حكم من أراد بتعليق الطلاق المنع لا الطلاق
السؤال
ما الحكم إذا أراد الزوج بتعليق الطلاق المنع دون نية الطلاق وإنما قصد أن يمنعها من الخروج؟
الجواب
هذه المسألة خلافية، جمهور العلماء -رحمهم الله- على أن صيغة الشرط يترتب فيها الطلاق على وجود الشرط، سواءً قصد المنع أو قصد غير ذلك، وبناءً على ذلك: لا فرق عندهم بين كون المطلق يقصد المنع أو لا يقصده، وذهب طائفة من العلماء -رحمهم الله- إلى القول بالتفصيل: فإن كان التعليق لا يقصد منه المنع كأن يرتبه على زمان كقوله: إذا غابت الشمس فأنت طالق، طلقت لمغرب الشمس، وإن قصد به المنع فإنه لا يقع الطلاق، ويكون حكمه حكم اليمين، ويكفر عنه، ويخرج من تبعته، والصحيح من حيث الأصل مذهب جمهور العلماء رحمهم الله؛ لكن لو أن شخصاً وقع عليه ذلك وقصد منع زوجته وارتفع إلى قاضي أو عالم يرى أنه لا يقع ويعتبر نية المطلق في ذلك فإنه توسعة من الله عز وجل، ولا تطلق عليه امرأته؛ لأن العبرة بمن أفتاه، وبمن قضى عليه، والله تعالى أعلم.
العبرة في العدة بزمن الطلاق لا بزمن بلوغ الخبر بالطلاق
السؤال
امرأةٌ فارقها زوجها ما يزيد على عام وعندما سئل عنها قال: إنه مطلقٌ لها، فهل تعتبر خارجة من العدة أم لا بد من الاعتداد بعد قوله؟
الجواب
مذهب جمهور العلماء على أن من طلق امرأةً فإنه يحتسب في العدة من الطلاق لا من بلوغ الخبر، وقالوا: أن المقصود من الطلاق استبراء الرحم، فلو أنه طلقها ومضى لها ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار -على الخلاف: هل العبرة في العدة بالحيض أو الطهر؟ - فإنه يحكم بكونها أجنبية إذا لم يراجعها، وكانت الطلقة بعد الدخول، وبناءً على ذلك قالوا: إذا طلقها طلقة واحدة، ومضت مدة العدة ولم تعلم، وجاءها الخبر بعد تمام مدة العدة، فإنها تصبح حلالاً، والعبرة بوقت الطلاق، لكن في الحداد الحكم يختلف، فإن الحداد عبادة، فلو أن امرأةً مات زوجها ولم يبلغها خبر وفاته إلا بعد سنة أو بعد سنوات فإنها تبتدئ حدادها أربعة أشهر وعشراً من بلوغ الخبر، والفرق بينهما: أن عدة الطلاق لا تحتاج إلى نية، وعدة الحداد فيها وجه التعبد فاحتاجت إلى النية، فلا بد من نيتها للحداد حتى يقع ذلك على الوجه المعتبر، والله تعالى أعلم.
حكم زواج الرجل من امرأته التي خالعها
السؤال
إذا طلقت المرأة نفسها هل للزوج أن يعيدها بعقد جديد إذا اصطلحا؟
الجواب
يجوز للزوج إذا خالع امرأته وأراد أن يراجعها أن ينكحها بعقد جديد؛ لأن الخلع طلقة بائنة، وقد بينا هذا فيما تقدم، قال صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة)، فإذا طلقها طلقة وأراد أن يراجعها بعد ذلك فإنه يعقد عليها عقداً جديداً، ولا بد من وجود الولي وشاهدي عدل والمهر والصداق على الشروط المعتبرة في صحة عقد النكاح، والله تعالى أعلم.
معنى القوامة في قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء)
السؤال
ما المقصود بالقوامة التي في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:34]؟
الجواب
فضل الله الرجل على المرأة، والله سبحانه وتعالى إذا حكم لا يعقب حكمه، وهو -جل جلاله وتقدست أسماؤه- عليمٌ بخلقه، حكيم في تدبيره وأمره وشأنه، فالله تعالى جعل في الرجال ما لم يجعله في النساء، كما جعل في القوة ما لم يجعله في الضعف، وقد بين الله تعالى أن الرجل لا يستوي مع المرأة، ومن قال: إن الرجل كالمرأة سواءً بسواء فقد ناقض شرع الله، وخالف نصوص الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:36]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:18]، والمراد بذلك: المرأة، والسبب في هذا التفضيل: أن الله سبحانه خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ثم خلق منه زوجه، وخُلقِت من ضلع آدم كما أخبر صلى الله عليه وسلم (أنها خلقت من ضلع أعوج) وهذا حكم الله عز وجل كما تجد في الخلق من هو عالم وجاهل، فالعلماء أفضل من الجهال، وتجد الغني والفقير، هذا كله تفضيل من الله، لا يستطيع أحد أن يقول: لماذا؟ أو يريد أن يعطل حكم الله عز وجل، فالأصل أن الله فضل الرجال على النساء، ولكن جعل الفضل المشترك بينهم التقوى، فإن كانت المرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله؛ فلها فضلها ولها قدرها ولها حقها ولها مكانتها، والرجل إذا كان فاسقاً فاجراً متنكباً عن صراط الله عز وجل؛ كان كالبهيمة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:44]، فهذا التفضيل في الأصل يبقى موقوفاً على اتباع الشرع كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13]، فذكر خلق الناس من ذكر وأنثى ثم بين التمايز والتفاضل، وكون المرأة دون الرجل لا يمنع أن تكون في الفضل أفضل من الرجل إن كان الرجل عاصياً لله عز وجل، فالمرأة ينبغي أن تعلم أن الله فضل الرجل عليها، وهذا التفضيل حكم من الله سبحانه وتعالى، وقد دلّت دلائل الكتاب والسنة على هذا؛ ولذلك جعل الله شهادة الرجل كشهادة اثنتين من النساء؛ لأن الله جعل في المرأة من الحنان والرحمة والعطف والعاطفة ما لم يجعل في الرجل، وهذه العاطفة تؤثر في المشاعر، وجعل في الرجل من القوة ما لم يجعل في المرأة، وانظر إذا أردت أن تعرف الفرق بين المرأة والرجل في مواقف الشدة والضعف؛ فإن المرأة إذا وقفت أمام قتل أو دماء تسيل لا تستطيع أن تتم النظر وسرعان ما تصرخ، وسرعان ما يغشى عليها، وسرعان ما تضع يديها أمام بصرها؛ لأن الله لم يعطها من القوة ما أعطى الرجل، ولا نستطيع أن نقول للضعيف: كن قوياً، ولا نستطيع أن نقول للقوي: اخرج عن فطرتك التي فطرك الله عليها حتى تصير كالمرأة ضعيفاً جباناً، ينبغي أن نعلم أن هذا التفاضل وراءه حكم عظيمة، لو أن الكون كله خلق على صفة واحدة لتضادت الأشياء، فالمرأة بضعفها وحنانها ورحمتها وعاطفتها قد تفوق الرجل بكثير، وهذا يكون إذا وضعت رحمتها وعاطفتها في مكانها، فالمرأة حين ترعى الصغير، وتحسن التبعل لزوجها، وتشعر أنها تحت الرجل وتحسن التبعل له، وتحسن القيام على بيته وولده، وترعى المسئولية التي ألقاها الله على عاتقها؛ تكون كأكمل ما أنت راءٍ من امرأة، ولكن ينقلب الحال إذا صارت كالرجل تحاكي الرجال وتحاول أن تكون مثل الرجل سواءً بسواء؛ حتى إن بعض الأدعياء -قاتلهم الله- يقولون: إن الإسلام لم يفرق بين الرجل والمرأة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:5]، فعلى الرجال الجهاد، وليس على النساء جمعة ولا جماعة ولا جهاد، ومن قال: إن المرأة مثل الرجل، فقد شق على المرأة، ولن يستطيع أحد أن يعطي المرأة حقوقها -على أتم الوجوه وأكملها- إلا الله جل جلاله وحده لا شريك له، الذي أعطاها الضعف، وهذا الضعف كمالٌ لها، وزينة لها وجمال، فإذا نظرت إلى حنانها وهي تمسح صبيها وربما تذكر الإنسان ولادته وحنان أمه وعطفها وشفقتها فلم يتمالك دمعة عينه ويترحم عليها إن كانت ميتة أو يدعو لها إن كانت حية، فالذي يريد أن يجعل المرأة كالرجل فإنه يخرج المرأة عن فطرتها، بل إنه يعذبها، يريد أن تخرج كالرجل سواء بسواء فيحملها ما لا تطيق ويعميها، ويجعلها في وضع لا تستطيع أن تقوم به مهما كانت الأمور؛ لأن فيها من الخصائص وفيها من الطبائع ما لا تقوى أن تكون فيه مثل الرجل؛ لأن هذا حكم الله، وحكم الله إذا خرج الإنسان فيه عن الفطرة السوية، والخلقة المرضية؛ فإنه سيشقى ويتعب، ولذلك الله تعالى يقول: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:117]، وأطرد الخطاب للرجال تفضيلا وتكريما؛ لأنهم فضلوا بأصل الخلقة، وخلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فلا بد للمرأة المؤمنة الصالحة أن تدرك هذه الحقيقة، وأن تترك أوهام من يدعي أن المرأة كالرجل، ويحاول أن يجعل المرأة كالرجل سواءً بسواء، بل ينبغي للمرأة أن تعلم علم اليقين أنه لا سعادة في بيت الزوجية إلا إذا علمت أن الرجل قائم عليها، وأن الله لم يجعلها قائمة على الرجل إلا في حالة واحدة، وهي: إذا تنكب الرجل عن صراط الله؛ زجرته بزواجر الله وذكرته بأوامر الله وأوقفته عند حدود الله، وعندها تكون قد أقامته على صراط الله ومرضاة الله، والخاص لا يقتضي التفضيل من كل وجه على سبيل العموم، وأياً ما كان فإن القوامة ينبغي للرجال أن يضعوها في موضعها، فيكون الرجل في بيته كاملاً يراعي حق الرجولة، ويوقف المرأة عند حدودها، فعلى المرأة أن تذل لزوجها، وتكون تحته مطيعة له، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وتوفيت وزوجها عنها راض قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت)، ولم يجعل ذلك للرجال، ما قال: إذا صلى الرجل خمسه وصام شهره وأرضى زوجه ورضيت عنه زوجه؛ لأن الأصل أن الرجال هم القائمون، وعلى هذا: فينبغي للمرأة أن تعلم أن سعادتها أن تعطي الرجل حقوقه.
وهنا أذكر أن على الرجل أن يتقي الله وأن لا يتخذ من هذه القوامة إساءة وإضراراً خاصة إذا كانت تحته امرأة صالحة، تخاف الله عز وجل، فالمرأة الصالحة لها حق على كل رجل صالح بأن يحفظ صلاحها، خاصة عند كثرة الفتن والمحن، وأن يقبل منها حبها لله وطاعتها لله، وأن يحمد الله جل جلاله أن وفقه لمثل هذه المرأة، فيثبتها حتى يعينه الله عز وجل على القيام بحقوقها.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بنواصينا إلى سبيل البر والرضا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب تعليق الطلاق بالشروط [2]
قد يعلق الزوج طلاق زوجته بأداة شرط على إثبات شيء أو نفيه، وأدوات الشرط كثيرة، وقد يختلف الحكم الشرعي بتلفظه بأداة دون أداة، وقد بين العلماء رحمهم الله أحكام ذلك بالتفصيل.
أدوات الشرط التي يعلق بها الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأدوات الشرط: إن وإذا ومتى وأين ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار، وكلها ومهما بلا لم أو نية فور أو قرينة للتراخي، ومع لم للفور إلا (إن) مع عدم نية فور أو قرينة].
الله سبحانه وتعالى نص في كتابه في مواضع على اعتبار صيغة الشرط والحكم بها، ولذلك تعد من لسان العرب ولغتهم، فإذا علق المسلم طلاقه بصيغة الشرط فإن هذا يستلزم وجود أداة يسميها العلماء: أداة الشرط، وهذه الأدوات منها ما يتعلق بالشرط المحض، ومنها يتعلق بالزمان، ومنها ما يقصد منه التكرار، ومعانيها ودلالاتها تختلف، فنظراً لذلك لابد عند بيان أحكام الطلاق المعلق بالشروط أن ينتبه طالب العلم لهذه الأدوات، وأن يعطى كل لفظ حقه من الدلالة.
التعليق بأداة الشرط (إن)
يقول رحمه الله: [وأدوات الشرط إن].
قوله: (إن): هذه تعتبر أُم الأدوات، وهي تدل على محض الشرطية، وقال بعض العلماء: لا علاقة لها بالزمن، ومن المعلوم -كما تقدم معنا- أن هناك شرطاً وجزاء للشرط معلق على وجود هذا الشرط، ومعنى ذلك إذا قال لزوجته: إن قمتِ فأنتِ طالق، فمعناه: أنه رتب طلاق زوجته على وجود القيام.
وبناءً على ذلك فلابد من وجود فعل الشرط وجواب الشرط وأداة تربط بين الجملتين، وإذا عبر بأداة (إن)، فإنه تارة يعبر بالإثبات وتارة يعبر بالنفي، فيقول لزوجته: إن تكلمت فأنتِ طالق، إن قمتِ فأنتِ طالق، إن ذهبتِ إلى أبيكِ فأنتِ طالق.
ونحو ذلك، هذا كله متعلق بالإثبات، فإن وجد القيام أو وجد الكلام أو وجد الخروج من حيث الأصل فإنه يُحكم بالطلاق، هذا بالنسبة للإثبات.
وأما في النفي فنحو: إن لم تقومي فأنتِ طالق، إن لم تتكلمي فأنتِ طالق، إن لم تذهبي إلى أبيك فأنتِ طالق، فهذا نفي، فهذه الأداة فيها ما يتعلق بالإثبات وفيها ما يتعلق بالنفي، وكل منهما له حكم، ففي الإثبات لنا حكم، وفي النفي لنا حكم آخر.
قلنا: إن عندنا فعل الشرط: إن قمتِ، وجواب الشرط: فأنتِ طالق، هذا الجواب يترتب بالفاء لقوله: فأنتِ طالق، فمن حيث الأصل إن قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
فلا إشكال في اعتبار الصيغة، ويربط بين جملة فعل الشرط وجواب الشرط بالفاء، لكن لو قال لها: إن قمتِ أنتِ طالق.
فهذا محل خلاف بين العلماء رحمهم الله، قال بعض العلماء: إن قال لها: إن قمتِ أنتِ طالق.
فإننا لا نعتبر الجملة الثانية وهي قوله: أنتِ طالق؛ مرتبة على قوله: إن قمتِ.
لعدم وجود الفاء، وبناءً على ذلك تطلق عليه مباشرة؛ لأنهم لا يرون الربط بين الجملة الأولى والجملة الثانية، فيقولون: كأنه قال لغواً: إن قمتِ، وقوله: أنتِ طالق، بعد ذلك كلام يستأنف ويوجب وقوع الطلاق على البت والتنجيز.
واختار طائفة من العلماء كالإمام ابن قدامة، وبعض أصحاب الإمام الشافعي أنه إذا قصد الشرط فإنها لا تطلق عليه إلا إذا قامت، ويغتفر حذفه للفاء؛ لأن الأمر مستقر في نفسه ونيته، فكأنه قال: إن قمتِ فأنتِ طالق، كما لو جاء بالفاء، وهذا هو الصحيح لأنه قصد الشرطية.
يبقى عندنا سؤال حين قلنا هنا: إن وجود الحرف الفاء وانتفاءه مؤثر في الصيغة، وقلنا: إن النية أقوى، يرد
السؤال
لو أن رجلاً قال لامرأته: إن قمتِ فأنتِ طالق.
هل نجعل طلاق المرأة موقوفاً على القيام مطلقاً؟ أو فيه تفصيل؟
الجواب
إذا قال لامرأته: إن قمتِ فأنتِ طالق فله ثلاثة أحوال: الحالة الأول: أن يقصد ترتيب الجملة الثانية على الجملة الأولى، أو ترتيب الشرط على المشروط، فإذا وجد الشرط وجد المشروط، فإذا قصد الشرطية وقال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق، ونوى في قلبه أنها لا تطلق إلا إذا قامت فإنها لا تطلق إذا لم تقم، وذلك لأن اللفظ يدل على الشرطية، وجاءت نصوص القرآن باعتبار الشروط كما سنبين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:6] اشترط الله عز وجل وجود طلب الجوار، وأمر وحكم بأنه مجار بذمة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا يدل على اعتبار صيغة الشرط، وترتب الحكم عليها، فهو إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
وفي نيته أنها لا تطلق إلا إذا قامت؛ يتوقف الطلاق على وجود القيام، هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: أن يكون مقصوده إيقاع الطلاق مباشرة، فلو قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
وفي نيته أنها طالق فوراً ألغينا قوله: إن قمتِ.
وأوقعنا الطلاق بقوله: أنتِ طالق، وعلى هذا لا تؤثر صيغة الشرطية لأنه تلفظ بالطلاق، ونوى الطلاق على التنجيز فلا يحكم بالتعليق، إذاً عندنا حالتان متقابلتان: الأولى: أن ينوي الشرط ويقول: إن قمتِ فأنتِ طالق.
ومراده أنها لا تطلق إلا إذا وجد القيام، فبإجماع العلماء من حيث الأصل أنها لا تطلق إلا إذا قامت.
ثانياً: إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
قاصداً بت الطلاق ووقوعه مباشرة، طلقت عليه مباشرة، ولم يلتفت إلى قوله: إن قمت أو قعدت أو غير ذلك من الشروط.
الحالة الثالثة: إذا لم ينو الشرطية، ولم ينو البت في الطلاق وتنجيزه، قال لامرأته: إن قمتِ فأنتِ طالق.
قلنا: يا فلان ما الذي قصدت؟ قال: ما دار بخلدي شيء، أتيت بهذا اللفظ وقلت لزوجتي: إن قمتِ فأنتِ طالق.
قلنا: هل قصدت أن الطلاق يقع فوراً؟ قال: لا.
قلنا: هل قصدت الشرطية؟ قال: لا.
إذاً يحكم بالظاهر، ويعتد باللفظ على ظاهره ويؤاخذ به، ولا نلتفت إلى كونه قصد الطلاق أو لم يقصده؛ لأن الشرع في الهازل الذي لم ينو الطلاق اعتد بظاهره وأسقط الباطن، وفي هذه الحالة أيضاً إذا لم يقصد الشرطية ولم يقصد تنجيز الطلاق نحكم بظاهر قوله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس وأن أكل سرائرهم إلى الله) فظاهر لفظه أنه لفظ يقع فيه الطلاق بشرط معين، فنقول: بينك وبين الله إن وقع هذا الشرط أمضينا عليك الطلاق، وإلا فلا.
فهي ثلاثة أحوال: أولاً: أن يقصد الشرط، اعتد به وأخذ بظاهر قوله، فاجتمع الظاهر والباطن على الشرطية ولا إشكال.
ثانياً: أن يقصد التنجيز والإيقاع فوراً، والصيغة لا يلتفت إليها ولا يعتد بها فيمضي عليه طلاقه.
ثالثاً: أن لا يقصد شيئاً من الأمرين فنقول: إنه تلفظ بالطلاق، وحينئذٍ ننظر إلى ظاهر لفظه، فنؤاخذه على ظاهر اللفظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس).
مسألة أخيرة في (إن قمتِ) -وبعضهم يجعلها مطردة في أدوات الشروط كلها- من حيث الأصل يعبرون بقوله: إن قمتِ، وإذا قمتِ، إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
هل نطلقها بمجرد الارتفاع للقيام؟ أو بعد تمام القيام؟ عندنا شيء هو الابتداء بحيث يوصف الإنسان بأنه ابتدأ في المحذور، وعندنا شيء هو تمام المحذور بحيث نصفها بأنها قد قامت فعلاً ودخلت فعلاً، وقد كتبت، مثلاً: قال لها: إذا ولدتِ فأنتِ طالق، فهل نطلق في ابتداء الولادة؟ أو نطلق بتمامها؟ وهل نطلق بابتداء الدخول؟ أو بانتهائه وتمامه وكماله؟ لو قال لها: إذا حملت هذه الصخرة فأنت طالق، وهي حامل وجاءت تحمل الصخرة، فلما انتصبت لحملها أسقطت جنينها، وهو مكتمل الخلقة فهل يعتد بسقوطه، وتخرج من العدة؟ إن قلت: إنها تطلق بابتداء الشروع، فقد خرجت من عدتها بالولادة؛ لأنها قد وقعت بعد استيفاء الشروط، وإن قلت: إنها لا تطلق إلا بعد تمام حمل الصخرة واستتمامه والوقوف به، فحينئذٍ يكون سقوط الحمل الموجب للخروج من عدة الطلاق سابقاً للطلاق فلا يعتد به، ويحكم بكونها مطلقة بعد تمام الحمل.
هذه مسألة: هل يطلق بابتداء الصفة أو بتمامها وكمالها.
التعليق بأداة الشرط (إذا)
(وإذا (لو قال: إذا دخلتِ الدار، أو تكلمتِ، أو إذا سكتِ، أو إذا قمتِ، أو إذا قعدتِ.
فهذه صفات تعلق الحكم بالطلاق على وجودها، فنحن في هذه الحالة لا ننظر إلى الزمان، فنقول: هذه المرأة إذا قال لها زوجها: إذا تكلمتِ فأنتِ طالق.
فإنها زوجة له ما لم تتكلم، فإن تكلمت يحكم بطلاقها، فلا ندري هل تتكلم الآن؟ أو تتكلم اليوم؟ أو تتكلم الغد؟ لا ندري متى زمان الإخلال ولذلك يقولون: (إذا) أداة على الخطر، يحتمل أن تقع ويحتمل أن لا تقع، لو قال لها: إذا كتبتِ فأنتِ طالق، ربما جلست حياتها كلها لا تكتب فلا طلاق، ولربما كتبت بعد تلفظه مباشرة فطلقت، ولربما جلست اليوم والأسبوع أو مدة ما شاء الله، فإذاً: هذه الصيغة ليس لها تعلق إلا بالشرطية وهي (إن).
ثم (إذا) بعض العلماء يلحقها بإن ويقول: إنها تقتضي الشرطية وتدل على الشرطية، لكن الذي رجحه طائفة من العلماء أنها أقرب إلى الزمان، وبناءً على ذلك: إذا قال لها: إذا تكلمتِ فأنتِ طالق، فإنه في هذه الحالة لا نحكم بطلاقها إلا بوجود الكلام أو بوجود الدخول ونحو ذلك من الصفات التي علق وقوع الطلاق عليها.
التعليق بأداة الشرط (متى)
(ومتى) هذا بالنسبة للزمان، متى قمتِ فأنتِ طالق، فإنه متى وجد القيام وفي زمان القيام يحكم بطلاقها، وهناك فرق بين قوله: متى قمتِ فأنتِ طالق، وبين قوله: إذا قمتِ فأنتِ طالق، وقوله: إن قمتِ فأنتِ طالق، فإن متى متصلة بالزمان وهي ألصق بالزمان، ولذلك يقولون: إنها متعلقة بالحين، قال الشاعر: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا قال بعض العلماء: إن لها وجهاً من الشرطية وإن كانت متعلقة بالحين، فكأن الشاعر يقول: في أي حين تأتيه تعشو إلى ناره تجد، وعلى هذا فإن (متى) لها اتصال بالزمان أقرب من الأداتين الماضيتين، وعليه: فإننا لا نحكم بالطلاق إلا بوجود زمان القيام، متى قامت، فتطلق في زمان القيام.
واعتد بعض العلماء بابتداء الزمان فقال: تطلق عند ابتداء قيامها، وبعضهم يقول: لا تطلق إلا في أثناء الوقت الذي هو يستغرق القيام، فيأتي فيها ما لا يأتي في صيغة إن قمت، أو إذا قمت، هل المراد الابتداء أو الانتهاء؟ لأن الظرفية في الشيء تكون داخل الظرف إما زماناً أو مكاناً، فحينئذٍ يكون طلاقها في ظرف الوقت الذي فيه القيام، وعلى هذا: يشمل ما بين الابتداء والانتهاء، فهي في الوسطية أقرب منها من قوله: إذا قمت، أو إن قمت، فهو إذا قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالق.
يحتمل أن يكون مراده: إن قمتِ وتم قيامكِ فأنتِ طالق، ويحتمل أن يكون مراده: إن قمتِ، أي: بمجرد القيام.
والسبب في هذا: أن العرب تعبر بإذا وتريد ابتداء الشيء، وتريد انتهاء الشيء، وتريد أثناء الشيء، فهي ثلاثة أحوال: ابتداء الشيء، إما عند ابتدائه أو عند إرادته كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:6] فإن غسل الوجه يكون عند إرادة القيام، والقيام لم يقع حقيقة، فهي لا تكون من هذا الوجه لا أثناء الفعل، ولا بعد تمام الفعل، وكذلك قول أنس رضي الله عنه كما في الصحيحين (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (كان إذا دخل الخلاء) فليس المراد أنه دخل؛ لأن هذا الذكر يشرع قبل الدخول إلى المكان المهيأ لقضاء الحاجة، فهذا من إطلاق الصيغة قبل الفعل كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:98] هذا كله قبل ابتداء الفعل.
وقال بعض العلماء: إنه ليس بها قبل الشيء وإنما المراد عند وهي عند إرادة الشيء، وهذا أشبه بالمصاحب لأول الشيء.
وقد يعبر بهذه الصيغة المقتضية للشرط بما يكون أثناء الفعل، كقولك: إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، وكقولك: إذا قرأت القرآن فرتل، فإن الترتيل لا يكون قبل القراءة، وإنما يكون أثناء القراءة، وكقولك: إذا صليت فاطمئن، فإن الطمأنينة مصاحبة لأفعال الصلاة، وتكون من المكلف أثناء صلاته، فهذه شرطية والمراد بها ما يكون أثناء فعل الشيء، وتعبر بهذه الصيغة، وتريد ما يكون بعد تمام الشيء وكماله، فتقول: إذا صليت فائتني، أي: إذا أتممت الصلاة وفعلتها كاملة فائتني.
وعلى هذا يكون قوله: إذا قمتِ فأنتِ طالق.
هل المراد به الابتداء، أي: إذا أردت القيام؟ أم المراد: ابتداء الفعل، بمعنى: أنها شرعت في القيام وتهيأت له؟ أم المراد: تمام القيام واكتمال الانتصاب؟ كل هذا يجعل الأمر محتملاً، وقد حكى الإمام النووي رحمه الله وغيره من العلماء الوجهين: بعض العلماء يقول: إنها تطلق عند ابتداء الفعل؛ لأن الإخلال واقع بالابتداء، وابتداء الشيء والدخول في الشيء في حكم الشيء، وقد جعل الشرع ابتداء الشيء كالشيء.
وبعضهم يقول: الأصل أنها زوجته، فتبقى زوجة له حتى يتم الفعل، وحينئذٍ نحكم بطلاقها، وكلا القولين له وجهه.
استخدام أدوات الشرط في النفي وفي الإثبات
قوله: [إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار].
هذه الأدوات يذكرها المصنف إجمالاً ثم سيفصل استعمالها في الإثبات واستعمالها في النفي، وحكم الإثبات والنفي في كلا الصيغتين.
(إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما) هذه ست أدوات، وهذه الأدوات تختلف، فتارة تكون بالإثبات، وتارة تكون بالنفي، فتارة يقول مثلاً: إن قمتِ فأنتِ طالق، وإذا قمتِ فأنتِ طالق، ومتى قمتِ فأنتِ طالق، ومن قامت منكن فهي طالق، وأيكن قامت فهي طالق، ومهما قمتِ فأنتِ طالق، وكلما قمتِ فأنتِ طالق، هذه كلها في الإثبات، فإن قال لها: إن قمتِ فأنتِ طالقِ.
فالأمر يتوقف على وجود القيام، وكذلك: إذا قمتِ، وكذلك: من قامت، فإنه يتعلق بالتي تقوم من نسائه، وهكذا بقية الأدوات التي ذكر، وفي هذه الحالة نجعل الأدوات للتراخي من حيث الأصل، نقول: إن الرجل إذا قال لامرأته: إن قمتِ فأنتِ طالق، فإنها لا تطلق إلا إذا قامت، فيجوز له أن يستمتع بها، وهي زوجته ما لم يقع موجب الطلاق فنحكم بطلاقها.
فهذه الصيغ يتوقف إعمال الطلاق فيها على وجود الشرط وهو القيام، ويتعلق بالمرأة المعينة، فلو قال: من قامت منكن، وأيتكن قامت، فهذا كله يتوقف على وجود الصفة وهي القيام، والأصل في هذه التراخي.
أما إذا أدخل النفي فقال: إن لم تقومي فأنتِ طالق.
وإذا لم تقومي فأنتِ طالق، ومن لم تقم منكن فهي طالق، فلو جلست وما قامت، فحينئذٍ نقول: إنها تطلق إذا لم يوجد القيام، وإن قامت لم تطلق، وإن قعدت وبقيت قاعدة طلقت، لكن متى تطلق؟ تطلق من حيث الأصل بعد مضي مدة يمكن فيها وقوع القيام، على الظرفية، فحينئذٍ نقول: إنه إذا علق طلاقها على نفي القيام أعطيت مدة بحيث إذا مضت هذه المدة ولم تقم حكم بطلاقها، لكن لو قال لها: إن لم أطلقكِ، ولاحظ: إن لم تقومي، شيء، إن لم تقعدي شيء، إذا لم تقومي، شيء، وإذا لم تقعدي، شيء، وعرفنا مسألة: إذا لم تقومي، لم تقعدي، أننا نقدر زمان القيام وزمان القعود، وعلى هذا نحكم بالطلاق، لكن إذا قال لها: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق.
فحينئذٍ يرد
السؤال
هل نعتد بالزمان الذي يمكن أن يقع فيه الطلاق؟ أم تكون (إن) على التراخي؟ فتبقى المرأة في عصمته حتى يبقى قبل موته قدر يمكن أن يقع فيه الطلاق؛ فإن لم يطلقها فيه فإنها طالق؟ هو يقول: لا يقع طلاقكِ إلا إن لم أطلقك.
و (إن) ليس لها تعلق بالزمان، فلا تقتضي الفورية، فيبقى الأمر إلى آخر حياته، بحيث لا يبقى إلا القدر الذي يسع للطلاق وإذا لم يطلقها فيه فإنها تطلق عليه بآخر حياته، هذا إذا كان هو أسبق موتاً، وأما إذا سبقت هي وماتت قبله فإنه يقدر الزمان قبل موتها بنفس التقدير الذي قدرناه في الزوج.
ومن هنا: يقال: إن (إن) إذا دخلت على لم في نفي الطلاق؛ تأجل الطلاق إلى أن يصل إلى مدة قبل الوفاة؛ سواء كانت متعلقة بالزوج أو الزوجة كما يقولون: بأسبقهما موتاً، فإن بقي من حياته أو حياتها القدر الذي يمكن أن يقع فيه الطلاق ولم يطلقها فقد طلقت عليه.
النية والقرينة في الطلاق المعلق
قال المصنف رحمه الله: [وكلها ومهما بلا (لم) أو نية فور أو قرينته للتراخي]: (نية فور (يعني: إذا قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق، قلنا: يبقى إلى آخر حياته، أو آخر حياتها، فيبقى إلى مدة يمكن أن يقع فيها الطلاق، أي: قبل أن يموت أسبقهما موتاً، سواء الزوج أو الزوجة، لكن في بعض الأحيان يقصد الفورية كما إذا قال لها: إن لم تدخلي الدار فأنتِ طالق، وقصده البت ونوى الفورية، هذا ما فيه إشكال، وقد بينّا في أول المسائل أن صيغة الشرط إذا تلفظ بها المكلف ناوياً إيقاع الطلاق على التنجيز؛ فإنه يقع على التنجيز ولا يعلق، هذا بالنسبة لنية الفور.
قرينة فور مثل ماذا؟ رجل يقول لامرأته: إن جاء يوم غد فسوف أطلقك فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، فجاءت جملة: إن لم أطلقكِ بأسلوب النفي والتعليق، فصيغة: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، تتأخر حتى يبقى قبل موته أو موتها هذا القدر؛ فيقع الطلاق حين يتحقق الشرط، لكن هنا في سياق الكلام ما يقتضي تخصيص الحكم بالغد، فننتظر إلى الغد، إذ هو وعدها أن يطلقها في الغد فإن لم يطلقها في الغد فهي طالق، حتى ولو قال لها: سأطلقكِ اليوم فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، سوف أطلقكِ الساعة فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، فلو أنه قال: سأطلقكِ الساعة فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، فإننا نبقى في الساعة بحيث يبقى القدر الذي يقع فيه الطلاق، فإن لم يطلقها فإنها تطلق.
فإن قيل: ما الفائدة ما دام أنها ستطلق سواء طلقها أو لم يطلقها؟ الفائدة عند من يقول بوقوع الطلاق بالثلاث دفعة واحدة، فلو قال لها: سوف أطلقكِ اليوم فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق بالثلاث، فإنه جعل الثلاث مرتبة على عدم تطليقها في اليوم، فالأفضل له أن يطلقها اليوم؛ لأنه إذا لم يطلقها طلقت بالثلاث، والواحدة أفضل من الثلاث، ولذلك قالوا: علق وقوع الطلاق بالثلاث على انتفاء الطلقة الواحدة، فالأفضل أن يطلقها واحدة، لا أن يطلقها ثلاثاً.
قرينة الفور: أن تأتي بجملة شرطية تدل على التراخي، وتصحب هذه الجملة جملة في سياق الكلام تدل على أنه أراد الفور، أو أراد تعجيل الطلاق قبل الموت، كقوله: سوف أطلقكِ الآن، فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، فقوله: سوف أطلقكِ الآن يدل على أنه وعدها بالطلاق في حينه، أو وعدها الطلاق في هذه الساعة، ثم جاء بالجملة التي تدل على التراخي: فإن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، فأدخلناها ورتبناها على الجملة السابقة، فبهذا الترتيب صارت الجملة الثانية مرتبطة بالجملة الأولى، والجملة الأولى تقتضي نوعاً من الفور، ولا تقتضي تأخير الحكم، فخرجت دلالة صيغة الشرط من البقاء إلى آخر حياة أولهما موتاً إلى التعجيل، وقلنا: تتقيد بنفس الزمان ويقيد به الطلاق، فلو قال لها: سوف أطلقكِ اليوم، فإن لم أطلقك فأنتِ طالق بالثلاث، فهل الأفضل له أنه ينتظر حتى يذهب اليوم، أو يطلق واحدة؟ يطلق واحدة حتى يخرج من تبعة الطلاق بالثلاث عند من يقول بوقوعها ثلاثاً.
(أو قرينة بالتراخي) (أو قرينة (أي: بعدم قرينة تدل على الفور فإنها على التراخي، هذا أصل تقدير الكلام.
(ومع لم للفور) إن قال: إذا لم تقومي فأنتِ طالق؛ نعطيها قدراً من الزمان يمكن فيه القيام، فإن لم تقم حكمنا بالطلاق، الآن نترك (إن) التي هي أم أدوات الشرط، والسبب في تركنا لإن أنها متعلقة بمحض الشرط، فليس لها علاقة بالزمن، وعندنا: إذا ومتى ومهما وأين، فهذه الصيغ إذا دخلت ورتبت نحو: إذا لم تقومي فأنتِ طالق، فإننا نعطيها وقتاً للقيام بحيث لو لم تقم حكمنا بالطلاق، فهي للفور، وكذلك -مثلاً- لو كان عنده ثلاث نسوة وأرادهن أن يخرجن معه لسفر، فقال: من لم تخرج منكن فهي طالق، فحينئذٍ نعطيهن زماناً للخروج، فإن تأخر خروجهن بمضي مدة ما بين كلامه أو تلفظه بصيغة الشرط وما بين الخروج؛ وقع الطلاق، فلو كان خروجها بعد الصيغة يستغرق نصف دقيقة، فمضت نصف دقيقة ولم تقم ولم تخرج حكمنا بكونها طالقاً.
هذا معنى قوله: مع لم للفور.
إن قال: من لم تتكلم منكن فهي طالق، فإنها تعطى زماناً يمكن فيه الكلام، فإن لم تتكلم حكم بطلاقها فوراً، فعندنا الفورية وعندنا التراخي، فمع عدم (لم) يتراخى بالصفة، تقول: من تكلمت منكن فهي طالق، أيتكن تكلمت فهي طالق، فهذا يتراخى إلى وجود الصفة، لكن إذا دخلت لم، فقال: من لم تقم منكن فهي طالق صار على الفور، إذا لم تقومي فأنتِ طالق صار على الفور، ونحوها من الصيغ، إلا (إن) فلها حكم مستقل.
(إلا (إن) مع عدم نية فور أو قرينة).
فإنه إذا قال لامرأته بصيغة النفي: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق.
ظاهر الأصل الذي مشينا عليه في الصيغ المترتبة على الزمان أننا نعطيه وقتاً للطلاق، كقوله: إذا لم أطلقك فأنت طالق، فإنه بعد تلفظه بالطلاق وبعد الصيغة ينتظر، فإذا لم يتلفظ بالطلاق طلقت عليه، هذا بالنسبة لبقية الأدوات، لكن (إن) وحدها لا علاقة لها بالزمان، فهي تتعلق بمجرد اشتراط الفعل، وهي متمحضة في الشرطية.
وبناءً على ذلك قالوا: لا تتقيد بالزمان بل تبقى معه إلى آخر حياته، أو آخر حياتها إن كانت أسبق موتاً، فلو قال لها: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق، ننتظر إلى آخر حياة أولهما موتاً، فإذا بقي قدر الزمان الذي يمكن أن يتلفظ بالطلاق ولم يتلفظ به؛ فإنها تطلق عليه.
الأسئلة
الطلاق في مرض الموت
السؤال
إذا قال: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق.
ولم يطلقها حتى مات نظر إلى أسبقهما موتاً إن ماتت قبله، ولكن ربما أراد حرمانها من الإرث، فهل نعامله بنقيض قصده؟ وإذا أوقعنا الطلاق بهذه العبارة، فلماذا لا نوقعه في مرض الموت؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في مسألة الطلاق في مرض الموت، وجماهير الصحابة والعلماء -رحمهم الله- وهي فتوى الصحابة كـ عثمان وغيره: معاملة المطلق في مرض الموت بنقيض قصده، والمراد بذلك: أن الرجل -والعياذ بالله- ينتظر حتى إذا ظهرت به علامات الموت طلق زوجته، وقصد أن يحرمها من الميراث.
وفي هذه الحالة يكون تطليقه لها ظلماً وعدواناً وإبطالاً للحق الذي أثبته الله لها، فإن الميت إذا مرِض مرَض الموت صار المال منتقلاً إلى ورثته، ولذلك لا يجوز له أن يتصرف إلا في حدود الثلث، فإذا أسقط وارثاً أو حرم وارثاً أعطاه الله إرثه فقد ظلم وجار.
ولذلك قال بعض العلماء: إن الزوج إذا طلق امرأته في آخر حياته قاصداً حرمانها من الميراث، فهذا من خاتمة السوء -والعياذ بالله- يختم له في ديوان عمله بهذه المظلمة ويلقى الله عز وجل بها، وهذا من أسوأ ما يكون من نسيان الفضل، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237]، فلا يجوز أن يطلق المرأة في مرض الموت قاصداً حرمانها، واستثنى بعض العلماء أن تسأله المرأة الطلاق، فإذا سألته المرأة الطلاق انتفت التهمة، فلو قالت له: طلقني، وكان في آخر حياته فطلقها، فهي التي سألته، وهي التي أدخلت الضرر على نفسها.
واختلف العلماء هل ترث أو لا ترث؟ وهذه المسألة ستأتينا -إن شاء الله- في المواريث، والذي قضى به عثمان رضي الله عنه وغيره أنها ترث منه، وهذا يسميه العلماء: المعاملة بنقيض القصد؛ لأن قصده الحرمان، وهذا القصد -وهو حرمانها من الإرث- مخالف لقصد الشارع من توريثها وإعطائها حقها، قال الإمام الشاطبي: (قصد الشارع أن يكون قصد المكلف موافقاً لقصده).
يعني: أعمال المكلفين ينبغي أن ترتبط بالمقاصد، وأن تكون هذه المقاصد والنيات موافقة للشرع، فمن قصد مخالفة الشرع ومعارضته فقد ظلم وجار.
فالظاهر أنه طلقها، والطلاق ينفذ من حيث الأصل، لكن إذا لم يقصد مجرد الطلاق، وإنما قصد حرمانها من الإرث، فإنه يسقط تأثير هذا الطلاق، خاصة إذا كان طلاقاً بالثلاث أو نحوه مما فيه البت بالطلاق حتى يحرمها من الإرث، فحينئذٍ لا يلتفت إليه ولا يعول عليه، وهو قول طائفة من العلماء، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة والكلام عليها.
والله تعالى أعلم.
علاج الوسوسة في الطلاق
السؤال
ما هو الحل لرجل متزوج ابتلي بالوسواس مع زوجته هل طلقها أم لم يطلقها، علماً بأنه يأتيه الوسواس عن طريق طلاق الكناية خاصة، وبغيره من أنواع الطلاق؟
الجواب
الوسوسة ابتلاء من الله، والعبد المؤمن يسلط الله عليه الشيطان، فإن كمل إيمانه وعظم يقينه وإحسانه فإن الله يبتليه بالوساوس والخطرات ليكفر بها السيئات ويرفع بها الدرجات، ولكن مع عظم هذه الوساوس وشدتها فإن الله يثبت قلوب المؤمنين والمؤمنات.
ومن ابتلي بشيء من الوسوسة فالواجب عليه: أولاً: أن يفر من الله إلى الله، وأن يسأل الله في دعائه، وأن يبتهل إليه في مناجاته أن يرفع عنه البلاء، فإنها بلوى ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:58].
ثانياً: أن يعلم أن من أنجع الأدوية للوسوسة أن لا يفتي نفسه، وأن يجعل بينه وبين الله من يرضى أمانته ودينه فيسأله، ما لم تزد الوسوسة عن حدودها، بحيث يكون الأمر خارجاً عن حد معقول، فهذا له حكم خاص.
فإذا كانت وسوسة يدخل بها عدو الله بالتلبيس في الصلاة وفي العبادات وفي الطاعات، فمن أفضل ما يكون أن يرتبط الموسوس بعالم، ولا يفتي نفسه البتة ويعود نفسه على هذا، فإنه إذا جاءه الشيطان وقال له: خرج منك ريح، وكان قد سأل العالم، وقال له العالم: لا تنصرف حتى تسمع صوتاً أو تشم ريحاً، فحينئذٍ سيبقى، فيقول له الشيطان: ويحك صليت بدون طهارة، فيقول: قد أفتيت ولا أعمل إلا بهذه الفتوى، فحينئذٍ يطمئن قلبه، ويرتاح، وينشرح صدره، وتذهب عنه الوساوس والخطرات.
فإن عظمت الوساوس وقال له: إن هذا الذي أفتاك لا يفتيك أن تصلي بدون طهارة، وأنت قد خرج منك شيء! فحينئذٍ يقول: إن الذي أمرني أن أتوضأ للصلاة أمرني أن أصلي بهذه الحالة.
فإن المرأة المستحاضة يخرج منها دمها وهو ناقض لوضوئها في الأصل، ومع ذلك تصح صلاتها ويعتد بعبادتها، فالعبرة بالتعبد، فإذا نظر إلى أن الأمر معتد به بالتعبد خرج عن نطاق الوسوسة.
ثالثاً: إن عظمت الوسوسة والشكوك في مسائل الإيمان ودخلت في العقيدة فليعلم أنه من كمال إيمانه أن يصرف هذه الوساوس، وأن يكرهها وأن يمقتها، وأن يعتقد فيما بينه وبين الله أنه لو كان بيده أن يدفعها لدفعها، فإذا وصل إلى هذه الدرجة فإنه من كمال الإيمان.
ففي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنه أتاه الصحابة وقالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به) أي: من أمور الوسوسة (فقال صلى الله عليه وسلم: أوقد وجدتم ذلك؟ ذاك صريح الإيمان).
واختلف العلماء في هذا الحديث على وجهين: الوجه الأول: قال بعض العلماء: (ذاك صريح الإيمان) أي: إنكاركم الوسوسة، فمن جاءه الشيطان وقال له: أنت لست بمؤمن، الله غير موجود -والعياذ بالله- ونحو ذلك من الشكوك، وما هذا القرآن؟ وما هذه الرسالة؟ وأدخل عليه هذه الأمور، أو قال: قد شككت في ربك فأنت كافر، فيقول: أعوذ بالله، ويكره هذا الشيء ويمقته، فإن الكراهية والمقت والتذمر من صريح الإيمان (أوقد وجدتم ذاك؟) قيل: لأن الضمير ذاك عائد إلى قولهم (ما يتعاظم أن يتكلم العبد به)، أي: أننا نكره هذه الأشياء، وإنما هجمت على نفوسنا، وقذفت في قلوبنا، وإن كنا لا نرضاها، ولا نعتقدها، فأصبح الجحود والإنكار لها محض الإيمان ومن صريح الإيمان.
الوجه الثاني: قيل: ذاك، أي: أن تسلط الشيطان عليكم يكون بقدر قوة الإيمان، ومن كمل إيمانه وعظم إيمانه جاءه الشيطان من جهة العقيدة، ومن كان مطيعاً مستقيماً محباً للصلاة يوسوس له الشيطان، فبقدر حبه للطاعات يأتيه الشيطان يوسوس، وهذا لا يعني أنه لا إيمان إلا بالوسوسة، وإنما المراد أن العبد إذا قوي إيمانه بالله عز وجل، ودخلت عليه الوسوسة وهجمت عليه في التوحيد، فليعلم أن هجومها في التوحيد والإيمان مع الإنكار ابتلاء من الله لقوة إيمانه، وأنه إذا كان محافظاً على الصلوات دخل عليه الشيطان من جهة الصلاة فأفسد عليه صلاته ولبس عليه طهارته.
وعماد الخير كله وجماعه كله تقوى الله عز وجل، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، فإذا وفق الله من ابتلي بهذا البلاء للدعاء والاطراح بين يدي الله والتضرع إليه سبحانه فإن الله يرفع درجته، ومن نزل به البلاء وحل به العناء فأنزل حاجته بالله أوشك أن يجعل الله له من ذلك البلاء فرجاً عاجلا.
وأما من نزل به البلاء فالتفت يميناً وشمالاً وانصرف عن ربه؛ فذلك من أول علامات الخذلان، ولن يجد له من دون الله نصيراً ولا ظهيرا.
بالنسبة للسؤال: الوسوسة في الطلاق تكون على صور: منها: هل تلفظ أم لا؟ فإذا دخل عليه هذا الوسواس فالأصل أنه لم يتلفظ، وإن عرف من قرائن حاله أن الشيطان دخل عليه في ذلك، فإن مثله لا يُفتى بوقوع الطلاق عليه؛ لأنه مغلوب على أمره، وإذا غلبت الوسوسة فلا يحمل الإنسان ما لا يطيق، فلو طلقنا عليه زوجته؛ لم يتزوج زوجة إلا طلقت عليه، ومثل هذا أمره ليس في يده.
وهكذا إذا عظمت الوسوسة في الصلوات والطاعات والعبادات، حتى أن بعض العلماء في بعض الأحيان يكاد يحكم بكون المكلف غير مكلف، سئل بعض العلماء وقيل له: رجل يصلي أكثر من خمسين مرة، ويعتقد أنه لم يصل، وكلما صلى اعتقد أنه لم يصل، فقال له: أرى أنه ليس عليك صلاة، لأنك إذا وصلت إلى درجة أن تصلي وتعتقد أنك ما صليت فقد أصبحت كالمجنون، والمجنون ليس مكلفاً بالصلاة، هذا وجه بلوغه إلى حال لا يكلف فيها، لأنه تكليف بما لا يطاق وخروج عن سنن الرحمة التي بعث بها عليه الصلاة والسلام.
والله تعالى أعلم.
شرح زاد المستقنع -
باب تعليق الطلاق بالشروط [3]
الطلاق المعلّق بالشرط تختلف أحكامه باختلاف أدوات الشرط وباختلاف نية المطلق.
وقد يكون الشرط بأداة تفيد التكرار فيتكرر الطلاق بحسب التفصيلات التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
وقت تحقق الطلاق عند تعليقه بشرط ووقوع المشروط
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: [فإذا قال: إن قمتِ، أو إذا، أو متى، أو أي وقت، أو مَن قامت، أو كلما قمت؛ فأنت طالق، فمتى وجد؛ طلقت]: تقدم معنا أن من علق الطلاق بشرط، فإنه لا يقع الطلاق إلا بعد وقوع الشرط، وبينا أن هذا هو الأصل، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن اللسان العربي يقتضي هذا الحكم، وأنه لا يقع المشروط إلا بعد وقوع الشرط، وبناءً على ذلك شرع المصنف -رحمه الله- في تفصيل ما تقدم من أدوات الشروط فقال: (فإذا قال: إن قمت أو إذا، أو متى).
فإن قال لامرأته: إن قمت فأنت طالق، فبينه وبين الله عز وجل أنه إن قامت امرأته فإنها طالق عليه، وهذا يقتضي أنه متى وجدت صفة القيام فإنه يُحكم بوقوع الطلاق، كما لو طلقها منجزاً، فالله تعالى أعطاه أن يطلق زوجته، فاستوى في ذلك أن يطلقها بالتعليق، أو يطلقها بالتنجيز، فإن قال لها: إن قمت، فإذا وجدت صفة القيام؛ حكمنا بطلاقها، وهكذا إن قال: إن خرجت، أو قعدت، أو نحو ذلك من الصفات؛ فلا يقع الطلاق إلا بوجودها، وكذا إن قال: إذا قمت، وإذا خرجت، وإذا سكت، وإذا تكلمت؛ فأنت طالق، فإنه حينئذ متى وجد هذا الشرط، فإنه يقع المشروط وهو الطلاق.
قوله: (أو أي وقت) هذا راجع إلى الزمان، فإذا قال: أي وقت تكلمت فيه فأنت طالق، فإننا ننتظر إلى حين كلامها، فمتى ما تكلمت حكمنا بكونها طالقاً.
قوله: (أو من قامت) كأن تكون عنده نساء أكثر من واحدة، فيقول: من قامت منكن فهي طالقة، ومن تكلمت منكن فهي طالقة، فيختص الطلاق بالتي تكلمت، وحينئذ نتوقف حتى توجد هذه الصفة، فمن وجدت فيها هذه الصفة؛ حكمنا بطلاقها دون غيرها.
قوله: (أو كلما قمت فأنت طالق) كلما: تقتضي التكرار، وتختلف عن سابقتها من الأدوات بأنها توجب تكرار الطلاق بتكرار الصفة، ولكن هذا يختلف بحسب اختلاف النساء، فهناك فرق بين المرأة التي عقد عليها الرجل ولم يدخل عليها، وبين المرأة التي عقد عليها ودخل، فإن كانت المرأة قد عقد عليها ولم يدخل بها وقال لها: كلما قمت فأنت طالق، فإنها إذا قامت القيام الأول طلقت، وتصبح بائناً عن عصمته وتكون أجنبية، فلا يسري عليها الطلاق بعد ذلك ما دام أنها ليست في عصمته، فقوله: كلما قمت فأنت طالق يقتضي أن يتكرر الطلاق بتكرار الصفة، لكن إذا قال لها: إن قمت، إن قعدت، إذا قمت، أيتكن قامت، متى قمت، فإن هذه الأدوات لا تقتضي التكرار، فاختصت (كلما) بهذا الحكم، كلما قمت، وكلما تكلمت، وكلما دخلت، وكلما خرجت، فهذه كلها ألفاظ وشروط إذا وقعت مكررة وقع الطلاق مكرراً.
فإذا كانت المرأة غير مدخول بها فتبين بالطلقة الأولى، لكن إذا كانت مدخولاً بها، وقال لها: كلما تكلمت فأنت طالق، فتكلمت تطلق الطلقة الأولى، ثم تكلمت بعد ذلك تطلق الطلقة الثانية، ثم تتبعها الطلقة الثالثة؛ لأن الرجعية يتبعها الطلاق، وحكمها حكم الزوجة، فَفَرقٌ بين المرأة التي تكون في العصمة بعد الطلاق الأول وهي المدخول بها، والتي لا تكون في العصمة وهي غير المدخول بها.
قوله: (فمتى وُجِد طلقت) أي: متى وجد هذا الشرط طلقت المرأة، وحُكم بطلاقها؛ وهذا مبني على الأصل الشرعي في كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم: أن المشروط يقع بعد الشرط، وهذا معروف من لسان العرب، فإذا اشترط وقع المشروط بوقوع الشرط، وعلى هذا يقول المصنف: متى وُجد، يعني: متى وجدت هذه الصفات التي اشترطها الزوج؛ فإننا نحكم بطلاق امرأته.
تكرار الطلاق بتكرار المعلق عليه إذا كان بأداة (كلما)
قال-رحمه الله تعالى-: [وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما] وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث فيما تقدم من أدوات الشرط، فلو قال لها: إن تكلمت فأنت طالق؛ فإننا نطلق بأول كلام لها، ولو تكلمت بعد ذلك مرات فلا تطلق عليه؛ لأن (إن) لا تقتضي تكراراً، وكذلك إذا، ومتى، وأيتكن، فكلها تقتضي أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط، دون نظر إلى تكرار، فالتكرار لا يستفاد إلا من (كلما) وهي وحدها تقتضي التكرار، فإذا اشترط بها، وقال: كلما خرجت من البيت فأنت طالق؛ فإنها تطلق كلما خرجت، لكن على التفصيل السابق إن كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
وقت وقوع الطلاق المعلق بالشرط المحض
قال المصنف رحمه الله: [وإن لم أطلقك فأنت طالق] الشرط له حالتان: الأولى: أن يكون بالإثبات: إن دخلت، إن خرجت، إن تكلمت، إن قمت، إن كتبت، إن قعدت، إن زرت أباك، إن ذهبت إلى أمك، ونحو ذلك، يعني: إذا وجدت هذه الصفات، وجد المشروط وهو الطلاق.
الثانية: أن يكون بالنفي: إن لم أطلقك، إن لم تقومي، إن لم تقعدي، إن لم تتكلمي، فهذا على النفي، والأول على الإثبات، فإذا قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق، فهذا متعلق بالشرط المحض، ولا علاقة له بالزمان، فقد اشترط فيما بينه وبين الله أن زوجته إن لم يطلقها فإنها تطلق عليه، فنقول: إما أن يقع منه طلاق، فحينئذ ينحل التعليق، وهذا في حالة ما إذا قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق بالثلاث، عند من يرى أن الثلاث تقع بكلمة واحدة، فالأفضل أن يطلقها طلقة واحدة؛ لأنه قال: إن لم أطلقك فأنت طالق بالثلاث، فالواحدة؛ وهي التي اشترط انتفاءها لوقوع الثلاث أهون من وقوع الثلاث، أو يقول لها: إن لم أطلقك فأنت طالق طلقتين، فالطلقة أهون من الطلقتين، ولذلك إذا قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق، فإن الشرط لم يتقيد بالزمان المعين، ولم يسند الشرط إلى الزمان ولا يقتضيه، ولا تقتضيه الأداة كإذا ونحوها من الأدوات، وبناءً على ذلك يقول العلماء في (إن) التي تتمحض بالشرطية: ننتظر إلى آخر حياة أولهما موتاً؛ لأنه يقول: إن لم أطلقك فأنت طالق، فبيني وبين الله أن طلاقك يقع إن لم يحصل مني طلاق، وهو إذا بقي مدة حياته ولم يطلقها، فإنها لا تطلق عليه، حتى يبقى قبل موته قدر زمان الطلاق فتطلق عليه؛ لأنه يتحقق حينئذ أنه لم يطلقها في حياته، وعلى هذا قالوا: ننظر إلى أسبقهما موتاً، إما أن تكون هي تموت قبله، أو هو يموت قبلها، فأسبقهما موتاً ننظر قبل موته بلحظات يمكن وقوع الطلقة فيها فإن لم يطلق فإنها تطلق عليه.
فقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق، اشترط فيما بينه وبين الله تطليق امرأته بشرط أن لا يقع طلاق، وحينئذ ينبغي أن ننتظر إلى آخر حياة أولهما موتاً، سواء الرجل أو المرأة؛ لأن الزوجية في الحياة موقوفة على الموت، وأما سريان الأحكام بعد الموت فهذا يكون في بعض الأحيان لورود النصوص فيها، لكن من حيث قضية الطلاق للميت، فإن الميت لا يطلق، ولا يُطلق، وبناءً على ذلك قالوا في هذه المسألة: ننتظر إلى ما قبل الوفاة، سواء تعلقت الوفاة بمصدر الطلاق-وهو الرجل- أو تعلقت بمحل الطلاق-وهي المرأة- فننظر للاثنين؛ أيهما بقي من عمره قدر يصح أن يُطَلق فيه -إذا كان امرأة- أو يطلق فيه -إذا كان رجلاً- فإن مضى قدر ذلك الزمان وقع الطلاق.
مثال ذلك: قال لامرأته: إن لم أطلقك فأنت طالق، وسبقته بالوفاة، فننظر إلى ما قبل وفاتها بيسير، فحينئذ إن لم يطلقها، فإنها تطلق عليه بالشرط، وعلى هذا نقول: إن المرأة تطلق إذا سبقت بالوفاة بشرط أن يمضي أو يبقى من عمرها قدر الزمان الذي يمكن أن تُطَلق فيه، ولم يطلقها؛ لأنه يفوت الطلاق بفواته، إذا فات هذا الزمان-الذي هو قبل الوفاة بقدر التلفظ بالطلاق- فإن هذا القدر من الزمان يفوت الطلاق بفواته، فإذا فات الطلاق تحقق الشرط، إن لم أطلقك فأنت طالق، وبناء على ذلك قالوا: إنَّ (إنْ) ليست متعلقة بالزمان، وإنما تعلقت بمحض الشرطية، وكذلك بالنسبة للرجل لو أنه امتنع من طلاقها حياته كلها، حتى بقي قبل وفاته بزمان يسير، نظرنا: إن كان الزمن يسع لقدر الطلاق، ولم يتلفظ بالطلاق، وقع الطلاق بالتعليق، وعليه ننظر إلى أسبقهما موتاً؛ لأن الطلاق يفوت بفواته-أي بموته-، ونقدر الزمان قبل الوفاة، سواء كانت المرأة، أو كان الرجل.
تأثير النية في الطلاق المعلق بالشرط المحض
قال رحمه الله: [ولم ينو وقتاً] هذا الشرط، فقول الرجل: إن لم أطلقك فأنت طالق، له أحوال: الحالة الأولى: أن يكون مطلقاً؛ يعني: قصد مطلق الشرطية- كما فصلنا فيما تقدم- يكون بمطلق الشرطية، فلا ينوي وقتاً، ولا تكون في الكلام قرينة تقتضي التخصيص، فحينئذ نقول: نبقى إلى آخر حياة أسبقهما موتاً بقدر زمان يمكن أن يقع فيه الطلاق-كما تقدم-.
الحالة الثانية: إذا نوى وقتاً في نفسه؛ بينه وبين الله قال: إن لم أطلقك -ويعني هذا اليوم، أو هذا الشهر، أو هذا العام-فأنت طالق، فبينه وبين الله يكون ما نواه، فإن نوى وقتاً أو زماناً؛ فهو ونيته؛ لأن الطلاق تعتبر فيه النيات، فإذا نوى فيما بينه وبين الله تعجيل الطلاق بزمان؛ في خلال هذا اليوم، أو خلال هذه الساعة، أو خلال هذا الأسبوع، أو الشهر، أو السنة، فإنه ونيته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات).
وقوع الطلاق المعلق بالشرط المحض عند وجود القرينة
قال رحمه الله: [ولم تقم قرينة بفور] إذا تلفظ بهذا الكلام، قد تكون هناك قرينة تدل على أنه أراد التعجيل، ولم يرد التأخير، مثلاً: رجل يقول لزوجته: سأطلقك اليوم، فإن لم أطلقك فأنت طالق، فإن قوله: سأطلقك اليوم، هذه جملة وعد فيها بالطلاق، ثم ركب جملة الشرط عليها فقال: فإن لم أطلقك فأنت طالق، ننتظر اليوم، حتى إذا بقي قبل غروب الشمس بقدر ما تطلق فيه المرأة، ولم يطلقها، وقع عليها الطلاق، فحينئذ نقول: الأصل في (إن): أنها تمحضت للشرط، ولا تتعلق بالزمان، كإذا، ومتى، وأي وقت، ونحوها.
وبناءً عليه: إذا كانت متعلقة بمحضية الشرطية ننتظر إلى آخر حياة أسبقهما موتاً على التفصيل الذي ذكرناه، ما لم ينو التعجيل-فهذه حالة تستثنى- أو تقوم قرينة على إرادة التعجيل، كقوله: سأطلقك الساعة، فإن لم أطلقك فأنت طالق، سأطلقك اليوم، فإن لم أطلقك فأنت طالق، سأطلقك هذا الأسبوع، فإن لم أطلقك فأنت طالق، فإن جملة الشرط ركبت على ما قبلها فأصبحت مقيدة، وقامت القرينة على أنه أراد التعجيل، ولم يرد محض الشرطية.
قال رحمه الله: [ولم يطلقها] يعني: حصل الشرط، ننتظر إلى آخر حياة أسبقهما موتاً.
قال رحمه الله: [طلقت في آخر حياة أولهما موتاً] لماذا يقول: آخر حياة أولهما موتاً؟ لأن عندنا في الطلاق: المصدر والمحل، المصدر: هو الزوج، الذي يملك التطليق، والذي خول له الشرع أن يطلق زوجته منجزاً ومعلقاً، يقول: إن لم أطلقك، فالطلاق يقع منه هو.
ويتعلق بالمرأة فحينئذ إما أن يفوت المصدر، أو يفوت المحل وهي الزوجة.
فقوله: إن لم أطلقك، الطلاق لا يتعلق بنيته، والطلاق لا يدخله النية، فحينئذ بينه وبين الله أنه إذا لم يطلق فهي طالق، فنعطيه المهلة إلى آخر حياته، بحيث يبقى من عمره على قدر الطلاق، ولم يطلق، فتطلق عليه؛ لأن الشرط بينه وبين الله أنه إذا لم يطلق طلقت عليه امرأته، وأما إذا ماتت هي قبله فإنه يفوت الطلاق بفواتها، فكما أن الطلاق يفوت بفوات المصدر، كذلك يفوت بفوات المحل، فإذا كان يفوت بفوات المصدر، أو فوات المحل، ننظر إلى أسبقهما موتاً؛ لأن الطلاق يفوت بموت أحدهما بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة، وعلى هذا قالوا: ننظر إلى أسبقهما موتاً، فإذا بقي من عمره على قدر الطلاق، فإننا نطلق المرأة بفوات هذا الزمان؛ لأن الشرط يقع بذلك.
وقت وقوع الطلاق المعلق بأدوات الشرط الزمانية
قال-رحمه الله-: [ومتى لم، أو إذ لم، أو أي وقت لم أطلقك فأنت طالق، ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت] قوله: (ومتى لم (متى: هذا للزمان، متى لم أطلقك فأنت طالق، معنى ذلك: أنه بمجرد ما يتكلم نعطيه فرصة هي قدر الطلاق، بحيث لو فاتت فقد مضى زمان لم يطلق فيه فهي طالق، بخلاف الأداة الأولى (إن) فإنها تمحضت بالشرطية، ولا تتعلق بالزمان، وعلى هذا جمهرة النحاة أنها لا تتعلق بالزمان من حيث الأصل، لكن (متى) متعلقة بالزمان، فبينه وبين الله: متى لم أطلقك، يعني: إذا مضى زمن يسع للطلاق ولم أطلقك فأنت طالق، وعلى هذا فإننا ننظر بمجرد تلفظه بالطلاق، فإذا مضى بعد هذا اللفظ قدر يمكن فيه الطلاق ولم يطلق طلقت عليه.
قوله: (أو إذا لم (اختلف في (إذا) فبعض العلماء يقرن (إذا) بإن، ويرى أنها تبقى إلى آخر الحياة، بحيث لو قال لها: إذا لم أطلقك فأنت طالق، ننتظر إلى آخر حياة أسبقهما موتاً، وكأن (إذا) فيها شبهة الشرطية، وإن كانت تتعلق بالزمان أيضاً؛ إذا جاءك زيد، أو إذا جاءك عمرو، أو إذا جاءت القيامة، كل هذه تتعلق بالزمان، فالمراد بها الوقت والزمان، إذا جاء عمرو، أي: وقت مجيء عمرو، وإذا قام زيد، أي: وقت قيام زيد، فإذا لم أطلقك فأنت طالق، فقد أسند النفي إلى الزمان، فإن مضى زمان بعد تلفظه بهذه الكلمة ولم يطلقها طلقت عليه، سواء استغرق دقيقة أو أقل، وهذا على ما اختاره المصنف؛ أنّ: إذا، ومتى، وأي وقت، كلها تتعلق بالزمان.
قوله: (أو أي وقت لم أطلقك فأنت طالق) (أي) من صيغ العموم؛ عممت الزمان، أي: فأي وقت لم أطلقك فيه فأنت طالق فيما بيني وبين الله، فننظر: إن مضى بعد كلامه وقت يمكن أن يقع فيه الطلاق؛ فإنه داخل في عموم قوله: أي وقت، فيقع الطلاق في خلال هذه الظرفية، وهذا الوقت، إذا لم يكن قد طلقها فيه.
قوله: (ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه، ولم يفعل طلقت) أي: في هذه الصيغ التي تقدمت، والأدوات التي ذكرت: إذا، متى، أي وقت، إذا مضى زمن ولم يقع الطلاق، طلقت المرأة.
وقت وقوع الطلاق المعلق بأداة الشرط (كلما)
قال-رحمه الله تعالى-: [وكلما لم أطلقك فأنت طالق، ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً، وتبين غيرها بالأولى] على العموم: على طالب العلم دائماً أن يصبر، قد يقول: هذه الكلمات وهذه الألفاظ لم تعد موجودة، والواقع إن العلماء-رحمهم الله- يذكرون هذه الأدوات، ويذكرون دلالتها، والمراد التنبيه على الأصل؛ من أنه لا بد من الرجوع إلى اللغة العربية، ودلالاتها، والاحتكام إليها؛ لأنها هي لغة القرآن، وإذا اشترط الإنسان بهذه الصيغ العربية، فإنه يجري عليه ما يجري على المتكلم بها، فهذه الصيغ مختلفة ومتعددة، فعلى طالب العلم أن لا يسأم، ولا يمل، فقد تقع مثل هذه الألفاظ؛ كرجل عامي يأتيك ويقول: قلت لامرأتي: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فكلما: تقتضي التكرار، والأدوات أنواع، ذكر أولاً: (إن) وهي أم الأدوات ويتأخر الطلاق بها، ثم أتبعها بإذا، ومتى، وأي وقت، وهذه قلنا: يقع الطلاق بعدها مباشرة، فننظر إلى قدر الزمان المباشر، فتباشر الطلاق، وتقع بعد الصيغة مباشرة، إذا مضى زمان يمكن أن يقع فيه الطلاق ولم يطلق، و (كلما) يقع الطلاق بعدها مباشرة أيضاً، فهي مثل الأدوات الثلاث التي تقدمت، لكن (كلما) تقتضي التكرار، فالأمر فيها أشد من قوله: إذا لم أطلقك، ومتى لم أطلقك، وأي وقت لم أطلقك، فهذه تختلف عن (كلما)؛ لأن هذه الثلاث وأيضاً: (إن) تطلق فيها المرأة طلقة واحدة على الأصل، لكن لو قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق؛ اختلف الحكم باختلاف النساء: فإذا كانت المرأة مدخولاًً بها، فإنه إذا مضى بعد هذه الصيغة زمان يمكن فيه الطلاق، ولم يطلق، طلقت الطلقة الأولى، ثم ننتظر بعد الطلقة الأولى زماناً يمكن وقوع الطلاق فيه، ثم تطلق الطلقة الثانية، ثم تطلق الطلقة الثالثة، فالأفضل أن يقول مباشرة: أنت طالق؛ حتى يخرج من مشكلة التكرار في (كلما) أما إذا كان قد عقد عليها، وهي في عصمته، ولم يدخل بها، فإنها إذا مضى زمن يمكن إيقاع الطلاق فيه بعد التلفظ بالشرط، ولم يطلق وقعت الطلقة الأولى، ومعلوم أن غير المدخول بها إذا طلقت طلقة واحدة أصبحت أجنبية، فجاءت الطلقة الثانية فلم تصادف محلاً؛ لأن المرأة فاتت بالطلقة الأولى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49]، فالمرأة غير المدخول بها بمجرد طلاقها الطلقة الأولى تصبح أجنبية، فإذا قال لها: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فبينه وبين الله أن الطلقة الأولى تقع إذا لم يطلق بعد الصيغة مباشرة، والطلقة الثانية تقع كذلك، والطلقة الثالثة تقع كذلك، فإذا طلقت الطلقة الأولى؛ فإن الطلقة الثانية تأتي على محل غير قابل للطلاق، وهكذا الطلقة الثالثة فلا تقع الثانية، ولا الثالثة.
فالخلاصة: (كلما) إذا أضيفت لصيغة النفي؛ يقع الطلاق بعدها مباشرة، كبقية الأدوات غير (إن) هذا الحكم الأول، والحكم الثاني: أنها تقتضي تكرار الطلاق بتكرار الصفة المشروطة، فالطلاق يتكرر، وتبين المرأة من عصمته إن كانت مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخول بها؛ فإنها تطلق طلقة واحدة، وتبين بها، وتصبح أجنبية، فترد الطلقة الثانية والثالثة على غير محل، فيكون وجودهما وعدمهما على حد سواء.
فـ (كلما) توافق الأدوات المتقدمة في أن الطلاق يقع بعدها إذا مضى وقت يمكن أن يقع فيه الطلاق، ولم يوقع الطلاق، فتطلق عليه المرأة في صيغة النفي، وتخالف (كلما) بقية الأدوات في أنه يتكرر بها الطلاق إذا تكرر الشرط، إلا إذا كانت المرأة غير مدخول بها كما سبق بيانه.
قوله: (وتبين غيرها بالأولى) أي: غير المدخول بها تبين بواحدة، ومعنى تبين: أي تصبح أجنبية، وهذا ما يسمى بالبينونة الصغرى.
وقت وقوع الطلاق المعلق بحصول أكثر من صفة
قال -رحمه الله تعالى-: [وإن قمت فقعدت، أو ثم قعدت، أو إن قعدت إذا قمت، أو إن قعدت إن قمت، فأنت طالق، لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد] هذه من سمات كتب الفقه، قد تجد فيها أمثلة غريبة، لكنها مركبة تركيباً بديعاً، ومرتبة ترتيباً جميلاً، فرحم الله الفقهاء، الآن يتكلم عن شيء اسمه الشرط، فقد تأتي بالشرط على صفة واحدة، وقد تجمع الشرط مركباً على صفتين، وقد تجمعه على ثلاث صفات، وهذه كلها موجودة في لسان العرب، ووردت في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنبينه، فما معنى قول المصنف: إن قمت وقعدت، إن قمت فقعدت، إن قمت ثم قعدت إلخ؟ إن جئت تتكلم عن صيغة الشرط فإنك تتكلم بطريقتين: الطريقة الأولى: طريقة الإفراد: أن يأتي بشرط واحد مفرد، وهذه الطريقة، إما بصيغة الإثبات نحو: إن دخلت الدار؛ فأنت طالق، هذا شرط مفرد، فننظر فقط للدخول، وإما بصيغة النفي نحو: إن لم تدخلي فأنت طالق، إن لم تسمعي كلامي فأنت طالق، هذا بصيغة النفي وفيه شرط مفرد، وننظر فقط لانتفاء الشيء الذي علق الطلاق عليه.
الطريقة الثانية: طريقة الجمع: أن يجمع فيه بين شيئين، على سبيل التلميح، فيأتي بصفتين، ومراده أي واحدة منهما وجدت؛ فإن الطلاق يقع نحو: إن قمت أو قعدت، فأو للتنويع، وقد يأتي بشيئين فيجمعهما معاً نحو: إن قمت وقعدت، وقد يجعل الشيئين مرتباً أحدهما على الآخر بالفاء أو بثم.
فالخلاصة: أن صيغة الشرط المفردة إما أن تكون إثباتاً، أو تكون نفياً، والأدوات تختلف، وأحوالها تختلف، فـ (إن) لا تختص بالزمان، و (إذا، ومتى، وأي وقت، وكلما) يقع فيها الطلاق بعدها مباشرة في صيغة النفي إذا لم يطلق، وقد يجمع أكثر من صفتين، فقد يجمع على سبيل وجود الكل، كأن يقول: إن قمت وقعدت، ومراده: أن يقع القيام والقعود، أو يقول: إن زرت الوالد والوالدة، فمراده أن تقع الزيارة للوالد والوالدة، فيقصد: مجموع الأمرين معاً، وقد يقصد وجود أحدهما: إن قمت أو قعدت، فإذا قصد وجود أحدهما؛ فإنها تطلق بمجرد وجوده، وإذا قصد مجموع الشيئين مع بعضهما فقد يرتب أحدهما على الآخر وقد لا يرتب، فإن قال: إن أكلت وشربت، فلو أنها شربت أولاً، ثم أكلت، فالطلاق يقع، ولو أكلت أولاً، ثم شربت، فالطلاق يقع؛ لأن المراد: مجموع الأمرين، ولم يقصد ترتيباً؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب من حيث الأصل، وإن أراد الترتيب فقال: إن قمت، ثم قعدت، فلا ننظر إلى القعود إلا إذا وجد قبله قيام، فالقعود شرطه أن يكون قبله قيام، فلو كانت قاعدة فإنها لا تطلق حتى تقوم ثم تقعد، والحاصل: إن كان مراده مجموع الشيئين فلا إشكال، وإن كان مراده وقوع أحدهما مرتباً على الآخر؛ فالحكم أننا لا نوقع الطلاق إلا إذا وقع الثاني مرتباً على الأول، فهذه مقيدة بالصيغ، ولا تهتم الألفاظ، فالعلماء وضعوا هذه المتون بدقة، ومرادهم التفصيل في الحكم، فقد تأتي ألفاظ جديدة تتناسب مع العرف، فتقول تارة: لا يقع الطلاق إلا إذا وقع مجموع الأمرين، وتارة تقول: لا يقع الطلاق إلا إذا وقع الثاني مرتباً على الأول، وتارة تقول: يقع الطلاق إن وقع أحد الشيئين، أو إحدى الصفتين، ولا أشترط سبق أحدهما على الآخر.
قوله: (وإن قمت فقعدت) القعود مرتب على القيام؛ لأن الفاء تقتضي العطف مع الترتيب، لكنها تدل على الولاء والمباشرة، ولذلك يقول بعض العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا) قالوا: يحرم أن يتأخر عن الإمام بالتكبير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كبر فكبروا) ولم يقل: إذا كبر كبروا، إنما قال: (إذا كبر فكبروا)، وهذا على صيغة الشرط والعطف بالفاء، فالفاء هنا: تقتضي وجود الشيء مباشرة، تقول: جاء محمد فعلي، أي: أن علياً دخل وراء محمد مباشرة، فالفاء تقتضي الترتيب مع الولاء، ولذلك يقول بعض العلماء: لما قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:61] رأوا فرعون قد أتاهم، والبحر أمامهم، وإذا بفرعون قد جاءهم بخيله ورجله وعدده وعدته، فقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا﴾ [الشعراء:62 - 63]، انظر إلى بلاغة القرآن! (فَأَوْحَيْنَا)، حتى كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يقول: والله ما انتهى موسى من نون (سيهدين) حتى جاء الوحي: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:63]، وهذا من كرمه سبحانه، أنه ما أيقن أحد به عند الكرب إلا فرج عنه فقال سبحانه: (فأوحينا) ولم يقل: وأوحينا، إشارة إلى أن الوحي نزل عليه مباشرة بعد يقينه بالله سبحانه وتعالى.
فالمقصود: أن الفاء تقتضي العطف مع الترتيب المباشر، فإذا قال لها: إن قمت فقعدت، فهذا يقتضي أن يكون القيام أولاً، ثم القعود بعده، فيشترط سبقُ القيام للقعود.
قوله: (ثم قعدتِ) المراد هنا فقط الترتيب، والفرق بين (الفاء) و (ثم) أن الفاء للولاء والمباشرة، و (ثم) تقتضي التراخي والتأخير، تقول: جاء محمد فعلي، أي: جاء علي بعد محمد مباشرة، حتى كأنهما ملتصقين ببعضهما في المجيء، ولكن إذا قلت: جاء محمد ثم علي، فهذا يقتضي أن هناك فاصلاً ووقتاً وزماناً فصل بين مجيء محمد ومجيء علي.
فإن قال لها: إن قمتِ فقعدتِ، إن قمتِ ثم قعدتِ، تشترك الصيغتان في كون الثاني مرتباً على الأول، وهذا هو الذي يريده المصنف؛ لكن مسألة الترتيب بسرعة أو على الولاء، هذه مسألة أخرى تستفاد من اللفظ.
قوله: (أو إن قعدتِ إذا قمتِ) هذا فيه دخول الشرط على الشرط، ودخول الشرط على الشرط يصير المقدم مؤخراً، والمؤخر مقدماً، قلت لها: إن قمت إن قعدت، فحينئذ يكون القعود سابقاً للقيام، فالشرط الثاني يصير أولاً، والأول يصير بعده، كأنك اشترطت في الشرط، ولذلك قالوا: اعتراض جملة الشرط على الشرط يصير المتقدم متأخراً، والمتأخر مقدماً، فالصيغ: إن قمت فقعدت، إن قمت ثم قعدت، إن قمت إن قعدت، لابد أن يسبق فيها القيام القعود، وأما صيغة: إن قعدت إن قمت فمعناها: إن قمت أولاً، ثم قعدت بعد ذلك، والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:34] فجعل المتأخر مقدماً، فعندنا جملة: (لا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي)، رُتبت على قوله: (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ)، ورتبت على قوله: (إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) وأصل التقدير: إن كان الله يريد أن يغويكم، وأردت أن أنصح لكم، فلا ينفعكم نصحي، فجعل المتقدم مؤخراً، وجعل المؤخر مقدماً، وهذا معروف في لغة العرب، فإذا قال لها: إن قمت إن قعدت، فمعناه: أن يسبق القعود القيام، كما فهمنا من لغة القرآن، فيقدم المؤخر ويؤخر المقدم في دخول واعتراض جملة الشرط على الشرط، سواء كانت واحدة، أو أكثر من واحدة، فحينئذ نقول بالترتيب، كما ورد في هذه الآية الكريمة: (لا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي) أي: أنا أريد أن أنصحكم، فجاء بغاية النصح، وبين براءته من حوله وقوته، فقال: (وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) فإذا كان الله عز وجل لا يريد هدايتهم، فلا ينفعهم النصح، حتى ولو نصح لهم، فكونه يقدم المؤخر، ويؤخر المقدم؛ يدل على أن اعتراض جملة الشرط على الشرط يخل بالترتيب.
قوله: (حتى تقوم ثم تقعد) فالجمل المتقدمة كلها يراد بها الترتيب.
أولاً: إن قمت فقعدت، لابد أن يقع القيام أولاً، ثم القعود، فلو أنه قال لها: إن قمت فقعدت فأنت طالق، وكانت حاملاً، فقامت، ثم قعدت، ثم ولدت، فحينئذ خرجت من عصمته؛ لأنه وقع الطلاق بعد قعودها، ثم وقع بعد الطلاق وضع الحمل، فخرجت من عدتها، وأصبحت أجنبية، فإن قال لها: إن قمت فقعدت فأنت طالق، فقامت، ثم ولدت، ثم قعدت، فإنه في هذه الحالة لا يقع الطلاق إلا بعد قعودها، وعلى هذا يتأقت الطلاق بوجود الترتيب، وهذا مراد الفقهاء؛ لأن الشريعة شريعة كاملة، لا يقول أحد: إن هذه تعقيدات، فإن هذه أمور تتوقف على ألفاظ شرعية، ولن تجد شريعة على وجه الأرض أعمق من هذه الشريعة فقد أعطت كل مكلف حدود ألفاظه، ومدلولات ألفاظه، والصيغ التي يتكلم بها في لسانه، وفي عرفه، وهذا غاية العدل والتمام والكمال، فهذا كله مبني على إعطاء كل شيء حقه وقدره، فهو إذا قال: إن قمت فقعدت، فهي صيغة تقتضي الترتيب، فلا يقع الطلاق بدون وجود الترتيب المشترط فيها، وإن قال: إن قمت ثم قعدت، فلا يقع الطلاق إلا بوقوع الصفتين مرتباً الثاني منهما على الأول على مقتضى لسان العرب ولغتهم، وقس على هذا بقية الصفات.
قال المصنف رحمه الله: [وبالواو تطلق بوجودهما ولو غير مرتبين] ولو قال لها: إن قمت وقعدت فأنت طالق، فقامت ثم قعدت، أو قعدت ثم قامت، وقع الطلاق، فالفرق بين هذه الحالة والحالات الماضية: أنه قال لها في الحالات الماضية: إن قمت ثم قعدت، فلا نعتد بالقعود إلا إذا سبقه قيام، وعلى هذا لا يقع الطلاق إلا إذا وقع قعود بعد قيام، وأما في هذه الحالة فالعطف بالواو: إن قمت وقعدت فلو قعدت، ثم قامت أو قامت ثم قعدت، فإنه يقع الطلاق بمجموع الأمرين بغض النظر عن كونهما مرتبين أو لا.
قال المصنف رحمه الله: [وبأو بوجود أحدهما] (أو) تقتضي التنويع؛ تقول: خذ هذا أو هذا، بمعنى: أنك مباح لك أن تأخذ هذا أو هذا، ولا يباح لك أن تجمع بينهما؛ لأن (أو) تقتضي التنويع، قال الله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:89] فهذا القرآن يدل دلالة واضحة على أن المراد وقوع أحد هذه الأشياء التي عطفت بأو، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196] فأي واحد من هذه الأشياء يجزئ؛ للعطف بأو، فإن قال الرجل لزوجته: إن قمت أو قعدت فأنت طالق، فإن وقع قيام، أو وق
الأسئلة
حالة المعلق طلاقها إن توفي زوجها
السؤال
إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، فهي تطلق قبل الوفاة، فهل تعتد عدة طلاق أو عدة وفاة؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإنه إذا وقع الطلاق قبل الوفاة؛ فعدتها عدة طلاق، وهي الأصل المتمحض، وإنما تكون عدة الوفاة لذات الزوج، والله تعالى أعلم.
حكم التزوج بمن عقد عليها الأب
السؤال
هل يحرم على الابن التزوج بحليلة أبيه بمجرد عقده عليها ولو لم يدخل بها؟
الجواب
كل امرأة تزوجها الوالد، وإن علا، سواء دخل بها، أو لم يدخل بها فإنها محرمة عليك، فلو أن الجد عقد على امرأة ثم طلقها، أو توفي عنها، أو خالعته، أو نحو ذلك مما يحصل به زوال العصمة؛ فإنها محرمة عليك؛ يجوز أن تصافحها، وأن تختلي بها، وأن تسافر معها، وأن تزورها، حكمها حكم المحرم سواءً بسواء، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:22] فبينت الآية الكريمة: أن منكوحة الأب محرمة، وجعل الحكم بالتحريم مبنياً على وجود النكاح، وقد فهمنا من ظاهر القرآن أن النكاح يطلق على العقد فقط، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] فدل على أن النكاح يقع بدون دخول، وعلى هذا فالمرأة تكون منكوحة للأب بمجرد العقد، فمثلاً: عقد رجل على امرأة ولم يدخل بها، وبعد العقد مباشرة، أراد ابنه أن يدخل، وقال: يا شيخ؛ والدي عقد على فلانة، وأريد أن أدخل لأهنئها، وأكرمها، أو نحو ذلك، هل يجوز لي أن أصافحها؟ هل يجوز لي أن أختلي معها؟ نقول: نعم، بمجرد عقد الوالد عليها أصبحت محرماً له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:22]، ويستوي في ذلك الأب من جهة الذكور، وأبوه وإن علا، والجد أب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:78] فجعل الجد أباً، وكذلك الأب من جهة الأم، فالجد من جهة الأم، لو عقد على امرأة فإنها محرم لك؛ لأنك ابنه، ولذلك يعتبر أباً لك من وجه؛ والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحسن وهو ابن بنته: (إن ابني هذا سيد) والله تعالى أعلم.
الفرق بين جماعة المسجد وغيرها من الجماعات من جهة مضاعفة الأجر
السؤال
هل مضاعفة الأجر في الجماعة خاصة بجماعة المسجد؟
الجواب
حديث: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) عام، لكن هناك نصوص أخر خص بها بعض العلماء جماعة المسجد كما في حديث أبي هريرة: (صلاة الرجل في مسجده تضعف على صلاته في بيته خمساً وعشرين ضعفاً)، وبعض العلماء يقول: إن السبع والعشرين مختصة بجماعة المسجد، والخمس والعشرين لغير جماعة المسجد، فيجعل الدرجتين بالنسبة للخروج إلى المسجد، فتفترق جماعة عن جماعة، ويفضل بينهما بالخروج، وقال بعض العلماء -وهو الأقوى-: إن السبع والعشرين تشمل جماعة المسجد، وغير المسجد، لكن الخمسة والعشرين ضعفاً غير السبع والعشرين درجة، فلا تعارض بين حديث سبع وعشرين درجة وحديث خمسة وعشرين ضعفاً؛ لأن رواية مسلم في صحيحه: (صلاة الرجل في مسجده وسوقه تضعف على صلاته في بيته خمساً وعشرين ضعفاً وذلك أنه) وجملة (ذلك) بمثابة التعليل، كأنه علل الحكم؛ أي: كانت بخمس وعشرين- لأنه: (إذا خرج من بيته لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا كتبت له بها حسنة، ورفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة) الحديث، فالدرجات السبع والعشرون تكون للجماعة مطلقاً، لكن جماعة المسجد أفضل من جماعة البيت بالتضعيف خمساً وعشرين ضعفاً، وصلاة الجماعة في البر ليست كالصلاة في المسجد كما جاء في حديث البرية، ونحوها من التفضيلات، والجماعة الأكثر عدداً أفضل من الجماعة الأقل عدداً، والجماعة في المسجد القديم أفضل لشرف المكان، والجماعة في المسجد المضاعف أفضل من المسجد غير المضاعف، وهذا التفضيل نسبي، والجماعة تضعف بصلاة الرجل مع الرجل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده)، فالمقصود: أن فضل الجماعة من حيث الأصل يقع في كل جماعة تحققت برجلين، أو رجل وامرأة، أو رجل وصبي، فهؤلاء كلهم جماعة، ولكن تختلف جماعة عن جماعة من حيث الأجر والثواب، ومن حيث الفضل على حسب تفضيل الشرع، وتفريقه بين الجماعات.
نصيحة للزوجين عند الغضب
السؤال
عند ثوران الغضب وشدته بين الزوج وزوجته بماذا يوصى كل منهما دفعاً لوقوع ما لا تحمد عقباه؟
الجواب
الغضب بلاء من الله يبتلي به العبد، وللغضب أسباب، فإذا وجدت أسباب الغضب فإن النفس الإنسانية قد تخرج عن طورها، وتجاوز حدودها إلى ما لا تحمد عقباه؛ ولذلك يزل الغضبان في بعض المواطن، فيتلفظ بما لا يجوز أن يتلفظ به، ولربما يعتدي حدود الله، فتبطش يداه، أو يفعل أمراً لا يجوز له فعله، وعلى هذا فالواجب على المسلم أن يسأل ربه أن يصرف عنه الغضب، وأن يصرف عنه عواقبه الرديئة، ووساوسه المردية، وأسبابه المفضية إليه.
وعلى المسلم أن يأخذ بالعلاج النبوي الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي قال: (يا رسول الله أوصني.
فقال: لا تغضب، قال زدني.
قال: لا تغضب، قال: زدني.
قال: لا تغضب) فكرر له الوصية ثلاث مرات، فالغضب فيه نفخ من الشيطان؛ ولذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من نفخ الشيطان، فهو ينفخ في الإنسان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه، واحمرار وجهه) فهذا من نفخ الشيطان.
وعليه أن يذكر الله عز وجل، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على رجل وهو في ثورة الغضب، قد احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، فقال عليه الصلاة والسلام: (أعرف كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقيلت للرجل؛ فذهب عنه مايجده).
الله أكبر! إذا رزق الإنسان ذكر الله جل جلاله، فإنه خير للعبد في الدين والدنيا والآخرة، وهو من أفضل الأعمال، وأزكاها عند رب العزة والجلال، وأعظمها في بلوغ العبد لسعادة الدنيا والآخرة؛ والذكر ينقسم إلى قسمين: الذكر المطلق، والذكر النسبي، والذكر النسبي: هو الذي يكون للمناسبة، وللحال، فمثلاً: إذا رأيت شراً؛ تقول: أعوذ بالله، فالاستعاذة مناسبة للشخص، وإذا رأيت خيراً؛ تقول: اللهم إني أسألك من فضلك، فهذا ذكر مناسب للحال، فلما كان العبد في هذه الحالة؛ ما بين نفس أمارة، وشيطان يريد به الشر، وبواعث تهيج هذه الأمور، وتقويها، وتدعو النفس إلى مجاوزة حدودها؛ التجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:200]، والله تعالى وعد من استعاذ به أن يعيذه، وما أمرنا الله أن نستعيذ به إلا لما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا؛ ومن لم تنفعه الاستعاذة لأنه استعاذ بقلب منصرف، لا يستحضر عظمة الله جل جلاله؛ وقد ورد أن الشيطان يضع خياشيمه، وخرطومه على قلب العبد، وينفخ فيه، فإذا امتلأ القلب بالإيمان انصرف الشيطان؛ لأنه ليس هناك أقوى من الإيمان بالله جل جلاله؛ وفي الحديث الصحيح أن العبد إذا انكفأ؛ فقال: تعس الشيطان؛ انتفخ الشيطان، وتعاظم، لكن إذا ذكر الله انخنس الشيطان، فذهب كالخردلة حقيراً مدحوراً بذكر الله جل جلاله، فنوصي الغضبان: أن يذكر الله جل جلاله؛ ويقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ونحو ذلك من الاستعاذات الواردة في الشرع.
ومما يذهب الغضب: الوضوء، فإن الوضوء يطفئ ثورة الغضب.
ومما يذهب الغضب: تغيير الحال؛ فإن كان قائماً قعد، وإن كان قاعداً قام، وإن كان في البيت خرج منه، وإن كان في مكان لجج وخصومة؛ فارق مجلس اللجج والخصومة: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:68]، فإذا رأى قوماً يستزلونه إلى الشر وأسباب الغضب، فينبغي أن يتركهم، ويهجرهم، ويفارق مجالسهم؛ حتى لا يستزله الشيطان فيقع ما لا تحمد عقباه.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، بأسمائه الحسنى أن يعيذنا من نزغات الشياطين؛ إنه هو السميع العليم.
حكم الصلاة في المسجد الأبعد طلباً لكثرة الأجر
السؤال
إذا كان بجوار البيت مسجد قريب، فهل يجوز له أن يمشي إلى الأبعد طلباً للفضل مع أنه يسمع إقامة الصلاة في مسجده القريب؟
الجواب
إذا كان المسجد الأبعد أكثر جماعة، أو أفضل؛ كمسجد الكعبة، أو أقدم، فهذه كلها فضلها الشرع، فالمسجد القديم فضله الله عز وجل على المسجد الجديد، كما قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:108]، فجعل القديم أفضل؛ لأنه عمر بذكر الله أكثر من غيره، وكذلك أيضاً المسجد الأكثر عدداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أزكى)، وهذا يدل على أن الجماعة الأكثر عدداً أفضل، وعلى هذا فيجوز له أن ينطلق إلى المسجد الأبعد إذا كان لفضيلة نص الشرع عليها.
والله تعالى أعلم.
الخلاف في ساعة الإجابة يوم الجمعة
السؤال
ما هو الراجح في ساعة الإجابة يوم الجمعة؟ وما هو عمل السلف في تلك الساعة؟
الجواب
لا إله إلا الله! والله لو جلسنا إلى طلوع الفجر ما استطعنا أن نحصر عمل السلف في تلك الساعة، يا إخوان: أشفقوا على من يجيبكم، لا تسألوا المسائل العظيمة، البعض يسأل السؤال ما يدري ما وراءه، هذه مسئولية، والله ما سئل العبد سؤالاً إلا وقف بين يدي الله يُسأل عن كل كلمة قالها، ليست المسائل والفتاوى هكذا! كان بعض السلف -رحمه الله- يجثو على ركبتيه، ويحذر من يسأله، ويقول له: إنما هي الجنة والنار، فأشفق علي، يعني: إما أن أجيبك؛ فأدخل الجنة، وإما أن أجيبك؛ فأدخل النار.
فليشفق عليَّ السائل، أريد أن السائل إذا سأل عليه أن ينتبه، وأن يعلم أننا بشر لنا حدود، ولنا قدر من العلم: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:76].
أما ساعة الإجابة: فهذا أمر فيه أكثر من أربعين قولاً، ولو كانت ساعات الجمعة مائة ساعة ربما كان تجد فيها مائة قول؛ لأن كل وقت محتمل، والذي يظهر: أن الله عز وجل أخفاها لحكم عظيمة، منها: أنه لو كشفها الله لتسلط الناس بعضهم على بعض، فآذى القوي الضعيف، وآذى السفهاء الصلحاء، وحصل من ذلك من الشر والبلاء ما الله به عليم، لكن الحمد لله الذي لطف بعباده.
ولو علمها كل الناس، لربما تسلطوا بها على الشهوات، والهلكات؛ فأهلكتهم، وأفسدت عليهم دينهم، ودنياهم، وآخرتهم، فيصير أهل الشهوات يطلبون هذه الساعة؛ لشهوة من شهوات النفوس التي لا تحمد عقباها، فتكون متاعاً عاجلاً، وتبعة ومسئولية في الآخرة.
وأقرب الأقوال وأقواها: أنها ما بين طلوع الشمس، وجلوس الخطيب، ثم في هذا الوقت أقوال، فبعضهم يختار أنها ساعة الغفلة؛ وهي حمية الضحى؛ لأن الناس في إقبال على الدنيا، والعبد إذا ترك البيع والشراء في الضحى، ومضى إلى المسجد صار مبكراً للجمعة، ويحصل له فضيلة اليوم على أتم وجوهها، وبعض العلماء يختار أنها أول النهار، وبعضهم يجعلها قبل الزوال بشيء يسير، وقيل: إنها بعد الزوال مباشرة؛ وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح).
وقيل: إنها من طلوع الخطيب إلى انقضاء الصلاة، وهذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أنها ساعة قليلة، وطلوع الخطيب إلى انقضاء الصلاة هذا يأخذ وقتاً طويلاً.
وليس المراد بالساعة ستين دقيقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار بيده يتقالها، يعني: أنها لحظات يسيرة، لذلك من الصعوبة بمكان أن نقول: إنها من طلوع الخطيب إلى انقضاء الصلاة.
وقيل: إنها الساعة التي يجلس فيه الخطيب بين الخطبتين.
وقيل: إنها من ابتداء الصلاة إلى انتهاء الصلاة، وقيل: وقت التشهد.
وقيل: إنها في الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، لكن هذا مشكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي) فذلك يقتضي أن الوقت وقت صلاة، وما بعد العصر ليس وقت صلاة، خاصة عند الغروب، وأجيب عن ذلك بأنه إذا جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، وهذا محل نظر؛ لأنه قال: (قائم يصلي) إلا أن يكون اسم الفاعل المراد به اسم المفعول، أي: أنه مقيم على حالة يكون فيها في حكم المصلي، وحينئذ يتجه أن يكون من بعد صلاة العصر يوم الجمعة يجلس في مصلاه إلى أن تغرب الشمس، فيسأل الله حاجته.
وعليك أخي المسلم أن تصلح ما بينك وبين الله، ومن أصلح ما بينه وبين الله، وملأ قلبه بالخوف والرجاء؛ وصدق اللجوء إلى الله، وفقه الله وسدده.
ومن أراد أن يكون مجاب الدعوة؛ فليطب مطعمه، وليستفتح بتوحيد الله، والثناء على الله، وليكثر من النوافل، فإنه ما أكثر عبد من النوافل إلا أحبه الله، وإذا أحبه أعطاه سؤله، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)، فهنيئاً ثم هنيئاً لمن وفقه الله للخيرات، وفعل الطاعات، حتى أصبح مجاب الدعوات.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم من واسع فضله وهو أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نصيحة للأزواج والزوجات
السؤال
إني امرأة متزوجة، ولكني أعاني من مشاكل كثيرة -تعني: المشاكل الزوجية، فلا يمضي أسبوع إلا وتقع مشكلة، ويهددها زوجها بالطلاق- فتقول السائلة: هل من نصيحة للأزواج في هذه الحالة؟
الجواب
أوصي الأزواج والزوجات بتقوى الله عز وجل، ولا شك أن المؤمن، خاصةً في هذا الزمان الذي عظمت محنه، وكثرت فتنه، مبتلىً في نفسه وأهله وماله وولده، وذكر العلماء -رحمهم الله- أن العبد إذا أصاب الذنوب خارج بيته؛ ربما وجد شؤمها مع أهله وزوجه.
فأوصي الزوج أن يتقي الله عز وجل، ومن أصلح ما بينه وبين الله؛ أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح ما بينه وبين والديه، أقر الله عينه في زوجه وولده.
فعلى الزوج أولاً: أن يتقي الله عز وجل في نفسه، وأن يأخذ بالأسباب التي يصلح الله بها زوجه وأهله وذريته، وخاصة في هذا الزمان، فالصبر مطلوب من الزوج، ومطلوب من الزوجة، فعلى الأزواج أن يتحملوا، فما وجدوا من خير شكروه، وما وجدوا من شر ستروه أو صبروا عليه إن أمكن الصبر.
وأما بالنسبة للزوجات: فأوصيهن بتقوى الله عز وجل، فإن الرجل ربما استفزته زوجته، ولربما آذته وأضرته، وكان سبباً في حصول المشاكل، فأوصي أختي السائلة وغيرها من معاشر المؤمنات أن يتقين الله في الأزواج، وأن تهيئ كل امرأة صالحة لزوجها في بيت الزوجية ما يكون سكناً له ومودة ورحمة، خاصة في هذا الزمان، فكما نقول للأزواج: إن الزمان زمان فتن ومحن، نقول للزوجات، فالزوجة إذا جاءها زوجها من عمله، أو جاء من عند أصحابه أو رفقته، ربما جاء مشتت الفكر، وبه هم وغم، محتاج إلى حنانها ورعايتها وإحسانها وكلمة ودٍّ ونحو ذلك، فعليها أن تبذل ذلك، ولتكن المرأة على بصيرة؛ لأنه ربما تغير زوجها عليها بسبب غفلتها عن تعاملها معه، فتكون في أول أيام الزوجية ودودة قريبة رحيمة بزوجها، ثم فجأة بسبب مشاغل البيت أو مشاكلها، يتغير أسلوبها أو طريقتها بدون قصد، فيفهم الزوج أنها لا تحبه، وأنها نافرة منه، فلتحرص الزوجة على تغيير أسلوبها وطريقتها، ولتعلم أن حسن التبعل للزوج سبيل إلى الجنة، فإن وجدت الزوج يشكرها ويذكرها ويحسن إليها، فلتحمد الله على نعمته، وتشكره على فضله، وإن وجدته يكفرها ويؤذيها ويضرها، فخير لها في العاجل والآجل، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
على المؤمنة، بل على كل مسلم ألَّا ينتظر من أحد في هذه الدنيا أن يكافئه على معروف أو خير، وعود نفسك دائماً ألَّا تنتظر من أحد كلمة شكر، وألَّا تنتظر من أحد اعترافاً بالجميل، ووجه وجهك للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً موقناً، وإن الله عز وجل لن يخيبك، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
ووالله ما من امرأة تصبر وتصابر وتحتسب، إلا أقر الله عينها بصبرها واحتسابها عاجلاً أو آجلاً، وجمع الله لها بين خير الدين والدنيا والآخرة، وكذلك الزوج؛ فليضحِّ بما يستطيع، فإن وجد المرأة الصالحة المؤمنة التي تعترف بجميله؛ قال: الحمد لله، وهذا من عاجل ما يكون من البشرى له في الدنيا، وإن وجد كفران الجميل والتمرد والأذية، فلينصب وجهه لله، وليقل: اللهم صبرني، اللهم أجرني في مصيبتي، وليحتسب ثوابه؛ فإن الله عز وجل سيكتب له الأجر والمثوبة؛ لأنه بلاء، ولقد عجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر المؤمن؛ (كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر؛ فكان خيراً له).
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا شكره على السراء، وأن يثبت قلوبنا في كل ضراء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
شرح زاد المستقنع -
باب تعليق الطلاق بالشروط [4]
الفقهاء يرتبون أحكاماً كثيرة على الألفاظ التي يتكلم بها المكلف، ومن ذلك ألفاظ الطلاق المعلق.
فقد يعلق الزوج الطلاق بمجرد حيض زوجته أو باكتمال حيضها أو بمضي جزء من حيضها.
وقد يعلقه بالحمل أو بنفي الحمل أو بنوع الحمل أو غير ذلك.
وقد بين الفقهاء رحمة الله عليهم أحكام تعليق الطلاق وما يترتب عليها وتفاصيلها.
تعليق الطلاق بالحيض
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد: فقال الإمام المصنف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: إذا قال: إن حضتِ فأنت طالق طلقت بأول حيضٍ متيقن]: ذكر المصنف -رحمه الله- في هذا الموضع جملةً من المسائل المتعلقة بتعليق الطلاق بالحيض، وقد قدمنا أن النصوص في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل دلالة واضحة على أنه ينبغي للمسلم إذا أراد أن يطلق زوجه أن يطلقها في طهرٍ لم يمسها فيه، وبينا أن الإجماع منعقد على تحريم تطليق المرأة إذا كانت في الحيض، وهذا الإجماع مستندٌ إلى النصوص التي ذكرناها، ولذلك غضب صلى الله عليه وسلم على ابن عمر حينما أخبره عمر أنه طلق زوجته وهي حائض.
تعليق الطلاق بوقوع الحيض
الطلاق في الحيض ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الطلاق في الحيض، فلو أن رجلاً طلق امرأته بعد أن دخل بها في حال حيضها فالإجماع منعقد على أنه طلاق حيضٍ محرم.
القسم الثاني: أن يطلقها تعليقاً بالحيض، فتكون طاهرة، ويقول: إن حضتِ، فهذه المسألة حكمها حكم الطلاق في الحيض، فالرجل إذا قال لامرأته: إن حضت فأنت طالق، فإنه طلاقٌ محرم، وهو طلاق بدعي، وعلى هذا يكون آثماً بهذا النوع من التعليق، فهذا التعليق محرم، واستفدنا من هذه الجملة أن الطلاق في حال الحيض يستوي فيه أن تكون المرأة أثناء الطلاق حائضاً أو تكون المرأة غير حائضٍ فيطلقها معلقاً طلاقها على الحيض، فإذا علق طلاقها على الحيض، فإن الطلاق غالباً يكون مستقبلاً، فيشمل التطليق في الحيض ما يكون حالاً وما يكون مسنداً إلى الاستقبال بصيغة التعليق.
قال رحمه الله: (إن قال لها: إن حضت فأنت طالق) أي: بينه وبين الله، فإن امرأته طالق إن حاضت حيضة كاملة، يعني: إن دخلت في حيضها، فإننا نحكم بتطليقها إذا تبين حيضها.
وهذه الجملة تفيد أنه بمجرد دخولها في الحيض وثبوت الحيض بالنسبة لها تكون طالقا، فإن تكلم بهذه الصيغة والمرأة صغيرة لم تحض بعد، كأن يكون عمرها خمس سنوات، أو ست سنوات، أو سبع سنوات، أو ثماني سنوات، فقال لها: أنت طالقٌ مني إن حضت، يعني: إن جاءك دم الحيض فأنت طالق، فننتظر إلى أقل سنٍ تحيض فيه المرأة، ولا نتيقن بكونها حائضاً إلا إذا بلغت تسع سنين على التفصيل الذي قدمناه في كتاب الحيض، وقد ذكرنا رواية البيهقي رحمه الله عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة)، أي: تأهلت للحيض لتسع سنين، ومن هنا أخذ طائفة من أهل العلم أن أقل سنٍ تحيض فيه المرأة تسع سنوات، وأبو بكر رضي الله عنه زوج النبي صلى الله عليه وسلم بـ عائشة وعمرها ست سنين، ودخل عليه الصلاة والسلام بها وعمرها تسع سنين، وهذا يؤكد أن تسع سنين تتأهل فيها المرأة للزواج وتتأهل للحيض، فإذا قال رجل: زوجتك ابنتي وعمرها ست سنوات، فعقد عليها، فتم العقد فقال له: إن حاضت ابنتك فهي طالق فحينئذٍ ما قبل سن المحيض تكون في عصمة الرجل ولا يقع الطلاق، فننتظر إلى أقل سنٍ تحيض فيه المرأة، ثم ننظر إلى دم الحيض بصفاته على التفصيل والضوابط التي تقدمت معنا في كتاب الحيض، فلا بد من أمرين: أولاً: السن.
والثاني: أن يكون الدم الذي يجري من المرأة دم حيضٍ لا دم استحاضة؛ لأنه ربما كان عمرها تسع سنين ولا يتبين أن ما يخرج منها دم حيض ولهذا قال المصنف رحمه الله: (بأول حيض متيقن) فعندنا في الحيض شك ويقين، ومسألة أقل سن تحيض فيه المرأة قد بيناها، وكذلك مسألة أقل الحيض قد تقدمت في كتاب الحيض وذكرنا خلاف العلماء -رحمهم الله- في أقل الحيض وأنه تتفرع عليه مسائل عديدة ومنها هذه المسألة، فأنت إذا قلت: إن أقل الحيض يوم وليلة أي: أربع وعشرون ساعة، فلو أن بنتاً عمرها تسع سنوات خرج منها دم لكن هذا الدم استمر سبع ساعات وانقطع فليس بحيض على هذا القول، ولا تطلق المرأة عند من يقول: إنه لا بد أن يستمر أربعاً وعشرين ساعة.
فلو أن امرأة بلغت تسع سنين وجرى معها دم ولم يستتم أربعاً وعشرين ساعة فإنها لا تطلق بذلك الدم، ولا يعتبر ذلك الدم دم حيض، وهذا على مذهب الشافعية والحنابلة الذين يقولون: أقل الحيض يوم وليلة، والحنفية -رحمهم الله- يقولون: ثلاثة أيام، والظاهرية والمالكية واختيار شيخ الإسلام رحمه الله أن الحيض لا حد لأقله، وأن المرأة ممكن أن تدفع الدفعة من الحيض، وذكرنا أن هذا هو أصح أقوال العلماء؛ لأنه لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحديد يدل على أن اليوم أو الليلة أو أن الثلاثة الأيام هي أقل ما تحيض به المرأة، وإنما استندوا في ذلك إلى أدلة نظرية، والصحيح أن الحيض يكون قليلاً وكثيراً ولا ضابط له من حيث الساعات أو الزمان.
إذا ثبت هذا فنحسب أقل سن تحيض فيه المرأة، فإن كانت السن سن حيض وخرج معها دم الحيض على صفاته فإننا نحكم بكونها طالقاً.
تعليق الطلاق باكتمال الحيض
قال رحمه الله: [وإذا حضت حيضةً تطلق بأول الطهر من حيضة كاملة] قوله: (وإذا حضت) لاحظ، (إن حضت) بمجرد تيقن الحيض، (وإذا حضت حيضة) هذا له حكم، فهنا لفظ وهنا لفظ ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:3] وينبغي أن نتنبه إلى أن العلماء -رحمهم الله- حينما يذكرون هذه الألفاظ ويدققون في كل كلمة وكل جملة ليست القضية قضية الحيض فقط، بل القضية قضية تمرين الفقيه وطالب العلم على أن يعطي كل كلمة حقها وقدرها، فقد تأتي مسألة من المسائل التي تتعلق بالحقوق والأموال وتتفرع على هذا الأصل الذي ذكره العلماء في الألفاظ، فأنت إذا عرفت من باب الحيض أن التعليق بالشروط له ضوابط معينة من جهة الألفاظ فتستطيع أن تطرد ذلك في كل شيء يقع، حتى لو أن رجلاً قال لعامل عنده: إن جاءك محمد فأعطه مائة ألف، فاتصل محمد على العامل وقال له: سيأتيك سعد وأعطه المائة ألف، فجاء سعد وأخذها وسرق المال، من يضمن؟ يضمن العامل؛ لأنه قال له: إن جاء وكلمة (إن جاء) ليست كما لو اتصل، ففي الشريعة تقييد وإلزام ولا يقول الإنسان لماذا الفقهاء يقولون: إن حضت وإذا حضت؟ فالشريعة تامة كاملة، ومن تمامها وكمالها أنها تعطي كل لفظٍ حقه، ودلالته ومعناه.
فلو قال الرجل لزوجته: إن حضت، وقصد حيضة كاملة فحينئذٍ لا تطلق قبل أن تحيض حيضة كاملة، والفرق: أن قوله: إن حضت، مراده الدخول في الحيض، وأما قوله: إن حضت حيضة كاملة أو إن حضت حيضة، مراده إكمال مدة الحيض، فلو قال هذا الكلام أثناء حيضها فإنها تطلق على الأول ولا تطلق على الثاني، حتى تأتي الحيضة التي تلي الحيضة التي قال ذلك فيها؛ لأنه إذا قال لها: إن حضت حيضة كاملة، أو إن حضت حيضة فإنه أثناء الحيض لم تحض بعد حيضة كاملة من قوله إلى نهاية الحيض، فلو قال لها: (إن حضت حيضة فأنت طالق) وقصد الحيضة الكاملة الثانية، فإن وقع هذا الكلام قبل الحيض ننتظر حتى تبدأ الحيض، فإن حاضت وتمت عادتها من الحيض طلقت، وحكمنا بطلاقها، وإن كانت أيست وانقطع حيضها لم يقع الطلاق؛ لأن الطلاق موقوفٌ على وجود الحيض، وفائدة التعليق وجود الحيض، فلو قال لها وعمرها ستون سنة: إن حضت حيضة فأنت طالق، فبعد الستين انقطع عنها الحيض فحينئذٍ لا تطلق؛ لأن الشرط مركب على وجود حيضة تامة كاملة، حتى ولو قال لها هذا الكلام في آخر حيضة حاضتها من عمرها لم تطلق؛ لأنه لو مضى من الحيضة ثلاثة أيام أو أربع أيام، أو مضى منها ساعة أو مضى منها يوم فإنها لم تحض بعد الشرط حيضة كاملة، مثال ذلك: امرأة عادتها أن تحيض سبعة أيام، فلما صارت في آخر حيضة من عمرها حاضت اليوم الأول فقال لها زوجها في اليوم الثاني: إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق، فإنها بعد هذا الشرط حاضت حيضة ناقصة؛ لأنها بقي لها من عادتها ستة أيام، فما دام أنه قد مضى جزءٌ من الحيضة قبل الشرط فالحيضة غير كاملة، فتوفي هذه الحيضة وتنتظر هل تحيض بعد هذا الشرط أو لا؟ فإن لم تحض؛ فحينئذٍ لا يقع الطلاق، وإن طهرت ثم حاضت فإننا ننتظر إلى تمام عادتها ونحكم بطلاقها، فهذا الفرق بين قوله: إن حضت حيضة، وقوله: إن حضت.
تعليق الطلاق بمضي جزء من الحيض
قال المصنف رحمه الله: [وفي (إذا حضت نصف حيضة) تطلق في نصف عادتها] لاحظ الفرق، والعلماء يرتبون المسألة على المسألة، فأنت تقول: إن حضت حيضة كاملة، فمعناه: أنه لو خاطبها بهذا الشرط أثناء حيضها، فإننا نلغي الحيضة التي وقع عليها الشرط، وننتظر إلى طهرها وحيضها من بعد، فلو انقطع حيضها فلا تطلق، وإن حاضت حيضة تامة بعد هذا الشرط حكمنا بطلاقها بمجرد تمام الحيض، ولو قال لها: إن حضت نصف حيضة فأنت طالق، ننظر حينئذٍ إلى عادتها فإن كانت عادتها ثمانية أيام، فمعناه: أن نصفها أن تحيض أربعة أيام، فتتفرع مسائل عديدة، منها: أنه لو قال لها: إن حضت نصف حيضة وكانت قد مضت ثلاثة أيام فإننا نعتد بالأربعة أيام، ونحكم بطلاقها بمضي أربعة أيام بعد الثلاث، فتكون طالقاً في اليوم السابع عند من يوقع الطلاق في الحيض، وإن مضى أربعة أيام وبقيت أربعة أيام فتطلق بعد تمام اليوم الثامن الذي هو الطهر، لكن لو قال لها: إن حضت نصف حيضة وكان قد بقي من عادتها ثلاثة أيام وحيضتها ثمانية أيام فإنها تلغى هذه الحيضة كلها، وتنتظر إلى الحيضة الثانية، فلو أنها توفيت قبل الحيضة الثانية، أو انقطع حيضها قبل الحيضة الثانية لم يتبعها طلاقها.
فالمسائل كلها تترتب عليها أحكام، إذا علقت الطلاق على شرطٍ معين كلاً أو جزءاً تراعي الكلية في ما يشترط فيه الكلية، والجزء فيما يشترط فيه الجزء، فإن بقي من زمان الحيض ما يتحقق به وصف النصف أو الربع -على حسب ما يذكر من شرطه- حكمنا بوقوع الطلاق بعد ذهاب ذلك العدد الذي اشترط فيما بينه وبين ربه أن زوجه تطلق به.
هذا بالنسبة لمسألة: إن حضت حيضة، وإن حضت نصف حيضة، فانظر إلى ترتيب المصنف، فهي ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إن حضت، ومتى حضت، وأي وقتٍ تحيضين، فحينئذٍ نحكم بالطلاق بمجرد دخولها في الحيض على القول الراجح بأن أقل الحيض لا حد له، وأما عند من يشترط اليوم والليلة، أو يشترط ثلاثة أيام فلا نحكم بطلاقها إلا إذا بقي الدم يوماً وليلة، أو بقي ثلاثة أيام على الخلاف المذكور، وأما على القول بأن قليل الحيض وكثيره سواء فتطلق بمجرد دخولها في الحيض، هذه هي المسألة الأولى، ووجه هذه المسألة أن الرجل طلق امرأته فيما بينه وبين الله إذا دخلت في حيضٍ، فبمجرد دخولها في الحيض تطلق.
المسألة الثانية: يعطي شرطاً أوسع من شرط الدخول، فيقول لها: إن حضت حيضة كاملة، فلا يكفي دخولها في الحيض، ولا يكفي ابتداؤها الحيض أو شروعها في الحيض بل ننتظر إلى تمام عادتها فلو قال لها وهي طاهر: إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق فحاضت يوم السبت وماتت الأحد فهي في عصمته، ولا يتبعها طلاقه؛ لأنها لم تحض حيضة تامة كاملة.
المسألة الثالثة: إن قال لها: إن حضت نصف حيضة أو ربع حيضة فننظر إلى عدد أيام عادتها ونحكم بالطلاق مجزأ فإن قال لها: إن حضت نصف حيضة، لم يخل من حالتين: إما أن يتكلم به قبل الحيض فنقول: بمجرد ما تبتدئ الحيضة المستقبلة الآتية نحسب عدد النصف، ونطلقها في نصف عادتها التي ستأتي، هذا إذا كان وقع كلامه قبل الحيض، فتطلق في نصف العادة الآتية، وإما إن قال هذا الكلام أثناء الحيض نظرنا: فإن بقي من أيام عادتها ما يعادل النصف فأكثر طلقناها بمجرد مضي عدد الأيام التي تستوعب نصف العادة، وحينئذٍ نحكم بأنها طالق، فإن مضى من عادتها يومان وعادتها ثمانية، فنحكم بكونها طالقاً بعد مضي أربعة أيام بعد اليومين أي: بعد السادس، ولا ننتظر إلى النصف الثاني وإنما نقول: تتجزأ بالأيام، وأما لو كان اعتد به كاملاً وجعل الطلاق على الحيض كاملاً فالعبرة بكماله، أو جعل الطلاق على بعضه، فالعبرة بذلك البعض، أو جعل الطلاق بمجرد تيقن دخول الحيض وحكمنا بالطلاق.
وتبين بهذا أن قوله: إن حضت حيضة تامة، أهون من قوله: إن حضت، أو إن حضت نصف حيضة، فإن قوله: إن حضت، مراده: بمجرد دخول الحيضة فيكون طلاقاً بدعياً، وإن قال: إن حضت نصف حيضة فيكون قبل الحيض بدعياً، وإذا بقي من عادتها النصف يكون سنياً؛ لأنه إذا قال لها: إن حضت نصف حيضة، في أثناء الحيض، وبقي من حيضها النصف فمعناه أنها ستطلق بعد طهرها، فيكون سنياً، فافترق الحكم، والحاصل: أن الطلاق يكون بدعياً إن قصد مجرد وجود الحيض إن حاضت، ويكون سنياً إن قال: إن حضت حيضة تامة، لأنه يقع بعد الطهر، فبمجرد دخولها في طهرٍ لم يجامعها فيه يقع الطلاق سنياً، ويكون محتملاً إن قال: نصف حيضة، فإن قال ذلك قبل الحيض فبدعيٌ؛ لأنه سيقع في نصف العادة، وإن قاله وقد بقي من عادتها ما يستوعب النصف فأكثر فبدعي أيضاً؛ لأنه سيبقى من حيضها يوم أو يومان فيقع الطلاق وهي حائض، وإن قال ذلك ولم يبق إلا القدر الذي اشترط فسنيٌ لأنها تطهر ويكون حينئذٍ طلاقها في طهرٍ لم يجامعها فيه.
تعليق الطلاق بالحمل
تعليق الطلاق بإثبات الحمل
قال رحمه الله تعالى: [فصلٌ: إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف] قبل أن ندخل في تفصيلات العلماء في مسألة الحمل نحب أن نمهد بتمهيد نستوعب فيه هذه المسائل.
أولاً: أقل الحمل: مدة زمانية لا يمكن أن يوجد الحمل في أقل منها، وأكثر الحمل: مدة زمانية الغالب بالعادة والتجربة أنه لا يجاوزها الحمل، وكلتا المسألتين تتفرع عليهما مسائل مهمة، وقد تتفرع عليها مسائل تتعلق بإنقاذ الأرواح كما سيأتي، فأقل الحمل ستة أشهر في قول جماهير العلماء رحمهم الله، فالمرأة لا تضع الحمل التام قبل الستة من حيث الأصل الغالب والذي دل عليه دليل الكتاب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:15] فأثبت سبحانه أن حمل الجنين وفطامه بعد الولادة من الرضاع يستغرق الجميع ثلاثين شهرا، يعني: سنتين ونصفاً إذ هي ثلاثون شهراً، 24 شهراً للسنتين، و6 أشهر لنصف سنة، فنصت الآية على أن الحمل مع الرضاع والفطام من الرضاع يستغرق ثلاثين شهراً، وفي الآية الأخرى يقول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233].
وانظر إلى جمال هذا القرآن وجلاله وكماله وعظمته وما أودع الله فيه من الحكم والأحكام، فالآية تأتي في مسائل النفقات على المرضعات، وإذا هي تتعلق بمسائل الحمل، فانظر كيف يرتبط القرآن كله بعضه ببعض، ولذلك استنبط علي رضي الله عنه من هذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر؛ لأنه إذا كان الرضاع له سنتان من ثلاثين شهراً فما يبقى إلا ستة أشهر، فإذا ثبت أن أقل الحمل ستة أشهر تفرع عن ذلك مسائل كثيرة، منها: لو أن رجلاً تزوج امرأة، ودخل عليها ثم توفي عنها، فاعتدت المرأة عدة الوفاة التي هي الحداد، وبعد أن تمت لها العدة جاء رجل ونكحها، فولدت لأربعة أشهر، فإنه يكون ولداً للزوج الأول وليس ولداً للزوج الثاني، على تفصيل في المسائل؛ لأنه لا يمكن نسبته إلى الماء الثاني، ولا بد بعد جماع الثاني أن نحسب الستة الأشهر، فما وقع من حملٍ قبل الستة الأشهر فهو منسوب للماء الأول من حيث الأصل، وهكذا مسألة أكثر الحمل، تتفرع عليها مسائل حتى في مسألة الإمكان ودفع الشبهة بزنا المرأة، ولذلك قالوا عن مالك رحمه الله: إنه حملت به أمه أربع سنين، وقالوا: هذا أكثر ما وجد في أقصى الحمل ولذلك يقولون: قد يعلق الجنين ويتأخر وتضعه أمه بعد طول زمان، ومن أعجب ما ذكروه من القصص المشهورة عن عمر رضي الله عنه أن امرأة تزوجها رجل ودخل بها ثم توفي عنها ثم اعتدت عدة الوفاة، وبعد مضي المدة تزوجها رجلٌ ثانٍ، فوضعت الولد لأربعة أشهر أو لثلاثة أشهر، والمرأة معروفة بالصلاح، ومن بيت صالح، ولا يعرف عنها أي ريبة فهي مستقيمة صالحة، فاحتار عمر رضي الله عنه في أمرها، فجمع المهاجرين، فأفتوا أن هذا زنا وأنها ترجم، وجمع الأنصار وأفتوا أنها ترجم؛ لأنها اعتدت عدة الوفاة ومضى زمن إمكان الحمل وبعد ذلك ولدت، ولا يمكن نسبته لزوجها الأول فيما نظره الصحابة، وكان عمر رضي الله عنه محدثاً ملهماً فإذا أعياه الأمر عند الرجال جمع النساء، فلما وجدهم مجمعين على أنها ترجم -وكان مذهب عمر رضي الله عنه أن الحمل دليل على الزنا، كما في صحيح البخاري عنه في القصة المشهورة في آية الرجم- جمع النساء فقامت امرأة عجوز وقالت: إن هذه المرأة علقت من زوجها الأول، ولما أصيبت بالحزن والفاجعة ركن الجنين في رحمها، فلما تزوجت الثاني انتشت وانتشى الفرج بماء الثاني وجماع الثاني، فولدته، فحمد الله عمر أنه لم يرجم المرأة، وعمل بقولها، ولذا قال العلماء: قد يعلق الجنين ويتأخر، ومن الأطباء المتأخرين من يؤكد هذا ويعلل ذلك بضعف الرحم وغير ذلك من الأمور التي تؤثر في وقت وضع الحمل، فمسألة أقل الحمل وأكثر الحمل مهمة جداً تتفرع عليها مسائل في الطلاق كما يذكره المصنف رحمه الله، وتتفرع عليها مسائل في الحقوق، مثل مسألة شق بطن المرأة إذا كان في بطنها جنين، فلو توفيت وهي حامل وفي بطنها جنين فهل نشق بطنها أو لا نشقه، إن كان الجنين تمت له ستة أشهر فجمهور العلماء على أنه يشق بطنها ويستخرج الجنين، وأنه إذا لم تتم له ستة أشهر فلا يشق بطنها، فهذه كلها من المسائل المترتبة على مسألة أقل الحمل وأكثره.
فقبل أن ندخل في تعليق الطلاق على الحمل لا بد أن يُعلم ما هو أقل الحمل وأكثر الحمل، بحيث يمكن أن ننسب هذا الحمل لكونه وقع بعد الشرط أو قبل الشرط، فالرجل إذا علّق الطلاق على وجود الحمل فله طريقتان: الطريقة الأولى: يعلق الطلاق إن ثبت الحمل، فيقول لزوجه: أنت طالقٌ إن كنت حاملاً، فعلق الطلاق على وجه الإثبات، وأثبت الطلاق بثبوت الحمل، فإذا ثبت أنها حامل حكمنا بالطلاق، وإذا ثبت أنها غير حامل حكمنا بعدم وقوع الطلاق، ومن قبل لم يكن عندهم من الآلات والوسائل ما يبين حمل المرأة من عدمه، ولربما انتفخ بطن المرأة بمرض وعلة، فيظن أنها حامل، فلا بد من معرفة بعض الضوابط: ضابط الزمان كما ذكرنا أقل الحمل وأكثر الحمل، وضابط استبراء الرحم، فالمرأة إذا حاضت بعد ذلك القول دل ذلك على أنها ليست بحامل فلا يقع الطلاق عند من يقول: إن الحامل لا تحيض؛ لأن الفرج ينسد بالحمل ويخرج الدم بعد النفاس والولادة.
فيقول لها: أنت طالق إن لم تكوني حاملاً، وهذا هو النوع الثاني من الصيغ، الأول: صيغة الإثبات والثاني: صيغة النفي، فمعنى ذلك: أنه إذا وجد الحمل فلا طلاق، وإن لم يوجد الحمل وكانت بريئة وخُلُواً من الحمل فإنها طالق، فإذاً: نحتاج إلى معرفة هل هي حامل أم ليست بحامل؟ الطريقة الثانية: يعلق الطلاق على نوع الحمل، هل هو من الذكور أو من الإناث فيقول مثلاً: أنت طالقٌ طلقة واحدة إن كان حملك ذكراً وأنت طالقٌ طلقتين إن كان حملك أنثى، فعند ذلك لا بد أن نعرف ما الذي في بطنها، هل هو ذكر أم هي أنثى؟ ولربما خرج اثنان ذكر وأنثى، ولربما خرجت بنتان، ولربما خرج ذكران.
ثم تأتينا مسألة الولادة وفيها مشكلة؛ لأنها إذا ولدت الأول صارت مطلقة، ثم إذا جاء الثاني فبمجرد وضع الثاني تصبح أجنبية، لأنها إذا طلقت صارت رجعية، إذا كان طلقة واحدة، فإذا جاء الحمل الثاني ووضعت فإن الطلاق الذي علق على الحمل الثاني لا يقع؛ لأنها قد خرجت من عدتها وأصبحت أجنبية بوضعه، فيختلف الحمل وتختلف المسائل بين الحمل في نوعه، وبين الحمل في خروجه، فنوع العلماء بين مسائل الحمل كحمل، وبين مسائل الولادة كولادة، فعندنا تعليق بالحمل، وتعليق بالولادة.
قال رحمه الله: (إذا علقه بالحمل فولدت في أقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف): إذا قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، إن قال هذا الكلام في أول محرم من هذه السنة فإذا وضعت ما في بطنها قبل تمام ستة أشهر فإننا تأكد أنها كانت أثناء التلفظ حاملاً، فمثلاً: وضعت الجنين في ربيع الثاني، فنتأكد بأن الجنين هذا لا يمكن أن يخرج بهذه الصفة، ولا يكون حملاً كاملاً إلا ببلوغ ستة أشهر، وإذا ثبت أن عمره ستة أشهر فإنك على يقين أنه أثناء الكلام كانت المرأة حاملاً، وهو يقول: إن كنت حاملاً فأنت طالق، فأثبت الطلاق بثبوت الحمل، ويثبت الحمل إذا ثبت الزمان الذي يدل على وجوده.
إذاً: إذا قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق فولدت لدون ستة أشهر فقد تحققنا أنه أثناء تلفظه كانت المرأة حاملاً وبينه وبين الله أنه طلق امرأته إن كانت حاملاً في تلك الساعة، ولو أنها ولدت بعد الستة أشهر، مثلاً: قال لها هذا الكلام في أول محرم، وولدت في رمضان وهذا بعد الستة الأشهر قطعاً، فحينئذٍ يرد الإشكال هل كانت أثناء كلامه حاملاً أو لا، هذا يحتاج إلى تثبت، فنسأل: هل وقع جماعٌ بعد قوله: إن كنت حاملاً، فإن كان جامعها بعد محرم كأن يكون جامعها في ربيع أو جامعها في ربيع الثاني، نقول مثلاً: جامعها في صفر، قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق في أول محرم، ثم في صفر جامعها، وولدت في رمضان فإننا نقع بين احتمالين، إما أن نقول: إنها حملت بالجماع الثاني، وحينئذٍ لا طلاق؛ لأنه وقع الحمل بعد الشرط والشرط متعلقٌ بأن تكون حاملاً في محرم، فلما جامعها بعد محرم وولدت في رمضان والمدة مدة حمل، فالقاعدة: أننا ننسب الحكم إلى أقرب حادث.
ومعنى ذلك: أنه إذا كان عندك حادثان: قريب وبعيد، واليقين للقريب تنسب للقريب؛ لأنه ما دام مضت ستة أشهر بعد محرم، ولم تلد، ووضعت بعد ستة أشهر من الجماع الثاني فالغالب على الظن أنه من الجماع الثاني، وهذا لقاعدة: (أن الحكم ينسب لأقرب حادث) ومن فروع هذه القاعدة: إذا نام نومتين، أو ثلاث نومات، نام قبل الفجر، وصلى الفجر ونام بعد الفجر، وصلى الضحى ونام بعد الضحى، وصلى الظهر ونام بعد الظهر، ولم يستيقظ إلا على صلاة العصر ووجد أثر المني في ثيابه، فهل نقول: إنه أمنى في النومة الأخيرة، فلا يلزمه إلا إعادة العصر إن كان صلى، أو هو النوم الذي في الضحى فيلزمه إعادة صلاة الظهر والعصر إن كان قد رآه بعد العصر، أو للنوم الذي بعد الفجر للحكم كذلك، أو للنوم قبل الفجر فيعيد الفجر والظهر والعصر جميعاً؟ فننسب ذلك لأقرب حادث؛ لأنه ما دام عندنا عدة احتمالات فإننا نأخذ باليقين، فنحن لا نشك أنه في آخر نومة كان جنباً، ونشك فيما قبل ذلك، والأصل أنه طاهر، وكذلك هنا هل ننسب الحكم لأقرب جماع يمكن أن يتخلق منه الولد، أو ننسبه لأبعد جماع؟ أصبح عندنا أصلان، واليقين أنها زوجته، وتبقى العصمة كما هي؛ للقاعدة التي تقول: (الأصل بقاء ما كان على ما كان) فإن قلت: إن هذا الولد تخلق بجماعٍ قبل الجماع الثاني، وكان موجوداً أثناء الشرط فتطلق المرأة، فنلغي اليقين من كونها زوجة، فهذا خلاف الأصل، فتقول: أقرب حادث هو الجماع الأخير الذي هو قبل وضع الجنين بستة أشهر، ولا ننسب الولد للجماع قبل الشرط، وبناءً على ذلك: لا يحكم بكونها طالقاً، وهذا على أصح أقوال العلماء -رحمهم الله- وهو شبه مذهب الجمهور: أنه إذا وقع جماع بعد قوله إن كنت حاملاً فأنت طالق ومضت أكث
تعليق الطلاق بنفي الحمل
قال المصنف رحمه الله: [وإذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق]: (إن لم تكوني حاملاً) هذا عكس: إن كنت حاملاً، وخلاصة الإثبات كالآتي: قال: إن كنت حاملاً فأنت طالق، قالها في أول محرم مثلاً، فإن مضى بعد قوله أقل من ستة أشهر فوضعت فقد تحققنا أن الولد كان موجوداً أثناء الشرط، وأنها حاملٌ أثناء الشرط فتطلق، وإن ولدت بعد ستة أشهر ففيه تفصيل: إن وقع جماع بعد الشرط وأمكن أن ينسب إليه الولد فلا إشكال فهي غير طالق؛ لأنه الظاهر والقاعدة: (أنه ينسب الحكم لأقرب حادث) فنحكم بكونها امرأة له ولا يحكم بطلاقها، وأما إذا لم يقع جماعٌ فنقول: ما جاوز الستة الأشهر -بشرط أن لا يجاوز أقصى مدة الحمل- فإنه يوجب الحكم بكون الولد كان موجوداً؛ لأن الولد تخلق من الجماع، والجماع إنما وقع قبل الشرط، وقلنا: إنه بالعادة والتجربة أنه يمكن أن يبقى الجنين مركوناً في البطن حملاً أربع سنين، فمعنى ذلك: أنها لو وضعت قبل تمام الأربع سنين فهو ولده، وإذا كان ولده ولم يجامع بعد الشرط فمعنى ذلك أنه ولده من الجماع قبل الشرط، وإذا ثبت أنه ولده من الجماع الذي قبل الشرط، فتحققنا أنها حين الشرط كانت حاملاً.
أما النفي بأن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، العكس بالعكس، عكس الأحكام السابقة، أول شيء: قلنا في الإثبات: إذا قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالقٌ ووضعت لأقل من ستة أشهر تطلق، وهنا إذا قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق ووضعت لأقل من ستة أشهر فلا تطلق، لأنه ثبت بوضعها في أقل من ستة أشهر أنها كانت حاملاً وقت قوله ذلك، فحينئذٍ لم يتحقق الشرط، لأن الطلاق عند تعلقه بالإثبات يفتقر للإثبات، وعند تعلقه بالنفي يفتقر إلى النفي، والنفي إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق غير موجود؛ لأنها كانت حاملاً حينئذٍ، ففي حالة الإثبات إن ولدت بدون ستة أشهر طلقت وفي حال النفي إن ولدت بدون ستة أشهر لم تطلق؛ لأن المسألة الأولى ثبت فيها موجب الطلاق فحكمنا بطلاقها، وفي المسألة الثانية انتفى موجب الطلاق فلم يحكم بطلاقها، فلو جامعها خلال الستة الأشهر وأمكن أن ينسب الولد للجماع الثاني فوضعت الولد في رمضان، وكان قد قال لها: إن لم تكوني حاملاً، في المحرم، وجامعها في صفرٍ فإننا نحكم بأن الولد من صفر، وأنها كانت في محرم خلواً من الحمل، فتطلق من حين قوله: إن لم تكوني حاملاً، عكس الإثبات، فهو إذا قال لها: إن لم تكوني حاملاً فولدت من دون ستة أشهر تحققنا أنها كانت حاملاً، وإن مضى أكثر من ستة أشهر وجامعها بعد ذلك جماعاً يمكن أن ينسب إليه الولد فحينئذٍِ ثبت أنها لم تكن حاملاً فتطلق عليه منذ أن تلفظ بالشرط، لكن لو جامعها جماعاً ثانياً بعد الشرط، ووضعت لأربعة أشهر بعد الجماع الثاني فإنها لا تطلق لأن الجماع الثاني لا ينسب له ولدٌ ويكون حينئذٍ الولد موجوداً أثناء الشرط ومنسوباً للجماع الذي قبل الشرط، فإذا نسبت الولد للجماع الذي قبل الشرط فحينئذٍ كانت حاملاً، وهو يقول: أنت طالق إن لم تكوني حاملاً فلا تطلق، فالنفي عكس الإثبات، فإذا عرفت الإثبات عرفت النفي.
الاستبراء بحيضة عند احتمال وقوع الطلاق المعلق بنفي الحمل في البائن
قال المصنف رحمه الله: [وإن قال إن لم تكوني حاملاً فأنت طالقٌ حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن]: (حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن) إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فإن حاضت بعد ذلك فقد ثبت عندنا أنها لم تكن حاملاً؛ لأن الحامل -كما اختاره المصنف وطائفة من العلماء- لا تحيض، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:71] فمن العلماء من قال من أسماء الحيض: الضحك، واختاره بعض أئمة اللغة، وإن كان بعض المفسرين ضعف هذا القول واختار غيره، قالوا: ضحكت: بمعنى حاضت ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود:71 - 72] ما قالت: أألد وأنا آيسة، لأنه نزل معها الحيض، قالوا: صار قولها: يا ويلتا أألد وأنا عجوز قرينة على أن معنى ضحكت إنما هو الحيض، وليس ضحك التعجب؛ لأنها وجدت ما يدل على إمكان الحمل منذ خروج الدم، وهذا من قدرة الله عز وجل وهو على كل شيء قدير.
فدلت الآية على أنه إذا وجد الحيض أمكن الحمل، وعلى ذلك: ينقطع الحمل بانقطاع الحيض، وقالوا على هذا أيضاً: ينقطع الحيض بوجود الحمل، ويتعلق كلٌ منهما بالآخر، فالشاهد: أن المرأة إذا قال لها: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالقٌ احتمل أنها خلو، وإذا كانت خلواً أي: ليست بحامل فإنها حينئذٍ تكون طالقاً عليه منذ أن تلفظ، فإذا كان الطلاق طلاقاً بائناً بأن تكون هي الطلقة الأخيرة وقد طلقها طلقتين من قبل وبقيت طلقة واحدة فحينئذٍ ينبغي أن يُحتاط للاحتمال؛ لأنه لو جامعها لاحتمل أن تكون حاملاً، فيكون جامع الأجنبية المحرمة.
أما لو كانت الطلقة رجعية وجامعها فالرجعية فيها وجه أنها في حكم الزوجة، فالأمر أخف، وهذا الذي جعل المصنف يفرق بين الطلقة الرجعية والطلقة البائنة.
المسألة تقول: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق، فأثبت الطلاق بنفي الحمل فإذا أثبت الطلاق بنفي الحمل وكانت المرأة لم يبق من طلاقها إلا تطليقة واحدة فإنه يحتمل أنها طالق فلا يجوز له أن يغرر بنفسه بجماع امرأة أجنبية منه، فلا بد أن نتحقق ونتأكد أنها حلال؛ لأنه بمجرد ذكره لصيغة الشرط على هذا الوجه جعل امرأته مترددة بين كونها حلالاً له إذا كانت حاملاً، وبين كونها حراماً عليه إذا كانت حائلاً أي: غير حامل، فنحتاج إلى الاحتياط، وهذا الاحتياط صيانة للفروج فيجب عليه أن يستبرئها بحيضة فإن ظهر أنها غير حامل طلقت، وإن ظهر أنها حامل لا تطلق.
قال المصنف رحمه الله: [وهي عكس الأولى في الأحكام]: كما ذكرنا.