شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 19-14
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم العمرة بعد الحج

هذه المسألة من حيث الأصل: السنة أن من أتى بعمرة قبل حجه، ثم حج وتمتع بها: أن يكتفي بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح، لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تأخذ عمرة بعد حجها، قال عليه الصلاة والسلام: (طوافك بالبيت، وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحجك وعمرتك).
فالنبي صلى الله عليه وسلم عتب عليها، وضيق عليها بعض الشيء، كأنها تأتي بعمرة بعد عمرتها، لكن إذا وجد لبعض الناس سبب؛ مثلاً: والده أو قريبه لم يعتمر، وأراد أن يأخذ العمرة عنه؛ فلا بأس أن يأتي بالعمرة بشرط أن تكون النية طرأت عليه في مكة، لا من الميقات الأبعد.
والله تعالى أعلم.

حكم ثوب الإحرام الذي فيه أزرار

وبالنسبة لثوب الإحرام الذي فيه (طقطق) هذا ينصح الناس فيه، ولا يجوز لهم لبسه؛ لأنه في حكم المخيط.
الإحرام الذي فيه أزارير يجب أن تزيلها، وتفكها، وتبقى مفتوحة، ولا يضر إن شاء الله.
والله أعلم.

حكم حج من اعتمر في أشهر الحج ثم نوى الحج

السؤال

من أتى بعمرة في أشهر الحج، ثم نوى بعد ذلك الحج في العام نفسه، هل يلزمه التمتع، أم يخير؟

الجواب

ليس هناك إلزام بنسك، فعن أم المؤمنين عائشة كما في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى الميقات قال: (من أراد منكم أن يهل بحج فليهل، ومن أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل، ومن أراد أن يهل بحج وعمرة فليهل).
فالأصل في هذه الأنساك أنها تخييرية -أي: الأنساك الثلاثة- ومن أتى بأي واحد منها فلا حرج عليه ولا عذر، والخلاف بين العلماء رحمهم الله في الأفضل، وليس هناك إلزام بأحد هذه الأنساك.
بل يبقى هذا النص على الأصل وأن المسلم مخير.
وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بفسخ الحج بعمرة، وهو إيجاب فسخ الحج بعمرة على من لم يسق الهدي؛ فهذا كان في ذلك العام، ولذلك لم يلزم بها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان مدة الخلافة الراشدة كلها، وفهم الصحابة ذلك وطبقوه، وهم أعلم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (متعتان لا تصلح إلا لنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: متعة النساء، ومتعة الحج).
يعني إيجاب الفسخ، وليس مراده مطلق التمتع بالحج، يعني أن إيجاب الفسخ كان في ذلك العام هدماً لعقيدة الجاهلية الذين كانوا لا يجيزون العمرة في أشهر الحج، وكانوا يقولون كما في الصحيح عن ابن عباس: (إذا برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر)، فكانوا يرونها من الفجور.
ولذلك قالوا: (يارسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: لا؛ للأبد، للأبد).
صلوات الله وسلامه عليه.
وقال: (دخلت العمرة في الحج).
أي: أنه يجوز لك إيقاع العمرة في أشهر الحج إلى الأبد، لا ما كان يعتقده أهل الجاهلية من تحريم إيقاع العمرة حتى ينسلخ صفر، فذاك من أدران الجاهلية، ومما اختلقه أصحاب الجاهلية من المسائل المحدثة وألصقوها بالحنيفية وهي منها براء فردها عليه الصلاة والسلام, ورد الأمر إلى أصله؛ من أنه يجوز الاعتمار في أشهر الحج، ولذلك وقعت عمرته عليه الصلاة والسلام في أشهر الحج؛ كعمرة الجعرانة حينما وقعت في ذي القعدة لما انتهى عليه الصلاة والسلام من قسم الغنائم بعد فتحه للطائف؛ صلوات الله وسلامه عليه.
والله تعالى أعلم.

حكم صيام أيام عشر ذي الحجة

السؤال

هل يعتبر صيام عشر ذي الحجة من السنة؟

الجواب

صيام عشر من ذي الحجة ما عدا يوم النحر لا بأس به ولا حرج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة، قالوا: يارسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بماله ونفسه فلم يرجع بشيء من ذلك).
فهذا يدل على أنه يشرع فعل الطاعات، وأنه لا بأس بصيامها؛ سواء صام التسع كاملة أو صام بعضها، فلا حرج في ذلك ولا بأس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يُفعَل الشيء ويتركه، وقد شرع ذلك للأمة بقوله: (ما من أيام العمل الصالح فيهن ... ) وبناءً على ذلك يبقى هذا النص القولي على عمومه، ولم يأت ما ينقضه، فيبقى صيامها مستحباً على الأصل.
والله أعلم.
أما يوم النحر: ففيه حديث عمر في الصحيحين: (أنه عليه الصلاة والسلام خطب ونهى عن صوم يومي النحر والفطر)، فلا يجوز الصيام في هذين اليومين؛ لأنهما يوما عيد الإسلام، والصيام فيهما إعراض عن ضيافة الله عز وجل، فلا يجوز صيامهما بإجماع العلماء.
والله تعالى أعلم.

حكم الدم إن أصاب الثوب

السؤال

هل دم الإنسان إذا أصاب الثوب يجب غسله؟ أو أن الشرع حدد المقدار الذي يجب غسله؟

الجواب

جمهور العلماء على أن الدم المسفوح نجس؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:145]، وقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (اغسلي عنك الدم، ثم اغتسلي وصلي)، فهذا أصل عندهم في أن الدماء نجسة.
وقال بعض العلماء: إنها طاهرة؛ لحديث الشعب، ولصلاة عمر رضي الله عنه وجرحه ينزف، وقد أجيب عن حديث الشعب؛ بأنه من النزيف الذي لا يرقأ، لأنه أصيب بالسهم، والسهم غالباً ينزف، والنزيف لا يرقأ، ولذلك محل الخلاف لا يستقيم به الاستدلال، وكذلك عمر رضي الله عنه، لأن جرحه استنزفه إلى الموت، ولذلك قالوا: لو رعف الإنسان -مع قولهم بالنجاسة- أو المرأة المستحاضة يستثقل معها الدم، فهذا من العفو؛ لأنه لا يمكنها إيقافه، فالاستدلال بهذا الحديث فيه نظر من هذا الوجه، كما ذكر جمهور العلماء رحمهم الله والصحيح: أنه نجس، وحكمه حكم النجس؛ يجب غسل الدم، لكن الدم على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون يسيراً.
والحالة الثانية: أن يكون كثيراً، وهو الذي يسميه بعض العلماء: متفاحشاً.
واختلف العلماء رحمهم الله في التفريق بين اليسير والكثير، أو الكثير والمتفاحش، فمنهم من يقول: إذا بلغ قدر الدرهم فهو يسير، وإن كان أكثر من الدرهم فهو كثير يجب غسله.
ومنهم من قال: إن الكثير والقليل يفرق بينهما بما لا يتفاحش في النفس؛ يعني إذا رآه كثيراً حكم بكونه كثيراً، وإذا رآه قليلاً حكم بكونه قليلاً.
والأول أقوى، لكن يوجد حديث ضعيف، وهو حديث الدرهم البغلي، لكن حكي الإجماع على أن قدر الدرهم من العفو، ولذلك يستدل بعض العلماء على أنه يصح من جهة العفو، ويؤخذ بهذا الأمر المتفق عليه؛ وهو أشبه.
وقدر الدرهم تقريباً: قدر الهللة القديمة الصفراء؛ فإنها تقارب الدرهم كما حرره بعض مشايخنا رحمة الله عليهم، فإذا كان مجموع الدم مقدار ذلك فهو من العفو فما دون، ولذلك عصر عبد الله بن عمر بثراً في صلاته ولم يقطعها؛ لأنها من اليسير، وهذا من حيث الأصل-أعني اشتراط أن يكون كثيراً- ودليله ظاهر آية الأنعام؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام:145]، فجعل الحكم بالنجاسة مبنياً على كونه مسفوحاً، والمسفوح في لغة العرب: الكثير.
ففرق الله بين القليل والكثير، ولذلك ذهب جماهير السلف والخلف إلى هذا التفريق، على ظاهر النص في قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:145]. والله تعالى أعلم.

حكم معارضة الوالد إن أراد غير المعروف

السؤال

أبي يريد أن يزوج أختي بشاب لا يصلي، وأنا معارض لهذا الأمر، فهل أكون عاقاً، وكيف أنصح والدي؟

الجواب

هذا من طاعة الله عز وجل، والسمع والطاعة الأصل أن تكون بالمعروف لا بالمنكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما السمع والطاعة بالمعروف).
فسماعك لأمر والدك وامتثالك له إنما هو مقيد بالمعروف الذي أقره الله عز وجل، أما إذا كان بالمنكر فلك أن تنكره وترده عليه، فالحق معك، ولا يزال معك من الله معين وظهير.
كيف تزوجها من رجل لا يصلي قد قطع صلته بالله عز وجل، خسر الدنيا والآخرة؛ ذلك هو الخسران المبين، ففي هذه الحالة من حقك أن تعترض، ومن حقك أن تبين للوالد، وتحاول بالتي هي أحسن أن تؤثر عليه، وأن تستعين بالأشخاص الذين يؤثرون عليه إذا لم تستطع بنفسك، وتوصي الأخت أن لا تقبل مثل هذا زوجاً لها؛ بل تمتنع وتصر على عدم القبول، وهي مثابة على إصرارها على هذا الحق.
فلا بارك الله بزوج لا يصلي؛ إنه منزوع البركة، مشئوم على من يتزوجه؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل والكفر ترك الصلاة).
فحرمان الخير-والعياذ بالله- موقوف على ترك الأمور التي فرض الله عز وجل، والتي أعظمها عماد الدين بعد الشهادتين.
فمثل هذا لا يزوج، وحري به أن لا يكرم بالتزويج، ونسأل الله أن يهدي والدك إلى سماع الحق وقبوله، وأن يختار لأختك ولبنات المسلمين من فيه الخير والصلاح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب نفقة الأقارب والمماليك [2]

جعل الله تعالى لصلة القرابة حرمة وقداسة، ومن آثار ذلك أنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه الذي يرثه لو مات.
وهذا الإنفاق إنما يجب بشروط لابد أن تتحقق، وهي لا تسمح للكسول بأن يركن على غيره، ولا تكلف الغني فوق طاقته، بل تحقق التكافل الأسري والتكامل الاقتصادي على أحسن الوجوه وأتمها.

ما يشترط لوجوب نفقة القريب

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فنسأل الله العظيم العليم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل ما نتعلمه ونعلمه خالصاً لوجهه الكريم؛ موجباً لرضوانه العظيم.
ولا شك في أن حلق العلم ومجالسه خير ما تستفتح بها الوصية بحق الله جل وعلا، ولو كرر ذلك في كل مجلس لم تسأم منه الآذان، ولم تملّ من سماع ذلك؛ لأن حق الله هو أعظم الحقوق، فالوصية بتقوى الله والإخلاص في طلب العلم زاد طالب العلم الذي لا يمكن أن يستغني عنه لحظة من اللحظات؛ لأن الله لا ينظر إلى قول قائل ولا إلى عمل عامل إلا بعد تحقيقه والعمل بحقوقه.
وخير ما نتواصى به: أن يخلص الإنسان لوجه الله، وأن لا يجلس في مجالس العلم إلا وهو يريد ما عند الله، وأن يعلم علم اليقين أن التجارة مع الله رابحة، وأنها عند الله رائجة، وأن أسعد الناس في القول والعمل من نظر الله إلى قلبه فوجده خالصاً مستقيماً لربه أسعد الناس من أرى الله من نفسه خيراً حينما يجلس في مجالس العلم، ويستمع العلم، ويقرؤه، ويكتبه، ويتحدث به، وليس في قلبه إلا الله، وهي أمارة من الأمارات بل هي أشرف الأمارات وأعزها وأكرمها؛ إذ لا يعطيها الله إلا لخاصة أوليائه.
فمن نظر في قلبه أنه مليء بالله معمور به، مصروف عن زخارف الدنيا وشهواتها وملذاتها؛ لا تصغي أذنه إلى مدح المادحين، ولا يميل قلبه إلى عجب الناس به؛ فقد كملت ولايته لله جل جلاله، وهي العطية التي يختص الله بها من أحب.
اللهم ربنا ورب كل شيء نسألك أن تجعلنا ممن اصطفيته فجعلته من المخلصين وأراد وجهك يا رب العالمين.
وقد تحدثنا فيما سبق عن مسألة النفقة، وبيّنا أن المصنف رحمه الله جعل الأصل في النفقة على الأقارب من الأصول والفروع والحواشي، مبنياً على شروطاً لابد من تحققها، فنحن لا نلزم شخصاً أن ينفق على قريب إلا إذا توافرت فيه هذه الشروط.
والنفقة تبعة من التبعات، فأنت حينما تتحمل طعام شخص وكسوته وسكناه، هذا أمر فيه كلفة ومشقة، لكنه لا يأتي إلا من خلال أسباب وشروط، وهي العلامات والأمارات التي نصبها الشرع لإيجاد النفقة.
أول هذه الشروط: وجود العلاقة والسببية الموجبة للنفقة، وهي القرابة المبنية على صفة الإرث، فالقريب الوارث يستحق النفقة، وهذا المذهب اختاره طائفة من العلماء، وذكرنا دليله من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الإسلام عدل حينما جعل الإنسان يرث من الميت، وكما أنه يأخذ غنيمة الإرث بعد موته يتحمل غرم الإنفاق عليه في حياته، فهذا من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، ومن العدل الذي هو كمالٌ في هذه الشريعة.
أما الشرط الثاني: فقد بينا من هم الأقرباء الذين يجب عليك أن تنفق عليهم من الأصول؛ كالآباء والأمهات والأجداد والجدات وإن علت، والفروع: كالأبناء والبنات وإن سفلوا، والحواشي من جهة العصبة ونحوها.
وبهذه العبارة التي ذكرها المصنف شرع في الشرط الثاني من شروط وجوب النفقة.

