الفرق بين اشتباه الماء الطاهر بالنجس واشتباه الثوب الطاهر بالنجس
السؤال
فضيلة الشيخ حفظكم الله قلتم: إنه لو كان عند أحدنا ثياب واختلطت النجسة منها بالطاهرة أنه يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، السؤال: لماذا لا يجري هذا الأمر باختلاط الماء الطاهر بالنجس؟
الجواب
بينا أنه في حال اختلاط الماء الطاهر بالنجس لو أمرناه أن يصلي بكل ماء على حدة لأدى ذلك إلى الشك بكونه متنجساً؛ لأنه سيصلي بنجاسةٍ قطعاً، بمعنى أنه سينجس بدنه، فلا يدري هل الأول هو النجس أم الثاني هو النجس؟ فإن تنجس في الأول وصلى فإنه لم يصلِّ، فتكون صلاته بالطهور الثاني غير معتبرة، وتوضيح ذلك: أننا لو قلنا: توضأ من أحدهما ثم صلِّ، ثم توضأ من الثاني وصلِّ، كما قلنا في الثياب لأدى ذلك إلى ما يلي: أنه لابد أن يبدأ إما بالنجس أو بالطهور، فإن ابتدأ بالنجس وتوضأ به، فإنه لا تصح صلاته الأولى، فإن توضأ بعده بالطهور؛ فإنه في هذه الحالة يكون الطهور أثناء صبه على اليد مزيلاً للخبث لا رافعاً للحدث، فلا يستقيم وضوءه لا الأول ولا الثاني، هذا إذا تقدم النجس وتأخر الطهور، قالوا: فإذا أمرناه يحتمل أنه يفعل ذلك وبسبب هذا الاحتمال لا نجيز له، فلو فرضنا أنه توضأ بالطهور أولاً وصلى، ثم توضأ بالنجس بعده وصلى؛ فإنه ستبقى فيه النجاسة فينجس بدنه وثوبه، ومكانه بخلاف الثوب الذي تكون نجاسته قاصرة على المحل المتنجس دون البدن، والله تعالى أعلم.
حكم من وجد المني على ثوبه
السؤال
سائل يقول: رجل نام ليلة السبت وهو متأكدٌ من طهارة ملابسه، ثم اكتشف يوم الأحد بعد العشاء أن على ملابسه الداخلية جنابة، فماذا يصنع في تلك الصلوات التي مرت عليه وهو نجس، وهو لا يعلم هل حصلت الجنابة ليلة السبت أو ليلة الأحد أفتونا وجزاكم الله خيرا؟ الجواب، أولاً: وصفك له بقوله: (وهو نجس)، غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) ولكن يقال: متنجس، يعني عنده ثوبٌ لابسه النجس، وهذا على القول: بأن المني نجس، والصحيح: أن المني طاهر، فلا يستقيم وصفه بالنجاسة ألبتة على ظاهر السنة.
وبناءً على ذلك: يرد السؤال: من وجد في نهارٍ أثر المني، وهو متأكد أن الليلة الماضية وهي السبت أو الأحد أو الإثنين أو الثلاثاء كان على غير جنابة، فأصح الأقوال عند العلماء، أن من وجد الجنابة في ثوبه فعليه أن يعيد من آخر نومةٍ نامها، فلو فرضنا أنه وجد أثر الجنابة في صلاة المغرب، فإنه إن نام الصبح ولم ينم بعد الصبح أعاد الصبح وما بعده، وإن نام الظهر ووجد الأثر المغرب وجب عليه قضاء العصر وحدها، فيغتسل ويقضي العصر، وهذا على قاعدة (اليقين لا يزال بالشك)، فإن اليقين في آخر نومة والشك فيما قبلها، فنبني على اليقين ونلغي الشك قبلها، والأصل فيه قبل ذلك أنه متطهر، وهذا على القاعدة التي ذكرناها والله تعالى أعلم.
شرح زاد المستقنع -
باب الآنية
الأصل في الأواني إباحة استعمالها واتخاذها إلا ما حرمه الشرع كآنية الفضة والذهب، والأصل في أواني الكفار الحل إلا إذا رأينا أمراً ظاهراً يقتضي عدم جوازها، كاستعمالها في النجاسة وطبخ الخنزير وغير ذلك، فيحرم علينا استعمالها، إلا إذا لم نجد غيرها فلنغسلها ونستعملها.
أحكام الأواني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الآنية] الباب: هو المنفذ بين الشيئين يتوصل به أحدهما إلى الآخر، من داخلٍ إلى خارج والعكس، قالوا: سُميت مباحث العلم أبواباً؛ لأن الإنسان يتوصل من خارج وهو: الجهل بها، إلى داخلٍ وهو: العلم بما فيها، فمن قرأ شيئاً من هذه الأبواب فقد أدرك العلم الذي فيها، كمن دخل البيت فإنه يدرك ما فيه، ويرتفق بمنافعه.
(باب الآنية) واحدها إناءٌ، وجمعها رحمة الله عليه لأن الأواني منها ما أباحه الشرع، ومنها ما حرمه الشرع، فناسب أن يقول: (باب الآنية)، أي: في هذا الموضع سأذكر لك أحكام الشريعة في الأواني، والسبب الذي يجعل العلماء يذكرون باب الآنية، ويتكلمون على مباحث الآنية في كتاب الطهارة: أن الطهارة تحتاج إلى ماء يُتطهر به، وصفةٍ تتم بها الطهارة، والماء الذي يتطهر الإنسان به يحتاج إلى وعاء يحمله فيه، فإنه قد يكون الماء طهوراً ولكن الإناء نجس، فهل يجوز أن يتوضأ الإنسان منه؟! وقد يكون الماء طهوراً، ولكنه في إناءٍ محرم كالمصنوع من الذهب والفضة، فهل يجوز أن يتطهر به؟ فإذاً لا بد من الكلام على أحكام الآنية؛ لأنها أوعية الماء الذي يُتطهر به.
الأصل في الأواني الطهارة
قال المصنف رحمه الله: [كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستعماله].
هذه قاعدة، فلو سألك سائل: ما هو الأصل في الأواني؟ تقول: الأصل أنها جائزة ومباحة، إذا كانت طاهرة ولو كانت ثمينة، فلو كان الإناء من الماس أو من الجواهر أو من غيرها من المعادن الثمينة النفيسة، فإنه يباح اتخاذه واستعماله، فلو أن إنساناً شرب في كأسٍ ثمينٍ من معدنٍ ثمين كالجواهر أو غيرها فإنه يباح له ذلك، فالأصل حلّ هذه؛ لأن الله يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:13].
فالأصل في هذه الأشياء أنها مسخرةٌ من الله جل وعلا لكي ينتفع بها الإنسان، تكريم من الله لبني آدم، فإذاً: الأصل في الإناء أنه يباح لك استعماله واتخاذه.
والاتخاذ يكون في البيت بأن يحفظ فيه الأشياء أو يجعله للزينة ونحو ذلك، فالأصل جواز ذلك ولا حرج فيه، هذا في الآنية.
وإذا كان الأصل في الآنية حتى الثمينة منها الإباحة فإنه ينتفع بها وعلى هذا يجوز الوضوء بها، فيجوز أن يتوضأ بآنية ولو كانت غالية الثمن، ما خلا ما استثناه الشرع، فالذي يستثنيه الشرع ويحكم بحرمة استعماله واتخاذه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان به، ولا أن يستنجي، ولا أن يغتسل.
حرمة استعمال أواني الذهب والفضة
[إلا آنية ذهبٍ وفضة ومضبب بهما].
(إلا آنية ذهبٍ) وهو المعدن المعروف، (وفضة ومضببٍ بهما) وآنية المضبب بهما.
أما: آنية الذهب والفضة فلا يجوز للإنسان أن يشرب في كأس ذهبٍ ولا كأس فضة، ولا يجوز له أن يأكل بملعقة ذهبٍ ولا فضة ولو كان أثنى، فإن الأنثى يباح لها الحلي للزينة، أما الاستعمال والأكل والشرب والاتخاذ والاغتسال من آنية الذهب والفضة فمحرم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) وفي حديث الدارقطني: (الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جنهم) فإذاً من كبائر الذنوب: الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو آنية الفضة، وكذلك لو اتخذ صحناً من ذهب أو صحناً من فضة وجعله للزينة في البيت أو نحو ذلك.
والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن حرمة الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة مع أن الأكل فيها والشرب فيها من الحاجة، فلأن يحرم ما هو من مقام التحسينيات والكماليات الذي هو الزينة من باب أولى وأحرى.
فكون الشرع يحرم علينا أن نأكل أو نشرب في آنية الذهب والفضة يدلنا على أن اتخاذها دون استعمال أولى بالتحريم، وهذا -كما يقول العلماء رحمةُ الله عليهم- من باب التنبيه بالأعلى على ما هو أدنى منه؛ لأن نصوص الشريعة تنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، ولذلك يقولون: حرم النبي صلى الله عليه وسلم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكلٌ من الأكل والشرب محتاجٌ إليه، فإن الأكل والشرب قد يصل إلى الاضطرار، فإذا منع الإنسان من أن يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، فوضعها في بيته زينة أشد وأبلغ في التحريم، ولا يجوز له فعل هذا.
قال رحمه الله: [فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها ولو على أنثى].
أي: ولو كان الذي يشرب فيه من الإناث، فإن التحريم للأكل والشرب عام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإنها لهم في الدنيا -أي: للكفار- ولكم في الآخرة).
