الشروط المشروعة والشروط الممنوعة في الرهن
بعد أن فرغ المصنف رحمه الله من مسألة العدل، دخل في قضايا الشروط، فهناك في الرهن شروط شرعية توافق مقتضى العقد، وهي الشروط المشروعة، وهناك شروط غير شرعية لا توافق مقتضى العقد، وهي الشروط الممنوعة.
عندنا شروطٌ مشروعة، وشروطٌ ممنوعة.
فالشروط المشروعة: أن يقول له الراهن: إن انتهى الأجل فقد أذِنتُ لك أن تبيع الرهن.
أو يقول من له الدين: أشترط عليك أنك إذا عجزت عن السداد بعت وقضيت دينك، فيقول: قبلت.
وكذلك إذا قال له: هذه العمارة قيمتها مليون، فأعطني رهناً، فقال: أرهنك أرضي الفلانية، فقال: قبلت، ولكن أشترط عليك أن تكون عند محمد، -وهو رجل عدل- فقال: قبلت، فمحمد العدل الصالح حينما يوضع عنده الرهن يُقصد منه المحافظة عليه، فكأن هذا الشرط قصد منه صاحب الدين أن لا يفوت الرهن، فهو يشترط شرطاً يوافق مقتضى الشريعة من بقاء الرهونات، فهذا يسمى: شرطاً شرعياً.
وهكذا لو قال له: أشترط أن يكون عند محمد، وأنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون محمد مأذوناً له بالبيع، ولا يحتاج أن يستأذن مرة أخرى، فقال: قبلت، فكتب بينهم العقد على ذلك، فحينئذٍ احتاط من له الدين باحتياطين، واشترط عليه شرطين: الشرط الأول: أن يكون الرهن عند فلان من الناس المعروف بالأمانة والحفظ، فهذا شرط شرعي؛ لأنه يوافق الشرع، ويوافق مقتضى عقد الرهن من المحافظة عليه.
الشرط الثاني: أنه إذا تم الأجل ولم تسددني فيكون العدل مفوضاً ومأذوناً له بالبيع، فقبل الآخر.
إذاً: عندنا رهن، وعندنا شرطان، وكلا الشرطين إذا تأملتهما وجدتهما موافقين لمقصود الشرع من الرهن، فنقول: هذا شرط شرعي، ولو كان المرهون شيئاً يسيراً، ونحن نمثل دائماً بالأشياء الغالية؛ لأنها تلفت النظر، وتجذب الأنظار، لكن حتى في الأشياء اليسيرة فإنه يأخذ نفس الحكم، حتى لو رهنه ساعة، كأن يقول له مثلاً: يا فلان! أنا بحاجة إلى خمسمائة ريال إلى نهاية ذي الحجة من هذا العام، قال له: أُعطيك ولكن أعطني رهناً، فقال: هذه ساعتي رهنٌ عندك، فقال: أشترط عليك أن تكون عند محمد، أو عند زيد، وأنك إن لم تسددني عند تمام الأجل فإنه يبيعها.
إذاً: الفقه إذا سُئلت عن الشروط في الرهن فقُل: تنقسم إلى قسمين: إما أن توافق مقصود الشرع، وإما أن تُخالف مقصود الشرع، فنحن لا نُبطل الشروط في الرهن، ولا نُثبتها بإطلاق، وإنما العدل الذي أمرنا الله به أن ننظر فإن كانت هذه الشروط قَصَد بها العاقدان أو أحدهما الاستيثاق وإيصال الحق لأهله، فنقول: هذه شروطٌ شرعية؛ لأن الشريعة قامت على ذلك؛ بل إن الله سبحانه لم يشرع الرهن إلا لكي يصل كل ذي حق إلى حقه، فإذا ثبت هذا فنقول: هذا شرطٌ شرعي، أما لو كان الشرط يخالف مقتضى عقد الرهن، ويخالف شرع الله عز وجل، فإنه لا يكون شرطاً شرعياً.
وحينئذٍ نص المصنِّف رحمه الله بقوله: (لم يصح الشرط وحده).
يبقى
السؤال
هل يُلغى عقد الرهن؟ أو يُلغى الشرط ويصح عقد الرهن؟ نص المصنف على أن الشرط يبطل ويبقى عقد الرهن صحيحاً؛ لأن القاعدة تقول: الإعمال أولى من الإهمال، فإعمال وإبقاء عقد الرهن هو الأصل، حتى يدل الدليل على أنه مُهمل، وأنه منفسخ بمثل هذا الشرط، فحينئذٍ نحكم بانفساخه، والأصل بقاء ما كان على ما كان، فنقول: الرهن في الأصل إذا وقع بينهما واتفقا عليه أنه تام.
صحة الشروط أثناء العقد وبعده
والشروط الشرعية التي ذكرناها تكون أثناء عقد الرهن، وتكون بعد الرهن بيوم أو يومين، أو بمدة، فمثلاً: لو أنه رهن عنده وجاءه بعد الرهن بيوم، وقال: يا فلان! نحن اتفقنا على أن تكون السيارة عند محمد، ولكني أطلب منك شرطاً وهو أنه إذا حضر الأجل أن يتولى محمد البيع دون أن ينتظر إذناً منك؛ لأنك رجل كثير السفر، وأنا رجل أريد حقي؛ لأن هذا الدين والمال الذي أعطيتكه متعلِّق بأموال أُناس أو حقوق أناس، فما أريد أن أتعطّل، فأريد إذا حضر الأجل أن يُباع الرهن ويُعطَى حقي، فقال له: لك ذلك، فالشرط لم يقع أثناء العقد، وإنما وقع بعد العقد، فإن تراضيا عليه في حال العقد أو تراضيا عليه بعد العقد، فالحكم واحد، وهو شرطٌ شرعي معتبر.
أحوال الشرط والعقد من حيث الصحة والبطلان
وقوله: (لم يصح الشرط وحده)، أي: أننا نُبطِل الشرط، ولكن نصحِّح عقد الرهن، وفي بعض الأحيان تأتي شروط في العقود، وتكون الشروط فيها: على أحوال فتارةً يلغى الشرط مع العقد، وتارةً يلغى الشرط ويصح العقد، وتارة يصح العقد والشرط.
فإما أن تصحِّح العقد وتلغي الشرط، أو تصحِّح العقد والشرط، أو تُلغي العقد والشرط، فهذه ثلاثة أحوال.
ففي بعض الأحيان تصحِّح الشريعة الشرط مع العقد، وهذا إذا كان شرطاً موافقاً لشرع الله عز وجل، سواءً في البيع، أو في النكاح، كأن يشترط شرطاً يوافق الشريعة، وليس فيه غرر، وليس فيه أمر محرم، فنصحِّح العقد الذي هو عقد النكاح ونصحِّح الشرط.
وفي بعض الأحيان يكون الشرط موجباً لإلغاء العقد؛ كأن يشترط شرطاً يُوجِب دخول الغرر في العقد، وهذا الشرط يمنع من مضي العقد، والأصل مضيه، ويمنع من لزومه، والأصل لزومه، فيضاد الشرع، فمثل هذه الشروط إذا وقعت في العقد وتَركّب العقد منها، فإنه يُلغى الشرط ويُلغى العقد، ومن هذا: البيعتين في بيعة، فلو قال له مثلاً: أبيعك هذه الدار بشرط أن تبيعني دارك، فقالوا: هذا هو البيعتان في بيعة؛ لأن البيعتين في بيعة فيها ما يقرب من أربعة أقوال للعلماء رحمهم الله: ومنها قوله: أبيعك داري بشرط أن تبيعني دارك، فحينئذٍ كأنه عاوض بين الربحين، وكأنه يبيع ربح تلك بربح هذه، ويكون مقابلاً للمال بالمال على وجهٍ يُدخِل شبهة الربا.
والبيع يفسد بحرمة عين المبيع، أو بالغرر، أو بالربا، أو بالشروط التي تئول إلى الربا، أو إلى الغرر، أو مجموع الأمرين.
وقد تقدَّمت معنا أمثلة في كتاب البيوع على الشروط الفاسدة المنهي عنها شرعاً، والتي توجب فساد العقود، كأن يقول له: أبيعك هذه الدار على أن لا تبيعها لأحد، فإن هذا الشرط يخالف مقتضى عقد البيع، ويخالف شرع الله؛ لأن شرع الله أنك إذا ملكت الدار فإنه من حقك أن تبيعها، فيقول العلماء: إذا قال له: أبيعك الدار بشرط أن لا تبيعها لأحد، فحينئذٍ هذا البيع فاسد؛ لأن البيع تَركّب من شرطٍ يخالف مقتضى العقد، حيث تم العقد وتركب منه.
وبعض العلماء يصحَّح البيع ويُلغي الشرط، لكن الذي ذكرناه أقوى.
وفي بعض الأحيان يُلغى الشرط والعقد، وتارةً يُلغى الشرط ويبقى العقد صحيحاً، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بريرة رضي الله عنها، فإن بريرة اشترط أهلها أن الولاء لهم، وهذا الشرط يخالف شرع الله عز وجل؛ لأن الولاء لمن أعتق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)، فصحَّح البيع وألغى الشرط.
وعلى هذا يقول العلماء: إن الشروط تأتي على هذه الصور كلها: فإما أن توجب فساد العقد فيلتغي الشرط والعقد، وإما أن تكون موافقة للشرع، فيُصحَّح العقد ويلزم الشرط، وإما أن يصح العقد ويلتغي الشرط.
ومن القصص العجيبة التي وقعت لبعض السلف: أنه وقع له بيعٌ بشرط، فسأل بعض العلماء عن حكم هذا البيع؟ فقال: البيع فاسد بهذا الشرط الفاسد، ثم سأل ثانياً، فقال له: البيع صحيح والشرط فاسد، ثم سأل ثالثاً، فقال له: البيع صحيح والشرط معتبر؛ لأنه خفّف في ذلك الشرط واعتبره موجباً.
ثم لما رجع إليهم، فوجد الذي يقول بصحة العقد وفساد الشرط يحتج بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة بريرة، حينما اشترطوا شرطاً لا يوافق شرع الله، فألغى الشرط وصحَّح العقد.
والذي قال بصحة العقد والشرط احتج بحديث جابر رضي الله عنهما، لما باع جمله من النبي صلى الله عليه وآله وسلم واشترط حملانه إلى المدينة، وهو في الصحيحين، فقال: الشرط صحيح والعقد صحيح.
والذي قال بفساد العقد وفساد الشرط، احتج بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الثنيا في البيع، وعن بيعٍ وشرط؛ لحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيعٍ وشرط).
فكل منهم يحتج بسنة، والواقع أن هذه السنة لا تتعارض، وذلك كما ذكرنا: إن كان الشرط يخالف مقتضى العقد تماماً، وينبني العقد عليه مع فساده، فإن هذا يدخل على العقد ويوجب فساده فيلتغيان، وإن كان موافِقاً صُحِّح، وإن كان لا يدخل على العقد، ويُراد به منفعة أحد المتعاقدَين على وجه يوجب الفساد، فإننا نقول بفساد الشرط وصحَّة العقد، وهذا هو المعوّل عليه عند المحقّقين من العلماء رحمهم الله في التفصيل في الشروط.
فالخلاصة: أن الرهن فيه شروط مشروعة، وهي التي لا تخالف مقتضى العقد، ويشترطها صاحب الدين ليستوثق بها من دينه، ونحو ذلك، وهناك شروط ممنوعة، وهي التي تخالف شرع الله عز وجل، وكلٌ منهما فصّلنا حكمه، فإن كانت مشروعة شُرعت ولَزِمت، وإن كانت ممنوعة بطَل الشرط وبقي الرهن على ما هو عليه.
قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده
قال رحمه الله: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده].
قوله: (ويُقبل قول الراهن في قدر الدين)، المسائل من الآن مسائل قضائية، والأصل أن مسائل القضاء تؤخَّر إلى باب القضاء، فهناك كتاب جعله العلماء رحمهم الله في الأخير يقال له: كتاب القضاء، وكتاب القضاء يُبيِّن العلماء رحمهم الله فيه آداب القاضي، وصفة الحكم بين الخصمين، والبيِّنات والأدلة والحجج، وتعارض البيِّنات والحجج، وأنواع البيِّنات.
إلى آخر ما يتبع كتاب القضاء.
لكن من عادة العلماء رحمهم الله أنهم ربما أدخلوا بعض المسائل في أفراد العقود وألحقوها بها، وإن كانت مندرجة تحت أصل سيقرِّرونه في القضاء، وإلا فالأصل أنها تقرر في باب القضاء، لكن قد يأتون في الرهن ويتكلمون على هذه المسائل؛ لأنها مسائل خاصة، وهي في الحقيقة مندرجة تحت أصول كتاب القضاء، وقد سبق أن بيّنا في المجلس الماضي أن مسألة المدَّعِي والمدّعَى عليه هي التي ينبني عليها طلب الدليل من المدّعِي، وطلب اليمين من المنكر، وهو المدّعَى عليه، وقلنا: إن العلماء رحمهم الله لمّا جاءوا إلى كتاب القضاء، ذكروا أن من أهم ما ينبغي على القاضي في كتاب القضاء: أن يعرِف من المدّعِي ومن المدّعَى عليه؟ فإذا ميّز بين المدعِي والمدّعَى عليه أمكنه أن يقضي؛ لأنك إذا عرفت من المدّعِي ومن المدّعَى عليه، قلت للمدّعِي: أحضر الدليل، هذا إذا أنكر المدّعَى عليه.
مثاله: جاء شخص وقال: لي على فلان ألف، فنقول: يا فلان! هل له عليك ألف؟ فإذا قال: لا.
فنقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول له: ليس لك إلا يمينه؛ وذلك لما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (البيِّنة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)، فإن حلَف اليمين، فقد دفع بها التهمة أو الدعوى عن نفسه.
إذاً: تمييز المدَّعِي عن المدّعَى عليه مهم، ولو أن قاضياً لم يعرف من المدَّعِي والمدّعَى عليه؛ لما استطاع أن يقضي؛ لأنه إذا لم يميِّز من الذي قوله يوافق الأصل، وقوله يوافق العرف، وقوله يوافق الظاهر؛ فإنه لا يستطيع أن يقول: ائتني ببينة؛ ولما عرف من الذي يُخاطَب بالبيِّنة، ومن الذي يُخاطَب باليمين، فلمّا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدَّعِي واليمين على من أنكر)؛ لزم على القاضي أن يعرف ويميِّز بين المدَّعِي والمدّعَى عليه، قال الناظم: تمييز حال المدعي والمدعى عليه جملة القضاء وقعا فالمدَّعِي من قوله مجرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادّعَى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى وقد شرحنا هذا وبيّناه، وبناءً على ذلك نطبِّق هذه القواعد التي سبق شرحها: أن المدَّعَى عليه يُنكر، ويقول: لم يكن، والمدَّعِي يقول: قد كان.
أو يكون المدَّعى عليه قوله يوافق الأصل، والمدعي قوله يخالف الأصل.
وهنا في مسألة الدين: قول من عليه الدين -وهو الراهن- موافق للأصل.
وتوضيح ذلك: عندما نأتي عند سداد الدين -والمصنِّف رحمه الله من دقته أن أخّر هذه المسألة إلى آخر باب الرهن؛ والسبب في هذا: أنه عند بيع الرهن تقع الخصومات: هل الدين ألف، أو ألفان، أو ثلاثة؟ - فعندما نأتي عند سداد الدين فربما في بعض الأحوال يقع بينهما اختلاف في قدر الدين، فالسؤال الآن الذي يحتاج إلى إجابة: هل نقبل في قدر الدين قول الراهن أو نقبل قول خصمه؟ بمعنى: هل الذي يحدد قدر الدين هو الذي عليه الدين، أو الذي أعطى الدين؟ هذا سؤال لا بد له من إجابة.
و
الجواب
أن المدَّعِي هو المرتهن، صاحب الدين، والمدّعَى عليه هو الراهن.
مثل أن يقول صاحب الدين: عند محمد مليون، فقال محمد: بل دينك مائة ألف.
فهنا وقعت الخصومة؛ لأن صاحب الدين ادعى عليه أكثر، فقال له: بل ديني مليون، فإذا قال محمد المديون: إن الدين مائة ألف، وقال عبد الله: بل مليون، فإننا متحققون وعلى يقين أن الدين مائة ألف؛ لأن كلاً منهما -الذي قال: مائة ألف، والذي قال: مليون- متفقون على أن المائة ألف موجودة؛ فالذي قال: الدين مليون قد أثبت وجود مائة ألف، وكذلك الذي قال: إن الدين مائة ألف، إذاً اليقين أنها مائة ألف، وشككنا فيما زاد عليها، فهذا الزائد نقول لصاحب الدين: أثبت وجوده.
فدائماً نجد أن المديون مدّعَى عليه، وقوله موافق للأصل؛ لأننا قلنا: هناك أمارات للمدَّعَى عليه، منها: أن يوافق قوله الأصل، أو يوافق العرف، أو يوافق الظاهر، فهنا ثلاث حالات: يوافق الأصل كما في مسألتنا؛ لأن الأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
فالأصل أنه لما ثبت اليقين عندنا أنه مديون بمائة ألف، ثبت كونه مديوناً، لكن المبلغ الزائد، الأصل براءة ذمته منه، حتى يَثْبُت أنه مديون بها؛ ونعتبرها دعوى يُطالَب صاحبها بالدليل.
ولما قال له صاحب الدين: لي عليك مليون، فقال: لا، بل لك علي مائة ألف.
فإنه منكِر للزيادة، فيكون مدَّعَى عليه، فقوله حينئذ مُعتبَر.
فإذا قال العلماء: القول قول فلان، فمعناه: أنه مدَّعَى عليه.
ودائماً نجد في باب الرهن، وفي باب الخصومات، وفي الحوالة، وفي العارية: القول قول فلان، ومعناه: أنه مدّعَى عليه، وأن خصمه هو الذي يُطالَب بالدليل.
مسألة نفي الرهن وما يترتب عليها من أحكام
هذا في مسألة قدر الدين، وأن يكون المديون مقراً بأصل الدين، ولكن الخلاف فيما هو زائد، أما لو نفى كونه رهناً، وقال: إنما أعطيته عارية، ولم أعطه رهناً، وليس له عليَّ شيء، فحينئذٍ أنكر الدين أصلاً.
فإذا أنكر الدين، وقال له صاحب الدين: بل أعطيتني هذا الشيء رهناً، وأنت مدينٌ لي، فبعض العلماء يقول: إن الرهن وصفٌ زائدٌ على العارية، فيُطالَب من يدَّعِي الرهن ويدّعِي كونها محبوسة بالدليل؛ لأن الأصل ملكية الشخص لهذا الشيء، فإذا ادعاه رهناً، فمعناه: أنه يريد أن ينقل عنه الملكية في المآل.
فنقول لمن يدعي أن هذا الشيء رهن: أثبت أنه استدان منك، وعليه فهناك عدة مسائل: فتارةً ينفي الدين، فإذا نفى الدين فيُطالب صاحب الدين بإثبات كونه مديوناً؛ لأنه يمكن في بعض الأحيان أن يأتي شخص ويأخذ منك السيارة عارية، ويقول: سأذهب بها إلى قضاء حاجة وآتي، ثم بعد أن يعود تأتي فتقول له: أعطني سيارتي، فيقول: لا، هذه رهنٌ بعشرة آلاف لي عليك.
إذاً: الأصل عدم وجود الدين، والأصل عدم شغل ذمته بالدين، فليس كل شخص أخذ متاع أحدٍ، أو احتبس متاع أحدٍ، أو كان واضعاً يده على متاع أحدٍ يُقبَل منه ادعاء الرّهن، فإذا أنكر الدين بالكلية فالقول قول المنكِر، الذي هو صاحب السلعة، ومالكها، ويُطَالب من يدّعي كونها رهناً بالدليل، على نفس الأصل الذي قررناه؛ لأنه لو فُتح هذا -كما ذكرنا- لادعى أناس أموال أناس، فقد يأتيك شخص ويقول لك: أعطني سيارتك لأذهب بها إلى حاجة، ثم يقبضها ويذهب ويمتنع من إعطائها لك، ويقول: أعطيتنيها رهناً بعشرة آلاف أو ما إلى ذلك.
فحينئذٍ لن تستطيع أن تأخذ سيارتك؛ بل إنه يدَّعِي عليك شغل الذمة، فلو فُتِح هذا الباب لتسلّط الناس على أموال بعضهم، فالشريعة تقول في هذه الحالة: الأصل أنك غير مديون؛ لأن القاعدة: أن الأصل براءة الذمة، وهذه قاعدة منتزعة من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادعى أقوامٌ أموال قومٍ ودماءهم)، فلو كل شخص يدَّعِي لذهبت أموال الناس وذهبت أعراضهم، وذهبت كذلك دماؤهم.
إذاً: لا نقبل ادعاءه بكونه مديوناً، هذا أولاً، وثانياً: إذا أقر أنه مديون واختلفا في قدر الدين، فإننا نرجع إلى قول المديون، ونقول: اليقين القدر الذي ذكره والزائد يحتاج إلى دليل.
ويقبل قول الراهن في قدر الدين قليلاً كان أو كثيراً.
إقرار المدين بالدين
ثم هنا مسألتان: أولاً: أنه إذا قال: لك عليّ ألف، وقال صاحب الدين: نعم هي ألف، فنقبل قوله؛ لأنه شهِد على نفسه، وهذا يسمى: إقرار، وأقوى الحجج في القضاء هو الإقرار؛ لأن الإقرار شهادة الإنسان على نفسه، فإذا شهد الإنسان على نفسه فإن الغالب أنه لا يشهد على نفسه بالضرر؛ لأن الله جعل للإنسان العقل، والعقل يعقِله عن أن يُدخِل الضرر على نفسه، وما دام أنه عاقل، وأنه أهل للتصرف في ماله، ليس إنساناً مجنوناً، ولا إنساناً عنده خفَّة وعته؛ فهذا الإقرار حجّة، ومن هنا يقول العلماء كلمة مشهورة: إن الإقرار سيد الأدلة، أي: أقوى الحجج؛ لأنك لن تجد أصدق من شهادة الإنسان على نفسه.
وعلى هذا نقول: إنه إذا أقر بكونه مديوناً لزمه، ويُقبل قول الراهن في قدر الدين؛ لأنه شهادة منه على نفسه.
ثانياً: يُقبل قوله معارضاً لقول خصمه؛ لأن قوله يقين، فإذا اختلفا في القدر وكان الأقل فهو يقين والزائد خلافه، فيُطالَب من زاد بالدليل، والأصل براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها.
قبول قول الراهن في قدر الرهن
قوله: (والرهن).
أي: يقبل قول الراهن في قدر الرهن الذي أعطاه، وذلك عندما يعطي الراهن سيارته للمرتهن، ثم يقول المرتهن: ما أعطيتني السيارة كاملة، بل أعطيتنيها ناقصة، فحينئذٍ يقول بعض العلماء: إن الرهن يُقبل فيه قول الراهن، وقال بعض العلماء: يقبل فيه قول المرتَهِن، لأنه مدَّعَى عليه، فإذا ادعى الراهن أن قيمة الرهن أكثر، فمعناه أنه يدَّعِي الأكثر.
فبعض العلماء يرجِّح أنه يُقبل قول الراهن في قدر الدين، ويقبل قول المرتهِن في قدر الرهن، وفُرِّق بينهما؛ لأن اليد في الرهن غير اليد في قدر الدين، ومن هنا ففيه إقرارٌ ثابت بشغل الذمة في الديون، وهذا يستلزم أنه قد أثبت شغل ذمته، فيبقى الادعاء زائداً بالقدر، فيكون القول قول الراهن، بخلاف المسألة الثانية، ولهذا فرق بينهما، واختار المصنِّف أنه في قدر الرهن يُقبل قول الراهن.
وتوضيح ذلك أكثر: أنهم يجعلون الراهن مدَّعَى عليه، فهو يقول: إن الرهن كامل، وذلك إذا وقع اختلاف في النقص والزيادة في الرهن، فإذا قال الراهن: إن الرهن كامل، فقال المرتَهِن: ليس بكامل.
فحينئذٍ يقولون: إن الأصل كماله؛ لأنه لا يمكن أن يعطيه رهناً لقاء دين إلا وهو كامل في الغالب.
مثلاً: لو كان الدين مليوناً، ثم ادَّعى أنه رهنه مزرعة بقيمة المليون، فقال: بل أعطيتني مزرعةً بنصف مليون.
قالوا: فيُقبل قول الراهن؛ لأن الراهن يكون هو المدَّعَى عليه.
ويقول: إمام دار الهجرة، الإمام مالك رحمه الله -وأميل إليه في الحقيقة- يقول: يُنظَر إلى وجود الشبهة، فإن كان الرهن الذي أعطاه مقارباً؛ فإننا نقبل قول أقربهما إلى هذا -يعني في القدر- وإن كان الرهن الذي يدَّعِيه المرتَهِن أقل، فإننا نقبل قول الراهن، فيجعل التهمة معتبرة لترجيح أحد القولين، فإن كان الذي يزيد -وهو الراهن- معادلاً للدين قبلنا قوله، وإن كان الذي ينقص -وهو المرتهن- مقارباً للدين قبلنا قوله.
فهذا -مثلاً- يقول: رهنتك مزرعة قيمتها مليونان، والدين مليون، فيقبل هنا قول الذي له الدين في أنها بمليون؛ لأنه يدَّعي عليه أمراً زائداً في شبهة قامت، على أن الأصل والأقوى أنها بمليون؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يرهن الأكثر في الأقل.
فقالوا: إن هذه شبهة تقوِّي قول صاحب الدين، وهذا الذي سبق أن ذكرناه بالإجمال، وأما إذا كان العكس، بأن قال الراهن: رهنتك مزرعة قيمتها مليون، فقال المرتهن: بل رهنتني مزرعة قيمتها ربع مليون، والدين مليون، فحينئذٍ يكون القول قول الراهن، وأما المرتَهِن فقوله خلاف الظاهر.
فهذا ترجيح وإعمال للظاهر مع وجود الشبه.
وهذا التفصيل حقيقة فيه قوة خاصة عند فساد الزمان؛ لأن الغالب أن الناس كلٌ منهم يحتاط عند فساد الزمان، ويكون الرهن غالباً مقارباً، إلا أن القول الذي اختاره المصنِّف ينبني على احتمال أن الشخص يرهن شيئاً زائداً عن دينه، وهذا يقع في بعض الأحوال، لكن الحكم للغالب والنادر لا حكم له.
وعلى هذا يقولون: عند الاختلاف يرجع إلى الترجيح، وإن كان أحد الخصمين مظلوماً.
إذاً: لا بد أن ننظر إلى الأرجح، وإلى أكثر الصور رجحاناً ونحكم بها، وهذا منهج في التشريع معروف، ولذلك لما قال الشرع: (البينة على المدَّعِي) قد يكون المدَّعِي من أصلح خلق الله، ولا يكذب، ولو ضُرِبت عنقه ما كذب، فهل تكون البينة على المدَّعِي سواءً الصالح والفاجر؟ فنقول: نعم.
فالشريعة تنظر إلى أغلب الناس، ولذلك قال الناظم: والمدَّعِي مطَالَب بالبيِّنه وحالة العموم فيه بيِّنه قوله: (والمدعي مطالب بالبينة) أي: بالدليل، سواء كان فاجراً أو صالحاً، وقوله: (وحالة العموم فيه بيِّنة) يعني: واضحة ظاهرة، وهذا مما اتفقا لفظاً واختلفا معنى.
فنحن إذا نظرنا إلى أصل الشريعة العامة، فإنها تنظر إلى الغالب، فكون الرهن في الغالب قريباً من الدين، هو الذي نحكم به، ويترجّح قول الإمام مالك في هذه المسألة، وهو الذي أميل إليه، واختاره بعض العلماء رحمهم الله، وبعض أصحاب الإمام أحمد، أنه يُنظر إلى الشبهة، فإن قويت الشبهة رجحت قول أحدهما، فيكون حينئذٍ القول قوله، ومن كان قوله أضعف شبهة فإنه يكون مدَّعياً فيُطالَب بالبيّنة.
قبول قول الراهن في رد الرهن وعدمه
قوله: (ورده).
كذلك يقبل قول الراهن في رد الرهن.
فمثلاً شخص له على المديون مليون، فسدد الدين، والحكم شرعاً أنه إذا سُدِّد الدين، فيجب على من له الدين أن يرد الرهن، مثال ذلك: شخص اشترى من شخصٍ عمارة بخمسمائة ألف، وأعطاه أرضاً رهناً على أن يسدد في نهاية العام، فلما جاء الأجل أعطاه الخمسمائة ألف كاملة تامة، فيجب على المرتَهَن أن يرد الرهن، فإذا قال الراهن: أعطني رهني، فقال المرتهن: قد أعطيتك، فقال: ما أعطيتني، فاختلفا هل رد الرهن أو لم يرده؟ فنقول: أولاً: اليقين أن الرهن موجود عند المرتَهِن؛ لأنه أخذه لقاء دينه، واستوثق به لقاء دينه، فنحن على يقين أن ذمته مشغولة بهذا الرهن حتى نتحقق من رده لصاحبه.
فإذا قال القاضي للمرتهن: هل أعطاك فلان رهناً؟ فقال: نعم، قال له: هل رددت له رهنه؟ فقال: نعم، رددت له الرهن، وحينئذٍ سأل القاضي خصمه: هل ردّ لك الرهن؟ فقال: لا إذاً نحن على يقين أن ذمة فلان -الذي هو صاحب الدين- مشغولة؛ لأنه اعترف أنه أخذ رهناً، لكن لو أن الراهن قال: أعطيته رهناً في دين، فقال المرتهن: ما أعطاني رهناً، فنقبل قول المرتَهَن؛ لأن الأصل أنه لم يأخذ رهناً حتى يقوم الدليل على أنه أخذ رهناً.
إذاً: في إثبات الرهن القول قول صاحب الدين وهو المرتَهَن، وبعد أن يثبُت الرهن، ففي رد الرهن القول قول الراهن؛ لأننا تحققنا من شغل ذمة المرتَهِن، حتى يدل الدليل على أنها برئت ذمته، وأنه سدد أو رد الرهن إلى صاحبه.
فكما أنه رد له حقه كاملاً، فيجب عليه كذلك أن يرد الرهن كاملاً على ما اتفقا عليه.
الأسئلة
حكم شراء السلعة وجعلها رهناً لقاء قيمتها عند بائعها
السؤال
ما الحكم لو بعته سيارة بالتقسيط على أن يعطيني رهناً، فرهنني السيارة نفسها، وأذِنت له في التصرُّف على أن لا يبيعها حتى ينتهي السداد أثابكم الله؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن هذا النوع من البيوع فيه شبهة، وعلى هذا يُقال: إن الرهن وقع على نفس المبيع، وحينئذٍ لم يكن على سنَن الرهن المعروف شرعاً؛ لأن الأصل في الرهن أن يكون بعينٍ يُستوثق بها لقاء الدين، وأن تكون هذه العين منفكة عن أصل التعاقد؛ لأن المقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وعلى هذا فإنه يقوم بإلغاء العقد الأصلي، فهو إذا باعه السيارة، وجعل السيارة نفسها رهناً، فإن معنى ذلك: أنه سيُبقي هذه السلعة معه، وإذا تم الأجل وعجز عن السداد ستُباع، وإذا بيعَت فلا شك أنها ستكون أنقص قيمة، ولم يستفد المشتري من السلعة، فيكون قد اشترى العاجل بالآجل مع التفاضل.
والشبهة في هذا ظاهرة.
فالمقصود من الرهن إمضاء العقد الأصلي، وأن يُعطى الرهن من أجل أن تتم الصفقة الأولى، فإذا صارت الصفقة نفسها هي الرهن، فحينئذٍ خالفت المقصود من الرهن، ولذلك فأصل الرهن إمضاء التجارات.
وأكثر توضيحاً نقول: إذا قال له: أبيعك هذا البيت بمليون مثلاً، على أن تدع البيت رهناً عندي، فإنه في هذه الحالة إذا قال له: على أن تسدِّد المليون في نهاية السنة، فإذا لم تسدد سأبيع البيت ثم أسدد وتدفع الناقص، فإذا تم البيع فلن يستطيع أخذ السلعة، ولن يستطيع إمضاء العقد الأصلي، والرهن أصلاً لإمضاء العقد الأصلي، فيبقى البيع نفسه الذي من أجله شُرع الرهن لإتمامه معطلاً بالرهن، أي: أُدخِل الرهن لنقضه خاصة عند العجز عن السداد؛ لأن الإشكال كله عند العجز عن السداد، فإذا حضر نهاية السنة فإنه سيُباع البيت بتسعمائة ألف، فيكون حينئذٍ أوجب عليه (المليون) السابقة، ثم أخذ لقاءها تسعمائة ألف، وخرج الرجل بلا شيء؛ لأنه لا يستطيع أن يؤجر البيت، ولا يستطيع أن ينتفع به طيلة المدة كلها، فصار كالعقوبة عليه لعدم السداد، ثم يلزم بدفع مائة ألف لأجلٍ، وغالباً أن السلعة إذا رُهِنت على هذا الوجه أنها تنقص قيمتها، ولا تبقى على نفس القيمة، فالشبهة في هذا واضحة.
وخلاصة الأمر: أن الله عز وجل إنما شرع الرهن من أجل أن يكون هذا إبقاءً وإنفاذاً للعقد الأصلي الذي هو البيع، فإذا اشترى منه سيارة ورهنه داراً، فإن معنى ذلك: أن الدار هذه جُعِلت من أجل إن عجز عن سداد قيمة السيارة، تُسدَّد القيمة من الدار فيتم البيع الأول، فكأن مقصود الشرع أن يتم البيع الأول.
فإذا أدخل صورة الرهن بشكل يخالف مقصود الشرع من مشروعيته، فإن هذا ليس على سنَن الرهن المعتبر.
وعلى هذا لا يصح أن يكون الشيء مبيعاً مرهوناً، وإنما يكون الرهن بشيءٍ يستوثق به لإتمام الصفقة الأولى، ويدخله شبهة ما ذكرناه من بيع الآجل بالعاجل، على وجهٍ فيه ظلمٌ للمشتري؛ لأنه يمنع من الانتفاع بالسلعة، والأصل أنه إذا اشترى السلعة فمن حقه أن يتصرف فيها.
فلو قال له: أبيعك هذه الأرض على أن لا تؤجرها لأحد، وعلى أن لا تبيعها لأحد، فكل هذا يخالف مقتضى الشرع، فالمؤقت بالممنوع كالمطلق به، فهو إذا أقّت الممنوع وقال: لا تبيعه مدة كذا، فإن هذا يخالف مقصود الشرع من كونه إذا اشترى الشيء كان حر التصرف فيه، وعلى هذا فالأظهر عدم صحة هذا النوع من الرهون، والله تعالى أعلم.
مطالبة الراهن للعدل إن فرط في الرهن
السؤال
ذكرتم أن للراهن أن يقيم دعوى قضائية على العدل إذا فرَّط، فمن المدَّعِي ومن المدّعَى عليه أثابكم الله؟
الجواب
إذا كان العدل قام على الرهن، وطُلِب منه بيع الرهن عند حلول الأجل، وقبضُ الثمن، وإعطاؤه للمرتَهِن، فباع عند حلول الأجل، ثم أقبض بدون إشهاد، فإن اليقين والثابت أن ذمَّته شُغِلت بقيمة الرهن، هذا ليس فيه إشكال؛ لأنه هو يُقِر ويعترف أنه باع الرهن، وأنه سدّد فلاناً؛ لأن القضاء يفصِّل كل كلمة بمعناها، فهو لما يقول: أعطيت فلاناً، فمعناه: أني بعت الرهن ثم أعطيت فلاناً، فحينئذٍ يُمسك ويؤاخذ على قوله: أعطيت فلاناً؛ لأنه لا يُعطي إلا بعد البيع، فكأنه أقر على نفسه أنه باع وقبض الثمن، وبعد قبضه للثمن أعطى فلاناً، سواءً فصَّل ذلك أو أجمله، فإن أجمله فالإجمال متضمِّن للمعنى البيِّن جملة وتفصيلاً، يؤاخذ به كما يؤاخذ به مفصَّلاً، كما لو قال: بِعتُ السيارة بعشرة آلاف، ثم ذهبت إلى فلان وأعطيته المبلغ، فقد أقر ببيعها بعشرة آلاف وإقباض فلان هذا المبلغ.
فنقول: ذمته مشغولة باليقين بعشرة آلاف لصاحب الرهن، هذا يقين وليس فيه إشكال، لكن هل أعطى أو لم يعط، أو أعطى وأخطأ في الإعطاء؟ فربما أعطى شخصاً آخر، وربما أنه أعطى فعلاً ولكن نسي من أعطاه، فيحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً، ونحن لم نطلع على الغيب، ولا نستطيع أن نستجلي حقيقة الأمر، فحينئذٍ نطالبه بالبينة على أنه أَعطَى، فنُحضِر صاحب الدين، ونقول: هل أعطاك فلان العشرة آلاف؟ فإن قال: ما أعطاني، فهناك يقين أن الذمة مشغولة بعشرة آلاف؛ لأنه لو فُتِح لكل عدل أن يقول: لقد أعطيته، ونقول: أعطاه، وانتهى الأمر، فحينئذٍ نكون قد ظلمنا أصحاب الديون، وامتنع أصحاب الديون من الرهن؛ لأنه لا تتحقق الحكمة والمقصود من الرهن، فنقول: إن القول قول صاحب الرهن؛ لأن العدل يعترف بأنه قبض عشرة آلاف ريال، ويدَّعِي، فهو معترف من جهة ومدعي من جهة، يدَّعِي أنه قد أعطاها لفلان، فصارت قضيتان: القضية الأولى: أنه أقر أن في ذمته عشرة آلاف لصاحب الدين، التي هي قيمة الرهن؛ لأنه في بعض الأحيان تكون قيمة الرهن أن يباع بتسعة آلاف أو يباع بثمانية آلاف، فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد ثبت شرعاً في مجلس القضاء ويؤاخذ؛ لأن الإقرار في مجلس القضاء يؤاخذ به الإنسان.
فإذا قال: بِعتُه بعشرة آلاف، فقد أقر أن ذمته شُغِلت بعشرة آلاف التي هي قيمة الرهن، لصاحبه؛ لأن العشرة آلاف ملك لصاحب الرهن.
القضية الثانية: أنه ادعى أنه أعطى فلاناً العشرة آلاف، فنحضر خصمه، وتُقام بينهما الدعوى، فيقال: هل أعطاك؟ فإن قال: ما أعطاني، فنقول للعدل: ألك بينة؟ فإن قال: ما عندي بينة، فنقول: أتحلف بالله؟ فإذا حلَف بالله، انتهت القضية الأولى، فإذا طالب صاحب الدين بحقه، فنقول للمديون: سدد صاحب الدين العشرة آلاف، ثم أقم الدعوى على خصمك الذي هو العدل، وتصل إلى حقك؛ لأنه اعترف وأقر.
ففي مجلس القضاء الأول ثبت فيه الإقرار، ومن الممكن لو خاصمه عند قاضٍ ثانٍ فإنه يقول: قد اعترف عند القاضي فلان أنه قد باع بعشرة آلاف، فلو أنكر العدل بعد ذلك، وقال: ضاع وما بعته، أو تلِف، وما بِعته، أو فلان سحب الرهن من عندي، فنقول للراهن: هل هذا صحيح؟ فإن قال: ما هو صحيح، هذا باع وقد اعترف بالبيع عند القاضي فلان، فإذا ثبت أنه فعلاً أقر في مجلس القضاء؛ فإن الإقرار في مجلس القضاء حجة، ويؤاخذ بهذا الإقرار ويُحكم عليه به.
فالشاهد: أنهما قضيّتان منفكتان، ويؤاخذ بإقراره؛ لأنه حقٌ متعلِّق للغير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب الرهن [5]
مسائل الاختلاف في الرهن من أهم مسائل باب الرهن، ومما يتفرع عليها: قبول قول الراهن في الدين والرهن ورده، وفي كون الرهن مالاً محترماً شرعاً، ومنها: إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن وما يترتب عليه، وإقراره بجناية الرهن على غيره، وأهم أمر ينبغي معرفته في ذلك: من هو المدعي والمدعى عليه.
مسائل الاختلاف في الرهن وأنواعها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنِّف رحمه الله تعالى: [ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده].
سبق أن ذكرنا أن هناك مسائل يختلف فيها قول الراهن والمرتَهَن، وبيّنا أنهما يتنازعان في بعض الأمور المتعلِّقة بالرهن، وأنه ينبغي على طالب العلم إذا قرأ باب الرهن وأحكامه ومسائله أن يُلِمَّ بالمسائل التي يُقال لها: مسائل الاختلاف في الرهن.
وذكرنا القاعدة عند العلماء: أنه إذا أردنا أن نبيِّن أحكام الاختلاف في الرهن، فالواجب علينا أن نعرف من هو المدَّعِي ومن هو المدّعَى عليه، وبيّنا أننا إذا قلنا: فلانٌ مدَّعَى عليه، فمعناه: أن القول قوله، وإذا قال العلماء رحمهم الله: القول قول الراهن، فمعناه: أن الراهن مدّعَى عليه، وأنه يُقبل قوله، حتى يقوم الدليل على صدق قول من خالفه.
وبناءً على هذا: إذا اختلفا في قدر الدين، فقال الراهن: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر ألفاً، فحينئذٍ اختلفا في القدر.
والخلاف يكون في الجنس، ويكون في النوع، ويكون في القدر، ويكون في الصفات.
فمثلاً: يكون الخلاف في الخمسة عشر ألفاً هل هي ريالات -أصلها فضة- أو (دولارات)؟ فيصبح الخلاف في النوع، فيتفقان على القدر؛ لأن كلّهم يقول: الدين عشرة آلاف، لكن اختلفا هل هي (دولارات) فهي أكثر؟ أو هي ريالات فهي أقل؟ فالمديون يقول: هي من الريالات، والدائن يقول: بل من (الدولارات)، أو من الجنيهات، أو نحو ذلك، فالذي يقول الأكثر لا شك أنه يدَّعِي، والغالب أن الأكثر يكون من المرتَهِن، والأقل يكون من الراهن الذي هو المديون، وعلى هذا يختلفان في قدر الدين، ويختلفان في نوعه، فقد يتفقان في القدر ويختلفان في النوع، فهما يتفقان على أن الدين مثلاً عشرة آلاف من حيث القدر، ويختلفان في النوع كما ذكرنا: هل هي من الذهب جنيهات، أو هي من الفضة ريالات؟ وقد يتفقان على النوع -كالفضة- ويختلفان في القدر، فيقول أحدهما: لي عليك عشرة آلاف، ويقول المديون -الذي هو الراهن-: بل لك علي خمسة آلاف.
فحينئذٍ اتفقا على النوع واختلفا في القدر.
وفي هذه المسائل يكون المدّعَى عليه هو الراهن، والمدعِي هو المرتَهِن، أي: صاحب الدين.
والغالب -كما ذكرنا- أن صاحب الدين يذكر الأكثر، والمديون يذكر الأقل، وحينئذٍ إذا قال الراهن مثلاً: لك علي عشرة آلاف، وقال صاحب الدين: بل لي عليك خمسة عشر، فنحن على يقين أنه أخذ عشرة آلاف، والخلاف فقط في الخمسة؛ لأن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر، فإن معناه: أنه يُقر بأن العشرة آلاف ثابتة، وكذلك أيضاً من يقول: لك علي عشرة آلاف، فالقدر المتفق عليه عشرة آلاف، والمختلف فيه الخمسة، وقس على ذلك، فمحل النزاع إذا اختلفا في قدر الدين يكون في الزائد، فإن قال: عشرة آلاف، وقال الآخر: اثنا عشر ألفاً، فالاتفاق على العشرة والخلاف في الألفين.
وإن قال: لك علي عشرة آلاف، فقال: بل لي عليك أحد عشر.
فحينئذٍ الاتفاق على العشرة، والخلاف في ألف.
وهذا الألف الزائد نطالب صاحب الدين بإثباته، ونقول له: ألك بيِّنة؟ فإن قال: ليس عندي بينة، أي: ليس عنده كتابة ولا شهود يشهدون أن الدين أحد عشر، فحينئذٍ نقول: ليس لك إلا يمين المدّعَى عليه، والقول قول الراهن.
هذا بالنسبة لمسألة قدر الدين، فإننا نرجع في قدر الدين إلى الراهن؛ لأنه مدَّعَى عليه.
وقد سبق أن ذكرنا: أن المدَّعِي والمدَّعى عليه لهما ضابط، فقلنا: إما أن يكون بالنفي والإثبات، كقول الناظم: قيل من يقول قد كان ادَّعى ولم يكن لمن عليه يدَّعى فمن يثبت فهو مدعي، ومن ينفي فهو مدَّعَى عليه، فكيف نثبتها هنا؟ وكيف نطبق هذه القاعدة؟ نقول: إن الذي يقول: لي عليك خمسة عشر فهو مُثبِت ومدعي، وهو صاحب الدين، والذي ينفي هو الراهن الذي يقول: ليس لك علي إلا عشرة آلاف، فهو مدعى عليه.
وقيل: من يقول: قد كان، أي: الذي وقع وحصل خمسة عشر هو المدعي، ومعنى قوله: ولم يكن، أي: لم تكن خمسة عشر، إنما كانت عشرة آلاف، هو المدَّعَى عليه وهو الراهن.
وعلى هذا ينطبق الضابط الأول، وهو: ضابط النفي والإثبات.
وكيف نطبِّق الضابط الثاني وهو الأصل؟ وكيف انتزعنا من هذا الضابط أن الراهن مدَّعى عليه، وأن المرتَهِن وصاحب الدين مدعي؟ نقول: الأمر واضح؛ لأن الأصل براءة ذمة المديون الذي هو الراهن، فالأصل أن الخمسة ليست عليه، والمتفق عليه هو العشرة آلاف، فإذا أثبتنا وتيقنا أن ذمته خالية، فإن ذمته بريئة حتى يثبُت ما يدل على شغلها، ولذلك يقول العلماء والفقهاء في كتبهم: الأصل براءة الذمة، فالأصل أنك غير مديون بالخمسة، والأصل أن ذمتك لا تُشْغل بالخمسة إلا بدليل، فإذا كان يقول: لي عليك دين، فأنت تسلم أن له عليك ديناً، لكن تسلِّم بالعشرة وتُنازع فيما زاد، فحينئذٍ تكون الخمسة الزائدة الأصل براءة ذمتك منها، حتى يدل الدليل على شغلها، وعلى هذا تنطبق الضوابط التي ذكرناها على قول المصنف رحمه الله: (ويقبل قول الراهن) أي: أن قول الراهن هو المقبول، وهو المعمول به في قدر الدين، هذا إذا اختلفا، أما إذا اتفقا فلا إشكال.
يبقى
السؤال
إذا اتفق القدر واختلف النوع، فما الحكم لو اتفقا في القدر واختلفا في النوع؟ كأن يقول: لي عليك عشرة آلاف جنيهات، فقيمتها أغلى، فقال: بل لك علي عشرة آلاف ريالات، فحينئذٍ يتنازعان، فبعض العلماء يقول: الأصل أن نحتكم إلى العرف.
فالعرفُ إن شهِد بصدق أحدهما فالقول قوله، لأن العرف إذا كان بالريالات، فقد ذكرنا قول الناظم: تمييز حال المدعِي والمدّعَى عليه جملة القضاء وقعا فالمدعِي من قوله مجرد من أصلٍ أو عرفٍ بصدق يشهد فقوله: (أو عرف بصدق يشهد)، فالعرف يشهد بصدق إحدى الدعاوى، فإذا قال له: لي عليك عشرة آلاف من الجنيهات، وقال الآخر: بل من الريالات، والعرف يتعامل بالريالات، فنقول: القول قول من قال بالريالات؛ لأن العرف يشهد بأن الديون تجري بالريالات لا بالجنيهات، فإن كان العرف بالجنيهات أو (بالدولارات)، حُكِم بذلك العرف.
هذا مما يستثنى في مسألة قول الراهن، لكن بعض العلماء يقول -كما اختاره المصنف-: إنه يُقبل قول الراهن مطلقاً، لكن لو نُظِر إلى قواعد القضاء التي ذكرناها، فيكون هناك تفصيل، فنقبل قول الراهن إذا شهِد الأصل أو شهِد العرف بصدقه.
تابع قبول قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده
قوله: (ويقبل قول الراهن في قدر الدين والرهن ورده) كما إذا قال له: رهنتك سيارةً، فلم تردها.
إذا فرضنا أن الدين عشرة آلاف ريال، فدُفِع سيارة في مقابل الدين، فإذا سدد الراهن، فإنه يجب رد الرهن إليه، فصورة المسألة: أن الراهن إذا سدّد الدين الذي عليه؛ فإن له أن يطالِب بالرهن، ويقول: كما أنني وفَّيت لك بأداء دينك عليّ، وفِّ لي برد الرهن؛ لأن الرهن شُرِع من أجل الاستيثاق، فإذا كان الدين قد أُدِّي؛ وجب رد الحقوق إلى أهلها.
إذاً: صورة المسألة: إذا قام الراهن بسداد الدين الذي عليه، وإبراء ذمته، فإن له أن يطالب برد الرهن، مثاله: باع رجل عمارته بمليون، فقال له المشتري: أمهلني سنة، فقال البائع: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي الفلانية، أو عمارتي الفلانية، فقال: قبلت.
وقبل انتهاء الأجل سدد المديون والمشتري جميع المليون، فإنه يجب حينئذٍ على صاحب الدين أن يرد الرهن؛ لأن الرهن ملكٌ للراهن المديون، وإنما أُخِذ منه حيطة واستيثاقاً كالوثيقة، احتُفِظ بها حق صاحبها.
أما إذا اختلفا فقال الراهن: لم تعطني أرضي، وقال صاحب الدين: بل رددتها إليك، فهل نقبل قول الراهن، أو نقبل قول المرتهِن؟ أو من الذي يُطالب بالبيّنة والدليل على الرد؟ هل نطالب الراهن أو نطالِب المرتَهِن؟ في هذه المسألة ننظر إلى الأصول: فالأصل أن الرهن موجودٌ عند المرتَهِن، فتبين أن الرهن ليس في يد الراهن؛ لأن الكل متفق على أن الراهن قد دفع الأرض للمرتهن، وصاحب الدين -الذي هو المرتهن- يقول: رددت لك، ومعناه: أنه يُسَلِّم بأنه قد أخذ.
فإذا جاءك شخصان أحدهم يقول: لي على فلان ألف، فقال الآخر: قد رددتها عليه، فإذا قال: قد رددتها عليه، فمعناه: أنه أقر أن عليه لفلان ألفاً.
فهذا ينبغي أن يُلاحظ.
فإذا قال صاحب الدين: رددت الرهن إليك، فإننا نقول: اليقين أن الرهن في ذمتك، والأصل أنك مطالب برد الرهن إلى صاحبه؛ لأنك تسلم أن حقك رجع إليك، وهو الدين، وتسلم بأن الراهن قد وضع عندك الرهن.
إذاً: نحن على يقين بأن ذمته مشغولة، ونطالِبه بالدليل، كما أنه أقر، والإقرار كما يقولون: أقوى الحجج؛ لأنه شهادة من الإنسان على نفسه.
فالقاضي ليس عنده إشكال أن المرتَهِن يقر أن الراهن أعطاه الرهن الفلاني، فما على القاضي إلا أن يبحث أو يطالب المرتَهن -وهو صاحب الدين- بدليلٍ يدل على براءة ذمته، كما أنه على يقين من أنها مشغولة، وحينئذٍ تعكس القضية أو تصوِّرها بصورة ثانية، فتقول: القول قول الراهن.
إذاً معناه: أن الرهن في ذمة المرتَهِن، حتى يثبت أنه قد رد ذلك الرهن إلى صاحبه.
وعلى هذا قالوا: إذا قال له: قد رددت الرهن إليك، وقال: ما رددت الرهن إليَّ، فحينئذٍ نطبِّق القواعد: وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى (قد كان) أي: صاحب الدين يقول: رددتُ، (ولم يكن) أي: الراهن يقول: ما رددتَ.
فإن القول قول الراهن، فتخرَّج على القاعدة التي ذكرناها في الخلاف: أن من ينفي فالقول قوله، ومن يُثبِت يُطالَب بالدليل، وكذلك إذا نظرنا إلى الأصل، فإنه حينما قال له: قد رددت عليه أرضه، فإن الأصل أن ذمته مشغولة برهن الأرض حتى يدل الدليل على براءتها.
وعلى هذا تستقيم القاعدتان اللتان سبق ذكرهما، ويصبح الراهنُ مدَّعى عليه، والمرتَهنُ مدَّعياً، وهذا من عدل الله عز وجل بين عباده؛ لأنه لا يمكن أن نضيِّع الرُّهون، وقد تأكدنا وتحققنا أنّ ذِمم أصحاب الديون قد شُغِلت بها.
قبول قول الراهن في كون الرهن مالاً محترماً
قال رحمه الله: [وكونه عصيراً لا خمراً].
هذه المسألة تُعرَف: بإثبات القيمة ونفي القيمة.
فإنه يشترط في الرهن أن يكون له قيمة، أي: أن يكون مالاً محترماً شرعاً.
فإن قال قائل: ما الدليل على اشتراطك أن يكون الرهن مالاً محترماً؟ فنقول: إن الله عز وجل ما شرع الرهن إلا من أجل أن يُسدد الدين منه، فالحكمة من مشروعية الرهن أنه إذا عجز المديون عن سداد الدين، فإنه يُباع الرهن ويُسدد منه، فمعنى ذلك أنه ينبغي أن يكون الرهن له قيمة، فإذا لم تكن له قيمة فحينئذٍ تفوت الحكمة التي من أجلها شُرِع الرهن، وعلى هذا قال العلماء: يُشترط في الرهن أن يكون مالاً محترماً شرعاً، أي: له قيمة، وكل شيءٍ له قيمة معتبرة شرعاً، فإنه يوصف بكونه مالاً.
مسألة: إذا قال الراهن: أريد منك أن تعطيني ديناً خمسمائة ريال، فقال له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك هذا (الكرتون) من العصير مثلاً، والعصير له قيمة، فقال له: قبلت، فأخذ العصير ووضعه عنده رهناً، فلما تم حلول الدين وأخذ حقه، ادعى صاحب الدين أنه لم يرهنه عصيراً، وإنما رهنه -والعياذ بالله- خمراً، كأن يكون الراهن كافراً، فالكافر الذمي الذي يكون بين المسلمين، قد يستدين منك وتطالبه برهن، فعندهم الخمر لها قيمة، وفي دينهم وشريعتهم لها قيمة، وإن كان لا يصح من المسلم أن يقبله رهناً، لكن ادعى المسلم أن الراهن سواءً كان مسلماً أو كافراً إنما رهنه خمراً، فإذا ادعى المسلم أنه رهنه خمراً، فحينئذٍ يبقى الإشكال: هل نقبل قول الراهن أو نقبل قول المرتَهِن؟ فإن قبلنا قول الراهن أثبتنا المالية للرهن، وإن قبلنا قول المرتَهِن جعلنا الرهن ذا قيمة، مع أنه خمر لا قيمة له، فالمُرتَهِن يريد أن يفوت الرهن فهو يقول: إنما هو خمر، أو يقول: هو ميتة، أو يقول: هو خنزير، بمعنى أنه شيء لا قيمة له؛ لأن الخمر والميتة والخنزير ونحوها مما لا قيمة له لا يأذن الشرع ببيعه؛ ففي الصحيحين من حديث جابر: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخنزير والأصنام)، فلو قال: إنه ميتة، فمعنى ذلك: أنه لا قيمة له.
ومثال ذلك في الميتات: لو قال له: رهنتك شاةً حية، فقال: لا، بل رهنتني شاة محنَّطة ميتة.
فحينئذ المحنط من الميتات -كما سبق بيانه في بيع الميتات- ليس له قيمة، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، إذا كان ميتة غير مذكاة، فلو قال له: محنّط، فمعناه: أنه لا قيمة له، ولو قال له: شاة حية، فإن لها قيمة، أما المحنّط فلا يجوز بيعه ولا شراؤه؛ لأنه ميتةٌ.
وبناءً على ذلك أصبح عندنا قولان: قول يقول: أعطيتك رهناً له قيمة، وهذا القول قول المديون، وهو الراهن، وقولٌ يقول: لم تعطني شيئاً له قيمة، إنما أعطيتني شيئاً لا قيمة له، سواءً كان خمراً أو ميتة أو خنزيراً، فما الحكم؟ هل نقبل قول المديون وهو الراهن، ونطالب الآخر الذي هو المُرتَهِن بالدليل والبيّنة، أو العكس؟ قال المصنِّف: يُقبل قول الراهن في كونه عصيراً لا خمراً؛ لأنك تجد أن الراهن يثبت المالية، وهو حق من حقوقه، والمرتَهِن ينفي المالية؛ لأنه يُسقط عن نفسه تبعة أو مسئولية ضمان الرهن، وعلى هذا يقبل قول الراهن؛ لأن العصير له قيمة، والخمر لا قيمة له، وعلى هذا نطبِّق الضوابط التي ذكرناها.
وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعَى فكون الراهن قال: رهنتك شيئاً له قيمة، هذا هو معنى قوله: (كونه عصيراً)، والمرتَهِن يقول: بل رهنتني شيئاً لا قيمة له، فأصبح قول الراهن هو المقبول بالإثبات والنفي، فحينئذٍ الأصل إذا نظرت إلى النفي والإثبات قد تقول: إنه إذا قال له: إنه شيءٌ له قيمة، فالمدعي هو الراهن، وإذا قال: لا قيمة له، فالمدعي هو المرتَهِن، فيكون الجواب حينئذٍ: أن الأصل أن من ارتهن فإنه يرتهن شيئاً له قيمة، فتلغي ضابط النفي والإثبات، وتثبت ضابط الأصل؛ لأنه لا يعقل أن إنساناً يقبل رهناً إلا وله قيمة هذا وجه.
وبعض العلماء يقول: لا؛ بل الأصل الأول ثابت؛ لأنه في حالة كونه يقول: إنه خمر، أو كونه عصيراً فيه نفي من وجه وإثبات من وجه، والآخر له نفيٌ من وجه وإثبات من وجه، فتعارض النفي والإثبات ورُجِّح بالأصل؛ لأنه في هذه الحالة لو قال: إنه عصير، فهو يثبت المالية وينفي كونه لا قيمة له، وكذلك أيضاً العكس الآخر يثبت كونه لا قيمة له وينفي المالية.
وعلى هذا صار نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، والآخر نفياً من وجه وإثباتاً من وجه، فرجَّح الأصل ما ذكرناه؛ لأن الأصل في الإنسان إذا جاء يرهن فإنه يرهن شيئاً له قيمة؛ لأن الرهن يقصد منه الضمان، وهل يكون الضمان بما فيه مالية أو لا مالية له؟ الضمان لا يكون إلا بما فيه مالية، وعلى هذا اعتضد قول الراهن، وأصبح القول قوله، وليس بقول المرتَهِن.
إقرار الراهن بعدم ملكيته للرهن
قال رحمه الله: [وإن أقر أنه ملك غيره أو أنه جنى قُبِل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه، إلا أن يصدقه المرتَهِن].
قوله: (وإن أقر أنه ملك غيره).
هنا مسألة مهمة: لو أن الراهن أعطاك رهناً، فربما يحتال صاحب الرهن بأشياء ليدفع عن نفسه ضرر بيع الرهن، والتصرف فيه، كأن يأتي ويقول: هذا الرهن الذي عندك ملكٌ لفلان، فحينئذٍ أقر بأن هذا الرهن ليس ملكاً له، أو اختصم هو ورجل في الأرض التي وضعها رهناً، فلما حضر عند القاضي قال: الأرض أرض فلان، فحينئذٍ يصبح هناك شيء من الاختلاف: هل نقدِّم كونه رهناً، ونحكم على ما جرى من كونه قدمه رهناً، ونثبت الرهن، ثم نخلِّص صاحب الحق من حقه، ويضمن لصاحب الأرض قيمتها، ويصبح وجهه على صاحب الأرض، أم أننا نقول: إن الأرض ملكٌ للغير، فلا يجوز التصرُّف فيها، فيلغى الرهن وتعود السلعة إلى مالكها؟ هذا أمر محتمل.
والمصنف رحمه الله أدخل هذه المسألة هنا لأهميتها، واتصالها بأساس الرهن؛ لأنه حينما ذكر آخر مسألة بكونه عصيراً لا خمراً، فهذا نفي للمالية، فناسب أن يذكر الحيل التي يُقطع بها الطريق عن بيع الرهن وعن سداد الديون، إذ لو فُتح للناس هذا الباب لكان بالإمكان أن يرهن عمارته، ثم بعد ذلك يقول لابن عمه أو قريبه: ادَّعِ أنها ملك لك، ثم يُقِر عند القاضي أنها ملكٌ له، فيتخلّص من ضرر الرهن.
فهو عندما رهن ذلك الشيء، وصار الرهن محبوساً لذمة سابقة، وجاءت ذمة لاحقة، ولم يثبت ما يدل على صدقها، لكن لو ثبت ما يدل على صدقها، فهذا أمر آخر، فلو اختصم مع شخص في أرض، فأقام ذلك الشخص شهوداً، وثبت بالشهود أنها لمالكها الحقيقي، فليس هناك إشكال، إنما الإشكال عند حدوث التلاعب والتحايل، وذلك بكونه يُقر بأنها ليست ملكه؛ لأنه إذا أقر أصبح في هذه الحالة عندنا شبهة، فيحتمل أن هذا الإقرار قُصِد منه تفويت الحق على صاحب الدين، وهذا ما يقع كثيراً في الرهونات، فترى المديون -أي: الراهن- يحاول بشتى الوسائل أن لا يُباع الرهن، ويحاول بشتى الوسائل أن يماطل أهل الحقوق في حقوقهم؛ حتى لا يُباع الرهن، وهذا أمر لا تجيزه الشريعة.
والأصل أن الرهن ما شرعه الله عز وجل إلا قطعاً للتلاعب في حقوق الناس، وحينئذٍ لا بد من إعمال الأصل الشرعي، فهو إذا أقر، وقال: هذه الأرض التي رهنتها لك هي ملكٌ لفلان، فحينئذٍ عندنا مشكلتان: المشكلة الأولى: أن صاحب الرهن يُطَالَب ببيع هذه الأرض عند عجزه عن السداد؛ لأنها مرهونة، ومعنى ذلك: أنه ما دفع له الدين إلا من أجل أن حقه موثق، وهذه وثيقة بحكم الشرع، قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:283]، فالراهن رهن، وقبض المرتَهِن الرهن، فحينئذٍ ثبت أن الرهن لصاحب الدين.
المشكلة الثانية: أنه لما أقر لشخصٍ آخر فإن الإقرار حجة، وقد اختصم معه عند القاضي، والقاعدة في الشريعة: أن المقر إذا أقر على نفسه لمدَّعٍ عليه أنه يؤاخذ بإقراره، مادامت شروط الأهلية للإقرار موجودة، فالأصل يقتضي ما دام أنه أقر لزيد من الناس، أن نحكم بأن الأرض ملكٌ لزيدٍ من الناس، فيقع الإشكال: هل نقدم صاحب الدين وقضية الرهن، أو نقدِّم المالك الحقيقي للأرض بإقراره؟ يقول العلماء: في هذه المسألة شبهة، والإقرار حجة، ونسلِّم بذلك، لكن قد صَحِبَتْهُ الشبهة، وإذا صحبته الشبهة وجب سد الذرائع، وعندنا حقان: حق الراهن، وحق من أُقِرّ له في الدعوى الثانية، وحق الراهن سابق، وهو يقيني فليس فيه شبهة، والظاهر والمتبادر والأصل أن المديون لا يرهن إلا ما يملكه، فكونه يسكت ويترك الأمر حتى يخشى بيع رهنه، ويأتي ويُقر لزيدٍ من الناس أو لعمرو من الناس؛ هذا فيه شبهة.
فقالوا: نقبل إقراره لكن على نفسه، ونُبقي الرهن على حاله؛ لأن الأصل بقاء يد الرهن، وهو عقدٌ لازم قد تم بين الطرفين، ثم ننظر: فإذا انتهت المدة وسدد الدين، عرفنا أنه رجل أقر بحق، فننزع الأرض منه ونعطيها لمن أقر له، فقُبِل إقراره على نفسه، واستوثقنا بالدين؛ لأن الدين أُدِّي إلى صاحبه، فإن مضت المدة ولم يُسدد، فحينئذٍ الأصل أنها رهن وأنها ملكٌ له، فتُباع، ثم يحكم القاضي بأن فلاناً فوّت على فلان أرضه بقيمته، فحينئذٍ يُلزم بضمان هذه الأرض، فإما أن يُطالَب بشرائها ممن انتقلت إليه، ويرد عين الأرض كما فوّتها على أهلها، وإما أن يضمن قيمتها لصاحبها، وعلى هذا يُقبل إقراره على نفسه، لكن لا يُقبل إقراره ملغياً للأصل الذي ذكرنا هذا في الإقرار.
لكن لو أن رجلاً استدان مائة ريال، فقال له صاحب الدين: أعطني رهناً، فقام وأخذ مسجلاً على جاره أو أخيه، ثم رهنه دون إذنٍ منه، فمعنى ذلك: أنه اغتصبه الرهن، فلما وضعه في الرهن، ادّعى الأخ أو صاحب المسجِّل عليه عند القاضي فأقر، فحينئذٍ يكون قد أقر بملكية المسجِّل لصاحبه، فيبقى المسجل على الأصل، أي: يبقى رهناً، هذا هو الظاهر، ويكون إقراره فيه شبهة، ثم بعد ذلك نحكم ببيع المسجِّل على الظاهر، مثلما فعلنا في الأرض، ونرد لصاحب الحق حقه، ثم نطالبه بأخذ هذا المسجِّل بقيمته بالغاً ما بلغ، أو يضمنه لصاحبه.
فمثلاً: لو بِيع هذا المسجِّل بخمسمائة ريال، والدين مائة ريال، فنأخذ منها مائة ونسدد صاحب الدين، ونرد الأربعمائة لهذا الشخص، ثم نقيم الدعوى الثانية، ونطالبه بشراء المسجِّل ممن أخذه؛ لأن الشراء صحيح، وعلى هذا فولاية القاضي ببيعه كرهن ولاية صحيحة، ثم بعد ذلك نطالبه بشراء المسجل ثانية غالياً أو رخيصاً ويرده إلى صاحبه، فتبقى يد الرهن على ما هي عليه، وضُمِن الحق لصاحبه، وقُبِل الإقرار، فأُعمِلت جميع الحقوق؛ رُد إلى هذا حقه، ورُد إلى هذا حقه، وقبلنا إقراره على نفسه.
ونضرب مثالاً آخر يكون فيه الحكم مختلفاً: لو قال له: أعطني مائةً ديناً، فقال له أعطني رهناً، فقال: هذا المسجِّل رهن عندك، فأخذ صاحب الدين المسجِّل، ثم تبيّن أنه ملكٌ لغيره، فادّعى زيد أن فلاناً أخذ مسجِّله ثم احتال عليه ورهنه، فطلبه القاضي، وقال له: هل أخذت من فلان مسجلاً؟ فقال: لا، ما أخذت.
فأنكر، فأقام زيدٌ -الذي هو صاحب المسجِّل- البيِّنة وشاهدين عدلين على أن المسجل مسجِّله، فحينئذٍ يحكم القاضي بنزع اليد ورجوع المسجِّل إلى صاحبه، ثم يُطالَب هذا الراهن ببديلٍ عنه يقوم مقامه.
إذاً: يفرَّق بين كونه مقراً؛ لوجود شبهة، وحتى لا يتخذ طريقة للتلاعب لبيع الرهن، والرهن يكون استيثاقاً لحقوق الناس التي ضمِنها الشرع بهذا النوع من العقود، وبين كونه منكراً وثبت أن المال ملكٌ للغير؛ وذلك لوجود البينة بعد الإنكار هذا بالنسبة لمسألة الإقرار، ومسألة الإنكار.
وعليه: فإننا نقبل إقراره على نفسه فقط، ولا يكون ملزِماً لزوال يد الرهن اللازمة.
إقرار الراهن بجناية الرهن على غيره
قوله: (أو أنه جنى).
قديماً كان الرقيق ربما يجني جناية، وإذا جنى جناية ففي بعض الأحيان تكون الجناية في قيمته، ولربما استوعبت الرقيق بكامله، فدُفِع إلى من جنى عليه، وكذلك الدابة، فلو أن الدابة حصلت منها جناية على وجهٍ يوجب الضمان، فنأخذ نفس الحكم، فإذا كان قد ارتهنها، فإنه في هذه الحالة إذا أقرّ بالجناية مثلما إذا أقر بالملكية، فكل القضية في كونه يُدخِل على الرهن يداً غير اليد الأولى، وهذا بالإقرار وليس بالبينة التي هي الشهود، أما لو كانت بالبينة فقد بيّنا الحكم، وهو أنه يصير فيها مُوجِب الضمان، لكن بالنسبة لمسألة إدخال اليد الثانية على اليد الأولى، في صورة ادعاء الملكية، كأن يُقر بأنه ملكٌ لغيره، أو يُقر بأنه جنى مثاله: لو رهن رقيقاً، وهذا الرقيق جنى جناية تستوعب قيمته، كأن تكون قيمة الجناية عشرة آلاف ريال، وهي قيمته، فحينئذٍ يقال للمجني عليه: أتريد المال أم الرقبة؟ فإن قال: قبلت الرقبة، فإذا قبل المجني عليه الرقبة، فهذا معناه أن الرهن سيفوت، فإن وقع بإقرارٍ حُكِم كقضية الملكية السابقة، وإن وقع ببيِّنة فلا إشكال.
وجوب رد الحق الذي أقرّ به الراهن إلى صاحبه بعد فك الرهن
قوله: (قبل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكِّه).
أي: فإن سدد الدين، وفُكّ عن العين الرهن، فحينئذٍ يطالَب برد الحق الذي أقر به إلى صاحبه.
مثاله: لو قلنا: استدان مائتين، ثم رهنه ساعة قيمتها خمسمائة، فادّعى رجل أن الساعة له، فأقر الراهن أنها له، فننتظر إلى أن ينتهي الأجل، فإذا سدّد الدين، فنقول: يُفك الرهن، وتُرد الساعة للراهن، ويحكم عليه بإقراره فتُنزع من الراهن وتُرد إلى صاحبها، هذا بالنسبة لقوله: (قُبل على نفسه)، وقوله: (وحُكم بإقراره بعد فكه) بعد رد الرهن وفكِّه.
حكم من رهن مال غيره إذا صدقه المرتهن
قوله: (إلا أن يصدقه المرتَهِن).
أي: أن بعض الناس تقبل منه ذلك، وتعلم أنه صادق ولو لم يقم بيِّنة، فالرجل الصالح التقي الورع الذي تعامله وتعرفه بالأمانة، ربما أخطأ ورهن مال غيره، وهذا قد يقع، فحينئذٍ إذا أقر لغيره، وقال: هذا المال ليس لي، فحينئذٍ يُحكم بكونه قد رهن ما ليس له، فإن رهن ما ليس له، فبعض العلماء يقول: ننظر إلى الشخص المالك، فإن قبله رهناً فحينئذٍ لا إشكال، كأن يقول له: ما دمت قد أقررت أنه مالٌ لي، فأنا أقبل أن يكون ضماناً لدينك، فكما أنه يجوز أن يضمنه بنفسه، يجوز أن يضمنه بماله، هذا إذا رضي، ويمضي الرهن على هذا، وأما إذا قال: بل أريد مالي، فحينئذٍ ينزع ويطالب ببديل عن ذلك الرهن.
الأسئلة
تعارض الأصل والظاهر
السؤال
عند الاختلاف متى يُحكم بالظاهر ويُترك الأصل أثابكم الله؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذا سؤال جيد، وفي الحقيقة مسألة تعارض الأصل والظاهر مسألة دقيقة؛ بل تعتبر من أدق مسائل القواعد، وهذا من توفيق الله للسائل، ولا شك أن السائل أحسبه من طلاب العلم، فالسؤال قوي ومركَّز.
ومسألة الظاهر ومسألة الأصل نقول فيها: إن الظاهر دائماً يستدل بدلائل وعلامات وصفات معينة، فيُحكَم بكونه ظاهراً، فمثلاً: في قضية النجاسات، إذا دخل الشخص إلى دورة المياه، فإنه يجد الماء على البلاط، فإن كان في المكان المنفصل عن النجاسات، فالظاهر أنه طاهر، وليس هنا قضية أصل وعدمه؛ لأنه توجد صفات مؤثرة ومواضع تقوي شيئاً إما الطهارة وإما النجاسة، فالظاهر يقوم دائماً على الصفات، فإذا دخلنا إلى دورات المياه، فبالنسبة لأماكن الوضوء إذا كانت مفصولة وجرى الماء فيها، فإننا نحكم بكونه طاهراً؛ لأنه ليس ثم دليل على نجاسته.
ولكن إن كان الماء في داخل دورات المياه، أي: في مكان قضاء الحاجة، فإن هذه الأماكن الظاهر منها أنها نجسة، فلو طار على الإنسان رذاذ، فإن كان من المكان المحكوم بظاهر الطهارة فيه فهو طاهر، ولا يؤثر، فلو وطئ بقدمه ثم وجد على ثوبه أثر الماء الذي يكون بعد المشي أو المسير، فإنه يحكم بكونه طاهراً؛ لأن الظاهر طهارته، ولو وطئ في موضع النجاسة، أو مثلاً سقط حجر في مكان النجاسة فتطاير الرذاذ، فإن الظاهر إذا أصاب الثوب أنه نجس.
إذاً: عندنا في الظاهر الدلالة والعلامة التي يُستند إليها في ظاهر الحال، وليست في الأصل، فإن الأصل له جانب آخر، ويُحكم بالظاهر في مسائل العبادات والمعاملات أيضاً، فالعبادات كما ذكرنا.
والظاهر في المعاملات: مثاله: لو أن شخصين اختصما في سيارة، فأحدهم يقول: هي سيارتي، والثاني يقول: بل هي سيارتي، وأحدهما في مقعد القائد والثاني بجواره، فلمن تكون السيارة؟ تكون للذي في مقعد القائد؛ لأن الظاهر يشهد بأنها سيارته، وظاهر الحال يدل على صدق دعواه وكذب دعوى من خالفه، وكذلك أيضاً لو حُكِم بالظاهر في البيت، كرجلين يختصمان في بيت، أحدهما ساكنٌ فيه، والثاني خارج عنه، فنقول: الظاهر أنه بيت من هو ساكن فيه، حتى يقوم الدليل على اليد الخارجة هذه كلها تعتبر من مسائل الظاهر.
أما مسائل الأصل: فإنها تعرف بالمعاني، فالظاهر -كما ذكرنا- يعرف بالمحسوسات والصفات، ولكن الأصل يعرف بالمعاني، فمثلاً: إذا جئت إلى ماء، وشككت هل هو نجس أو طاهر؟ فتقول: الأصل أنه طاهر حتى يدل الدليل على نجاسته، ولو مشيت في طريق -مثلاً- فوجدت ماءً على الطريق، ثم أصابك منه شيء، فإننا نقول: الأصل طهارته حتى تتحقق أنه نجس؛ لأن الأصل طهارة الأشياء حتى يدل الدليل على نجاستها، ولو كنت مثلاً في البيت، وهناك أطفال وتخشى أن تخرج منهم نجاسة فتنجس فراش البيت، وأردت أن تصلي، فشككت هل أحد منهم دخل الغرفة وهو متنجس فنجسها أو لم يدخل؟ فتقول: اليقين أنها طاهرة، حتى تتحقق أنه دخل ونجسها، ليس دخل فقط، بل دخل وفيه نجاسة وتطايرت النجاسة منه، فبعد التحقق فعليك أن تعدل عن الأصل إلى أصلٍ آخر.
إذاً: مسألة الأصل غالباً تتعلق بالمعاني والتقديرات الموجودة في الأشياء، ولكن الظاهر يتعلق بالصفات.
وقد يتعارض الأصل والظاهر في مسائل: فبعض الأحيان يقدَّم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الظاهر على الأصل، وهذه المسألة الكلام فيها طويل، وتحتاج إلى شيء من التحرير، ومن الصعوبة بمكان أن نتكلم عليها في هذه العجالة، ففي بعض الأحيان يُرجَّح الأصل، وفي بعض الأحيان يرجح الظاهر، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما حمل أمامة بنت أبي العاص، وهو يصلي بالناس، فإنه قدّم الأصل، وإن كان ظاهر أحوال الصبيان أنهم لا يسلمون من وجود أشياء في ثيابهم، ولذلك قدم عليه الصلاة والسلام الأصل وهي الطهارة، ونجد كذلك في بعض السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قدم الأصل وألغى الظاهر، مثال ذلك: السباع ترد على المياه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فقدّم الأصل على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال السباع في البراري أنها تأكل الجيفة والنتن وهي نجسة، والسباع في البوادي الظاهر أنها ترد المستنقعات وتشرب منها، فلما سئل عليه السلام عن الماء وما ينوبه من السباع؟ قال: (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث)، فأبقى الأصل وهو طهوريته.
وكذلك عندما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن بئر بُضاعة وما يُلقى فيه من الحيَّض والنتن، فإن الظاهر أنه لما ألقي فيه الحيض -أي: دم الحيض- وهو نجس، والنتن والقذر، والقذِر يزيل الطهورية إذا غيّر لوناً أو طعماً أو ريحاً، فرجع إلى الأصل، فهنا الظاهر أنه نجس؛ لأن الذي يظهر أنه إذا ألقيت النجاسة فإنها تؤثر، وهذا هو المعروف من الحال، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء)، فرد إلى الأصل.
فهذه المسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التفصيل والتوضيح، وفي بعض الأحيان تأتي النصوص مقوية لترجيح أحد القولين، وفي بعض الأحيان يُترك الترجيح لأفراد المسائل، ففي في بعض الأحيان الصحابة رضوان الله عليهم يقدِّمون الأصل ويلغون الظاهر، كما في حديث الأعرابي لما جاء إلى المسجد ورفع ثوبه ليبول، والأصل أنه لا يجوز البول في المسجد، فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر، بادروا بالإنكار، والظاهر أنه إذا سكت فإن هذا نوع من الإقرار، فلم يلتفتوا إلى سكوته، وأنكروا عليه حتى أسكتهم، فقال: (لا تزرموه)، فكان الظاهر على حقيقته من أنه لا يريد الإنكار عليه، ففي بعض الأحيان يقدَّم الظاهر، وبعض الأحيان يقدَّم الأصل، وهي مسألة في الحقيقة تحتاج إلى شيء من التحرير.
وكثيراً ما يكون الظاهر داخلاً على الأصل فأشبه الاستثناء، وإذا كان داخلاً على الأصل صار كالمخصِّص لذلك الأصل، وكأنه مستثنى، وتعطيه حكم الأصل الطارئ، فكأنه بمثابة الأصلين: الأصل القديم والأصل الطارئ، وحينئذٍ نقدم الأصل الطارئ على الأصل القديم، ففي بعض المسائل يقدم الأصل الطارئ على القديم، وفي بعض المسائل يقدم الأصل القديم على الأصل الطارئ فتصحب حكم الأصل.
فمثلاً: إذا رفعت رأسك من الركوع هل تقبض أو تسدل؟ تقول: الأصل الطارئ هو القبض؛ لأنه لما كبر عليه الصلاة والسلام قبض، والأصل القديم أنه في الصلاة لا أتكلَّف الحركة فأقبض، فيتعارض الأصل القديم مع الأصل الطارئ.
الشاهد: أن هذه المسائل تحتاج إلى دراسة، وإعطاء قاعدة فيها أمر من الصعوبة بمكان، إلا أن بعض العلماء ذكروا هذا، فقد ذكره الزركشي في المنثور في القواعد، فيرجع إليه في مسألة تعارض الأصل والظاهر، كذلك أيضاً أشار إليها السيوطي في الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه، وكذلك ابن لجين رحمه الله في الأشباه والنظائر، فقد ذكر مسألة تعارض الأصل والظاهر، وهي مسألة جيدة وفيها نصوص، ومن تأمل شروحات الأحاديث المطوَّلة كشرح الحافظ ابن حجر، فسيجد أنه بعض الأحيان يقول: فيه دليل على تقديم الأصل على الظاهر، وبعض الأحيان يقول: وفيه دليل على تقديم الظاهر على الأصل.
ولو تُرِكت كل مسألة كي تُبحث على حدة، فإن ذلك يكون أمعن وأدق في بيان وجه الصواب، والله تعالى أعلم.
حكم بيع الراهن للرهن دون إذن المرتهن
السؤال
رجلٌ رهن مجموعة قطع من الأراضي لأحد التجار، ثم بعد مدة بدأ الراهن ببيع هذه الأراضي دون إذن المرتَهِن، علماً بأنه يخبر المشتري بحال هذه الأراضي وأنها مرهونة، وسوف يضمن له المال إذا لم يتم سداد الدين بعد سنتين، فما هي مشروعية هذا البيع، وهل يأثم المشتري أثابكم الله؟
الجواب
هذه المسألة تعرف بمسألة: التصرف في الرهن، والتصرف في الرهن في الأصل لا ينفذ، وبعض العلماء يرى أن التصرف في الرهن إذا كان من الراهن بالبيع يجعله موقوفاً، فإذا تم سداد الدين، وأراد إنفاذ البيع بعد سداده نفذ، كما لو باع مال غيره، كبيع الفضولي، فإنه يبقى موقوفاً على إجازة المالك الحقيقي، ومنهم من يلغيه ويقول: لا يصح، وهذا هو الأشبه، أن الرهن لا يدخله بيع إلا بإذن الطرف الثاني؛ لأن هذا هو الأصل، وهذا هو المقصود من حكمة مشروعية الرهن.
وقد سبق بيان هذه المسائل والإشارة إليها في مسائل التصرُّف في الرهن، ويد الرهن، ويد المرتَهِن على الرهن التي تمنع من تصرُّف الراهن فيه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب الرهن [6]
ينقسم الرهن إلى قسمين: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، فللمرتهن أن ينتفع به بقدر ما ينفق عليه، ويكون ذلك في المركوب والمحلوب، وقسم لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، وله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الرهن لقاء الدين، وله ثلاث صور: - الأولى: أن ينتفع بالرهن دون إذن الراهن، فهذا لا يجوز بالإجماع.
- الثانية: أن ينتفع بالرهن بدون عوض، أو بأقل من عوض المثل، فهذا أيضاً لا يجوز.
- الثالثة: أن ينتفع بالرهن بعوض المثل فهذا جائز.
الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن المبيع، ففي هذه الحالة يجوز الانتفاع بالرهن بعوض المثل، أو بدون عوض المثل، أو بدون عوض.
أقسام الرهن من حيث الكلفة والمئونة وعدمها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ: وللمرتَهِن أن يركَب ما يُركب ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن].
هذا الفصل فصلٌ مهم جداً في باب الرهن.
والرهون إذا أخذها أصحاب الديون فإنها تنقسم إلى أقسام: قسم يحتاج إلى مئونة وكلفة، وهذا الذي يحتاج إلى مئونة وكلفة قد يكون فيه فوائد، مثل الركوب، كالسيارات ونحوها، وبعض الأحيان تكون فيها منافع، كالأنعام التي تحلب كالإبل، والبقر والغنم، ويكون منها الصوف والوبر، فهناك منافع تكون في هذه الأعيان المرهونة.
الرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة
فالأعيان المرهونة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن تكون من الأعيان التي لا تحتاج إلى مئونة في حفظها، ولا تحتاج إلى كلفة.
القسم الثاني: أن تكون من الأعيان التي تحتاج إلى مئونة وكلفة في حفظها.
أما بالنسبة لتصوير القسمين ثم الدخول في أحكامهما، فالقسم الأول: هو الذي لا يحتاج إلى مئونة؛ كرجلٍ قال لك: بعني عمارتك، فقلتَ له: أبيع لك هذه العمارة بنصف مليون، فقال لك: قبلت، فقلت له: أعطني ثمنها، فقال: ما عندي الآن ولكن سأعطيك في نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك أرضي التي في جدة، وهي الأرض الفلانية، وجعل الأرض بصكِّها رهناً عندك، فالأرض التي رهنها لا تحتاج إلى كلفة، فهذا مثال في العقارات التي لا تحتاج إلى كلفة.
ومثاله في المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة: كالسيارات، فإن السيارة لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، فإذا قال لك: أعطني عشرة آلاف ديناً إلى نهاية السنة، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: أرهن عندك سيارتي، ويأتي بسيارته ويدخلها في مكان آمن.
إذاً: هي من جنس المنقولات التي لا تحتاج إلى كلفة، وكذلك لو قال لك: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فقال لك: أرهن عندك هذا الكيس من الأرز، والكيس من الأرز لا يحتاج إلى كلفة في غالبه وأكثر أنواعه، وكذلك لو قلت له: أعطني ديناً مائة، فقال: أعطني رهناً، فقلت: أرهن عندك هذا (البشت) أو هذا الثوب، و (البشت) أو الثوب لا يحتاجان إلى طعام ولا إلى شراب.
إذاً: النوع الأول هو ما لا يحتاج إلى مئونة.
ولابد من فهم هذا فهماً جيداً؛ لأن التفصيلات التي ستأتي مهمة جداً في مسألة الرهن؛ ففيها مداخل للربا، ومداخل للقرض الذي جر نفعاً، فنحن نقرر الآن القسمين ونضبطهما بالأمثلة.
فالقسم الأول كما ذكرنا: أن يكون الرهن لا يحتاج إلى مئونة ولا كلفة، ومن أمثلته في العقارات: الأراضي، والدور، والعمائر ونحوها، فإنها تُقفل وتصك أبوابها ثم تترك، فهذه لا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وهذا في العقارات، أما في المنقولات مثل: الأطعمة، والأكسية، والثياب، والأغذية مثل: البر، والشعير، فهذه كلها لا تحتاج إلى طعام ولا تحتاج إلى مئونة.
الرهن الذي يحتاج الى مئونة وكلفة
القسم الثاني: ما يحتاج إلى مئونة وكلفة؛ كالإبل، والبقر، والغنم، فهذا فيه ما يُحلب ويُركب، وفيه ما يُركب ولا يحلب، وفيه ما يحلب ولا يركب، وفيه ما لا يركب ولا يحلب، فهو على أربعة أنواع: النوع الأول: أن يكون مركوباً محلوباً، فهو يحتاج إلى مئونة وكلفة، ولكن فيه منفعة الركوب، ومنفعة الحليب، ومن أمثلته: الناقة، فإن الناقة تحتاج إلى أن تطعمها وتعلفها، وهي تُركب، فله أن يركب عليها، وهي تُحلَب، فله أن يأخذ من حليبها ودرّها، هذا بالنسبة للنوع الأول من القسم الثاني.
النوع الثاني: أن يكون مما لا يحلب ولا يركب، مثل: الأرقاء قديماً، ومثل: التيس من الغنم والفحل من الشياه والغنم، فإنه لا يحلب، وأيضاً لا يركب، والفحل من البقر ليس فيه حليب ولا يمكن أيضاً ركوبه في الغالب، هذا بالنسبة للنوع الثاني، أن يكون مما لا يحلب ولا يركب.
النوع الثالث: أن يكون مما يحلب ولا يركب، مثل الشاة، فإذا كان فيها حليب فله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها، وكذلك البقرة فيها حليب وله أن يحلبها، لكن لا يمكن أن يركبها في الغالب، فهذا مما يُحلب ولا يركب.
النوع الرابع: أن يكون مما يركب ولا يحلب، كالفحل من الإبل، فإنه يركب عليه ولكن لا يحلب.
حكم الانتفاع بالرهن الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة
إذاً: هذا هو القسم الثاني: أن يكون من جنس ما يحتاج إلى مئونة وكلفة من طعام وشراب وقيام عليه.
وبهذا نكون قد عرفنا أن الرهن فيه ما يحتاج إلى مئونة وكلفة، وفيه ما لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، فنبدأ بالذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة، كالبيوت والدور والأرضين إذا وُضِعت رهناً، فإنه لا يجوز أن يأخذ صاحب الدين -الذي هو المرتَهِن- أي منفعة منها إلا بحقها، هذا من حيث الأصل، أو إذنِ صاحبها.
ويرد التفصيل في هذا النوع، وهو الذي لا يحتاج إلى مئونة وكلفة: فقالوا: لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن إذا لم يأذن له صاحب الرهن، مثاله: رجل استدان خمسمائة ألف، ورهن في مقابلها عمارة، فلا يجوز لصاحب الدين أن يسكن العمارة، ولا يجوز له أن يؤجرها للغير، ولا أن ينتفع بأي منفعة موجودة في العمارة، هذا من حيث الأصل.
وما هو الدليل على أنه يحرم عليه أن يأخذ ذلك؟ نقول: إن الأصل في الرهن أنه ملكٌ لك أنت أيها المديون، والأملاك لا يجوز أن يؤخذ منها -أي: من منافعها- إلا بإذن أصحابها ورضاهم، فإذا كان صاحب الرهن -وهو الذي أعطاك العمارة- لم يأذن لك بتأجيرها، ولم يأذن لك بمنفعتها، فلا يجوز لك أن تأخذ منها، وهذا بإجماع العلماء.
أما لو أذن لك أن تتصرف في هذا المال، وأذن لك أن تنتفع به، فلا يخلو سبب الرهن من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يأذن بحقه، فيقول: أجِّر العمارة، ولكن الأجرة لي، وليست لك، فأذن لك بتأجيرها على أن تكون الأجرة له، فقلت له: أريد أن أستأجرها أنا، فقال لك: انتفع أنت بالعمارة على أن تدفع الأجرة، فالحكم حينئذٍ أنه انتفع بالرهن بإذن صاحبه، فإن أذِن له بعوض فلا إشكال في الجواز، وحينئذٍ تكون إجارة.
لكن
السؤال
هل الأصل في العمارة أنها رهن أو عين مؤجرة؟ الأصل أنها رهن، وقد ذكرنا في أول باب الرهن يكون لازماً بالقبض، فإذا قبض صاحب الدين الرهن وحازه عنده فإنه يكون لازماً.
وإذا لم يقبض الرهن، وأردت أن لا تعطيه الرهن، فإن هذا من حقك؛ لأن الرهن لا يصير لازماً إلا إذا قُبِض، فمثلاً لو قلتُ لك: أعطيك سيارتي، ولم تقبِضها، فمن حقي أن أرجع عن رهن سيارتي؛ لأن الرهن لا يصير لازماً عليّ إلا إذا قبضتَه، وفائدة ذلك: أنه إذا صار لازماً فلن يستطيع صاحبه أن يغيِّره أو يبدِّله، لكن إذا لم يكن لازماً جاز له أن يغير ويبدل.
فالعمارة إذا قُبِضت من صاحب الدين فجاء وقال للمديون: أريد أن أستأجر منك العمارة، بدلاً من أن تكون فارغة فأنا أريد أن أسكن فيها وأستأجرها، فقلنا: ذلك، وحينما قلنا بالجواز انتقلت من الرهن إلى الإجارة، فإذا انتقلت من الرهن إلى الإجارة فللعلماء وجهان: قال بعض العلماء: يزول اللزوم للرهن، وتصبح اليد يد إجارة وهي يد ضمان، بخلاف اليد الأولى فإنها يد أمان لا تضمن إلا إذا فرّطت، فإذا انتقلت إلى عين مؤجرة أُلغيت يد الرهن.
وفائدة ذلك: أنه إذا استأجرها شهراً، والرهن لسنة، أنه بعد شهر إذا انتهت الإجارة، وأراد صاحب العمارة أن يمتنع من تسليمها رهناً، كان له ذلك؛ لأنه قد زال لزوم الرهن، وعلى هذا يُحكم بزواله لوجود الانتقال في اليد.
الحالة الثانية: أن يأذن بغير عوض، فهذا لا يجوز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وكذلك لو انتفع بالرهن بإذن الراهن، لكن بأجرة فيها شيء من المحاباة والمراعاة، فحينئذٍ لا يجوز؛ لأنه دخلت شبهة قرض جر نفعاً.
حكم انتفاع المرتهن بالرهن
قوله: (فصلٌ وللمرتَهِن أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب).
شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان ما يتعلق بالانتفاع بالرهن، ومن المعلوم أن الرهن تكون فيه منافع، وقد يحتاج إلى مئونة يقوم بها الراهن أو المرتَهِن، ومن هنا يرد السؤال عن هذه المنافع التي تكون في الرهن: هل يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن أو لا يجوز؟ وقد سبق أن ذكرنا أن الرهن له أحوال: فتارةً يكون من الأشياء التي لا تحتاج إلى مئونة، وتارةً يكون من الأشياء التي تحتاج إلى مئونة، ثم فصّلنا في النوع الثاني، وهو الذي يحتاج إلى مئونة، فذكرنا أنه منه ما يكون محلوباً مركوباً، ومنه ما يكون مركوباً غير محلوب، ومنه ما يكون محلوباً غير مركوب، ومنه ما يكون غير محلوب وغير مركوب؛ كالأرقاء.
والسؤال في هذه المسألة يقوم على قضية انتفاع المرتَهِن بالرهن هل يجوز أو لا يجوز؟ فمثلاً: قد تضع سيارةً عند شخصٍ رهناً لقاء دين، فتقول: يا فلان! أعطني مائة ألف قرضاً إلى نهاية العام مثلاً، فقال لك: أعطني رهناً، فأعطيته السيارة، أو أعطيته أرضاً، أو أعطيته عمارةً رهناً، ف
السؤال
هل يجوز أن ينتفع صاحب الدين من رهنك الذي وضعته عنده أو لا؟ وكل الذي سنتكلم عليه الآن مسألة انتفاع المرتهن بالرهن، وهناك قاعدة عامة ثم فروعٌ تفصيلية.
أولاً: أجمع العلماء على أن منافع الرهن من سيارة، أو عمارة، أو أرضٍ، أو دابة، ملكٌ للراهن في الأصل، ولا يحل مال المسلم إلا بطبيب نفسٍ منه، فمن حيث القاعدة العامة، وأصول الشريعة، كلها تدل على أن منافع الرهن سواءً كان من العقارات أو المنقولات ليست من حق المرتهن، أي: لا يجوز للمرتهن أن يعتدي عليها، فينتفع بها بحجة أنها رهنٌ عنده؛ بل إن يده يد أمانة كما ذكرنا، وينبغي عليه أن يحفظ الرهن كما هو بمنافعه.
أما لو استأذنك فأذنت له، كأن قال لك: هذه العمارة أريد أن أستأجرها منك مدة الرهن، ومدة الرهن شهر، أو سنة، فقال: أريد أن أستأجرها سنة، فدفع العِوض عن المنفعة، فالسؤال: هل يجوز أن يأخذ المنافع إذا أذنت له أو لا يجوز؟ والإجابة على هذا السؤال تستلزم بيان أنواع الأشياء التي تُرهن، ثم نفصِّل متى يجوز أن ينتفع المرتهن إذا أذن الراهن، ومتى لا يجوز أن ينتفع إذا أذِن الراهن أيضاً.
والرهن ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يحتاج إلى مئونة، وهذا القسم مثل: الأرضين، والدور، فالعمارة مثلاً إذا وضعتها رهناً لقاء دينٍ أخذته، فإنها تقفل، ثم هي لا تحتاج إلى مئونة، فلا تحتاج إلى طعام ولا إلى شراب، وإنما تغلق حتى إذا جاء وقت السداد فإن أعطاك الدين وإلا قمت ببيع العمارة، صحيح أنها تحتاج إلى كنسٍ ونحو ذلك إذا كان الإنسان يريد أن ينتفع بها، هذا النوع الذي لا يحتاج إلى مئونة.
مثال آخر للذي لا يحتاج إلى مئونة: كأن يقول المرتهن: أريد أن أسكن العمارة، وهو لا يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ أو يقول: أريد أن أسكن العمارة، وهو يريد أن يدفع العِوض، فهل يجوز؟ لذلك حالتان:
حكم الانتفاع بالرهن بعوض وبدون عوض
الحالة الأولى: كأن يقول: يا فلان! هذه العمارة التي رهنتها عندي، أريد أن أسكنها مدة الرهن، أو شهراً مثلاً، فهل يجوز إذا استأذنك؟ إن لم تأذن له فلا يجوز بالإجماع، لكن لو أذنت له فهل يجوز ذلك أم لا؟
الجواب
إذا استأذنك وأذنت له أن يسكن بدون عوض، ففيه تفصيل: فإن كان الرهن لقاء دين فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وإن كان الرهن لقاء قيمة مبيع فإنه يجوز الانتفاع به.
إذاً: الذي لا مئونة له إذا كانت له منفعة، وطلبها المرتهن، ولم يأذن صاحب الرهن، فلا يجوز بالإجماع.
وإن استأذنه وأذن له فعلى صورتين: إما أن يكون بدون عوض، وإما أن يكون بعوض.
فإن كان بدون عوض فلا يخلو سبب الرهن: إما أن يكون قرضاً، أو غير قرض، فالقرض: مثل أن تقول له: أعطني مائة ألف وعمارتي رهن عندك، وغير القرض: مثل أن تقول له: بعني أرضك هذه، فيقول: بمائة ألف، فتقول له: اشتريتها منك بمائة ألف إلى نهاية السنة، فيقول: قبلت، ولكن أعطني رهناً، فقلت: هذه عمارتي، أو سيارتي.
إلخ.
إذاً: الرهن إما أن يكون لقاء دين، أو غير دين، فإن كان لقاء دين، وأذِنت له أن يأخذ المنفعة بدون عوض، فإنه لا يجوز؛ لأنه قرضٌ جرّ نفعاً، وهو من الربا، ووجه ذلك: أن العمارة إذا سكنها شهراً وقيمة أجرتها ألف ريال، فكأنه ديّنك مائة ألف وألفاً، فيكون أخذ فائدة على ذلك القرض؛ لأنك إنما أعطيته لكونك مستديناً منه، فصار قرضاً جر نفعاً.
وعلى هذا فالصورة الأولى: إذا كان يريد منفعة الدار أو منفعة الشيء المرهون بدون عوض في لقاء قرضٍ فلا يجوز؛ لأنه يئول إلى قرضٍ جر نفعاً.
الصورة الثانية: أن يقول لك: أنا أريد أن آخذ هذه المنفعة وأسكن في الدار بأجرتها، فإذا قال لك: بعوض، أو قلت له: لا أعطيك إلا بعِوض، فأيضاً لا يخلو من ضربين: الضرب الأول: أن يكون بمثلها، بمعنى: أجرة المثل، لا وكس فيها ولا شطط، فيجوز.
الضرب الثاني: أن تكون الأجرة فيها شيء من المراعاة والمحاباة، فدخلت شبهة قرضٍ جر نفعاً.
إذاً: مسألة الانتفاع بالرهن -سواءً كان بعوض أو بدون عِوض- إذا كان الرهن لقاء دين، فإنه لا يجوز أن يأخذ المرتَهِن العين المرهونة فينتفع بها، أو بعوض دون مثلها، فإنه في هذه الحالة لا يجوز الانتفاع بها أيضاً.
أما لو أخذها في رهن الدين بعوضٍ مقابلٍ لمثلها لا ظلم فيه، فإنه يجوز.
فالخلاصة: أن الرهن إذا أُعطي لقاء الدين، وكانت فيه منفعة، وطلبها صاحب الدين، فأخذها بعوض مثلها جاز، ولكن إن طلبها بدون عوض، أو طلبها بعوض دون حقها، لم يجز؛ لأنه قرضٌ جر نفعاً.
هذا في الحالة الأولى وهي: أن يكون الرهن لقاء قرض.
حكم الانتفاع بالرهن لقاء ثمن المبيع
الحالة الثانية: أن يكون الرهن لقاء ثمن مبيع، مثل أن يبيعك قطعة من الأرض في مخطّط ويشترط رهناً، فتعطيه عمارةً رهناً، فهذه العمارة أعطيت رهناً لقاء قيمة مبيع، فإذا كانت لقاء قيمة مبيعٍ فالمشهور أنه يجوز أن يأخذ المنفعة بدون عوض، وأن يأخذها بعوض مثلها أو دونه؛ لأن شبهة الربا في هذا منتفية، ومن هنا قالوا: كأنه باعه بالثمن المؤجل، ودخول المنفعة لا يضر على أصل الاستحقاق.
هذا بالنسبة لحالة ما إذا كان للرهن منفعة وأراد المرتهن أن يأخذها.
إذاً: الخلاصة: أنه إذا طلب صاحب الدين منفعة الرهن، فإن طلبها بدون عوض أو بعوض دون حق مثلها في قرضٍ لم يجز، وإن طلبها بعوض مثلها في قرض جاز.
وأما في رهن غير القروض، فإن طلبها بعوض مثلها، أو بدون عوض مثلها، أو بدون عوضٍ أصلاً؛ فإنه يجوز.
انتقال العقد من الرهن إلى الإجارة
وإذا كنا نقول: إنه يجوز له أن ينتفع بالرهن بعوض بعوض مثله في حالة القرض، فمثال ذلك: رجل أعطاك مائة ألف ديناً فأعطيته عمارة، فطلب منك أن يأخذ منفعتها في الموسم، وأجرة هذه العمارة إذا أجِّرت في الموسم على من يريد استغلالها مثلاً خمسون ألفاً، فإذا أعطاك خمسين ألفاً فإنه يجوز؛ لأنه أخذ الرهن لقاء إجارة، وقد ذكرنا في أول باب الرهن أن يد المرتَهِن تكون يد أمانة، فهو الآن أراد أن يستأجر الرهن، فهل تنتقل يده من يد الأمانة إلى يد الضمان؟
الجواب
نعم؛ لأنه بالإجارة حينئذٍ يصبح ضامناً، فتخرج يده من يد أمانة إلى يد ضمان، فلو تلف شيءٌ في العمارة فإنه يضمنه.
هذا بالنسبة إذا قلنا: إنه تنتقل بالإجارة، ويجوز أن يستأجره، وهناك عقدان: العقد الأول: الرهن، والعقد الثاني: عقد الإجارة، سواءً استغرق عقد الإجارة مدة الدين، كأن يكون مدة الدين سنة، وعقد الإجارة سنة، فلا إشكال، أما دون السنة كشهرين، أو مدة الموسم، أو ثلاثة أشهر، ففي هذه الحالة، عندما أخذها إجارةً انتقلت اليد وزالت يد الرهن، وأصبحت عيناً مؤجرة، وإذا انتهت المدة فهل تعود رهناً؟ الجواب: لا، إذا انتهت المدة فإن صاحب العمارة بالخيار، فإن شاء ردها رهناً، وإن شاء رهن غيرها، وفائدة ذلك: أنه ربما ترهن العمارة وقيمتها مثلاً خمسمائة ألف، وخلال الشهرين تصبح قيمتها مثلاً مليوناً، ويكون من الضرر أن تجعلها رهناً، وقد ترهنها وأنت لا تحتاج إلى أن تستغلّها، ثم لما صار الشهر والشهران بانتفاعها بالإجارة طرأ استغلال لك عليها أو حاجة لك عليها، فحينئذٍ بعد انتهاء المدة أنت بالخيار، فإن شئت أن تعيد العمارة أعدتها، وإن شئت أن تدخل عيناً رهناً بدلاً عنها كان لك ذلك، فكأن صاحب الدين هو الذي ضيّع حقه بزوال اليد، وحينئذٍ يزول لزوم الرهن؛ لأننا اشترطنا أن اللزوم يستديم فيه ببقاء اليد.
فإذا كانت اليد دخلت عليها الإجارة، وانتقل الرهن من كونه رهناً إلى إجارة؛ فحينئذٍ يزول لزوم الرهن، هذا هو معنى لزوم الرهن.
لزوم الرهن: لو أنك رهنت العمارة وقيمتها مثلاً مائة ألف، والدين لثلاث سنوات، وبعد شهر أو شهرين أصبحت قيمتها مليوناً، فتبقى لازمة عليك، أي: تبقى رهناً، ولو أصبحت بالملايين، لكن إذا أدخلت الإجارة عليها ورضي صاحب الدين، فحينئذٍ انفك اللزوم؛ لأنه قد سبق أن ذكرنا أن المذهب -وهذا مذهب طائفة من العلماء- على أن الرهن يلزم إذا قُبِض واستديم القبض، لكن عندما دخلت الإجارة رفعت استدامة اليد، وحينئذٍ ينتقل من كونه لازماً على المديون، إلا أنه بعد انتهاء مدة الإجارة فهو بالخيار، إن شاء أدخله رهناً مرة ثانية، وإن شاء امتنع عن إدخاله، وأدخل عيناً أخرى مكانه، على ما يتفقان عليه.
هذا بالنسبة إذا كانت العين لا تحتاج إلى مئونة كالعمائر والأرضين، فخلاصة ما فيها: أن الأصل العام أنه لا يجوز لصاحب الدين أن يأخذ منفعة من الرهن إلا بإذن صاحبه، فإذا اعتدى على ذلك ضَمِن، ويتفرع تفرّع على هذا لو أنه استأذنه بعوض وكان العوض لمثل العين جاز، سواءً كان في رهن القروض أو غيرها.
وإن استأذنه بعوض دونه، أو بدون عوض في عينٍ مرهونة لقاء دينٍ لم يجز؛ لأنه قرض جر نفعاً، وأما إذا كان في غير رهن القروض، فإنه يجوز؛ لزوال الشبهة الموجبة للتحريم، والقاعدة: أن الحكم يدور مع علّته وجوداً وعدماً، فقد منعنا انتفاعه بدون عوض أو بدون عوض المثل إذا كان في القرض؛ لخوف الربا، وذلك منتفٍ في رهن غير القروض، فيصبح جائزاً على الأصل.
انتفاع المرتهن بالرهن المحتاج إلى مئونة إن أنفق عليه
القسم الثاني: أن يكون الرهن يحتاج إلى مئونة، فمثلاً: عندك من هذه الدواب: من الإبل، أو البقر، أو الغنم، فهذه تحتاج إلى مئونة، فهي تحتاج إلى طعام، وتحتاج إلى شراب، ففي هذه الحالة هل يجوز لصاحب الدين أن ينتفع بها؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كانت العين المرهونة تحتاج إلى نفقة، وقال صاحبها: أنا أنفق عليها، وقام بالنفقة على عينه، فلا إشكال، مثلاً جاء وقال لك: أعطني ألف ريال، فقلت له: أعطني رهناً، فقال: هذه الناقة رهن حتى أسدد، فأخذت الناقة وأصبح كل يوم -كأن يكون جارك- يقوم على الناقة ويعلفها، أو تكون الناقة عنده ورضيت له بذلك على أن يعلفها ويقوم عليها، فهذا لا إشكال فيه، لكن المشكلة إذا كانت العين تحتاج إلى مئونة وصاحبها غير موجود، أو يتعذر على صاحبها أن يقوم بالنفقة عليها، فأنت تريد الرهن أن يكون عندك، وصاحبها في بلد غير بلدك، فغير معقول أنه كل يوم يأتي ويعلفها أو يقوم عليها، وقد يكون في البلد الواحد، ومن المشقة أن يأتي فيعلفها ويقوم عليها، فحينئذٍ إذا كانت العين المرهونة عندك تحتاج إلى نفقة من طعام أو شراب أو نحو ذلك، فلها أربع حالات: الحالة الأولى: أن تكون محلوبة مركوبة، مثل الناقة.
الحالة الثانية: أن تكون محلوبة غير مركوبة، كالشاة فإنها تحلب ولكن لا يمكن الانتفاع بالركوب عليها، وكذلك البقرة تحلب ولكن لا يركب عليها.
الحالة الثالثة: أن تكون مركوبة غير محلوبة؛ كفحل الإبل، فإنه يُركب ولا يحلب.
الحالة الرابعة: أن تكون غير محلوبة ولا مركوبة، مثل فحل الغنم، فإنه غير محلوب ولا مركوب، وكذلك الأرقاء.
فهذه أربعة أحوال وفيه هذه المنافع.
ويرد
السؤال
إذا كان صاحب الدين يُنفق على هذه العين المرهونة وهي الناقة، فهل يجوز له أن ينتفع في حدود نفقته أو لا يجوز؟ ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن الرهن إذا كان يُركب أو يحلب، أو يجمع بين منفعة الركوب والحليب، فإن من حقك إذا أنفقت عليه أن تركبه وتحلب منه بقدر ما أنفقت عليه.
مثال ذلك: لو قال لك: هذه الناقة رهنٌ عندك مقابل الألف التي لك عليّ، فقمت على الناقة وعلفتها بما قيمته مثلاً خمسون ريالاً، فحينئذٍ يجوز لك أن تشرب من حليبها بقدر الخمسين، وأن تركب على ظهرها بقدر الخمسين، ويجوز أن تجمع بين الحليب وبين الركوب بقدر الخمسين، فتجعل -مثلاً- ثلاثين للحليب وعشرين للركوب، فتقدر أن ذهابك على ظهرها إلى داخل المدينة والرجوع بعشرين، عشرة ذاهباً وعشرة آيباً؛ وهذا يتقدَّر بالعُرف، ثم حليبها هذا الذي احتلبته في اليوم الذي أنفقت عليها، قيمته ثلاثون، فحينئذٍ تكون الثلاثين مع العشرين مساوية لنفقتك عليها.
فتُقدِّر ما أنفقته وتركب وتحلب على قدر ما أنفقت، فإن كان مركوباً تمحّض انتفاعك بالركوب، وإن كان محلوباً تمحّض انتفاعك بالحليب، وإن كان محلوباً مركوباً جمعت بين الأمرين، أو أخذت منفعة من المنفعتين بقدر حصتها من النفقة، هذا من حيث الأصل الذي ذكرناه.
والدليل عليه ما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)، أي: عليه أن يعلف الدابة، ويقوم عليها في حدود ما أنفق، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، لا يُظلم صاحب الرهن، ولا يُظلم صاحب الدين، ولا تتلف العين؛ لأنها لو تُركت بدون طعام ولا شراب لتلفت.
وعلى هذا أخذ المصنف رحمه الله هذا الحكم، فبيّن أنه يجوز للمرتَهِن ومن له الدين أن يركب الرهن وأن يشرب منه بقدر ما أنفق عليه في طعامه وشرابه.
جواز الانتفاع بالرهن المحتاج إلى مئونة بدون إذن الراهن
وقوله: (بقدر نفقته بلا إذن).
الفائدة هنا أنه لا يحتاج إلى إذن؛ والسبب في ذلك: أن الإذن موجودٌ من الشرع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً)، فهذا إذنٌ شرعي، والله عز وجل يملك العباد وما ملكوا، فالله ملّكنا ذلك، وبيّن أنه إذا رهن أحدٌ عندك عيناً تُركب وتحلب، وأنفقت عليها، وركبت وحلبت بقدر ما أنفقت؛ فقد عدلت وأقسطت، والله يحب المقسطين، ولا تحتاج في ذلك إلى إذن المالك، هذا بالنسبة للشرب والركوب.
حكم انتفاع المرتهن بالرهن غير المحلوب
يبقى
السؤال
غير المركوب وغير المحلوب إذا احتاج إلى نفقة، فهل يُقاس على المركوب والمحلوب؟ جماهير العلماء على أنه لا يُقاس ولا يُلحق، وحتى الإمام أحمد رحمه الله لما قال بهذه السنة وعمل بها، سُئِل عن غيرها، فخصّص الحديث بما ورد؛ لأن الأصل يقتضي أنه لا يجوز لك أن تنتفع بمال غيرك إلا بإذنه، وبحقه، فلما جاءت السنة تستثني هذا الأصل فيما يُركب ويحلب، بقي ما عداه على الأصل الذي يوجب عدم ملكية المنافع إلا لأصحابها، ولا يجوز لمن له الدين أن ينتفع إلا بإذن المالك الحقيقي هذه خلاصة ما ذُكِر.
فالحاصل: أنه يجوز في القسم الثاني إذا كان الرهن يحتاج إلى مئونة وكان مركوباً محلوباً، جامعاً بينهما، أو فيه إحدى الخصلتين يجوز لمن له الدين أن ينتفع في حدود ما أنفق.
فإن كان غير محلوبٍ ولا مركوب، فإنه لا يجوز أن ينتفع به، وحينئذٍ يفصل فيه من ناحية إذا أنفق فإنه يحتسب قدر ما أنفق على ذلك المرهون، ثم يطالب المالك الحقيقي بنفقته، كما سيأتي إن شاء الله.
الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكان الرجوع إليه
قال رحمه الله: [وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع].
قوله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) إذا استأذنه فلا إشكال، وقد ذكرنا المحلوب والمركوب، فالمحلوب والمركوب لا يحتاج إلى إذن، وغير المحلوب والمركوب -كما كان في الأرقاء في القديم ونحوهم- إذا احتاج إلى نفقة، فإنه إذا أنفق عليه بدون إذن صاحبه مع إمكان أن يستأذنه، فإنه لا يُعطى نفقته؛ والسبب في ذلك: أن المطالب في الأصل هو المالك، فكونه لم يستأذن ولم يأمره أحد أن يُعطي بل أعطى تلقائياً، دلّ على أن العطية محض تبرّع، وهذا يسمونه: الاستناد إلى الظاهر؛ لأن المالك الحقيقي موجود، فكونه موجوداً ويمكنه أن يتصل به أو يرسل إليه، أو يأتيه بنفسه ويقول له: إني سأنفق على الرهن فهل تأذن لي؟ فكونه لم يفعل ذلك، هذا يسمونه: دلالة الظاهر، وقد سبق أن ذكرنا الظاهر والأصل، فهذا من الظاهر فيُعمل به، ويقال: هذا محض تبرّع.
وقال بعض العلماء: يرجع إلى نيته، فإن كان نوى أنها تُحتسب احتسبت، وإن كان نوى أنها لا تحتسب فإنها لا تحتسب، وتكون محض التبرع.
والمراد بقوله: (لم يرجع)، أي: ليس من حقه أن يرجع على المالك الحقيقي فيطالبه، فيقولون: رجع، لم يرجع، وعليه أن يرجع، هذا هو المراد به، أنه إذا دفع مثلاً ما قيمته خمسمائة ريال نفقة، وكان بإمكانه أن يستأذن المالك الحقيقي ولم يستأذنه، فحينئذٍ ليس من حقه أن يرجع ويطالب المالك الحقيقي بالنفقة.
النفقة على الرهن عند تعذر الرجوع إلى الراهن
قال رحمه الله: [وإن تعذّر رجع ولو لم يستأذن الحاكم].
قوله: (وإن تعذر) أي: إن تعذر عليه أن يرجع إلى المالك الحقيقي، وإن لم ينفق صارت الدابة معرضة للموت، والوقت ضيق، فتعذّر عليه أن يرجع؛ وذلك لصعوبة الاتصال به، أو سافر الراهن، وتعذر أن يتصل به أو يجد وكيلاً عنه، فقام وأنفق، فإنه يرجع؛ لأن الشبهة هنا قائمة، والأصل أن نفقته محسوبة، وقد قلنا هنا: إنه يرجع؛ لأنه لما أنفق هذا المال، فالأصل أن يرجع في ضمانه، هذا هو الأصل، ولما تعذّر عليه الرجوع سقط تأثير الظاهر؛ لأن في الظاهر ما يدل على الشبهة لوجود العذر، وحينئذٍ لا نلزمه، ولا نقول له: يسقط حقك؛ بل نقول: إن من حقك أن ترجع عليه بقدر النفقة.
فلو أنفق عليه مثلاً في حدود خمسمائة ريال، وقيمة الرهن عشرة آلاف ريال، والدين تسعة آلاف ريال، فلما انتهى الوقت جاء وسدد تسعة آلاف ريال، وقال له: أعطني الرهن، فقال: بقي خمسمائة تكفّلتُها نفقة على الرهن، فإن قال: لا أعطيك، فحينئذٍ من حقه أن يطالبه، ويقول له: أعطني هذه الخمسمائة وهي تابعة للدين، فيُلزم بإعطائه، ويجب عليه أن يعطيه، سواءً استأذن الحاكم أو لم يستأذنه.
وبعضهم يقول: عليه أن يستأذن الحاكم والوالي، والمراد بالحاكم هنا القاضي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فالسلطان ولي من لا ولي له)، فجعل القضاة والحكام إنما يُرجع إليهم إذا تعذّر الرجوع إلى الأصل، فهم يقومون مقام الناس في القيام على مصالحهم، وعلى هذا قالوا: إنه يرجع إلى الحاكم فيستأذنه أولاً ثم ينفق، ولا شك أن الرجوع إلى القاضي متى أمكنه الرجوع إلى القاضي أحوط.
النفقة على الوديعة مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه
قال رحمه الله: [وكذا وديعة].
أي: إذا أنفق على وديعة، ومثاله: رجلٌ أعطاك وديعة، فإذا احتاجت هذه الوديعة إلى نفقة، وأمكنك الاتصال به، فإنه يجب عليك أن تتصل به وتستأذنه، وإن لم يمكنك الاتصال به على التفصيل الذي ذكرناه في الرهن، فمن حقك أن تطالبه بنفقتك على وديعته، سواءً قلنا باستئذان الحاكم أو بدونه، وأما إذا أمكنك أن تستأذنه ولم تستأذنه، فإن نفقتك على الوديعة تعتبر محض التبرّع، وليس من حقك أن تطالب بالنفقة.
النفقة على العارية مع إمكان الاستئذان من المالك وعدمه
قال رحمه الله: [وعارية].
أي: إذا استعار شخصٌ شيئاً، واحتاج هذا الشيء إلى نفقة، فإنه يرجع إلى مالكه الحقيقي ويستأذنه، فإذا لم يستأذنه مع إمكان الاستئذان، فإنه يتحمل مسئولية النفقة، وأما إذا لم يمكنه وتعذر عليه الاستئذان وقام بالنفقة، فإنها تضمن على التفصيل الذي ذكرناه في استئذان الوالي وعدم استئذانه.
النفقة على الدواب المستأجرة الهارب صاحبها
قال رحمه الله: [ودواب مستأجرة هرب ربها].
وذلك مثل الإبل في القديم، فإذا أستأجرها الإنسان من أجل الركوب، ثم هرب صاحبها، فهذه الدواب ستبقى عندك، وتكون يدك عليها قائمة، يد حفظ، فتحفظها لأخيك المسلم، وبعض العلماء يُلزمك بالحفظ هنا، ولا خيار لك، تُلزم بحفظها، وتقوم عليها حتى يأتي ربها وصاحبها، ثم تنفق عليها منها، فإذا أنفقت عليها منها فلا إشكال، وأما إذا لم تجد منها شيئاً وقمت أنت بنفسك وأنفقت من مالك، فحينئذٍ يكون من حقك الرجوع على مالكها الحقيقي إن جاء يطالبك يوماً من الأيام؛ لأنه تعذر عليك أن تتصل به وتطالبه، فيجوز لك حينئذٍ أن تؤاخذه بضمان؛ لأن هذه العين التي هي الإبل أو الدواب التي تُستأجر للركوب أو نحو ذلك مثل الثيران، فقد كانت في القديم تستأجر للحراثة، وفي زماننا لو كانت السيارة مستأجرة، ثم حصل ظرف لصاحبها وغاب فجأة، وأصبحت السيارة عندك واحتاجت إلى نفقة، أو إلى رعاية، فأنفقت عليها مع تعذر الاتصال بصاحبها، فإنه حينئذٍ إذا رجع طالبته بضمان ذلك الشيء الذي أنفقته على عينه؛ ووجه ذلك: أن هذه العين غُرمها وغنمها على مالكها الحقيقي؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (الخراج بالضمان)، فغرمها وغنمها لمن يضمن، أي: يأخذ الغنم وعليه الغرم، فلما كان ربحها له، كذلك أيضاً غرمها ونفقتها وخسارتها وأعباؤها وتكاليفها على مالكها الحقيقي، أما يدك فإنها يد حفظ.
ففي هذه الحالة -في العارية، وفي الرهن، وفي العين المستأجرة- إذا لم يتيسر الاتصال بمالكها الحقيقي وكنت معذوراً، جاز لك أن تقوم بالمعروف بالنفقة عليها، ثم تطالبه بضمان ما أنفقت.
تعمير المرتهن لخراب الدور والأراضي المرهونة ونحوها
قال رحمه الله: [ولو خرِب الرهن فعمّره بلا إذن رجع بآلته فقط].
الخراب: ضد العمار، فلو أن العين المرهونة -كالمزارع، والأرضين ونحوها- أصبحت خراباً، أو اخترب بعضها، فقام المرتهن باستصلاحه، فإنه في هذه الحالة العين والرقبة موجودة، ويمكن أن تبقى وتبقى ماليتها بحالها، بخلاف الإبل والبقر والدواب، فإنه إذا لم تنفق عليها فستموت وتتلف وتذهب ماليتها، فهناك فرق بين الاثنين، ثم في هذه الحالة يكون الدفع هنا دفع إجارة، وفيه مبايعة من جهة المئونة، فيلتزم به فقط بقيمة الآلة التي تم بها الاستصلاح، ولا يطالبه بالفضل، وليس له أن يقايضه على ذلك منفعة، وذلك بالعرف، فتكون مثلاً بناء هذه الدار واستصلاحها بخمسين ألفاً، وتكلفتها بالعرف أربعون ألفاً، وعشرة آلاف تكون ربحاً لمن يقوم باستصلاحها، فهنا ليس له أن يربح، وإنما يكون له فقط أجرة الآلة التي استصلح بها، فيملك فقط المئونة، وليس من حقه أن يقايض على ما فيه مصلحة ونماءٌ زائد.
وهذا بالنسبة لمنفعة الاستصلاح، بخلاف منفعة النفقة التي تبقى بها العين، فهنا محض تبرع فيه نوع من الفضل؛ فأرضي إذا انهدمت فإن من حقي أن أبنيها أو لا أبنيها، لكن الدابة إذا ماتت ففي الغالب أنني لا أرضى بموتها، فكونه في هذه الحالة عندما خربت الأرض أتى وعمرها، فأنا قد أرضى أن تسقط وتخرب وتبقى على حالها، لكن الإبل والبقر والغنم التي حياتها وماليتها موقوفة على النفقة لا أرضى بتلفها.
فهناك فرق بين الحالتين، فالنفقة في الأولى مستحقة ولازمة، وتبقى المالية عليها، وكأنه محض التصرف الرشيد، وفي موضعه، أن تنفق لبقاء الإبل والغنم والبقر ونحوها من الرقاب المرهونة أو المستعارة أو المؤجرة، لكن في حالة ما إذا كانت العين داراً فانهدمت، أو مزارع مثلاً فعطشت، فأصلح آبارها أو نحو ذلك، فإنه لا يأخذ إلا نفقة الآلات التي بها تحققت المنفعة، وليس من حقه أن يقايض أو يطلب الربح أو النماء الزائد.
أما لو استأذن فإنه يملك مطالبته بجميع ما أذن له به، وذلك في حدود الإذن، فلو قال له مثلاً: ابن هذا دورين، فبناهما دورين على نفس الصفة المتفق عليها، فله أن يطالبه بالنفقة كاملة.