤه صاعاً من المخلوط الذي هو أجود.
إذاً: في حالة الاستواء وفي حالة الأجود يطالب الغاصب بدفع قدر مال المغصوب، سواء رضي المغصوب منه أو لم يرض، لكن لو خلطه بما هو أردأ.
فقال بعض العلماء: يضمن له مثل ما أخذ، ولا يعطي من الخلط؛ لأنه في هذه الحالة كأنه أتلف، وكأنه استهلك العين.
وقال بعض العلماء: يطالب بأخذ الموجود، ويضمن له قدر النقص من المال نفسه أو من مثله، وهذا هو الأقوى والصحيح.
ففي الثلاث صور حكمنا بالضمان من نفس المال، وهذا راجع للقاعدة التي ذكرناها، فالأصل بقاء اليد حتى يدل الدليل على رفعها وتحويلها إلى المثل أو القيمة.
والدليل على أننا نلزم المغصوب منه بالأخذ من عين ماله سواء كان في حالة الجودة أو الرداءة أو حال المثلية: قضية داود وسليمان وهي: رجل كان عنده غنم.
وجاءت الغنم في الليل ورعت فأفسدت زرع رجل آخر، فاختصما إلى داود عليه السلام، فنظر داود عليه السلام فوجد أن قيمة الزرع تعادل قيمة الغنم، يعني: لو فرض أن الزرع قيمته مائة فالغنم قيمتها مائة، فحكم عليه السلام بأن صاحب الأرض يملك الغنم، وأثبت هذا الحكم من جهة أن صاحب الغنم مالك لها، متحمل لمسئوليتها ولكل ما ينشأ من الضرر منها، فألزمه بضمان حق صاحبه، فحكم بالغنم لصاحب الزرع، فلما خرج من عند داوود، قال سليمان: لو كان الأمر إليَّ لقضيت في هذا بغيره، قيل: وما تقضي؟ قال: أقضي بأن صاحب الغنم يأخذ الأرض فيعيد زراعتها ويردها كما كانت، وأحكم لصاحب الزرع أن يأخذ الغنم، فيحتلبها وينتفع من صوفها حتى يرد له صاحب الغنم أرضه كما كانت، فيرجع صاحب الزرع إلى زرعه وترجع الغنم إلى صاحبها.
فأثنى الله على حكم سليمان، والسبب في هذا: أن داود عليه السلام حكم بأن الغنم تصبح مستحقة لصاحب الأرض، فأخرج ملكية الغنم، ونزع يد صاحب الغنم عن الغنم، مع أن الغنم ملك له في الأصل.
فصوب الله حكم سليمان وجعله أصوب، وقال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:79]، وهذا يدل على أن العلماء إذا اختلفوا وكل منهم اجتهد بدليل شرعي، فإن الكل مفهم من الله وكل لا يلام، وكل لا يثرب عليه، ولا يقبح الخلاف ولا يشنع ولا ينتقص من مكانتهم، بل يزيدهم فضلاً إلى فضلهم ونبلاً إلى نبلهم؛ لأنهم بذلوا ما في وسعهم.
فحينئذ لما حكم الله سبحانه وتعالى بأن الغنم تبقى لصاحبها، والأرض تبقى لصاحبها أبقى اليد كما هي، وهذا هو الذي نريده: إبقاء الأصل على ما هو عليه، فأنت إذا نظرت إلى مسألة الغصوبات، فالأصل أن هذه العين المغصوبة تبقى ملكاً لصاحبها، ولا يحكم بانتقالها إلى الغاصب إلا بدليل، وحينئذ نقول: متى ما أمكن رد الزيت، أو الحبوب، أو الثمار التي خلطت بغيرها -مع أنه أجود أو أردأ- فإننا نقول بالرد، ونوجب على من فعل ذلك ضمان النقص إن وجد، ونلزمه بالدفع إن امتنع في الأجود والأحسن؛ لأنه هو الذي فرط وهو الذي ضيع ماله.
هذا إذا كان الخلط للمغصوب من جنسه، وهو الذي يمكن أن تخرج قدر المغصوب منه، فمن غصب صاعاً أخرجت منه صاعاً، ومن غصب صاعاً وخلطه بصاع من بر، فيمكن أن تخرج من الاثنين صاعاً واحداً، ولكن الإشكال إذا حصل الخلط لطعام لا يمكن الفصل فيه، فمن أخذ السمن واستهلكه في الطعام أو أخذ الدهن وخلطه في السويق فلا يمكن أن ترد السمن إلى حاله، ولا يمكن أن ترد السويق إلى حاله، فحينئذ يحكم بإلزامه ضمان مثل العين التي أتلفها.
الخلاصة: أنه إما أن يخلط على وجه يمكن التمييز والحكم فحينئذ يُطالَب الغاصب بالتمييز، وعليه مؤونة التمييز إن كان في ذلك كلفة ومشقة.
الحالة الثانية: أن يخلطه فلا يمكن تمييزه، فإما أن يخلطه بشيء من جنسه كزيت بزيت، وبر بر، وتمر بتمر.
فنقول له حينئذ: إن كان أجود أو كان مثلياً لزمك أن تدفع مثله.
ويكون النقص على الغاص