قال بعض العلماء: لا يؤمن على من أكل وشرب فيهما، وانتفع بالذهب والفضة بالأكل والشرب في صحافهما وآنيتهما أن يحرمه الله جل وعلا في الآخرة، كما حرم شارب الخمر -والعياذ بالله- خمر الآخرة بإدمانه عليها في الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية.
[وتصح الطهارة منها].
هنا مسألة: عند العلماء أن الشرع إذا نهى عن شيءٍ فهل يدل ذلك على نهيٍ فعل متضمن به، مثال ذلك: لو أن إنساناً أخذ إناءً من ذهب أو فضة ثم توضأ منه، أو جاء إلى صنبور فتوضأ منه وهو من الذهب أو الفضة، فهل يصح وضوءه وغسله أو لا؟! بعبارة أوضح: بما أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة، فلو أني توضأت واغتسلت من إناء ذهبٍ أو إناء فضةٍ فللعلماء وجهان مشهوران: الوجه الأول: أن من توضأ من إناء الذهب والفضة صح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسل الأعضاء، والوعاء منفصلٌ عن شرط الصحة وهو الوضوء، وهذا قول جمهور العلماء، واختاره غير واحدٍ من العلماء، أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضة، فوضوءه وغسله صحيح.
الوجه الثاني: ذهب بعض العلماء -وهو قولٌ في مذهب الحنابلة- إلى أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضةٍ فلا يصح وضوءه ولا غسله؛ لأنه فعل ما حرمَ عليه شرعاً، وهذا المحرم لا يوجب ثبوت العبادة الشرعية؛ لأن الشرع يقول له: لا تتوضأ من هذا الإناء فتوضأ من هذا الإناء، فلا تستباح العبادة الشرعية بمنهي عنه شرعاً، والصحيح أن الوضوء صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا قد توضأ، فإن الأعضاء التي أُمِرَ بغسلها قد غسلها، ولكن نقول: هو آثم من جهة استعمال الإناء، وصلاته صحيحة لوقوع العبادة على وجهها المعتبر، فالجهة منفكة، وهذه قاعدة عند الأصوليين: (أنه إذا ورد النهي وانفك عن المنهي عنه في جهته لم يقتضِ ذلك البطلان) فإن الماء الذي توضأ به ماءٌ طهور، والعضو الذي غسله عضوٌ معتبرٌ شرعاً، فإذاً صحت عبادته وصح وضوءه.
شروط اتخاذ الإناء المضبب بالفضة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلا ضبة يسيرة من فضةٍ لحاجة].
الضبة بالذهب والفضة تكون على أطراف الإناء أو الوعاء، فيكون الإناء محلى في أطرافه، فهذا يعتبر مضبباً كضبة الباب تحيط بعضاده، وكانوا في القديم يستخدمون آنية من الخشب، فيحفرونها في جذوع النخل ويستخلصون منها الأقداح، وهذه إلى الآن لا تزال موجودة في بعض البلاد، حيث يستخدمون هذه الآنية من الخشب بمثابة الأوعية، وهذا الوعاء قد ينكسر فيحتاج إلى جبر الكسر بصب الفضة عليه حتى لا يخرج الماء من هذا الشعب، فيسمونه (مضبباً)، فإذا انكسر الإناء جاز أن يضع الإنسان فيه ضبةً يسيرة من الفضة بشروط: أولاً: أن تكون من الفضة.
ثانياً: أن تكون يسيرة.
ثالثاً: أن لا يباشر الأكل والشرب من نفس المكان الذي فيه الفضة.
هذه ثلاثة شروط: أن تكون ضبةً يسيرة، ومن فضةٍ، ولا يباشر الشرب من مكان الفضة.
لأنه نُهي عن الشرب من آنية الذهب والفضة، فيتقي المكان الذي فيه الفضة ويشرب من غيره إلا أن تكون ضبةً يسيرة فيجوز له، دليل ذلك حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسر قدحه سلسله بفضة) قيل: الذي سلسله أنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سلسله، والعمل على الثاني.
قال رحمه الله: [وتكره مباشرتها لغير حاجة].
أي: مباشرة الضبة لغير حاجةٍ، فإن وُجدت الحاجة كما أن يكون الموضع الذي انكسر هو موضع الشرب، قالوا: فحينئذٍ لا يستطيع أن يشرب إلا من هذا الموضع الذي فيه الفضة فيجوز له أن يشرب؛ لأن أصل التحريم الانتفاع بالفضة على سبيل الكماليات وهنا قد انتفع بها على سبيل الحاجة، فتخلف فيه المعنى الذي من أجله ورد النهي شرعاً.
أحكام أواني الكفار
قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار].
بعد أن بين رحمة الله عليه أحكام أواني المسلمين، وقال لك: الأواني كلها جائز الانتفاع بها إلا آنية الذهب والفضة، بيّن بعد ذلك حكم آنية الكفار، والكفار على قسمين: كفارٌ من أهل الكتاب وهم الذين لهم في الأصل دينٌ سماوي، وهم اليهود والنصارى.
وكفارٌ على غير دين سماوي كالوثنيين والمشركين والمجوس ونحوهم، فيرد
السؤال
لو أن إنساناً سألك في يومٍ من الأيام وقال لك: وجدتُ إناءً ليهوديٍ فهل يجوز لي أن أتوضأ أو أغتسل منه، أو آكل أو أشرب منه؟! هذا سؤالٌ وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة؛ وتوضيحها: أن آنية الكفار على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً غير مستعملة، كالأواني التي تأتي منهم جديدة مُصَنّعة، فهذه طاهرةٌ يجوز استعمالها والانتفاع بها بالإجماع ما لم تكن من مادةٍ نجسة؛ فإن كانت من المواد الطاهرة كالحديد والصفر والنحاس ونحوها جاز الانتفاع بها بالإجماع؛ لأن اليقين طهارتها وليس هناك دليل على النجاسة، فنبقى على الدليل الأصلي ونستصحب الأصل من كونها طاهرة.
الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها، ورأيت الإناء وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجسٌ حتى يطهر، ولا يجوز استعماله بالإجماع حتى يغسل.
فلو وجدت كأساً لهم فيها خمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها وتنظيفها، وأما إذا كانت هذه الأواني مغسولة عندهم ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطر إليها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: (يا رسول الله! إني بأرض قومٍ أهل كتاب أفآكل في آنيتهم؟ -وفي رواية أفنأكل في آنيتهم؟ - قال: لا.
إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها) فدل هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها.
ونازع هذا الحديث حديثٌ آخر، وهو أكل النبي صلى الله عليه وسلم من آنية الكفار، ففي حديث رواه أحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبزٍ وإهالة سنخة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك) وكذلك أيضاً ثبت في الصحيح عنه: (أن امرأة يهوديةً دعته إلى شاةٍ ووضعت السم فيها، ثم أطعمته عليه الصلاة والسلام فأكل منها).
فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب والوضوء ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما لقي المرأة التي معها المزادة توضأ هو وأصحابه منها) فتوضأ من مزادة مشركة.
قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها ويشرب منها ما لم تُعلم نجاستها، وهذا مذهب بعض العلماء.
وحديث أبي ثعلبة يقتضي أنه لا يؤكل ولا ينتفع بها إلا ألا يجد غيرها فيغسلها ثم يأكل فيها.
وأعدل المذاهب: أن يحتاط الإنسان فيها، فلا يأكل في آنية الكفار ولا يشرب منها إلا ألا يجد غيرها فليغسلها ثم ليأكل فيها، وما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعارض هذا الأصل؛ لأن الغالب في هذه الآنية طهارتها، ولو كانت نجسةً لما خلا الوحي من تنبيهه صلى الله عليه وسلم على نجاستها.
وعلى هذا فإن التفصيل في أواني الكفار بالصورة التي ذكرناها هو أعدل الأقوال.
الحالة الثالثة: أن لا نعلم أو لا نرى فيها نجاسة، فهل نُعْمِل الأصل الذي هو اليقين أو نُعْمِل الظاهر؟ وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ عند حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه.
فعند العلماء شيء يُسمى: (اليقين) كما تقدم، وشيء اسمه: (الظاهر)، فقد يقول قائل: نحن قلنا في القاعدة: (أن اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين في أواني الكفار: أنها طاهرة في الأصل، فكيف عدلنا عن قاعدة اليقين في هذا الموضوع حتى صرنا نقول: إن أواني الكفار تغسل؟!
الجواب
هناك شيءٌ اسمه: دلالة الظاهر، والظاهر قد يعارض الأصل، فتارةً يُعمِل اليقين، وتارة يُعمل الظاهر، فإن الظاهر في حال الكفار أن أوانيهم نجسة؛ لأنهم يشربون فيها الخمور ويأكلون فيها الميتات، فالظاهر من حالهم أنها نجسة.
ومن أمثلة ذلك: إذا دخل الإنسان أكرمكم الله إلى الحمام، فوجد الماء الذي هو في مجرى النجاسة، فالماء هذا اليقين فيه أنه نجس، والماء الذي خارج الحمام اليقين فيه أنه طاهر، فيبقى الماء الذي بينهما هل نقول: اليقين فيه ما بداخل الحمام أو ما بخارجه؟! قالوا: هذا يعتبر من دلالة الظاهر، فالظاهر دورات قضاء الحاجة أنها نجسة حتى يدل الدليل على طهارتها، وبناءً على ذلك فإن الظاهر من أحوال الكفار النجاسة، فيقدم الظاهر على الأصل، وهذا من المسائل التي يتعارض فيها الظاهر والأصل، وإذا تعارض الظاهر والأصل قُدّم الأصل في مسائل وقدم الظاهر في مسائل أخرى.
وقد تكلم على هذه القاعدة كلاماً نفيساً الإمام الزركشي في كتابه: المنثور في القواعد، وتكلم عليها كذلك القرافي في: الفروق، وغيرهم من أئمة الأصول بحثوا هذه المسألة، وفيها إشكالات مشهورة عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم].
أي: يباح لك استعمال أوانيهم ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول: تباح آنية أهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم.
قال المصنف رحمه الله: [وثيابهم إن جُهِل حالها].
ثياب الكفار لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً لم تُلبس، كالثياب المصنعة في بلاد الكفار، فحكمها الطهارة يقيناً، فأي ثوبٍ جديد ولو جاء من ديار الشرك والكفر فإنا نقول: اليقين أنه طاهر، والأصل فيها الطهارة حتى ترى النجاسة فيه أو عليه.
الحالة الثانية: أن ترى على ثوب الكافر نجاسة، فحكمه أنه نجس، مثال ذلك: أن تراه قد صب شيئاً نجساً على ثوبه أو عمامته أو نحو ذلك، فتقول: الثوب نجس، والعمامة نجسة.
الحالة الثالثة وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر ولم ترَ نجاسةً عليه، فهل هو نجس أم طاهر؟ قال بعض العلماء: ثياب الكفار يُعمل فيها اليقين من أنها طاهرة حتى تُرى النجاسة عليها، وهو مذهب من يتسامح فيها.
والمذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر فيها النجاسة؛ لأنهم يبولون ويتغوطون ولا يسلمون من وضع النجاسة على ثيابهم وبدنهم ولا يتورعون، فالظاهر نجاستها كلها.
والصحيح: هو المذهب الثالث وهو التفصيل: فإن كانت على موضع يغلب فيه النجاسة فهي نجسة كالثياب التي تلي العورة؛ فإنه إذا استعمل الإنسان ثوب كافرٍ مما يلي العورة كالسراويل ونحوها والأزر فإنه يغسلها قبل أن يستعملها؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا يتورعون عن النجاسات، وأنهم لا يتطهرون، فنعمل دلالة الغالب، والنادر لا حكم له، فيفرق في ثيابهم المستعملة بين ما غلبت طهارته وما غلبت نجاسته.
أحكام جلد الميتة وما قطع منها حية
قال المصنف رحمه الله: [ولا يطهر جلد ميتة بدباغ].
جلد الميتة للعلماء فيه قولان مشهوران، وأصح هذين القولين: أنه إذا دُبغ جلد الميتة فقد طهر؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) ولما مر على الشاة الميتة قال: (هلا انتفعتم بإهابها؟ -يعني: بجلدها- قالت: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرُمَ أكلها) فإن هذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ.
وقال بعض العلماء وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن جلد الميتة لا يطهر ولو بالدباغ، لحديث عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة أنهم أتاهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهرين: (أن لا تنتفعوا من الميتتة بإهاب ولا عصب) وهذا الحديث مضطرب، حتى أن الإمام أحمد رحمة الله عليه -كما نقل الترمذي ذلك- رجع عن القول به في آخر حياته.
فالصحيح: أن إهاب الميتة على ظاهر الحديث في الصحيحين إذا دُبغَ فقد طهر، فلو أن إنساناً ماتت عنده شاة، فأخذَ جلد الشاة ودبغه فقد طهر، وجاز له أن يضع الماء فيه، وأن ينتفع به، فالمصنف تبنى القول الثاني المرجوح، والصحيح ما ذكرنا بقوله: يطهر بالدباغ.
قال المصنف رحمه الله: [ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوانٍ طاهر في الحياة].
هذا على القول بنجاسته، فإذا كان جلد الميتة نجساً فإنه في هذه الحالة تنتفع به في اليابسات دون المائعات؛ لأن المائعات لو وضعت في جلد الميتة تتنجس، فبين رحمه الله: أن جلد الميتة لا ينتفع به وأنه يأخذ حكم الميتة، والصحيح -كما قلنا- أنه طاهرٌ إذا دبغ.
قال المصنف رحمه الله: [ولبنها وكل أجزائها نجسة].
وهذا بلا إشكال؛ لأن الله عز وجل حرم الميتة، ولم يفرق بين لبنها ولا بين غيره.
قال المصنف رحمه الله: [غير شعرٍ ونحوه].
شعر الميتة للعلماء فيه وجهان مشهوران: فجماهير العلماء على أن شعر الميتة مما لا تحله الحياة، بمعنى: أنه يجوز لك أن تنتفع بشعر الميتة؛ لأنه في حياتها يجز منها ولا يحكم بنجاسته بالإجماع، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ [النحل:80] فدّل دليل القرآن على طهارة الصوف والوبر، وما يستخلص من شعور بهيمة الأنعام، ومعلوم أن شعور بهيمة الأنعام تؤخذ منها بالحلاقة في حال حياتها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حيٍ فهو ميت) فلو كانت الشعور تحلها الحياة لحكم بنجاسة الشعر وعدم جواز الانتفاع به، فدل هذا الدليل على أن شعر الميتة يجوز الانتفاع به ولو بعد موت الميتة؛ لأنه منفصل عنها وليست بمتصلٍ بها.
قال المصنف رحمه الله: [وما أبين من حي فهو كميتته].
فإن كانت ميتته طاهرة فطاهر كالسمك، فلو أن إنساناً قطع ذنب سمكةٍ وهي حية وفرت، فهل يجوز له أن يأكل هذا الذنب؟
الجواب
نعم؛ لأن ميتة السمك نفسها يجوز أكلها: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فيجوز له أن ينتفع بجزء السمك؛ لكن لو أن إنساناً قطع رجل شاةٍ وهي حية.
فحكمها كميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة ومحرمة الأكل؛ كذلك رجلها إذا قطعت في حال حياتها فإنه يحكم بنجاستها.
الأسئلة
جواز التختم بالفضة دون استعمالها
السؤال
قلتم: إنه لا يجوز استخدام آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب والاستعمال، وأنه قول جماهير أهل العلم، فكيف نجمع بين هذا القول والحديث: (العبوا بالفضة لعباً).
الجواب
لا تعارض بين الحديثين، فإن اللعب بالفضة أن يلبسها الرجل وتكون في يده، والغالب أن الإنسان إذا تحلى بالفضة لعب بها، أما المتخذ فإنه لا يلعب بها لعباً، والاستدلال: بحديث: (العبوا بها لعبا) على أن المراد: افعلوا بها ما شئتم، استدلال بالتجوز في العبارة، أما حقيقة اللعب بالفضة فهي ما وردت السنة به من التختم ووضعه في اليد؛ ولذلك ثبت في الحديث عن عثمان رضي الله عنه كما في الحديث في الصحيحين: (أنه لما كان في سني خلافته لعب بخاتمه في بئر أريس، حتى سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فطلبوه فلم يجدوه).
فالمقصود أنه كان من عادتهم أنهم يلعبون بالخواتيم الفضة التي أذن الشرع بالتحلي بها، فالمراد حمل اللفظ على الحقيقة، لا على التجوز في العبارة من قوله: (العبوا فيها لعباً) إلا أن المراد بها: التوسع.
والله تعالى أعلم.
الجمع بين النهي عن استعمال الذهب والفضة وبين فعل أم سلمة في استعمال الفضة
السؤال
كيف يكون الجمع بين حديثين: الأول: (أن أم سلمة رضي الله عنها كان تضع شعرات للنبي صلى الله عليه وسلم في إناء فضة) والثاني: حديث أم سلمة نفسها في النهي عن الشرب من إناء الفضة، وقد قررنا أن هذا النهي ليس خاصاً بالشرب؟
الجواب
الأصل عند العلماء رحمةُ الله عليهم أن الصحابي إذا اجتهد وكان لاجتهاده وجه فإنه يعذر في اجتهاده، وتبقى دلالة السنة كما فهم من الشرع، وأخذ من أصول الشرع العامة على تلك الدلالة، ولا يعارض فعل أم سلمة رضي الله عنها هذا الأصل الذي قررناه.
ولذلك يعتذر لها بأنه اجتهادٌ منها، ولا يقدح الموقوف على الصحابي في المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النهي عن الأكل والشرب متضمنٌ للنهي عما لا فائدة فيه وهو الاتخاذ.
والله تعالى أعلم.
الوسائل المعينة على صدق التوبة والاستقامة
السؤال
إذا منّ الله تعالى على الشاب بالاستقامة، وعلم أنه طريق الحق، وعلم أن الشيطان له بالمرصاد فكيف يقاومه والشيطان يحاربه ببعض ذنوبه السابقة الخطيرة: كالنظر إلى المردان، وحب مجالستهم، بينوا ذلك؟
الجواب
الله المستعان! أحب دائماً أن الإنسان إذا سأل أن لا يمثل، فإذا كان الإنسان في نفسه مبتلى بأشياء فلا يذكرها؛ لأنه ربما سمع إنسان هذا فظن بالصالحين سوءاً، وهم أرفع -إن شاء الله- من هذه الأمور؛ ولذلك أنا لا أحب في المحاضرات والندوات أن تذكر مثل هذه الأمور لئلا يساء الظن بالأخيار، ويظن أن هذا موجود بينهم، وإنما هذه قضايا فردية قد تقع لبعض الإخوان فينبه على هذا، حتى لا يظن بهم ظن السوء.
إذا منّ الله عز وجل على العبد بالاستقامة والتمسك بالدين والالتزام بشريعة الله رب العالمين، فما عليه إلا أن يعض عليها إلى لقاء الله إله الأولين والآخرين، تمسك بحبل الله واعتصم بشريعته ودينه، واجعل الجنة والنار أمام عينيك، وفر من الله إلى الله.
أما ما ذكرت من الذنوب والخطايا والعيوب فإن الله لها، وهو مفرج الهموم والغموم والكروب، إذا ذكرك الشيطان بالماضي فادمع على ما كان دمعة الندم، وأخرجها من القلب بكل شجن وألم، وأحسن الظن بالله جل جلاله؛ فإنه يتوب على التائبين، ويمحو بفضله وإحسانه ذنوب المسيئين.
أقبل على الله إقبال الصادقين المنيبين وأحسن الظن به؛ فإنه الله رب العالمين، لا يخيب من رجاه، ولا من سعى إليه ودعاه، فأحسن الظن به سبحانه وتعالى جل في علاه.
أخي في الله! أوصيك بمجالسة الأخيار، وكثرة تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فإنها تجلي عن القلوب العمى، وتعينها على التمسك بسبيل الهدى، أوصيك أخي في الله أن تكثر من ذكر الله فإنه حصنٌ حصينٌ من عدو الله، فما ذكر عبدٌ ربه إلا ذكره الله، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره في ملأٍ خير من الملأ الذين ذكره فيهم، فأكثر من ذكر الله، واعتمد على الله وأحسن الظن به، ألا وإن من أعظم الأسباب التي تثبت القلوب على سبيل المنهج والصواب: كثرة ذكر الموت والبلى، وقرب المصير إلى الله جل وعلا.
اجعل الموت أمام عينيك، وأكثر من ذكر تلك الساعة التي تكون فيها واقفاً على آخر عتبة في الدنيا، أكثر من ذكرها، فوالله إنها تقض مضاجع الصالحين، وتعين على التمسك بالطاعة والدين، وكلما دعتك النفس إلى الشهوات والملهيات والمغريات فذكرها بساعة الموت والسكرات.
واجعل القبر أمام عينيك، واستشعر مثل هذه الساعة وأنت وحيد فريد لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأكثر من ذكر الآخرة، فإنها تعين على الثبات وتثبت القلوب إلى الممات.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبتنا بالقول الثابت، اللهم إنا نسألك الثبات إلى الممات، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم منّ علينا بالصحة والغفران، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الانتكاسة بعد الهدى، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الضلال بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة، ومن الحور بعد الكور، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا.
اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا نادمين، ولا مفتونين ولا مبدلين، يا ذا الجلال والإكرام! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب الاستنجاء [1]
إن باب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بطهارة الخبث التي لا يصح وضوء الإنسان ولا صلاته إلا بها، ويذكر العلماء في باب الاستنجاء الآداب الشرعية المتعلقة بقضاء الحاجة على ضوء النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته.
أحكام الاستنجاء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء].
الاستنجاء: استفعال من النجو، وأصله القطع للشيء، قال العلماء: سُمي قطع البول والغائط بالماء والحجارة استنجاءً؛ لأن المكلف إذا فعله فقد حصلت له الطهارة والنقاء، وبالطهارة والنقاء انقطع أثر النجاسة، فلذلك وصف بكونه استنجاء.
وباب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بالنوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث، فإن الله عز وجل أمر كل من صلى أو أراد أن يصلي بتحصيل الطهارتين: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث.
فأما طهارة الخبث فيراد بها نقاء الثوب والبدن والمكان، وأما طهارة الحدث فهي الغسل أو الوضوء والبدل عنهما، فالعلماء رحمهم الله يعتنون ببيان الأحكام المتعلقة بمسألة قطع البول والغائط، ولا يصح وضوء الإنسان ولا تكمل طهارته ولا تعتبر ولا تصح صلاته إلا بعد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان.
وهذا الباب يسميه بعض العلماء بـ (باب الاستنجاء)، ويسميه البعض بـ (باب آداب قضاء الحاجة)، ويسميه بعضهم بـ (باب الخلاء و
آداب الخلاء
) ومراد العلماء رحمهم الله أن يذكروا فيه الآداب الشرعية المتعلقة بالإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، سواء كانت بولاً أو غائطاً، وهذا الباب وردت فيه النصوص الصحيحة القولية والفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبينت هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته، ولذلك وصفه العلماء بباب آداب قضاء الحاجة.
فمن يقول من العلماء: باب آداب قضاء الحاجة، استنبط ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قعد أحدكم لحاجته)، ومن سمّاه بباب الاستنجاء راعى فيه الحقيقة، كما ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سلمان: (نهانا أن نستنجي بروث أو عظم) فقالوا: باب الاستنجاء.
آداب الخلاء
وآداب الخلاء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آداب قبل دخول موضع قضاء الحاجة، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الفراغ من الحاجة.
وكلها قد وردت فيها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأُخذت من أصول الشريعة العامة.
فأما الآداب التي هي قبل قضاء الحاجة: فمنها ما هو قولي، ومنها ما هو فعلي.
فأما الأدب القولي: فيسن للمسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا أدب يسبق قضاء الحاجة.
وأما مثال الآداب التي تكون حال الجلوس لقضاء الحاجة: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا).
وأما الآداب التي تكون بعد الفراغ من قضاء الحاجة: فمنها قوله: (غفرانك) عند الخروج، ونحو ذلك من الأذكار.
فأصبح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة مشتملاً على ثلاثة أنواع من الآداب على حسب الأحوال: آداب قبل دخول الخلاء، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الانتهاء والفراغ من الحاجة.
فالعلماء رحمهم الله يذكرون في هذا الباب ما يسن للمسلم أن يفعله قبل دخول الخلاء، وما يسن له فعله وهو في أثناء قضائه لحاجته، وما يسن له فعله بعد فراغه وانتهائه من قضاء حاجته.
التعوذ عند الدخول
يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء] أي: في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالاستنجاء.
[يستحب عند دخول الخلاء قول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث].
(يستحب عند دخول الخلاء) أي: قبل أن يدخل الإنسان الخلاء يستحب له أن يقول: (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث).
والثابت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ -أو الخُبْثِ- والخبائث)، هذا هو الثابت في الصحيحين، وأما لفظة: (باسم الله)، فقد ورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن أن الإنسان إذا قال عند رفع ثوبه أو نزعه: باسم الله، فقد ستر عن أعين الجن، وهو حديث متكلم في سنده، ذكره المصنف رحمه الله وذكر معناه واعتبره في هذا الموضع.
(يستحب لمن دخل الخلاء) هذا الكلام يقوله الإنسان إذا كان الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه موضعاً نجساً تقضى فيه الحوائج، توضيح ذلك: أن الناس يقضون حاجتهم إما في مكان مهيأ لقضاء الحاجة، وإما في مكان بريٍ ليس مهيأ لقضاء الحاجة، فمثال الأول: ما هو موجود الآن من دورات المياه، فإن هذا المكان معد لقضاء الحاجة وكان يسمى بالكنيف، وأما مثال الثاني: أن تخرج إلى الصحراء أو تكون في سفر فتنزل في موضع طاهر تريد قضاء الحاجة، ف
السؤال
متى يستحب أن يقول الإنسان هذا الذكر في الموضعين؟
الجواب
إذا كان الموضع مهيأً لقضاء الحاجة كدورات المياه، فالسُّنة أن يقول هذا القول قبل الدخول، أي: قبل أن يدخل إلى الكنيف أو إلى الحمام، وأما بعد الدخول فإنه موضع لا يشرع فيه أن يذكر اسم الله أو يذكر الله جل وعلا جهراً وبالنطق كما سيأتي إن شاء الله.
الموضع الثاني: إذا كان الموضع غير مهيأ لقضاء الحاجة، بمعنى: أنه غير مختص بقضاء الحاجة، كالبرية والفضاء ونحوه، فقال العلماء: يسن للإنسان أن يقول هذا الذكر إذا أراد أن يرفع ثيابه، فإذا وقف على الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وهذا الدعاء دعاء نبوي مأثور صحيح، وهو دعاء عظيم يعصم الإنسان به من شرور الشياطين، ومن البلاء الذي قد يصيبه في هذه المواضع، ولذلك قال العلماء: إن أمور الجن والشياطين مغيبة عن الناس -أي: بني آدم-، فإذا كان الإنسان في قضاء حاجته على ذكر لله جل وعلا قبل أن يجلس عصمه الله بعصمته وحفظه من أذيتهم، هذا على القول بأن قوله: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) قيل: الخبث: ذكران الشياطين -كما اختاره غير واحد من أهل العلم- والخبائث: إناث الشياطين.
وقيل: الخبث: الشر عموماً، والخبائث: الشياطين عموماً، وكلاهما وجهان لأهل العلم رحمة الله عليهم.
فالمقصود: أن هذا الذكر يشرع للإنسان أن يقوله إذا كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة قبل أن يدخل، وإذا كان الموضع غير مهيأٍ لقضاء الحاجة كالبر والفضاء والخلاء، فإنه يقوله عند رفعه لثيابه.
الاستغفار عند الخروج
قال المصنف رحمه الله: [وعند الخروج منه غفرانك].
(وعند الخروج منه) أي: بعد أن يخرج؛ لأنه إذا أراد الخروج فلا يشرع له أن يتكلم حتى يجاوز موضع قضاء الحاجة، فإذا جاوز موضع قضاء الحاجة قال: (غفرانك)، وأصله: اغفر غفرانك، أو: أسألك اللهم غفرانك، والغفر أصله الستر ومنه المِغْفَر؛ لأنه يستر رأس الإنسان من ضربات السلاح في الحرب.
قالوا: سميت المغفرة مغفرة؛ لأن الله إذا غفر ذنب العبد صار كأن لم يكن منه ذنب، وأصبح خالياً من ذلك الذنب، وسُتِر عنه ذنبه وكفي مؤنته، كما أن الإنسان إذا لبس المغفر كفي شر السلاح وأذيته.
(غفرانك) قال العلماء: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة عند الخمسة أنه قال: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء، وللعلماء رحمة الله عليهم في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضائه لحاجته وخروجه أقوال: - قال بعض العلماء: استغفر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يأمن من حصول بعض النظر إلى عورته، فشرع للأمة أن يستغفروا من أجل هذا الوجه.
- وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم شُغل عن ذكر الله جل وعلا بقضاء الحاجة فقال: (غفرانك)؛ لضياع هذا الوقت دون ذكر لله جل وعلا -وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين- وهذا من كمال عبوديته لله وكمال حبه وتعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهو في هذا الوقت مع حاجة الجسم إليه وهو في حالة اضطرار وعذر عن ذكر الله يستغفر من ذهابه دون أن يذكر الله جل وعلا فيه، وهذا فيه تنبيه للمسلم من أنه ينبغي عليه أن يكثر من ذكر الله، واغتنام الحياة في طاعة الله؛ لأنه هو الأصل من خلقه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].
- وقال بعض العلماء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (غفرانك)؛ لأنه لما خرج الطعام من الجوف أمِنَ الإنسان من كثير من الأضرار وكثير من البلايا فلم يستطع أن يوفّي شكر نعمة الله على هذا الفضل فقال: (غفرانك) أي: غفرانك من التقصير في حمد نعمك، وشكر مننك التي أنعمت وامتننت بها علينا.
قال المصنف رحمه الله: [الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني].
(الحمد لله الذي أذهب عني الأذى) أي: أذهب عني أذى القذر الخارج؛ لأنه لو بقي في الجسم لأضر بالإنسان، ولذلك لو أن إنساناً منع من البول ساعة واحدة لما استقر له قرار، ولو حيل بينه وبين قضاء حاجته، وقيل له: افتدِ بالدنيا لافتدى بالدنيا حتى تخرج حاجته، وقد يبلغ ببعض المرضى كالمشلولين -حمانا الله وإياكم- أن يمكث أربع ساعات أو خمس ساعات لإخراج فضلته من جسده، فهي نعمة من الله عظيمة، ولا يعلم مقدار فضله ورحمته ولطفه بالعبد إلا هو سبحانه وتعالى، فناسب أن يقول عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله)؛ لأنه المحمود على جلب النعم وحصولها، ودفع النقم وزوالها، سبحانه جل جلاله.
(الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) قيل: المعافاة من شرور الشياطين ونحوهم، وقيل: المعافاة من الضرر الموجود في الجسم بحبس ذلك الطعام والشراب، فالله دفعه فاستوجب أن يشكر ويحمد على هذا الفضل.
تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج منه
قال المصنف رحمه الله: [وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً].
آداب الخلاء على قسمين: القسم الأول: آداب قولية، وقد سبق بيان أدب قولي يقال قبل الدخول وأدب قولي يقال بعد الخروج.
والقسم الثاني: آداب فعلية، ومن الآداب الفعلية أن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء قدّم رجله اليسرى وأخّر رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج قدّم رجله اليمنى وأخّر اليسرى؛ لأن الشريعة قصدت تكريم اليمين على اليسار، فجهة اليمين مفضلة مشرفة على اليسار، ولذلك دلت نصوص الكتاب والسُّنة على تعظيم جهة اليمين، فجعل الله أصحاب الجنة أصحاب اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم-، وكذلك أيضاً جعل السعيد من نال كتابه بيمينه، وكذلك أيضاً أثنى على اليمين ضمناً حينما ذكرها بصيغة الإفراد في مقابل الجمع، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل:48] فقال: (عن اليمين) فأفرد، وقال: (والشمائل) فجمع، والعرب تجمع في مقابل المفرد تعظيماً للمفرد، كما قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:1] فجمع الظلمات وأفرد النور، وهو أسلوب عربي يدل على تشريف المفرد على الجمع، فجهة اليمين مشرفة على جهة الشمال بدلالة قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل:48] وجاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله)، وفي حديث السنن: (إذا لبستم فتيامنوا) أي: إذا لبس الإنسان ثوباً أو عباءة أو حذاء فإنه يقدم الجهة اليمنى من يد وشق ورجل على الجهة اليسرى، فإذا أراد الخروج من الخلاء قدّم رجله اليمنى وأخر رجله اليسرى؛ تشريفاً لليمين؛ لأن الخروج أفضل من الدخول، ففي الدخول يقدم المفضول على الفاضل، وفي الخروج يقدم الفاضل على المفضول، فيقدم رجله اليمنى ويؤخر رجله اليسرى.
قال المصنف رحمه الله: [عكس مسجد ونعل].
(عكس مسجد) فمن دخل المسجد قدّم رجله اليمنى للدخول وأخّر رجله اليسرى، وإذا أراد الخروج قدّم اليسرى وأخّر اليمنى، وقد ورد فيه حديث عند الحاكم أن من السنة تقديم اليمنى على اليسرى عند دخول المسجد.
واختلف العلماء رحمهم الله في مسألة لطيفة هي: لو أن إنساناً أراد أن يخرج من بيته إلى المسجد -عرفنا أنه إذا أراد دخول المسجد قدّم اليمنى وأخّر اليسرى، ولكن لو خرج من بيته قاصداً المسجد- فهل الأفضل أن يقدم رجله اليمنى؛ لشرف المقصود والغاية، أو يؤخّر اليمنى؛ لفضل المكان الخارج منه؛ لأن الخروج من البيت أدنى منزلة من الدخول، ولذلك إذا أراد أن يخرج يقدم اليسرى، لكن اختلفوا في الخروج إلى المسجد هل يقدم اليمنى؛ لشرف الغاية، أو يقدم اليسرى مراعاة للحال؟ والأقوى: أن يقدم اليسرى مراعاة للحال، فإن الأصل الملتصق بالفعل مقدم على ما انفصل عنه، فالأولى أن يقدم يسراه للخروج من المنزل، ولو خرج لطلب علم ولتعليم ولجهاد ولصلاة ولدعوة ونحو ذلك فكذلك أيضاً.
الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [واعتماده على رجله اليسرى].
أي: إذا أراد ذلك، وهذه من الآداب التي تشرع عند فعل الحاجة وقضائها.
قالوا: يعتمد على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وفيها حديث ضعيف في السنن أن من السُّنة أن الإنسان ينصب رجله اليمنى ويعتمد على رجله اليسرى، وعلل بعض العلماء ذلك بأن الأطباء يقولون: إنه أرفق بالبدن وأيسر لخروج الخارج، فإن صح ما ذكروه كان مشروعاً من جهة الرفق بالبدن ولا يحكى سنة؛ لأن الحديث فيه ضعف، فإذا فعله الإنسان من باب الرفق بالبدن فهو حسن؛ لأن الرفق بالبدن من مقاصد الشريعة، ولا حرج في فعله.
البعد والاستتار عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [وبعد في فضاء واستتاره].
أي: يشرع ويسن للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته وكان في فضاء -كالأرض الخلاء التي ليس فيها أحد- البعد؛ لأن الفضاء منكشف، والإنسان إذا جلس في الفضاء يمكن أن يُرى شيء من عورته، ولا يأمن خروج الخارج عليه فجأة، فلذلك شرع له أن يبعد وأن يستتر.
فيشرع له أمران: البعد في المذهب وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة: (تنح عني)، وكذلك أيضاً يستتر، فإذا كانت الأرض منبسطة بحث عن حفرة أو شاخص، فإن وجد المطمئن من الأرض كالحفرة نزل فيها وقضى حاجته؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ما لم يكن فيها ضرر عليه، أو يخشى من الضرر، أو يأتي إلى شاخص، كأن يأتي إلى هضبة أو تل فيستقبله ويقضي حاجته مستقبلاً إياه؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ويُوليِّ قفاه للناس، فإذا فعل ذلك كان أبلغ في استتاره.
(أن يبعد وأن يستتر) قالوا: في الفضاء يبعد؛ لأنه إذا بعد شخصه تعذّر على العين الاطلاع على عورته، ويستتر لئلا يداهمه إنسان فجأة؛ فيكون ذلك أبلغ في تحفظه وصيانة عورته، وقد عُظِّم أمر الاستتار في قضاء الحاجة، ومن تساهل في قضاء حاجته فقضاها بجوار الطرقات على مرأىً من الناس وتساهل في ذلك -ما لم يكن مضطراً- فإنه لا يخلو من الإثم والتبعة، حتى قال بعض العلماء: لو فتن أحد بالنظر إليه حمل إثمه ووزره -والعياذ بالله-؛ لأنه تعاطى السبب لحصول الإثم والوزر، فلا يجوز للإنسان أن يتساهل في العورة، حتى ورد في حديث ابن عباس في الصحيحين في قصة الرجلين اللذين يعذبان، قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية: (لا يستتر من بوله)، قال بعض العلماء: (لا يستتر) أي: يتساهل في عورته -والعياذ بالله-، فقالوا: إنها من الأمور التي قد تكون سبباً -على هذا الوجه- في عذاب القبر وفتنة القبر، نسأل الله السلامة والعافية.
وأنبه على مسألة يخطئ فيها كثير من الناس أصلحهم الله، خاصة من الجهلة والعوام: فإنهم يأتون إلى أماكن الوضوء ويكشفون عوراتهم ويستنجون فيها دون حياء من الناس، ولا خوف من الله جل وعلا، فأماكن الوضوء المخصصة للوضوء لا يصلح فيها للإنسان أن يكشف عورته فيؤذي عباد الله، وكذلك أيضاً يتسبب في أذيتهم بنتن البول وريحه، وهذه من الأمور الممقوتة التي لا ينبغي للمسلم أن يفعلها، ومن رئي منه فعل ذلك فإنه يُنصح ويُذكّر ويخوف بالله جل وعلا، ويقال له: اتق الله ولا تؤذِ المسلمين، فإن أماكن الوضوء ليست لقضاء الحاجة؛ لما فيه من أذية الناس بالرائحة والنتن، وقد تضافرت نصوص الشريعة على تحريم الضرر، قال بعض العلماء: يحَرُمُ فعل هذا للضرر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار).
اختيار الموضع الرخو عند قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [وارتياده لبوله موضعاً رخواً].
(وارتياده): ارتاد الشيء إذا طلبه، ومنه سمّي الرائد رائداً، والرائد في لغة العرب: هو الرجل الذي يرسله الناس إذا كانوا في سفر لكي يطلب الماء لهم، ويسمّى: رائداً، والريادة: الطلب، وارتاد أي: طلب.
قوله: (يرتاد لبوله موضعاً رخواً) أي: إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته كالبول فإنه يلتمس الأرض الرخوة؛ لأن الأرض الرخوة أمكن في استيعاب البول، وأبعد من أن تؤدي للطشاش الذي ينجس الثياب والبدن، فشرع له أن يطلب المكان الرخو، وفيه حديث ضعيف ولكن معناه صحيح، فالإنسان يشرع له أن يطلب مكاناً رخواً؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من الاستنزاه من البول، فإن الإنسان إذا بال في مكان رخو أمن من طشاش البول.
والأماكن تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون صلبة، القسم الثاني: أن تكون رخوة.
فإن كانت صلبة: فإما أن تكون طاهرة، وإما أن تكون نجسة، وإن كانت رخوة: فإما أن تكون طاهرة، أو تكون نجسة.
فأصبحت القسمة مشتملة على أربع حالات: فإن كان المكان طاهراً صلباً جلس، وإن كان نجساً رخواً قام، وإن كان نجساً صلباً امتنع من البول فيه، وإن كان طاهراً صلباً خيّر بين الجلوس والقيام، وقد جمع بعض الفضلاء هذه الصور الأربع في قوله: للطاهر الصلب اجلسِ وامنع برخو نجسِ والنجس الصلب اجتنب واجلس وقم إن تعكس هذه أربع صور.
للطاهر الصلب اجلس: يعني: إذا كان المكان طاهراً صلباً اجلس.
وامنع برخو نجس: يعني: إذا كان مكاناً رخواً نجساً، كما يحدث الآن إذا امتلأ موضع قضاء الحاجة فلا يجلس الإنسان؛ لأنه إذا جلس ربما سقط ثوبه أو تطاير طشاش البول على بدنه أو ثوبه ونحو ذلك.
والنجس الصلب اجتنب: أي إذا كان مكاناً صلباً نجساً فلا تقضِ الحاجة فيه، أعني: البول.
واجلس وقم إن تعكس: يعني: الطاهر الرخو، إن شئت فاجلس فيه وإن شئت فقم فأنت مخيّر.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بال قائماً، والسُّنة دالة على جواز البول قائماً.
ومنع بعض العلماء منه، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد كانت تقول: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه).
وقد صح في صحيح مسلم من حديث حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) فدل على جواز البول قائماً.
قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً لعلة، قيل: كان فيه مرض تحت ركبته في المأبض فلا يستطيع أن يجلس ويثني رجليه فيجلس لقضاء حاجته، فبال قائماً للضرورة.
وقيل: بال قائماً؛ استشفاء من مرض الصلب؛ وهي الأمراض التي تصيب صلب الإنسان وظهره، وقد كانت العرب تستشفي من أمراض الظهر بالبول قائماً، فقالوا: إنه بال قائماً استشفاءً من مرض الصلب.
والصحيح: أن هذا جائز ولا حرج فيه، ولكن الهدي الأكمل والأمثل أن يبول جالساً؛ لما في ذلك من بالغ الاستتار، وإمكان التحفظ من طشاش البول، فإن بال قائماً فلا حرج عليه.
وقال بعض العلماء: بال في سباطة القوم قائماً؛ لأن السباطة مكان القذر والنجاسة، فلم يجلس صلوات الله وسلامه عليه من أجل هذا.
(وارتياده لبوله موضعاً رخواً).
الارتياد: الطلب.
(لبوله) أخرج الغائط، فإن الغائط يرتاد له أي موضع كان، وقد استثنى بعض العلماء في الغائط أن يكون هناك مائع نجس، كالحال إذا امتلأ الموضع بنجاسة البول، فإنه إذا تغوط لم يأمن من طشاش النجاسة على ظهره وثيابه، فقالوا: يمنع من قضاء الغائط في مثل هذه المواضع إذا كانت مملوءة.
وقال بعض العلماء: لا حرج عليه أن يقضي حاجته فيها بشرط أن يتحفظ فيزيل ما أصابه من طَشاش ذلك القذر النجس.
(موضعاً رخواً) إذا كان المكان الذي جلس فيه الإنسان صلباً، وعنده آلة يستطيع أن يحك بها الأرض، قالوا: الأفضل له أن يحكها، وحملوا على ذلك حديث أنس قال: (كنت أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة وعنزة)، والعنزة: هي الحربة الصغيرة وفي رأسها الزُّج وهو الحديد.
قالوا: كانت تحُمل لقضاء الحاجة؛ لأن الإنسان إذا مر على صلب نكت الأرض بها ثم قضى حاجة البول فيه، فكان ذلك أدعى لصيانة البدن والثياب من النجاسة.
حكم سلت الذكر بعد البول
قال المصنف رحمه الله: [ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً].
هذا يسمى عند العلماء بالسَّلْت، والسلت أن يضع رأس إصبعه عند أصل الذكر ثم يمره على مجرى البول حتى يُنقّي المجرى من الباقي إذا وجد، والسلت لا أصل له، وليس له دليل صحيح، بل إنه يجلب الوسوسة ويشكك الإنسان، ولذلك قالوا: ينبغي للإنسان أن يقطع حاجته، فإذا غلب على ظنه أن البول انقطع قام، أما أن يوسوس ويبالغ في إزالة الخارج فإنه لا يأمن من وجود الوسوسة والشك، وسيسترسل إلى ما لا تحمد معه العاقبة، ولـ شيخ الإسلام رحمة الله عليه مبحث نفيس في المجموع بيّن فيه أن هذا لم يثبت فيه نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرر العلماء أن الذَّكَرَ كالضرع كلما حلب در، أي: أن المكلف كلما ضغط عليه وأكثر من تعاهده كلما آذاه وأتعبه بالوسوسة، والواجب على المكلف أن يتقي الله قدر استطاعته، فيجلس لقضاء حاجته، فإن غلب على ظنه أن البول انتهى صبّ الماء أو استجمر بالحجارة ثم قام، والله لا يكلفه إلا ما في وسعه، فإن أحس بخروج شيء أو أن شيئاً يتحرك في العضو فذاك من وسوسة الشيطان، حتى يستيقن فيجد البلل على ثوبه أو يجده على فخذه أو رأس عضوه، ولا يلزمه أن يذهب ويبحث ويفتش، فإن الإنسان إذا غلب على ظنه أنه انقطع بوله كفاه ذلك مؤنةً وأجزأ عنه ويكون قد فعل ما أوجب الله عليه والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286].
والسلت لا يشرع إلا في حالة واحدة: وهي لمن به سلس؛ وهو نوع من المرض -حمانا الله وإياكم منه- يصاب به الإنسان، وذلك بأن يقضي بوله ثم تبقى قطرات تضعف الآلة عن دفعها، ولا يمكن خروجها إلا بالسلت، فيمر رأس إصبعه من أصل العضو إلى رأسه حتى يُنْقِي الموضع، وهذا استثناه العلماء، وهي الحالة الوحيدة المستثناة، وأما ما عدا ذلك فإن الإنسان غير مكلف به.
حكم نتر الذكر بعد البول
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونتره ثلاثاً].
كذلك النتر، فإن فيه حديثاً ضعيفاً ولا يعتبر من السُّنة، والسلت والنتر مدعاة للوسوسة والتباس الأمور على صاحبها، ولكن المكلف يتقي الله على قدر استطاعته، وشريعتنا شريعة رحمة وتيسير وليست بشريعة عذاب ولا عنت ولا تعسير: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، فإذا قضى الإنسان حاجته قام، فإن خرج منه خارج ولم يتأكد من خروجه فالله لا يكلفه البحث عنه حتى ولو كان خارجاً بالفعل، وعبادته مجزئة، ولا يعتبر مطالباً بشيء غاب عن ذهنه كما قال أهل العلم رحمهم الله.
أي: أن المكلف لو أخذ بغالب ظنه أنه لم يخرج منه شيء فصلى وفي الحقيقة أنه قد خرج منه شيء ولم يعلم إلى الأبد قالوا: إن ذلك يجزئه عند ربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، والذي في وسعه غالب ظنه وقد فعل ذلك، والله لا يكلفه ما وراء ذلك.
التحول عن موضع التخلي عند الاستنجاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتحوله عن موضعه ليستنجي في غيره].
بعض الناس يبقى الخارج في عضوه، فقال العلماء: يخرج هذا الباقي بإحدى ثلاث حالات: إما بالسلت، وإما بالنحنحة وهي الصوت، وإما بالتحول من الموضع، فبعض الناس إذا بقي الباقي في عضوه لا يستطيع إخراجه إلا بالسلت فيشرع له السلت؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فشرع بأصل الشريعة.
النوع الثاني: يكون الدافع عنده ضعيفاً فيحتاج إلى إحداث صوت وهي النحنحة، وهذه من الأمور التي يُبلى بها الإنسان عند قضائه لحاجته، فيتنحنح حتى تقوى آلته على الدفع، قالوا: فيشرع له ذلك.
ومنهم من يخرج منه الخارج بعد حركته، فإذا انتقل من موضع قضاء حاجته ومشى الخطوة والخطوتين قويت الآلة على الدفع فدفعت ما ثمَ، فقالوا: فمثل هذا بعد أن ينتهي من قضاء الحاجة يقوم إلى أقرب موضع فيستنجي فيه؛ حتى يقوى العضو على إخراج ما بقي.
الأمر الثاني الذي من أجله ذكر العلماء القيام من الموضع إلى موضع ثانٍ ليستنجي فيه، قالوا: إنه إذا قضى الحاجة على التراب كما هو الحال في القديم؛ فإنه لا يأمن أثناء صبّ الماء على العضو أن يتطاير شيء من البول على البدن أو الثوب، ولذلك قالوا: يتحول عن موضع قضاء حاجته إلى موضع قريب، حتى إذا صب الماء نزل على أرض طاهرة، فإذا تطاير شيء من ذلك الماء لم يدخله الوسواس، هذا هو سبب الانتقال عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
قال رحمه الله: [ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً].
(إن خاف تلوثاً) يعني: إذا كان الموضع غير مهيأ للاستنجاء والاستبراء.
حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى
[ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى].
الشيخ: ويكره للمسلم أن يدخل الحمام وموضع قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله كالقرآن، وكتب التفسير، وكتب العلم والرسائل إلا إذا اضطر إلى ذلك، فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك كأن يكون اسم الله على النقود ويخاف عليها السرقة ولا يجد لها مكاناً أميناً جاز أن يدخل بها، وكذلك أيضاً إذا كان هناك كتاب كالقرآن ويخشى أنه لو أبقاه في الخارج تلف أو أُهين إهانة أكثر فيجوز له أن يدخله معه، ثم يحوله عن الموضع الذي يقضي فيه حاجته، كأن يضعه على إبريق الماء أو على مفتاح الباب وقضيبه ونحو ذلك.
[إلا لحاجة].
(إلا لحاجة) دليل هذا: أن الله أمر بتعظيم شعائره وعدّ ذلك من تقوى القلوب؛ فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32] أي: تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وبناءً على ذلك فإن الإنسان يصون هذه الأذكار وهذه الكتب العلمية عن الامتهان، فإن دخول الحمام بها ودخول أماكن قضاء الحاجة بها فيه نوع انتقاص لتعظيمها وإجلالها وتوقيرها، فلا يشرع له فعله، وقد جاء في الحديث -وهو متكلّم في سنده- دخول النبي صلى الله عليه وسلم الحمام بخاتمه وَقَبْضِه على الخاتم، قالوا: ولذلك يشرع لمن دخل الحمام وفي خاتمه ذكر الله أن يجعل فصه إلى بطن الكف ثم يقبض الإصبع الذي فيه الخاتم سواء كان الخنصر أو البنصر أو غيرهما.
رفع الثوب قبل الدنو من الأرض عند قضاء الحاجة
[ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض].
ومما ينبغي على المكلف إذا أراد أن يقضي حاجته أن يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض، وهي سنة محفوظة كما في حديث الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض)؛ كل ذلك محافظة على العورة، وصيانة لها من نظر الغير.
حكم الكلام في الخلاء
[وكلامه فيه].
أي: ولا يتكلم فيه، وفيه حديث ضعيف: (إن الله يمقت الرجلين يضربان الغائط يحدث أو يكلم كل منهما الآخر)، فهذا حديث ضعيف، ولكن قال العلماء: من جلس يقضي حاجته وكلّم غيره من دون ضرورة؛ فإنه ساقط المروءة، أي: لا مروءة عنده -والعياذ بالله- وساقط المروءة لا تقبل شهادته، فَعُدَّ من خوارم المروءة ونقص الحياء أن يجلس الإنسان لقضاء حاجته ويتحدث مع الغير إلا من ضرورة، كأن يخشى على إنسان أن يموت فيأمر صبياً بفعل شيء ينقذه به، أو نحو ذلك، فإذا وجدت الضرورة جاز أن يتكلم، أما إذا لم توجد الضرورة فإنه لا يجوز له أن يتكلم، ومن الضرورة أن يترك صبياً خارج الحمام فيصيح الصبي ويتساءل عن أبيه فيحتاج إلى جواب منه فيجوز له أن يتكلم خوفاً عليه أو خوفاً من ذهابه أو شروده أو نحو ذلك، وهذه حالات تستثنى، فإذا خاف على نفسه أو خاف على نفس الغير جاز له الكلام.
أما الكلام أثناء قضاء الحاجة من دون حاجة فإنه من خوارم المروءة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فمن الحياء: ألا يتكلم الإنسان أثناء قضاء حاجته.
حكم البول في الشقوق ونحوها
[وبوله في شق ونحوه].
أي: ولا يبول الإنسان في الشق ونحوه، والشقوق تكون في الأرض وتكون في الجدران، واختلف العلماء في علة المنع من البول في الشق: فقيل: هي مساكن الجن، فلا يبول الإنسان في الشق حتى لا يؤذيهم فيؤذوه.
وقيل -وهو أقوى-: لخوف خروج الدواب والهوام، فإن الإنسان إذا بال في شق لم يأمن أن تكون به حية أو يكون به ثعبان ونحو ذلك، وقد ذكر بعض العلماء: أن رجلاً نهى ابنه عن ذلك ففعله فبال في شق فخرجت له حية فنهشته فمات من ساعته؛ لأن الإنسان في حال قضاء الحاجة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وهي حالة صعبة حرجة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما بال الأعرابي في المسجد: (لا تزرموه)، فإن الإنسان إذا قُطع عليه بوله أو ذُعر أو فُجع أثناء قضائه لبوله لا يأمن من حصول أمراض لا تحمد عقباها، قد تضره نفسياً وجسدياً، فلذلك لا يطلب المواضع التي قد تكون مظنة خروج ما يفجعه أو يفاجئه بضرر.
حكم مس الفرج باليمنى
[ومس فرجه بيمينه].
مس الذكر، ومس الأنثيين، ومس الدبر، ومس المرأة لفرجها قبلاً أو دبراً محرم باليمين؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، وكذلك ثبت نهيه عليه الصلاة والسلام عن إمساك الذكر باليمين في حديث سلمان رضي الله عن الجميع، فلا يجوز للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يمُسك الذكر باليمين، بل حتى في غير قضاء الحاجة، فلمس الذكر باليمين محرم على ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، والتخصيص بالبول ذكر لموضع الحاجة، فدخل ما لا حاجة فيه أو ما فيه الحاجة كالجماع ونحوه، فلذلك لا يجوز مس الذكر باليمين، قال عثمان رضي الله عنه: (ما مسست فرجي بيميني منذ أن صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكانوا يقولون -والله أعلم بصحة ما قالوا-: ما مس رجل ذكره بيمينه إلا نقص من عقله شيء، فلا يحمدون لمس أو مس الذكر باليمين، ولا يستبعد هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والنهي عن الشيء قد يتضمن حكماً وأسراراً خفية، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن شيء فيه خير، وعلى الإنسان أن يتقي لمس الذكر باليمين؛ لأنه محرم.
ولمس الذكر باليمين على حالتين: أن يكون بدون حائل وهذا محرم، وأن يكون بحائل، فإن كان بحائل فلا حرج، والأولى تركه؛ لما فيه من تشريف اليمين، واُستثني الأقطع والأشل ونحوهم كالمريض الذي بيده اليسرى جراح، فيجوز له أن يمُسك باليمين.
ولا يجوز مس الذكر، ولا مس الأنثيين، ولا الدبر، ولا قبل المرأة ولا دبرها، سواء كان للإنسان أو لغيره، كالطبيب إذا عالج مريضاً، فإنه لا يمسك عضوه باليمين؛ لأنه محرم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يمسكن أحدكم ذكره باليمين) وقد خرج مخرج الغالب، والقاعدة في الأصول: (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لا يعتبر مفهومه)، فلا يجوز لمسه باليمين ويأثم فاعله.
حكم الاستنجاء والاستجمار باليمين
[واستنجاؤه واستجماره بها].
أي: باليمين، أما الاستنجاء باليمين فلا إشكال فيه، ولكن الإشكال هو الاستجمار بالحجارة، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يصب الماء صبه باليمين ويمكنه باليسار أن يغسل العضو، فالاستنجاء لا إشكال فيه، والإشكال في الاستجمار؛ لأنه يحتاج إلى إمساك الحجر وإمساك العضو، فإن أمسك العضو باليسار احتاج إلى إمساك الحجر باليمين، وإن أمسك العضو باليمين حرم عليه، فإن قلنا له: يستجمر بيساره، فإن معنى ذلك أن يلمس عضوه باليمين وهو محرم، وبناءً على ذلك استشكل العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه).
وتوضيح ذلك وزوال الإشكال فيه: أنه في الدبر يمسك الحجر باليسار ويُنقّي دون إشكال.
وأما في القبل فإنه يمُسك الحجر باليمين والعضو باليسار ويثبّت اليمين ولا يحركها، فإن حرك اليمين كان متمسحاً باليمين، وهذا هو المراد، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من المكلف أن لا يحرك يمينه، ويكون التحريك للعضو باليسار، فإذا حصل ذلك فإنه يأمن لمس العضو باليمين، ويأمن التمسح باليمين.
حكم استقبال النيرين عند قضاء الحاجة
[واستقبال النيرين].
أي: ولا يجوز أن يستقبل الشمس والقمر، وفيه حديث ضعيف.
قال بعض العلماء: المنع من استقبال الشمس والقمر المراد به تعظيمهما لكونهما آيتين من آيات الله، وهذه العلة ضعيفة؛ فإن أي شيء تستقبله وتستدبره آية من آيات الله، حتى الحجر آية من آيات الله، والجبال آيات، والأنهار والأشجار والثمار كلها آيات، وهذه علة ضعيفة.
والأقوى: أن استقبال الشمس والقمر فيه علة قوية وهي انكشاف العورة عند استقبالهما أبلغ مما لو استدبرهما، بمعنى: أنه إذا قضى حاجته في الليل والقمر تجاهه، فإن نور القمر يكشف العورة، فلذلك يكون عدم استقبالهما من باب حفظ العورة، وعلى هذه العلة فإن الإنسان يحفظ عورته ولا إشكال فيها.
أما ما ذكروه من تحريم استقبالهما مطلقاً فمحل نظر؛ لما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا)، فإن التشريق تكون فيه الشمس عند الشروق في الشرق كما هو الحال في المدينة، والتغريب تكون فيه الشمس في الغرب عند الغروب، فدل على أن استقبال الشمس والقمر ليس بمحرم، ولكن الأفضل والأكمل أن الإنسان ينحرف بين الجهتين.
حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة
[ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان].
ويحرم على المكلف أن يستقبل القبلة ويستدبرها في غير بنيان.
هذه المسألة فيها أقوال للعلماء: القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار مطلقاً.
القول الثاني: يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً.
القول الثالث: يجوز الاستدبار دون الاستقبال.
القول الرابع: يجوز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان دون الصحراء.
القول الخامس: يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء.
القول السادس: يحرم استقبال القبلة ببول أو غائط وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، فزاد أمراً ثالثاً، وهو بيت المقدس.
وهذه الأقوال هي أشهر أقوال العلماء رحمة الله عليهم في هذه المسألة، وأصح أقوالهم، وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ، وذكرت الأقوال مسندة إلى مذاهب العلماء رحمة الله عليهم.
من حرم مطلقاً كالحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام وقول ابن حزم.
ومن أجاز مطلقاً كالظاهرية ومن وافقهم، وهو قول بعض السلف.
ومن أجاز في البنيان دون الصحراء كما هو قول الجمهور: من المالكية والشافعية والحنابلة.
ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان، كما هو رواية عن الإمام أبي حنيفة.
ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال مطلقاً في بنيان أو صحراء فهو قول بعض السلف، والرواية الثانية عن أبي حنيفة وأحمد.
والقول السادس أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، ومأثور عن الحسن البصري.
هذه الستة الأقوال ذكرناها بأدلتها ورددنا على هذه الأدلة.
والصحيح: أنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها لا في بنيان ولا صحراء؛ وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا).
وأما الاستدلال بحديث ابن عمر فيجاب عنه من وجوه: منها: أن دلالة الفعل لا تعارض دلالة القول الصريحة المخاطب بها جميع الأمة.
الوجه الثاني: أنه يحتمل التخصيص؛ لأن في النبي معنى التعظيم الذي لا يوجد في سائر الأمة.
والجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بيان هذا الحكم وإلا بينه باللفظ.
الوجه الرابع: أنه يحتمل النسخ، إذ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبل النهي.
الوجه الخامس: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، كما هي القاعدة.
فالصحيح: أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً لا في البنيان ولا في الصحراء.
حكم اللبث في موضع قضاء الحاجة
قال المصنف رحمه الله: [ولبثه فوق حاجته].
أي: لا ينبغي للمكلف أن يلبث في مكان قضاء الحاجة أكثر من الحاجة؛ وذلك أنها مواضع محتضرة، كما هو في حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن بيوت الخلاء: (إن هذه الحشوش محتضرة)، فالشياطين تحب الأماكن القذرة، والملائكة تنفر منها، كما أن الشياطين تنفر من الأماكن الطيبة وتأوي إليها الملائكة، فلذلك ينبغي للمكلف أن يُعَجِّل بالقيام بعد فراغه من حاجته، وأن لا يأنس لدور الخلاء، وأن لا يطيل المكث فيها، لأن المكث فيها قد يدعو إلى الوسوسة والشك، وقد يحصل للإنسان نوع من الأمور التي لا تحمد عقباها؛ فلذلك يشرع له المبادرة بالقيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعوّذ عند دخول الخلاء، فدل على أنه مكان لا يحمد الجلوس فيه.
حكم البول في الطريق والظل النافع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبوله في طريق وظل نافع].
أي: ولا يجوز للمكلف أن يبول في طريق؛ لأنه مكان اللعنة، والطريق سمي طريقاً من الطرْق، قالوا: لأن الناس يطرقونه بنعالهم، وقيل: لأنه يُسمع فيه طرق النعال.
والطريق ينقسم إلى أقسام: الطريق المعين المحدد، وهذا لا إشكال في حرمة قضاء الحاجة فيه سواء كانت بولاً أو غائطاً، ومن فعل ذلك لا يؤمن عليه اللعن؛ لأن الناس تلعنه، فيكون ذلك ضرراً عليه في دينه ودنياه وآخرته؛ أما في دينه فللإثم وحصول أذيته للناس، وحرم البول في الطريق وقضاء الحاجة؛ لأن الناس إذا مرّت تأذّت بالرائحة، وربما لم تعلم بالنجاسة فوطئتها، فكان ذلك ضرراً عليهم في صلاتهم، وضرراً عليهم في ثيابهم وأبدانهم، فاستضروا في دينهم ودنياهم، ولا يجوز للمسلم أن يؤذي إخوانه أو يتسبب في أذيتهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فوصفه بكونه مسلماً؛ لعدم الأذيه، فلا تجوز أذية المسلم، بالبول في الطريق والظل.
النوع الثاني من الطريق: أن يكون له جوانب مهيأة لقضاء الحاجة كطرق السفر، فالإنسان ينتحي منها ناحية، وقد تكون محجوزة لا يستطيع الإنسان أن يذهب في مكان غير أطراف الطريق، فإذا داهمته حاجته واحتاج أن يبول فلا حرج عليه أن يقضي حاجته؛ لبعد جوانب الطريق عن الضرر، وزوال العلة الموجبة للمنع، وقد ورد فيها الحديث: (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في ظل الناس وفي طريقهم).
أما قضاء الحاجة تحت الظل فإنه أذية بالغة؛ لأن الناس يحتاجون إلى الظل خاصة في الأسفار، كأن وهي الأضرار التي لا يجوز فعلها، ويعتبر آثماً في هذا الفعل إذا قصد الأذية، ولذلك ينبغي عليه أن يطلب مكاناً لا يأوي الناس إلى ظله، ولا يرتفقون بالمشي عليه، وهي الأماكن الخالية.
حكم البول تحت الشجر المثمر
[وتحت شجرة عليها ثمرة].
لأن الشجرة تغتذي بالنجاسة.
ومذهب بعض العلماء: أن الثمرة إذا اغتذت بالنجاسة فلا يجوز أكلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الجلاّلة؛ وهي التي تأكل العذرة والنجاسة، فالدجاج ونحوه الذي يأكل العذرة حرّم النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحمه حتى يُمْسَك، فدل هذا على أن الشجر إذا اغتذى بالنجاسة لا يجوز أكل ثمره، وهذا أصح أقوال العلماء، ولأن الشجر يستظل الناس بظله، فإذا قضى الحاجة تحته فإنه يمنعهم من المقيل والنزول تحته، والإرتفاق به.
الأسئلة
كيفية التسمية لمن توضأ داخل الحمام
السؤال
ابتلي كثير من الناس: بأن مغسلة الوضوء توجد داخل الحمام، فكيف يسمي المتوضئ؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمابعد: فلا حرج عليه أن يسمّي في نفسه ويذكر اسم الله في قلبه، ويجزيه ذلك ولا يتلفظ به بلسانه.
والله تعالى أعلم.
حكم حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ... ) من حيث الصحة والضعف
السؤال
قوله عند الخروج: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) هل هذا حديث صحيح؟
الجواب
هذا الحديث متكلّم في إسناده، والصحيح ضعفه، وهو القول الأقوى، ولكن من العلماء من حسن إسناده، فمن كان يرى حُسْنَه، وقاله فلا حرج عليه.
الذكر إذا كان التخلي في الصحراء
السؤال
متى يكون الذكر إذا كان الخلاء في الصحراء؟
الجواب
إذا أراد أن يقضي حاجته وكان الخلاء في الصحراء، فإنه يأتي بالذكر عند رفعه للثوب ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، ثم إذا فرغ وجاوز موضع قضاء الحاجة بخطوة ونحوها قال: (غفرانك) ونحوه من الأذكار المشروعة.