شرط فقر القريب مع عجزه عن الكسب

قال رحمه الله: [مع فقر من تجب له] أي: يشترط في وجوب النفقة على القريب لقريبه أن يكون القريب محتاجاً؛ فتوجد فيه الحاجة والفاقة والفقر، وقريبك الذي تنفق عليه كالأخ والأخت مثلاً، إذا وجب عليك أن تنفق عليهما لابد وأن يكونا فقيرين، ومع الفقر يكون العجز عن التكسب؛ فقد يكون فقيراً ولكنه قادر على أن يتكسب، فحينئذ يفصل العلماء رحمهم الله.
أما الفقر فلابد وأن يكون فقيراً؛ لأنه لو كان غنياً فقد أوجب الله عليه أن ينفق على نفسه، وأما إذا كان فقيراً وليس عنده مال فحينئذ يجب عليك أن تنفق عليه بالمعروف.
وهذا الشرط مجمع عليه بين العلماء رحمهم الله، فلا نوجب عليك النفقة لقريبك إلا إذا كان فقيراً، لكن يستثنى من ذلك الوالدان والأولاد.
فالوالد ينفق على ولده ولو كان غنياً ما دام أنه تحت كفالته، كزوجته يجب عليه أن ينفق عليها ولو كانت غنية؛ لأن الاستحقاق هنا في الأصول والفروع آكد وأوجب، ولذلك ينفق الأصل على والديه وعلى فرعه، كالوالد ينفق على أولاده ولو كانوا أغنياء.
مثال لغنى الفرع: أن تموت الأم وتخلف مالاً لولدها، والولد قاصر عمره سنة أو سنتان، عنده مال لكن في الأصل المخاطب بالنفقة عليه هو والده حتى يستقل بنفسه، فحينئذ لا يشترط في الولد الفقر، فينفق على الأصل والفرع سواء كان غنياً أو فقيراً.
والزوجة تكون غنية ولكن يجب على زوجها أن ينفق عليها؛ لأن هذا الاستحقاق لا يتوقف على وجود الفاقة، وإنما هو مبني على وجود العلقة والقرابة.
ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الفرع بمنزلة الإنسان، كما في الصحيحين من حديث فاطمة رضي الله عنها، في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) فالمقصود أننا لا نوجب النفقة عليك لقريبك كالأخ والأخت إلا إذا كان فقيراً ومحتاجاً عاجزاً عن الكسب، أما لو كان غنياً عنده قوت يومه فلا؛ لأننا نتكلم عن نفقة كل يوم بحسبها، فلو أن الأخ أو الأخت لم يجد طعامه وقوته في يومٍ، فحينئذ ننظر إن كان عنده مال؛ فإنه ليس بفقير، فلا يجب عليك أن تنفق عليه، لكن لو لم يكن عنده مال، ولا يستطيع أن ينفق على نفسه، فإنه يجب عليك أن تنفق عليه، إلا أن بعض العلماء قال: ينظر في قدرته على التكسب، فإن كان قادراً على التكسب سقط عنك إيجاب النفقة، ويجب عليه أن يقول له: اطلب العيش بالتكسب، لأن نفقتك عليه إعانة له على البطالة وترك السعي.
ومن هنا لا يجب عليك أن تنفق عليه متى كان قادراً على التكسب، وبالتكسب يتحصل على رزقه.
لكن لو ضاق الكسب والعيش، فقال بعض العلماء: في هذه الحالة يجب على القريب أن ينفق عليه، ولو كان قادراً على التكسب، ما دام أنه لا يجد مجالاً للتكسب، فالقدرة على التكسب هنا وجودها وعدمها على حدٍ سواء.
إذاً لابد وأن يكون فقيراً عاجزاً عن التكسب؛ يكون فقيراً بالنسبة لصفة الحال، والعجز عن التكسب يكون بصغر السن كما هو الحال في الأولاد ونحوهم، أو يموت ويترك أيتاماً أخوه يتيم قاصر فينفق عليه لأنه عاجز عن التكسب، وكذلك أيضاً يكون العجز عن التكسب لسبب الكبر والشيخوخة، كأن يكون له أخ مسن أو أخت مسنة عاجزة وليس لها من يعول، وكذلك يكون العجز عن التكسب للمرض والزمانة، كالشلل -أعاذنا الله وإياكم من الأمراض- والعمى فلا يقوى على العمل لوجود هذه الآفات، فعلى كل حال إذا كان فقيراً عاجزاً عن الكسب ثبت استحقاقه للنفقة.
قال رحمه الله: [وعجزه عن تكسب].
هذا الشرط الثاني: أن يكون فقيراً عاجزاً عن التكسب، وهو في الحقيقة شرط يتضمن شرطين، لكنهم جعلوه بمثابة الشرط الواحد بسبب تعلقهما بجهة واحدة، يعني: يشترط في القريب أن يكون فقيراً عاجزاً عن التكسب، ومفهوم الشرط: أنه لو كان غنياً لا يجب عليك أن تنفق عليه، إلا من استثنينا، ولو كان قادراً على التكسب لا يجب عليك أن تنفق عليه، إلا إذا كان الزمان لا يتيسر له فيه سبل العيش؛ فوجود القدرة على التكسب وعدمها على حد سواء.

أن تفضل النفقة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه

قال رحمه الله: [إذا فضل عن قوت نفسه].
هذا الشرط الثالث، وهو يتعلق بالقريب المنفق.
تقدم معنا شرطان، الشرط الأول: وجود الوراثة السببية الموجبة للنفقة.
الشرط الثاني: عجز المنفق عليه وهو القريب.
الشرط الثالث: وجود القدرة على النفقة بالنسبة للقريب المنفق، وهو أن يكون عنده قدرة على أن ينفق على قريبه، والعبرة بذلك اليوم، فلو عجز قريبه عن النفقة ذلك اليوم بسبب المرض والفقر، فهو عاجزٌ عن الكسب فقير.
فننظر في قريبه، إن وجدنا القريب عنده مال، نظرنا في هذا المال، فإن كان هذا المال على قدره وقدر عياله، ومن تلزمه مئونته، فلا يجب أن ينفق على القريب الأبعد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول) فهذا في الأصل بدأ بنفسه ثم بمن يعول من الأولاد، ولم يجد فضلاً: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7].
وهذا لم يؤته الله شيئاً زائداً عما هو لازم له في الأصل، فلا يجب عليه أن ينفق على الأبعد إذا كان المال الذي عنده لا يكفي لصرفه إليه.
قال رحمه الله: [عن قوت نفسه وزوجته ورقيقة].
أي: فاضلاً عن قوت نفسه وزوجته، إذا كان له زوجه، وإذا لم يكن عنده زوجه نظرنا إلى قوته هو.
مثلاً تكسب في يوم خمسين ريالاً.
إذا جئنا ننظر إلى طعامه وطعام أولاده في ذلك اليوم وجدناه بخمسين ريالاً، فحينئذ لا فضل، فلا نفقة؛ لأنه ليس بغني، فننتقل بالنفقة إلى قريب آخر أبعد منه، ولا يجب في هذه الحالة على من كانت هذه صفته أن ينفق؛ لأنه لم يفضل عن قوته شيء فاستوى مع غيره فلا نكلفه؛ لأن الله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:7]، وهذا لم يؤته الله فضلاً حتى نوجب عليه أن ينفق.
إذاً: يكون فاضلاً عن قوت نفسه وزوجه ورقيقه: لأن هؤلاء من تلزمه نفقتهم، والرقيق يجب عليك أن تنفق عليه، وسيأتي إن شاء الله تفصيله أكثر في النفقة على الأرقاء وهم الموالي، فإن الإسلام أوجبه على المسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يطعم، وليكسه مما يكتسي)، فهذا يدل على أنه يجب عليه أن ينفق عليه بالمعروف، فيقدم المولى والعبد في خاصة الإنسان على القريب من حيث الأصل، ولذلك يجب عليه أن ينفق على زوجه وولده وعبده، ولا ننظر في الفضل إلا بعد الانتهاء من الأقربين الذين هم أحق.
قال رحمه الله: [يومه وليلته].
النفقة ننظر إليها في اليوم والليلة، فإذا كان عنده مائة ريالاً ننظر نفقة طعامه في النهار ونفقة طعامه في الليل، فإذا كان طعامه في الليل والنهار وكسوة من تلزمه مئونته في حدود الستين ريالاً ومعه مائة ريال، كان إيجاب النفقة في الأربعين، لأنها فضلت عن قوته وقوت زوجه ومن تلزمه نفقته، فيجب عليه أن ينفق على القريب من الأربعين -لأنها زائدة- في اليوم والليلة.

أن يكون الإنفاق زائداً على الكسوة والسكن

قال رحمه الله: [وكسوةٍ وسكنى].
(وكسوة) يعني: كسوة من تلزمه نفقته، من نفقة نفسه ومن تلزمه نفقته، ومثال ذلك: عنده زوجة أو أولاد يحتاجون إلى كسوة وطعام، فقدرنا نفقة الكسوة والطعام، فوجدناها بثلاثمائة ريال، وتكسب في ذلك اليوم الزائد عن ماله الموجود ثلاثمائة ريال، فنقول: لا له ولا عليه، يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجه ومواليه بإطعامهم وكسوتهم ولا يجب عليه أن يصرف على القريب؛ لأن الطعام والكسوة استغرقا ما عنده، لكن لو كان لا يحتاج إلى كسوة في ذلك اليوم، ولا يحتاج أحد ممن تلزمه نفقته إلى كسوة، والطعام له ولمن تلزمه نفقته في حدود المائة، وكان عنده في ذلك اليوم مائة وخمسون، فحينئذ نقول: ما دامت النفقة التي تلزمه بخاصته هي مائة، فإن الخمسين تصرف إلى قريبه المحتاج.
إذاً لا يختص الأمر بالطعام بل الكسوة داخلة في هذا، فلو كان في كل يوم عنده قريب محتاج، وكل يوم يتكسب مائة ريال، ينفق منها على أهله وولده ثمانين، ويأخذ العشرين ويعطيها إلى قريبة.
الثمانون التي ينفقها تصرف كلها في الطعام، لكن في يوم من الأيام احتاج إلى كسوة له أو لزوجته أو أولاده أو لمولاه، وهذه الكسوة تحتاج إلى العشرين، فاستحقاق الكسوة في ذلك اليوم يسقط حق القريب.
فإذاً لا يظن أن النفقة مخصوصة بالطعام والشراب، بل شاملة الكسوة أيضاً.

أن تكون النفقة لديه من حاصل أو متحصل

قال رحمه الله: [من حاصل أو متحصل].
(من حاصل) أي: الموجود.
يقولون: إذا كان رزقه الذي حصل عليه مائة ريال، هذا الحاصل، والمتحصل هو الموجود عنده مثل رأس المال الذي يأخذه دخلاً إما في تجارة وإما في عمل وكدح.
لماذا يقول المصنف: من حاصل أو متحصل؟ لأن الرجل في بعض الأحيان لا يعمل، ولكنه عنده مال، مثل رجل غني عنده ألف ريال، الألف في القديم مثل المليون في زماننا، فهذه الألف التي عنده لا يحتاج معها إلى عمل ولا كسب، فعنده حاصل من المال يكفي أن ينفق منه وأن ينفق على قرابته، فنقول له: أنفق من الحاصل، يعني: من الموجود عندك.
أو شخص يأخذ المال عن طريق التحصيل بعد أن يعمل ويكدح، كأن يكون عنده بقالة أو مخبز أو سيارة يتكسب فيتحصل، فنسأله: على كم تحصلت اليوم؟ قال: على مائة، فنقول حينئذ: كم قدر نفقتك ونفقت قرابتك الخاصة، قال: خمسون، نقول: أنفق من المتحصل الزائد على نفقتك ونفقتهم، فلا يشترط في نفقتك على القريب أن تكون فقط من الحاصل، بل إنما تشمل الحاصل والمتحصل.

أن لا ينفق من رأس المال

قال رحمه الله: [لا من رأس مالٍ] أي: إذا كانت عنده تجارة، أو عمل يومي له رأس مال، لا نقول له: اسحب من رأس مالك.
بعض الأحيان يكون رأس ماله هو الذي يثمر دخله ودخل أولاده، فلذلك لا نكلفه ما كان من رأس المال، إنما يكلف بالشيء الفاضل عن رأس المال مما يكون حاصل، مثلما قلنا في حال الغني الحاصل والمتحصل في حال العمل، أو ربح التجارة، فإنه يعد تحصيلاً.

أن لا ينفق من ثمن بيع أملاكه

قال رحمه الله: [وثمن ملكٍ].
أي: لا يطالب بذلك؛ فلو أن شخصاً عنده بيت يملكه، أو مزرعة، والمال الذي يتحصل عليه يومياً هو مائة ريال، والمائة ريال تكفيه وتكفي من تلزمه النفقة، وعنده أقرباء محتاجون، فقلنا له: أنفق على أقربائك، قال: المال الذي يأتيني أنفقه على نفسي وعلى من تلزمني نفقتهم، وليس عندي شيء زائد، فحينئذ يرد

السؤال

هل نطالبه ببيع مزرعته، ونقول: أنفقها على القرابة؟ لا، لا يطالب ببيع ما يملك.

أن لا ينفق من ثمن آلة صنعته

قال رحمه الله: [وآلة صنعةٍ].
مثل أن يكون حداداً أو نجاراً وقال: أنا دخلي المائة، وليس عندي إلا هذه الآلة أفأبيعها وأنفق على قريبي؟ نقول: لا يلزمك هذا.
لكن لو فعل ذلك وآثر واجتهد ما لم يعرض نفسه وأهله للضرر؛ فهذا شيء آخر، لكن من حيث الأصل لا يلزمه أن يبيع آلته التي يتكسب بها ويطلب بها عيشه ورزقه.
وهكذا لو كان عنده سيارة أجرة يتحصل بها على قوته وقوت أولاده، لا نقول: له بع آلة صنعتك وهي السيارة، وهكذا لو كانت عنده حراثة يحرث بها الأرض ويؤجرها للناس، لا نقول: بعها وأنفق على قرابتك.
لكن كان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول: إذا كانت هذه الآلة ويمكن الاستغناء عنها، أو كانت في حال الكمال ويمكن أن يجد آلة دونها، بحيث لو باعها واشترى ما هو أقل قيمة استطاع أن يسد به عجز أقربائه؛ فالأشبه أن يقال له ذلك، ولو كان عنده سيارة أجرة فارهة غالية ويمكنه أن يبيعها ويتحصل على سيارة أجرة عادية، وينفق بها على قرابة، فإنه يؤمر بذلك، من النظر إلى الفضل والكمال.

وجوب النفقة على الورثة

قال رحمه الله: [ومن له وارث غير أبٍ؛ فنفقته عليهم على قدر إرثهم].
شرع رحمه الله في مسألة ثانية، فبعد أن عرفنا شروط الوجوب، وأنه لابد من: أولاً: وجود السببية الموجبة للنفقة، وهي: أن يكون وارثاً.
ثانياً: أن يكون المنفق غنياً وعنده قدرة على الإنفاق، فيجد ما ينفقه فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مئونته.
ثالثاً: أن يكون الشخص الذي ينفق عليه عاجزاً عن التكسب وفقيراً ليس عنده ما يسد به رمقه أو يكفي لعيشه.

النفقة على القريب المحتاج على قدر الميراث منه لو مات إلا في الأب

بعد هذا يرد

السؤال

كيف تنفق على هذا القريب؟ وما الذي تنفقه؟ وما الذي نلزمك به في النفقة؟ وهل أنت ملزمٌ بكل النفقة أو ملزم ببعض النفقة، أو ملزم بقدر إرثك من هذا الشخص؟ هذه مسألة فيها تفصيل عند العلماء رحمهم الله، وهذا إنما يتأتى إذا كان القريب عصبة وليس له عاصب مثله، فحينئذ يتمحض وينظر إلى وجوب النفقة عليه كاملة؛ لأنه لو انفرد في الإرث لحاز المال كاملاً، فيقال له: عليك النفقة كاملة، وأما إذا كان القريب يشاركه غيره في منزلته أو يشاركه غيره ممن يُنقص إرثه فرضاً أو تعصيباً، انقسمت النفقة على قدر إرثهم.
فبين رحمه الله أن النفقة في القريب على قريبه على قدر الإرث، لكن يستثنى من هذا الولد مع والده، فإنه ينفق عليه على قدر كفايته، أعني أن الوالد حينما ينفق على أولاده لا ينظر إلى قدر إرثهم منه، وإنما يسد حاجتهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فجعل سد العوز والحاجة لازماً على الوالد تجاه ولده، فنوجب على الوالد في نفقته على ولده أن ينفق نفقة تامة كاملة بحيث لا يبقى عند الولد حاجة.
لكن لو أن الفقير له قريبان غنيان أخوان، فحينئذ لو مات قسمنا المال بين أخويه، فكل أخٍ يأخذ نصف الإرث، كذلك أيضاً في النفقة نطالب الأخوين النفقة على قدر حصصهما ونقول: كل منكما يدفع نصف النفقة، فبين المصنف رحمه الله أن القريب الوارث ينفق على قريبه المحتاج على قدر إرثه منه.
وهذا عدل؛ كما أنه يغنم هذا القدر كذلك يغرمه؛ لأن الله يقول: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233].

إذا اجتمع الذكر والأنثى من قرابة المعسر

ولو أن هذا القريب المحتاج له أخ وأخت، ففي الإرث يكون للأخ الثلثان وللأخت الثلث؛ لأن الذكر له مثل حظ الأنثيين، والعجيب في مسألة الإرث أن الشريعة لما فضلت بين الذكر والأنثى صار فيها العدل؛ لأن الأنثى أضعف في الكسب من الرجل، وأيضاً في الحمالة، فلما حمل الأنثى حملها دون الذي حمله الذكر، فأعداء الإسلام يخلطون الأمور، وينظرون من زاوية واحدة فقط، ولذلك إذا نقد أحد الإسلام في هذه الجزئية نقول له: نظرك قاصر؛ لأنه نظر إلى حالة الغنم ولم ينظر إلى حالة الغرم، وصدق الله في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]، من هذا الذي يريد أن يستدرك على رب العالمين، وأحكم الحاكمين الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى! فهذا من العجز والقصور.
ولذلك كانت الشريعة الإسلامية شريعة كاملة تامة شاملة، ربطت الأمور ببعضها.
هناك من العلماء من يقول: لو اجتمع الوارث الذكر والأنثى أُسقط الأنثى وألزم الذكر، وهذا أحد الأوجه عند الشافعية وغيرهم، ويقولون: إن علقة الذكر أقوى من علقة الأنثى، ولأن الذكر يتكسب والأنثى لا تتكسب -هذا في الأصل- ولذلك جعل الله النفقة على الزوج ولم يجعلها على الزوجة.
ومن هنا تنظر كيف عظمة هذا الإسلام ودقته، وهنا نلمح حقوق المرأة الحقيقية المبنية على النظر إلى الحالة ودراسة أحوال الناس، وإعطاء كل شيء حقه وقدره، دون غلو أو مبالغة أو تزييف للحقائق، فهذه الحقوق الدقيقة المفصلة في الفقه الإسلامي لن تجدها في غيره؛ لأنها مبنية على شرعٍ كاملٍ تام؛ فبعض العلماء يرى أن على قدر الإرث ينفق الإناث، ويرى أنه إذا اجتمعن مع الذكور سقطن، فلو أن القريب له أخ وأخت يقول: أوجبها على الأخ ولا أوجبها على الأخت؛ لأن خطاب الشرع في التكسب موجه للذكور غالباً وهو الأصل، هذا وجه.
وهناك وجه ثان يقول: يجب عليهما، ثم يختلف هذا الوجه الثاني على وجهين، فأصحاب هذا القول منهم من يقول: ويفرق بينهما على قدر الإرث، فيتحمل الذكر ضعف ما تتحمله الأنثى، ومنهم من يقول: يسوى بين الذكر والأنثى، لأن السببية جاءت من جهة القرابة.
فالحنابلة يرون أن سبب وجوب النفقة على الأخ والأخت هو وجود الإرث، وذلك كقاعدة الغنم بالغرم، والربح لمن يضمن الخسارة، فكما أنهم يأخذون في الإرث بهذا النصيب، ينبغي أن يتحملوا في النفقة بهذا النصيب، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233]، وهذا المذهب أصح وأقوى؛ لأن الله لما أوجب نفقة الرضيع على من يرثه في حال موت أبيه وموت من ينفق عليه قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233]، أي: عليه أن يدفع نفقة الرضيع؛ لأنه لو مات الرضيع ورثه، فجعل وجوب النفقة عليه، وإذا كانت السببية هي الإرث، فينبغي أن تقيد بنص القاعدة التي وضعها الشرع في الإرث، ومن هنا يترجح هذا القول الذي سلكه المصنف رحمه الله، وهو مذهب الحنابلة رحمهم الله، أن النفقة على قدر الإرث.
قال رحمه الله: [فعلى الأم الثلث، والثلثان على الجد].
أي: لو كان له أم وجد؛ فإن الأم تأخذ الثلث فرضها، والجد يأخذ الثلثين فرضاً وتعصيباً، ففي هذه الحالة يقولون: إذا افتقر وله جد وأم فإننا نوجب على الأم ثلث النفقة فقط والباقي على الجد، فإذا افتقر وهو يحتاج إلى ثلاثين ريالاً فنقول للأم: ادفعي عشرة، ونقول للجد: ادفع عشرين، عليه الثلثان وعلى أمه الثلث، لأن أصل الإرث على هذا الوجه.
قال رحمه الله: [وعلى الجدة السدس، والباقي على الأخ].
وهكذا لو كان له جدة وأخ؛ يكون السدس للجدة فرضها في شرع الله عز وجل، ويأخذ الأخ الباقي وهي الخمسة الأسداس.
فلو كانت النفقة ثلاثين ريالاً نقول: ادفعي خمسة ريالات التي هي سدس الثلاثين، والباقي وهي الخمسة الأسداس على الأخ، فنقول للأخ: ادفع خمسة وعشرين، لأنه لو مات وترك الجدة مع الأخ وترك ثلاثين ريالاً كان سدسها للجدة، وخمسة أسداسها للأخ، فما ظلم أحد، مثلما يأخذ الغنم يدفع الغرم.
وهذا أتم وأكمل وأجمل وأبهى ما يكون من العدل، لا يستطيع أحد أن يستدرك على الشرع.
ولذلك كان من أعدل المذاهب أن ينظر إلى قدر حصته من الإرث، لأن استحقاقه جاء عن جهة الإرث، ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، دل على أن الشريعة ترتب الربح على الخسارة، فالخسارة وهي وجوب النفقة؛ لأنه دفع من ماله، والإرث لا يأتيك بدون مقابل في الأصل، وقد يكون الشخص من أفقر خلق الله، ثم يموت له قريب فما يدري إلا والملايين قد دخلت عليه رضي أو لم يرض، مال ساقه الله إليه، لكن يتحمل أيضاً عن وارثه مثلما يأخذ منه.
قال رحمه الله: [والأب ينفرد بنفقة ولده].
ذكرنا أن الأب ينفرد بنفقة ولده ولا يقسم بين الإخوة، وإنما ينفرد الأب بنفقة ولده؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ابدأ بنفسك وبمن تعول) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فدل على أنه يجب على الأب أن ينفق على ولده قدر كفايته.

الأسئلة

حكم نفقة الزوج على زوجته المريضة

السؤال

هل يجب أن ينفق الأخ على أخته المتزوجة المريضة، حيث إن نفقة المرض لا يلزم بها الزوج، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالعلاج من حيث الأصل فيه خلاف بين العلماء، هل الزوج يعالج زوجته أو لا؟ والصحيح من حيث الأدلة: أنه لا يجب على الزوج أن يعالج زوجته، لكن إذا كان هناك سبب يوجب العلاج؛ بحيث جاء المرض من جهة حملها لجنينه وجاء بالتبعية فإنه يجب عليه أن ينفق عليها.
لا يجب على الزوج وليس بفرض عليه، ولكن من ناحية الأفضل والأكمل، وهو من المعروف والخير الذي لا يشك أحد في حسن الخلف والجزاء فيه من الله عز وجل، أن يضحي الزوج وينفق على زوجته، هذا من حيث الأصل.
وينبغي على الإنسان أن يفرق بين الشرع والعواطف، فبعض الناس حينما يقال له: إن الزوج لا يجب عليه علاج زوجته، يستغرب وينكر، ولا يجوز لأحد إذا سمع حكماً شرعياً أن يبادر بالاستغراب والتعجب؛ لأن الله إذا حكم لا يعقب على حكمه، فالزوجية رباط له حرمته وضوابطه، والشريعة لا تكلف أحداً إلا بأصول وقواعد صحيحة؛ الذي بين الزوجين أن الزوج يملك الاستمتاع من زوجته ويقوم على نفقتها، وما تحتاج من الأمور اللازمة.
بعد ذلك ما يتعلق بجسدها من إصلاح حاله إذا مرضت وسقمت، فهذا أمر خارج عن أساس الزوجية في الأصل، ولذلك لم توجبه الشريعة.
لكن لو كان المرض متعلقاً بسبب من الزوج، وأن الزوج أمرها بشيء وترتب عليه هذا الضرر، أو فعل بها ما ترتب عليها بسببه هذا الضرر، فهذا شيء آخر.
حتى الرجل الأجنبي لو أن شخصاً عمل عنده، وألزمه بشيء وترتب عليه ضرر، فهذا شيء آخر، لكن نحن نتكلم على الأصل، فالأصل يقتضي أن الزوج ليس ملزماً بعلاج زوجته.
وبعض الباحثين من المتأخرين يقول: إن هذا حكم غريب في الفقه الإسلامي.
وهذا ليس بصحيح، وإنما يجب على الشخص إذا ألزم الزوج بعلاج زوجته أن يحضر دليلاً من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا ينسب إلى الشريعة الشيء بالهوى وبالعادة وبالتقاليد، ولكن بنص الكتاب والسنة، والذي في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم القيام على نفقة الزوجة بإطعامها وسكناها وتعهدها في كسوتها ونحو ذلك بالمعروف، وأما مسألة العلاج فهذا ليس بلازم كما ذكرنا، وقد تقدمت معنا هذه المسألة، وأشرنا إلى هذه الأدلة وبيناها.
إذا ثبت هذا نقول ونكرر: إن الزوج الأفضل له والأكمل أن يضحي من أجل زوجته، وأن يحتسب عند الله سبحانه وتعالى ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيعه.
وأما بالنسبة لنفقة الوارث والقريب فهي وجود الحاجة من الطعام والكسوة، مثلما ذكرنا في الزوج، لكن لو أن أُخته احتاجت للعلاج، فمما لا يمكن للإنسان القريب أن تسمح له نفسه في حق الأخوة أن يترك أخته مريضة ولا يقوم بعلاجها ولا بمداواتها، لا يمكن أبداً إذا كانت نفسه أبية صالحة ولا يهنأ له عيش.
والحمد لله فالفطر السليمة والنفوس تختار مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأفضل ما يكون التقرب وأبلغ ما يكون من الرضا من الله عن عبده إذا بدأ بأقرب الناس إليه.
وقد يستغرب الإنسان إذا تأمل هذا؛ أنك تجد الشيطان لا يقعد لك في الرصد مثلما يكون فيما بينك وبين قرابتك، فتجد الإنسان أنشط وأقوى ما يكون مع الغرباء، وتجده يضحي من أجلهم حتى إنه يذهب لأحدهم يقضي له حاجته ويحس بنشوة إيمانية وراحة نفسية لا يعلمها إلا الله، لكن ما إن تأتي الحاجة لعم أو عمة أو خال أو خالة أو ابن عم أو ابن خالة أو قريب، إلا وجد دون ذلك من الحواجز والضيق والتعب والعناء والكراهية من نفسه ما الله به عليم؛ لأنها غاية وأمنية عظيمة، قد حفت الجنة بالمكاره؛ فلما عظم ثوابها وجل عند الله جزاؤها، وحسنت عاقبتها، صده الشيطان.
حتى إن العبد لو غبر قدماً واحدة من أجل أن يصل رحمه للسلام؛ فإن الله يبارك له في العمر والرزق، فما بالك إذا مد المال لكي يقضي دين القريب أو يعالجه من مرضه؟ لا شك أنه أكمل وأعظم، ولذلك قعد عدو الله بالرصد، فالشيطان يجعل الإنسان في هذا أضيق ما يكون إذا ذهب يعالج أخته.
تقول له: أنا محتاجة إلى علاج، فتجده يختلق من الأعذار وتضيق به الدنيا، ويحس أنه في أكرب يوم، ويتثاقل يتثاقل حتى يقف على باب بيته، ثم تجده يتضايق ويصيح عليها ويحملها في سيارته وهي مليئة بالكلام الذي تكره معه معروفه، ثم يحملها إلى مكانها حتى يقضي لها علاجها، أو يقضي لها حاجتها، ثم يرجع وهو مكره، مشمئز النفس، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من الحرمان.
لكن لو أنه شعر أنه في أوج الرحمة، وأبلغ ما يكون في الرضا؛ لأن أولى الناس بخيرك أقرب الناس إليك، وإذا لم ترحم الأخت فإلى من تتجه بعد الله عز وجل، الأخت والأخ هم أحوج الناس إليك، خاصة بعد موت الوالدين، خاصة إذا كانوا أيتاماً، وخاصة إذا كانوا قاصرين، وخاصة إذا بليت الأخت بزوج لا يرحمها أو لا يحسن إليها.
فتكون في ظلها وكنفها دليلاً لها، تشتهي مرضاة الله بإدخال السرور عليها، تشتري مرضاة الله عز وجل بقضاء حوائجها، تشتري مرضاة الله عز وجل بعلاجها ومداواتها، وتحتسب عند الله كل حركاتك وسكناتك وستجد أثر ذلك؛ ربما تجد العوائق أولاً قبله، لكن والله ما إن تمضي قليلاً منه إلا وجدت من الانشراح والبركة والخير ما الله به عليم، فإن ضاقت عليك الدنيا وسع الله ضيقها، وإن عظم عليك الكرب وجدت من الله تنفيساً، وإن زاد عليك الهم وجدت من الله تثبيتاً، ومن أراد أن يجرب هذا فليجربه.
من أبلغ ما تشترى به مرضاة الله عز وجل بعد بر الوالدين؛ الإحسان إلى الإخوان والأخوات، وكل يوم إذا استطاع الإنسان بل في كل ساعة، فضلاً عن كل يوم، أو أسبوع، أو شهر، أو سنة، أن يسأل نفسه ما الذي قدمه لإخوانه وأخواته؟ متى زار الأخ والأخت؟ ومن أفضل وأكمل ما يكون الأخ الكامل الفاضل الذي يريد أن يشتري مرضاة الله عز وجل، والقريب الفاضل الكامل الذي يشتري مرضاة الله؛ ألا ينتظر من الأخ والأخت أن يعرض حاجته، ربما في المرة الأولى تجدهم يسألونك حوائجهم، ثم يرفعك الله إلى درجة أبلغ وأكمل، وهي أن تصبح أنت الذي تتفقد حوائجهم، وتجد الأخت في بعض الأحيان تريق دمعتها خجلاً أمام أخيها من كثرة ما تجد من إحسانه وبره وملاطفته لها، حتى إنها توري أمورها وتغيبها، لأنه سما إلى مرتبة عالية.
هناك من الإخوان من لا يبدو لإخوانه إلا إذا سألوه، فهو يعطيهم لكنه بمنزلة أقل، لكن الأكمل والأفضل هو الأخ الذي يذهب بنفسه يتفقد حوائجهم، والأفضل والأكمل الأخ الذي قضى حوائجهم حتى وصل إلى درجة الكمالات.
وتصور الساعة التي تدخل فيها على الأخت خاصة؛ لأن النساء فيهن ضعف وحاجة وحنان ورحمة.
والكلمة اليسيرة البسيطة عند المرأة تقع بمكان أبلغ من ملايين الأموال من شدة الحنان الذي تجده الأخت، فإذا دخل الإنسان، ومسح رأس ابنها وأدخل السرور عليها بكلمة طيبة، ووقف في ظلها وأخذها لحاجتها أو واساها في كربها، كم سيجد من الرحمات، وليجرب نفسه حينما يخلفها وراء ظهره، وقد رفعت كفها إلى ربها، وتوجهت بقلبها وقالبها إلى خالقها أن يجزيك بالحسنى في الدنيا والآخرة؛ لأنها تدعو من قلبها، وليس هناك أبلغ من دعاء القريب لقريبه، ولا أبلغ من وفاء وحب القريب لقريبه؛ الحب الذي لا تشوبه شائبة، ولا يدور حول المصالح، ولا تكدره الأكدار.
الأخ يؤذي أخاه فيزداد بذلك محبة له، والأخ يهين أخاه فيذهب ليكرمه، لأن هذا شيء في القلب.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع ما وجد من قريش فإنه قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون).
فالحاصل أن النفوس لا ترضى إذا وجدت من القرابة الحاجة إلا بمساعدتها، فليصبر الإنسان خاصة طالب العلم الذي يريد أن يفتح الله عليه في علمه، والقدوة كالإمام والداعية والمعلم والشيخ، ينبغي دائماً أن يربأ بنفسه أن يكون في مرتبة قاصرة عن الكمالات، وليعلم أن الرحم تعلقت بالله سبحانه وتعالى، وقالت: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك)، فرضيت من الله أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها.
فنسأل الله بأسمائه وصفاته أن يرزقنا صلة الرحم، وأن يجعلنا ممن وصله بصلتها، وأن يتقبل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم، والله تعالى أعلم.

أنواع الإجارة في الحج

السؤال

من حج عن الغير بأموالهم، ماذا يفعل بالمال الزائد، أثابكم الله؟

الجواب

الحج إذا كان بمال، فهذا يسمى عند العلماء الإجارة على الحج، والإجارة على الحج تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: إجازة البلاغ: أن يقول لك: سأحج عن قريبك، أو أحج عنك وآخذ نفقة الحج، وحينئذ يستحق نفقة الركوب والطعام والشراب والسكن والهدي إن كان هناك هدي واجب بتمتع أو قران، فيستحق أربعة وجوه للنفقة، فإذا قال لك: أنا أحج على قدر نفقتي، فالإجارة صحيحة، ويسميها العلماء إجارة البلاغ.
القسم الثاني: إجارة المقاطعة؛ يقول لصاحب الحج: أنا أحج عنك أو عن قريبك بعشرة آلاف ريال، إن زاد شيء أخذته وإن نقص شيء كملته، يعني آخذ منك عشرة آلاف وأتحمل الخسارة أو آخذ الغنيمة، فهذا فيه قولان عند العلماء رحمهم الله، والصحيح: أنه لا تجوز إجارة المقاطعة؛ لأن الحج ليس محلاً للمعاوضات، لأنه عبادة وليس محلاً للمزايدة والبيع والشراء، فبناءً عليه نقول: خذ ما يكفيك بالمعروف ذهاباً وإياباً، وتقدر نفقته من خروجه إلى مكان عودته إلى أهله.
وأما بالنسبة للمسألة المذكورة، فإذا كان إجارة مقاطعة على القول بجوازها فإنه يأخذ الزائد.
وهذا قول ضعيف، وعلى القول بعدم جوازها -وهو الصحيح- فيجب عليه أن يذهب إلى صاحب الحج، ويقول له: زادت ثلاثة آلاف ريال أو زاد ألف ريال، فإن قال: سامحتك أو هي لك، فلا بأس بأخذها؛ لأنها ليست على سبيل إجارة المقاطعة، وإنما صارت هبة زائدة عن أصل التعاقد بين الطرفين، والله تعالى أعلم.

حكم استئجار بئر الماء

السؤال

ما حكم استئجار البئر، أثابكم الله؟

الجواب

أولاً: مسألة بيع فضل الماء معروفة، وفيها نهي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن منع فضل الماء ليمنع به الكلأ).
فإذا كان هناك آلة ترفع الماء أو استأجر من ينزح الماء؛ يجوز له بيع الماء.
فإذا جاز له بيع الماء، صار الماء هو عين المبيع، فلابد من معرفة قدره، وهنا ما يبيعه مجهول القدر.
بل لابد وأن يقول: أبيعك مثلاً الوايت الموجود سعة كذا كذا لتراً، أو أبيعك مثلاً هذا الخزان وأملأ لك ماءً من هذه البئر تذوقها وتعرف طعمها بمائة ريال، فهذا جائز.
فالوايت الآن يأتي بالماء من بعيد ويتكلف ويقول لك: الوايت بسبعمائة.
فلا بأس بذلك، لأنه أخذ أجرة تعبه وتحصيله، لكن لو قال: أبيعك الماء في البئر على أن تسحب منه يوماً لم يصح؛ لأن بعضهم يعتبره من إجارة الزمان؛ لكن الواقع أنه بيع عين، ونحن لا ندري كم الناتج في اليوم، فلابد من تحديده، يقول مثلاً: خمسة وايتات من سعة كذا وكذا، لأن البيع يشترط فيه معرفة قدر المبيع، وهذا مما يحتاج إلى معرفة قدره دفعاً للغرر؛ لأن جهالة القدر توجب فساد البيع.
ولذلك ثبت في صحيح مسلم وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة)، وبيع الحصاة عند العلماء أصل من الأصول في تحريم البيع للأشياء المجهولة القدر، وقد كان ذلك في القديم، ومن صوره أن يقول: أبيعك من أرضي هذه ما انتهت إليه حصاته بمائة، فلا ندري هل هو بعيد أو قريب؟ فهنا جهالة قدر، فلما جهل القدر حرم البيع.
ومن هنا فكل شيءٍ له قدر ويمكن ضبطه بالقدر، ووقع البيع عليه دون تحديد لذلك القدر، فلا يجوز لأنه من بيع الغرر، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر وغيره رضي الله عنهما: (أنه نهى عن بيع الغرر).
وبناء على ذلك نقول: حدد المبيع من الماء من البئر، فيقول له: القدر عندي مائة لتر بألف ريال، كل لتر بعشرة ريالات، وهكذا يحدد قدر المبيع، هناك من يقول: هذه إجارة تدخل في إجارة الزمان، لكن هذا بعيد.
والأشبه من قال: إنه لابد من تحديد القدر، والله تعالى أعلم.

حكم التصرف في أوقاف المسجد إن كانت معطلة

السؤال

ما حكم الاستفادة من حاجيات المسجد، كالمكيفات والسجاد في مصالح خيرية أخرى، كوضعها في مدارس التحفيظ أو سكن الإمام أو بعض أمور الدعوة، علماً بأن هذه الحاجيات لا تستعمل في المسجد؛ نظراً لاستبدالها بأخرى، وهي ملقاة في مستودع المسجد، أثابكم الله؟

الجواب

هذا السؤال يحتاج إلى أمور ينبغي التنبيه عليها: أولاً: المساجد إذا كانت مرتبطة بجهات تتحمل المسئولية عنها، فهي المسئولة عنها أمام الله عز وجل، وهي التي تنظر في مصالحها، وتقوم بصرف حوائجها على حسب ما يقتضيه الأمر كما هو معلوم، ولذلك لا يتدخل الأفراد إلا عن طريق هذه الجهات المسئولة عن هذه الأشياء إذا كانت في المسجد خاصة، فينبغي أن يعلم أن كل شيء في المسجد أوقف عليه ينبغي أن يبقى في المسجد، ولا يجوز إدخال الأشياء الجديدة، وإخراج القديمة طلباً للأكمل والأجمل والأفضل؛ لأن أي شيء يوقف فمعناه: أنني أخرجته من ملكي صدقة لله عز وجل، ولذلك لا يملك أحد ذلك الشيء.
ومن هنا لا يجوز بيع الوقف ولا هبته، ولا شراؤه؛ لأنها خلت اليد عن الملكية، حتى ولو قال: هذا المسجد ملك لي، نقول: ليس ملكاً لك؛ لأنك أوقفته لله، وبناءً على ذلك فصاحب المسجد لا يملك المسجد؛ لأنه خرج بالوقفية لله عز وجل والتسبيل، ومن هنا قال ابن عمر رضي الله عنهما في حديث عمر الذي هو أصل الأوقاف كما في الصحيحين: (فتصدق بها عمر رضي الله عنه إلى أن قال: على أن لا يباع أصلها) أي: لا يباع أصل الرقبة المسبلة من حد السهم.
فهذا أصل عند العلماء، فإذا كان في المسجد مكيف أو مصاحف أو كراسي المصاحف، أو فراش أو ساعات أو إضاءة وأنوار، فإنها تترك كما هي حتى تتلف وتتعطل تماماً، لأنها موقوفة ومحبسة على هذا المسجد، ومن أوقفها وحبسها يريد ثوابها عند الله عز وجل، فلا يجوز لأحد أن يأتي ويقطع أجره وخيره، ويقول: أنا أريد أن أحدث فراشاً جديداً، فالمساجد ليس محلاً للمباهاة، هذه المساجد المقصود فيها صلاح القلوب والقوالب والتوجه إلى الله عز وجل، ولو كانت مفروشة بالحصى.
فإن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مفروشاً، ولم يكن مزيناً ولا منمقاً، صلوات الله وسلامه عليه، هذه أماكن عبادة، وأدخل الله عز وجل إليها الأغنياء والأثرياء وهم في أوج غناهم وثراهم لكي يذلوا بين يدي ربهم عز وجل بالسجود على الأرض ولو كانت تراباً، ويذلوا بين يدي الله عز وجل حينما ينكسر كبرياؤهم فيصلي عن يمينهم الفقراء وعن يسارهم الضعفاء، ليست أماكن مباهاة.
وهذا مقصود الشرع فيها.
ولذلك كان من علامات الساعة المباهاة بالمساجد فيما ورد في أكثر من أثر، ومن هنا مسألة الغلو؛ فكلما وجدنا شيئاً قديماً في المسجد سحبناه وأتينا بشيء جديد، ليس المسجد محلاً للتنافس في هذه الأمور التي يقصد بها الكمالات، لكن لو تعطلت مصلحة هذا الشيء فأصبح المكيف لا يشتغل، فإن أمكن تصليحه يصلح، ونقول للشخص: إذا أردت أن تتصدق فأصلحه حتى يكون صدقةً عليك وعلى صاحبه الذي أدخله، وحينئذ تنصح لعموم المسلمين وتنصح لإخوانك المسلمين الذين تقدموا، تريد أن تشتري شيئاً جديداً اذهب وابحث عن مسجدٍ لا يوجد فيه مكيف واشتر له.
أما أن تأتي إلى هذا المسجد المسبلة فيه هذه الأوقاف وتتصرف فيها بهذا فلا.
ثانياً: الصرف إلى الجهات الخيرية الأخرى، هذا أمر استثناه بعض العلماء في مسائل ضيقه تحتاج إلى حكم القاضي، إذا تعطلت مصلحة الوقف في جهة من أوجه الخير، ولها جهة تشبهها صرفت إليه، وهذه المسألة اختارها بعض العلماء، وبعض العلماء يقول: لا يصرف إليه، بل يبقى حتى ولو تعطلت مصالحه لأننا لا نملكه، ولا يملك أحد التصرف فيه، واختاره جمع من المحققين كـ شيخ الإسلام في أكثر من مسألة، أنه إذا تعطلت مصلحة الوقف أو كان الوقف على محرم صرف إلى الأشبه، مثلاً لو أوقف على بدعة أو ضلالة صرف إلى طلاب العلم؛ لأنه لما أوقف على البدعة كان يظنها قربة، فننظر إلى الشيء المثيل لها في الذكر ونصرفه إلى طلاب العلم، حتى تصرف في وجهها المعتبر، هذا يختاره بعض العلماء؛ لأن الإعمال أولى من الإهمال؛ فبدلاً من تعطيل الوقف وإهماله يعمل أفضل من أن يكون باطلاً من أصله ولا يعمل.
على كل حال من حيث الأصل أوصي الإخوان ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأوصي الأئمة وجيران المسجد أن يتقوا الله في مصالح المسجد الموقوفة عليه، وأن يجتنبوا الأمور المبالغ فيها، فالبعض يظن أنه يتقرب بهذا إلى الله عز وجل حينما يقول: نكيف بيت الله عز وجل، وإذا ما أصلحنا بيت الله فما نصلح وكذا.
لا يعمر المسجد شيء مثل ذكر الله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:36]، أول ما ذكره الله عز وجل الذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والتواد والتعاطف والتراحم، لا تعمر المسجد بشيء أعظم من الإيمان بالله عز وجل.
وإذا أردت أن تكون من عمار المسجد حقيقةً فانظر إلى أمرين اثنين هما أساس بناء المساجد، أولاً: أنك إذا دخلت المسجد تدخل بتوحيد الله حتى تخرج منه وفي نفسك من الإيمان حينما خرجت أعظم وأسمى منها يوم دخلت، فإذا فعلت ذلك فوالله قد عمرت بيت الله عز وجل وجزيت خيراً على ما صنعت، ولن يضع الله أجر من أحسن، فمن أخلص بالتوحيد، هذا أول شيء تعمر به المسجد.
ثانياً: تعمر المسجد بحقوق إخوانك المسلمين، إذا أصبحت مساجدنا مزينة منمقة جميلة، وأصبح الرجل يدخل المسجد ويخرج من المسجد ولم يصافح أخاً له مسلماً، وإذا أصبحت مساجدنا جميلة منمقة ويجلس الإنسان في المسجد ساعات، وهو لم يتعرف على أخٍ مسلم، ولم يدخل سروراً على أخٍ له مسلم، فأين عمارة المساجد؟ إن الله عز وجل يجمعنا في اليوم خمس مرات على مستوى الحي، ويجمعنا في الجمعة من خارج المدينة مع من يأتي من أهل البادية لكي يتعرفوا على الحاضرة، ثم يجمع الأمة الإسلامية من مشارق الأرض ومغاربها في العام مرة واحدة في الحج، فإذا كانت المساجد تسري على هذه الأهداف السامية والغايات النبيلة؛ عمرت وازدانت وجملت، وازدانت بعظيم الحسنات.
كيف تعمر المسجد لما يكون الفقير إذا دخل إلى المسجد وجد من يواسيه ويكفكف دمعته، ويقضي حاجته، ويبدد بإذن الله همه وغمه وكربه أحب المسجد وأحب بيت الله، وعرف بركة الطاعة والخير، وإذا أصبح كبير السن يدخل للمسجد فيجد صغار المسلمين يقبلون رأسه ويجلونه ويحبونه ويكرمونه ويدخلون السرور عليه حتى نسي همه وغمه، وعاش بكرب من فراق إخوانه وأقرانه، فوجد من إخوانه المصلين الراكعين الساجدين من يتبسم في وجهه، فيمسح عنه دمعته، ويجلي عنه همه وغمه بإذن الله عز وجل حتى أصبح يعود إلى المسجد، حتى إن الرجل تجده من أشد الناس مرضاً وسقماً، لكن إذا قيل له: تذهب إلى المسجد، يفرح وينتشي؛ مما يرى فيه من وجوه الخير وأخلاق الإسلام السامية والكاملة، لكن إذا أصبح يدخل المسجد ويخرج ولا يرى أخاً ولا صديقاً، وإخوانه ذهبوا، وأصبح الناس ينظرون إليه وكأنه كَلٌّ على غيره، يحمل ويوضع، ولا يجد عطفاً ولا رحمة ولا شفقة، فعندها يمل من المسجد -أستغفر الله العظيم- أو يأخذ برخصة الله عز وجل ويقبع في بيته، ويقول: حتى لا تشمت بي الأعداء، وكأنه ينظر إلى الناس كأنهم أعداء.
فهذه هي الأمور التي تعمر بها المساجد، لا تعمر بالقيل والقال، ولا بأمور الدنيا ولا بزينتها، فوالله ما كانت مساجد رسولنا صلى الله عليه وسلم مضاءة إلا بأنوار التنزيل، وهذا لا يعني أننا نترك متاع الدنيا وزينتها، بل نقول: لا مانع أن يوجد الخير وأن تزين المساجد، لكن شريطة ألا تكون فيها الزينة التي تلهي عن ذكر الله.
لكن لو بنى مسجداً وأحسن بناءه فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة).
كما في الحديث الصحيح، والقطاة: طائر معروف، وهو طائر صغير لا يذكر.
فانظر كيف أحب الله عمارة بيوته، فمن عمر هذه المساجد بنى الله له قصراً في الجنة، فنحن لا نقلل من بناء المساجد، ولكن نقول: بشرط ألا يكون على حساب حقوق الناس أو على حساب الأصول الشرعية المراعاة في الأوقاف، خاصةً إذا كان إمام المسجد يسحب المكيف من المسجد لأجل أن يجعله له، هذا لا يمكن، لأن النفع للجماعة ليس كالنفع للفرد، وهذه الأمور كلها ينبغي أن يجتنبها الإنسان تحصيلاً للأصول العامة المعتبرة في الأوقاف، والله تعالى أعلم.

الوقت الذي تستباح به رخص السفر للمسافر

السؤال

من كان مقيماً وأراد السفر وقت الظهر، فهل يجوز له أن يصلي العصر قصراً؟

الجواب

رخص السفر لا تستباح إلا بعد خروجك من آخر عمران المدينة، فإذا أذن الظهر وأنت في بيتك وعندك نية للسفر، فلا عبرة بالنية؛ لأن الله يقول: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:184]، فلابد وأن تكون على سفر، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر) أي: في حال الحضر، فأنت في حال الحضر ولست في حال السفر.
ومن هنا يجب أن يكون العمل بهذه الرخص بعد ثبوت حججها، والموجب أن تكون على السفر، ولا توصف بأنك على سفر إلا إذا اجتمع فيك الظاهر والباطن.
وبعض الفقهاء ينظر إلى الباطن ويغفل الظاهر، فيقول: أنت عندك نية، وهذا يكفي، وبعض العلماء يقول: لابد من النية مع الظاهر، لتعلق العبادة بهما، وهذا هو الصحيح، ولذلك لا تترخص بالجمع ولا بالقصر إلا بعد الخروج من العُمران، لكن لو أذن المؤذن وأنت لم تخرج من آخر بيتٍ من المدينة؛ فإنه يجب عليك أن تصلي الظهر أربعاً والعصر أربعاً والعشاء أربعاً، لكن لو خرجت وبعد مجاوزتك لآخر بيت في المدينة أذن المؤذن صليت الظهر ركعتين والعصر والعشاء ركعتين ركعتين لأنك على سفر.
فالسبب أنه لو أذن الظهر وعندك نية للسفر ولم تخرج من المدينة، فقد توجه عليك الخطاب بأربع ركعات ولم يتوجه بركعتين، لأنك في الحضر ولست في السفر، ولذلك قالت: (فأقرت في السفر وزيدت في الحضر) ولما قالت: أقرت في السفر، ليس من الصواب أن ننظر إلى الباطن ونلغي الظاهر، وحديث: (إنما الأعمال بالنيات) مقيد بالظاهر؛ لأنه قال: (على سفر) لذلك لا ينظر إلى حال الإنسان إلا إذا اجتمع فيه الظاهر والباطن.
وهذا مذهب الجمهور عملاً بالسنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لحجة الوداع وغيرها من أسفاره صلى الظهر بالمدينة أربعاً والعصر في ذي الحليفة ركعتين، مع أنه كانت عنده نية للسفر في نفس اليوم، وما ورد عن بعض الصحابة من أنهم كانوا يفطرون وهم في داخل المدينة فقد كانوا يجتهدون مثل عدي بن حاتم لما وضع العقالة، فكان هذا فهمه، لكن ظاهر السنة والفقه بالتحري كما هو مذهب الجمهور والأئمة أنه لابد من وجود الظاهر والباطن في رخص السفر، ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:184]. ولما قال: (على سفر) كان له معنى في اللغة، وهذا أبلغ من قول من يقول من العلماء: ومن كان منكم مريضاً أو مسافراً، وإنما قال: (على سفر)، وهذا يدل على أن حالته حالة سفر، ومن هنا ظاهر القرآن أسعد بالقول بوجود الظاهر والباطن من أجل الحكم برخص السفر، فيخرج من آخر العمران في المدينة وحينئذ يحكم بكونه مصلياً صلاة المسافرِ أو صلاة المقيم على حسب الخروج وعدمه.
والله تعالى أعلم.

الجمع بين لغو اليمين وإنشائه

السؤال

كيف يجمع بين قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:225]، وقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:224]، أثابكم الله؟

الجواب

لغو اليمين مختلف في تفسيره، قال بعض العلماء: أن يحلف على الشيء يظنه صواباً فيتبين أنه غيره، فهو لغوٌ أي: لا كفارة فيه.
وهذا مأثور عن ابن عباس رضي الله عنه، كأن ترى رجلاً من بعيد، فتقول: هذا محمد، فقال لك قائل: لا، هو علي.
تقول: والله إنه محمد، فأنت حلفت على شيء تظنه بغلبة الظن، والحالف على غلبة الظن إن تبين خطؤه كان قوله لغواً لا كفارة فيه.
فقوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:225] أي: مؤاخذة التكفير، هذا على التفسير بأنه يحلف على شيء يظنه.
فآية المائدة في قوله: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:225] من جهة إيجاب الكفارة بضمان حق الله عز وجل.
أما قوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:224]، فمن جهة الحلف نفسه، وإنشاء اليمين، يعني: أن الإنسان لا يحلف كثيراً بالله عز وجل، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل، ولذلك كان بعض السلف يتقي الحلف بالله عز وجل باراً أو غير بار.
وابن عمر رضي الله عنهما لما اختصم مع الرجل في عبدٍ من عبيده باعه، فادعى الرجل أن فيه عيباً واختصما إلى عثمان رضي الله عنه، فقال للرجل: هل عندك بينة؟ قال: ما عندي بينة، فقال لـ ابن عمر أن يحلف، قال له ابن عمر: لا أحلف، ولكن أرد العبد وأعطيه المال.
كل هذا من باب تعظيم الله عز وجل، لا يريد أن يحلف بالله عز وجل، فلما رد العبد باعه بأضعاف قيمته بعد ذلك، فعوضه الله خيراً مما ترك، وهذا من تعظيم الله؛ لأنه لا يعامل أحدٌ ربه إلا كان له الخير في دينه ودنياه وآخرته.
فقوله: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:224] هذا المراد به الإكثار من حلف اليمين، والنهي عن الإكثار منها، هذا في الإنشاء والثاني في الأثر، وحينئذ فلا تعارض.
يعني تقول: نجمع بين الآيتين إذا وجد تعارض، لكن إذا كانت إحدى الآيتين في شيء والآية الأخرى في شيء آخر فلا تعارض بينهما أصلاً، ولا يجمع بين شيئين مفترقين، وبناء على ذلك لا تعارض بينهما من هذين الوجهين.
والله تعالى أعلم.

حكم إهداء العامل من أملاك سيده

السؤال

عاملٌ يعمل في دكان سيده، فهل يجوز له أن يهدي من هذا المحل، وهل يجوز لي أن آخذ من هذه الهدية، أثابكم الله؟

الجواب

العامل ليس ملكاً لصاحب الدكان، وإنما بينهما عقد إجارة، فينبغي دائماً أن يعلم الإنسان أن المسلم ليس بالرخيص، ولا بالهين، لا للونه ولا لحسبه ولا لنسبه، ويعلم أن الإسلام شيء كبير، وأن للناس حقوقاً في أعراضهم وكرامتهم، ولا تحسبن أعراض الناس سهله؛ أو أن الناس إذا كانوا غرباء أو ضعفاء فليس لهم حقوق، بل اعلم أن الإسلام قد سوى بينك وبينه، عاملاً أو غير عامل، ولو كان فقيراً فقراً مدقعاً.
ولذلك جبلة بن الأيهم لما كان يطوف، فوطأ الأعرابي طرف إزاره فسقط الإزار، فلطم جبلة الأعرابي في داخل المطاف، فاختصما إلى عمر رضي الله عنه، فقال لـ جبلة: كتاب الله القصاص، يلطمك مثلما لطمته، فقال: يلطمني هذا الأعرابي؟ قال: نعم، يلطمك كما لطمته، فإن الإسلام قد سوى بينك وبينه، وكان من ملوك العجم، من أصحاب العزة والمكانة في الروم، فقال له: أنظرني ليلتي.
وهذه من قصص العبر التي ذكرت في التاريخ الإسلامي.
وأنبه على أنه كان من منهج العلماء أنهم لا يطبقون عليها موازين الجرح والتعديل، والآن كل يوم يأتي من يقول: هذه قصة لا تثبت.
هذه القصص التي تقال للاعتبار، كما قال الإمام أحمد: كنا إذا ذكرنا التاريخ تساهلنا، وتجد اليوم من يقولون: لا تثبت، فيطعنون فيها، حتى أنك تجد مبتدئين من الطلاب حينما يمسك (البداية والنهاية) لـ ابن كثير يهينها وينقص من مكانتها، لأنه سمع أن فيها قصصاً لا تثبت، ولما يحضر للشيخ محاضرة ويسمع عنده قصة لا تثبت، يسقط الشيخ من نظره، فهم يفسدون أكثر مما يصلحون، موازين الجرح والتعديل معروفة أين تطبق، لذلك ما وجدنا الحافظ ابن كثير والأئمة والعلماء يشتغلون بنقد مثل هذه القصص، ويخرجون قصصاً لا تثبت في أشياء يقصد منها الاتعاظ والعبرة.
الشاهد أنه لطمه لطمة، فقال له: أيلطمني هذا الأعرابي، قال: إن الإسلام قد سوى بينك وبينه.
ولو كنت في أعز الناس فأنت معه في الإسلام في قدم واحدة ومكانة واحدة.
قال: دعني أنظر ليلتي.
ثم إنه ارتد، كما جاء في الخبر أنه انسحب بمن معه وارتد، وكل هذا من أجل عزة الإسلام.
ولما وقعت قصة القبطي مع ابن لـ عمرو بن العاص، لما قال: خذها وأنا ابن الأكرمين، أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمرو بن العاص أن يوافيه الموسم ومعه ابنه، فلما جاءه وقدم عليه، قال: هذا الذي ضربك؟ قال: نعم، قال: دونك فاضربه، فقام وضرب ابن عمرو كما ضربه، فقال عمرو بن العاص: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: وجهها على صلعة عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين! أما أنا فقد ضربت من ضربني، فقال عمر رضي الله عنه مقالته المشهورة: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً! فالإسلام سوى بين الناس، فلا يظن أحد أنه إن كان عنده عامل أو أجير أنه قد ذهب حقه وقدره؛ لأنه يعمل، ووالله إنه في قمة الشرف ما دام أنه تغرب للقمة العيش التي يريد بها أن يعف بطنه وأهله وولده وزوجه، وأيضاً يريح نفسه من ذل السؤال، فهذا كريم شريف عزيزٌ جداً، ولذلك لا يحق لك أن تصف صاحب العمل بأنه سيد له، لا والله فالسيد هو الله، وهو رب كل شيء ومالكه، وهو العزيز الذي ذل له كل عزيز، سبحانه وتعالى، فهذا أمر مهم جداً، وينبغي على طلاب العلم والأخيار ألا تأخذهم سفاسف الناس ومحقراتهم فيخاطبوا الناس بمثل هذه العبارات.
فينبغي أن تحفظ للناس حقوقهم وكرامتهم، وأن لا ينظر إلى الناس بألوانهم وأحسابهم، ولا بحوائجهم وضعفهم.
كما قال صلى الله عليه وسلم ينبه الأمة: (رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع على الأبواب، لو أقسم على الله لأبره) فلو قصد السائل بقوله: (سيده) يعني: صاحب الدكان، فهذا ممكن، لقوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:25] وهي زوجة، والسيد في لغة العرب يطلق بمعنى صاحب الشأن، ومن هنا تجد بعض الناس يقول لك: يا سيدي، وليس قصده أنك سيد له، ولذلك تجد في كل بيئة كلمة لا يراد بها حقيقتها، وعندنا ينتشر كلمة: (يا شيخ) مع أن كلمة (شيخ) إجلال، وكذلك كلمة: (سيد) إجلال، لكن لا يقصد منها المعنى، فإذا قصد السيد بهذا بمعنى صاحب الشأن فلا بأس.
على كل حال: إذا كان العامل يهدي من ماله، وكانت الهدية قليلة لا تضر بالمال كتب الله له أجرين، أجراً للمهدي وكتب لصاحب المال أجره، والأفضل أن يستأذن صاحب المال، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا، إذا كان عبداً كما في الموالي، وكان أجيراً وأعطى دون أن يضر؛ فهذا استثناه العلماء، وخاصة إذا جرى بهذا العرف.
مثال: جرى العرف أنه إذا اشترى شيئاً أعطى هدية منها لغيره، وجرى هذا العرف بين الناس من باب الإحسان والكرم، فلا بأس إذا أعطاه هذا الشيء، فإذا أعطى العامل في الدكان هذا الشيء كتب الله له الأجر، وكتب لصاحب الدكان أجره، فله مثل أجر صاحب الدكان؛ لأنه أعطى وبذل ويده يد إعطاء، كما قال صلى الله عليه وسلم: (الخازن الأمين الذي يؤدي ما أمره به سيده) يعني لأنهم كانوا عبيداً وموالي (له مثل أجر صاحبه)، فهذا كرم من الله وفضل.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكرمنا بفضله وإحسانه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب نفقة الأقارب والمماليك [3]

من موجبات النفقة على شخص أن يكون المنفق من الوارثين، وتكون هذه النفقة بقدر ما يستحق من الميراث، ومن وجبت عليه نفقة شخص وجبت عليه نفقة من يعول؛ ولا نفقة عند اختلاف الدين إلا بالولاء أو الوالدين.
وتلزم الوالد نفقة ولده، ومن ذلك أجر المرضعة، ولو طلبت أمه إرضاعه بأجرة المثل فلها ذلك، ولا يصح منعها لأنها أولى به.

إذا كان القريب الحاجب معسراً والمحجوب موسراً لم تجب النفقة على أحدهما

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ومن له ابن فقير وأخ موسر؛ فلا نفقة له عليهما].
تقدم أن الوارث يقوم بالنفقة على قريبه، وأن الذي اختاره المصنف رحمه الله، وهو أقوى القولين عند أهل العلم رحمهم الله: أن النفقة تكون مقدرة على حسب الإرث، وأن هذا متفق مع أصول الشريعة؛ لأن الغنم بالغرم، فكما أنه ينال من مورثه قدر تلك الحصة فينبغي أن يتحمل من نفقته قدرها، والوارث له حالتان: الحالة الأولى: أن يرث فرضاً أو تعصيباً.
والحالة الثانية: أن يكون محجوباً.
وبناءً على ذلك شرع المصنف رحمه الله في تفصيل الحكم بكون الوارث ينفق على قريبه على حسب الميراث؛ إذ يتفرع على هذا الحكم أنه لو اجتمع شخصان أحدهما يحجب الآخر، فهل تجب النفقة عليهما بناءً على أنهما من الورثة من حيث الوصف العام، أم أننا نطبق قواعد الإرث ونقول: يحجب الأقرب الأبعد، فتجب النفقة على الأقرب ولا تجب على الأبعد؟ والثاني هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، واستثنينا من هذا عمودي النسب، وبيّنا وجه الاستثناء وذلك في مسألة الجدة.
وبيّن رحمه الله مثالاً على القريب الذي يحجب قريبه، فقال: [فإن كان له ابن فقير وأخ موسر] فاجتمع اثنان من الورثة أحدهما الابن والثاني الأخ، وكلٌ من الابن والأخ ميراثه بالتعصيب.
لأن الإرث ينقسم إلى فرض وتعصيب، فأصحاب الفروض فروضهم مقدرة في كتاب الله عز وجل، وهي الستة الفروض المنصوص عليها: النصف، ونصفه وهو الربع، ونصف نصفه وهو الثمن، والثلثان، ونصفهما وهو الثلث، ونصف نصفهما وهو السدس، فمن كان يرث فرضاً وله النصف يتحمل نصف النفقة، فلو كان هناك فقير وله وارث وجبت النفقة على هذا الوارث، وإذا كان يرث النصف فإنه يجب عليه أن ينفق عليه نصف نفقته، ولو كان له وارث يرث الربع فكذلك، ولو كان له وارث يرث الثلثين أو الثلث أو السدس فكذلك، وقد تقدم ذلك في مسألة الجدة.
واعلم بأن الإرث نوعان هما فرض وتعصيب على ما قسما فالفرض في نص الكتاب سته لا فرض في الإرث سواهما البته نصف، وربع ثم نصف الربع والثلث والسدس بنص الشرع والثلثان وهما التمام فاحفظ فكل حافظ إمام هذا بالنسبة للفروض المقدرة، نجعل وجوب النفقة فيها على حسب قدر الإرث.
وإذا كان تعصيباً يأخذ الباقي، إن كان معه ذو فرض حكمنا بوجوب النفقة عليه على قدر حصة ذي الفرض، ثم الباقي وهو الواجب بعد الفرض يكون للعصبة.
فالأخ والابن من العصبة، والابن لو انفرد أخذ المال كله، والأخ لو انفرد أخذ المال كاملاً كما هو معلوم، فلو اجتمع ابن وأخ، وكان الابن فقيراً والأخ موسراً، ف

السؤال

أن الأخ لا يرث مع وجود الابن، والأصل في النفقة أنها واجبة على الابن؛ لأن الابن يحجب الأخ.
فالذين يرثون بالتعصيب العصبة من جهة الأصول وفروع الأصول، وأيضاً تكون من جهة الفروع، والعاصب يكون الأب وأباه وإن علا، والأخ الشقيق والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، والعم الشقيق والعم لأب، وابن العم الشقيق وابن العم لأب، فهؤلاء هم عصبة الإنسان القرابة الذين لو انفرد أحدهم أخذ المال كله، فلو مات ولم يترك إلا ابن عم شقيق فإنه يأخذ المال كله، فلو افتقر وليس له إلا ابن عم شقيق أوجبنا عليه جميع النفقة؛ لأنه عاصب لو انفرد أخذ المال كله.
حتى لو اجتمع العصبة مع الغير مثل الابن مع البنت، فلو أن والداً افتقر وعنده ابن وبنت، فمذهب الحنابلة رحمهم الله أنه لو افتقر الأب وعنده بنت وابن ويحتاج إلى ثلاثين ريالاً، أوجبنا على الابن العشرين وعلى البنت العشرة، على قدر حصصهم من الإرث.
وهناك مذهب يقول: إنه لا تجب على البنت النفقة، وإذا اجتمع الذكر والأنثى غُلب جانب الذكر، وهذا لحكمة من الله عز وجل، أن جعل الكسب والنفقة في الأصل واجباً على الذكور، وهذا هو أحد الأوجه عند الشافعي رحمه الله، لكن الصحيح أن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233] فأوجب نفقة الرضيع على الوارث، وجعل صفة الميراث مؤثرة في الإيجاب فقال: (وَعَلَى الْوَارِثِ)، فإذا كان الأمر كذلك وجب أن نجعل نصيب الوارث في النفقة على قدر نصيبه من الإرث.
في مسألتنا هنا مثل المصنف رحمه الله بمثال، وهو: أن يجتمع اثنان من الورثة كلٌ منهما لو انفرد لوجبت عليه النفقة كاملة وهما الابن والأخ، وكلٌ منهما لو انفرد لأخذ المال كله، فلو مات وليس له إلا ابن ذكر فإن الابن يأخذ المال كله تعصيباً، ولو مات وليس له إلا أخ فإنه يأخذ المال كله تعصيباً، هنا يرد السؤال: إذا كان الابن -وهو الأقرب- معسراً وليس عنده قدرة على النفقة، والأخ -وهو الأبعد- موسراً وعنده قدرة على النفقة، فعلى من تكون نفقة الرجل؟ إذا طبقت أصول الميراث فإن الابن يمنع الأخ من الميراث الذي يسمى في مصطلح الفرائض بالحجب، والحجب حجب نقصان وحجب حرمان، فحجب النقصان مثل الابن يحجب الزوجة حجب نقصان فيجعلها بدل أن تأخذ الربع تأخذ الثمن، لكن لا يحجبها بالكلية، وحجب الحرمان يمنع الوارث غيره بالكلية فلا يرث، والحجب بين الابن والأخ من حجب الحرمان؛ لأن العصبة تقدم بالجهة ثم القرب ثم القوة.
فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا فالعصبة يقدمون على هذا الترتيب، فالابن لو اجتمع مع الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأب حجبهم حجب حرمان، وهنا النفقة واجبة في الأصل على الابن، ووجوده يمنع إرث الأخ فيسقط النفقة عن الأخ، فبعض العلماء يقول: ما دام أنه فقير ينتقل الحكم إلى الأخ؛ لأنه موسر، ويكون وجود الابن وعدمه على حد سواء.
وفي الأصول الشرعية أنك إذا اعتبرت أصول الميراث فإنه يسقط وجوب النفقة عن الأخ لوجود الابن، ويسقط وجوب النفقة على الابن لكونه معسراً، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286] وقد ذكرنا أننا لا نحكم بوجوب النفقة على القريب إلا إذا كان قادراً، والابن غير قادر فتسقط النفقة عنه وعن الأخ.
وفي هذا الحال إذا سقطت عن الوارث فإنها تنتقل إلى بيت مال المسلمين على تفصيل آخر، لكن من حيث الأصل فإن المصنف قصد من هذا المثال أن يبين أنه إذا اجتمع الوارثان وأحدهما يحجب الآخر، وكان الحاجب لم يتوفر فيه شرط وجوب النفقة سقطت النفقة عنهما: سقطت عن القريب الأقرب لكونه معسراً ولعدم تحقق الشرط فيه، وسقطت عن الأبعد لوجود الأقرب.

وجوب النفقة على الجدة إن أعسرت الأم

قال رحمه الله: [ومن أمه فقيرة وجدته موسرة؛ فنفقته على الجدة].
هذا من باب أنه يستثنى عموداً النسب؛ لأن النفقة متأصلة فيهما، فنفقة الفرع لازمة على الأصول، وقد بينا هذا وبينا دليله وإجماع العلماء على أن الولد يجب على والده أن ينفق عليه.
في المثال السابق حجب الابن الأخ، وهنا الأم تحجب الجدة؛ لأن من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إن وجدت، والجدة تدلي بواسطة الأم، والأم تحجب الجدة بالإجماع، وبناءً على ذلك لو كانت الأم فقيرة والجدة موسرة فنقول: ينتقل وجوب النفقة إلى الجدة، وهذا مستثنى من الأصل الذي ذكرناه؛ لأن عمودي النسب تجب عليهم النفقة على الأصل الذي ذكرناه، وهذا خاص بعمودي النسب، فيجب على الجدة أن تنفق على ذلك الولد.

النفقة على القريب المعسر وعلى من تلزمه نفقته

قال رحمه الله: [ومن عليه نفقة زيد؛ فعليه نفقة زوجته].
قرر رحمه الله النفقة، وبين على من تجب، وشرط وجوبها، وبيَّن إذا كانت تجب على الوارث ما الحكم عند ازدحامهم وحصول حجب من بعضهم لبعض.
ثم شرع رحمه الله في مسألة تنبني على مسألة النفقة، وهذا كما ذكرنا من التسلسل في الأفكار والترتيب المنطقي، فإن الفقه الإسلامي يمتاز بالشمولية؛ وهو أنه لا يقتصر على بيان الأصول، بل يبين الفروع المبنية على الأصول، فالسؤال الآن: إذا وجبت النفقة على الوارث لوجود السبب الموجب في المورث الذي ينفق عليه وهو عجزه، فهل يختص إنفاقه على ذلك القريب نفسه فقط، أم أنه يلتحق بهذا القريب من لزمته نفقته وحاجته اللازمة الضرورية؟ هذه المسألة مفرعة على الأصل الذي ذكرناه: هل أنت مطالب بالنفقة على القريب؟ لو فرضنا وجود شخص مات وترك ابناً رضيعاً، وهذا الابن الرضيع ليس له وارث غير فلان فأوجبنا النفقة عليه، لكنه يحتاج إلى مرضعة، فهل نقول: يجب عليك أن تنفق على المرضعة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233]؟ فهذا والد الطفل أوجب الله عليه النفقة، ثم بين حال موت الوالد فقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233] فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أنه إذا مات شخص وله قرابة وترك أولاداً واحتاجوا إلى النفقة عليهم والاسترضاع لهم؛ وجبت نفقة الرضاعة على القريب الوارث، فإذا كانت نفقة المرضعة واجبة على القريب؛ فهذا تنبيه من الشرع أن الأشياء اللازمة لهذا القريب الذي تنفق عليه لازمة عليك أيضاً بالتبع، ولا يقتصر الأمر على أن تنفق عليه فقط، بل إن من يعول ومن تلزمه نفقته يجب عليك أن تنفق عليهم بالمعروف، وهذا لأن الآية نصت على وجوب الاسترضاع على الوارث، مع أن الأصل يقتضي أن ننفق عليه.
قال رحمه الله: [ومن عليه نفقة زيد فعليه نفقة زوجته كظئر لحولين].
إذا كان هناك شخصان بينهما قرابة موجبة للنفقة، فالأصل يقتضي أن ينفق أحدهما على الآخر إذا كان معسراً، فلو كانت عنده زوجة وأولاد واحتاجوا للنفقة، فإنه ينفق عليهم أيضاً إذا كان ماله يسع ذلك، وقد ذكر المصنف رحمه الله في الأصل هذا فقال: [كالظئر].
أي: وذلك كما أن الله أوجب علينا أن ننفق على الرضيع نفقة إرضاعه فقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233] فأوجب على الوارث أن يعطي نفقة المرضعة، وهذا يقول به بعض العلماء، ويرى أنه يجب عليه أن ينفق على زوجه؛ ولأنه لو أنفق عليه ولم ينفق على زوجه لم يقم بحاجته ولم يسد له الحاجة، ولذلك فهو يحتاج النفقة عليه وعلى من تلزمه نفقته.
قوله: (كالظئر لحولين) فائدة المتون اختصار المسائل وإدخال بعضها على بعض، والتنبيه على الفروع المبنية على الأصول، والتنبيه على الأصول التي ينبني عليها غيرها، ومن هنا تظهر قوة العالم والفقيه في صياغة المتن، والبعض لا يحسن فهم مقصود العلماء من هذه المتون، ولذلك يقول: إنها تخلو من الأدلة.
والمراد من هذه المتون صياغة الأحكام المستنبطة من الأدلة؛ أما الأدلة فلها كتب متخصصة، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له، ولذلك لما قال: (كالظئر) أشار إلى الأصل الذي بُني الدليل عليه، وهو النفقة على المرضع؛ فإن الله عز وجل أوجب على الوارث أن ينفق على المرضعة، فإذا نظر الفقيه في ذلك فهم أن الواجب أن تنفق على الرضيع، لكن لما كان ذلك لازماً له وضرورياً صار كالنفقة عليه.
وأجاب بعض العلماء عن هذا الدليل وقال: إن الأصل أن تنفق بالطعام والكسوة، والاسترضاع نوع من الطعام، فهو لم يخرج عن الأصل، فأوجب النفقة عليك بالنسبة للقريب فقط، وأما من تلزمه نفقته فلا يوجب عليك نفقته، هذا اختيار بعض العلماء رحمهم الله، وهو من حيث الأصل أقوى، يعني: لا شك أن الأصل أن الواجب أن تنفق على الشخص نفسه.

لا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء

قال رحمه الله: [ولا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاء].
هذا الحكم وهذه المسألة نحتاجها بين المسلمين وغير المسلمين، كما كان يقع في البلدان الإسلامية، حيث يكون أهل الذمة فيسلم الذمي وقرابته تحت حكم الإسلام ويكون فقيراً، فلا نوجب نفقة مع اختلاف الدين، وتجب نفقة هذا المسلم الذي ليس له قريب مسلم من بيت مال المسلمين، ويصبح المسلمون هم أولياءه الذين ينفقون عليه، كما أنه لو مات ورثه بيت مال المسلمين.
وهكذا تصان الحقوق في الإسلام، فليست بالدعاوى ولا بالتشهي ولا بالتمني، ولكنها حقائق مبنية على أصول، هذا مع أنه كان كافراً ثم أسلم ودخل بين المسلمين، فصار منهم وأخذ حكمهم وكأنه لبنة من هذا البناء له ما لهم وعليه ما عليهم، فيكون معهم كالجسد الواحد، فلو أنه افتقر أنفقوا عليه، ولو أنه مات وعنده مال رد إلى بيت مال المسلمين.
لا يجب الإنفاق بين المسلم والكافر، ولو أن هذا الذي أسلم له قرابة كفار تحت حكم الإسلام كالذميين، فلما أسلم افتقروا وقالوا: هذا قريبنا فلينفق علينا، فلا يحكم المسلمون لهم بالنفقة، ويقولون: اختلاف الدين يمنع من وجوب النفقة؛ لأن اختلاف الدين يمنع من الإرث؛ لأن من موانع الإرث اختلاف الدين؛ فلا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له: (أين تنزل غداً؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من دار؟)، وهذا الحديث أصله أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا قرابته للإسلام، وأبى من أبى منهم، بقي عقيل وتأخر إسلامه، فورث الكفار من قرابته، وأخذ هذه الأموال وباعها، ثم أسلم عقيل فحاز خير الدين والدنيا، ولم يرث النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء القرابة الكفار.
وفي الحديث الصحيح أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر) فلا توارث بين المسلمين والكفار، لذلك يعتبر من موانع الإرث اختلاف الدين، قال الناظم: ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث رق وقتل واختلاف دين فافهم فليس الشك كاليقين فاختلاف الدين يمنع الإرث والنفقة، لكن يستثنى من ذلك نوعان: النوع الأول: الولاء، فإن الرقيق ينفق عليه مولاه ولو اختلف الدين، والأصل فيه حديث الدارقطني؛ استثنى الرقيق بوجوب النفقة ولو كان كافراً؛ لأنه معلوم أن السبب هنا بين السيد وعبده ليس كالسبب بين القريب وقريبه، ولذلك استثني.
النوع الثاني: الوالدان، لو كان له والدان كافران هل ينفق عليهما أولا ينفق؟ الصحيح أنه يجب عليه أن ينفق على والديه الكافرين، وهو اختيار مذهب الشافعية وطائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم؛ لأن النصوص التي وردت بالأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما نزلت في الكفار: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:15] وليس من المعروف أن يكون غنياً ووالداه محتاجين فقيرين ولا ينفق عليهما، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء أن تحسن إلى أمها وأن تبرها.
فالوالدان يستثنيان من هذا، فيجب على الولد أن ينفق على والديه ولو كانا كافرين؛ لأن النصوص وردت في الكفار، وهما مستثنيان من الأصل الذي ذكرناه.
وبناءً على ذلك نقول: الوارث والقريب من غير الوالدين أوجبنا النفقة عليه لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233] لكن الوالدين استثنيا من هذا، ولذلك يجب على الوالد لو انفرد تحمل النفقة كاملة، وكذلك أيضاً بالنسبة لوجود الكفر يجب عليه أن ينفق على والديه وأن يقوم بالإحسان إليهما: لأن النصوص التي أمرت بالإحسان إلى الوالدين في الأصل إنما نزلت في الكافرين.
ولأن الوالد ذكراً كان أو أنثى له حق عظيم وفضل كبير، والله عز وجل لم يمنع الولد من رد هذا الجميل والمعروف؛ لأنه أنفق عليه حتى كبر وشب.
فاستثني الوالدان لأمور: أولاً: لورود النصوص، وثانياً: لأن المعنى الموجود في الوالدين يخالف غير الوالدين من بقية الورثة.