حكم صبغ الغاصب لثوب غصبه

قال رحمه الله: [أو صبغ الثوب].
مسألة صبغ الثوب تعتبر من إدخال العين التي لا يمكن فصلها غالباً إلا مع الحرج أو مع الإضاعة للمغصوب، ففي القديم كانت أحوال الناس ضيقة، ولم يكن القماش بالسهولة التي تتيسر للناس الآن، فإذا أخذ ثوباً ربما يلبس الثوب هذا أربع سنوات ويبقى معه.
ففي السنة الأولى يلبسه أبيض مثلاً، وفي السنة الثانية يصبغه أزرق وفي السنة الثالثة يصبغه بصبغ ثالث، وهذا لا يضره، بل هذا يدل على البركة التي كانت في أموالهم، كان الشيء يبقى.
وهذا دليل على كثرة البركة في الأشياء.
ولذلك أخبر عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان تنزع البركة كما في صحيح مسلم: (أنه إذا نزل عيسى عليه السلام في آخر الزمان أنه توضع البركة في الأرزاق والأقوات، حتى إن الشاة الواحدة يطعمها أربعون رجلاً) وهذا من البركة، فكانوا في القديم يصبغون الثياب، وصبغ الثوب للحاجة؛ لأنه لا يستطيع أن يبقى به على لون واحد، فيصبغه للحاجة، فإذا صبغ الثوب فمادة الصبغ ستدخل داخل الثوب، ولا يمكن فصل مادة الصبغ عن الثوب، إلا إذا رد الثوب إلى اللون الذي كان عليه بصبغ ثاني فهذا شيء آخر.
فلا يمكن فصل الثوب، إلا بعض العلماء قالوا: يمكن في بعض الأحوال بمشقة وعناء وفيه كلفة على الغاصب.
فمن أهل العلم من قال: إذا غصب ثوباً فيلزم الغاصب بقلع الغصب.
ومنهم من قال: لا يلزم بذلك، ويأخذ المغصوب منه ثوبه، فإذا أخذ الثوب مصبوغاً، فإما أن تنقص قيمته بسبب الصبغ، وإما أن تزيد قيمته بسبب الصبغ، وإما أن يبقى بقيمته التي كان عليها، فإذا نقصت القيمة نقول للغاصب: ادفع النقص، فمثلاً: لو كان الثوب بخمسين ريالاً بدون صبغ، ومع وجود الصبغ يباع بخمسة وعشرين، فنقصت النصف، فعند ذلك يلزم بضمان نصف قيمته، وإذا كان الصبغ يزيد في القيمة، فأصبحت قيمته مائة أو أكثر، فإنه يملكه المغصوب منه ولا شيء للغاصب، وأما إذا بقي على قيمته فلا إشكال.
قال رحمه الله: [أو لت سويقاً بدهن أو عكسه].
(أو لت سويقاً بدهن) غصبه، أو غصب السويق ولته بدهن من ملكه، فالحكم مثل ما ذكرنا، إما أن يزيده أو ينقصه أو يساويه.

الانتقال من الغصب إلى الشراكة

قال رحمه الله: [ولم تنقص القيمة ولم تزد، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه].
بقدر قيمة المالين، فعلى ما اختاره المصنف -رحمه الله- يدخلان شريكان في المالين بقدره، فصاحب الصبغ إذا كان صبغه يعادل سبع قيمة الثوب فله السبع، وإن زاد إلى الثلث فله الثلث، والعكس أيضاً، ويفصل في المسألة على نفس التفصيل الذي ذكرناه في الحقوق.
قال رحمه الله: [وإن نقصت القيمة ضمنها].
إذا كان بسبب الغصب، بمعنى: أن نقص القيمة تارة يكون بسبب السوق وهذا لا نتكلم فيه؛ لأننا بينا أن غلاء سعر المغصوب أو نقصه ليس من دخل الغاصب ولا يتحمل الغاصب المسئولية؛ لأن هذا من قدر الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى لحكمته يتأذن برفع الأسعار وغلائها ويتأذن برخصها، على ما يشاء سبحانه وتعالى، وليس للناس في هذا دخل، ولا يلام الناس في هذا، فالغاصب إذا زادت القيمة فليس بملام، وإذا نقصت القيمة ليس بملام؛ لأن هذا ليس من يده ولا من صنعه، وقد بينا أن هذه المسألة إجماعية وأن الذي خالف فيها هو الإمام أبو ثور إبراهيم بن يزيد الكلبي رحمة الله عليه، وكان يقول: يلزمه ضمان النقص الحاصل بالأسواق، وبينا أن هذا القول ضعيف ولا يفتى به ولا العمل عليه.
قال رحمه الله: [وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه].
فإذا دخل شريكان في الثوب أو في السويق وغلت القيمة لأحدهما، فأصبح -مثلاً- الصبغ الذي صبغ به الثوب غالياً وارتفعت قيمته، فإنه يكون الغلاء من حظ الغاصب، ويدخل الغاصب في الشراكة بحسب القيمة التي زادت لصبغه، وكذلك أيضاً لو لتَّ السويق مع الدهن، لو غلا سعر الدهن كان للغاصب، ولو غلا سعر السويق كان الغلاء لصاحب العين المغصوبة، يفصل فيه على حسب.
لأن فقه المسألة: أن الغاصب له حق والمغصوب منه له حق، فإن كان الغلاء في العين المغصوبة فهو حق لصاحب العين المغصوبة، ويحسب من قيمة العين، وإن كان الغلاء للشيء الذي أدخله الغاصب فهذا حقه ويضمن له حقه، فترد للمغصوب حقه بتقدير قيمة العين المغصوبة، وترد للغاصب حقه بتقدير قيمة الشيء الذي أدخله وخلطه مع المغصوب، حتى ولو كانت القيمة غالية، ويستحق قدر ماله إذا كانا شريكين، وحكم بالشراكة على ما اختاره المصنف رحمه الله.
قال رحمه الله: [ولا يجبر من أبى قلع الصبغ].
هذه مسألة خلافية، بعض العلماء يجبره، فمثلاً: شخص له ثوب فأخذه غاصب وصبغه بلونه، فبعض العلماء يقول: لما جئنا للمغصوب منه وقلنا له: هذا ثوبك.
قال: ثوبي أبيض.
قلنا: الغاصب تصرف فيه وصبغه.
قال: لا بد أن يرد لي ثوبي كما كان.
في هذه الحالة صاحب الحق يطالب برجوع العين كما كانت، فبعض العلماء يقول: يتعذر في مثل هذا، وقد يكون فيه إتلاف للثوب، فلا يطاع ولا يجبر الغاصب على قلع الصبغ، واختلفوا في التعليل، فمنهم من يقول: لأننا إذا أجبرناه أتلفنا الصبغ وإتلاف المال منهي عنه شرعاً وهو إفساد؛ فما دام أن الثوب صبغ وصلح حال الثوب، وصار إلى تمام وأفضل، فحينئذ نقول له: خذ الثوب، وإن كان الصبغ أثر في الثوب وأنقص قيمته، قلنا له: اضمن له حقه، أما أن يطالب بقلع الصبغ ويصبح الأمر أشبه بالإضرار بالغاصب، وهو يقول: لا بد أن يقلع الصبغ عن ثوبي؛ لأنه إذا قلع الصبغ عن الثوب ربما أضر بالثوب، وتصبح عليه كلفة القلع وكلفة النقص الذي يحدث في الثوب بعد القلع، وحينئذ يكون الضرر أكثر مع إتلاف الصبغ، فهناك أكثر من مفسدة، فقالوا: لا نأمر بهذا.
ولهذه المسألة نظائر، منها: لو أن رجلاً عنده أرض زراعية اغتصبها شخص ثم حفر فيها بئراً، فمن مصلحة المزرعة وجود البئر، فلو قال صاحب الأرض: ما أريد! ظاهر الحال يدل على أن مصلحة المزرعة في البئر، فأصبحت المسألة مسألة إضرار بالغاصب، وأصبح هناك شيء من التعنت والأذية.
فبعض العلماء يقول: لا يطاع، ولا يلزم الغاصب بردمها، وإن كان بعض العلماء يقول: يلزم بردمها.
لكن مسألة الصبغ أقوى من مسألة البئر؛ لأن مسألة الصبغ فيها إتلاف للثوب وضرر به، وإتلاف للصبغ نفسه، فأصبح إتلافاً للعين، وإتلافاً أيضاً للمنفعة الموجودة في العين دون وجود مصلحة، وعلى هذا قالوا: لا بجبر على قلع الصبغ.

حكم من اشترى أرضاً تبين غصبها بعد الشراء

قال رحمه الله: [ولو قلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة].
هذه مسألة تعم بها البلوى، وهي: أن يشتري شخص من آخر أرضاً زراعية، وتبقى هذه الأرض مدة من الزمان، ويتبين أن الأرض ليست ملكاً للبائع، وأنها ملكٌ لشخص آخر.
فالأرض أخذها ميتة فأصبحت حية بالزرع، وأخذها بواراً فبنى واستحدث فيها، فحينئذ الأرض ليست ملكاً للبائع، وإذا لم تثبت يد البائع فمعناه: أن المشتري لا تثبت يده، فتنتقل الأرض للمالك الحقيقي، فقال المالك الحقيقي: أريد أرضي، فسنقلع غرس المشتري، وسنهدم أبنيته التي بناها.
ف

السؤال

من الذي يتحمل مسئولية الضرر المترتب على هذا الخطأ؟ طبعاً المسألة لها صور: تارة يكون البائع الأول غاصباً للأرض ويبيعها لشخص ثم يتبين أنه غاصب، فيطالب صاحب الحق ويُثْبِت له القضاءُ الحق فلا إشكال، وقد تقدمت مسألة بناء الغاصب خاصة إذا اشترى منه الشخص وهو يعلم أنه غاصب.
لكن إذا كان الشخص لا يعلم، وجاء إلى أرض وأحياها، وبعدما أحياها وزرعها باعها على شخص استخرج لها صكاً، وباعها على شخص -مثلاً- بمائة ألف، فأخذها الشخص الثاني فأحدث فيها بناء أو غرساً جديداً، حتى أصبحت مثلاً بخمسمائة ألف، ثم تبين أن للأرض صكاً أقدم من هذا الصك الذي بيعت الأرض به.
فالسؤال: من الذي يتحمل مسئولية الضرر الذي سيقع على هذا الاستحقاق؟

الجواب

يطالب المشتري بقلع غرسه، ويطالب بهدم بنيانه وإعادة الأرض كما كانت، ثم نقول له: تأخذ قيمة ما دفعت -الذي هو قيمة الأرض- وتطالب الذي باعك بدفع قيمة الكلفة التي تحملتها في نقل الغرس وكذلك هدم البناء.
فيكون المتحمل للمسئولية البائع الأول؛ لأن البائع الأول كما أن له ربح الأرض كذلك عليه غرمها وخسارتها، والمشتري اشترى على أن يده يد مالكة، وإذا تبين بأن يده ليست بيد مالكة، فحينئذ يضمن هذا التفريط في معرفة حقوق الناس، ويضمن هذا التفريط في الاعتداء على أموال الناس إن كان معتدياً، هذا بالنسبة إذا كان البيع من بائع واحد إلى مشترٍ واحد.
لكن لو فرض أن خمسة أشخاص تناقلوا هذه الأرض، فالأول باع بمائة ألف، ثم اشترى شخص ثانٍ بعده ثم ثالث ثم رابع ثم خامس، فالخامس إذا طُولِب بهدم بنائه وقلع غرسه، ننظر في الضرر الذي ترتب على هذا القلع وعلى هذا الهدم وعلى هذا القلع، لو كان يساوي مائتي ألف، نقول له: ارجع بها على من باعك وهو البائع الرابع.
فالبائع الرابع يدفع المبلغ للمشتري منه، ويرجع الرابع إلى البائع الثالث، ويقول له: تدفع لي المبلغ الذي دفعته لفلان، ثم يقيم الثالث دعوى على الثاني، والثاني يقيم دعوى على الأول حتى تصل للأساس الذي غرر بالجميع، فكل منهم يطالب من غره، ولا ينتقل المشتري الأخير إلى البائع الأول مباشرة.
لا؛ لأنه ليس بينه وبين البائع الأول أي استحقاق، إنما الاستحقاق الذي وقع والبيع والمسئولية تترتب على البائع الذي ابتاع منه واشترى منه، وحينئذ يقول: اضمن لي حقي في تلف هذه الأعيان التي تلفت بالهدم أو النقص الذي حصل بنقل الغرس، فلو أنه نقل الغرس ومات -لأن الغرس إذا نقل شيء منه يموت وشيء منه يحيا- فيكون الضمان على الصورة التالية: أولاً: يتحمل مسئولية القلع للغرس، فلو كلفه القلع عشرة آلاف ريال يلزمه دفعها وتحسب، ثم لو فرضنا أن أعيان المغروسات نقصت بمقدار عشرة آلاف، بعضها مات بسبب النقل وبعضها تلف، وبعضها ضعف حاله، وتردى إنتاجه، فكل هذه الأضرار يتحملها البائع الأخير للمشتري الأخير، ثم يطالب الأخير من باعه بضمان هذه الحقوق حتى يتوصل إلى البائع الأول.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
الحكم في الزروع إذا كانت مما تطول مدتهاحكم اتفاق الغاصب والمغصوب منه على بقاء الزرعأوجه الضمان في الغصبالضمان باليد والجنايةالضمان باليد والجنايةضمان الجنايةضمان الجنايةضمان اليدحكم قلع المبني أو المزروع في الأرض المغصوبةمنافع الأعيان المغصوبة مضمونةحكم من غصب جارحاً أو عبداً أو فرساًالأسئلةانتقال العقد عند الحنفية من غصب إلى مزارعةالسؤالالجوابحكم صلاة العيد في الأوديةالسؤالالجوابحكم زراعة شخص في أرض شريكه دون إذنالسؤالالجوابمعنى النقص المستقرالسؤالالجوابقاعدة الغالب كالمحققالسؤالالجوابباب الغصب [4]أحوال زيادة المغصوب ونقصانهالسؤالحكم زيادة شيء في المغصوب يمكن فصلهحكم البيض المغصوب إذا صار فرخاحكم من صير النوى المغصوب غرساحكم ضرب الذهب المغصوبحكم نسج الغاصب للغزل بعد غصبهالسؤالحكم تقصير الغاصب للثوب المغصوب أو صبغهحكم نجر الغاصب للخشب المغصوبحكم الحب المغصوب إذا صار زرعاحكم خصي الغاصب للعبد المغصوبحكم ضمان نقص سعر السوقحكم ضمان النقص بمرضضمان النقص في العبد بعد تعليمهالجوابحكم الزيادة في العبد المغصوب ثم النقصانالأسئلةحكم تنازل المغصوب منه عن حقهالسؤالالجوابأسباب ضعف الهمة في طلب العلمالسؤالالجوابباب الغصب [5]أحكام اختلاط المغصوبات بغيرهاخلط المغصوب بشيء يمكن فصله وتمييزهخلط المغصوب بشيء لا يمكن تمييزه عنهالجوابالسؤالحكم صبغ الغاصب لثوب غصبهالانتقال من الغصب إلى الشراكةحكم من اشترى أرضاً تبين غصبها بعد الشراءالسؤالالجواب
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل