هناك ألفاظ يطلقها الزوج ويختلف الأثر المترتب عليها باختلاف نيته وقصده، وهذه الألفاظ يكثر السؤال عنها وتعم بها البلوى، ولهذا بحث العلماء رحمهم الله هذه الألفاظ وما يتعلق بها.
حكم تحريم الزوج زوجته على نفسه
قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن قال: أنت عليَّ حرام أو كظهر أمي؛ فهو ظهار ولو نوى به الطلاق].
هذه المسألة تعرف بمسألة تحريم الزوجة.
أولاً: ما هو لفظ التحريم؟ وما هي صورته التي يقع بها؟ لفظ التحريم يقع عاماً ويقع خاصاً.
يقع عاماً فيقول: ما أحل الله لي فهو حرام علي، أو الحلال حرام علي، هذا اللفظ يعتبر لفظاً عاماً، ويسمونه: لفظ تحريم عام، والزوجة داخلة تحت هذا العموم.
الحالة الثانية: أن يخص ويخاطب الزوجة، فينقسم إلى التعريف والتنكير، فالتنكير كخطابه لزوجته وقوله لها: أنت حرام، زوجتي حرام، حرمت.
هذه كلها بألفاظ النكرة، والتعريف كقوله: أنت الحرام، عليَّ الحرام منك، ما أحل الله لي منك فهو الحرام عليَّ، أو الحلال حرام بالعموم كأن يقول: الحلال منك حرام عليَّ، هي حرام.
ونحو ذلك، هذه كلها ألفاظ تحريم، وهذا اللفظ حكمه في الشرع أنه زور وإثم على صاحبه -والعياذ بالله- لأن الله حرم على المسلم أن يحرم ما أحل الله له، وأجمع العلماء على أنه آثم، والدليل على ذلك: أولاً: قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:116]، فهو يقول: (حرام) في موضع حلال، فيفتري على الله الكذب، فجعل ما أحل الله حراماً وما حرمه حلالاً.
فكيف يجعل الحلال حراماً والحرام حلالاً؟! فكان هذا افتراء وكذباً على الله.
ثانياً: ما ثبت عند أحمد في مسنده وهو حديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تحلوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) فقال: (أحل أشياء فلا تحرموها) فأحل الله له زوجته، والزوجة حلال له بحكم الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:50].
فإذا ثبت أنها حلال له وقال: أنت حرام عليَّ، حرمتك، الحرام يلزمني.
فإنه في هذه الحالة جعل ما أحل الله له حراماً، وقد عاتب الله نبيه في هذه المسألة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:1]، والاستفهام في قول الجماهير من المفسرين استفهام يتضمن المعاتبة والإنكار؛ كأنه أنكر على نبيه ذلك، فدل على أنه يحرم على المسلم أن يقول هذه الكلمات.
هذه المسألة الأولى: عرفنا ما هو الحرام، وعرفنا الحكم الشرعي فيه، والواجب على كل طالب علم سمع رجلاً يقول: عليَّ الحرام، زوجتي حرام، أنتِ حرام.
أن يقول له: اتق الله واستغفر الله من هذا الذي تقول، فإن الله لم يأذن لك أن تحرم ما أحل لك، كما لم يأذن لك أن تحل ما حرم عليك.
فلا يجوز لك هذا، وتنصح وتقول له: هذا حرام عليك.
توجيه العلماء وأئمة المذاهب لقول الرجل لزوجته: أنت علي حرام
مسألة إذا قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، أنت حرام، حرمتك، فما الحكم؟! هذه المسألة فيها تفصيل وكلام طويل، فهناك ما يقرب من عشرين قولاً للعلماء رحمهم الله في هذه المسألة التي هي من أطول المسائل، والكلام فيها مستفيض، فقد حكى فيها الإمام القرطبي -من أئمة التفسير- وغيره في كتب أحكام القرآن، وتكلم الإمام ابن القيم رحمة الله عليه، عليها في أعلام الموقعين وفي الهدي أيضاً، وأجاد فيها وأفاد كعادته رحمه الله برحمته الواسعة، وتكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى كلاماً نفيساً، واختار ما رجحه بدليله.
فهذه المسألة من مشهورات المسائل والتي طال فيها الكلام بين العلماء، لكن الذي يهمنا هو ما ذكرته المذاهب المشهورة، والتي هي المذاهب الأربعة ومذهب الظاهرية رحمة الله على الجميع؛ لأن هذه المذاهب في الغالب احتوت خلاف الصحابة، وجعل الله لهذه المذاهب من القبول ما لم يجعله لغيرها؛ لأنها شملت أكثر الأقوال، فقل أن تجد مسألة يخرج فيها الخلاف عن هذه الخمسة الأقوال، وقد يوجد لكن يندثر مع طول الزمان، لكن الله عز وجل أبقى هذه المذاهب واعتنى بها لحكمة يعلمها سبحانه، فلله عز وجل في ذلك الحكمة، وهو أعلم بما جعل لعباده.
فالمقصود أننا نقتصر على المشهور، قال الحنفية: لو أن الرجل قال لامرأته: أنت حرام، علي الحرام، الحلال منك عليَّ حرام.
قالوا: إما أن ينوي طلاقاً أو ينوي ظهاراً أو ينوي يميناً أو ينوي لغواً وكذباً، وفي حكمه ألا ينوي شيئاً.
قالوا: إذا قال: زوجتي حرام، أنت عليَّ حرام، حرمتك، قاصداً الطلاق، سألناه: هل تقصد طلقة؟!! فإن أراد واحدة فواحدة رجعية، وإن أراد طلقتين فاثنتين، وإن أراد ثلاثاً فثلاثاً، وتحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، هذا إذا نوى الطلاق.
وأما إذا نوى الظهار، فعندهم قولان: قيل: يكون ظهاراً، وقيل: لا يكون ظهاراً.
والخلاف كان بين الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف من جهة، ومع الإمام محمد بن الحسن من جهة أخرى، والمذهب مع قول الإمام أبي حنيفة أنه إذا نوى الظهار صار ظهاراً، فإذا قال: أنت عليَّ حرام، يعني: لا أطؤك.
يعني: كظهر أمي، فيحرم وطؤها، ويجعلها كأمه لا يستمتع بها، فإذا نوى ذلك فظهار.
الحالة الثالثة: أن تكون نيته اليمين، فيقول: نويت أن يكون يميناً، فحينئذ تلزمه كفارة اليمين.
الحالة الرابعة والأخيرة: أن يقول لها: أنت عليَّ حرام، أنت حرام، وينوي اللغو أو الكذب، فعندهم فيه وجهان: قيل: إنه لغو مطلقاً، وقيل: لغو، وإن رفع إلى القضاء وقال: ما نويت شيئاً أو قصدت الكذب أو قصدت اللغو، فإننا في هذه الحالة نلزمه أن يحلف اليمين ليصدق قوله، وليس عليه شيء، وهذا حاصل ما ذكره فقهاء الحنفية.
والشافعية وافقوا فقهاء الحنفية في هذا التفصيل، والفرق بين الحنفية والشافعية في الحالة الأخيرة إذا لم ينو شيئاً، فعند الشافعية يُكفر كفارتين، وتنعقد يميناً، وعند الحنفية لا تنعقد شيئاً.
فالشافعية يوافقون الحنفية إلا في مسألة عدم النية.
القول الثالث: قول المالكية، فرقوا بين النكرة والمعرفة.
في التنكير إذا قال: أنت حرام، حرمتك.
فإنه طلاق بالثلاث، وتحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.
وأما إذا قال: أنت حرام، وهناك عرف، فننظر إلى العرف الذي هو فيه؛ فإن جرى العرف الذي هو فيه أنه طلاق، فيحتسب بحسب ذلك العرف، إن كان رجعياً فطلاق رجعي، وإن كان بائناً فبائن.
وأما بالنسبة للحنابلة رحمهم الله فأقفلوا الباب في المسألة نهائياً، فقالوا: من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، أنت الحرام، حرمتك؛ فإنه ظهار مطلقاً، حتى ولو نوى به الطلاق أو اليمين فظهار.
والذي دعا العلماء إلى هذا الاختلاف كما قرره الإمام القرطبي وغيره من جهابذة العلماء في بيان أن السبب في اختلاف الأقوال وتعددها: أنه ليس هناك نص لا في الكتاب ولا في السنة يبت في هذه المسألة وفي وجوهها، وإن كانت آية التحريم في جانب من الجوانب تقوي بعض هذه الأقوال، لكن بالنسبة لقضاء الصحابة اختلف، فعن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه جعل (أنت عليَّ حرام) طلاقاً بالثلاث يوجب البينونة الكبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، والسبب في هذا أنه إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، فالمرأة لا تكون حراماً على زوجها إلا بالثلاث.
فهذا قضاء علي رضي الله عنه والخليفة الراشد المأمور باتباع سنته.
أما عثمان رضي الله عنه، فإنه كان يرى أن (أنت عليَّ حرام) ظهار، وسبب هذا الاختلاف راجع إلى الأدلة وفهم النصوص، فليس هذا الخلاف عبثاً، والصحابة من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم اختلفوا، فـ علي رضي الله عنه عندما جعله ثلاثاً نظر إلى كلمة (حرام) فالشرع لا يحرم الزوجة إلا بالثلاث؛ لأنه لو قال: واحدة؛ لم تكن حراماً، فهو بينه وبين الله جعل امرأته حراماً، فأخرجها من عصمته كما لو قال لها: أنت طالق بالثلاث، هذا قضاء علي.
فإذا نظرت إلى قضاء علي رضي الله عنه، فإن علياً نظر إلى اللفظ والمتلفظ -الذي هو الزوج- وأما عثمان فنظر إلى المحل، فالمحل -المرأة- تعلقت به صفة التحريم، ولذلك وجد في الشريعة جانبان: تحريم خاص: وهو تحريم الاستمتاع، وتحريم عام وذلك بالتطليق ثلاثاً، فقال: اليقين عندي أن آخذ بأقل التحريم؛ لأن الأصل أنها زوجته، فأقول: أحرم عليك فقط وطأها ويكون ظهاراً، وهو قول عثمان رضي الله عنه وأرضاه، فكلٌ ينظر إلى جانب، إما أن تنظر إلى محل اللفظ، وإما أن تنظر لدلالة اللفظ، فإن نظرت إلى دلالة اللفظ أنه حرمها وأخرجها من عصمته، فلا تحرم ولا تخرج من عصمته إلا بالثلاث، وإن نظرت إلى أن المحل في حكم الشرع تعلق به تحريم، فالشرع يحرمه بالثلاث، ويحرمه بالظهار، وأيضاً يحرمه بالإيلاء، وذلك باليمين.
وقد قضى ابن عباس أنها يمين، ونظر إلى ما يتعلق به التحريم من جهة اللفظ في حلف الرجل المولي فقال: حكمه حكم اليمين، وجعله يميناً.
والحنفية يعملون قول ابن عباس رضي الله عنه في جعله يميناً في بعض الأحوال، ويجعلونه إلى حد الأربعة الأشهر، ويسري عليه حكم الإيلاء من هذا الوجه، هذا بالنسبة لمن قال: إنه ظهار، ومن قال: إنه ثلاث طلقات، ومن قال: إنه يمين.
أما الظاهرية فقالوا: هذا لغوٌ ولا شيء فيه، وما دليل الظاهرية؟ ولماذا قال الظاهرية بهذا؟ قول الظاهرية هو رواية عن ابن عباس، فشركوا الأئمة الأربعة بأن قولهم له أصل أيضاً من الصحابة، وإن كان أصل من قال بالثلاث ومن قال بالظهار أقوى في الصحابة؛ لأن عثمان وعلياً ليسا كـ ابن عباس رضي الله عنه، ولأن منزلة عثمان وعلي في الأمر باتباع سنتهم تجعل رجحان المروي عنهما أكثر من ابن عباس رضي الله عنه.
فالشاهد أن الظاهرية قالوا: إنه لغو، وهو رواية عن ابن عباس رضي الله عنه وقال به بعض أئمة السلف كـ مسروق رحمه الله، واحتجوا بأدلة منها إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فوجدنا أن قوله: (أنت علي حرامٌ) لا يستقيم مع الشرع ألبتة، فالشرع جعلها حلالاً، وهو يقول: إنها حرام، فقالوا: في هذه الحالة صار من البدع، ومن المعارض للشرع فهو لغو، ووجوده وعدمه على حدٍ سواء، هذا مذهب الظاهرية ومسلكهم.
والذي يترجح -والعلم عند الله- القول بالنية، فإن القول بالنية من القوة بمكان؛ لأن الرجل حينما قال لامرأته: أنت علي حرام، فهناك شيءٌ بينه وبين الله، فإن قصد به الثلاث فثلاثٌ كما قضى علي رضي الله عنه، وإن قصد به الظهار صار للمحل؛ والأصل في الشريعة الرجوع إلى اللفظ والمتأثر؛ وهي زوجته، والله جعل الطلاق له، واللفظ صادر منه، فلا يصار إلى المحل -كما اختار بعض العلماء وبعض السلف رحمهم الله- إلا بعد وجود الشبهة التي توجب الانصراف عن المتلفظ؛ لأن الأصل في الشريعة في باب ألفاظ الكنايات إذا وجدت مسألة خلافية أن ترجع إلى أصلها، (فأنتِ حرام) ليس من الصريح، وإنما هو من الكنايات، وباب الكنايات الأصل فيه النية؛ ولذلك مذهب الشافعية في اعتبار النية في الكنايات هو الذي تطمئن إليه النفس.
وهنا نطبق الأصل الذي رجحناه أننا ننظر إلى نيته فنقول: إذا قال لها: أنت علي حرام، وقصد طلاق الثلاث فكيف نجعله ظهاراً؟ لا يمكن، لأن الرجل فيما بينه وبين الله قصد أن يطلق امرأته طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فنص على أن من نوى الشيء كان له، فنقول: هذا متردد بين الظهار واليمين والتحريم والطلاق ثلاثاً واللغو، فنعتبر نيته.
يبقى
السؤال
إذا كنا نرجح أنه ينظر إلى نيته، لو قال لنا: لا نية لي، فنقول: إن أصح الأقوال في هذا أيضاً مذهب الشافعية أنه يكفر كفارة اليمين؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم:1 - 2] فكفر عنه عليه الصلاة والسلام بكفارة اليمين، فدل على أن من حرم يكفر كفارة اليمين إن قصد التحريم الموجب لليمين كما ذكرنا إن نواه يميناً، وإن لم ينوه يميناً بقي موجب التحريم الذي أخذ به عليه الصلاة والسلام وألزم بكفارته.
وهذا حاصل ما يقال في مسألة التحريم، والخلاصة: أن من قال لامرأته: حرمتك أو أنت علي حرام، ولم تكن له نية معينة عند قوله ذلك فالراجح أنه يكفر كفارة يمين، كما يحصل في عرف بعض الناس ويكون معتاداً عندهم أن يقول أحدهم: علي الحرام، زوجتي حرام، أو
حكم قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ناوياً الطلاق
قال رحمه الله: [وإن قال: أنت علي حرام أو كظهر أمي فهو ظهارٌ ولو نوى به الطلاق، وكذلك ما أحل الله علي حرام] جمعها كلها في مسألة واحدة، أنت علي حرام، أو أنت علي كظهر أمي، أما قوله: أنت علي كظهر أمي، فهذا ظهار، وبالإجماع أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أنه ظهار، وإن كان هناك خلاف في مسألة: أنت علي كيد أمي، كرأس أمي، كعين أمي، بذكر أعضاء غير الظهر، وفي حذف الظهر كلية كقوله: أنت كأمي، وهناك خلاف إذا ذكر غير الأم: أنت كأختي، أنت كعمتي، كخالتي ونحو ذلك، فهل يكون ظهاراً، كل هذا -إن شاء الله- سنفصله في مسائل الظهار.
حكم قول الرجل: ما أحل الله علي حرام
قال رحمه الله: [وإن قال: ما أحل علي حرام] ما أحل الله علي من امرأتي سواء عموماً أو خصوصاً، عموماً: ما أحل الله علي، وخصوصاً: ما أحل الله علي من امرأتي.
قال رحمه الله: [أعني به الطلاق، طلقت ثلاثاً، وإن قال: أعني به طلاقاً، فواحدة] قوله: (أعني به الطلاق) (ال) للاستغراق، إذا قال: أعني به الطلاق، أي: إني أطلقها؛ فإنها لا تكون حراماً عليه إلا بالثلاث، فأعمل الحنابلة في هذا قضاء علي رضي الله عنه يجعل تحريم المرأة طلاقاً ثلاثاً، فقالوا: هذا قضاء من الصحابة رضوان الله عليهم فتطلق عليه ثلاثاً؛ لأنه قصد الطلاق بالاستغراق، لكن لو قصد مطلق الطلاق، قال: أعني به طلاقاً، فتكون طلقة واحدة فيفرق بين قوله: (أعني به الطلاق) الذي يدل على الاستغراق، (وأعني به طلاقاً) الذي يدل على طلقة واحدة.
حكم من شبه زوجته بالميتة أو الدم أو نحو ذلك
قال رحمه الله: [وإن قال: كالميتة والدم ولحم الخنزير؛ وقع ما نواه من طلاق وظهارٍ ويمين، وإن لم ينو شيئاً فظهار].
هذه المسألة الخلاف فيها بين المالكية والحنابلة، إذا قال لها: أنت علي كالميتة، أو كالخنزير، أولاً: هذا إثم ومنكر وزور من القول؛ لأن الله كرم بني آدم، ولا يجوز تشبيه الآدمي بالحيوان، ولا يجوز ذلك إلا للكافر ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:44] فالأنعام أفضل من الكافر؛ لأن الأنعام تعرف الله، لذلك لو نظرت إلى البهيمة وهي في المخاض تريد أن تضع حملها، تجدها ترفع بصرها إلى السماء، كأنها تستجير بالله سبحانه وتعالى، وتدعو ربها وتستغيث بالله سبحانه وتعالى، وفيها من التوحيد والإيمان والالتجاء والرجوع إلى الله ما لا تجده عند الكافر الذي كفر نعمة الله، ففضلت لهذا، ولذلك الكافر إذا أخذ في الأسر ضرب الرق عليه في الإسلام، وكان حاله أسوأ من البهيمة -أكرمكم الله- فيباع ويُشترى؛ لأنه كفر نعمة الله، فخرج عن آدميته، وهذا المعنى ينبغي أن ينتبه له، أنه لا يجوز تشبيه المسلم والمسلمة بالبهيمة.
ولذلك القاضي لو ارتفع إليه مسلمٌ شبه أخاه المسلم ببهيمة قال له مثلاً: أنت كالشاة، أو كالبقرة، أو كذا، فإنه يعزره ويؤدبه بما يليق بحاله وحال من خاطبه بهذا، فلا يجوز تشبيه المسلم أو المسلمة بالبهيمة، فالعلماء لما قالوا: إن قال: كالميتة؛ لا يعني أن هذا جائز، فإن هذا لا يجوز بالإجماع، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237] ولم يبح للزوج إهانة المرأة، ولم يعطه أن يستبد، وأن يخرج عن طوره إلى ما حرم الله عز وجل عليه، ولذلك حينما يستبد ويخرج عن طوره؛ فإنه يقع في الإثم، والمسلم لا يتعدى حدود الله عز وجل، فلا يجوز قول مثل هذا الكلام؛ لأنه من أشنع ما يكون في إهانة المرأة، فالميتة نجسة، وهذه مسلمة، فلا يجوز تشبيه الطاهر بالنجس، ولا يجوز تشبيه الآدمي بالبهيمة كما ذكرنا، فاللفظ محرم بالإجماع، لكن لو قال لها ذلك؛ كأنه يقول: أنت عليَّ كالميتة، هذا أصل التقدير، والمالكية يجعلونها مطلقة ثلاث تطليقات؛ لأنه شبهها بأقصى درجات التحريم، فإنه إذا قال لها: كالميتة؛ معنى ذلك أنها لا تحل له ألبتة، فقالوا: في المشبه به وصف يقتضي أنها لا تحل له أبداً.
وعلى هذا يقولون: إنها في الأصل ليست بحلال، فالمرأة حرام عليه إلى الأبد، فإذاً كأنه يقول: حرام عليَّ إلى الأبد، وليس هناك تحريم إلى الأبد، وإنما هناك تحريم في حكم العدد وهو تحريم الثلاث، فأعطوه غاية التحريم وهو الثلاث.
قوله: (وقع ما نواه من طلاق وظهار ويمين) الحنابلة خففوا في هذه المسألة وقالوا: إن شبهها بهذا رجع إلى نيته، إن قصد اليمين فيمين، وإن قصد تحريم الظهار فظهار، وإن قصد تحريم الثلاث فثلاث، وإن قصد به عدداً من الطلاق فبحسب ما نوى.
قوله: (وإن لم ينو شيئاً فظهار) لأنه أشبه قوله: أنت علي حرام، فأنت كالميتة كالخنزير كالدم اشتركت هذه الألفاظ مع التحريم من جهة كونها كلها محرمة على المكلف.
حكم من قال: حلفت بالطلاق، وكذب
قال رحمه الله: [وإن قال: حلفت بالطلاق، وكذب؛ لزمه حكمه] أي: إذا قال الزوج للقاضي أو قال لأهل امرأته: حلفت بالطلاق، وهو لم يحلف بالطلاق، فإنه يؤاخذ بظاهره، هذا ما ذكرناه عند كلامنا عن طلاق الديانة وطلاق الحكم، وطلاق الظاهر وطلاق الباطن، كل هذا من هذا الباب؛ لأنه قد تطلق المرأة ديانة فيما بين الإنسان وبين الله، كأن يطلقها وهو جالسٌ لوحده، فيطلقها الطلقة الثالثة والأخيرة ولم يخبرها، فهي حرام عليه ويصبح -والعياذ بالله- زانياً، ولو اعترف عند القاضي لرجمه؛ لأنه وطئها وهي محرمة عليه كالأجنبية، وقد أحصن فيرجم.
فهنا ينفذ الطلاق ديانة، وفي الظاهر ما أحد يعلم؛ لأنه كتمه ولم يخبر به؛ فهي حرام عليه ديانة، فلو أخبر القاضي تحرم عليه ديانة وقضاءً.
والعكس: فتحرم عليه قضاءً، ولا تحرم عليه ديانة؛ كأن يقول لها: أنت طالقة، وقصد طالعة، فسبق لسانه وقال: طالقة، فشهد الشهود أنه قال لامرأته: أنت طالقة، وقال: قصدت طالعة، فأخذ القاضي بالظاهر وطلقها عليه، فإنها تطلق حكماً ولا تطلق ديانة، فلو وطئها فإنه يطأ حلالاً عليه، لكن لو ارتفع للقاضي أنه وطئها، وكانت الطلقة الأخيرة وشهد الشهود، وقضى القاضي أنها طلقة، فطلقت عليه قضاءً، فجاء وعاشرها بعد تطليق القاضي له، فإن علم القاضي رجمه، ويصبح في هذه الحالة شهيداً كالذي شُهد عليه بالزنا ظلماً وقتل، فالقاضي يحكم عليه بحكم الزاني ويرجمه، ولكن أمره إلى الله عز وجل، فهذا معنى الحكم قضاءً والحكم ديانة.
فهنا إذا قال: حلفت بالطلاق وهو كاذب، وهذا ليس بصحيح، وأخبره بشيء لم يقع؛ فحينئذٍ لا تطلق ديانة وتطلق قضاءً.
قول الزوج لزوجته: أمرك بيدك
قوله: [وإن قال: أمرك بيدك؛ ملكت ثلاثاً ولو نوى واحدة] أي: لا يكون أمر المرأة بيدها من كل الوجوه إلا بالثلاث، ولذلك لو طلقت نفسها ثلاثاً طلقت عليه ثلاثاً، وإن قال لها: أمرك بيدك، ونوى واحدة فلذلك صور: الصورة الأولى: أن يقول: أمرك بيدك وينوي الثلاث طلقات ثلاثاً، ولو نوى واحدة وطلقت ثلاثاً فثلاثاً، هذه بالنسبة لقضية (أمرك)، فصوب إليها الأمر، وفيه قضاء عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأن الرجل إذا قال لامرأته: أمرك بيدك؛ فقد فوض الأمر إليها، وأنها إذا طلقت في هذه الحالة قضوا بأنها تطلق عليه.
قوله: [ويتراخى ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ] بقي
السؤال
إذا قال لها: أمرك بيدك فهل يختص ذلك بالمجلس، فإذا قام عن المجلس ولم تطلق ولم يحدث شيء انتهى التفويض، أم أن (أمرك بيدك) يبقى متراخياً حتى لو بعد المجلس بيوم أو يومين أو ثلاثة
الجواب
إذا جاءت وقالت: طلقت نفسي منك أو أردت الطلاق، وأريد الطلاق فطلقت؛ فإنها تطلق عليه ولو متراخياً.
الفرق بين قوله: (أمرك بيدك) وبين قوله: (اختاري نفسك)
قوله: [ويختص: اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل] الفرق بين التفويض -كقوله: أمرك بيدك- والتخيير: أن التخيير يختص بواحدة، وقد خير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:28] هذا الخيار الأول، والخيار الثاني: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:29] وعظيماً من الله ليست بالهين، فخيرهن بين أن يبقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصبرن على ما هو عليه من اختيار الله له من الآخرة، وضيق الدنيا، وبين أن يخترن السراح والفراق، فلما ابتدأ بـ عائشة رضي الله عنها قال لها عليه الصلاة والسلام: (لا تقولي شيئاً حتى ترجعي إلى أبويك) يعني: إلى أبيك وأمك، فبدأ بها رضي الله عنها، فقالت: وما ذاك، فأعطاها الخيار امتثالاً لأمر الله عز وجل أن يخيرهن، فلما أعطاها الخيار رضي الله عنها وأرضاها قالت: (أفيك أستخير يا رسول الله؟!) أي: هل هذا الأمر يحتاج أن أقوله لوالدي؟! رضي الله عنها وأرضاها، وهذا من مناقبها، فإنها ما ترددت ولا شاورت، وفي الحديث ما يدل على كمال منزلتها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم علم علم اليقين أنها لو سألت والديها ما ترددا في بقائها معه، وأنها تكون عنده وأنها تختاره عليه الصلاة والسلام، فخشي صغر سنها وخشي أن يكون ضيق الحال مؤثراً عليها فتعجل، فقال عليه الصلاة والسلام: (حتى ترجعي إلى أبويك) فردها إلى أبويها، فدل على أنه يحبها، وأن لها منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يحب أن تذهب عنه أو تختار غيره عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على صدق الزوجية وصدق المحبة، وأنه مع كمال نبوته كان يعطي الزوجة حقها من الحب الصادق، ولنا فيه أسوة عليه الصلاة والسلام، في كمال حبه لأزواجه وإكرامه لهن، حتى في المواقف الحرجة حينما قذفت رضي الله عنها واتهمت بالإفك جاء وجلس معها وقال: (يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً؛ فتوبي إلى الله واستخيريه) فكمال الحب للزوج كان للنبي صلى الله عليه وسلم منه أكمل الحظ وأكمل نصيب؛ لأن هذا من أصدق ما يكون في العشرة والإسلام، ولا يليق بالمسلم أن يكون مع زوجته يأخذ منها حظ الشهوة والوطر وهو يعلم أنها مجبولة على المحبة، وفطرة النساء في المحبة أقوى من الرجال، فيقتصر فقط على قضاء حاجته ونهمته وشهوته، دون أن يعطي من الكلمات والأفعال والتصرفات والمواقف ما يدل على الإلف والحب، وما يدل على صدق المودة التي شهد الله عز وجل أنها الفطرة بين الزوج والزوجة، وجعلها منة من فوق سبع سماوات فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:21] فأهل العقول وأهل البصائر السوية حينما ينظرون في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يجدونه عليه الصلاة والسلام منحصراً فقط في العبادة، بل كان هديه أكمل الهدي حتى في المعاشرة والمشاعر، حتى إذا جاء المتبجحون من أهل الهوى والمجون والعشق وجاءوا بالغرام الساقط، وجاءوا بالعبارات البذيئة البشعة؛ جئت بالإسلام وقلت لهم: إن الإسلام هذب الفطرة، وهذب الشهوة، فهو يعترف بالشيء الموجود، فلا يدخل عليك الإباحي ويقول لك: أنت تكتم الغريزة، تقول له: كذبت وفجرت ولقمت الحجر، فالإسلام لم يكتم الغريزة ولكن هذبها، وجعلها في مكانها ونصابها، وقدرها فيما أحل الله، ثم جعل لها من البواعث، ومن السياج ما يحفظ ود الزوج مع زوجته، وهذا لا يكون ولن يكون إلا بالمشاعر الصادقة، فحتى في المواطن الحرجة، في حال التخيير، وهذه من أصعب المواقف التي امتحن فيها عليه الصلاة والسلام، ولو جئت تنظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت أنها ما خلت من محنة حتى في أمور البيت والزوجية، امتحن في كل شيء صلى الله عليه وسلم، في نفسه وماله، حتى في ولده في فقد العزيز عليه، جميع أنواع وصنوف البلاء كلها عليه الصلاة والسلام صبت عليه؛ لأنه في أعلى المقامات من الحب، والله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فجعل الله لنبيه من الابتلاء أعلاه، ومن ذلك مسألة التخيير التي نعرف، فكان فيها الأحكام والفوائد والأسرار والحكم، ويحتاج الإنسان أن يقرأ سورة الأحزاب، ويقرأ ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيره في مسألة التخيير، وكلام العلماء على ذلك، وأيضاً في سيرة ابن هشام في تخييره عليه الصلاة والسلام لزوجاته، وكيف كان حاله عليه الصلاة والسلام، تقول عائشة رضي الله عنها: ما أرى الله عز وجل إلا أنه يكتب لك ما ترضى، يعني الشيء الذي تحبه، ولذلك يقول له: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة:144] فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد هذا الشيء، فلما علم أن نبيه يحب ذلك حقق له ما يحبه.
ولما كان يحب عائشة رضي الله عنها ابتدأ بتخييرها وكان يحبها، فجعلها الله عز وجل طوعاً له، وجعلها الله عز وجل فوق ما كان يظن، يقول لها: (اجعلي الأمر إلى والديك، قالت: يا رسول الله! أفيك أختار!) تعني: أفيك أستخير؟! من هذا الذي أستخيره فيك! رضي الله عنها وأرضاها، وسرها الله كما سرت نبيه رضي الله عنها، فحق على المسلم أن يترضى عنها، وأن يدعو الله أن يجزيها عن نبيه خير الجزاء، بل وعن الإسلام والمسلمين، بخٍ بخٍ هذه النعمة العظيمة التي امتن الله بها على الصديقة، والله عز وجل أعلم حيث جعل الخيرة، فاختار لنبيه الأمهات الطاهرات العفيفات، وصدق الله إذ يقول في كتابه: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:26] فرضي الله عنهن وأرضاهن، وجعل أعلى الفردوس مدخلهن ومثواهن، والشاهد من هذا: مسألة التخيير أن الزوج إذا خير زوجته تكون لها طلقة واحدة؛ لأنه يكون بها الخيار، وأيضاً يختص التخيير بالمجلس، فلو قامت عن المجلس، انقطع الخيار لها، ويرجع الأمر إلى الزوج.
قال رحمه الله: [ما لم يزدها فيهما] يقول لها: لك طلقتان، لك ثلاثاً، فعلى الأصل لها طلقة واحدة، (ما لم يزدها فيهما) أي: في المجلس، وعلى هذا فإنه إذا زادها زادها في المجلس وزادها في العدد، (يزدها فيهما) أي: يزيدها في المجلس في الزمان، وفي العدد، فيقول لها: لك الخيار إلى منتصف الليل، فيكون زادها عن المجلس بالزمان، أو لك الخيار ما دمت في البيت، وهما جالسان في غرفة فتقوم إلى غرفتها، فيكون زاد الخيار في المكان، وزاد الخيار في الزمان، وأما زيادة العدد فيقول: لك أكثر من واحدة، فلك أن تختاري أن تطلقي نفسك اثنتين إن اخترت، أو ثلاثاً، فيزيدها على الواحدة.
حالات انقطاع الخيار للزوجة في تطليق نفسها
قال رحمه الله: [فإن ردت] إن قالت: أريدك، فحينئذٍ يبطل خيارها؛ لأن التخيير خير الأمرين، فإذا حدد أحدهما إما الطلاق وإما البقاء انقطع التخيير وتحتاج إلى تخيير ثانٍ.
قال رحمه الله: [أو وطئ] مكنته من نفسها أن يطأها، فمعنى ذلك أنها قد اختارت أن تبقى معه.
قال رحمه الله: [أو طلق] قبل أن يقع منها التخيير.
قال رحمه الله: [أو فسخ] أي: فسخ النكاح قبل أن يقع التخيير.
قال رحمه الله: [بطل خيارها] لأنه فات محل الخيار.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب ما يختلف به عدد الطلاق
جعل الله سبحانه الطلاق حقاً للزوج، ولكن يختلف ما يملكه المرء من عدد الطلقات بكونه حراً أو كونه عبداً، وكذلك يختلف العدد بحسب ما تلفظ به وما نواه، وهذا كله بحثه العلماء في هذا الباب.
تعدد الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب ما يختلف به عدد الطلاق].
تقدم معنا أن الطلاق له ألفاظٌ مخصوصة، وهذه الألفاظ تارةً تكون صريحةً في الدلالة على الطلاق بحيث لا تحتمل معنىً غير اللفظ، ولا تحتمل معنىً غير الطلاق، وقد تكون هذه الألفاظ محتملة، وبيَّنا حكم كلٍّ من الصريح والمحتمل.
وبعد هذا شرع المصنف -رحمه الله- في بيان ما يختلف فيه عدد الطلاق، فالمطلق تارةً يأتي بلفظ الطلاق الذي هو صريح لفظ الطلاق، ويأتي بجزء اللفظ كأن يقول: أنتِ طالقٌ نصف طلقة أو ربع طلقة، أو بعض طلقة أو يجزِّئ المرأة نفسها فيقول: يدك طالق، ورجلك طالق، وروحك طالق، وشعرك طالق، ونحو ذلك؛ ثم هذا اللفظ تارةً يكون بصريح الطلاق الذي يدل على عدد معين كأن يصرح بالتحديد فيقول: أنتِ طالق طلقةً واحدة، وتارةً يأتي بلفظ يحتمل أكثر، فيقول: أنت الطلاق، أو يلزمني منك الطلاق، ونحو ذلك.
فكل هذه ألفاظ يختلف فيها الحكم، ومن حيث الأصل: تارةً تكون النيةُ موافقةً للفظ وتارةً تكون النيةُ مخالفةً للفظ وكل هذا من مباحث بابنا: (باب ما يختلف به عدد الطلاق)، كأن المصنف -رحمه الله- يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بلفظ الطلاق، يختلف الحكم فيها من حيث العدد، فيُحكم تارةً بأن الطلقة واحدة، وتارةً يحكم بأنها أكثر من واحدة.
الخلاف في تشطير الطلاق على العبد
قال رحمه الله: [يملك من كله حرٌ أو بعضه ثلاثاً].
هذه المسألة تعرف بمسألة تشطير الطلاق، فهناك الأحرار وهناك العبيد، والشرع حينما حكم بضرب الرق على العبد أو على الأمة بسبب الكفر لا يتقيد هذا بلون ولا بجنس ولا بطائفة، فمن كفر بالله عز وجل وعادى الله وحارب دين الله عز وجل وضُرِب عليه الرق ضُرِب عليه عقوبةً من الله عز وجل، ونَقَصَ عن مستوى الآدمية حتى يباع كالمتاع؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:44]، فلا يمكن أن نسوي مَن حكم الله عز وجل بانتقاصه ونزوله إلى هذه المرتبة بمنزلة مَن كان على صراط سوي، وآمن بالله وشرعِ الله عز وجل! فوُجِدت أحكامٌ في الشريعة شُطِّر فيها الحكم بالنسبة للأرقاء، واختلف الحكم بالنسبة للحر والعبد، وأعداء الإسلام قد يقولون: إن الإسلام فيه عنصرية أو حزازية بأذية الأرقاء أو نحو ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بالله، ولا يقيمون للإيمان وزناً، والإسلام قائمٌ على الإيمان والعقيدة، فلما كفر الكافر بالله وضُرِب عليه الرق عوقب من الله عز وجل بهذه العقوبة، ولا يمكن أن يسوى بين من آمن ومن كفر، فالله عز وجل حكم ويحكم و ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41].
فنص الله في كتابه على أن عقوبة الأحرار ضعف عقوبة الإماء والعبيد: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:25].
وبين أن الحكم في العقوبة والمؤاخذة في الزنا يختلف رقاً وحرية، واختلف العلماء رحمهم الله: هل يقاس على مسألة العقوبة غيرها من المسائل أو لا يقاس؟ فجاءت القضايا والسنن عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ومنهم الأئمة المأمور باتباع سنتهم كـ عمر وعثمان بمسألة التشطير، فشطَّروا للعبد كما شطَّروا له بالنسبة للنساء، فجعلوا الحكم مطرداً قياساً، والقياس حجةٌ في الشرع، وقامت الأدلة على أنه حجة، وقد بسط الإمام ابن القيم رحمه الله مسألة حجية القياس في كتابه النفيس: (أعلام الموقعين) وبيَّن حجج السنة الكثيرة وقضايا الصحابة على حجية القياس، فكأن الشرع نبه بالمثل على مثله، فإذا نُصَّ في العقوبة والحدود على التشطير قالوا: يقاس عليها غيرها، فجاء قضاء بعض الصحابة -كما ذكرنا- بتشطير الطلاق للعبد وإذا قلنا بالتشطير يرد
السؤال
هل العبرة بالزوج، أو العبرة بالزوجة، أو العبرة بواحدٍ منهما؟ توضيح ذلك: أنه يباح للرجل أن ينكح أمةً إذا خشي العنت ولم يجد حرة، كما هو ظاهر آية إباحة الإماء إذا لم يجد حرةً: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:25]، فجاء بشرطين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أي: إذا لم يكن عنده قدرة على أن يتزوج حرة، وخاف على نفسه الزنا يباح له أن يتزوج أمة، فإذا أصبحت زوجةً له، فحينئذٍ نقول: إن الرق يؤثر في عدد الطلاق، لكن هل العبرة بالرجل ولا يتشطر الطلاق، لأن الزوجة أمة وما دام أن الرجل حر يمتلك العدد فالعبرة به؟ هذا قول عمر وعثمان وابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة والتابعين وهو أشبه بمذهب الجمهور، فجمهور العلماء على أن العبرة في التشطير بالرجل، فإن كان الزوج حراً فإنه حينئذٍ لا يتشطر الطلاق حتى ولو كانت زوجته أمة.
وقال طائفة من أهل العلم -رحمهم الله- منهم علي بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وهو مذهب الحنفية: أن العبرة بالمرأة لأنها هي محل الطلاق ويتعلق الطلاق بها، فإن كانت حرةً طلقت ثلاثاً وملك زوجها التطليق ثلاثاً، وإن كانت أمةً فإنه يطلقها طلقتين، وتكون بائنة بها.
وهناك مذهب ثالث لـ عثمان البتي قال: العبرة بواحدٍ منهما: فإذا كان الرجل عبداً والمرأة حرة تشطر الطلاق، وإن كانت المرأة رقيقة وزوجها حر تشطر الطلاق.
والصحيح: مذهب الجمهور؛ لأن الله خاطب بالطلاق الرجال، وجعل الطلاق بيد الرجال وهو مسند إلى الرجل، فإذا كان يتشطر فالعبرة بالرجل لا بالمرأة.
فإذا قلنا: إن الطلاق يتشطر، وإن العبرة بالرجل، فحينئذٍ يرد السؤال: كيف يتشطر الطلاق؟ هل يقال: طلقة ونصف؟!
الجواب
الطلاق لا يتشطر، بمعنى: أن المطلق لا يقول: نصف طلقة، بل لو طلق طلقتين وهو رقيق: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230] فيكون كالحر إذا طلق ثلاثاً، وأما على القول: أنها لا تتشطر وأن الطلاق لا يتشطر، فحينئذٍ يملك ثلاثاً، بغض النظر عن كونه حراً أو رقيقاً.
يقول رحمه الله: [يملك من كله حرٌ].
(يملك) يعني: من حقه أن يطلق.
(من كله حرٌ) يعني: إذا كان الزوج كله حر وليس فيه شبهة الرق.
(أو بعضه).
البعضية مثلاً: رجل بين رجلين، يعني: عبد يملك بين رجلين، وهذان الرجلان أحدهما أعتق نصفه وبقي نصف العبد مملوكاً، فيصبح في هذه الحالة نصفه حراً ونصفه مملوكاً، فيومٌ يكون فيه عبداً يخدم سيده، ويومٌ هو حر يفعل ما يشاء، فنصفه حرٌ ونصفه عبد، وربما كان بين ثلاثة أشخاص، فأعتق أحدهم الثلث، وبقي ثلثاه مملوكاً فيومٌ حر ويومان رقيق، يوم يخدم فيه الأول ويوم يخدم فيه الثاني، فلو كان الرقيق بهذه الصفة يقول المصنف -رحمه الله- بمعنى كلامه: أنه لو كان فيه شائبة الحرية -ولو كان المعتق منه أقل- فإنه يملك الثلاث، وقال بعض العلماء: العبرة بأكثره، فإن كان أكثره حراً فإنه حينئذٍ يملك الثلاث، وإن كان أكثره الرق فإنه لا يملكها ويتشطر.
(ثلاثاً) أي: ثلاث تطليقات، فإن طلق ثلاثاً لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وقالوا: العبرة بالحرية.
قال رحمه الله: (والعبد اثنتي).
والعبد يملك اثنتين، يعني: إذا كان الرجل أو الزوج رقيقاً فيملك اثنتين؛ لأنه ليس هناك طلقة ونصف.
قال رحمه الله: (حرةً كانت زوجتاهما أو أمة).
خلافاً لـ عثمان البتي رحمه الله حيث خالف الجماهير وقال: إن العبرة بواحدٍ منهما سواء كان الرجل أو المرأة.
ألفاظ الطلاق الدالة على التعدد أو المحتملة للتعدد
قال رحمه الله: [فإذا قال: أنت الطلاق أو أنت طالق أو علي أو يلزمني وقع ثلاثا بنيتها، وإلا فواحدة].
قول الرجل لامرأته: (أنتِ الطلاق)
قبل أن ندخل في التفصيلات -نسأل الله لنا ولكم المعونة-.
أولاً: حتى تكون الصورة واضحة، الطلاق إذا وقع فيه اللفظ، فإما أن يتفق مع النية، وإما أن يختلف مع النية فعندنا صورتان: إما أن يتفق لفظ الطلاق الذي يتلفظ به مع الذي نوى، وإما أن يختلف، فتكون نيته شيئاً ولفظه شيئاً آخر.
الصورة الأولى: أن يتفق لفظ الطلاق ونيته سواءً كان بالأقل أو كان بالأكثر أو بينهما.
مثال: أن يقول للمرأة: أنت طالق طلقةً واحدة وينوي واحدة، فاللفظ واحد والنية واحدة فاتفقت النية مع اللفظ، فإجماعاً تُعد طلقة واحدة أو يقول لها: أنت طالقٌ طلقتين، وينوي الطلقتين، فاتفق اللفظ مع النية، أو يقول لها: أنت طالق ثلاثاً، وينوي الثلاث، فاتفق اللفظ مع النية.
في هذه الحالة إذا اتفق اللفظ مع النية فلا إشكال أنه ينفذ الطلاق على التفصيل، وجماهير السلف والأئمة من الصحابة والتابعين على الإمضاء؛ لأنه تلفظ بالطلاق ونيته موافقة، فاجتمع دليل الشرع على المؤاخذة؛ لقوله (إنما الأعمال بالنيات)، وهذه مؤاخذة الباطن، وكذلك قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:230]، ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:231]، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة:237]، وهو تلفظ بالطلاق، هذا بالنسبة لاجتماع اللفظ مع النية.
صورة أخرى: أن يختلف اللفظ مع النية فتكون نيته شيئاً، ولفظه شيئاً آخر، ونحن لا نتكلم في من لم يَنْوِ الطلاق، إنما نتكلم عن شخص نوى الطلاق واختلفت نيته في العدد، أما مسألة أن يأتي بلفظ يحتمل الطلاق أو غيره، أو ينوي بلفظ يحتمل الطلاق أو بغيره، فقد تقدمت معنا في الكنايات وبينا حكمها في الكنايات.
لكنا هنا أمام رجلٍ يتلفظ بلفظ الطلاق، ولكن يتردد لفظه بين الأقل أو الأكثر فقال: ما يختلف به عدد الطلاق، ولسنا في مسألة: أيمضي الطلاق أو لا يمضي؟! فالأمر مفروغ منه، والطلاق ماضٍ -لا شك في ذلك- لكن هل يمضي ثلاثاً، أو يمضي اثنتين، أو يمضي واحدة؟! فهنا البحث كله منصب على: هل اللفظ يؤخذ بالأكثر أو الأقل؟ فإذا اختلفت نيته -وهي الصورة الثانية- عن لفظه، فإما أن تكون النية للأقل واللفظ للأكثر، أو يكون اللفظ للأقل والنية للأكثر.
توضيح ذلك: أن تكون نيته لعدد أقل مما تلفظ به: فيقول لها: أنت طالقٌ ثلاثاً، وينوي واحدة، فاللفظ مختلف عن النية، النية تنوي الأقل، واللفظ واقع على الأكثر، هذه الحالة الأولى من الصورة الثانية.
الحالة الثانية من الصورة الثانية: أن يكون العكس، يقول لها: أنت طالقٌ طلقةً واحدة، وينوي الثلاث، أو أنت طالقٌ طلقة، وينوي الثلاث، فاللفظ للأقل والنية للأكثر، ففي جميع هذه الأحوال يرد
السؤال
هل نأخذ بالأكثر أو نأخذ بالأقل؟ هل نأخذ بالأكثر؛ لأن لفظ الطلاق خطير والشرع اعتد باللفظ واعتد بالطلاق حتى أمضاه على الهازل، أو نأخذ بالأقل لأن الأصل أنها زوجته والأصل عدم الطلاق حتى يدل الدليل على أنها خرجت من عصمته بالطلاق؟ ففي بعض الأحيان نُغَلِّب النية وبعض الأحيان نُغَلِّب اللفظ، وهذا من مباحث اختلاف الظاهر مع الباطن، فالشرع تارةً يقوي الظاهر على الباطن، وتارةً يقوي الباطن على الظاهر.
ففي الطلاق قوّى الظاهر على الباطن في الهازل، فإن الهازل يمزح مع زوجته ويقول لها: أنت طالق، ولا ينوي الطلاق؛ فاعتبر الشرع لفظه، ولم يلتفت إلى نيته، وهكذا إجماع العلماء في ألفاظ يعتدون فيها بالنية، ويجزئه ذلك ديانةً بينه وبين الله عز وجل كما تقدم معنا.
فالسؤال الآن: إذا قال لها: أنت الطلاق؟ (أنت الطلاق) للعلماء فيها وجهان - من حيث النظر إلى اللفظ- أحدهما: أن المرأة تطلق وتوصف بكونها طالقاً بطلقة واحدة، لكن المشكلة أنه جاء بـ (ال)، فهل نقول: الطلاق، يعني: كل الطلاق، وكأنه جعل جميع الطلاق لها، وحينئذٍ يكون قوله: (ال) في (الطلاق) المراد بها: الاستغراق، فيحمل العدد على أتم الأعداد؟ هذا وجه.
الوجه الثاني: أن قوله: (أنت الطلاق) يتردد بين الاستغراق وبين أقل ما يقع ويسقط عليه الطلاق؛ فنأخذ بالأقل ما لم ينوِ الأكثر، وهذا هو الصحيح، وعليه درج المصنف، أنه لو قال لامرأته: أنت الطلاق سألناه: هل نويت واحدةً فتكون واحدة، أو نويت ثلاثاً فتكون ثلاثاً؟، فإذا قال: لم أنوِ شيئاً، فواحدة، قالوا: ومما يدل على ذلك: أن الشعراء لم يعتبروا المصدر دالاً على الاستغراق في هذا، ولذلك قال أحد الشعراء وكان قد غضب من امرأته، وعاش معها رِدحاً من الزمن حتى ملها وسئم، وقال: إنك شهرت بي أي: يشتكي عشرته معها وأنها بلغت إلى أسوأ الحالات-: ونوهت باسمي في العالمين وأفنيت عمري عاماً فعاما فأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثا تماما فما أبقى لها شيئاً، وجه الدلالة: أنه لم يقل لها: أنت الطلاق واعتدها ثلاثاً، بل كرر اللفظ ثلاث مرات، فدل على أن اللسان العربي يُفهم منه أن (أنت الطلاق) وحدها لا تدل على الثلاث؛ لأنها لو كانت وحدها تدل على الطلاق، لم يقل لها: وأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثاً تماماً فلو كان نفس اللفظ يدل على الطلاق لما كرر، فتكراره للفظ يدل على أن هذا المصدر لا يدل على الاستغراق من كل وجه وحينئذٍ تطلق طلقةً واحدة، ويحكم بكونها طالقاً طلقة واحدة إلا إذا نوى أكثر من واحدة، فإذا قال لها: أنت الطلاق، فلا يخلو من حالتين: إما أن يقول لها: (أنت الطلاق، أنت الطلاق، أنت الطلاق) فيكرر، أو يقول لها: (أنت الطلاق) ويسكت، فإن قال لها: (أنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق) وكرر ونوى واحدة فواحدة، وإن قال: (أنت الطلاق، وأنت الطلاق، وأنت الطلاق) ناوياً الثلاث فثلاث، وإن قال: (أنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق) ولم ينوِ شيئاً، فللعلماء وجهان كقوله: (أنت طالقٌ طالق طالق) وسيأتي بيانها إن شاء الله.
الخلاصة: أن قوله: أنت الطلاق، لفظ محتمل يتردد بين الاستغراق الموجب للثلاث وبين الدلالة على أقل الطلاق وهي واحدة، وهذا هو الصحيح؛ فإن كرره أو نوى به الثلاث فثلاث وإلا فواحدة.
قول الزوج لزوجته: (أنتِ طالق)
قوله: [أو طالقٌ] إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، فأقل ما يصدق على المرأة أنها طالق: طلقة واحدة، فإذا نوى الثلاث بقوله: أنت طالق، قال العلماء وهو مذهب الجمهور: طالق ثلاثاً، والسبب في هذا أن قوله: أنت طالق، اسم فاعل يقبل الوصف بدليل -عند من يقول: بأن الثلاث تقع، ومذهب جماهير السلف والخلف- أنه لو قال لها: أنت طالق بالثلاث لطلقت ثلاثاً، فأصبح اسم الفاعل بقوله: أنت طالق، يحتمل أن يقصد به الأكثر ويحتمل أن يقصد به الأقل، فنقول: كلمة (أنت طالق) كقوله: أنتِ الطلاق، فأنت طالقٌ إن نوى بها واحدة فتكون واحدة وإن نوى ثلاثاً فتكون ثلاثاً.
قول الرجل: (علي الطلاق) أو (يلزمني الطلاق)
قوله: [أو عليّ].
أو (علي الطلاق) أو (يلزمني الطلاق) كله بمعنى.
السؤال
لماذا جعلنا (أنت الطلاق) و (أنت طالق) و (عليّ الطلاق) و (يلزمني الطلاق) الأصل فيها أنها واحدة؟ قالوا: لأنه إذا قال لها: (أنت الطلاق) أو قال لها: (أنت طالق)، فالمرأة التي توصف بكونها طالقاً أقل ما توصف به: الطلقة الواحدة، فإذاً نحن على يقين أنه طلقها طلقةً واحدة، وشككنا هل تقع الثانية أو الثالثة أو لا؟ والأصل بقاء العقد، فلذلك يقال بالبقاء على اليقين، وعليه قالوا: إنها طلقة واحدة ما لم ينو الأكثر.
وقوع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد وحكمه
قوله: (وقع ثلاثاً بنيتها وإلا فواحدة فأكثر).
(وقع الطلاق ثلاثاً) لكن بشرط نيتها؛ وكان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر على السنة يطلقون طلقة واحدة، ثم يراجعون أو يسرحون بإحسان، ثم يطلقون الثانية بعد، ثم يطلقون الثالثة، فيفرقون الطلاق على السنة فلما جاء عهد عمر ودخل الناس في الإسلام، وكثرت الفتوحات، واختلط الحابل بالنابل، وكثرت المسائل ووجدت النوازل، كثر التطليق ثلاثاً، وأصبح الناس يجمعون طلاق الثلاث في لفظٍ واحد، فـ عمر بن الخطاب لما أصبح الأمر منتشراً بين الناس، وانتبه إلى أن الناس كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على السنة وكانوا لا يطلقون إلا طلقةً واحدة، فلما جاء عهد عمر رضي الله عنه كما روى ابن عباس في الصحيحين قال: قام عمر بن الخطاب خطيباً -كعادته رضي الله عنه ما كان يبرم أمراً حتى يستشير الصحابة والناس- فقال رضي الله عنه: (أرى الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناة)، يعني: أن الله عز وجل أعطى المطلق ثلاث تطليقات مرتبة، يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، حتى تكون الثالثة، فالذي يطلق ثلاثاً يستعجل فيما وسع الله عليه، فيبتدع في دين الله ويخالف شرع الله ويضيق على نفسه؛ ويرتكب البدعة -وهو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله خلافاً للشافعي، وقد تقدمت معنا هذه المسألة- فقال رضي الله عنه: (أرى الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناه فلو أنا أمضيناه عليهم) يعني: ما رأيكم هل نبقى على الأصل الشرعي أن من تلفظ بالطلاق نؤاخذه به أو لا؟ لأن الله قد بين له الطلاق، إن شاء طلق ثلاثاً، وإن شاء طلق واحدة، فالله أعطاه ثلاثاً لزوجته، فأمضاه عمر وأمضاه الصحابة معه، ولذلك قضى بالثلاث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده الصحابة؛ ولذلك لما جاء الرجل إلى ابن عمر وقال: إني طلقتُ امرأتي مائةً قال: (ثلاثاً حرمت بهن عليك وسبعٌ وتسعون اتخذت بهن كتاب الله هزواً).
وكذلك ابن عباس رضي الله عنه ثبتت الرواية الصحيحة عنه أنه جاءه رجل وقال له: (إني طلقت امرأتي ألفاً، فقال: تكفيك منها ثلاث، تحرم زوجتك عليك) وعلى هذا مضى الصحابة والتابعون، ومذهب الأئمة الأربعة والظاهرية معهم في المشهور من مذهبهم وأصبح العمل عند أهل العلم -رحمهم الله- على إمضاء الثلاث، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (وحسبك أنه قضاء المحدث الملهم)، أي: حتى لو كان اجتهاداً من عمر فحسبك أن عمر رضي الله عنه كان مُحدّثاً مُلهماً.
وعلى هذا مضى العمل عند أهل العلم -رحمهم الله- أن الثلاث ثلاث وأن المسلم مخير بين أن يقول الثلاث بلفظٍ واحد فيمضي عليه الثلاث، وبين أن يقولها متفرقة ويصيب السنة بالتفرق دون الجمع، فإن جمعها فإنه مبتدع وآثم بجمعه، ولما ابتدع خالف شرع الله فالأنسب فيه عقوبته، وقد قدمنا هذا: أن من ابتدع وخالف السنة في الطلاق فالأشبه بمثله أن يعاقب ويؤاخذ.
وعلى هذا مضى قضاء الأئمة -رحمهم الله- على ذلك، ودرج المصنف -رحمه الله- على هذا القول المشهور عن جماهير السلف والخلف رحمهم الله.
ألفاظ تفيد تعدد الطلاق
قال رحمه الله: [ويقع بلفظ (كل الطلاق) أو (أكثره) أو (عدد الحصى) أو (الريح) أو نحو ذلك ثلاثاً ولو نوى واحدة].
قال رحمه الله: (ويقع بلفظ (كل الطلاق).
هنا يكون اللفظ للأكثر، وينوي أن يكون اللفظ للأكثر فيقول: (أنت طالقٌ كل الطلاق) أو يقول: (أنت طالق بالثلاث)، وينوي واحدةً، فإنها ثلاث ولا تؤثر نيته؛ لأن اللفظ لا يحتمل الواحد، وقد جاء باللفظ الصريح الدال على استغراق التطليقات الثلاث؛ فإنه ينفذ عليه كل الطلاق؛ وكلمة: (كل) تفيد العموم، ولذلك لو أن شخصاً قال: والله! لا أكلم كل الناس، فإنه يحنث بتكليمه لأي فردٍ منهم، ونحن في شرع الله نحكم بكونه حانثاً ونلزمه بذلك إذا كلم واحداً منهم، فدل على أن كلمة: (كل) تفيد العموم، حتى أن الأصوليين -رحمهم الله- يقولون: إن من ألفاظ العموم لفظة (كل)، فإذا قال لها: (أنت طالق كل الطلاق) كان كقوله: (أنت طالقٌ بالثلاث).
(أو أكثره).
أو أكثره، الحقيقة أكثر الطلاق هذا مُحكم، أكثر الطلاق مشكل.
ولذلك هذه الصورة الأشبه فيها: أن ينوي الأقل مع احتمالٍ في اللفظ -أي أن نيته الأقل مع تردد في اللفظ-؛ لأن الطلاق فيه أقل وفيه أكثر، وأقل الطلاق كطلقة وأكثر الطلاق ثلاث، وبناءً على ذلك قال بعض العلماء: إن عندنا كثير وأكثر، فهو إذا قال لها: أنت طالقٌ أكثر الطلاق.
الواحدة أقل الطلاق، والاثنتان أكثر من الواحدة، لكن لما قال: أكثر صيغة أفعل، فالمراد أكثر من كثير -والكثير اثنتان، فأكثر من الاثنتين الثلاث- فتخرج على هذا الوجه أن تكون ثلاثاً.
(أو عدد الحصى).
أو (أنت طالقٌ عدد الحصى): -هذا ما شاء الله! ما أبقى من الطلاق شيئاً!! فهذا الظاهر أنه مغتاظ من زوجته -نسأل الله السلامة- إذا قال لها: أنت طالق عدد الحصى، معناه: أنه يريد الثلاث قطعاً؛ فتحرم بالثلاث.
(أو الريح).
عدد الريح؛ لأن الريح عددها فوق الثلاث قطعاً، فإذا قال لها: (أنت طالقٌ عدد الريح)، أو (عدد الحصى) أو (عدد الناس) أو (عدد النمل) أو (عدد الجبال) أو (عدد الرمال).
ونحو ذلك، هذا كله واضح أنه يريد الأكثر وهو الثلاث.
(أو نحو ذلك).
أي: أن يأتي بما يدل على الثلاث فأكثر؛ لأن عدد الريح فوق الثلاث، وعدد الحصى فوق الثلاث، وعدد الرمل فوق الثلاث، وكذا عدد الجبال وعدد الناس، فهو إذا قال لها: أنت طالقٌ عدد الحصى أو عدد الريح، كما لو قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً فأكثر.
اعتماد اللفظ الصريح الدال على التعدد وإن خالفته النية
قوله: [ثلاثاً ولو نوى واحدة].
(لو نوى) وهذه صورة أخرى: نوى الأقل واللفظ للأكثر، فيلتفت إلى اللفظ ولا يلتفت إلى النية؛ لأن الطلاق في العدد صريح، كما لو قال لامرأته: أنت طالق، ولم يقصد الطلاق وهزل معها، فحينئذٍ نقول: إنها تطلق عليه؛ لأن الشرع جعل صريح اللفظ مؤاخذاً به، قالوا: فإذا قال لها: أنت طالقٌ بالثلاث، ونوى واحدة فإنه يؤاخذ بصريح اللفظ، كالهازل حيث أُخذ بصريح لفظه، وبإيضاح أكثر: إذا قال: نويت واحدةً -وقد طلق صراحةً بالثلاث أو بما يدل على استغراق العدد للثلاث- فإنه لا تنفعه نيته لا قضاءً ولا ديانةً، حتى بينه وبين الله ليست بزوجته؛ لأن اللفظ صريح، ولو لم يَنْوِ ذلك الصريح.
إسناد الطلاق إلى الأجزاء
قال رحمه الله تعالى: [وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً أو قال: نصف طلقة، أو جزءاً من طلقة، طلقت].
الحقيقة: أن العلماء -رحمهم الله- والفقهاء أتوا بأشياء ربما أن الشخص يستغرب منها؛ لكن لو وقفت أمام الناس مُفتياً أو قاضياً لجاءتك أمورٌ لا ينتهي فيها العجب، فقد يأتيك شخص يقول لك: قلت لامرأتي: يدك طالق، رجلك طالق، رأسك طالق، فالعلماء يأتون بمسائل -في الحقيقة- قد تظنها غريبة؛ ولكن إذا عشت بين الناس رأيت أن الأمر أكثر من هذا، وأن عند الناس أكثر من هذا، وقد تكون هذه المسائل أصولاً لغيرها، فعندنا مسألة تطليق جزء المرأة.
المطلِّق له حالتان: الحالة الأولى: أن يسنِد الطلاق إلى المرأة -وهذا هو الأصل- كقوله: أنت طالق، زوجتي طالق، امرأتي فلانة، نسائي أو زوجاتي طوالق مني مثلاً، فحينئذٍ أسند الطلاق إلى المرأة ولا إشكال، هذه الحالة الأولى، والطلاق واقعٌ فيها بواحدةٍ أو أكثر على حسب اللفظ، وعلى حسب ما قررناه فيما مضى؛ لكن
السؤال
إذا ذكر جزءاً من المرأة؛ فأجزاء المرأة تنقسم إلى أقسام: فهناك أجزاء يعبر بها عن الكل، وأجزاء أخرى لا يعبر بها عن الكل.
القسم الأول: يذكر جزءاً من المرأة يعبر به عن كلها.
القسم الثاني: أن يذكر جزءاً من المرأة، ولا يعبر به في أصل الوضع عن الكل، إما أن يكون جزءاً مشاعاً كقوله: نصفك ربعك ثلثك، وإما أن يكون معيناً فيقول: يدكِ، رجلكِ، رأسكِ، ظهركِ، وجهكِ، وهذا المعين إما أن يكون مما تدخله الروح وحياته حياة روح، وإما أن يكون من حياة النمو.
فإذاً: الأقسام كالتالي: أولاً: أن يسند الطلاق إلى المرأة، ويسرح المرأة فلا إشكال إذا كان الطلاق للمرأة كلها.
ثانياً: أن يسنده للبعض، وهذا على أقسام.
الأول: البعض الذي يعبر به عن الكل، وهذا يشمل أربعة ألفاظ هي: النفس والروح والذات والجسد، هذه هي المشهورة.
الثاني: البعض الذي يعبر به عن جزءٍ من أجزائها كما ذكرنا، كاليد والرجل والرأس، فينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مما يدخله الروح، أو يكون مما لا تدخله الروح.
فنبدأ بالقسم الثاني: أن يذكر جزءاً من المرأة وهذا على قسمين: أحدهما: جزءٌ يعبر به عن الكل.
الثاني: جزءٌ لا يعبر به عن الكل في الغالب.
فإن كان الجزء يعبر به عن الكل، مثل: الجسد، الذات، الروح، النفس، فهذا في قول جماهير العلماء -ويكاد يقارب الإجماع- أنها تطلق، إذا قال: روحك مني طالق، جسدك مني طالق، ذاتك مني طالق، نفسك مني طالق، في هذه الأربعة الأحوال يطلق الكل ولا يتبعض الطلاق، فإذا أسند الطلاق إلى جزء يُعَبَّر به عن الكل غالباً فإنه يسري الطلاق على الكل، ويكون تعبيره بهذا الجزء كالتعبير بالكل.
الحالة الثانية: أن يكون مما لا يعبر به عن الكل، وحينئذٍ إما أن يكون جزءاً مشاعاً معلوماً أو مبهماًً، فيكون جزءاً مشاعاً كما لو قلنا: النصف، أو يكون جزءًا مبهماً كبعضك وجزئك، أو مشاعاً معيناً كقوله: نصفك الأعلى أو نصفك الأسفل، ففي هذه الحالة: إذا أسند الطلاق لجزءٍ مشاع من البدن ولو كان أقل جزءٍ من البدن كقوله مثلاً: عُشر عشرك مني طالق، فإنه يسري الطلاق للكل؛ لأن الشرع لم يجعل في المرأة حلالاً وحراماً، فحكم الله في المرأة إما أنها في العصمة كلها وإما أنها ليست في العصمة، فلما تلفظ بالطلاق فإنه يؤاخذ به كله، كما لو قال لها في الطلاق نفسه: أنت طالق نصف طلقة أو ربع طلقة، صار مؤاخذاً بالطلقة بكاملها، لأن الشرع لم يجزئ زوجة ويجعل نصفها حلالاً للزوج ونصفها حراماً!! ويكاد يكون إجماعاً، على أنه إذا قال لها: نصفك أو ربعك أو ثلثك أو ثلثاكِ أو ثلاثة أرباعك أو تسعة أعشارك طالق فإنها طالقٌ كلها، سواء حدد الجزء المشاع الذي هو المعين أو أبهمه.
الحالة الثانية: وهي التي تحتاج إلى نظر وهي مسألة الأعضاء، وهي تنقسم إلى قسمين: أعضاء حياتها حياة الروح، وأعضاءٌ حياتها حياة النمو.
ولابد من ملاحظة هذه التفصيلات من الفقهاء، وهذا التقسيم مبني على اختلاف الشرع في الحكم على أجزاء الإنسان، فإذا أسند الزوج الطلاق إلى جزء فلابد أن نقف مع هذا الجزء الذي أسند إليه، فأجزاء الإنسان إما أن تكون مما يحلها الحياة وحياتها حياة روح، ويشمل هذا اليد والرجل والرأس والعين والأذن وغيرها من الأعضاء، وإما أن تكون حياتها حياة نمو، وهي التي لا إحساس فيها مثل: الشعر، فلو أحرق طرف الشعر لا يحس الإنسان بالألم ولو احترق طرف شعر المرأة ما تحس بالألم في رأسها، وقد يحترق طرف اللحية والشخص لا يعلم؛ لأنه لا إحساس فيها ولا ألم، فحياتها حياة نمو، وهذه الأجزاء تبين من الإنسان، فالشعر منه ما يقص ومنه ما يحلق ويجز وينتف ويسقط؛ إذ ليس بثابتٍ في البدن ولا باقٍ فيه، وإسناد التحريم إليه ليس كإسناد التحريم إلى غيره مما لا يقبل الانفصال عن الإنسان في الأصل.
وهذا التقسيم يعتبر في كثير من المسائل -سيأتي ذكر بعضها- فالذي حياته حياة روح لا إشكال أنه متصل بالبدن وحكمه حكم المتصل في قول جماهير العلماء وهو كذلك في أغلب المسائل، إلا اليد ففيها كلام عند العلماء رحمهم الله، وذكر هذه القاعدة الإمام ابن رجب رحمه الله في كتابه النفيس: (القواعد): يد الإنسان هل هي في حكم المتصل أو المنفصل؟ لكن بالنسبة للذي حياته حياة نمو -كما قلنا- لا يأخذ حكم حياة الروح من كل وجه، فيزيد أن نبين حكم إسناد الطلاق إلى أجزاء حياتها حياة روح، وإسناد الطلاق للأجزاء التي حياتها حياة النمو.
المسألة الأولى: لو أسند الطلاق إلى عضوٍ حياته حياة نمو، فقال لها: يدك طالق ورأسك طالق وعينك طالق ورجلك طالق وساقك طالق وظهرك طالق وفرجك طالق وبطنك طالق وصلبك طالق فما الحكم؟ جمهور العلماء على -وعلى هذا العمل- أنه إذا أسند الطلاق إلى يدها أو إلى رجلها أو إلى رأسها أنها تطلق كلها من حيث الإجمال، أما الحنفية فاختاروا أربعة أعضاء: الرأس، والبطن، والفرج، والظهر، هذا عند الحنفية، وجعلوها دالّة على الكل، لكن الجمهور لا يفرقون ما دام أن العضو متصل بالبدن، لكن يرد السؤال: كيف حكم بكونها طالقاً كلها؟ هناك مسالك في الاستدلال وهذه المسالك تؤثر في الحكم، فبعض العلماء يقول: نحكم بطلاق العضو أولاً: فلو قال لها: يدك طالق، فالطلاق يتعلق باليد ثم يسري لبقية البدن، وهذا المذهب يسمى عند العلماء: مذهب السريان ويقررون الدليل كالآتي: يقولون: إذا طلق اليد اجتمع الحاظر واجتمع المبيح، فأصبحت المرأة فيها ما حرم الله؛ لأنه أسند الطلاق وعلقه بيدها، وفيها ما أحل الله، والقاعدة: (إذا اجتمع الحاظر والمبيح فالحكم للحاظر، ويحكم بحظر الجميع)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لـ عدي بن حاتم: (إذا أكل الكلب من الفريسة فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)، فدل على تقديم الحظر على الإباحة، وقال له: (وإن وجدت مع كلبك كلاب غيرك فلا تأكل، فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكر اسم الله على كلاب غيرك)، فهذه قاعدة لها أدلة كثيرة.
الخلاصة: المذهب الأول يقول: طلقها بالسريان، فيدها تطلق فيجتمع الحاظر والمبيح، ثم يسري الطلاق إلى الكل تغليباً للحظر على الإباحة.
المذهب الثاني: يقول: أراد بالجزء الكل؛ لأن الشرع عبر بالجزء عن الكل، فقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد:1]، والمراد: تب جميع أبي لهب، فذكر اليد في المؤاخذة والعقوبة وأنزلها على الكل.
وقال: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30]، والواقع: بما كسبت جوارحكم وبما كسبتم أنتم كلكم فقال: (بما كسبت أيديكم) فعبر بجزء الإنسان عن كله فدل على أن أجزاء الإنسان إذا تعلق بها تحريم سرى التحريم للكل، وهذا المذهب مذهب الجمع، فيجمع بين العضو المطلق والأعضاء الأخرى في حكم واحد، السؤال: ما هي فائدة الخلاف؟ الواقع هناك فائدة، فلو قال لها: إن دخلت الدار فيدك طالقٌ وقُطعت يدها قبل دخول الدار، لم تطلق على مذهب السريان، وطلقت على مذهب الجمع؛ لأنه حينما قال لها: إن دخلت الدار فيدك اليمنى طالق، وسرقت قبل دخول الدار، أو جاء الطلاق فلم يصادف محلاً، كما لو أسند الطلاق لمنفصلٍ عن البدن؛ لأن اليد صارت منفصلة فالله عز وجل يؤاخذه بلفظ، فبينه وبين الله أنها إن دخلت الدار فيدها حرامٌ عليه، وتطلق عليه؛ فلو قلنا بمذهب السريان وقطعت يدها فليجعل الطلاق حتى مائة طلقة فهي في يدها، لكن البدن انفصل عن هذه اليد المطلقة فلا يسري الطلاق، لكن على مذهب الجمع يكون قوله: يدك طالق، كقوله: كلك طالق، فالفرق بين المذهبين أن الأولين يطلقون الجزء ثم يسري الحكم للكل تبعاً، فإذا وقع الطلاق ولم يوجد الجزء الذي تعلق به الطلاق لم تطلق المرأة، والقول الثاني: أنها تطلق لأن الجزء يراد به الكل.
والحق أن التفصيل أقوى في الترجيح بين هذين القولين؛ فإن قصد باليد الكل وعبر باليد ناوياً الكل فلا إشكال أنه يسري على الكل، وإن كان لم ينو الكل فأشبه القولين مذهب السريان.
المسألة الثانية: إذا علق الطلاق بعضوٍ مما لا تحله حياة الروح كالشعر والسن، فهناك خلافٌ بين العلماء في شعر الإنسان وعظمه كالسن ونحوه هل هو في حكم المتصل أو المنفصل؟ قال الإمام ابن رجب رحمه الله في القواعد: شعر الإنسان هل هو في حكم المتصل أو في حكم المنفصل؟ وجهان، وكذلك السن والظفر والعظم، يعني: هل نحكم بأن شعر الإنسان في حكم المتصل به أو في حكم المنفصل عنه؟ فلو قال: والله! لا ألمسك، ولمس شعرها؛ فإنه لو كان في حكم المنفصل لم يحنث، وإن كان في حكم المتصل حنث، وهكذا إذا قلنا: إن لمس المرأة يوجب انتقاض الوضوء، فإن قلنا: حكم الشعر كحكم المتصل انتقض وضوءه، وإن قلنا: إنه في حكم المنفصل لم ينتقض وضوءه، فهناك جملةٌ من مسائل العبادات والمعاملات متعلقة بهذه القاعدة، ومن أراد المزيد من التفصيل فليراجع كتاب القواعد لـ ابن رجب رحمه الله، فعلى هذا: إذا أسند الطلاق إلى الشعر لم تطلق؛ لأنه في حكم المنفصل فالشعر يحلق ويبين
حكم تكرار لفظ الطلاق
قال رحمه الله: [وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، وكرره، وقع العدد إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً].
هذه المسألة: تكرار اللفظ، أن يقول: أنت طالق، فإن قاله لامرأة مدخولٍ بها، -ويستوي هنا المدخول بها وغير المدخول بها-؛ لأن غير المدخول بها وإن كرر اللفظ تبين باللفظ الأول، فيأتي اللفظ الثاني على أجنبية، يعني: لو أن رجلاً قال لامرأة عقد عليها ولم يدخل بها: أنت طالق وطالق وطالق، فقوله: أنت طالق، الأولى تطلق بها طلقة واحدة فأصبحت أجنبية فليست هناك عدة لغير المدخول بها، فتأتي الطلقة الثانية على أنها أجنبية، فهذا وجه كون المصنف يقول: (لمدخول بها) والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: عقدتم عليهن ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49]، ولا مراجعة لغير المدخول بها.
وعلى هذا يقولون: غير المدخول بها بمجرد ما تطلقها طلقة واحدة تبين وتصبح أجنبية، ومعنى: تبين، أي: بينونة صغرى، والبينونة الصغرى لا تحل إلا بعقدٍ جديد، فلو قال لها -أي: غير المدخول بها-: أنت طالق وطالق وطالق، أو طالقٌ ثم طالق ثم طالق أو طالق فطالق فطالق أو طالق طالق طالق، فلما قال: طالق، الأولى بانت منه، فجاءت الثانية والثالثة على أجنبية فلا تطلق إلا طلقةً واحدة، فعندنا غير المدخول بها ما فيها إشكال، ويبقى الإشكال في المدخول بها، وهذا داخل في نفس الباب -باب ما يختلف فيه عدد الطلاق- فلنأتِ إلى مسألة تكرار اللفظ العام.
تكرار اللفظ بدون فاصل
لو قال لامرأةٍ: أنت طالقٌ طالق طالق، فله أحوال: الحالة الأولى: أن يكون ناوياً الثلاث، وحينئذ تتفق النية مع لفظ محتمل لتلك النية فتطلق ثلاثاً، فلو قال لها: أنت طالق طالق طالق، فإذا نوى الثلاث مضى عليه، ويبقى
السؤال
إذا نوى أقل من الثلاث أو لم ينو شيئاً، إذا نوى أقل من الثلاث كأن يقول لها: أنت طالقٌ طالق طالق، كما لو كان الرجل عصبياً وجاء يطلق زوجته، ويريد أن يبالغ في كونها طالقاً وهو ينوي واحدة، فيقول لها: أنتِ طالق طالق طالق وقصده طلقة واحدة، لكنه يكرر تأكيداً لذلك الطلاق الذي أوقعه، فكرر اثنتين أو ثلاثاً أو أكثر فهي طلقةٌ واحدة؛ لأن اللفظ نفسه محتمل للتأكيد والتأسيس.
فكلمة (طالق طالق طالق) تأتي على صورتين: الصورة الأولى: تأكيد؛ فتعد واحدة.
والصورة الثانية: التأسيس، فتعد ثلاثاً، فحينئذ نيته إما أن تكون تأكيدية، وإما أن تكون تأسيسية، والتأسيس معناه: أنه يؤسس الطلاق فيبني الثانية على الأولى، ويبني الثالثة على الثانية، فكأنه يقول: أنت طالق بالثلاث، فلو سألك سائل عن قول الرجل: (أنت طالقٌ طالق طالق) تقول: فيه تفصيل، فإن نوى ثلاثاً فتكون ثلاثاً، وإن نوى واحدةً فتكون واحدة، وإذا لم ينوِ شيئاً فوجهان، قال بعضهم: إذا لم ينو شيئاً نغلب الثلاث لأنه كرر، والإنشاء والتأسيس أولى من التأكيد؛ لأن التأسيس يفيد معنىً جديداً.
وقال بعضهم: يكون طلقة واحدة؛ لأن الأصل أنها زوجته، ولا نحكم بالطلاق إلا بيقين ونحن على يقين من واحدة فلا نطلق أكثر وهذا هو الصحيح، وهو مذهب الجمهور، فمن قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق ولم ينو لا واحدةً ولا ثلاثاً، فواحدة بناءً على ذلك، وإن نوى الثلاث فتكون ثلاثاً، وإن نوى واحدةً فتكون واحدة، وإذا لم ينو شيئاً فإنها واحدةٌ على الصحيح.
تكرار اللفظ مع الفصل بحرف أو غيره
قوله: (طالق طالق طالق) اتضح لنا القول فيه، لكن يبقى: (طالق وطالق وطالق)، (طالق فطالق فطالق)، (طالق ثم طالق ثم طالق)، (طالق بل طالق بل طالق)، أو أي لفظ ناتج عن إدخال أي حرف في (طالق، طالق)، بين الأولى والثانية، فهل هذا يؤثر أو لا؟ فقال رحمه الله: [وإن كرره بـ (بل) أو (ثم) أو بـ (الفاء) أو قال: بعدها أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان].
كقوله: (أنتِ طالق فطالق فطالق)، (طالق ثم طالق ثم طالق)، (طالق وطالق وطالق)، ثلاث؛ لأنه إذا عطف فالعطف يقتضي المغايرة، فأصبحت الطلقة الثانية غير الأولى، فإن قال لها: أنتِ طالقٌ فطالق، أو طالق وطالق، فالطلقة الثانية غير الأولى، وعلى هذا قالوا: تطلق ثلاثاً.
(أو قال بعدها أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان).
قال لها: أنت طالق و (بعدها أو قبلها) طلقة فيقول لها: أنت طالق طلقة، طالق طلقة، طالق طلقة، فحينئذٍ تطلق ثلاثاً؛ لأنه يكون في هذه الحالة كأنه أسس بذكر التأكيد، أو فصل بينهما بما يدل على انفصال الطلقة الأولى عن الثانية، فقال: أنت طالق، ثم قال: طالق طالق، فهذا الفصل يقتضي أنها طلقةٌ قبل الطلقة أو طلقةٌ بعد الطلقة، وهكذا لو قال لها: أنت طالق بعدها طلقةٌ، أو طالق بعدُ طالقٌ بعدُ طالقٌ، أو طالق قبلها طلقة، فإنها طلقتان، إذا قال: أنت طالق قبلها طلقة، أو أنت طالقٌ بعدها طلقة، تكون طلقتين، إن قال: طالقٌ قبلها طلقة، فأصبحت (طالق) الثانية ليس فيها معنى التأكيد، فتطلق طلقتين، وإن قال: أنت طالقٌ قبلها طلقة، فإن قوله: (طالق) تكون تأكيداً وطلقةً مستقلة.
تكرار الطلاق لامرأة غير مدخول بها
قال رحمه الله: [وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها، والمعلق كالمنجز في هذا].
الآن بالنسبة للإشكال في طالق (طالق طالق)، أو (طالقٌ قبلها طلقة)، أو (طالقٌ بعدها طلقة)، هل هو للتأكيد؟ أو للتأسيس؟ فالمسألة كلها تكون: هل لمعنى التأكيد أو لمعنى التأسيس؟ ففي الصورة الأخيرة: (أنت طالقٌ قبلها طلقة)، انظر! فهل وصفه باسم الفاعل: (أنتِ طالق) مراده الطلقة القبلية، أم أنها طلقة غير الطلقة القبلية؟ فهو ناوٍ في قلبه أن قوله: (طلقة) سبقت (طالق)، فهل (طالق) الثانية تأكيد أم تأسيس؟ فعلى هذا الوجه ذكر المصنف هذه المسألة.
قال رحمه الله تعالى: [وإن كرره بـ (بل) أو (ثم) أو بـ (الفاء) أو قال: بعدها أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان]: وقعت اثنتان، يعني: إذا قال لها: (أنت طالق بل طالق) فتُعد طلقتان؛ وطالق فطالق، أنت طالقٌ ثم طالق، كذلك قالوا: إن هذا يعتبر تأسيساً، ولا يمكن أن يقبل التأكيد، فهو إذا قال: (أنت طالقٌ طلقة)، (أنت طالقٌ بعد طلقة)، (أنت طالقٌ قبلها طلقة) لكن لاحظ! حينما قال: (أنت طالق قبلها طلقة) أخَّر المقدَّم وقدَّم المؤخَّر، فهل المؤخَّر هو المقدَّم أو لا؟ هذا الإشكال فهل قوله: (طالق) -اسم الفاعل- وصفٌ للمتقدم الذي أخَّرَه، فيكون قوله: (طلقة) في الأصل سابقة لـ (طالق)، فيكون وصفها بكونها طالقاً واقعاً للمؤخر الذي هو (طلقة)، فيكون قوله: (أنت طالق قبلها طلقةٌ)، المراد به: أن تكون طلقةً واحدة.
ويحتمل أن يكون قوله: (أنت طالقٌ قبلها طلقة) (أنتِ طالق)، طلقت ولا تقبل الإلغاء، ثم: (قبلها طلقة) يقصد به أنه قد طلقها طلقةً مع هذه الطلقة، فتكون طلقتان، وحينئذٍ اختار المصنف أنها طلقتان، وعلى هذا القول فقول الزوج: (أنتِ طالقٌ قبلها طلقة)، (أنتِ طالقٌ بعدها طلقة)، في الصورتين تكون طالقاً بالطلقتين، هذا وجه، وخلاصة الإشكال: هل هي للتأسيس أو للتأكيد؟ فإن قلت، للتأكيد، فلا يتكرر الطلاق، وإن قلت: للتأسيس، تكرر الطلاق على حسب ذلك.
ولو قال لها: (أنتِ طالقٌ قبلها طلقة، وأنتِ طالقٌ بعدها طلقة)، أو قال لها: (أنت طالقٌ قبلها طلقتين)، فثلاث؛ لأن (أنتِ طالق) اسم الفاعل وصف، وتكون حينئذٍ طلقتان على مذهب من يقول: إنه للتأكيد على أنه للوصف، وإن كان للتأسيس فيكون قوله: (أنت طالقٌ قبلها طلقتان) ثلاثاً، ويصبح في هذه الحالة وصفها بكونها مطلقة طلقة ثالثة بعد الطلقتين السابقة.
وإن قلت: ليس مراده ذلك، فـ (طالق) اسم فاعل، واسم الفاعل يقبل الوصف، وهو مشتق، فيكون قوله: (أنت طالقٌ قبلها طلقتين) يعني: أنت طالقٌ بالطلقتين، أصفك بكونك طالقاً بطلقتين، هذا معنى كونها للتأكيد، وهذا -في الحقيقة- تفنن من العلماء؛ لأن التفنن في اللغة كان -قديماً- موجوداً، وتجد الرجل يتمسك بالألفاظ، وإذا لَحَن يؤاخذ، فكانوا الناس ينقلون ويأخذون بألفاظهم كما هي، وكانت اللغة قائمة بدلائلها بالتأسيس والتأكيد، وحروف التأسيس التي لا يمكن حملها على التأكيد، وعلى هذا فصل المصنف -رحمه الله- واختار أن قوله: (أنت طالقٌ قبلها طلقة)، أو (طالقٌ بعدها طلقة) أنها تطلق طلقتين.
وعلى هذا ممكن أن تطلق ثلاث تطليقات لو قال لها: قبلها طلقتان، أو بعدها طلقتان.
الأسئلة
عدد الطلقات للعبد إذا طلق ثم أعتق
السؤال
إذا طلق العبد طلقةً ثم أُعْتِق فكم يبقى له من عدد الطلاق؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإذا طلق العبد طلقة ثم عتق العبد، فإنه بعد ذلك يستأنف الحكم وتكون له ثلاث تطليقات، فيبقى له من تطليقاته طلقتان.
والله تعالى أعلم.
تفصيل حالات أخذ الجزء لحكم الكل والعكس
السؤال
في الطلاق نرى أن الجزء آخذ لحكم الكل والقاعدة: أن (الجزء لا يأخذ حكم الكل) فما التوجيه في ذلك؟
الجواب
ما شاء الله! -الحقيقة- كم يُسَر أهل العلم وطلبة العلم حينما تكون الأسئلة فعلاً تدل على ربط الفقه بعضِه ببعض! سبق وأن ذكرنا أن هناك قاعدة تقول: (الجزء لا يأخذ حكم الكل)، وذكرنا هذه القاعدة في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حينما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ناوليني الْخُمرة، قالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك)، فلم يعطِ اليد حكم الجسم كله، فقالوا: (الجزء لا يأخذ حكم الكل)، وهذا فيما يقصد فيه الكل.
هنا قلنا: (الجزء يأخذ حكم الكل)، وهذا في المؤاخذات، وقصد الكل -يعني: فيما يقصد به الكل- مستقيم؛ لأن هذا ورد، وهذا ورد، فالشرع عبَّر بالجزء عن الكل، ولذلك قال: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة:191]، والمراد مكة كلها، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء:1]، وقد أسري به عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانئ، وهذا يدل على أن الكل يكون في حكم الجزء، وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:1]، كما ذكرنا، فالشرع يعبر بالجزء عن الكل، ويعبر بالجزء عن الجزء، فحينما قلنا: إن الجزء لا يأخذ حكم الكل فهذا بالنسبة لما قَصَد الشرعُ فيه الكل كقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) فالدخول للكل لا للبعض، فلو أدخل رجله فإنه لا تلزمه التحية؛ لأنه لم يدخل الكل، والجزء لا يأخذ حكم الكل، ولو قال: والله! لا أدخل البيت، فأدخل يده، لم يحنث؛ لأن الحكم هنا في الشرع معلق بالكل، وهكذا لو اعتكف في مسجدٍ فأخرج يده منه لم يبطل اعتكافه؛ لأن الشرع علق الحكم بالكل؛ لكن هنا لا يمكن أن يعلق الحكم بالجزء وحده؛ لأننا ما وجدنا الشرع يقول: المرأة حلالٌ كلها إلا يدها، وما وجدنا الشرع يقول: المرأة نصفها حلال ونصفها حرام، ووجدنا الإجماع قائماً على أن تطليق البعض كتطليق الكل، وأن جزء الطلقة ككل الطلقة فتطلق المرأة جميعُها، وهذا مثل ما ذكرنا: أن الشرع اختلفت أحكامه فأعطى الكل حكم الجزء في حال، وأعطى الجزء حكم الجزء بالخصوص ولم يعطه حكم الكل في حال، وعليه جعلنا الحكم مرتباً لكل حال بما يناسبه، فنحن نقول: إن الطلاق لا يتعلق بالبعض، فنفهم هنا: أن الجزء كالكل، وأيضاً: حينما وجدنا الشرع يعلق الحكم على الدخول وعلى الخروج نقول: دخول البعض ليس كدخول الكل، وخروج البعض ليس كخروج الكل.
والله تعالى أعلم.
تعليق الطلاق أو عدده بمستحيل
السؤال
لو قال الرجل لزوجته: أنت طالق بعدد أبنائي، ولم يكن له أولاد، فما الحكم؟
الجواب
أنت طالق بعدد أبنائي، بعض العلماء يقول: إنه إذا عُلِّق الطلاق على المستحيل يكون لغواً، لو قال لها: أنت طالقٌ بعدد أبنائي، وليس له أبناء، قالوا: يكون هذا من التعليق بالمستحيل، يعني: ليس له أبناء فالطلاق لم يصادف محلاً.
وقال بعض العلماء: تطلق عليه طلقة ولا يُزاد؛ لأنه قال: أنت طالق -فوصفها بكونها طالقاً- بعدد أبنائي، يصبح بعد ذلك الثانية والثالثة بعدد الأبناء، فالأصل أنه طلق، قالوا: فيؤاخذ، وعلى هذا لا يصح إدخاله لعدد الأبناء رافعاً للطلاق؛ لأن الطلاق قد وقع.
والمسألة محتمِلة، ومن يرجح المؤاخذة يقول: إنها تطلق؛ لأنه قال: أنت طالق، فلا إشكال في وقوعه، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، أنه إذا قال: أنت طالق بعدد أبنائي تطلق.
لكن يرد الإشكال: لماذا يحكم بالطلاق، وقد قيده -بينه وبين الله- بعدد أبنائه.
وهذه المسألة -في الحقيقة- لو تأملها طالب العلم لعرف أنها تطلق بالنص؛ لأنه حينما قال لها: أنت طالقٌ بعدد أبنائي، وهو يعلم أنه ليس له أبناء فقد هزل بالطلاق، فلما وصفها بقوله: أنت طالق، فقد أمضى على نفسه الطلاق بصيغة اسم الفاعل التي هي أصلٌ للطلاق.
وعلى هذا تطلق لكونه يهزل ويريد الهزل، وحينئذٍ تكون طلقةً واحدة، ولا تطلق عليه أكثر من طلقةٍ.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
شرح زاد المستقنع -
فصل
الاستثناء في الطلاق
مسألة الاستثناء في الطلاق من المسائل المهمة التي تبحث في كتاب الطلاق، وتتفرع منها مسائل وأحكام أخرى من أهمها: حكم تأثير الاستثناء في الطلاق، والشروط المنبغي توفرها في اعتبار الاستثناء في الطلاق، وحكم استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات، وكذلك حكم الاستثناء بالقلب في الطلاق.
الاستثناء في الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين؛ أما بعد كنا قد ذكرنا جملةً من الأحكام المتعلقة بتنجيز الطلاق، وقوله رحمه الله: (والمعلق كالمنجز)، قد عقد المصنف رحمه الله لتعليق الطلاق مباحث وفصولاً سيأتي بيانها، وعند العلماء رحمهم الله أن الطلاق ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما كان منجزاً، والمقصود بالمنجز الذي يبت الزوج فيه الطلاق فيقول لامرأته: أنت طالق.
فهذا منجزٌ وينفذ حالاً، وأما المعلق فإنه يعلق على شرط أو صفة أو زمان ويعلق فيقول: إن دخلت الدار، أو إن خرجت، أو إن ذهبت إلى أهلك، أو إن جاء الغد ونحو ذلك، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان مسائل التعليق ومباحثها بعد فصلين من هذا الفصل.
أقسام المستثنى منه في الطلاق
قال رحمه الله: [فصل: ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات].
هذا الفصل عقده المصنف رحمه الله للاستثناء، والاستثناء في الطلاق مبحثٌ مهم من مباحثه، والمراد بالاستثناء: أن يستثني المطلق من عدد الطلاق شيئاً معيناً أو يستثني من المطلقات بعضهن، ولذلك ينقسم الاستثناء إلى قسمين: إما أن يكون في عدد الطلاق، وإما أن يكون في المطلقات، فمثال الأول: أن يقول لها: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة، ومثال الثاني أن يقول: نسائي طوالق إلا فلانة، والاستثناء في لغة العرب حقيقته: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فهو يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة، فلما قال: إلا واحدةً، أخرج الواحدة من الثلاث، فقالوا: الاستثناء إخراج بعض، فخرج استثناء الكل من الكل، وهو نوعٌ من أنواع الاستثناء سيأتي بيان حكمه.
والاستثناء مبحثٌ مهم من المباحث الفقهية، ذكره العلماء في الطلاق، ويتكلمون عليه في الأيمان، كرجلٍ يحلف اليمين ويستثني فيقول: والله لا آكل اليوم إلا اللحم، أو والله لا أدخل دار أحدٍ إلا دار فلانٍ، أو والله لا أكلم الناس إلا زيداً ونحو ذلك، وكذلك يكون الاستثناء في مباحث العتق، فيعتق عبيده وإماءه ويستثني بعضاً منهم، فمباحث الاستثناء مباحث مهمة يترتب عليها مسائل شرعية في الطلاق والأيمان والنذر والعتق وغير ذلك، ومسألة الاستثناء تستلزم بيان الأصول والقواعد التي يقوم عليها الاستثناء، فهناك مستثنى، ومستثنىً منه، وأداةٌ للاستثناء، فأما المستثنى فيكون عدداً ويكون شخصاً، وهذا في باب الطلاق؛ لأننا قلنا: إما أن يستثني من عدد الطلاق أو من المطلقات.
فلذلك المستثنى إما أن يكون من الأعداد كقوله: أنت طالقٌ طلقتين إلا واحدة، وأنت طالقٌ ثلاث تطليقات إلا واحدة، فقوله: إلا واحدة، المستثنى: واحدة، وهو عدد، أو يكون المستثنى من النساء، وهذا استثناء راجعٌ للمطلقات لا إلى عدد الطلاق، كقوله: نسائي طوالق إلا خديجة، فهذا استثناءٌ من المطلقات.
وأما بالنسبة للمستثنى منه فإن كان الاستثناء عددياً فإنه يكون عدد الطلاق كقوله: ثلاثاً إلا واحدة، وإذا كان من المطلقات يكون ذكره لنسائه كلهن فيقول: جميع نسائي طوالق إلا فلانة.
وأما بالنسبة للأداة فهناك الاستثناء بـ (إلا وسوى وعدا وغير وحاشا وخلا)، فهذه ستة حروف للاستثناء، يقول: نسائي طوالق إلا خديجة، ونسائي طوالقُ ما عدا خديجة، ونسائي طوالقُ غير خديجة، سوى خديجة ونحو ذلك؛ لكن هذه الحروف فيها غير، وغير تأتي على وجهين: فإن قال: نسائي طوالق غير خديجة، خرجت واستثنيت إذا جاءت بالنصب، وأما إذا قال: غيرُ خديجة -بالضم- فالجمهور على أنها تكون طالقةً مع المطلقات من باب التأكيد كقوله: أنت طالق ثلاثاً غير واحدةٍ، أي: أنت لست بطالق طلقة واحدة، وإنما أنت طالق ثلاث تطليقات، وعلى هذا لا تكون دالةً على الاستثناء.
حكم تأثير الاستثناء في الطلاق
قال العلماء رحمهم الله: إن الإجماع منعقد من حيث الجملة على أن من استثنى استثناءً صحيحاً مستوفياً للشروط الشرعية أنه يحكم له بالاستثناء ويعتد به؛ لأن الله سبحانه وتعالى عبر في كتابه المبين بالاستثناء، وثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استثنى، وجعل استخدام هذا الأسلوب العربي موجباً لمخالفة الحكم للمستثنى من المستثنى منه.
وعلى هذا قالوا: إن من استثنى استثناءً شرعياً، أي: مستوفياً للشروط المعتبرة شرعاً، حُكِم باستثنائه، ففي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرّم مكة، فلا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرفٍ، قال العباس رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله! إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، قال صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر)، فدل على أن الاستثناء له تأثير، وقد جاءت بذلك نصوص الكتاب، فإن الله تعالى جعل الاستثناء مؤثراً في العدد فقال سبحانه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:14]، فكأنه قال: لبث فيهم تسعمائة وخمسين عاماً، فدل على أن الاستثناء يؤثر في الأعداد.
وعلى هذا قالوا: كما أن الاستثناء يؤثر في الأعداد فقد ثبت النص بأن الاستثناء يؤثر في الأشخاص الموصوفين كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:40]، فاستثنى عباد الله المخلصين، وهذا يدل على أن الاستثناء يقع في الأعداد ويقع في الأشخاص، وبناءً عليه، فمن طلق بعددٍ واستثنى فإنه يصح استثناؤه، ومن طلق نساءً واستثنى صح استثناؤه، ولكن إذا استوفى الشروط.
الشروط المنبغي توفرها في اعتبار الاستثناء في الطلاق
الشرط الأول: النية والقصد، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فمن تلفظ بالطلاق وذكر مطلقات أو عدداً من الطلاق وأراد أن يستثني، فعليه أن تكون عنده نية لذلك الاستثناء حتى يحكم بالاعتداد بذلك الاستثناء شرعاً.
فإذا أراد أن يستثني ونوى، فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن تكون نيته للاستثناء سابقةً لتلفظه بالطلاق.
الحالة الثانية: أن تكون نيته للاستثناء مصاحبةً للتلفظ بالطلاق.
الحالة الثالثة: أن تكون نية الاستثناء متراخيةً ومتأخرةً عن لفظه بالطلاق.
الحالة الأولى: أن تكون نيته سابقةً للطلاق؛ وذلك كأن ينوي أن يطلق امرأته طلقةً واحدة، فقبل أن يتلفظ يستحضر في نيته أنه يريد أن يطلقها طلقة، فقبل أن يتلفظ نوى هذه النية ثم قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا طلقة، أي: أنت طالقٌ طلقة واحدة؛ فعلى هذا أجمع العلماء رحمهم الله: أن من كانت نيته سابقةً للفظ الطلاق أنها نية معتدٌ بها ومعتبرة للتأثير في الاستثناء.
الحالة الثانية: أن تكون النية مصاحبةً للفظ، وذلك بأن ينوي الاستثناء قبل الفراغ من عدد الطلاق الذي يريد أن يستثني منه، وقبل الفراغ من عدد المطلقات اللاتي يريد أن يستثني منهن، فمثلاً: إذا كان الاستثناء في العدد قال لها: أنت طالقٌ طلقتين، وقبل أن يتم قوله: طلقتين، نوى الواحدة فقال: طلقتين إلا واحدة، وقعت واحدة في قول جماهير العلماء رحمهم الله لقولهم: إن النية إذا كانت سابقة أو كانت موافقة أو مصاحبة أنها نيةٌ معتبرة ومؤثرةٌ شرعاً.
الحالة الثالثة: أن تكون النية متراخية ومتأخرةً عن الطلاق، فقول جماهير العلماء رحمهم الله: أنه لا تأثير لذلك، فلو أن رجلاً قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً، ثم طرأ له وبدا له أن يستثني منها شيئاً بعد أن تلفظ بالثلاث فقد وجبت الثلاث ولا تأثير لذلك، إلا أن فقهاء الحنابلة والمالكية رحمهم الله استثنوا المصاحب المتصل اتصالاً قوياً بآخر اللفظ، والأقوى ما ذكرناه، هذا بالنسبة للأول وهو شرط النية.
الشرط الثاني: ألا يكون الاستثناء مستغرقاً، والمراد بذلك: أن يفضل شيء بعد الاستثناء الذي استثناه من عدد الطلاق والمطلقات، فمثلاً يقول لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً؛ فإنه إذا قال: إلا ثلاثاً، أبطل بها الثلاث الأولى وكأنه يبطل لفظ الطلاق، فبالإجماع على أنه إذا كان استثناؤه مستغرقاً أنه غير مؤثر ويقع ما تلفظ به.
فلو قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة أو طلقتين إلا طلقتين أو ثلاثاً إلا ثلاثاً؛ فإنه لا يعتد بالاستثناء، ويقع الذي تلفظ به أولاً.
وعرفنا أنه إذا قال: كلكنّ طوالق إلا جميعكن، لم يصح ويطلق الجميع، ولو قال: أنت طالق طلقتين إلا طلقتين فإنه يلغى استثناؤه ويثبت طلاقه.
لكن
السؤال
لو أنه استثنى بعض المستثنى منه ولم يكن مستغرقاً، فالسؤال: ما الحكم؟ يأتي ذلك على صور: الصورة الأولى: أن يستثني الأقل من الأكثر.
الصورة الثانية: أن يستثني النصف.
الصورة الثالثة: أن يستثني الأكثر.
فعندنا ثلاث تطليقات يستثني الأقل فيقول: إلا طلقة، ويستثني المساوي فيقول: طلقتين إلا طلقة، فاستثنى النصف، ويستثني الأكثر فيقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين.
فعندنا ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يستثني الأقل من الأكثر، فبإجماع العلماء على أنه إذا استثنى الأقل من الأكثر صح استثناؤه، كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، فيصح استثناؤه وتطلق المرأة طلقتين.
الصورة الثانية: إذا استثنى النصف فقال: أنت طالقٌ طلقتين إلا طلقةً فهل هذا يؤثر أو لا يؤثر؟ جمهور العلماء على أنه إذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا طلقة فإنه يصح استثناؤه وتطلق طلقةً واحدة؛ لأن النص والتنزيل دال على تأثير الاستثناء، والنصوص دالة على أن هذا الاستثناء معتدٌ به في اللسان واللغة، والإجماع منعقدٌ على أنه مؤثر، وإعماله هو الأصل، فيبقى على هذا الأصل حتى يدل الدليل على أن استثناء النصف لاغٍ، وليس هناك دليل يفرق بين النصف والأكثر.
ويخالف في هذه المسألة بعض فقهاء الحنابلة ويقولون: إنه إذا استثنى النصف لم يصح استثناؤه، والمصنف رحمه الله اختار القول بأنه إذا استثنى النصف فإنه يؤثر وأنه استثناء صحيح، وهو القول الراجح -كما ذكرنا- بدلالة النصوص في الأصل على صحة الاستثناء والاعتداد به.
الصورة الثالثة: إذا استثنى الأكثر فقال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا طلقتين؛ فإن الطلقتين اللتين استثناهما أكثر من الطلقة التي أبقاها وعلى هذا كانت الاثنتان أغلب وأكثر، فهل يصح أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا طلقتين ويعتبر ذلك موجباً لرفع الطلقتين وبقاء الطلقة الواحدة؟ قولان للعلماء، وأصحهما: قول الجمهور، أن من استثنى الأكثر صح استثناؤه؛ وذلك لقوة الدليل من الكتاب على صحة هذا النوع من الاستثناء، وقد اختار أئمة اللغة أنه يصح استثناء الأكثر وليس في ذلك مانع، وقد قال الله عز وجل حكايةً عن إبليس: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:39 - 40]، قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:42]، فقوله: (إن عبادي) عباد الله عز وجل الذين هم بنو آدم ليس له عليهم سلطان إلا من اتبعوه من الغاوين، والغاوون أكثر من المهتدين.
فدل هذا على أن استثناء الأكثر من المستثنى منه صحيح؛ لأن القرآن جاء بذلك ونص عليه، وقد خالف في هذه المسألة بعض أئمة اللغة رحمهم الله كـ ابن درستويه، وحُكي عن ابن جني والزجاج أنهما يقولان: لا يصح استثناءُ الأكثر، والصحيح أن استثناء الأكثرِ صحيح ومعتدٌ به على ما ذكرناه، ولذلك قال الإمام الماوردي رحمه الله: إن هذا المذهب ضعيفٌ، والأقوى والأشبه بالأصول صحة استثناء الأكثر كالأقل.
إذا ثبت هذا فإن الخلاصة: أن من استثنى وكان الذي استثناه مستغرقاً للمستثنى منه لم يصح استثناؤه بالإجماع، كقوله: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا ثلاثاً.
وهناك مذهب شاذ لا يعتد به أنه لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً لم تطلق، ولكنه شذوذ.
أما إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً أو اثنتين ففيه خلاف: هل يصح استثناء الأكثر والنصف، وقلنا: إن الراجح مذهب الجمهور، وأما بالنسبة للأقل فإنه يكاد يكون الإجماع على أن استثناء الأقل صحيحٌ ومعتدٌ به.
الشرط الثالث: أن يكون الاستثناء متصلاً، ولا يفصل بين المستثنى منه والمستثنى بفاصلٍ مؤثر، فإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً، وأراد أن يستثني من الثلاث فينبغي عليه أن يصل ويقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة، فيجعل الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه.
وعلى هذا: فلو وقع الفاصل فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون فاصلاً يعذر فيه شرعاً، كأن يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً، ثم يصيبه عطاس، فيفصل بعطاس، أو يفصل بانحباس نفس أو نحو ذلك مما هو خارج عن إرادته وقدرته، فبالإجماع لا يؤثر.
الحالة الثانية: أن يكون الفاصل مؤثراً بقولٍ أو فعل أو طول زمان، فهذا فيه خلافٌ بين العلماء رحمهم الله، وجمهرة أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة رحمهم الله على أن الفاصل المؤثر يُسقط الاستثناء ويثبت الطلاق، ولا يؤثر فيه ذلك الاستثناء، فمثلاً: لو قال رجلٌ لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، في مجلس، ثم خرج إلى مجلس ثانٍ وطال الفصل وقال: إلا واحدة، وقعت الثلاث، واستثناء الواحدة على هذا الوجه لا يؤثر، وهذا هو مذهب الجمهور الذين منهم الأئمة الأربعة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رخص في الفاصل في الاستثناء، وأنه إذا فصل بفاصلٍ إلى شهر فإنه لا يؤثر، وحُكيَ عنه أنه قال: إلى الأبد، وكذلك قال طائفة من أصحابه كـ مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وهو قول بعض أئمة التابعين كـ الحسن البصري، حتى قال مجاهد: له أن يستثني إلى سنتين.
وهذه الأقوال كلها مرجوحة، وقد احتجوا بحديث العباس فإنه لما قال عليه الصلاة والسلام في تحريم مكة: (أن يختلى خلاها ويعضد شوكها وتلتقط لقطتها قال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله! إلا الإذخر، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: إلا الإذخر).
قالوا: فحصل الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومع ذلك جُعِل الحكم للإذخر خاصاً وأثر الاستثناء، قالوا: والاستثناء هو وجود الفصل إما بوجود الجملة للمراجعة بقوله: (يا رسول الله إلا الإذخر) أو بوجود الزمان.
وأجاب عن هذا جمهور العلماء بأن الكلام فيه تقدير، فقوله: (يا رسول الله! إلا الإذخر)، كأنه سؤال، والسؤال معادٌ في الجواب، أي: كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها إلا الإذخر)، ففيه تقدير، وهذا هو الصحيح، وبناءً على ذلك لا يكون الحديث حجة على الفصل.
ومن غرائب ما ذكروا عن بعض أئمة الفقه رحمةُ الله عليهم: أنه ذات مرةٍ دخلت امرأتان من البادية على البصرة، فوجدتا رجلاً يبيع، فاشترت إحداهما من ذلك البائع، فقالت إحداهما تخاطب الأخرى: ألم تعجبي من فلانٍ -تعني: من العلماء- يقول: إنه يجوز أن يستثني بعد اليوم واليومين؟ أي: يجوز للإنسان أن يستثني من يمينه وطلاقه وعتاقه بعد يوم أو يومين، قالت: وما العجب في ذلك؟ أي: لأنها امرأة وتحب الاستثناء حتى ولو بعد العمر كله؛ لأن هذا أفضل لها، فقالت لها: وما العجب في ذلك؟ قالت لها: لو كان الأمر كما قال لأمر الله نبيه أيوب أن يستثني، فإنه لما ألزم نفسه كان بالإمكان أن يأمره أن يستثني ويرفع عنه موجب اليمين، وهذا لا شك أنه يدل دلالة واضحة على أن وجود الفصل يؤثر في الاستثناء.
وعلى هذا: فإنه لا يصح أن يستثني مع وجود الفاصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل بين المستثنى والمستثنى منه، وإنما وقع كلامه على تقدير سؤال العباس رضي الله عنهما.
حكم استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات
قال رحمه الله تعالى: [ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات].
يقول رحمه الله: (ويصح منه) أي: من المطلق، (استثناء النصف فأقل) وهذا على أصح القولين في المذهب كما ذكرنا، وكما قلنا: يكاد يكون إجماع القائلين بأن الاستثناء يؤثر من عدد الطلاق، وهذا النوع الأول من الاستثناء يكون عددياً، والنوع الثاني: استثناء المطلقات فيقول: نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة، فحينئذٍ يكون استثنى نصف نسائه المطلقات، حيث يكون عنده أربع من النسوة فيستثني منهن اثنتين.
وكذلك يستثنى من عدد الطلاق كأن يقول: أنت طالقٌ طلقتين إلا طلقة، أو نسائي طوالق طلقتين إلا طلقة فهذا استثناء للنصف.
قال رحمه الله: (فأقل) والأقل كما ذكرنا أن يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة، هذا في عدد الطلاق، والأقل في المطلقات أن يكون عنده أربع نسوة فيقول: نسائي طوالق إلا فلانة، فواحدةٌ من أربع أقل، أو يقول: نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة، فيكون استثنى النصف من عدد المطلقات.
ومفهوم قوله: (استثناء النصف فأقل) الحنابلة رحمهم الله عندهم أنه لا يجوز استثناء الأكثر كما ذكرنا، فلو قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين فإنه لا يصح هذا الاستثناء، والصحيح: صحة استثناء الأكثر وهو مذهب الجمهور، فإن ظاهر القرآن دالٌ عليه، فلما قال رحمه الله: (يصح منه استثناء النصف فأقل)، نفهم أنه إذا استثنى أكثر من النصف فلا يصح هذا على المذهب، ولكن الصحيح ما ذكرنا لقوة الدليل عليه.
قوله: [فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة].
وهذا استثناء النصف.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً إلا اثنتين، أصبحت مطلقة طلقة واحدة على القول بأن استثناء الأكثر يؤثر.
فإذا قال: إلا اثنتين إلا واحدة، يكون قوله: إلا واحدة، راجعاً إلى اثنتين، فيكون قد استثنى واحدةً من ثلاث، فاستثنى من الثلاث الأولى طلقتين، ثم استثنى من الطلقتين اللتين استثناهما طلقةً واحدة، فبقيت واحدة، فأصبحت طالقاً طلقتين، فإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا طلقتين إلا واحدة؛ فإن قوله: إلا طلقتين، يوجب ثبوت الطلقة الواحدة، إذا رجع واستثنى من الاثنتين واحدة صار قد استثنى من الثلاث واحدة، والاستثناء الثاني استثناء من الأول؛ لكن لو أنه جعل الاستثناء على هذا الوجه يكون الاستثناء الثاني راجعاً إلى الاستثناء الأول، وعلى هذا يقول العلماء: إنها تطلق في هذا الوجه طلقتين، ويكون الاستثناء الثاني من الاستثناء الأول.
اختلاف الاستثناء في النفي والإثبات
قوله: [وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان].
الاستثناء يكون تارةً بالإثبات وتارة بالنفي، فالاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي، فأنت لو قلت: ما قام أحدٌ إلا زيداً، فإن الاستثناء من المنفي إثبات، أي: أن زيداً قد قام، فصار الاستثناء من النفي إثبات، والعكس الاستثناء من الإثبات نفيٌ، فإذا قال: جاء الطلاب إلا زيداً، فمعنى ذلك أن زيداً لم يجيء، فأصبح الاستثناء من الإثبات نفي، وعلى هذا استشكلت بعض المسائل على هذا الأصل: أن الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدةً، فإنه قد أثبت الثلاث واستثنى منها واحدة، فيكون نفياً للواحدة.
وعلى هذا لما قلنا: إنه إذا قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا طلقتين فقد نفى أن تكون مطلقة ثلاثاً، واستثنى هاتين الطلقتين، ثم لمّا رجع وقال: إلا واحدةً، أي: من الاثنتين، فحينئذٍ كأنه يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة هذا وجهه.
لكن مسألة الاستثناء من النفي إثبات هي في الطلاق جارية عند جمهور العلماء رحمهم الله، ويشكل عليها فقط في مسائل الأيمان، لو قال: والله لا آكل اللحم إلا لحم الدجاج.
فإذا قلنا: والله لا آكل اللحم استثناء، والاستثناء من النفي إثبات، فحينئذٍ عند الجمهور أنه إثبات لأكل الدجاج، فإذا مضى ذلك اليوم ولم يأكل لحم الدجاج؛ لزمته اليمين وحنث؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات.
وقال طائفةٌ من العلماء كما هو مذهب المالكية: الاستثناء من النفي إثبات إلا في اليمين؛ فإنه لو قال: والله لا آكل اليوم اللحم إلا لحم الدجاج؛ فإنه حينئذٍ يكون قوله: إلا لحم الدجاج، للإباحة لنفسه، وليس المراد به إثبات كونه يأكل لحم الدجاج، ويكون الخلاف بين القولين فيما لو مضى اليوم كله ولم يأكل لحم الدجاج، فعلى أن الاستثناء من النفي إثبات حنث على قول الجمهور، وعلى أن النفي في باب الأيمان ليس إثباتاً فإنه لا يحنث؛ لأن المراد: أنه لا يأكل اللحم إلا أنه رخص لنفسه بأكل لحم الدجاج، فإن أكل فبها ونعمت، وإن لم يأكل فلا شيء عليه، وسيأتي إن شاء الله في الأيمان؛ لأن مسائل الاستثناء تتعلق بالأيمان وبالنذر وكذلك أيضاً بالطلاق.
حكم الاستثناء بالقلب من عدد المطلقات والطلقات
قال المصنف رحمه الله: [وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صحّ دون عدد الطلقات].
سبق وأن ذكرنا في أول الطلاق أن التقسيمات والتفريعات عند العلماء نسبية، فتارةً تقول: الطلاق ينقسم من حيث الحكم إلى سني وبدعي، ومن حيث الأثر وحكم الرجعة ينقسم إلى رجعي وبائن، والبائن إلى بائن بينونة صغرى وكبرى على التفصيل الذي قدمناه.
وهنا بالنسبة للاستثناء من حيث الظاهر والباطن -وهي نسبته إلى اللفظ وعدمه- ينقسم إلى استثناء باللفظ واستثناء بالقلب، استثناء باللفظ يقول: نسائي طوالق إلا خديجة، فقد تلفظ بالمستثنى وحينئذٍ لا إشكال، والنوع الثاني: أن يكون الاستثناء قلبياً؛ فإن كان الاستثناء لفظياً فيؤثر في المطلقات وعدد الطلقات وجهاً واحداً عند العلماء، وإن كان الاستثناء قلبياً وباطنياً فإنه في هذه الحالة يفرّق بين عدد الطلاق وبين المطلقات، ففي عدد الطلاق لا يؤثر على تفصيلٍ عند العلماء سنشير إليه من حيث الجملة، ومن حيث عدد المطلقات يؤثر.
فلو قال: نسائي طوالق، ونوى في قلبه إلا خديجة، أو نوى بنسائه الطوالق اللاتي هن موجودات في الغرفة دون اللاتي خارج الغرفة، أو اللاتي موجودات في المدينة دون اللاتي في مكة، أو في موضعٍ آخر، صح استثناؤه فيمن نوى استثناءها وتطلق الباقيات.
ولكن في مسألة الاستثناء في عدد الطلاق، قالوا: إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثاً، لو فتحنا الباب وقلنا: إن الاستثناء بالقلب مؤثر لتلاعب السفهاء، والمصلحة تقتضي أنه يؤاخذ بظاهره، إضافةً إلى أن أصول الشريعة تؤكد هذا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس)، فهو لو قال لامرأته أنت طالق طلقتين، أنت طالق ثلاثاً، ونوى بقلبه إلا طلقة، قالوا: تطلق طلقتين في الأولى وثلاثاً في الثانية، ولا يعتد باستثنائه القلبي، هذا في قول طائفة من العلماء.
وقال بعض العلماء: ينفعه ديانةً ولا ينفعه حكماً وقضاءً، أي: بينه وبين الله عز وجل ينفعه هذا الاستثناء، وبينه وبين الناس وفي حكم القضاء لا ينفعه، والقول الأول لا شك أنه أورع وأشبه وله قوة، بخلاف مسألة شُبهة الإسناد لمحل الطلاق فإنه يضعف الإسناد ما لم يسند، فقوي أن يستثني ويعتد بنيته ما لم يكن ذلك في عدد الطلقات.
حكم الاستثناء في الطلاق من العدد الكلي في الزوجات
قال رحمه الله: [وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق، صح الاستثناء].
هذا لا إشكال فيه، أربعكن طوالق إلا فلانة، قالوا: إنها تستثنى فلانة.
وقال بعض العلماء: لا، إذا قال: أربعكن طوالق؛ مضى عليها الطلاق، وهذا ضعيف؛ لأن الاستثناء مع ذكر العدد الكلي يؤثر فيه إذا كان للبعض، ألا ترى أنه لو قال: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا واحدة أنه يؤثر، فما الفرق بين قوله: أربعكن طوالق، ثلاثكن طوالق إلا فلانة، وبين قوله: فلانة طالق بالثلاث إلا واحدة؟ فعلى هذا يصح استثناؤه ولا إشكال فيه.
حكم الاستثناء غير المتصل في الطلاق
قال رحمه الله: [ولا يصح استثناء لم يتصل عادةً، فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل].
قوله رحمه الله: (ولا يصح استثناء لم يتصل عادةً)، وهذا هو الشرط الثاني من شروط صحة الاستثناء، فقد ذكرنا الشرط الأول: ألا يكون مستغرقاً، وأشار إليه بقوله: (والنصف فأقل).
والثاني: أن يكون الاستثناء متصلاً، وقد بيّنا الاتصال والانفصال، وأن الانفصال يكون بالكلام، يقول: أنت طالقٌ ثلاثاً، قومي واخرجي إلى أهلك إلا واحدةً، فجملة: قومي واخرجي إلى أهلك، جملة خارجة عن الاستثناء، ثم قال: إلا واحدة، فقالوا: إنه إذا كان الانفصال بكلام أجنبي عن الاستثناء فإنه يعتبر مُسقطاً للاستثناء؛ لأنه لما أقحم هذه الجملة الغريبة عن الاستثناء والتي ليست متصلة بالاستثناء، فإنه قد خرج عن الاستثناء بالكلية، فإن قال لها: أنت طالقٌ ثلاثاً قومي فاخرجي أنت طالقٌ ثلاثاً، أو اذهبي إلى أهلك أنت طالقٌ ثلاثاً فليستمتع بك غيري، ونحو ذلك من الألفاظ التي تخرج عن جملة الاستثناء ثم تلفظ بعد ذلك بالاستثناء قالوا: إنه لا يعتد باستثنائه؛ ولذلك اشترط رحمه الله أن يكون الاستثناء متصلاً.
حكم استحضار النية عند الاستثناء في الطلاق
قال رحمه الله: [وشرطه النية قبل كمال ما استثنى منه].
وشرط الاستثناء نيته، أي: أن يكون ناوياً الاستثناء، والنية في اللغة: القصد، قالوا: نوى الشيء ينويه نيّةً ونيَة بالتخفيف والتشديد، والمراد بذلك: أن يكون عنده عزمٌ قلبي وإرادةٌ قلبية على إخراج عددٍ من الطلقات أو إخراج عددٍ من المطلقات؛ على التفصيل الذي ذكرناه، وهي على صور ثلاث: إما أن تكون نيةً سابقةً للفظ الطلاق، أو تكون نيةً موافقةً مصاحبةً للفظه، أو تكون نيةً متراخية متأخرة عن لفظ الطلاق؛ فإن كانت النيةُ سابقةً فإنها مؤثرةٌ وجهاً واحداً، وإن كانت النية مصاحبةً للفظ فعلى الأصح أنها تؤثر، وإن كانت النية متراخيةً متأخرة، فإن طال الفصل فبالإجماع أنها لا تؤثر، وإن لم يطل الفصل وتقاربت النية مع اللفظ فوجهان، أقواهما: ما ذكرناه من أنها لا تؤثر.