وجوب الاسترضاع وأجرته على الوالد

قال رحمه الله: [وعلى الأب أن يسترضع لولده ويؤدي الأجرة] بمعنى: أن على الوالد أن يطلب من يرضع ولده، وإذا طلب المرضعة فعليه أن ينفق عليها بالمعروف، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:233] فأمر الله عز وجل المولود له وهو الوالد أن يقوم على نفقة ولده، وأن يتعهد حاجته إلى الرضاعة بالاسترضاع.
فبين رحمه الله وجوب الاسترضاع على الوالد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لورود نص آية البقرة على وجوب الاسترضاع للولد، ولا يجوز للوالد أن يضيع ولده بحرمانه من الرضاعة؛ لأنه إذا حرم من الرضاعة فإنه يموت، وهنا ننبه على الوقت الذي يطلب فيه الوالد امرأة ترضع ولده.
إذا كانت الأم موجودة وقالت: أنا أرضع ولدي فلا إشكال، فهي أحق بإرضاع ولدها، لكن الإشكال إذا ماتت الأم أو طُلقت وتزوجت من الغير، أو تحولت عن البلد التي هي فيه، أو كانت مريضة لا تستطيع الإرضاع؛ فحينئذٍ لو ترك الولد سيموت؛ لأنه لابد له من الرضاعة، لينشز بها عظمه وينبت بها لحمه.
فإذا كان لابد له من الرضاعة فإن المسئول عن هذه الرضاعة في تكاليفها وطلب المرضعة هو الأب، فيجب عليه أن يطلب من يرضع هذا الصبي.
وفي هذه الحالة يجب عليه أن ينصح، فقد يجد من المرضعات من هي أقل ثمناً وأقل كلفة، ولكنها أضعف، وقد يضر لبنها الصبي؛ فلا يجوز له في هذه الحالة أن يغلب مصلحة المادة على مصلحة الصبي، كما هو موجود الآن في زماننا في شراء الحليب الذي يحتاجه الطفل، إذا كان نوعاً رديئاً ونوعاً جيداً فيجب عليه أن ينصح ويتقي الله عز وجل، وأن يعلم أن هذه النفس المحرمة أمانة في عنقه، وهو مسئول أمام الله عز وجل عنها، فيسترضع المرأة التي يحسن رضاعها.
ولذلك كانوا يشددون في الرضاعة، وقد بينا في كتاب الرضاعة أن المرأة التي ترضع قد يفسد الولد بسبب لبنها من سوء أخلاقها، ولذلك نهى السلف كـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة من الرضاعة من الفاجرات؛ لأن الأخلاق تعدي.
وينبغي عليه أن ينصح في هذه الرضاعة لعل الله أن يوفقه للقيام بحقه على أتم الوجوه ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فأوجب على الوالد أن يدفع أجرة الرضاعة للمرضعة، وبين المصنف رحمه الله أن المسئول عن هذه النفقة هو الوالد.

حق الأم في الرضاع

قال رحمه الله: [ولا يمنع أمه إرضاعه].
أي: ولا يمنع الوالد أم الولد من إرضاع الولد، فلو قالت الأم: أريد أن أرضع ولدي؛ فهي أحق به وأولى.
فلا يمنعها أن ترضع ولدها، ولو وجد الغير الذي سترضعه من قرابته أو من تتبرع ولو مجاناً، أو تزوج امرأة فقالت: أنا أرضع ولدك ولا أريد منك شيئاً، وقالت أم الولد: أنا أرضعه؛ فهي أحق وأولى ولا يمنعها إرضاع ولدها.

حالات إلزام الأم إرضاع ولدها

قال رحمه الله: [ولا يلزمها إلا لضرورة كخوف تلفه].
أي: لا يجب على الأم أن ترضع ولدها إلا لضرورة، ومن أمثلة الضرورة: أن لا يقبل الولد ثدياً غير ثديها، بعض الأولاد تكون عندهم حساسية ولا يمكن أن يقبل غير ثدي أمه، وهذا من الله سبحانه وتعالى كما وقع لموسى عليه السلام: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:12] فكلما جاءت امرأة لم يقبل ثديها.
فإذا امتنع ولم يقبل النساء الموجودات وقالت أمه: لا أرضعه، فطلبها زوجها الذي هو والد الطفل فقال: أرضعي ولدكِ واتقي الله في ولدكِ، فقالت: لن أرضعه، فهنا يجبرها القاضي على إرضاعه؛ لأن إنقاذ هذه النفس المحرمة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك قال: (ولا يلزمها إلا لضرورة)، وهي أن يمتنع الولد أو لا يوجد من يرضع هذا الصبي غير هذه الأم، فيجب عليها أن ترضع هذا الصبي.

حكم طلب الأم أجرة إرضاع ولدها

قال رحمه الله: [ولها طلب أجرة المثل].
أي: من حقها أن تطلب أجرة مثلها، فإذا أرضعته حولين، نظرنا لو أن مرضعة أجنبية أرضعت هذا الولد كم ستأخذ في الحولين؟ فنعطيها أجرة المثل، فلو طلبت أكثر من أجرة المثل لم يجب على الوالد أن يعطيها تلك الأجرة، وإنما تتقدر الأجرة بالمعروف.
قال رحمه الله: [ولو أرضعه غيرها مجاناً].
أي: أنها أحق بإرضاع ولدها، ولو أرضع الولد غيرها مجاناً، ولها أن تطلب الأجرة، ولو وجد من يقول: أنا متبرع بإرضاعه؛ لأنه لا شك أن مصلحة الولد في الرضاعة من أمه أعظم، والأم أنصح لولدها وأكثر محافظة عليه، ولذلك هي أحق، وإذا كانت هي أحق فلو وجدت امرأة وقالت: أنا أرضع لك ولدك مجاناً والولد يقبل ثديها، فقالت الأم: أنا أريد أن أرضعه فهي أحق، ونقول للوالد: أنفق عليها بأجرة مثلها.
فلو قال: أنا عندي من يتبرع، نقول: وجود هذه المتبرعة لا يسقط حق الأم ولو طلبت الأجرة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فأمر الله عز وجل بإعطاء الأجرة للمرضعة، وقد صدر الآية بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233]، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:233] فبين الله سبحانه وتعالى أن الوالدة ترضع ولدها وهي أحق للصفات التي فيها من كون لبنها أكثر نفعاً للولد واغتذاءً له، وكذلك هي أكثر نصحاً للولد وشفقة وعطفاً وإحساناً وبراً لولدها؛ فهذه كلها مصالح، فلذلك تقدم على غيرها.
وفي قوله: (ولو) إشارة إلى خلاف مذهبي في داخل مذهب الحنابلة، فهناك من العلماء من قال: نعطيها الأجرة بشرط أن لا يوجد من يتبرع مجاناً، فإذا وجد من يتبرع مجاناً فإننا نقول لها: إن شئت أن ترضعيه بدون مقابل فلك الحق في ولدكِ، فإن قالت: أنا أريد الأجرة صرف إلى غيرها وليست بأحق، والصحيح ما ذكرناه.
قال رحمه الله: [بائناً كانت أو تحته].
أي: سواء طلقها وبانت منه أو كانت تحته، فحتى لو كانت تحته ثم قالت له: أريد أن أرضعه وآخذ الأجرة، فإن الحكم لا يختلف باختلاف حال الأم، فسواء كانت تحت الزوج أو لم تكن فهي أحق وأولى بولدها ولها الأجرة إن طلبت، لا يختلف الحكم بين كونها تحت الزوج أو بائنة منه.

حكم منع الزوج الثاني إرضاع ولد الأول

قال رحمه الله: [وإن تزوجت آخر فله منعها من إرضاع ولد الأول ما لم يضطر إليها].
أي: وإن تزوجت آخر فقال لها: ما أريدك أن ترضعي ولدكِ من فلان؛ لأن الرضاعة تضر بالمرأة، وتؤثر على صحتها، وتؤثر حتى على الاستمتاع بها، ومن هنا لا يتدخل الزوج الثاني في حق الأول إلا إذا حصل الضرر عليه.
وبعض العلماء قالوا: إنه ينتشي في ماء الثاني فيكون له الحق من هذا الوجه.
ولكن الأشبه: أن هذا يؤثر عليه ويؤثر على صحة المرأة، ولذلك خفف على المرأة المرضع في الصيام، وأخذت أحكام الرخص في مسائل، وهذا يدل على أن الرضاعة تؤثر، وإذا كانت تؤثر وأسقط الله بها الحقوق فكذلك أيضاً بالنسبة لحقوق المخلوقين، فإذا قال الزوج الثاني: لا ترضعيه، فحينئذٍ له حق المنع.
وإذا منعها نظرنا: فإن كان للصبي بديل صرف إلى البديل ولم تلزم الأم ولم يلزم الزوج، وإن كان لا بديل له فإنه يكون مضطراً ويسقط حق الزوج؛ لأن ضرر الابن أكبر، وهذا من باب المقارنة بين المفاسد؛ لأنه إذا تعارضت مفسدتان قُدمت المفسدة العظمى، فالطفل إذا لم يرتضع تضررت صحته وربما هلك، والزوج إذا أرضعت زوجته ضعفت مصلحته وصار النقص عليه نقص كمال في الاستمتاع، ونقص الضرورة المفضية إلى هلاك الأنفس فيه مفسدة فيه أعظم من نقص الكمال في الاستمتاع والشهوة، ولذلك يقدم حق الولد من هذا الوجه، فنقول: يجب عليكِ أن ترضعيه.
فلو قال الزوج: لا أسمح لها بذلك.
أُجبرت عليه وسقط حق الزوج، فلا تسمع له ولا تطيع؛ لأن هذا فيه إضرار بالنفس وتعريض لها للهلاك.

الأسئلة

حكم التضييق على الأهل للنفقة على المحتاجين

السؤال

من ضيق على أهله في النفقة لأجل ما يتعاهده من الصدقات وبذل الخير للمحتاجين، فهل يأثم في هذا التصرف، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فمن ضيق على من تجب عليه نفقته ينقسم إلى قسمين: إما أن يضيق في الحق الواجب، وإما أن يضيق في الكمالات، فإن ضيق في الحق الواجب فهو آثم شرعاً، ولا يجوز للمسلم أن يمنع أولاده وزوجته من حقوقهم في النفقة بناءً على الصدقات والتبرعات للغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله الصحابي فقال: (عندي دينار، قال: أنفقه على نفسك، قال: عندي غيره، قال: أنفقه على أهلك) فهذا يدل على أن نفقة القريب أحق وأولى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثم أدناك أدناك) فيبدأ بالأقربين، وهم أولى وأحق، والنفقة عليهم واجبة، والنفقة على الغير إحسان وغير واجبة، فيقدم الواجب على غير الواجب.
أما إذا كان التقصير في الكمالات، بمعنى: أنه رأى الغير محتاجاً فصرف الكمالات لأولئك المحتاجين، فهل الأفضل أن يصرف الكمال للقريب ويدخل السرور على قريبه وأولاده، أم الأفضل أن ينفق على البعيد؟ هذه مسألة الذي يظهر فيها: أن الغريب إذا كانت النفقة عليه نفقة إنقاذ؛ بحيث إنه محتاج حاجة شديدة، فإن النفقة عليه أفضل من نفقة الكمال على القريب، والسبب في هذا: أنه ربما يكون الغريب محتاجاً حاجة قد يتعرض معها للحرام، فالمرأة قد تزني -والعياذ بالله- إذا افتقرت، والأولاد قد يضيعون، وربما هلكوا وماتوا من الجوع، فإذا كانت النفقة من هذا الجنس فهي الأفضل إن شاء الله؛ لأن جنسها في إنقاذ النفس واستبقاء الأرواح والمحافظة على العرض، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص.
وعلى كل إنسان ينفق على الغريب أن تكون له نية، فإذا حسنت نية العبد أجره الله وجعل أجره على نيته، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يتصدق على الغني وهو لا يعلم بغناه، فجعل الله صدقته بحسن نيته عبرة للغني، فأثابه الله عز وجل عليها.
فإذا كان قد أنفق على الغرباء والأجانب ممن ليسوا بأقارب له، وهو ينوي إنقاذ أنفسهم وحفظهم من الحرام أو تحبيبهم في الخير، كان بالوسيلة والنية أفضل وأعظم أجراً، لكن لو كانت النفقة على هذا الغريب من جنس الكمالات، وأولاده يريدون الكمالات فالنفقة على الأولاد وإدخال السرور على الأقرباء في الكمالات أفضل من إدخال السرور على غير الأقارب، بل حتى إدخال السرور على ابن العم القريب في الكمالات أفضل من إدخال السرور على الغريب، فمثلاً: لو احتاج إلى سيارة وعنده سيارة أو متاع أو ثياب زائدة يمكن أن يعطيها لقريبه ويمكن أن يعطيها لغير القريب.
فالقريب سواء كان من الأقربين كأولاده، أو كان من الأبعدين كابن العم، فإن إعطاء الثوب له ولو كان من الكمالات أفضل من إعطائه للغريب ولو كان صديقاً، ولو كان خليلاً للإنسان ومحباً، فإن الإحسان إلى القرابة فيه أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة.
والإحسان إلى الغريب مهما كان ففيه أجر واحد وهو أجر الصدقة، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لامرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها وأرضاها في الحديث الصحيح.
وبناءً على ذلك ينبغي على المسلم أن يزن الأمور بميزانها، ولا شك أن تفقد الأقرباء والإحسان إليهم وتصديق معنى القرابة أمر مهم، فالإنسان دائماً يتفقد القرابة، وأول ما تفكر في بذل المعروف والإحسان يجب أن تنظر إلى من حولك من الأقرباء، حتى في أمور الدين والدعوة، مع أنها لا محاباة فيها ولا مجاملة، قال الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214] أي: مر القريبين الأقربين.
وهذا يدل على أنهم أولى الناس بخيرك وبمعروفك وبإحسانك؛ حتى الابتسامة التي تبتسمها والسرور الذي تدخله على المسلمين تقدم فيه الأقربين الأقرب فالأقرب، فإذا وجدت القريب حرصت على أن تكون على مراتب الكمالات التي تفعلها مع الغرباء، وأن تكون في أحسن وأجمل وأفضل.
وانظر رحمك الله إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وهو صديق الأمة يحسن إلى مسطح وهو ابن خالته وقريبه، ثم إذا به يفاجأ بـ مسطح وهو أحد الذين قذفوا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فمع أنه أحسن إليه، ومع وجود القرابة تأتي هذه الإساءة العظيمة في طعنه في زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فحلف أبو بكر أن لا يحسن إليه بعد ذلك؛ فأنزل الله عز وجل القرآن يعاتب أبا بكر رضي الله عنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:22] حتى إن أبا بكر رضي الله عنه بكى وقال: (بلى! والله نحب أن تغفر لنا).
قريب يطعن في ابنته مع أنها أم المؤمنين رضي الله عنها، فاجتمعت جميع الحقوق من الناحية الدينية ومن الناحية الطبيعية الفطرية، ومع هذا كله ينزل القرآن بالإحسان إليه ورد المعروف كما كان، فأحسن أبو بكر رضي الله عنه ورد المعروف إلى مسطح، فهذا يدل دلالة واضحة على عظيم أمر الرحم والقرابة.
نحن ننبه على هذه الأمور لأنها عظمت، وسببها التفكك الأسري الذي يعيشه الناس، كثير من المشاكل والأضرار والمصائب سببها هذا التفكك الأسري، كان الناس في القديم في فقر وضعف وحاجة ماسة، ولكن رزقهم الله عز وجل من التواصل والتحاب والتعاطف وحفظ حق القرابة ما هون عليهم مصائب الدنيا كلها، والله إن الناس كانوا يعيشون بحالة لا يعلم شدة ما هم فيه إلا الله جل جلاله، ولكن ما لطف الله عز وجل بهم بشيء بعد الإيمان به وتوحيده مثل بر الوالدين وصلة الرحم.
وانظر إلى كبار السن والرعيل الأول، تجد الواحد منهم عطوفاً شفوقاً على قرابته، ما إن يسمع أن قريباً له نزلت به نازلة إلا وجدته لا يهنأ له عيش ولا يرتاح له بال؛ ويسافر إلى المسافات البعيدة، فهذا التواصل والتعاطف والتراحم والتكاتف الذي كان بين الناس هو الذي رحم الله به أمرهم، فجعل ضيق عيشهم سعة، والهموم والغموم عليهم يسيرة، وكم من مصائب تنزل بالإنسان يدفعها الله بفضله ثم بصلة الرحم.
لا يحسب الإنسان أن تفقد القرابة أمر هين، كثير من مشاكل اليوم سببها عدم الصلة، وتجد الرجل يقول لك: أنا في ضيق واكتئاب.
وقد يكون قاطعاً لرحمه من حيث يشعر أو لا يشعر، ويكون هذا البلاء الذي نزل به إما بسبب أذية أو قطيعة لرحم، أو عدم زيارته لأعمامه وأخواله، هذا التفكك الذي يعيشه الناس أكثره بسبب عدم القيام بحقوق القرابة.
ونحن نركز على هذه المسائل ونطيل في الجواب عليها لأهميتها؛ لأن كثيراً من مشاكل اليوم سببها ذلك، الآن لما تجد القريب تنزل به ضائقة دين، لا يستطيع أن يجد في قرابته من يساعده، فيذهب إليه ويريق ماء وجهه عنده، ويقول له: يا فلان أريدك أن تساعدني، فيجد أول من يقفل الباب في وجهه قريبه -والعياذ بالله- ويجده أول من يتهكم به ويستهزئ به ولا يصدقه فيما يقول له، مع أنهم في القديم ربما كان فيهم جهل لو قتل القريب جاءه ونصره مع أنه يعلم أنه ظالم؛ من شدة الحمية والعاطفة، صحيح أن هذا خطأ، لكن كانوا معهم في الخير والشر، وينصره ظالماً ومظلوماً، ويقف معه ويقدم له ما يستطيع من المال، هذا الذي رحم الله به الأمة.
لا تحسب أن القليل للقرابة هين عند الله عز وجل، وقد يرفع القريب كفه إلى الله عز وجل فيدعو لك دعوة تنال بها سعادة لا تشقى بعدها أبداً؛ لأنه يدعو من قلبه، ويتمنى لك الخير من صميم فؤاده، ويرى أنك قد أحسنت إليه ووصلته.
والله إن كثيراً من النفوس تتبدد أحزانها وأشجانها بالكلمة من القريب القريب تجده مريضاً مهموماً محزوناً، ما إن يلتفت ويجد قرابته حوله إلا تبددت أحزانه وذهبت أشجانه، ولا عليه بعد ذلك يذهب عنه الهم أو لا يذهب، تجده مديوناً معسراً ما إن يأتيه القريب ويجلس معه ويقول: أتمنى لو كان عندي مال أعطيكه، فما إن يقول له هذه الكلمة إلا وكأنه قضى له دينه.
ما كان أحد يترك قريبه، بل يقف معه ويبذل له كل ما يستطيع، بل إن دعوة الإسلام كلها قائمة على التوحيد وعلى أداء الحقوق، فإذا أُدي حق الله عز وجل بتوحيده وإخلاصه أُديت حقوق العباد، وأول حق ركزت عليه نصوص الكتاب والسنة وتضافرت عليه واعتنت به أيما عناية بر الوالدين وصلة الرحم، حتى إن أبا سفيان لما سأله هرقل قال: بماذا يأمركم، قال له: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ويأمرنا بالبر وصلة الرحم.
وأذكر حادثة غريبة وقعت قبل أشهر: كنت في السفر فوجدت رجلاً كبير السن، فاقتربت منه وسألني عن مكاني، وسألته من أين أنت، قال: أنا من بدر، رجل في آخر سنه فوق السبعين تقريباً، ويبيع تمراً، ولا يملك إلا القليل، وجالس في شدة الشمس يتعرض للمشقة، قلت: ما دمت أنت من بدر كيف جئت إلى هنا -كان قريباً من جدة- قال: هذا التمر الذي تراه أريد أن أبيعه وأذهب لأختي بمكة لديها أيتام وأريد أن أعطيها هذا المال، والله حينما نظرت إليه تأثرت من حاله وهيئته، ليست بحال الإنسان الذي يستطيع أن يقوم على نفسه، فضلاً عن أن يبحث عن أخته التي يريد أن يصلها، هكذا كان الناس، وهكذا يكون العيش تواصل تراحم تعاطف.
وحدثني أحد كبار السن في المدينة، وهو من أصدق الناس وخيارهم رحمة الله عليه، يقول: عشت يتيماً فكان خالي يأتينا من أكثر من أربعمائة كيلو متر من المدينة، وكان يأتي بالهدايا، فقير معدم ما عنده شيء، لكن يأتي الأربعمائة كيلو هذه، لا يمر شهر حتى يزور أخته، ويدخل على أيتامها ويلاطفهم ويحسن إليهم ويقول لأخته: أسألكِ بالله لا تسقيني شيئاً من مال اليتامى، يعني: إذا جاء في ضيافتها لا يستطيع أن يشرب عندها فنجان القهوة، وهذا شيء كبير معروف بالعادات، وإنه لصعب جداً أن

حكم رفع الصوت بالقراءة في قضاء الصلاة الجهرية

السؤال

هل يلزم المصلي رفع الصوت بالقراءة في قضاء ما فاته من الصلاة الجهرية، أثابكم الله؟

الجواب

الجهر في الصلاة فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله، من أهل العلم من قال: يجب الجهر في الجهرية، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقع بياناً لواجب، وبيان الواجب واجب.
ومن أهل العلم من قال: الجهر والإسرار ليس بواجب، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه في صلاة الظهر أنه رفع صوته بالآية والآيتين، فجهر فيما يسر؛ فدل على أن الأمر فيه السعة، وبناءً على ذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون قضاؤه يحكي أداءه، فيجهر في الصلاة المكتوبة، فإذا قضى الفجر بعد طلوع الشمس يجهر في قراءته، وهكذا لو نام عن صلاة العشاء حتى ذهب وقتها، وسواء ذهب وقتها أو لم يذهب، إذا قضاها أو أداها في آخر وقتها منفرداً فإنه يجهر بقراءتها، والله تعالى أعلم.

الفرق بين قاعدتي التعبد بالظن وعدم التعبد به

السؤال

ما الفرق بين أن الله تعبدنا بغلبة الظن، وبين قاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه، أثابكم الله؟

الجواب

الحقيقة ليس هناك اجتماع بين القاعدتين، فقاعدة غلبة الظن هي التي تعبد الله بها العباد، والإنسان إذا اعتقد شيئاً له أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن يعتقد الشيء على وجه لا شك فيه ولا مرية البتة، وهذا يسمى باليقين كما يقول بعض العلماء: (100%)، فهو يعتقد مثلاً: أن الله واحد، فهذا الاعتقاد لا يدخله أي شك ولا مرية فيه، وهذا اعتقاد اليقين.
الحالة الثانية: أن يكون اعتقاده للشيء غالباً وراجحاً، وهناك احتمال ضد هذا الاعتقاد لكنه ضعيف، وهذا يبدأ من (51%) إلى (99%) فمثلاً: أنت تعلم أن الوالد إذا صلى العصر يرجع إلى البيت، فجاءك شخص وقال لك بعد صلاة العصر: الوالد موجود في البيت؟ أنت لم تر الوالد ولكن صليت العصر ثم جلست في المسجد، يحتمل أن الوالد رجع إلى البيت ويحتمل أنه لم يرجع، لكن الغالب أنه إذا صلى العصر يرجع إلى البيت، فأنت إذا قلت: الوالد في البيت، فإنه ظن غالب وخبر صادق؛ لأن غالب الظن أن يكون في البيت، هذا الغالب يجوز لك شرعاً أن تخبر به ولست بكاذب، بل لو حلفت وقلت: والله إنه في البيت لم تحنث؛ لأن الحلف على غلبة الظن مشروع.
الحالة الثالثة: أن يكون الشيء مستوي الطرفين، مثلاً: الوالد بعد المغرب ربما يجلس في البيت وربما لا يجلس، وليس هناك حالة راجحة، فسُئلت: هل الوالد موجود؟ تقول: أشك، يعني: ما أدري أهو موجود أو غير موجود؛ لأنه تارة يكون موجوداً وتارة لا يكون موجوداً، وهذا الشك يسمى استواء الطرفين.
الحالة الرابعة: أن يكون الظن مرجوحاً، وهو عكس الظن الراجح، فأنت حينما قلت في صلاة العصر: الوالد موجود في البيت، عندك احتمال أنه خارج البيت، فلو سألك شخص: الوالد خارج البيت؟ تقول: أظن، فظنك في هذه الحالة ضعيف وليس براجح، ولو سألك: أهو في البيت؟ تقول: نعم؛ لأنه ظن راجح.
فهذه أربعة أحوال للظنون، ولا يتعبدنا الله بالأوهام، وهو الظن الضعيف، لأنها ظنون فاسدة ولا تبنى الشريعة على الظنون الفاسدة، وهذا قرره الأئمة، ومن أنفس من تكلم على ذلك الإمام العز بن عبد السلام حينما تكلم على مسائل الظنون في قواعد الأحكام، وبين أن الظنون الفاسدة لا يلتفت إليها، مثلاً: شخص قلت له: اذبح هذه الشاة، فذبحها وجاءك بها، يحتمل أنه ما ذكر اسم الله عليها، ويحتمل أنه أخطأ في الذبح، ويحتمل احتمالات كثيرة، لكن هذا الاحتمال ضعيف ومرجوح، فتلغي هذه الظنون، وتعمل بالظن الراجح، وتتقرب إلى الله عز وجل بالظن الراجح.
فقس على هذه من المسائل الكثيرة، فقد تعبدنا الله بها حتى في استباحة الدماء والفروج، الآن لو أن شاهدين شهدا أن فلاناً قتل فلاناً، فإننا نحكم بالقصاص، مع أنه يحتمل أن أحد الشاهدين أخطأ، ويحتمل أنهما زورا الشهادة، لكن الظن الغالب أنهما إذا زُكيا وعدلا وعرفا بالضبط أنهما مصيبان، لكن يحتمل الخطأ، والظن مرجوح ولا عبرة فيه.
حينما تسأل العالم ويفتيك في مسألة اجتهادية فإنه يفتيك على غالب ظنه، فيحتمل أن القول الذي اختاره مرجوح، لكن الله عز وجل أمرك بالرجوع إليه وأمرك أن تقبل حكم القاضي؛ لأن الغالب في ظنه هو هذا، وأنت تعمل بهذا الظاهر وأنت مكلف بهذا.
وبهذا انضبطت أمور الدنيا، ولو كانت أمور الدنيا لا تسير إلا باليقين لدخل من الوسوسة والبلاء على الناس ما الله به عليم، فاستقامت أمور الدين والدنيا على ذلك، وبُنيت مصالح العباد دينية كانت أو دنيوية على هذا، الآن مثلاً: لما تركب السيارة وترى غالبها السلامة تمشي بها، لكن إذا كان غالبها الهلاك ورأيت فيها أعطال فلا تطيعك نفسك أن تخاطر، والطائرة مثلها: لولا أن الغالب السلامة ما جاز لأحد أن يركب بين السماء والأرض معرضاً نفسه للخطر، والباخرة لولا أن الغالب فيها السلامة لما جاز لأحد أن يركبها فيعرض نفسه للغرق، كل هذا مبني شرعاً على غلبة الظن، وبها استقامت مصالح العقلاء والحكماء واندرأت بها المفاسد، فالشريعة تتعبد بغالب الظن.
مسألة: لا عبرة بالظن البين خطؤه، عدل وإنصاف، وقد تعبدك الله أن تعمل بهذا الظن الغالب، لكن لو ظهر لك أنه خطأ رجعت عنه؛ لأن الرجوع إلى الحق فريضة وليس بفضيلة فقط، مثلاً: لما يقول العلماء: لا عبرة بالظن البين خطؤه، فهذا في الحقوق، من أمثلته: شخص أعطاك ألف ريال ديناً، فقلت له: رددتها لك، قال: ما رددتها، مثل التجار يتعاملون كثيراً بهذا، كل يوم يأخذ ويعطي.
فجاءه شخص ظن أنه أعطاه، فقال له: أعطيتك، قال التاجر: ما أعطيتني.
اختصموا عند القاضي، من حقك أن تقول: والله أعطيته؛ لأن غالب ظنك أنك أعطيته، وبعد شهر أو شهرين أو سنة أو مائة سنة، تبين لك أنك أخطأت في هذا الظن، فحينئذ يجب عليك أن تقضي الرجل حقه، ونقول: لا عبرة بالظن الذي بان خطؤه في حقوق العباد.
من أمثلتها في حقوق الله عز وجل: مسألة الصوم، إن أكلت وأنت تظن أن الفجر ما طلع، ثم بعد ما أكلت أقيمت الصلاة، فأنت في المسألة الأولى في حق المخلوق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى)، فمذهب طائفة من العلماء أنه إذا بان لك الخطأ وجب عليك القضاء؛ لأنه إذا كان في حقوق المخلوقين يجب القضاء إجماعاً؛ فحق الله أولى أن يضمن، فنقول: ظنك أن الفجر لم يطلع يسقط عنك الإثم، وتبينك للخطأ يوجب عليك رد الحق، سواء كان لله أو للمخلوق.
فللمخلوق تقضي الدين الذي عليك وللخالق تقضي ذلك اليوم؛ لأن الله تعبدك أن تصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأنت لم تصم صياماً تاماً كاملاً، فحق الله ينبغي أن يؤدى، ودين الله ينبغي أن يقضى، ولذلك قاس النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة، قال: (أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى)، فأنت إذا تبين لك الخطأ في حق المخلوق فإنه تؤديه، كذلك في حق الخالق ما لم يرد النص بالاستثناء، فلا عبرة بالظن البين خطؤه.
فنقول: قاعدة العمل بغلبة الظن؛ معمول بها في حال غلبة ظنك، وقاعدة: لا عبرة بالظن البين خطؤه معمول بها بعد الاستبيان، فأنت تعمل بالأصل حتى يتبين لك خلافه، وبهذا تكون القاعدتان صحيحتين ولا إشكال فيهما، والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
حكم العمرة بعد الحجحكم ثوب الإحرام الذي فيه أزرارحكم حج من اعتمر في أشهر الحج ثم نوى الحجالسؤالالجوابحكم صيام أيام عشر ذي الحجةالسؤالالجوابحكم الدم إن أصاب الثوبالسؤالالجوابحكم معارضة الوالد إن أراد غير المعروفالسؤالالجوابباب نفقة الأقارب والمماليك [2]ما يشترط لوجوب نفقة القريبشرط فقر القريب مع عجزه عن الكسبأن تفضل النفقة عن قوت نفسه وزوجته ورقيقهأن يكون الإنفاق زائداً على الكسوة والسكنأن تكون النفقة لديه من حاصل أو متحصلأن لا ينفق من رأس المالأن لا ينفق من ثمن بيع أملاكهالسؤالأن لا ينفق من ثمن آلة صنعتهوجوب النفقة على الورثةالنفقة على القريب المحتاج على قدر الميراث منه لو مات إلا في الأبالسؤالإذا اجتمع الذكر والأنثى من قرابة المعسرالأسئلةحكم نفقة الزوج على زوجته المريضةالسؤالالجوابأنواع الإجارة في الحجالسؤالالجوابحكم استئجار بئر الماءالسؤالالجوابحكم التصرف في أوقاف المسجد إن كانت معطلةالسؤالالجوابالوقت الذي تستباح به رخص السفر للمسافرالسؤالالجوابالجمع بين لغو اليمين وإنشائهالسؤالالجوابحكم إهداء العامل من أملاك سيدهالسؤالالجوابباب نفقة الأقارب والمماليك [3]إذا كان القريب الحاجب معسراً والمحجوب موسراً لم تجب النفقة على أحدهماالسؤالوجوب النفقة على الجدة إن أعسرت الأمالنفقة على القريب المعسر وعلى من تلزمه نفقتهلا نفقة مع اختلاف دين إلا بالولاءوجوب الاسترضاع وأجرته على الوالدحق الأم في الرضاعحالات إلزام الأم إرضاع ولدهاحكم طلب الأم أجرة إرضاع ولدهاحكم منع الزوج الثاني إرضاع ولد الأولالأسئلةحكم التضييق على الأهل للنفقة على المحتاجينالسؤالالجوابحكم رفع الصوت بالقراءة في قضاء الصلاة الجهريةالسؤالالجوابالفرق بين قاعدتي التعبد بالظن وعدم التعبد بهالسؤالالجواب
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل