شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-11
أهل الأثرالأرشيف العلمي

شرح زاد المستقنع -

الشك في الطلاق [1]

مراتب العلم أربع وهي: الظن الفاسد، وغلبة الظن، واليقين، والشك، والشك هو: الظن المتردد المحتمل الذي لا مزية لأحد طرفية على الآخر، وهو إما أن يكون قهرياً كالوسوسة، أو عارضاً، وقد اعتنى العلماء بمثل هذه المسائل وأسهبوا في بيان علاجها.
والشك قد يقع في الطلاق، إما في عدد الطلقات، أو في وقوع الطلاق أصلاً، ولكنه على كل حال قد عالجته الشريعة وبينه أحكامه.

تعريف الشك وبيان مراتب العلم

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الشك في الطلاق].
الشك: استواء احتمالين.
فكل شيء تردد عندك وأصبحت ظنونه في نفسك بمنزلة واحدة، فإنه شكٌ.
مثلاً: إذا رأى الإنسان شخصاً فظنه فلاناً، فإما أن يراه على صفاته الحقيقة بحيث يقطع أنه لا يمكن أن يكون غيره، يقطع بأنه فلان، رآه بشخصه، وسمعه بأذنه، فيقول: هو فلان، فهذا يقين، واليقين كما يقول العلماء: هو درجة من العلم القطعي الذي هو 100%. وإما أن يشك هل هو فلان أم فلان، بحيث يرى فيه الصفات المتعلقة بشخصٍ يعرفه، لكن هناك احتمال أن يكون شخصاً آخر يشبهه، وغالب ظنه أنه فلان، فيقول: أغلب ظني أنه فلان، فهذا غلبة ظن.
فإن كان الذي رأيته قد استوى فيه الاحتمالان حيث احتمل أنه فلان واحتمل أنه فلان ولا مرجح لأحد الاحتمالين فهذا يسمى بالشك، وهو كما قال العلماء: بدرجة 50% لا تزيد ولا تنقص، ليس لأحد الظنين مزية على الآخر فهذا يسمى بالشك، فإن نقص الظن إلى الدرجة الضعيفة وهي التي تقابل الظن الراجح سمي وهماً.
فهناك وهمٌ، وهناك شكٌ، ثم ظنٌ، ثم يقين، فهذه أربع مراتب للعلم، وقد تقدمت معنا في كتاب الطهارة، وفصلنا في أحكامها، وفصلنا قواعد الشريعة التي تدل على اعتبار اليقين والظنون الراجحة، والتي تدل على الرجوع إلى الأصل عند استواء الاحتمالين، والتي تدل على إسقاط الظن الفاسد.
ومراتب العلم هي: الظن الفاسد: وهو الضعيف، وليس له مكان في الشريعة؛ بمعنى أنه لا يعمل به ولا يعول عليه، وللإمام العز بن عبد السلام في كتابه النفيس قواعد الأحكام في مصالح الأنام، كلام نفس في الظنون الضعيفة، ويسميها العلماء الظنون الفاسدة، والظنون الفاسدة لا تحتاج الشريعة لها إذ لو اعتبرت الشريعة بالظنون الفاسدة لما استقامت أمور الناس ولما استقامت أحكامها؛ لأن كثيراً من الأشياء بنيت على غلبة الظن، فالدماء والأموال والفروج تستباح كلها بالظنون الراجحة، فلو شهد شاهدان عدلان أن فلاناً قتل فلاناً قتل بشهادتهما، مع أنه يحتمل أنهما أخطآ، لكن الاحتمال ضعيف ما دامت شهادتهما مقبولة، وما داما عدلين فإن شهادتهما مرضية، فيحكم بها.
كذلك تستباح الأموال فإن الإنسان إذا خاصم شخصاً في القضاء وقال: إن لي عنده مائة ألف، وشهد شاهدان عدلان أنه أعطاه مائة ألف ولم يثبت ردها؛ فإنه يحكم بثبوت المائة الألف في ذمته قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] فحكمت الشريعة بالظن الراجح، وأسقطت الظن المرجوح، وهو احتمال أن الشاهدين أخطآ، واحتمال أنهما يخطئان في قدر المال، واحتمال أنهما نسيا أداءه، إلى غير ذلك من الظنون المحتملة، لكنها ضعيفة، فعملت الشريعة بالظنون الراجحة وأسقطت الظنون المرجوحة.
والمرأة يعقد عليها الإنسان ويستحل فرجها بكلمة الله عز وجل ويأخذها بأمانة الله، وأحكام النكاح مبنية في كثير من المسائل على غلبة الظن، كذلك أيضاً بالنسبة لأحكام الطلاق، فإنها لا تُبنى على الظنون الفاسدة، ولا يعول فيها على الظن الفاسد، فلو أنه دخل عنده وسواس وشكٌ بسيط أنه طلق زوجته فإنه لا يُلتفت إلى هذا الظن ولا يلتفت إلى هذا الوسواس ولا يعول عليه، ولو دخل له هذا الوسواس والظن المرجوح أنه حصل منه ظهار فإنه لا يلتفت إليه ما لم يتحقق ويستيقن أو يغلب على ظنه.
إذاً: الظن الفاسد لا يعمل به.
النوع الثاني: الظن الراجح: وهو عكس الفاسد، وذكرنا أن الشريعة تعمل به وتحكم به، وذكرنا أمثلته.
النوع الثالث: العلم القطعي، فإذا كان الظن الراجح يعمل به فمن باب أولى المقطوع به.
النوع الرابع الذي سنتحدث عنه اليوم: وهو الظن المتردد المحتمل، الذي لا مزية لأحد طرفيه على الآخر، بحيث يشك شكاً مستوي الطرفين.
فمثلاً: يشك هل طلق زوجته أو لم يطلقها، شكاً مستوي الطرفين، ولا يستطيع أن يرجح أنه ما تلفظ بالطلاق ولا يستطيع أن يرجح أنه تلفظ بالطلاق؛ فهل تطلق عليه زوجته؟ كذلك أيضاً لو حصل هذا الشك في عدد الطلقات، أو حصل الشك في إثبات ما ينبغي عليه وقوع الطلاق، أو نفي ما نفيه وقوع للطلاق، فكل ذلك يكون فيه الظن متردداً حتى نقول: إنه شك، فلا نقول بوجود الشك إلا عند استواء الاحتمالين استواء تاماً كاملاً لا مزية لأحدهما على الآخر.

الوسواس القهري

وقد بين المصنف رحمه الله أنه سيذكر جملة من المسائل المتعلقة بالشكوك في الطلاق، وباب الشكوك في الطلاق يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون بسبب مرضٍ يعتري الإنسان وهو الذي يعرف بالوسواس، سواء كان وسواساً قهرياً أو وسواساً معتاداً معه، فهذا النوع الأمر فيه أوسع، والله عز وجل ألغى أحكام الوسوسة وأمر المكلف ألَّا يشتغل بها.

علاج الوسوسة

والمنبغي على من ابتلي بالوسوسة أن يلزم أمرين هامين، فيجعل الله بهما فرجاً ومخرجاً:

ذكر الله عز وجل

أولهما وأعظمهما: ذكر الله عز وجل وكثرة الدعاء، والاستعاذة بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم.
فذكر الله سواء بالاستعاذة أو بالدعاء، أو بأذكار الصباح والمساء، لا شك أنه أعظم وأنجح وأفضل ما يكون للموسوس، حتى إنه لو وجد الوسوسة مع هذه الأذكار فليعلم أنه لا يقول الأذكار بحضور قلبٍ وقوة يقين، فيؤتَى من نفسه، فيرجع إلى نفسه ويقوي يقينه بالله؛ لأن الإنسان إذا ابتلي بالوسوسة يحرص كل الحرص على أن يجعل الوسوسة أكبر من الله عز وجل والعياذ بالله، ويعتقد أنها ليس لها حل ولا علاج؛ ولذلك تجد من تسلطت عليه الوسوسة في مثل هذه الحالة قد بلغ إلى درجة اليأس، وقد تسلط الشيطان على قلبه والعياذ بالله؛ لكن إذا ظن في قرارة قلبه أن الله أكبر من هذا، وأن الله أعظم من هذا، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، فإن الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً.
ولقد ابتلي بعض الصالحين بهذا البلاء حتى كان بلاءً شديداً عليه في نفسه وفي عبادته، وحتى مع زوجه وأهله، واشتكى إلى بعض أهل العلم فأمروه أن يكون قوي اليقين بالله عز وجل، وأن يشكو أمره إلى الله عز وجل، فصلى ودعا الله عز وجل، قال: فما شعرت إلا وأنا في التشهد، فسألت الله بصدق، وإذا بشيء شديد الحرارة في أسفل بدني يؤذيني قال: فلما سلمت كان آخر عهدي بالوسوسة، فما بقي منها شيء ألبتة.
وقد كان بحالة لا يحسد عليها، فقد بلغ به أنه يدخل للغسل من الجنابة قبل صلاة الفجر بساعتين ولا يخرج من دورة المياه إلا بعد طلوع الشمس بثلاث ساعات أو بساعتين على الأقل، وهذا من شدة ما كان يجد، نسأل الله السلامة والعافية؛ فاشتكى إلى بعض أهل العلم، فقال له: اشتكِ إلى ربك، واسأل الله بصدق فإن الله لا يخيبك، وإذا سألت الله بيقين فإن الله لا يضيعك، وصلِّ وأنت تستشعر أنك أمام الله واعبده كأنك تراه، فأنت لما جئت تشتكي وجلست أمامي تسرد لي حوادثك وأنا مخلوق ضعيف لا أغني لك من الله شيئاً، فكيف وأنت تقف أمام ربك تشتكي عدوك الشيطان بقوة يقين وصدق التجاء إلى الله عز وجل، وأبشر بكل خير.
قال: فتوضأت وصليت، وهذه وقعت منذ سافر إلى العمرة، ولما طاف الطواف اشتكى إلى ربه ثم صلى ركعتي الطواف، ففي ركعتي الطواف سأل الله عز وجل وهو أمام بيته مستشعراً وقوفه أمام الله، معتقداً أن الله أكبر من هذه الوسوسة، فعافاه الله.
وكان يقول: كان الشيطان يقول لي: مستحيل، حتى أني أظن أنني سأصبح مجنوناً من شدة ما أجد من الوسوسة، وهو من أفاضل أهل العلم، قال: فلما سألت الله سبحانه وتعالى بصدق وأنا في التشهد شعرت بهذا الأمر الغريب في قدمي، فلما سلمت كان آخر عهدي بما كنت أجد: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:4].
فمن ابتلاه الله عز وجل بهذا فعليه أن يحسن الظن، فربما أن هذه الوسوسة تبلغه درجة في الجنة لا ينالها بكثير صلاة ولا صيام، فيحتفي، ولذلك يأتي الشيطان للإنسان ويقول له: أنت لا تؤجر على هذه الوسوسة.
وهنا أنبه إلى أن بعض طلاب العلم وبعض من يفتي أصلحهم الله يسيء التعامل في مثل هذه الأمور، فيقول للإنسان: لماذا تفعل هذا، ويخاصمه، ولربما يغلظ له القول، فإذا كان مريضاً فلا يغلظ عليه، بل يؤخذ بالتي هي أحسن؛ لأن مثل هذا كالغريق يحاول معه بالرفق وباللين علَّ الله سبحانه وتعالى أن يجعل له فرجاً ومخرجاً، فإذا داوم على الأذكار، والدعاء ووجد أن الوسوسة موجودة، فمن الأمور الطيبة المستحبة التي ينبغي أن ينبه عليها من ابتلي بهذا أن يقال له: لولا الله ثم الدعاء لكنت في حال أسوأ من الحال الذي أنت فيه.
فهذا يزيد يقينه في الذكر لله عز وجل، ويقال له: لو لم تدع لكان الأمر أسوأ، فيتشبث ويحس أن الذكر له سلطانٌ على قلبه، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى لا يخلف الميعاد، وهو أصدق حديثاً، وقد قال تقدست أسماؤه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:152]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:45] فإنه يوصى بالذكر، فإن لم يجد في نفسه أثراً فليتهم نفسه بضعف اليقين، فإن وجد أنه صدق وسأل فلربما أراد الله له خيراً لا يعلمه، وفضلاً ينتظره بهذا البلاء فيحتسب الأجر والثواب من الله.

الأخذ بالأسباب

أما الأمر الثاني الذي يوصى به من ابتلي بالوسوسة: فأن يأخذ بالأسباب، وهذا الأمر فيه جانبان هامان: الجانب الأول: الارتباط بالعلماء: أن يرتبط الموسوس بطالب علم أو بشيخ، ولا يفتي نفسه، فإذا أفتاه ذلك العالم، أو من عنده علم وبصيرة فليعمل بفتواه ولا يلتفت إلى أي شيء سواه.
مثلاً: يشك أنه طلق زوجته أو لم يطلقها، فجاء يسأل الشيخ عن مسألته في الوسوسة التي وجدها، فإن قال له: ما وقع الطلاق، فعليه أن يتقبل الفتوى بصدرٍ منشرح؛ لأنه بين الشيطان وبين العالم، فإما أن يصدق الشيطان وإما أن يصدق العالم، فإن صدق الشيطان استهوته الشياطين والعياذ بالله، فأصبح حيران في الأرض؛ ولذلك تجد من يبتلى بالوسوسة ويرتبط بالعلماء يكون أمره أرحم وأخف من الذي لا يرتبط بأهل العلم.
ويستحسن للعلماء والأئمة والمشايخ وأهل الفتوى إذا جاءهم إنسان وعرفوا أن فيه وسوسة، وكانت أوقاتهم وظروفهم لا تسمح لهم بالإجابة على أسئلته أن يحيلوه على من عنده صبر وتحمل وجلد أكثر؛ لأنه سيصل العالم إلى درجة صعبة جداً؛ لأن الموسوس لا يملك نفسه، حتى إن بعضهم من الحوادث التي كانت تمر بنا يمكن أن يجلس مع العالم ويسأله عشرين مسألة مما يمر به -نسأل الله السلامة والعافية- ويخرج من الباب ثم يرجع بعد دقائق يسيرة ويقول: زوجتي حلال لي؟! وذلك من شدة ما يجد من الوسوسة.
فيحتاج إلى إنسان عنده صبر وتحمل، ومع ذلك نقول لأهل العلم وطلابه: ما أعظم جزاءهم عند الله عز وجل! وما أعظم ثوابهم إذا استشعروا أنهم يفرجون كربة المكروب بإذن الله عز وجل، وأنهم يوسعون على إخوانهم! وأنهم مع المبتلى في بلائه: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
فانظر رحمك الله: إذا كان العون في أحب الأشياء إلى الله وهو العلم النافع، فلا شك أن أمره أعظم، وما ارتفعت درجات العلماء، ولا نالوا الدرجات العلا في الجنة إلا بفضل الله وبمثل هذه الابتلاءات، فالعلم كما أنه يرفع الإنسان لا بد أن يدفع ثمنه، وأن يضحي.
وينبغي على من ابتلي بشيء من الوسواس أن يشفق على العلماء الذين عندهم مسئوليات أعظم، وأن يعلم أنهم ارتبطوا بأكثر من أمر فيرتبط بمن دونهم وممن هو أكثر فراغاً، خاصة في هذه الأزمنة التي قل أن تجد فيها من يضبط العلم ومن يحسن الفتوى، فإذا سأل العلماء المفتين الجهابذة كان الأمر أصعب، وربما إذا ارتبط بعالم من هؤلاء العلماء أحرجه، وقال له كلمة، أو تصرف معه تصرفاً نابياً، وعليه أن يسكت، فوالله لو يعلم الناس ما يجده أهل العلم من تحمل المشاق والمتاعب لأشفقوا عليهم، فينبغي للمبتلى بالوسوسة أن يتسع صدره، ويختار عالماً عنده من الفراغ والوقت ما يعينه على إجابته.
الجانب الثاني: من الأسباب المهمة أنه إذا سأل عالماً وارتبط به فهناك أمر مهم جداً، وهو أنه بمجرد ما يسأل العالم يشككه الشيطان في الفتوى، فتارة يقول له: لم تبين للشيخ حقيقة الأمر.
يعني: يوسوس له في جانبٍ غير الجانب الذي كان فيه، فيقول له: أنت ما وضحت للشيخ، فيرجع المسكين مرة ثانية ليعيد السؤال مرة ثانية عليه؛ لأنه يحس أنه لم يفهم الشيخ السؤال كما ينبغي؛ ولذلك كان بعض العلماء من مشايخنا رحمة الله عليهم إذا سأله موسوس يعيد السؤال عليه مرة ومرتين مع أن الموسوس ما سأله أن يعيد، ويقول له: أنت تقصد كذا؟ يقول له: نعم، فيعيده مرة ثانية ويقول له: أنت تقصد كذا؟ فيقول له: نعم، قال: حتى تعلم أني فهمتك؛ فيخرج بصدر منشرح وبنفس واثقة أنه قد بلغت رسالته للعالم، وهذا من فطنة العالم وحكمته وذكائه، وهذا فتح من الله عز وجل له.
وإنما يقولون: طلب العلم على علماء لهم قدر راسخ في العلم أبرك وأكثر فائدة؛ لمثل هذه الفوائد مع الخبرة ومع أخذهم للعلم عمن هو أعلم، فيركز العالم في نوعية السائل، ولذلك كانوا يقولون: الفتوى لها فقه، وهذا الفقه هو معرفة السائل والمستفتي.
الموسوس يدخل عليه الشيطان بأمور كثيرة فالذي يريد أن يقف مع الموسوس في الفتاوى عليه دائماً أن ينزل نفسه منزلة الموسوس، فبذلك يتسع صدره لضيقه، ويتحمل كثيراً مما يكون من هذا الموسوس، ولا شك أن من أفضل وأصلح ما تكون من الدعوات دعوات أمثال هؤلاء؛ لأنه يدخل عليه بكرب لا يعلمه إلا الله، ويخرج من عنده بنفس غير النفس التي دخل بها، فربما دعا له من أعماق قلبه دعوة تكون سبباً في سعادته في الدنيا والآخرة، فيحتسب في مثل هؤلاء، فيحرص على أن يشعره أنه فهم قوله.
وينبغي للعالم إذا سأله الموسوس أن يسأله: هل بقي في السؤال شيء؟ هل هناك جوانب أخرى؟ وبعض مشايخنا رحمة الله عليهم، كان يقول للموسوس إذا سأل المسألة: اسمع! أنت سألت عن كذا وكذا، فيعيد له السؤال مرتين، ثم يقول له: اعلم أن الذي يهم في الفتوى هو الذي ذكرته، يعني: ليس هناك شيء آخر أحتاج أن أسألك عنه، ولو كان هناك شيء احتجت أن أسألك عنه لسألتك، وذلك حتى إذا خرج الموسوس من عند العالم وجاءه الشيطان وقال له: هناك جانب آخر لم تذكره، فتحتاج أن ترجع مرة ثانية، ثم يصدق الشيطان، لأنه عندما يقول له العالم: إن المهم في السؤال هو كذا كذا، وحالك على كذا وكذا، وأي شيء آخر زائد عن هذا فاعلم أنه لا يؤثر في الفتوى، فيعلم أنه ملزم بهذه الفتوى، وأن الذي أجابه به العالم هو الذي عليه العمل.

العمل بالفتوى

النقطة الثالثة: أن يكون عند الموسوس شعور أن ما أفتاه به العالم هو الذي عليه العمل ولو كان الأمر على خلافه.
أي: لو أنه سأل وما تذكر عند السؤال إلا هذا الأمر وسأل العالم عن هذا الأمر وأفتاه وقال له: زوجتك حلال؛ فهي حلال؛ لأنه ما تذكر الموسوس شيئاً آخر فليس بملزم، ويكون العمل على هذه الفتوى حتى يتبين ما يناقضها ويخالفها.
ولذلك يقولون: هذا من ناحية الحكم القضائي، وفيما بينه وبين الله عز وجل إذا جاءه الشيطان وقال له: كيف تستحل هذه المرأة وقد طلقتها؟ يقول: سألت عالماً وقال لي: زوجتي حلال، فأنا استحلها بما أفتى به أهل العلم، فإذا أصبح يرتبط بأهل العلم ارتاح.
ولذلك إذا صلى وجاءه الشيطان وقال له: كيف تصلي ووضوؤك مشكوكٌ فيه؟ يقول: سألت من يوثق بعلمه فأفتاني أن صلاتي صحيحة، ألا ترى أن المستحاضة تصلي ودمها يجري معها، وهي صلاة صحيحة شرعاً، فدل على أن الابتلاءات مقرونة بتقوى الله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:37].
وما دام أن الموسوس اتقى ربه وسأل العالم، وأنزل المسألة بأهل العلم فأجيب بالجواب المعتبر شرعاً؛ فإنه يتعبد لله عز وجل بما أُجيب به، في مسائل العبادات والمعاملات، ويجري الموسوس كل أموره على هذا الأصل.

البعد عن المظالم

أما الجوانب الأخرى التي ينبه عليها من الأسباب التي تدفع الوسوسة فأعظمها البعد عن المظالم، فربما أصيب الإنسان بالوسوسة بسبب عقوقٍ للوالدين، أو قطيعة للرحم، أو أكل مالٍ لمظلوم، أو يتيم، أو محروم، فعليه أن يتفقد نفسه في المظالم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11] فيراقب نفسه هل آذى أحداً؟ هل شتم أحداً؟ هل تكلم في عالم من العلماء فسلط الله عليه نفسه فأشغله عن أهل العلم؟ فربما جلس يتفكه بلحوم العلماء فابتلاه الله بلية نفسه حتى أصبح لا يعرف كيف يصلي والعياذ بالله، وكذلك ربما آذى مسلماً، أو قذف محصناً، أو تكلم في عرض مؤمن، أو نقل شائعة، أو ذم ولياً من أولياء الله، أو انتقصه حقا، أو ظلمه، أو غمطه؛ فغضب الله عز وجل عليه، وسلط عليه هذا البلاء فأشغله في نفسه.
وغالباً ما يكون البلاء من جنس العمل، فالذي يبتلى بالوسوسة في دينه عليه أن يراقب ما يكون في أمور الدين، ومن أعظمها ما يتصل بحقوق من له حق في الدين، كالأنبياء والعلماء وصالحي عباد الله الأخيار، فهؤلاء يتقي مظالمهم؛ فإنه من المجرب والمعروف أنه ما آذى أحدٌ أهل العلم أو أولياء الله إلا سلط الله عليه في نفسه، فأشغلهم عنهم بما يشاء، كما قال الله لنبيه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:137]. فالوساوس كثيراً ما تأتي بسبب المظالم، وقد وجدنا بعض الناس يبتلى بالوسوسة، فلما تفقد حاله وجد أنه عاقٌ لأمه، ومنهم من ابتلي بالوسوسة بعد أن قطع الإحسان إلى أبيه، ومنهم من ابتلي بالوسوسة بسبب موقف بينه وبين أبيه في خصومة والعياذ بالله فأساء إلى أبيه أمام إخوانه، أو أمام أولاده، فنزلت عليه هذه العقوبة والعياذ بالله.
ويعلم الله أني أعرف حوادث في الوسوسة لأناس عقوا والديهم فغيروا ما بينهم وبين والديهم فرجعت أمورهم على أحسن ما يكون، فعقوق الوالدين من أعظم أسباب الوساوس؛ لأن الوسوسة شغلٌ للإنسان في نفسه والعياذ بالله، والعقوق من الذنوب العظيمة، وقطيعة الرحم كذلك، وربما جاء الرحم بحاجة إلى مال أو مساعدة أو معونة؛ جاء مكروباً منكوباً مفجوعاً، فوقف على ذي الرحم منه وسأله وناشده بالله والرحم، فصرفه عن بابه مكسور الخاطر فدعا عليه، وعلى هذا ينبغي للإنسان أن يحذر من المظالم؛ لأنها من أسباب الابتلاء بمثل هذه الأمور.

إحسان الظن بالله عز وجل والتقرب إليه بالصالحات

كذلك: عليه أن يحسن الظن بالله عز وجل، والله سيجعل له فرجاً ومخرجاً بالصدقات، والتقرب إليه بالطاعات، ويتخذ له وسيلة بينه وبين الله عز وجل من الحسنات الطيبة؛ لأن الله تعالى يتقبل الأعمال والدعاء، ويتقبل الدعاء بالوسيلة الصالحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:35] فأمرنا أن نبتغي إليه سبحانه الوسيلة.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل من أسباب رفع البلاء الوسيلة الصالحة، فقال في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (إذا رأيتم خسوف القمر وانكساف الشمس فصلوا وادعوا -وفي رواية- تصدقوا -استغفروا- حتى ينجلي ما بكم) فجعل الأعمال الصالحة وسيلة لدفع البلاء، فهذا إذا كان البلاء عاماً فكيف إذا كان البلاء خاصاً؟! فإن الله لا يعجزه شيء.
وانظر رحمك الله إلى قول رسول الأمة صلوات الله وسلامه عليه: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) وانظر إلى عبدٍ مخلوقٍ إذا غضب كيف يكون حاله، فما بالك إذا غضب الرب سبحانه وتعالى، فالمخلوق الضعيف كالوالد إذا غضب ومن له قوة وصولة وسلطة، إذا رأيته غضب ارتعدت الفرائص من هيبته، فما بالك بجبار السماوات والأرض الذي لا يعجزه شيء إذا غضب سبحانه؟ ومع ذلك يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أن الصدقة تطفئ غضب الرب، وإطفاء الشيء ذهابه بالكلية.
فهذا يدل على فضل الصدقات، وأنها من أعظم الوسائل والقربات التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه، فمن ابتلي بالوسوسة فليتقرب إلى الله عز وجل بالصدقة.

الوسوسة العارضة

أما النوع الثاني من الوسوسة فهي: الوسوسة العارضة، والشك العارض الذي يكون بسبب التلفظ بكلمة، ويدخل على الإنسان النسيان ولا يدري هل تلفظ بها كاملة فطلق ثلاثاً، أو تلفظ بها ناقصة فطلق طلقة واحدة، وهذا شكٌ في العدد.
أو هل تلفظ أو لم يتلفظ، وهذا شكٌ في الوقوع.
وهاتان الحالتان بالنسبة للشك في الطلاق وغيره سنرجئ الكلام عليها إلى المجلس القادم بإذن الله تعالى.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.

الأسئلة

التعليق في الطلاق

السؤال

إذا قال الرجل لزوجته: إن سرقت مالي فأنت طالق، فسرقت غير النقود، فهل يأخذ حكم المال فتطلق؛ أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن المال يطلق على كل شيء له قيمة، كل شيء له قيمة فهو مال، ولا يختص المال بالذهب والفضة، فالناس تظن أن الأموال خاصة بالذهب والفضة، ولكن نصوص الشريعة دلت على أن المال عام شاملٌ لكل شيء له قيمة، لما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من صاحب مالٍ لا يؤدي زكاته) ثم ذكر الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، فسمى الإبل والبقر والغنم مالاً، فدل على أن المال لا يختص بالذهب والفضة.
وكذلك ثبت في الصحيح من حديث الأعمى والأقرع والأبرص أن الأعمى قال للملك لما جاءه في صورة الفقير: (كنت فقيراً فأغناني الله، وكنت أعمى فرد الله علي بصري، فدونك الوادي فخذ من مالي ما شئت، فقال الملك: أمسك عليك مالك، فقد أنجاك الله وأهلك صاحبيك) فقال: (أمسك عليك مالك)، مع أن ماله غنم، فدل على أن المال لا يختص بالذهب والفضة، ولذلك يقولون: المال كل شيء له قيمة.
وقالوا: سمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ ومن ليس عنده مالُ فعنه الناس قد مالوا الناس لا تميل إلا لمن عنده مال، فمسي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه وتحبه، فلا يختص بالذهب والفضة، فإذا قال لها: إن سرقت من مالي، وقصد الذهب والفضة؛ نفعته نيته؛ لأن هذا تخصيص ونيته نافعة فيما بينه وبين الله عز وجل، وأما في القضاء فإنه إذا قصد التخصيص وبيَّن، نفعه ذلك وحُكِم به.
والله تعالى أعلم.

حكم تكرار العمرة للمكي

السؤال

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) فهل يشرعُ للمكي الإكثار من العمرة أم أن الطواف بالبيت يكفيه ويدرك هذا الأجر أثابكم الله؟

الجواب

قد اختلف العلماء رحمهم الله في العمرة للمكي، فجمهور العلماء على صحة العمرة من المكي، وجوازها ومشروعيتها له؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت من مكة وأخذت حكم مكة ونزلت وأحرمت من أدنى الحل وهو التنعيم، ورخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، قالوا: فهذا أصل على أنه يشرع لمن كان من مكة؛ ولأن المكي يتمتع في أصح قولي العلماء، ويدل على ذلك عموم قوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:196] أي: أن الهدي لازم على غير المكي، أما المكي إن تمتع فلا هدي عليه، والشاهد أنه إذا كان المكي يتمتع فإنه قطعاً ستقع منه العمرة.
والقول الثاني: أن المكي لا يعتمر وشددوا في العمرة له وهو قولٌ عند الحنابلة رحمهم الله، واختاره بعض المتأخرين، وكان عطاء رحمه الله يقول: (لا أدري هؤلاء الذين يذهبون إلى التنعيم) كأنه يشدد ويرى أن طوافهم بالبيت أفضل من اشتغالهم بالذهاب إلى التنعيم والرجوع؛ لأن العمرة يقصد منها الطواف بالبيت فإذا كانت هذه الخطوات التي سيذهب بها إلى التنعيم يسددها في طواف البيت فهذا أفضل له.
فلو قيل من جهة الأفضلية ساغ أن يقال له: إن الأفضل له أن يطوف بالبيت، وأن يستكثر من الطواف؛ لأن المقصود من العمرة هو الطواف بالبيت لا أن معنى ذلك حرمة العمرة عليه، ومنعه منها.
والله تعالى أعلم.
أما تكرار العمرة ففيه خلاف بين العلماء، وجمهور العلماء على أنه يجوز للمسلم أن يكرر العمرة في العام أكثر من مرة، وهذا مذهب جمهور العلماء، وشدد في هذه المسألة الإمام مالك بن أنس رحمه الله بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر إلا مرة واحدة في العام، ولكن قوله مرجوح؛ لأن هذا الذي فعله عليه الصلاة والسلام ليس على سبيل الإلزام، إذ إن المعلوم أن عمره عليه الصلاة والسلام معدودة، ولو قيل بظاهر هذا للزم أن الإنسان لا يعتمر في عمره إلا بعدد ما اعتمر عليه الصلاة والسلام، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله خشية أن يفرض على الأمة.
ومما يدل على مشروعية تكرار العمرة دليلان قويان: أولهما: هذا الحديث: (العمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة؛ مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فهذا يدل على فضل الإكثار من العمرة.
الدليل الثاني وهو من أقوى الأدلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي إلى قباء كل سبت، ومن المعلوم أن المجيء إلى قباء كان لقصد فضيلة العمرة وأجرها.
فدل هذا على أنه لا بأس ولا حرج على المسلم أن يكثر من العمرة؛ ولأن الأصل جوازها حتى يدل الدليل على منعها وتحريمها.
وجمهور السلف رحمهم الله على مشروعية تكرار العمرة، وليس في ذلك حد معين بحيث يقال: كل أربعين يوم، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أيام؛ فالأمر في ذلك مطلق من الشرع، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه، ومن أراد أن يقيد فإنه ملزمٌ بالدليل الذي يدل على ذلك التقييد.
والله تعالى أعلم.

حكم أكل المتمتع من الهدي

السؤال

هل يجوز للمتمتع أن يأكل من الهدي، أم هو خاصٌ بفقراء الحرم أثابكم الله؟

الجواب

هذا فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله: واختار جمعٌ من العلماء أن الهدي شكرٌ لنعمة الله عز وجل على المتمتع، ولذلك يأكل منه، ويقوي هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هديه، وقد نحر عليه الصلاة والسلام من هدي حجه وهديه للبيت ثلاثاً وستين بدنة، وأتم علي رضي الله عنه على أصح أقوال العلماء الباقي إلى مائة، ثم أمر بها فطبخت، فشرب عليه الصلاة والسلام من مرقها، فلو كان لا يأكل من هديه لما أكل عليه الصلاة والسلام من هديه، ولنا فيه -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- أسوة حسنة! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

شرح زاد المستقنع -

الشك في الطلاق [2]

من مسائل الطلاق ما يقع الشك فيها، وذلك لأن المطلق معرض للنسيان والخطأ، والشك إما أن يكون في وقوع الطلاق أو شرطه أو عدد الطلقات، وقد بين الفقهاء أحكام ذلك، ومآخذ الأحكام التي حملتهم على ذلك.
كما أنه قد يطلق الرجل لفظ الطلاق على زوجتيه أو أزواجه مبهماً للمطلقة غير معين لها، أو معلقاً له على شرط ثم يشك في وقوعه أو يجهله، وهذه مسائل قد تقع لأي مسلم، فكان من المهم أن يتعلم المسلم أحكامها وتفصيلاتها وأدلتها.

مسائل الشك في الطلاق

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد: فقد ترجم الإمام المصنف رحمه الله بهذه الترجمة التي تتعلق بمسائل الشكوك في الطلاق، فقال: [باب الشك في الطلاق].
وقد تقدم بيان مقدمات الشكوك وما يعتري الإنسان من الوسوسة في الطلاق، وبينا هدي الشريعة الإسلامية في ذلك، وقد اعتنى أئمة الإسلام وفقهاؤه ببيان الأحكام المتعلقة بالشكوك سواء كانت في العبادات أو المعاملات.
ومن أشهر المواضع التي تُبْحَث فيها مسائل الشكوك: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة عند بيان مسائل الشك في باب السهو، وكذلك أيضاً تذكر في باب الآنية جملةٌ من مسائل الشكوك، فتذكر في كتاب الطهارة والصلاة وجملةٌ من مسائل الصوم والحج، ثم في كتاب المعاملات تقع كثير مسائل الشكوك، ويعتني العلماء رحمهم الله ببيانها في باب الطلاق، وتعم بها البلوى، ويكثر عنها السؤال، وتكثر منها الشكوى.
وقد ذكرنا ما يتعلق بالشك في الطلاق إلا أننا ننبه أن الشك قد يقوى على الإنسان ويتسلط عليه إلى درجةٍ يفقد فيها التحكم بنفسه، وفي هذه الحالة ربما بلغ به الأمر أنه يتلفظ بالطلاق حقيقةً مع أن الله مطلعٌ على سريرته وقلبه أنه لا يريد الطلاق، وأنه لا يقصده؛ ولكن تهجم عليه الوساوس شيئاً فشيئاً حتى يتكلم ويهذي، وحينئذٍ فالأشبه أنه قد وصل إلى حالةٍ يسقط عنه فيها التكليف.
ولذلك كان بعض مشايخنا رحمةُ الله عليهم يراعون درجات الوسوسة والشكوك في الطلاق، فهناك درجات في ابتداء الطلاق، وفي ابتداء الوسوسة، وابتداء الشكوك، ودرجات مستفحلة أشبه بالمرض، فمثلها ينبغي للفقيه ألَّا يتعجل في الفتوى فيها، وعليه أن يسبر حال السائل وألَّا يتعجل في الجواب، وهذا من فقه الفتوى؛ ولذلك كان بعض العلماء رحمهم الله يحذر من الفتوى في مسائل الطلاق في الشكوك، ويتريث في جواب السائل، خوفاً من أن يفتيه بتحريم ما أحل الله له دون استبيان من حاله.

صور الشك في الطلاق

قال رحمه الله: [من شك في طلاقٍ أو شرطه لم يلزمه] الشك في الطلاق له صور: الصورة الأولى: أن يكون شكاً في وقوع الطلاق.
والصورة الثانية: أن يكون شكاً في حصول الشرط الذي رتب الطلاق على وقوعه.
والصورة الثالثة: الشك في عدد الطلاق.

الصورة الأولى: أن يكون الشك في وقوع الطلاق

ففي الحالة الأولى: يشك في وجود الطلاق وعدم وجوده.
أي: هل تلفظ بالطلاق أو لم يتلفظ؟! وحينئذٍ يُلْزَم شرعاً بالرجوع إلى الأصل، ويقال له: الأصل العدم حتى يدل الدليل على الوجود.
ثم هناك أصلٌ ثانٍ: وهو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل: أن الزوجة زوجتك، وأنها امرأتك، وأنها حلالٌ لك بحكم الله عز وجل، فأنت باقٍ على هذا الأصل، وتستصحبه لعدم قوة المزيل.
وعلى كل حال فلا تطلق عليه زوجته.
مثال ذلك: لو أن شخصاً جاءه الشيطان فقال له: تلفظت بالطلاق.
فقال: ما تلفظت، فحصل له شك وتردد، وأصبح في شك هل طلق زوجته أو لم يطلقها، هل وقع منه الطلاق أو لم يقع، أو نبست شفتاه به وتحركت؟ ففي جميع ذلك يقال له: الأصل أنك لم تتلفظ حتى يثبت أنك تلفظت وقلت الطلاق، هذا بالنسبة لوجود الطلاق، هل وجد منه طلاق أو لم يوجد؟ فنقول: الأصل العدم حتى يدل الدليل على الوجود، ثم نقول: هذه زوجته؛ لأن القاعدة الشرعية تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فالذي كان: أنها زوجته، والأصل بقاء ما كان وهي كونها زوجةً له، على ما كان، أي: على حال العصمة والزوجية وهو ما يسمى بـ (استصحاب حكم الأصل).

الصورة الثانية: أن يكون الشك في الشرط

أما النوع الثاني: وهو الشك في الشرط فمثاله: قال: إن فعلت كذا وكذا فامرأتي طالق، ثم شك هل فعل أو لم يفعل؟ أو قال في شرطٍ عدمي: إن لم أفعل فزوجتي طالق، وشك هل فعل فزوجته لم تطلق أو لم يفعل فزوجته طالق.
للعلماء في هذا الشرط أقوال: فمنهم من قال: يفرق بين الشرط العدمي (إن لم أفعل، إن لم أقل) فلا يقع لأن الأصل العدم، وبين غيره وهو الوجودي.
والصحيح: أنه لا فرق بين العدمي الوجودي، وأنه إذا شك في الشرط هل تحقق حتى يقع الطلاق أو لم يتحقق، فإننا نقول: تبقى على الأصل: أن لا طلاق حتى تتحقق من وقوع الشرط وثبوته، مثل ما تقدم معنا في مسألة وجود الطلاق وعدمه.
وفي كلتا الصورتين الأولى والثانية، الشك في الوجود وعدمه، والشك في تحقق الشرط وعدمه، يكون التردد بين وقوع الطلاق وعدم وقوع الطلاق، فحينئذٍ يتردد بين الأمرين، أي: بين ما يوجب ثبوت وقوع الطلاق وبين ما يمنع من وقوع الطلاق ويدل على بقاء الزوجية.

الصورة الثالثة: أن يكون الشك في عدد الطلاق

في الصورة الثالثة: أن يتحقق من وقوع الطلاق ولكن لا يدري كم طلق زوجته، فقال: قلت لامرأتي أنت طالق وأشك، هل طلقتها ثلاثاً أو اثنتين أو واحدة؟ فنقول: يبنى على الأقل، فإن قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهذه ثلاث تطليقات، وفي الأصل: أن من تلفظ بالطلاق ناوياً الطلاق ثلاثاً -كما تقدم معنا- أنه تنفذ عليه الثلاث في مجلسٍ واحد أو كلمةٍ واحدة، كما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانعقد عليه سواد الأمة الأعظم، ولا مخالف له من الصحابة في مواجهته حينما أفتى به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا تلفظ بهذا فالأصل أنه ملزمٌ بالثلاث، لكن لو أنه شك هل الذي قاله: طلقتين أو قال: ثلاث تطليقات فإنه يبني على اثنتين؛ لأنه إذا شك هل طلق واحدةً أو اثنتين فهو لا يشك أنه طلق واحدة، والشك في الطلقة الثانية هل وقعت أو لم تقع، وإذا شك هل طلق طلقتين أو ثلاثاً فإنه يجزم بأن الاثنتين وقعتا، ولكن الشك في الثالثة هل وقعت أو لم تقع! فالأصل أن يبني على الأقل، وقد بينا هذه المسألة وذكرنا كلام العلماء رحمهم الله فيها وأشرنا إلى قاعدتها الأصلية: (اليقين لا يزال بالشك) وذكرنا الفروع التي بناها العلماء في المسائل المتقدمة معنا في كتاب العبادات، فيقال: من شك هل طلق طلقتين أو ثلاثاً بنى على اثنتين، ومن شك هل طلق واحدةً أو اثنتين بنى على واحدة؟ إذاً الثلاث الصور: وقوع الطلاق وعدم وقوعه، والشك في الشرط هل وقع فيقع الطلاق أو لم يقع فلا طلاق، أو الشك في العدد؛ فإن الكل يجري فيه الزوج على اليقين، أما الزوجة فزوجته حتى يتحقق من ثبوت موجب الطلاق.
وهذا من رحمة الله لعباده، وتيسير الله عز وجل على هذه الأمة التي وضع عنها الآصار، ولو تصور المسلم أن الله آخذ كل من شك بشكه لما استقامت الحياة للإنسان، وقل أن تجد إنساناً إلا وقد ابتلاه الله بشيءٍ من حديث النفس في أمرٍ من أموره، ولذلك لو فتح باب الوسوسة لأصبح الناس في عناءٍ وضيق وحرج لا يعلمه إلا الله، فالحمد لله الذي لطف بعباده، ويسر علينا، وهدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وقول المصنف: [وإن شك في عدده فطلقة وتباح له].
هذه الجملة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن قوله: (إن شك في عدده) هذا إذا شك: هل هو واحدة أو اثنتين يقال: واحدة، أما لو شك اثنتين أو ثلاثاً فإنه يبني على اثنتين قولاً واحداً عند العلماء أن من شك: هل طلق زوجته طلقتين أو ثلاثاً بنى على طلقتين؛ لأنه متيقن أنها طلقتان وشاك في الثالثة هل وقعت أو لم تقع؛ مثلما ذكرنا في الصلاة.
والأصل في هذا كله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر اثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن على ثلاث، ثم إذا تشهد فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) الحديث.
هذا الحديث الثابت في الصحيح كما في رواية ابن عباس أصل عند العلماء رحمهم الله في البناء في الأعداد على الأقل، فمن شك هل صلى واحدة أو اثنتين بنى على واحدة، ومن شك في زكاته هل أخرج كل الزكاة أو نصف الزكاة بنى على أنه أخرج نصفها حتى يتحقق أنه قد أدى حق الله بأداء الكل.
والمرأة إذا كان عليها الحداد وشكت هل مر عليها أربعة أشهر وعشر، أو أربعة أشهر وتسعة أيام؛ بنت على أنها تسع حتى تتحقق من اليوم العاشر، ومن شك هل صام الشهرين متتابعين أو بقي له يوم أو يومان بنى على أنه لم يصم اليومين حتى يتحقق من ذلك.
وفي الزكاة لو أنه وجبت عليه مائة ألف، فشك هل أخرج تسعين ألفاً أو مائة ألف نقول: أنت على يقينٍ أنك أخرجت تسعين ألفاً وشككت من المائة، فالذي دفعته هو تسعون ألفاً حتى تتحقق أنك أكملتها مائة، فيجب عليه التمام والبناء على الأقل، والعكس: فلو شك هل بلغ ماله النصاب أو لم يبلغ فالأصل أنه لم يبلغ حتى يتحقق أنه وصل إلى العدد الذي هو نصاب ماله.
وكذلك أيضاً في الحج: فمن طاف وشك هل طاف سبعة أشواط أو ستة أشواط بنى على الستة، ومن سعى على الصفا والمروة وشك هل هذا الشوط هو الخامس أو السابع ولم يكن هناك قرينة، كما لو وقف على المروة وشك هل هو في الخامس أو السابع أو شك وهو على الصفا هل هو في الشوط الثاني أو في الشوط الرابع؛ فإنه يبني على الأقل وهو الثاني؛ لأنه على يقين من الأقل وعلى شكٍ مما زاد، فيبني على الأقل.
وكذلك في رمي الجمار، لو أنه شك هل رمى سبع حصيات أو ستاً، بنى على ستٍ حتى يتيقن أنه رمى السابعة.
وكذلك في المعاملات مثلما ذكرنا هنا في الطلاق: فلو أنه شك هل طلق طلقتين أو واحدة بنى على واحدة كما ذكر المصنف، وذكر الواحدة لأنها الأصل، وما زاد على ذلك يبنى على هذه المسألة، فإن شك هل طلق اثنتين أو ثلاثاً قلنا: يبني على اثنتين ولا يبني على واحدة؛ لأن الواحدة مفروغٌ منها، وإنما الشك هل هما طلقتان أو ثلاث تطليقات، فيقال: إنهما طلقتان حتى يتحقق أنه قد طلق الثالثة.
إذا جئت إلى أي مسألة من هذه المسائل فهناك أصلٌ وخارج عن الأصل، ففي الصلاة الأصل أنه مطالب بأربع ركعات والله فرضها عليه، وذمته مشغولةٌ بها، فإذا جاء يقول: أصليت أربعاً أو ثلاثاً، فنحن متأكدون أن ذمته قد فرغت من الثلاث وشككنا في الرابعة، فنرجع إلى الأصل أنه لم يؤدها حتى يتحقق أنه أداها، وكذا لو طاف بالبيت وشك هل هو في الشوط السابع أو في السادس نقول: إن الله فرض عليه أن يطوف سبعاً، فإذا تحقق من ستة وجب عليه أن يتم السابع كما أمره الله.
كذلك هنا في مسألة الطلاق: الأصل أنها زوجته وامرأته، فإذا شك هل طلقها ثلاثاً فهي بائنٌ منه أو طلقها طلقتين فليست ببائنة، فالأصل أنها زوجته، فكل شيء له أصل، فإذا عارضه ما لا يقوى على رفعه وهو من الشكوك والاحتمالات سقط الشك وبنى على اليقين، وهذا معنى قول العلماء: (اليقين لا يزول بالشك)، فاليقين في الطلاق أنها زوجته، ولا يزول بالشك وهو أنه حرمها بالثلاث.
وهكذا: اليقين لا يزول بالشك، فاليقين أنه طلق طلقتين، فلا يزال بالشك في الثالثة، واليقين أنه إذا شك واحدة أو اثنتين، فاليقين أنه طلق طلقة واحدة فلا نزيل يقين الواحدة بشك الثانية، وقس على ذلك بقية المسائل؛ فإنها مبينة على هذا الأصل الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة.

مسألة: إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق

قال رحمه الله: [فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق طلقت المنوية، وإلا من قرعت].
وهنا حالتان: الحالة الأولى: أن يميز من هي التي طلقها ويعينها في قرارة نفسه.
والحالة الثانية: ألا يميز، بأن يقول: إحداكما، ويرسلها هكذا فإذا قال: إحداكما طالق ونوى واحدة منهما، فمثلاً: كان بين امرأتيه وأراد أن يخوف الثانية حتى تتأدب بطلاق الأولى فقال لهما حينما تمالأتا عليه وعلم أن إحداهما هي شر وهي البلاء فقال: إحداكما طالق، فأراد أن تخاف الثانية وأن توقع على نفسها احتمال أنها مطلقة فترتدع وتدخلها الرهبة، وهو قاصدٌ في قرارة قلبه أن المطلقة خديجة، وأن الثانية وهي عائشة ليست بمطلقة، فحينئذٍ إذا عين وقال: قصدت عائشة أو قصدت خديجة عُمِل بالتعيين إجماعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات)، وفي التردد يرجع إلى النية، وهذا أصل في الشريعة.
ولذلك إذا قال أحدٌ كلاماً محتملاً فلا يجوز أن يجزم بأحد الاحتمالين حتى يعين ويقول: قصدت كذا أو أردت كذا، أما إذا لم يعين ولم يبين فإننا لا نجزم؛ لأن كلامه محتمل، والله عز وجل لم يجعل المحتمل كالصريح، ولم يجعل الواضح البين كالمبهم، فكل شيءٍ قد جعل له ربك قدراً، فلا يجوز أن يرفع عن قدره ولا أن يوضع عن حقه.
فعلى كل حال إذا قال: إحداكما طالق، وعين إحدى المرأتين؛ وجب الحكم بطلاق المعينة التي عينها.
فيقال له: من قصدت بالطلاق؟ فإن قال: خديجة أو عائشة حُكِم بطلاقها، فاللفظ متردد ورُجِع في تعيينه وزوال إبهامه، وتردده إلى المتلفظ وهو الزوج.
الحالة الثانية: ألا يكون هناك تعيين، ولها صور: منها أن يقول: إحداكما طالق ويموت.
ومنها أن يقول: إحداكما طالق ولم يتمكن من مراجعة ومعرفة ماذا قصد حتى نسي، ولم يدر أهي فلانة أو فلانة، فجهل التعيين.
فإذا جهل التعيين فمذهب طائفة من العلماء رحمهم الله، أننا تحققنا من وقوع الطلاق ولكن لا ندري أيتهما التي تطلق، فحينئذٍ يصار إلى القرعة، والقرعة أصلٌ شرعي في إثبات التعيين، فإذا قصد واحدةً ونسيها فإنه يعين بالقرعة، وقال بعض العلماء: لا تطلق لا هذه ولا تلك حتى يستيقن من التي عينها بالطلاق.
فقوله: [وإلا من قرعت].
أي: التي خرجت عليها القرعة كما ذكرنا، قالوا: لأن القرعة دليلٌ شرعي تثبت به الأحكام، دل على ثبوته الكتاب والسنة، وعمل السلف الصالح من هذه الأمة، فقد بين الله تعالى أن الأنبياء عملوا بالقرعة، ولذلك قال عن نبيه يونس: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:141]، وخرجت عليه القرعة فرمي في البحر.
وكذلك: سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عمل بالقرعة.
وكذلك: كان نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه يعمل بالقرعة كما في الصحيح: (أنه كان إذا خرج إلى سفر أقرع بين نسائه صلوات الله وسلامه عليه، فمن خرجت عليها القرعة منهن سافر بها)، فهذا يدل على العمل بالقرعة، ولذلك عمل بها الصحابة رضوان الله عليهم وعمل بها أئمة السلف رحمهم الله أجمعين، وكذلك الخلف من بعدهم.
فدل هذا على ثبوتها حجة، ولذلك يقولون: تثبت حجةً شرعاً وقدراً، فالحكم بها شرعي، وأما القدري فإن الله يقدر لعباده فإن خرجت القرعة على واحد، فإنه يكون هو المعين لما قصد من هذه القرعة في طلاقٍ وغيره.
إذاً: إذا قال: إحداكما طالق.
تحققنا أن إحدى الزوجتين طالق، فإن قلنا له: عيَّن، فقال: لا أتذكر ونسيت، حكم بالقرعة، أما لو قلنا له: هل تعلمها، فقال: نعم أعلمها؛ فإنه حينئذٍ يجبر على التعيين، فإذا امتنع من التعيين امتنعت كلتا الزوجتين من تمكينه من نفسها، فإذا بلغ أمره إلى القاضي أجبره على التعيين، وقال بعض العلماء: يعزر ويسجن حتى يحدد من هي الزوجة التي قصدها بهذا اللفظ، ولا يتساهل معه في هذا؛ لأن الطلاق تترتب عليه حقوق، ولأنه لو مات حصل الإشكال، حتى لو وجدت القرعة ربما خرجت على غير المطلقة، ولذلك يلزمه شرعاً التعيين، ومن مهمات القاضي إرجاع الحقوق إلى أهلها، فالطلاق له حقوق وتبعات، خاصةً مع وجود المرأة الثانية التي لم يقع عليها الطلاق، فهو بهذه الطريقة يعلم المرأة التي لم تطلق وحينئذٍ يجب عليه أن يعين.
فإذا قال: نسيت؛ فحينئذٍ يحكم القاضي بالقرعة، فمن خرجت القرعة عليها فقد اختارها الله قدراً فينفذ الطلاق ويتعلق بها.
قال رحمه الله: [كمن طلق إحداهما بائناً ونسيها].
أي: إذا قال: إحداكما طالقٌ ثلاثاً وكانت الزوجتان معقوداً عليهما لم يدخل بهما، فالطلقة الأولى طلقة بائنة.

حكم طلاق الشك إذا تغينت المطلقة بعد القرعة بزمن

قال رحمه الله: [وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم].
هذه من آثار الحكم، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية ودقة أهل العلم رحمهم الله فإنهم لا يبحثون فقط في حكم المسألة وإنما يعتنون ببيان ما يترتب عليها من آثار، وفصلوا في المسائل التي تنبني على الأصول، وفرعوا الفروع في القواعد، كل هذا حتى يكون النظر والفهم من الفقيه شاملاً؛ لأن الشريعة شريعة كمال، ومن كمال الشريعة العناية بمثل هذه المسائل.
ولو أن القرعة خرجت على واحدة وطلقت عليه، وتبين بعد خمس سنوات أو ست سنوات من هي التي قصدها، فتذكر وقال: كنت أقصد فلانة، وتبين أن التي قصدها غير التي خرجت عليها القرعة، فقد عاش مع هذه المطلقة البائنة منه وهي امرأة أجنبية؛ عاش معها على أنها زوجته وفي عصمته، وربما أنجب منها أولاده، وكذلك أيضاً الثانية هي زوجته وفي عصمته وربما تزوجت أجنبياً، وهي امرأة في عصمة غيره، فما الحكم في هذه الآثار؟ أولاً: بالنسبة للزوجة التي بقيت في عصمته وهي أجنبية، فوطؤه لها وطء شبهة لا يوجب الحد لا عليه ولا عليها، وهذا ما يسميه العلماء بنكاح الشبهة، بأن يكون عنده شبهة تبيح له وطء امرأة يظن أنها زوجته، فحينئذٍ يدرأ عنه الحد ولا يفتى أنه زان، ولا يحكم بزناه، ولذلك لما عُرّف الزنا قيل: (الوطء في غير نكاحٍ صحيح ولا شبهة)، فشبهة النكاح تدرأ الحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، وتسري عليه الأحكام، فيكون ما أنفق عليها لقاء استمتاعه بها، والنفقة ليست واجبة على الأجنبية، فنقول: ليس من حقك أن تسترد نفقة السنوات الماضية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فلها المهر بما استحل من فرجها، وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24]، فدل على المعاوضة في جانب الوطء والنفقة.
ثانياً: بالنسبة للمرأة الثانية التي هي في عصمته، والتي تبين أنها زوجته، فحينئذٍ ينظر فيها: قال بعض العلماء: ترد له بكل حال، وهذا في الحقيقة أقوى المذاهب وأعدلها وأولاها بالصواب؛ لأن نكاح الثاني فاسدٌ تبين خطؤه، وقد ظنوا أنها أجنبية منه، والظن مخطئ، وإذا تبين خطؤه رجع إلى الأصل.
قاعدة: (لا عبرة بالظن البين خطؤه) أي: الذي بان خطؤه، فنحن صححنا النكاح بظننا أنها أجنبية، وقد تبين أنها محصنة، وقد نص الله في كتابه على أن المحصنات من النساء لا يحل نكاحهن، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز نكاح المرأة وهي في عصمة الزوج، وإذا ثبت هذا فهي امرأة في عصمة زوج، فيكون دخول نكاح الثاني لاغياً وترد إلى الأول.
هذا عند بعض العلماء؛ لكن أشكل على هذا القول أن بعض أهل العلم -كما اختاره المصنف رحمه الله- قال: إنها إذا تزوجت رجلاً ثانياً وقال الأول: أنا قصدت بالطلاق فلانة فيتهم في قوله؛ لأننا نكون حينئذٍ قد ألغينا نكاحاً ثابتاً؛ لأن النكاح الثاني وقع بصفته الشرعية، وأردنا أن نلغيه بقول من يتهم في قوله، لأنه ربما قصد رجوع تلك المرأة إليه؛ فقال: أتذكر من التي طلقتها! أنا طلقت فلانة.
فقالوا: لا يصح أن نرفع اليقين من كونها زوجةً للثاني باحتمال من هذا الرجل الذي قد يتهم في قوله.
ولذلك قالوا: لا نرفع اليقين بالشك، وهذا القول هو الذي اختاره المصنف، قالوا: لكن صححنا الأول وقويناه في حالةٍ واحدة، وهي أن يثبت بالدليل أنه عين التي قصدها؛ كأن يكون مع رجلين وقال: خديجة طالقٌ مني، فتكون هي التي عينها، ثم رجع إلى بيته فنسي من التي طلقها أهي خديجة أو عائشة، فلما قيل له: من الذي طلقت؟ قال: أنا أجزم بأن إحداهما طلقت ولكن لا أدري أخديجة أو عائشة، فنقول حينئذٍ: عيَّن، فإن قال: لا أدري ولا أستطيع، قلنا: هل سمعك أحد؟ فإن قال: سمعني رجلان، قلنا: هل تستطيع أن تعثر عليهما؟ فإن قال: لا.
ثم بعد سنتين التقى بالرجلين فقال: هل طلقت خديجة أو عائشة؟ فإن قالوا: طلقت خديجة، فحينئذٍ لا إشكال أن ثبوت البينة والدليل يقوى على رفع نكاح الثاني وإلغائه؛ لأنه دل الدليل على ثبوت العصمة للمرأة وأنها باقية على نكاح زوجها الأول وقد نكحت الثاني امرأة محصنة، فلا يصح نكاح الثاني، وقد تبين خطؤه، وهذه هي الحالة التي نصحح فيها هذا القول ونقويه، ونقويه أيضاً ديانةً فيما بينه وبين الله، فإنه إذا جزم فيما بينه وبين الله أنه عين خديجة فلا إشكال، وهذا فيما بينه وبين الله، ويحل له أن يرجع إليها ما لم تكن قد تزوجت؛ على التفصيل الذي ذكرنا.
وقوله: [أو تكن القرعة بحاكم].
أي: بحكم الحاكم كما سيأتي إن شاء الله في كتاب القضاء، ولا يجوز نقضه ولا فسخه إلا إذا عارض نصاً صريحاً قاطعاً في كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو شذ عن الإجماع، فهذه هي الحالات التي تنقض فيها أحكام القضاة، أما لو كانت المسألة خلافية وقضى القاضي بأحد القولين فلا يجوز لأحد أن ينقض قوله كائناً من كان؛ لأن الله تعبده أن يقضي في هذه المسألة بما يراه الحق.
ولو فتح الباب لكل قاضٍ أن ينقض أحكام من قبله من القضاة الذين خالفوه لما استقام الأمر، ولذلك لا يعقب على حكم القاضي الذي تأهل للقضاء إلا إذا عارض نصاً من كتاب الله، أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو إجماعاً كما سيأتي إن شاء الله بيانه.
ويشترط في النص أن يكون صريحاً، فإن النص المحتمل كما أنه يحتمل قول الآخر فهو يحتمل قول القاضي، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، وما دام أن الشريعة جاءت بنصوص محتملة فقد عذر كل من أخذ بهذه الاحتمالات ما لم يكن بعضها أرجح من بعض، وحينئذٍ يعمل المسلم فيما بينه وبين الله بما ترجح، لكن الراجح عندي لا ألزم به غيري إذا رآه مرجوحاً، فكلٌ يعمل بما ترجح عنده، وهذا الذي جعل العلماء يقرون القاعدة المعروفة: (لا إنكار في الخلاف) أي: لا ينكر في المسألة الخلافية.
فإذا رفعت القضية إلى القاضي فأقرع بينهما وحكم أن المطلقة خديجة ففي هذه الحالة نحكم بأن خديجة قد أصبحت أجنبيةً وحل نكاح الثاني لها، ولا يمكن أن يزال هذا اليقين بشكٍ خاصة وأن الزوج الأول متهم في قوله.

مسألة: إذا علق طلاق زوجتيه على كون الطائر غراباً أو حمامة وجهل

قال رحمه الله: [وإن قال إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق وإن كان حماماً ففلانة.
وجهل؛ لم تطلقا].
إذا كان عنده أكثر من زوجة فقال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق وإن كان حمامةً ففلانة، فإن جهل الحال لم تطلق فلانة ولا فلانة.
وقال بعض العلماء: إنه في هذه الحالة يجب أن يعين عن طريق القرعة.
ودليل القول الأول: أنهما زوجتاه وفي عصمته ولم يحدث تعيين هل هو غرابٌ أو حمام، وقد لا يكون غراباً ولا حمامة، وحينئذٍ فلا ينبغي أن يجزم؛ لأن حال الطائر مجهول، فإذا جهل حال الطائر فإننا نجهل وقوع الطلاق فلا تستقيم القرعة؛ لأن الطلاق لم يثبت؛ بسبب جهل حال الطائر؛ لأن الطائر ليس منحصراً في الغراب والحمام فقط فقد لا يكون غراباً ولا حمامة، وقد يكون قمرياً أو حبارياً أو صقراً أو بازاً أو نسراً، فهذا كله محتمل؛ لأنه جُهِل حاله.
وإذاً: لم يثبت الطلاق، ولا يحكم بوقوع الطلاق؛ لأن الأصل أنهما زوجتاه، وقد علق على شرطٍ لم يتحقق وجود موجبه الذي يبنى عليه الحكم بالطلاق فتبقى المرأة في عصمته.

مسألة: إن قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق أو العكس

[وإن قال لزوجته وأجنبية اسمها هند: إحداكما أو هند طالق، طلقت امرأته].
في هذه الحالة: إذا كان هناك امرأة في عصمته وامرأة ليست في عصمته، فقال: إحداكما طالق، فننظر من هي التي يتعلق الطلاق بها، ولا شك أن الأجنبية لا يتعلق بها الطلاق فيصرف إلى زوجته، للقاعدة: (الإعمال أولى من الإهمال).
فقد تلفظ بلفظٍ معتبر شرعاً، وهذا اللفظ لا يمكن إهماله؛ لأن الشريعة آخذت المطلق حتى في حال الهزل، فلا يمكن إهمال هذا اللفظ، وهذا لتعظيم حرمات الله وعدم اتخاذ آيات الله هزوا ولعباً، ولذلك قال الله في أمر الطلاق: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:229]، وقد ذكر هذا في أكثر من موضع من كتابه سبحانه وتعالى، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:1].
والعلماء يقولون: (لفظ الطلاق مبنيٌ على الخطر) فهو يقول: إحداكما طالق، فإذا قال ذلك لزوجته وأجنبية، فالأصل شرعاً في اللفظ أن يُعمل به، ولذلك قالوا: ينصرف اللفظ إلى زوجته؛ لأنه يقول: إحداكما طالق، فقد جزم لنا بأنه مطلق لكن هل هو مطلقٌ للأجنبية أو لزوجته قالوا: ينصرف الطلاق إلى زوجته؛ لأن الطلاق صادف محلاً، والآخر ليس بمحل، فينصرف إلى ظاهر الشرع وهو أنه متعلقٌ بزوجته لا بالأجنبية، وحينئذٍ تطلق عليه زوجته وينصرف الطلاق إليها.
وذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أنه لا تطلق عليه زوجته، ولا يحكم بطلاقها؛ لأنه يحتمل أن تكون الأجنبية مطلقة، لكن إذا كان في قرارة قلبه طلاق زوجته وقع الطلاق.
وكل هذا إذا لم يعين، أو مات بعد تلفظه بالطلاق على هذا الوجه؛ فإنه يحكم بالطلاق على ما اختاره المصنف، ودليله ما ذكرنا.
قال رحمه الله: [وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة].
هذا من المصنف رحمه الله احتياط للشرع، والعلماء الذين اختاروا وقوع الطلاق نصوا على أنه لو قال: أردت الأجنبية لم يقبل منه؛ لأنه يلغي ما ثبت، والإعمال أولى من الإهمال فنحن علمنا اللفظ، ولو صرفناه للأجنبية لأهملناه، والإعمال أولى من الإهمال.
فالإعمال معتبر شرعاً ومقدمٌ على الإهمال، فإذا قال: أردت الأجنبية، فهو متهمٌ في قوله، والمتهم في قوله فيما بينه وبين الله ينفعه إذا كان صادقاً في قوله: إحداكما طالق فقصد الأجنبية؛ وله أن يعاشر زوجته ولو كانت الطلقة الثالثة.
مثال ذلك: رجل اسمه محمد قال لزوجته عائشة وهي جالسة مع امرأةٍ أجنبية: إحداكما طالق، وقصد الأجنبية، وكان فيما بينه وبين الله أنها الأجنبية ولم يقصد زوجته، وقال: إحداكما طالق، بقصد أنها ليست في عصمته وليست بحلالٍ له؛ ففي هذه الحالة لو كانت زوجته قد طلقها قبلُ طلقتين: وقال لها: أنا قصدت الأجنبية، فصدقته، وهو معروف بالصدق والأمانة، فلها أن تعاشره ولا حرج عليه ولا عليها.
لكن لو رُفِع الأمر إلى القضاء، فالأمر يختلف في هذه الحالة، فإنه لا يقبل منه إلا بقرينة، وقد فصَّلنا في هذه المسألة -مسألة الطلاق قضاءً وديانةً- وذكرنا أنه إذا كان صادقاً فيما بينه وبين الله، فإنه ينفعه القول في الطلاق، ويسقط عنه الطلاق ديانةً فيما بينه وبين الله؛ لأنه متحقق وجازم في قرارة قلبه والله مطلعٌ على سريرته، فهو لم يرتكب حراماً، وأما قضاء فلا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أَكِل سرائرهم إلى الله)، فهذا يدل على أن القضاء يجري على الظاهر، ولا حكم للباطن إلا في المسائل التي نص الشرع على اعتباره فيها، فالظاهر هو المحتكم إليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إنكم لتختصمون إليَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع) فالقاضي ظهر له أن الرجل تلفظ بلفظ شرعي مؤاخذ عليه، وهذا اللفظ الشرعي ما بين إعمالٍ وإهمال، وأصول الشريعة تقتضي أن الإعمال مقدمٌ على الإهمال، وأن الطلاق لا يتعلق بالأجنبية فصُرِف إلى من يتعلق بها الطلاق، ولا يقبل غير ذلك منه إلا بقرينة، فإذا وجدت قرينة إكراه، ودفع مظلمة، ودلت دلائل بساط المجلس على أنه لا يريد زوجته وإنما يريد الأجنبية، فحينئذٍ لا تطلق عليه زوجته وتعاد إليه، ويحكم القاضي باعتبار نيته.

مسألة: إن قال لمن ظنها زوجته أنت طالق أو العكس

قال رحمه الله: [وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق، طلقت الزوجة، وكذا عكسها].
أي: كامرأة في عبائتها ظنها زوجته فقال لها: أنت طالقٌ.
فالحقيقة أن مسائل الطلاق فيها باطن وظاهر، والظاهر هو اللفظ: أنت طالق، والباطن: النية والقصد؛ فإذا قال لامرأةٍ يظنها زوجته: أنت طالق، فللعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تقع الطلقة على زوجته؛ لأنها لو وقعت الطلقة على زوجته كان مطلقاً بنيته لا بلفظه؛ فهو لما تلفظ خاطب معيناً؛ فلو كانت زوجته لطلقت، ولكن لما تبين أنها ليست بزوجته فإنه طلق وهي ليست بزوجة له فلا طلاق؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية وحدها، وجماهير السلف والخلف وأئمة العلم على أن من نوى في قرارة قلبه أن يطلق زوجته ولم يتلفظ؛ أنها لا تطلق عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل).
فقالوا: لو خاطب امرأة أجنبية بالطلاق، فظاهره ليس بظاهر المطلق لكن باطنه باطن المطلق، فقالوا: لا نطلق عليه لأن هذا من الطلاق بالنية دون اللفظ.
ومن أهل العلم من قال: تطلق عليه زوجته؛ لأنه لما قال: (أنتِ) قصد الزوجة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها)، فإنه قد قيد وقال: (ما لم تتكلم أو تعمل)، وهذا تكلم وقصد زوجته والذي اختلف إنما هو الشكل، والشكل ليس بمؤثر؛ لأن العبرة بالمعنى والمعنى موجود، فتطلق عليه زوجته كما اختاره المصنف ونص عليه رحمه الله.
وقوله: (والعكس) أي: إذا قال لزوجته يظنها أجنبية: أنت طالقٌ طلقت عليه زوجته.
وهنا تعارض، فالمصنف يقول: لو قال لزوجته: أنت طالق، وهو يظنها أجنبية؛ كأن جاءت امرأة وقرعت عليه الباب وظنها أجنبية ضيفة أو نحوها فقال لها: أنت طالق، وتبين أنها زوجته؛ فقالوا: إنه واجهها فقال أنتِ طالق.
أي: بيني وبين الله أن هذه المرأة وهذه الذات مطلقةٌ مني، فلما صادف الطلاق محلاً طلقت، ولو كانت أجنبية لما طلقت إلا في مسألة إذا نوى.
وقالوا: لأن الطلاق لم يصادف محلاً في الأجنبية، لكن هذه زوجته وقد صادف الطلاق المحل، فتطلق عليه.

  • المسألة الأولى: إذا ظنها زوجته وظهرت أجنبية: إذا قال لامرأةٍ من زوجاته يظنها أجنبية: أنت طالق، قالوا: فإنه في هذه الحالة قصد الطلاق ونواه في قرارة قلبه فتطلق عليه، وكونه يقول: (أنت) يخاطب محلاً أو يوجه لمحل كالذي يطلق وهي غائبة، فهو كمن يقول: زوجتي طالق، والطلاق لا يتوقف على أن تكون الزوجة أمامه، قالوا: فإذا قال لها: أنت طالق، وقصد في قرارة قلبه إخراج امرأته من عصمته فيؤاخذ بهذا القصد وتمضي عليه الطلقة.
    المسألة الثانية: إذا ظنها أجنبية وظهرت زوجته فقال لها: أنت طالق، فصحيح أنه يعتقد أنها أجنبية، لكن اللفظ الذي خرج منه في الظاهر لفظٌ شرعي للطلاق، والمرأة التي وقع عليها الطلاق زوجته، فهو يقول: (أنت) فحينئذٍ يؤخذ بالظاهر، ففي الأول نظر إلى الباطن مع وجود المؤاخذة باللفظ، وفي الثاني اعتبر بالظاهر.
    ومن هنا قد يحصل إشكال ونوع من التعارض، فينبغي أن نقول إذا غلبنا الظاهر وظهرت أنها امرأته، ينبغي أن لا تطلق إذا خاطب الأجنبية، وإذا جئنا ننظر إلى الباطن، فينغبي أن لا تطلق في حال استئذان الزوج وهو يظنها أجنبية، فحينئذٍ قالوا: نعمل الأمرين، نُعمل الظاهر في حال قوته ونعمل الباطن في حال قوته، وكلاهما له وجه، والإشكال كله في مواجهتها بالخطاب (أنت)، فإنه لما قال لها: (أنت) في المسألة الثانية فقد واجه محلاً قابلاً للطلاق فوقع الطلاق عليه، وفي الأجنبية قال لها: (أنت) فكلمة (أنت) معلقة بالزوجة، وفي قرارة قلبه أنها زوجته؛ ولذلك قالوا: إنه ينفذ عليه الطلاق؛ لقوة قصده، ووجود المعنى من إرادة الطلاق ونيته.

الأسئلة

حكم العدول عن القرعة عند الشك في الطلاق إلى الاختيار بحسن

السؤال

هل للقاضي أن يعدل عن القرعة ويسأل عن أحسنهما عشرة مع زوجها فيبقيها ويحكم بطلاق الأخرى أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد الأحكام الشرعية لا تدخلها العواطف والاحتمالات والآراء والأهواء، والقاضي إذا رُفعت إليه القضية لا يجتهد من عند نفسه، إنما هو ملزمٌ شرعاً أن يحكم بالدليل الشرعي، والدليل الشرعي الموجود: أن من طلق زوجته طلاقاً واضحاً بيناً ينفذ عليه الطلاق، ومن طلق زوجته طلاقاً محتملاً متردداً رجعنا إلى الأصول الشرعية في تعيين المبهمات والمجهولات، وليست أمور الشريعة محل تخرصات وتحكيم للهوى، وليس لكل شخص أو طالب علم أن يقترح من عنده؛ لأن أمور الشرع عظيمة مبنية على أسس، والفتوى إذا لم تبنَ على الشريعة فإنها تهوي بصاحبها كأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، لأنه تقول على الله بدون علم.
والشريعة ليس فيها عواطف ولا مجاملات: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف:52]، هذا الكتاب الذي فُصّل على علم هدىً ورحمة مبني على أصول لا يستطيع القاضي أن يجاوزها شعرة، فهذه امرأة وهذا زوج، فلا تحل العصمة ولا تزيلها من زوجها إلا بدليل، ولا تقول: والله أخلاقها طيبة، فكونها طيبة أو تؤذي أو لا تؤذي لا دخل لها.
وهناك أمرٌ يسمى بالتعليم، والأوصاف المناسبة للتعليم، فهذه المسألة ليس لها علاقة، فقد يطلق الرجل زوجته وهي من أحسن الناس أخلاقاً، لكنها لا تريحه بالفراش ويريد أن يعف نفسه عن الحرام، وليست قضية جمال الأخلاق أو حسن العشرة مؤثرة في مسألة الطلاق من كل وجه؛ لأنه قد يقع الطلاق لأسباب خارجة عن إرادة الإنسان، فقد يفارق بلدها ويرى أنها لو جاءت معه لتعذبت، وربما رأى أنها تتحمل مشاق من أجله وأراد أن يريحها من كل هذه الأمور؛ فهذا ليس له علاقة بمسألة كونها حسنة العشرة أو لا.
وأحب في هذه المناسبة أن ننبه ونذكر أنفسنا وإخواننا أن مسائل الشرع مسائل عظيمة، خاصة في هذا الزمان؛ فقد يتكلم الرجل في الفتوى ويبنيها على النص من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا بنا نفاجأ بشخص يقول: عندي مداخلة، لي وجهة رأي، اسمح لي لو تفضلت لو تكرمت! ويأتي بأمور ما أنزل الله بها من سلطان: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:23].
إذا وقفت بين يدي الله قاضياً أفتيت بالقرعة فقلت: يا رب جاءنا في كتابك وسنة رسولك صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فإنه أهون من أن تقف بين يدي الله عز وجل فتستند إلى رأيك واجتهادك.
واعلم أن الدين ليس فيه وجهة نظر ومداخلات، فهذه أمور دخيلة دخلت على الأمة، فشتتت شملها، وفرقت آراءها فأصابها الخور والضعف حتى في العلم والعلماء، فذهبت كرامة العلماء وكرامة العلم بسبب إدخال العواطف والآراء الشخصية، وقل أن تجد عالماً يتكلم في مجمع أو مناسبة إلا وجدت من يعقب عليه، ونرجو من الله تعالى أن يجعل هذا رفعة لدرجة العلماء ومقامهم في الدنيا؛ لأن هذا من غربة الإسلام؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ).
أين مكانة العلماء فينا، كانوا إذا تكلموا أنصت الناس إلى كلامهم، وإذا أمروا ائتمر الناس بأمرهم، وإذا نهوا انتهى الناس عما نهوا عنه، أين مكانة العلماء من القبول والتكريم، يقول الله جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:65]، هذه شهادة من الله من فوق سبع سماوات: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:65]، وليس وحدها الرجوع إلى العلماء.
﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء:65] (نكرة) أي: أياً كان هذا الحرج، (ليس هناك: عندي وجهة نظر، ولا عندي مداخلة، ولا اسمح لي).
بل تسمع وتطيع، تقول: سمعنا وأطعنا، وتقبل من العالم ما دام أنه عالم رباني يقول بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في هذه الأيام نزعت الثقة من العلماء وذهبت مكانتهم، وبعض هذه المداخلات تُذهب هيبة العلم ومكانته وتسلط السفهاء على العلماء.
وإذا كان المداخلة أو وجهة الرأي من طالب علم عنده عقلية أو ذكاء؛ فقد يأتي بعده من ليس عنده عقلية ولا ذكاء وإذا كان الذي يحاور العلماء عنده وجهة نظر ورزقه الله شيئاً من الأدب، فقد يأتي من لا أدب عنده، فهذا يجرئ الناس والرعاع على العلماء رحمهم الله، ولم نكن نعرف أن أحداً ينتقد على عالم رأياً أو هوى، فقد كان طالب العلم إذا جلس في مجلس العلم يسمع ويطيع ويحمل العلم ويقول: هذا الذي سمعت وهذا الذي بلغني، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، الأمانة والضبط، وليس في العلم رأي، ومن أنت حتى تعطي رأيك أو اجتهادك؟ فهذا الزمان زمان غربة العلماء، وإبداء الآراء حتى من طلاب العلم، وأنا لا أقصد السائل، فقد يكون السائل تأثر بغيره، فلا بد أن نتربى على احترام العلم واحترام العلماء، ولا يحسن لطالب العلم أن يفتح مثل هذا، وإذا وجدت شيئاً مبنياً على الكتاب والسنة فلا تقل: على القاضي أن يفعل أو لا، فلو كنت تعرف مكانة القاضي وتعرف أن القاضي قد نصّب نفسه حكماً بين الناس، ووقف على شفير نار جهنم فإما إلى جنةٍ وإما إلى نار، ما تكلمت؛ فهذا أمر ليس بالسهل.
ولذلك ننبه على مثل هذه الأمور، لأنها مما عمت بها البلوى، فذهبت مكانة العلماء والعلم، والآن أبسط ما تراه -وقد يكون بسيطاً في نظر الناس لكنه عند الله عظيم- أنه عندما يطرح موضوع الصبر، أو الحلم أو موضوع من الموضوعات، كلٌّ يدلي برأي وكل يدلي بوجهة نظر، وقد يكون مسموعاً أمام الناس، وهذا ينزع الثقة من العلماء؛ لأنه إذا كان كل من هب ودبّ عنده مداخلة، وكل من هب ودب يكتب كلمتين ويأتي يصيح بها أمام الناس، وكل من هب ودب يستطيع أن يدلي بوجهة نظره؛ ضاعت مكانة العلماء؛ لأنه الناس يسمعون كلاماً كثيراً، وإذا سمعوا كلاماً كثيراً فلا يجدون العلماء والنور الرباني.
وقد يخدعهم بليغ اللسان عذب البيان ويصرفهم عمن هو أتقى لله وأورع، وكم من عالم ورعٍ تقي نقي لا يقول الكلام إلا وقد عده لا تنصرف إليه الأعين ولا تصغي له الآذان؛ ولكنه عند الله ذو شأن.
فهذه أمور تقوم على التسليم للشريعة، تقوم على الأدب والتسليم والخوف من الله، ويجب على طالب العلم أن يتعود أن لا يقول على الله بدون علم، وأن يتعود الحرص على الوقوف عند الكتاب والسنة، هذا هو هدي العلماء، ولا يمكن لطالب العلم أن يبارك له في علمه إلا إذا أقام نفسه على التسليم طالباً، ونفع الأمة معلماً، إذا وفقه الله عز وجل للتسليم خرج للناس وعاء من أوعية العلم.
وكان بعض العلماء يقول: إن الوحي كالماء الصافي من الكدر.
أي: إذا كان طالب العلم يملأ قلبه بالوحي صار هو الوعاء الذي يُملأ بالماء الصافي، يأتي بعد فترة وقد وعى وفتح الله عز وجل عليه فلا يتكلم ولا ينضح إلا بماء صافٍ من الكدر، والعكس، فالطالب الذي يبتدئ طلب العلم بالمداخلات والآراء، ولماذا لا يقول القاضي كذا! ولماذا لا تقولوا كذا، وهل وضعتم كيت كذا، ولماذا لم يشترط كذا، فهذا يدخل على نفسه الوساوس، وربما لم يحسن العالم الجواب ويكون ما قاله باطلاً فتقع في قلبه الشبهة؛ لأنه ما تأدب مع العلم، وقد تبقى في قلبه هذه الشبهة حتى يصير عالماً ويبثها بين الناس، فيحمل وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين.
العلم أن يتعلم الإنسان الانضباط والخوف والورع، فمن كان على ورعٍ فقد علم وعرف من هو ربه، وإذا كان طالب العلم لا يعرف من هو الرب الذي يتكلم عنه، وما هو الشرع الذي يدين الله عز وجل به، ويريد أن يلقى الله عز وجل به، فهذا على هلاك وحسرة إذا كان لا يعرف هذا كله، فطوبى ثم طوبى لمن رزقه الله البصيرة والأدب مع العلم والعلماء، وأنصت وعدل، ورد الأمر إلى أهله، وسلم بالقول إذا صدر عمن هو أهل.
هذا الذي يسعنا، والله عز وجل يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (العلماء ورثة الأنبياء)، فكما أن الأنبياء لا نرد عليهم، فلا نرد على العلماء، ونحن لا نقول: إن العلماء معصومون، ولا نقول إن العلماء والجهال على مرتبة واحدة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:9]، فالعلماء ليسوا بمعصومين، ولكن قد يرد عالم على عالم، أما طالب العلم فإنه يسلم للعالم ويتبع؛ لأن هذا هو الاهتداء الذي سارت عليه الأمة وبه استقام أمرها.
فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم والعمل، وأن يعصمنا من الشرور والزلل، والله تعالى أعلم.

الولد للفراش وللعاهر الحجر

السؤال

في اختصام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وعبد بن زمعة في الغلام: هل الحكم بالغلام لـ عبد بن زمعة لم يبعد الشك، وذلك في قوله: (واحتجبي منه يا سودة) أثابكم الله؟

الجواب

هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله ولهم فيها اختيارات، واختيار الوالد رحمه الله: أن مسائل النكاح أضيق من غيرها، فمسائل الفروج والمحرمية ونحوها مما يتبع حكم النسب واللحوق يحتاط فيها، فقد يُبنى على الظن، وقد يعمل بالشكوك ويحتاط فيها صيانةً للأبضاع.
ومن هنا لما جاءت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته أنها أرضعت الزوج وزوجته وبينت له، فانتشر بين الناس، فجاء الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي له من هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: (كيف وقد قيل)، مع أن (قد قيل) صيغة تمريض، لكنه بنى عليها عليه الصلاة والسلام كما في الحديث في صحيح مسلم وغيره: (كيف وقد قيل)، فأعمل القيل وأعمل التهمة.
وكذلك في مسألة سعد وعبد بن زمعة رضي الله عنهما، خاصةً وأن الوطء كان في الجاهلية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعمل الأمرين، أعمل الفراش لقوله: (الولد للفراش)، فهذا يقتضي اللحوق ويكون لـ عبد بن زمعة؛ لأن الفراش فراش أبيه، والزنا وقع من أخي سعد وقد عهد إليه أن هذا الولد ولده، وأنه قد زنا بها، فنظر إلى وجود الشبه من أخي سعد ونظر إلى وجود الفراش، فأعطى كلاً منهما حظه، وبني الحكم على مراعاة الأمرين وعلى وجود المرجح وإن كان الأصل في الشريعة أن المسائل في الزنا مثل النسب وأحكام الولد تابعة للفراش، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).
فهذا كله من الجمع بين الظنون، خاصةً إذا لم يوجد المرجح، لكن قد يستثنى منها مسائل؛ مثلاً: لو وجد المرجح ودلّ الدليل على ترجيح أحد الاحتمالين وجب العمل به، وإذا لم يوجد المرجح من المرجحات وجود القاصد.
ولذلك نص العلماء رحمهم الله: لو أن رجلاً تزوج امرأة وكانت قد حملت من الزوج الأول وتأخر حملها، وظن أنها ليست بحامل وهي حامل، فلما وطئها الثاني ظهر حمل وتبين أن هناك حملاً من الأول، فاختلط الماءان، فهل يلحق بالأول أو بالثاني؟ الأول الأصل أن الفراش فراشه، والثاني أن الأصل طارئ، وهذا يسمونه تعارض الأصل القديم والجديد.
فالأصل القديم يدل عليه أن الولد جاء قبل المدة التي في مثلها يكون الحمل، والثاني يقويه أن الفراش فراشه؛ لأنه تزوجها وأصبحت زوجةً له، ومن كانت المرأة فراشاً له، فكل ما تلده تابع له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش)، ففي هذه الحالة لما كانت مدة الحمل قصيرة، لا يمكن لمثلها أن يحسب التخلق، فالغلام للأول من حيث الحكم، لكن لو حصل اشتباه فيستعان بأهل الخبرة وهم القافة، فيلحقونه بأقواهم شبهاً به.
ومثل ذلك: لو أن رجلاً سافر مع رجلٍ آخر وكل منهما معه زوجته، فجاء أحدهما ووطئ زوجة الآخر ظناً منه أنها زوجته، فما الحكم في هذا الولد، هل يكون الولد له أم لزوج المرأة؟ يرجح بالقيافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالقيافة وسيأتي بيان هذه المسائل إن شاء الله، أو بيان جمل منها إن شاء الله في أحكام النسب والله تعالى أعلم.

حكم الخروج من المسجد بعد الأذان الأول للجمعة

السؤال

هل الخروج بعد الأذان الأول من يوم الجمعة يشمله النهي أثابكم الله؟

الجواب

الأذان الأول يوم الجمعة أذان شرعي، ولا يجوز لأحدٍ أن يتكلم فيه بأي وجهٍ كان، فهذا الأذان الذي أحدثه عثمان رضي الله عنه وأرضاه أذان شرعي قضى به خليفة راشد أمرنا باتباع سنته، وانعقد إجماع الصحابة كلهم والأمة كلها على العمل به.
ومن قال بأن هذا الأذان بدعة فقد أخطأ كائناً من كان؛ لأننا لا نستطيع أن نرد هذا الإجماع، فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، ولا يمكن أن نرد الإجماع، فلا يتكلم في هذا الأذان.
ولو قال قائل: وجدت الآن الأجهزة والآلات -مكبرات الصوت- فهذا يُرد عليه بأنه في الزمان القديم كانت هناك قرى صغيرة لا يحتاج إليها الأذان الأول، ومع ذلك فالسلف لم يفرطوا فيه، وأتحدى أن يوجد واحد من علماء السلف ومن بعدهم ذكر أن هذا الأذان بدعة؛ لأنه ليس من السهولة بمكان أن نبدع سنة راشدة، وأن نقول إن هذه الأمة كلها على ضلالة، وأنا لا أقصد شخصاً بعينه، وإنما أقصد أن هذا القول لا يجوز لمسلم أن يقول إن الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، لأنه يرد سنة راشدة أجمعت الأمة كلها على قبولها والعمل بها، وإذا قال: إن الزمان اختلف نقول: إن هذا باطل؛ لأن العلماء رحمهم الله وأئمة الإسلام كلهم قبلوا هذا الأذان وما فرقوا بين القرى الصغيرة والكبيرة.
والقرى الصغيرة التي كانت أيام السلف ليست بحاجة إلى هذا الأذان، وإنما احتاجه عثمان لما كبرت المدينة، وهم يقولون: احتاجه لما كبرت المدينة، فلما زال السبب أصبح بدعة.
وأوصي طلاب العلم أن يتقوا الله عز وجل وأن لا يتعصبوا إلا للحق؛ لأن هذا أمر ليس بالسهولة، ومشايخنا كانوا يشددون في هذا الأمر، ويضيقون على أحد أن يتكلم في هذه المسألة؛ لأنها مسألة إجماعية، ولا يعرف عن أحد من أئمة السلف ولا من الخلف التابعين لهم أنهم قالوا: إنه بدعة، والبدعة أمرها عظيم، ومعناها أن من يؤذن آثم، والمسجد الذي أذن فيه مسجد بدعة، والمصلون الساكتون ساكتون عن بدعة، إلخ.
فقول بدعة ليست بالهينة، وينبغي لطالب العلم أن يحذر.
وعلى كل حال: فالأذان الأول يعتبر سنة كما ذكرنا، فللعلماء فيه وجهان: بعض العلماء يقول: يطرد فيه حكم الأذان مطلقاً، وإذا قلت باطراده فإنها تتفرع عليه مسائل: منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الخروج بعد الأذان)، فلا يجوز أن يخرج، على ظاهر هذا الحديث؛ لأنك احتسبته أذاناً شرعياً، وإن قلنا: إنه آخذ حكم الأذان، فيجوز أن يصلي بعده الركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة)، وقصد أنه بعد الأذان تفتح أبواب السماء، وهذا مطلق، ولذلك قال بعض العلماء: يشمل هذا الأذانَ الأولَ والثاني من الفجر، فإن الأذان الأول والثاني تستحب بينهما الصلاة، وهو داخل في هذا العموم.
ومن أهل العلم من قال: يقال إنه أذان شرعي؛ لكن لا يأخذ وصف الأذان من كل وجه، فلا يتنفل على قصد بين كل أذانين، وإن كان التنفل بين الأذان الأول والثاني جائزاً عند الشافعية، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري أن من الشافعية رحمهم الله من قال: يشرع أن يتنفل قصداً لما بين الأذانين، وهناك فرق ما بين القصد وبين كونه يتنفل نافلةً مطلقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ثبت في الحديث الصحيح عنه أنه (صلى ثم جلس وأنصت)، فأخبر أن الذي خرج للجمعة جلس يصلي ثم جلس ينصت للخطبة.
والوقت الذي قبل الزوال يوم الجمعة محلٌ للصلاة بإجماع العلماء، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا طلعت الشمس فصلِّ، فإن الصلاة حاضرة مشهودة حتى ينتصف النهار، ثم أمسك عن الصلاة ... )، هذا حديث صحيح، يدل على أن ما بين طلوع الشمس وبعد ارتفاعها قدر رمح إلى الزوال محلٌ للصلاة حتى يدل الدليل على المنع والتحريم، فلو صلى بين الأذان الأول والثاني من الجمعة؛ فإن الأذان الثاني لا يكون إلا بعد الزوال، فقد وافقت صلاته المحل المأذون به شرعاً.
ولا يقال: إنه بدعة، فليس هناك أحد من العلماء قال إنه بدعة، وأنا أقول هذا عن علم، والذي يأتيني بأحد من أئمة السلف ودواوين العلم المتقدمين أنه يقول: الصلاة بين الأذان الأول والثاني بدعة، فإني أعتبره قد أهدى إليَّ هديةً عظيمة، ومستعد أن أرجح عن هذا القول، وهذا أمر لا أعرفه، ولقد تعبت كثيراً كي أجد عالماً واحداً يقول: الصلاة ما بين الأذان الأول والثاني بدعة، فما وجدت أحداً يقول بهذا القول، وأقولها أمانةً وإنصافاً؛ لأن هذه مسئولية وأمانة، الأذان الأول والثاني بينهما صلاة بعموم الأحاديث الواردة في الصلاة فيما بين طلوع الشمس وزوالها، وهي أحاديث صحيحة لا غبار عليها، فإذا جئت تمنع من الصلاة حَرَّمْت، وإذا قلت: إنها بدعة أَثَّمْت، ومن يصلي في هذا الموضع أثم، إنما الذي ضُيِّق فيه أن يعتقد لهذا الوقت مزية الفضل، فإذا اعتقد ذلك فإنه يُمنع منه.
أما لو أنه أخذ بقول من يقول: (بين كل أذانين صلاة)، فقد تمسك بحديث نبوي، وبعموم ثابتٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فعلى كل حال: المسألة محتملة، ولا ينكر على من فعل هذا؛ لأن له وجهاً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا أذن المؤذن الأذان الأول فلا يخرج إلا إذا وجدت الحاجة والضرورة، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

شرح زاد المستقنع -

باب الرجعة [1]

من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وعلمه بما يحصل بين الزوجين من خلاف بديهة أن سن لهم سنناً، ووضع لهم قوانين بها يتلافى الزوج أخطاءه ويحاسب نفسه إن كان ظالماً لزوجته، والعكس إن أساءت الزوجة زوجها فإنها تحاسب نفسها، وتحاول أن تغير من أخلاقها مع زوجها.
ومن هذه السنن التي سنها الله سنة الطلاق والعدة المحتومة بعده، والرجعة أثناء العدة إن أراد الزوج أن يردها أو أرادت أن ترجع إليه تائبة نادمة.

الرجعة تعريفها مشروعيتها الحكمة منها

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فالرجعة في لغة العرب: مأخوذة من قولهم: رجع الشيء يرجع رجوعاً، والرجعة المرة الواحدة من الرجوع، وأصل الرجوع في لغة العرب: العود إلى الشيء، يقال: رجع إلى بلده، أو رجع المسافر من سفره إذا عاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:83].
فالمقصود: أن الرجوع هو العود.
وأما في اصطلاح العلماء رحمهم الله؛ فقد عرفها بعض أهل العلم بقولهم: عود المرأة المطلقة إلى العصمة من دون عقد، فالرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق، وهذا الطلاق الذي تقع الرجعة بعده يشترط فيه أمور ينبغي توفرها للحكم بكونه طلاقاً رجعياً.
وقد تقدم الإشارة إلى جملة من تلك الأمور، وسيبين المصنف رحمه الله في هذا الباب جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بارتجاع المرأة.
والأصل في مشروعية إرجاع المرأة بعد الطلاق دليل الكتاب والسنة والإجماع: أما دليل الكتاب: فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] فهذه الآية الكريمة جاءت بعد قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] فبين سبحانه وتعالى حكم رجوع المرأة بقوله: (فإمساك بمعروف) أي: بعد الطلاق، (أو تسريح بإحسان) إذا كان لا يرغب في المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً.
كما دلت هذه الآية الكريمة على المرأة التي يصح ارتجاعها، وهي التي طلقت الطلقة الأولى أو الثانية، بشرط أن يكون قد دخل بها؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49] فبيّن سبحانه وتعالى أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول أنه لا عدة عليها.
وعلى كل حال فدليل القرآن واضح في الدلالة على مشروعية ارتجاع المرأة المطلقة، ولذلك قال سبحانه في سورة الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:2].
فدلت هذه الآيات الكريمات -آية البقرة وآية الطلاق- على مشروعية ارتجاع المرأة.
وأما دليل السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيح حينما طلق امرأته وهي حائض؛ قال لوالده عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر) الحديث.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (مره فليراجعها) يدل دلالة واضحة على أن الرجعة مشروعة، ومن هنا أخذ بعض العلماء وجوب ارتجاع المرأة المطلقة طلاقاً بدعياً في الحيض كما ستأتي الإشارة إليه إن شاء الله تعالى.
وكذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حفصة رضي الله عنها واختلف في إسناده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها، ثم أتاه جبريل وقال له: إنها صوّامة قوّامة فارتجعها) فأمره بارتجاعها، فعلى القول بثبوت هذا الحديث -وقد حسن بعض العلماء إسناده، ومنهم من صححه لغيره- تصبح السنة دالة بالقول والفعل، بالقول في حديث ابن عمر في الصحيح، وبالفعل بهذا الحديث.
وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية ارتجاع المرأة.
والرجعة بعد الطلاق فيها حكم عظيمة، فهي من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده وتيسيره لخلقه، وذلك أن الطلاق قصد منه إصلاح بيت الزوجية؛ لأن الرجل إذا طلق امرأته لا بد في الغالب أن يطلقها لسبب، وهذا السبب إما أن يكون ناشئاً منه أو ناشئاً من المرأة أو ناشئاً من الطرفين.
فإذا طلق المرأة لعيب فيها، أو عيب فيه، أو فيهما، فإنه يدركه الندم ويدركها الندم، وربما يحتاج إلى تلافي وتدارك ما فات، فشرع الله الرجعة لكي يعود الزوجان إلى حياة أفضل من حياتهما فيما قبل، ففيها حكم عظيمة، إذ بها يستطيع الزوج أن يرد زوجته فيجبر الكسر الذي وقع بسبب الطلاق.
وانظر إلى حكمة الله جل جلاله، وعلمه بخلقه سبحانه وتعالى، وكمال تشريعه؛ أن جعل الطلاق ثلاثاً، فالطلقة الأولى ربما كانت بسبب أخطاء من الزوجة، بحيث لو أخطأت المرأة وطلقت، ثم أخطأ الرجل وطلق مرة ثانية، فإنه حينئذٍ يتلافى كل منهما الخطأ؛ لكن بعد هذا كونه يتلافى خطأه وتتلافى هي خطؤها فيحتاجان إلى معين أجنبي، فإذا طلق الطلقة الثالثة وكان الخطأ منه، فإن الله لا يحلها له ولا يبيح له رجعتها حتى تنكح زوجاً أجنبياً، فيتقطع قلبه حسرة ويتألم ويحس بخطئه، ويشعر بقيمة الطلاق، بحيث لو تزوج امرأة ثانية لم يمكن أن يعود إلى الخطأ، ولو أنها طلقت وانتظرها حتى طلقت من زوجها الثاني وحنّت إليه، فإنه يعود إلى حال أفضل وأكمل.
فكانت الطلقة الأولى والثانية رجعيتين، لكن الطلقة الثالثة ليست برجعية؛ لأن الطلاق إما أن يكون باستثارة من الزوجة أو يكون باستعجال من الزوج، وحينئذٍ أعطي الطلقتين: الطلقة الأولى أن يكون الخطأ منه، والطلقة الثانية أن يكون الخطأ منها، فإذا تكرر خطؤه مرتين أدب بالزوج الأجنبي، وإذا كانت المرأة هي التي آذت الزوج وأضرت به حتى طلقها الطلقة الأولى، ثم لم تتأدب وطلبت الطلقة الثانية أدبها الله عز وجل بالطلقة الثالثة، فإنها ستذهب وتعاشر غيره، فإما أن تلتزم الأدب وتحسن القيام على بيت الزوجية وتجده أفضل من الأول فتعيش معه حياة سعيدة، ويعوضها الله عز وجل، وتترك الخطأ وتتجنب استثارة الأزواج، وإما أن ينكد عليها الزوج الثاني ويريها فضل الزوج الأول، فيحصل الطلاق، وتعود إلى الأول بأحسن حال مما كانت عليه.
وهذا كله مبني على حكم عظيمة، وأسرار جليلة كريمة، فشرع الله الطلاق بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعيته.
والحكمة فيه كما ذكرنا: أن الله شرع الرجعة بكتابه وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبإجماع المسلمين، وجعل من الحكم في هذه الرجعة إصلاح ما كان من الخطأ، وعود كل من الزوجين إلى حياة زوجية أفضل.

يشترط لمراجعة الزوجة أن تكون مدخولاً بها وطلقت بلا عوض

يقول رحمه الله: [باب الرجعة].
أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بارتجاع الزوج لزوجته.
وهذه الجمل من المسائل والأحكام ذكرها العلماء رحمهم الله بعد باب الطلاق، والمناسبة في هذا ظاهرة؛ لأن الرجعة لا تكون إلا بعد الطلاق، فذكر المصنف رحمه الله لباب الرجعة بعد الطلاق ترتيب صحيح راعى فيه الوقوع، ولذلك يكاد يكون منهج العلماء قاطبة أنهم يذكرون أحكام الرجعة بعد باب الطلاق.
قال رحمه الله تعالى: [من طلق بلا عوض زوجة مدخولاً بها].
أي: لم يطلقها في خلع؛ لأن الخلع فيه العوض، فقصد بهذه الجملة أن يخرج طلاق الخلع؛ لأن الله شرع الخلع لكي يخلّص المرأة من زوجها إذا كرهته ولم تستطع نفسها أن ترتاح إليه، فلو كان طلاق الخلع يوجب الرجوع لذهبت الحكمة من مشروعية الخلع، ولأن المرأة قد افتكت من الزوج بالفدية، ولذلك سمى الله عز وجل الخلع فدية، والمال المدفوع وهو المهر فدية، قال تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229] فهي تخلّص نفسها خلاصاً كلياً، وبناءً على ذلك لا يحق له أن يرتجعها، ومن هنا انعقد قول جماهير السلف والخلف على أن طلاق الخلع لا رجعة فيه.
فقوله رحمه الله: [بلا عوض] أي: يكون الطلاق بلا عوض.
وقوله: [زوجة مدخولاً بها].
أي: يشترط أن تكون زوجة له، وقد تقدم أن الطلاق لا يقع إلا على الزوجة، وقوله (مدخولاً) صفة لـ (زوجة)، والزوجة إذا طلقت يشترط في كون طلاقها رجعياً أن يقع طلاقها بعد الدخول، فإذا كان طلاقها قبل الدخول لم يوجب الرجعة، والدليل على ذلك آية الأحزاب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49] فنصت الآية الكريمة على أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول فإنه لا يحق للزوج أن يطالبها بالعدة، ولا تجب عليها؛ لأنه إذا كانت المرأة قد طلقت قبل الدخول فإنها تصير أجنبية بالطلاق، وتخرج من عصمته، ولا يحل له أن يعيدها إليه إلا بعقد جديد، فكل من طلق امرأة بعد أن يعقد عليها وقبل أن يدخل بها فإن طلاقه حينئذٍ يكون طلاقاً بائناً بينونة صغرى، لا يحل له أن يرد هذه الزوجة إلا بعقد جديد، وتكون أجنبية عنه.
قال رحمه الله: [أو مخلواً بها].
الخلوة: إرخاء الستر، فإذا دخل الرجل على امرأة بعد أن عقد عليها وخلا بها، أي: أرخى الستر عليهما، أو أغلق الباب عليهما، ففي هذه الحالة اختلف العلماء: فجماهير العلماء من السلف والخلف على أن المرأة التي خلا بها زوجها وثبت أنه لم يجامعها؛ أن حكمها حكم المرأة الأجنبية إذا طلقت، وحينئذٍ يكون طلاقها طلاقاً بائناً في قول جمهور العلماء.
إلا أن الحنابلة رحمهم الله قالوا: إذا خلا بها فإن الخلوة تأخذ أحكام الدخول، وحينئذٍ يكون الطلاق رجعياً.
وهذا القول ضعيف؛ لأنه مصادم لنص كتاب الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49] فقوله: (من قبل أن تمسوهن) الأصل أن المراد به الجماع بالإجماع، كقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:43] فعبر بالمس، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يكني.
فالله عز وجل يعلم عباده الأدب، وحسن التحدث عن الأمور التي يستحيا من ذكرها، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] أي: من قبل أن تجامعوهن، فدل على أن مجرد الخلوة لا يوجب ثبوت الرجعية، وعلى هذا جمهور العلماء، وهو القول الصحيح، والمصنف مشى على المذهب: أن الخلوة توجب الرجعة، وهو قول مرجوح ضعيف.

يشترط ألا تكون الرجعة بعد الطلقة الثالثة

قال رحمه الله: [دون ما له من العدد].
أي: فالشرط الأول: أن يطلق.
الشرط الثاني: أن يكون الطلاق بدون عوض.
الشرط الثالث: أن يكون العدد الذي طلقه لم يصل إلى الحد الأعلى، فلو طلق بالثلاث وهو الحد الأعلى من العدد فإنه لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ولا يحل له ارتجاعها؛ لأن الله سبحانه وتعالى نص في آية البقرة على أن المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها الأول الذي طلقها إلا بعد أن ينكحها زوج آخر، وذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230]. إذاً يشترط: أن تكون مطلقة، وأن تكون مدخولاً بها، وأن يكون الطلاق دون العدد الذي أعطاه الله عز وجل، وتقدم معنا أنه ثلاث للحر وطلقتان بالنسبة للعبد، على تفصيل وخلاف عند العلماء رحمهم الله.

الرجعة حق للزوج في العدة وإن كرهت الزوجة

قال رحمه الله: [فله رجعتها في عدتها ولو كرهت].
فله أن يملك ارتجاع هذه الزوجة في عدتها.
إذاً الحكم الأول: أن من حقه الرجعة.
الحكم الثاني: أن هذه الرجعة تختص بالعدة، فلا ينتظر حتى تخرج عليه عدتها، وسيأتي بيان العدد وأحكامها إن شاء الله تعالى.
فإذاً يحق له ارتجاعها بشرط أن تقع هذه الرجعة أثناء العدة، وقبل خروج المرأة من عدتها بوضع حملها إن كانت ذات حمل، أو بعدة الأشهر إن كانت آيسة أو صغيرة، أو بثلاثة قروء وهي الأطهار إن كانت من ذوات الحيض.
فإذا وقعت الرجعة أثناء العدة فإنه يمتلكها الزوج ولو كرهت الزوجة، والدليل على ذلك قوله تعالى في شأن المطلقات طلاقاً رجعياً: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] فدلت هذه الآية الكريمة على أن من حق الزوج أن يرتجع زوجته.
ولكن اشترط سبحانه وتعالى أن يكون ارتجاع الزوجة للإصلاح وليس للإضرار؛ والسبب في ذلك: أنه كان بعض الناس قبل شرعية هذا الحكم يطلق المرأة ثم يراجعها، ثم يطلق المرأة ويتركها تعتد وقبل أن تخرج من عدتها يردها ثم يطلقها من جديد، ثم يتركها تعتد حتى إذا قربت من الخروج من عدتها ردها، وهكذا حتى تبقى كالمعلقة لا زوجة ولا مطلقة، كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:129]. وقد هدد بعض الصحابة زوجته بذلك، وقال: إني لا أدعك تحلّين لزوج من بعدي وأفارقك، فقالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك حتى إذا قاربت الخروج من عدتك راجعتك، ثم أطلقك حتى إذا قاربت الخروج من عدتك راجعتك إلى آخره؛ فأنزل الله تعالى آية البقرة بتشريع الطلاق ثلاثاً، وأن المرأة إذا خرجت من عدتها لم يملك الزوج إرجاعها كما في آية البقرة التي ذكرناها في شرعية الطلاق بالثلاث، فتضمنت أنه إذا خرجت المرأة من العدة فإن الزوج لا يملك إرجاعها لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] فالظرفية في قوله: (في ذلك) أي: في مدة العدة التي عبر عنها قبل في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228]. الأمر الثاني: أنه يستحق الزوج إرجاع زوجته، بشرط أن يردها للإحسان لا للإساءة، كما ذكرنا في خبر الصحابي رضي الله عنه أنه أراد الإضرار، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:231]. ومن هنا قسم العلماء الرجعة إلى: رجعة واجبة، ورجعة مستحبة، ورجعة محرمة.
فالذي يريد إرجاع زوجته: إما أن يجب عليه إرجاعها في قول بعض العلماء رحمهم الله، وإما أن يكون مستحباً له إرجاعها، وإما أن يكون محرماً عليه إرجاعها.
فأما بالنسبة لوجوب إرجاع الزوجة فمذهب طائفة من العلماء: أنه يجب على الزوج أن يراجع زوجته إذا طلقها في الحيض، وهو مذهب الحنفية والمالكية، فيرون أنه طلاق بدعي، وأنه خطأ، ولا يمكن إصلاح هذا الخطأ إلا بردها، قالوا: ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: (مره فليراجعها) فإنه أمر، والأمر يدل على الوجوب، قالوا: فيجب عليه أن يراجعها.
الحالة الثانية: أن تكون الرجعة مستحبة وهي: إذا انتفت الموانع والدوافع، فإنه يستحب للإنسان أن يراجع زوجته المطلقة إذا غلب على ظنه أنها ستصلح الأحوال، وغلب على ظنه أن في ذلك خيراً للمرأة، فقالوا: الأفضل والأكمل أن يراجعها؛ لأن إرجاع الزوجة ربما يكون فيه الرفق بالأولاد، خاصة إذا كانت ذات أولاد وذرية، فإنه ربما لا تجد زوجاً من بعده، خاصة إذا كانت كبيرة أو ذهب جمالها، فإنه ربما بقيت عانساً، وقد لا يأمن عليها الوقوع في الحرام، فإذا علم الله بقرارة قلبه أنه يريد إرجاعها من أجل أن لا تتعرض للحرام، ويريد ارتجاعها رفقاً بأولاده ولطفاً بهم، فإنه قد فعل أمراً مستحباً، وعلى الله أجره وثوابه، وقد أحسن في ذلك.
وأما بالنسبة لتحريم رجوع المرأة فتحرم الرجعة إذا قصد الزوج منها أذية المرأة والإضرار بها وقال: أردها حتى أنتقم منها أو أوذيها، فإنه إذا ثبت عند القاضي بشاهدة الشهود أنه قال هذا الكلام، فمن حق القاضي أن يمنعه من ارتجاع زوجته؛ لأن الله يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] ومفهوم الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] أنه لا حق لهم إذا كانوا لا يريدون الإصلاح.
كذلك أيضاً: إذا كان رجوع المرأة فيه شر وفساد، مثل أن تتعاطى المحرمات، أو تقع في الزنا فتخلط عليه نسبه، وتفسد عليه فراشه، ولم يعلم منها توبة، بل علمها فاسدة، وطلقها من أجل ذلك، فمثل هذه لا يجوز له أن يراجعها؛ لأنه إذا راجعها آذى أولاده وذريته، وأفسد فراشه ونسبه، فلا يحل له أن يتعاطى مثل هذه الأمور؛ لأن لأولاده وذريته عليه حقاً في مثل هذا، فلا يجوز له أن يعرّض نسبه لهذه المخاطر العظيمة، والشر والبلاء الكبير.
على كل حال فقد بيّن المنصف رحمه الله أنه يستحق الرجعة بهذه الشروط التي أشار إليها رحمه الله، فيزاد إليها شرط: قصد الإحسان والإصلاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228].

الألفاظ التي تقع بها الرجعة

قال رحمه الله: [بلفظ: راجعت امرأتي، ونحوه].
الرجعة تقع بأمرين: الأول: القول، والثاني: الفعل.
يحق للزوج أن يراجع زوجته بالقول، وهو أقوى ما يكون في الرجعة، ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أنه إذا تلفظ بلفظ الرجعة الصريح أنه مراجع لزوجته، ولا خلاف بين العلماء أن القول يوجب الرجعة.
ثانياً: تقع الرجعة بالفعل، ومن ذلك أن يجامع المطلقة أو يلمسها أو يقبلها أو ينظر إلى فرجها بشهوة، على تفصيل عند العلماء: هل يقصد الرجوع أو لا؟ سيأتي إن شاء الله.
وقوله رحمه الله: [بلفظ راجعت] أي: تقع الرجعة بلفظ: راجعت، وألفاظ الرجعة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: اصطلح العلماء رحمهم الله على تسميته باللفظ الصريح، وهذا النوع من الألفاظ إذا شهد الشهود أو سمعه القاضي من الزوج، حكم بكونه مراجعاً لزوجته ولو لم يلتفت إلى نيته، وهو أنه يقول: راجعتك أو أرجعتك، فإذا قال لها: راجعتك أو أرجعتك، وما اشتق منه مما يدل على الرجعة صراحة، حكم بكون المرأة قد رجعت إلى عشرة الزوج، فلو توفي بعد هذه الكلمة حكمنا بأنها رجعية وترثه، ويحكم لها بالأحكام الزوجية، ويجب عليها أن تعتد، شأنها شأن الزوجة.
القسم الثاني من الألفاظ التي تقع بها الرجعة: الألفاظ غير الصريحة، وهي ألفاظ الكناية، وهو أن يأتي بلفظ يحتمل أنه يريد الرجعة ويحتمل أنه لا يريد الرجعة، فيقول لها: الأمر بيني وبينك على ما كان، فهذا يحتمل أنني رجعت عن طلاقك وأريد أن أرتجعك، فعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل الطلاق، ويحتمل قوله: الأمر بيني وبينك على ما كان، أي: لا زلت مطلقاً لك وباقياً على طلاقك، ولا أريد رجوعك إليّ، أو يقول: أنت مني على ما كنت من قبل، فيحتمل (من قبل) أي: من قبل الطلاق، ويحتمل (من قبل) أي: من قبل أن أكلمك، فلا زلت أكرهك ولا أريد رجوعك.
فهذه الألفاظ المحتملة إذا قال لها: الأمر بيني وبينك على ما كان، أو يقول لها: عدت إلى حالي الذي كنت عليه، فنسأله: هل قصدت الرجعة؟ فإن قال: قصدت رجوعها ثبت رجوعه، وإن قال: لم أقصد بهذا اللفظ رجوعها، فإنه لا يحكم بكونه مرتجعاً لها.
واختلف العلماء في قوله: (رددتك وأمسكتك) هل يعتبر مراجعاً لزوجته؟ فلو أن رجلاً طلق امرأته طلقة ثم قال لها: رددتك، أو قال لها: أمسكتك، ثم توفي، وشهد الشهود عند القاضي أنه قال: رددتك وأمسكتك، فهل يحكم بكونه مراجعاً لزوجته أو لا يحكم؟ قال بعض العلماء: رددتك وأمسكتك صريح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:229]، وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:231] وهذا يدل على أنه إذا قال لها: أمسكتك، فإنه يحكم بكونه مرتجعاً لزوجته.
وهذا القول فيه قوة، خاصة وأن دليل القرآن يشير إلى اعتباره، وأنه يحتمل بقوة رجوع المرأة.
وعلى هذا فإن الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وفي الأصل قسمان: قسم الصريح والكناية، وقسم مختلف فيه هل هو صريح أو كناية، وإن كان يرجع إلى أحد الأمرين، فيصبح المجموع قسمين على ما ذكرناه.
وقوله رحمه الله: [بلفظ: راجعتك] هو اللفظ الصريح.
قال رحمه الله: [لا نكحتها ونحوه].
لو قال: راجعتك، أو قال أمام عدلين أو أمام أصحابه كلمة: راجعتك، ارتجعت زوجتي، رددتها، أمسكتها، فيستوي أن يقول لفظ الرجعة وهو لوحده، أو يقول بحضور الزوجة، أو يقوله في حال غيبتها، فالحكم واحد، إذا قال: أرجعتك، يخاطب الزوجة فإنها تثبت الرجعة، ولو قال: راجعت زوجتي، وهو جالس مع شخص، وبقي من عدة زوجته يوم واحد، أو اتصل على أبيها قبل انتهاء عدتها بيوم وقال: رجعت، أو رددت بنتك، فحينئذٍ تثبت الرجعة.
إذا تلفظ بلفظ الرجعة فسواء خاطب به الزوجة أو لم يخاطبها به فإنه يثبت له حكم الرجعة، أي: فلا يشترط في الرجعة أن يواجه الزوجة بها، ويستوي أن تسمع منه، أو يقول ذلك في حال غيبتها.

الإشهاد وحكمه في الرجعة

قال رحمه الله: [ويسن الإشهاد على الرجعة].
لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:2] فأمر الله تبارك وتعالى بالإشهاد على الرجعة.
وهذا الإشهاد من حيث الأصل فيه حكم عظيمة؛ لأن المرأة إذا طلقت فإن هذا نوع من الانفصال، بحيث لو خرجت من العدة صارت أجنبية.
فإذاً: رجوعها إلى زوجها يترتب عليه أحكام من حلها وغير ذلك، وخاصة على القول الذي يقول: إن الرجعية أجنبية، يعني: لا تعتبر في حكم الزوجة، كما هو مذهب الشافعية وغيرهم.
وأيضاً يثبت بذلك أحكام: فلو أنه توفي فجأة، أو جاءته سكتة، أو جاءه حادث -والعياذ بالله- فالإشهاد فيه صيانة، وحفظ للحقوق، فلو أن رجلاً طلق امرأته ثم قال لرجل: راجعت زوجتي، ثم ركب سيارته وتوفي، أو جاءته سكتة في تلك الليلة ولم يصبح منها؛ فإنها زوجة، ويجب عليها الحداد، وحكمها حكم الزوجات، فكيف نثبت هذه الزوجية والكل يعلم أنها قد طلقت؟! فإذاً الإشهاد على الرجعة فيه خير للزوج والزوجة، وحفظ لحق الزوج، وحفظ لحق الزوجة.
ولذلك لو كان الزوج في مكة والزوجة بالمدينة، وقبل خروجها من عدتها بيوم أو أثناء عدتها قال لشخصين: اشهدا أني راجعت زوجتي، ثم سافر يريد أن يخبر زوجته ويردها إليه، فلما وصل إليها وجدها قد خرجت من عدتها، فإذا وجدها قد خرجت من عدتها فإنها ستنكر أن تكون زوجة له، وتقول له: يا فلان! طلقتني وخرجت من عصمتك بخروجي من عدتي، فأنت أجنبي مني وأنا أجنبية منك، فإنه لا يستطيع أن يثبت هذا إلا بالشهود، فإذاً يضيع حقه لو لم يكن مشهداً، ويضيع حقها أيضاً إذا توفي عنها إلا إذا كان مشهداً، فالشهادة لا شك أنها تحفظ الحقوق.
واختلف العلماء في الإشهاد على الرجعة: فمنهم من يقول: الشهادة على الرجعة واجبة؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2]، والأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه ولا صارف له، وهو قول الشافعية وطائفة.
وقال بعض العلماء: الإشهاد مسنون كما اختاره المصنف رحمه الله، وهو قول الجمهور.

الأسئلة

حرمة كتم الزوج مراجعته لزوجته

السؤال

الإشهاد ليس شرطاً في الرجعة، ولكن هل له أن يكتم رجعة زوجته؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالإشهاد ليس شرطاً لصحة الرجعة على أصح قولي العلماء، وهو مذهب الجمهور، حتى الشافعية الذين أوجبوا الإشهاد لم يقولوا: بأنه شرط في صحة الرجعة، فتصح الرجعة بدون إشهاد؛ ولكن يجب عليه ويأثم بتركه، ولذلك جاء عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أنه لما طلق رجل امرأته وردها ولم يشهد بيّن أنه خالف السنة، وقال له: (طلقت لغير السنة، وراجعت لغير السنة فلا تعد).
على كل حال: إذا كتم الرجعة فإنها تضيع حقوق الزوجة، ولا يجوز للزوج أن يكتم هذه الرجعة، بل عليه أن يخبر ويبيّن؛ لأنها امرأة تحس وتتألم، وإذا كتم ربما وقعت في المحظور من أن تُنكَح من رجل وهي ذات زوج، ولذلك لا بد أن يبين، ومن هنا جاء عن السلف وأئمة السلف رحمهم الله التشديد في كتمان شهادة الرجعة، فلو قال للشهود: لا تخبروا أحداً أني راجعت زوجتي، فإنه إذا علم القاضي بذلك يعزره ويعزر الشهود، فلا يجوز كتمان هذه الشهادة؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:2] فأمر الله عز وجل أن تكون شهادة تامة كاملة قائمة لله عز وجل، وقد أمرهم الله سبحانه وتعالى، وأمر الشهود أن يكونوا قوّامين بالقسط شهداء لله.
فإذا كُتمت الشهادة أو كتم الزوج رجعته لزوجته ضاعت الحقوق، ولا ينبغي مثل هذا لأنه منكر، وتضييع لحق الله عز وجل وحقوق عباده.
والله تعالى أعلم.

خروج المرأة المطلقة رجعياً من بيت الزوجية

السؤال

بعض النساء عندما يطلقها زوجها طلقة واحدة فإنها لا تجلس في بيت زوجها، بل تذهب إلى بيت أهلها، فهل يصح هذا الفعل، وخاصة إذا قصدت الزوجة من خروجها أن يهدأ الزوج ويذهب غضبه؟

الجواب

في الحقيقة ينبغي على العلماء وعلى طلاب العلم وعلى أئمة المساجد والخطباء أن ينبهوا الناس على هذه القضية، وأن يتواصى طلاب العلم بها، وهي قضية خروج المرأة المطلقة طلاقاً رجعياً من بيت الزوجية.
فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية، ولا يجوز للزوج أن يطردها من بيتها، ولا يجوز لأبيها أو أخيها أن يأتي ويأخذها.
فلينبّه الناسُ على ذلك، فهذه مسئولية الخطباء، ويجب عليهم أن يبينوا للناس حكم الله في الطلاق، وأن يبينوا لهم السنة والبدعة، والأحكام المترتبة على هذا الأمر، خاصة في هذا الزمان.
تفشى بين الناس كثيراً إلا من رحم الله؛ أن المرأة بمجرد ما يطلقها زوجها يأتي أبوها أو يأتي أخوها أو يأتي قريبها، فيأخذها، وقلّ أن تجد امرأة اعتدت عدة الطلاق الرجعي في بيت الزوجية، وهذا من المنكر العظيم؛ فإن الله يقول: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:1] فهذه المرأة المطلقة طلقة أولى أو طلقة ثانية بعد دخوله بها لا يحل خروجها من البيت، ولا يجوز للزوج أن يطردها إلا في أحوال مستثناة.
والأحوال المستثناة: هي أن يكون الزوج شريراً عظيم البلاء ويغلب على ظنها أنها لو جلست لحصل ما لا يحمد، ففي هذه الحالة من حقها أن تفر من ضرره، خاصة إذا كان عنده أمور خطيرة، أو رجل شديد العصبية، وأنه ربما أضر بها إضراراً عظيماً، وربما ضربها، وربما يتعدى بها إلى القتل أو الإضرار بها، فحينئذٍ يجوز للوالد إذا خاف من هذه الأضرار، ولأقرباء الزوجة إذا خافوا من هذه المفاسد؛ أن يخرجوا المرأة من بيت الزوجية.
أما إذا كانت الزوجة لا تخشى الضرر العظيم الفادح والغالب على الظن وقوعه؛ فإنه لا يجوز إخراجها، ويجب عليها أن تبقى في بيت الزوجية، وأخوها ظالم وأبوها ظالم ووليها ظالم إن أخرجها، ومن أخرجها من بيت الزوجية فقد ظلم، وطيلة ما تعيش في بيت أخيها أو بيت أبيها أو بيت قريبها بعيدة عن بيت الزوجية؛ فإن هذه الأيام والليالي كلها إثم وحرج على من أعانها على هذا الخروج؛ لأن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2] وهذا تعاون على الإثم وعلى العدوان، وتضييع لحق الله العظيم.
لأن الله لما جعل المطلقة طلاقاً رجعياً تبقى في بيت الزوجية فذلك لحكم عظيمة؛ فإنها إذا بقيت في بيت الزوجية حنّ كل من الزوجين للآخر، ولذلك قلّ أن تسمع اليوم رجلاً راجع زوجته وصلحت الأمور، لأنها بمجرد خروجها من بيت الزوجية تذهب إلى أهلها، فتفسد على زوجها، حتى ولو عادت مرة ثانية وهي صالحة؛ فوالله لو بقيت في بيت الزوجية لكان أصلح لها وأفضل.
فهذه أمور عظيمة، ولذلك لا يصلح الأزواج إلا بتفاهم الزوجين مع بعضهم، ولا يضر الزوجين شيء مثل دخول الطرف الأجنبي، حتى ولو كان الطرف الأجنبي أباً لها أو أخاً أو قريباً، فإن المرأة إذا بقيت مع زوجها استطاع كل منها أن يعرف كيف يحل مشاكل الآخر.
فهي إذا بقيت في بيت الزوجية أولاً: يستطيع الزوج أن يستخدم قوته في الصبر عنها حتى تتأدب إذا كانت هي التي أخطأت، فتراه يمر عليها، وتمر عليها الليلة تلو الليلة وهي في نفس البيت تعيش الذكريات القارسة المؤلمة، فتكتوي بنار الفرقة، والمرأة خلقها الله ضعيفة المشاعر، وجعل هذا الضعف كمالاً لها وجمالاً وجلالاً، وهذه المشاعر لا تكتوي بها عادة إلا إذا جلست قريباً من زوجها وهي تراه، لكن إذا ذهبت إلى بيت أبيها أو إلى بيت قريبها انشغلت مع بيت أبيها عن تحسس هذه الأحاسيس، ولذلك انظر حكمة الله عز وجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] ونسب البيوت إليهن، مع أنها بيوت الزوجية ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:1].
كما أن الزوجة تفر من بيت الزوجية إذا خشي الضرر، كذلك من حق الزوج أن يطردها وأن يخرجها من بيت الزوجية إذا كانت قد ارتكبت فاحشة مبينة كالزنا والعياذ بالله، أو كانت سيئة عظيمة الضرر؛ بأن تكون شريرة تستفزه، أو ربما تؤذيه، خاصة إذا كانت مسترجلة! ففي هذه الحالة من حق الزوج أن يطردها ويخرجها من بيت الزوجية، ويقول لوليها في هذه الحالة: تعال وخذ وليتك؛ لأن هناك فاحشة، سواءً كانت فاحشة باللسان أو كانت فاحشة بالجوارح والأركان.
فإذا كانت ذات فحش وأذية وإضرار بالزوج أو بقرابته، بحيث إذا طلقها قامت تسب أمه أو تسب والده، فإذا بقيت في بيت الزوجية والرجل ساكن مع والديه، فتطيل لسانها على أبيه وأمه، فمن حقه أن يطردها من بيت الزوجية ولو كانت في عدتها؛ لأنها أتت بفاحشة مبينة، وآذت وأضرت، مثل أن تقول لأمه: قولي له يردني، وتؤذيها وتضرها، وتزعجها وتقلقها؛ لكن لو جاءت بالمعروف وبكت عند أمه، وقالت: يا أم فلان قولي لفلان يراجعني، إني مخطئة إني كذا، فهذا شيء طيب، لكنها تأتي وتسبها وتشتمها وتؤذيها وتضرها وتضيق عليها، أو تضيق على والده وعلى قرابته، فإنه في هذه الحالة من حقه أن يطردها من بيت الزوجية، وليس لها حق في سكناها.
على كل حال: هذا الأمر ينبغي علينا جميعاً أن نتقي الله، وأن نتبع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الحكم العظيمة أن الزوج يحنّ لزوجته إذا كانت في بيت الزوجية، والزوجة تحنّ إلى زوجها إذا كانت في بيت الزوجية، وتصلح الأمور وتهدأ، ولا شك أن الله حكيم عليم، ولذلك قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1] ونشهد لله أننا لا نعلم وأنه هو وحده سبحانه العليم الحكيم علام الغيوب، ونشهد أننا أجهل ما نكون إلا أن يعلمنا سبحانه وتعالى، وهو العليم الحكيم، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم! فلا شك أن لله الحكمة التامة البالغة في هذا الشرع الذي أوجب علينا في المطلقة طلاقاً رجعياً أن تبقى في بيت الزوجية ولا تخرج منه.
فالواجب أن يؤمر الناس بهذا الأمر، وأن يبين لهم شرع الله، وأن يحثوا ويحضوا على ذلك.
والله تعالى أعلم.

عدم ثبوت الرجعة بلفظ (نكحتها)

السؤال

هل تثبت الرجعة بلفظ: نكحتها، أثابكم الله؟

الجواب

إذا قال: نكحتها، لم تثبت الرجعة؛ لأنه لا يدل على الرجعة لا صراحة ولا ضمناً، ومن هنا يفتقر هذا اللفظ إلى الدلالة، فلا تثبت الرجعة به في قول جمهور العلماء رحمهم الله.
والله تعالى أعلم.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
الشك في الطلاق [1]تعريف الشك وبيان مراتب العلمالوسواس القهريعلاج الوسوسةذكر الله عز وجلالأخذ بالأسبابالعمل بالفتوىالبعد عن المظالمإحسان الظن بالله عز وجل والتقرب إليه بالصالحاتالوسوسة العارضةالأسئلةالتعليق في الطلاقالسؤالالجوابحكم تكرار العمرة للمكيالسؤالالجوابحكم أكل المتمتع من الهديالسؤالالجوابالشك في الطلاق [2]مسائل الشك في الطلاقصور الشك في الطلاقالصورة الأولى: أن يكون الشك في وقوع الطلاقالصورة الثانية: أن يكون الشك في الشرطالصورة الثالثة: أن يكون الشك في عدد الطلاقمسألة: إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالقحكم طلاق الشك إذا تغينت المطلقة بعد القرعة بزمنمسألة: إذا علق طلاق زوجتيه على كون الطائر غراباً أو حمامة وجهلمسألة: إن قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق أو العكسمسألة: إن قال لمن ظنها زوجته أنت طالق أو العكسالأسئلةحكم العدول عن القرعة عند الشك في الطلاق إلى الاختيار بحسنالسؤالالجوابالولد للفراش وللعاهر الحجرالسؤالالجوابحكم الخروج من المسجد بعد الأذان الأول للجمعةالسؤالالجوابباب الرجعة [1]الرجعة تعريفها مشروعيتها الحكمة منهايشترط لمراجعة الزوجة أن تكون مدخولاً بها وطلقت بلا عوضيشترط ألا تكون الرجعة بعد الطلقة الثالثةالرجعة حق للزوج في العدة وإن كرهت الزوجةالألفاظ التي تقع بها الرجعةالإشهاد وحكمه في الرجعةالأسئلةحرمة كتم الزوج مراجعته لزوجتهالسؤالالجوابخروج المرأة المطلقة رجعياً من بيت الزوجيةالسؤالالجوابعدم ثبوت الرجعة بلفظ (نكحتها)السؤالالجواب
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل