شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 7-6
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم الشك في النية أثناء الصلاة

قال رحمه الله تعالى: [وإذا شك فيها استأنفها].
هذه مسألة مشكلة، فإذا جاء الإنسان أثناء صلاته وسواس، فحدثته نفسه وهو يصلي الظهر مثلاً أنه لم ينو الظهر، فحينئذٍ قال: [استأنفا] أي: الصلاة.
والسبب في ذلك أنه إذا شك فاليقين أنه لم ينو، ومن قواعد الشريعة التي دلت عليها النصوص في الكتاب والسنة أن اليقين لا يزول بالشك، فالأصل أنه لم ينو حتى يتحقق أنه نوى، فإذا شك أنه نوى فمعنى ذلك أنه لم تبرأ ذمته المشغولة بلزوم النية، وبناءً على ذلك يلزم باستئناف الصلاة، فهذا وجه عند العلماء رحمة الله عليهم، ودرج عليه فقهاء الحنابلة والشافعية، وجمع من فقهاء المالكية والحنفية رحمة الله على الجميع.
وهذا مبني على القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، فقالوا: الأصل البراءة والعدم حتى يدل الدليل على الوجود، فهو مطالبٌ في الشرع بالنية، فإذا شك أنه فعل أو لم يفعل فالأصل أنه لم يفعل حتى يستبين ويستيقن أنه فعل، فلما حصل عليه الشك أثناء الصلاة أُعمل الأصل، وهو أنه لم ينو حتى يستيقن أنه قد نوى.
وقال بعض العلماء: يستمر في صلاته ولا عبرة بهذا الشك، وهذا ينبني على قاعدةٍ ثانية وهي (إعمال الظاهر)، وتعتبر هذه المسألة من تعارض الأصل والظاهر، فإن من يقول: يستأنف الصلاة يقول: إن اليقين أنه لم ينو، والشك أنه نوى، فنبقى على اليقين أنه لم ينو.
والذين يقولون: إنه يستمر في صلاته ويلغي هذا الحديث والهاجس يقولون: إن الظاهر من حال المكلف أنه لم يدخل في الصلاة إلا بنية، وبناءً على ذلك نبقى على هذا الظاهر، ونلغي هذا الشك الطارئ، ويعتبر هذا من تقديم الظاهر على الأصل.
والحقيقة أن هذه المسألة من قواعد الفقه التي ينبني عليها معارضة الأصل والظاهر.
ولكن ما هو الأصل وما هو الظاهر؟ الأصل هو الذي يكون في الإنسان سواءٌ في المعاملات أم العبادات، فلو أن إنساناً أحدث فنقول: الأصل فيه أنه محدث.
ثم شك هل توضأ أو لم يتوضأ بعد حدثه، فتقول: الأصل فيك أنك محدث، واليقين فيك أنك محدث حتى تستيقن أنك قد توضأت.
كذلك أيضاً العكس، فلو قال: أنا على يقين أنني توضأت من البيت، ثم دخل المسجد وجاءه حديث نفس أنه خرج منه شيء أو لم يخرج، تقول له: الأصل فيك بفعل الوضوء أنك متطهر، فتبقى على هذا اليقين حتى تستيقن أن الوضوء أو الطهارة قد انتقضت بالحدث، فهذا يسمى استصحاب الأصل، ويعتبره العلماء مندرجاً تحت قاعدة: (اليقين لا يُزال بالشك، أو لا يزول بالشك)، ويعتبرون هذا الأصل فرعاً عن القاعدة التي تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
فهذا الأصل.
فالأصل أن تنظر إلى اليقين وتبقيه وتُعمِله حتى تستيقن مثله سواءٌ كان في الطهارة أم في الصلاة، ففي الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة)؛ لأن الأصل فيه أنه صلى واحدة، والشك أنه صلى الثانية، فيبقى على الواحدة.
كذلك في الزكاة، فلو أنه قال: أنا أشك في كوني أخرجت زكاة هذه السنة أولاً، نقول: الأصل أن ذمتك مطالبةٌ بالزكاة وعلى شكٍ أنك أخرجتها، فتبقى على اليقين من كونك مطالباً بالزكاة.
وفي الصوم لو شك هل طلع الفجر أو لم يطلع، فإننا نقول: الأصل أن الليل باقٍ حتى تستيقن أن النهار أو الفجر قد طلع فيحرُم عليك الأكل.
وفي الحج لو شك -مثلاً- في الطواف هل طاف خمساً أو ستاً، نقول: ابن على خمس.
ولو شك هل فعل الطواف أو لم يفعله، فاليقين أنه لم يفعله، فهذا بالنسبة للعبادات.
وفي المعاملات لو أن إنساناً تعامل مع غيره، كبائع ومشترٍ اختصما إليك، فقال أحدهما: هذا اشترى مني هذا الكتاب ولم يدفع لي المال، فسألت الخصم: هل اشتريت الكتاب؟ قال: نعم، ولكني دفعت المال.
فالأصل أن الذي اشترى مطالب بقيمة الكتاب، فتقول: إما أن تأتي بدليلٍ على أنك دفعت القيمة، وإلا أُلزِمت بالقيمة؛ لأن الأصل أنك مدين؛ لأنك باعترافك أنك اشتريت الكتاب فأنت مدين، فهذه قاعدة عامة في العبادات والمعاملات.
كذلك لو شك هل طلق امرأته أو لم يطلقها، فنقول: اليقين أنها زوجته، والطلاق شك، فنبقى على اليقين من كونها زوجةً له، ولو شك هل طلق طلقة أو طلقتين، بنى على أنها طلقة، وقس على هذا، إذاً هذه القاعدة يُعتبر فيها الأصل.
لكن هناك دلالة الظاهر، ودلالة الظاهر تقع في العبادات والمعاملات، ففي العبادة لو أن إنساناً رأى ماءً في موضع نجاسة، مثل الماء الذي يكون في دورات المياه، فإن الأصل في الماء أنه طاهر، والشك أنه نجس، لكن كونه في دورة المياه الظاهر منه أنه نجس، فنقول: هنا نقدم الظاهر على الأصل.
ولو أن اثنين اختصما في دابة، أحدهما على صدر الدابة أمامها، والثاني وراءه، فإن الظاهر أن الدابة ملكٌ للذي في الأمام؛ لأن قائد الدابة يكون في الأمام، ويكون هو المدَّعَى عليه، والذي خلفه مدعٍ، مع أن القاعدة هنا قدمنا فيها الظاهر، فعندنا ظاهر وعندنا أصل.
فهنا حينما تقول: المكلَّف ما دخل المسجد ولا كبَّر في الصلاة ولا قرأ ولا ركع ولا سجد إلا والظاهر أنه ناوٍ؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أنه لا يدخل في الصلاة إلا بنية، ثم إذا نظرت إلى الأصل أن ذمة المكلف مطالبة بفعل الصلاة تقول: إنني أُلزِمه بقطع الصلاة، وأعتبر ما قاله غير مُعتدٍ به لأنه شك، والشك عندي لاغٍ بالأصل.
هذا بالنسبة لقضية الظاهر والأصل في تكبيرة الإحرام هنا، فمن يقول: يستأنف الصلاة نقول له: المسألة تحتاج إلى تفصيل: فيتم الصلاة نافلة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33]، ثم إذا سلَّم يشرع من جديد، ويبتدئ صلاةً مفروضة بنيةٍ من أولها، وهذا القول أوجه وأقوى من حيث الأصول والقواعد؛ لأن عندنا دليلاً في الشرع يُلزِم بالنية، والظاهر هنا ضعيف؛ لأن الظاهر تكون دلالته في بعض الأحيان قوية، وبعض الأحيان تكون ضعيفة، فنظراً لوجود دليل الشرع بإلزام المكلف بالنية نُغَلِّب الأصل، ونقول: تقديم الأصل في هذا أشبه، وهو مذهب الجمهور رحمة الله عليهم.
فلذلك نقول: لو أن إنساناً شك في أثناء الصلاة هل نوى الظهر أو لم ينوه يستأنف.
وإذا ثبت أنه يستأنف، بمعنى أنه يتمها نافلة ثم يكبر من جديد فحينئذٍ يرد

السؤال

هل هذا الحكم بإطلاق؟ و

الجواب

لا، فيُستثنى من هذا الموسوس، فمن كانت عنده وسوسة لا يلتفت إلى هذا الشك، ونبقى على الظاهر؛ لأن في مثله الظاهر أقوى، الموسوس والمسترسل إذا كان معهما الوسواس فهذا لا يؤثر في نيته ما طرأ عليها؛ لأنه لو فتح عليه هذا الباب لما صلى صلاةً بسبب ما يشتغل به من الوساوس، والتكليف شرطه الإمكان، وهذا ليس بإمكانه أن يطالَب كل فترة بقطع الصلاة؛ لأنه يدخل عليه بل يزيده بلاءً، فيُستثنَى من هذا الموسوس، ونقول: إنه يستمر في صلاته؛ لأن وجود الوسوسة معه يدل على ضعف الأصل وقوة الظاهر.

حكم قلب نية الفرض نفلا

ً قال المصنف رحمه الله: [وإن قلب المفترض فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز].
هذه من المسائل بعد وجود النية، فنحن قلنا: إن الإنسان إذا شك أو قطع أو تردد فحكمه أنه يستأنف، وبيّنا مسألة الشك.
والسؤال هنا: لو أن إنساناً أراد أن يقلب نيته من الفرض إلى النافلة، كشخصٌ يصلي الظهر ثم أراد أن يقلب هذا الفرض الذي نواه فرضاً إلى نافلة أثناء الصلاة فهل من حقه ذلك أو لا؟ مذهب الجماهير على أن من حقه ذلك ولا حرج عليه أن ينوي النافلة، ولكن هنا تفصيل عند بعض العلماء، فمن يرى وجوب صلاة الجماعة يقول: إذا نوى أن ينتقل إلى النفل في فريضةٍ ولا يتيسر له وجود الجماعة بعده فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأنه يفوت أمر الشرع بحضور الجماعة، وهو ملزم بهذه الجماعة التي هو فيها، ولذلك لا يصح انقلابه من الفرض إلى النفل؛ لأن الصلاة متعينةً عليه، كذلك أيضاً يستثنى -كما ذكر المصنف- أن يكون الوقت غير متسع إلا لبقية الفريضة، فلو كان في آخر الوقت بحيث لو قلبها نافلة خرج عليه الوقت فحينئذٍ لا يصح القلب؛ إذ لا يصح التنفل مع انشغال الذمة بالواجب.
ولذلك من أصول الشريعة أنها تلغي التنفل مع اشتغال الذمة بالفرض، حتى المعاملات، فإنه لما اعتق رجلٌ غلمانه عن دبرٍ وعليه دين ألغَى النبي صلى الله عليه وسلم هذا العتق، وباع الغلمان، وسدد دينه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان هذا في حقوق العباد فحق الله أولى وأحرى، كما قال صلى الله عليه وسلم.
فالانتقال من الفريضة إلى النافلة يُفصَّل فيه: فإن اتسع الوقت جاز، إلا إذا كان في جماعةٍ ولا يمكنه أن يحصل غيرها.
أو إذا كان الوقت ضيقاً بحيث إذا صلى نافلةً خرج عليه وقت الفريضة، فحينئذٍ لا يصح منه قلب النية؛ لأنه يفوت مقصود الشرع من إيقاع المكلف للعبادة على وجهها المعتبر.

صور انتقال النية

قال المصنف رحمه الله: [وإن انتقل بنيةٍ من فرضٍ إلى فرضٍ بطلا].
للانتقال في النية صورٌ: الصورة الأولى: أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، فإنه يجوز، وهذا كما قررنا أنه ينوي الفرض ثم يقلبه إلى النافلة.
الصورة الثانية: أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولا يجوز قولاً واحداً، كإنسانٍ كبر في صلاته ناوياً النفل المطلق، فحينئذٍ لا ينقلب إلى فريضة، ولا ينقلب إلى نافلةٍ مقيدة، فلو كبر ناوياً النفل المطلق والتقرب إلى الله بهاتين الركعتين ولم يعين فيهما شيئاً، ثم طرأ عليه أن يقلبهما سنةً راتبةً قبليةً للفجر نقول: السنة الراتبة القبلية في الفجر في حكم الشرع آكد من النفل المطلق، ولذلك لا يجزيه أن ينتقل من هذا الأدنى إلى الأعلى، كما لا يجزيه أن ينتقل من النفل المطلق إلى الفريضة؛ لأن المقصود في الشرع واحد، وهو ارتفاع درجة الثاني عن الأول.
الصورة الثالثة: أن يكون الانتقال من النظير إلى نظيره ولا يخلو من حالتين: إما أن يكون في النوافل، وإما أن يكون في الفرائض، ففي الفرائض ينتقل من الظهر إلى العصر، وفي النوافل ينتقل من سنة إلى سنة، فتكون هذه راتبة وهذه راتبة، فلو أراد شخص أن يصلي ركعتي الضحى فهذه نافلة معيّنة، ثم لما أحرم بركعتي الضحى تذكّر أنه لم يصل راتبة الفجر فحينئذٍ ينتقل من النظير إلى نظيره، من نافلةٍ معينة إلى نافلةٍ معينة.
فإذا كان انتقاله من فرض إلى فرض بطل الفرضان الأول والثاني، أما الفرض الأول فإنه بطل لقطعه للنية، وذلك أنه فيما استقبل من الصلاة لم يستصحب نيته التي أُمِر باستصحابها، ولذلك لم ينو، فلو أنه انتقل من الظهر إلى العصر وهو في الركوع، أو عند ركوعه للركعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة فإن ما وقع من الصلاة من تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة وقع عن فرضه، ثم ما وقع بعد تجديد النية وقع بنية لفرضٍ ثان، فقَطَع به الفرض الأول فأشبه ما لو لم ينو.
وبناءً على ذلك إذا قَطَع النية بفرضٍ محل فرضٍ ألغي الفرض الأول لمكان القطع، ولظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، قالوا: مفهومه أن من لم ينو شيئاً لا يكون له.
وبناءً على هذا يبقى النظر في الفرض الداخل، فالفرض الداخل باطل؛ لأن من شرط نية الفرض أن تكون عند تكبيرة الإحرام، وهذا الفرض وقعت نيته في الأثناء، ولا يصح إيقاع النية في الأثناء، إنما المعتبر في النية أن تكون قبل تكبيرة الإحرام، أو مع تكبيرة الإحرام.
وبناءً على ذلك لا يصح منه أن يُدخل نية فرضٍ على فرض.
ويبقى

السؤال

هل تبطل صلاته أو تنتقل إلى النافلة؟ و

الجواب

تنتقل نفلاً محضاً، وبناءً على هذا إذا نوى من فرضٍ إلى فرض فإنه ينتقل إلى النفل المحض.
وأما إذا انتقل من نافلةٍ معينة إلى نافلةٍ معينة فهذا للعلماء فيه خلاف، قال بعض العلماء: إن الانتقال من المثل إلى المثل يسري حتى في النوافل، وقال بعض العلماء: النافلة أهون من الفرض، فيُخفف فيها.
ولكن القول بأن النافلة المعينة كالفريضة المعينة أقوى من جهة الأصول وكمسلك أصولي صحيح؛ لأن التعيين في كلٍ منهما يُوجِب إلحاق النظير بنظيره، وبناءً على ذلك يقوى أنه ينتقل إلى نفلٍ محضٌ سواءٌ أكان انتقاله في فريضةٍ أم نافلة.

حكم استحضار الإمام نية الائتمام بالناس

قال المصنف رحمه الله: [ويجب نية الإمامة والائتمام].
قوله: [ويجب نية الإمامة] أي: على الإمام أن ينوي أنه إمامٌ لمن وراءه ومؤتمٌ به، وذلك لحصول الجماعة، وفي الجمعة آكد، ولذلك قالوا: إنه يُلزَم بنية الإمامة في الجمعة.
وقال بعض العلماء بعدم وجوب النية، أي: عدم لزومها، بحيث لو لم ينو الإمامة صَحّ اقتداء المأموم به، وهذا مبنيٌ على مسألة وهي حمل الإمام عن المأموم، فمن يرى أن الإمام يحمل عن المأموم فإنه يقول: لا يصح حمل الإمام عن المأموم إلا بنية، فيجب على الإمام أن ينوي، وهذا يقوى على مذهب من يقول: إن المأموم لا يقرأ الفاتحة وراء الإمام، ويُقوِّي هذا، فكأنه يرى أن صلاة المأموم مبنية على صلاة الإمام، فحتى يقع هذا الحَمْل، وتقع هذه العبادة على الوجه المعتبر فإنه لا بد وأن ينوي، فلو ائتممت بإنسانٍ لم يعلم بك فإنه لا يصح هذا الائتمام، وبناءً على ذلك يقولون: تبطل الجماعة، ولا تقع صلاته جماعةً إذا لم ينو الإمام الجماعة.
وأما على مذهب من يقول: إن الإمام لا يَحمِل الفاتحة فالأمر أخف؛ لأنه لا يرى أركاناً تترتب على هذا، بخلاف ما إذا حَمَل عنه الفاتحة، فإنه يحمل ركناً من أركان الصلاة، ويرى أن صلاة المأموم مربوطة بصلاة الإمام بحكم الشرع، ولكن كونه ينوي الإمامة قالوا: يكون بتحصيل الفضيلة له، لكن لا يُحكم بإثمه ولزوم ذلك عليه.
والحقيقة أن الأقوى والذي ينبغي دائماً في مسائل الإمامة أن يُحتاط للناس، فينوي الإئمة ولو كان الأمر خلافياً، ولو ترجَّح عند الإنسان أنه لا ينوي فينبغي عليه أن ينوي حتى يصون صلاة الناس عن الخطأ، وكما ذكرناه غير مرة أن من آداب الإمامة مراعاة الخلاف، وقد نبه على هذا غير واحد من الأئمة، منهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والحافظ ابن حجر، وأئمة العلم رحمة الله على الجميع، وذكروا أنه ينبغي على الإمام أن ينتبه للخلاف، فيُخرِج صلاة الناس من الشبه دائماً في الأمور اللازمة، فيحتاط لها حتى تقع صلاة الناس على وجهٍ معتبر، فهذا من النصح للعامة.

صيرورة المنفرد مؤتماً أو إماماً

قال رحمه الله تعالى: [وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح كنية إمامته فرضاً].
قوله: [وإن نوى المنفرد الائمتام لم يصح] ذلك أنه لما أحرم لزمته الصلاة، ولزمته قراءة الفاتحة، فكان أصله أقوى، ولذلك يقرر العلماء أن المنفرد أقوى من المأموم، وبعض الأحيان تجد المنفرد في حكم الإمام، وتجب على المنفرد أشياء لا تجب على المأموم كالتسميع والتحميد، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وتكون واجبة في حقه، لكن لو كان مأموماً فإنه لا يجب عليه التسميع، وإنما يجب عليه التحميد وحده.
كذلك أيضاً في حَمْل السهو منه إذا كان مأموماً، فلا يحمل سهو نفسه، ولا يحمل غيره عنه سهو نفسه إذا كان منفرداً، فكأن المنفرد بمثابة الإمام.
فقالوا: لا يصح من المنفرد أن ينتقل مأموماً، وصورة المسألة: لو دخلت المسجد بعد أن انتهى الناس من صلاة الفريضة فكبرت للصلاة، فبعد أن دخلت فيها منفرداً جاءت بجوارك جماعة وانعقدت، بحيث يمكنك أن تخطو حتى تدخل في صفها، أو اقتربت منك بحيث يمكن أن تلتصق بمن بجوارك وتعتبر مأموماً لهذا الإمام، فحينئذٍ إن قلنا: يصح للمنفرد أن ينتقل مأموماً يجوز لك أن تدخل في هذه الجماعة، والصحيح أنه لا يجوز له، وخاصةً على مذهب من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم الفاتحة، فقد تعينت عليه الفاتحة، وبانتقاله ينتقل من الأعلى إلى الأدنى على وجهٍ يُفوِّت الواجب الذي ذكرناه وهو قراءة الفاتحة عليه، فقالوا: لا يصح انتقال المنفرد مأموماً كما لا يصح انتقال الإمام مأموماً، فهذا مذهب من يقول بعدم صحة الانتقال.
وقوله رحمه الله: [كنية إمامته فرضاً] أي أنه لا يصح أن يدخل المأموم وراء المنفرد إذا طرأ عليه أثناء الصلاة.
والصحيح أنه يجوز له ذلك؛ لأن من العلماء من قال: لا يصح في الفرض إلا أن يكون من ابتداء الصلاة.
والصحيح أنه يستوي الفرض والنفل في ذلك، وقد ثبت من حديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (نمت عند ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها في تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة منفرداً، ثم آل أمره إلى كونه إماماً، فالمنفرد والإمام بمرتبةٍ واحدة، فيجوز له أن يصير إماماً سواءٌ أكان في فرضٍ أم نافلة.
فلو دخلت بعد صلاة الظهر لوحدك وأقمت الصلاة وكبّرت، فجاء رجل صح له أن يدخل معك حتى تصير لك الجماعة، وقد ثبت بذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً يصلي لوحده بعد إن انقضت الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (من يتصدق على هذا؟ فقال أبو بكر: أنا.
فقام أبو بكر فصلى معه)، فدل على أنه يجوز للمنفرد أن يصير إماماً، وبناءً على ذلك يصح منه أن يكون في النفل، أو يكون في الفرض.

حكم المفارقة للمؤتم بلا عذر

قال المصنف رحمه الله: [وإن انفرد مؤتمٌ بلا عذرٍ بطلت].
أي: إذا كنت مأموماً وأردت أن تنفرد عن إمامك فتصير منفرداً، لتنتقل من الأدنى وهو كونك مأموماً إلى الأعلى وهو كونك منفرداً، فقال: [لم يصح].
أي: أنه لا يصح من المكلف أن ينفرد عن الإمام وذلك لارتباط صلاته بصلاة الإمام.
وقد ينفرد بعذر ويستوي في ذلك أن يكون العذر متعلقاً به أو بغيره، فمثال تعلقه به: كإنسان استفتح إمامه بسورةٍ طويلة، ومعه مرَض -كما يجري لبعض من ابتُلِي بالسكر ونحوه- فيضيق عليه الحصْر، ويَخشى أن يستضر بهذا، فيحتاج إلى قطع الصلاة، فيقطع الصلاة مع إمامه، أي: نية الائتمام، ويبقى منفرداً يتم لنفسه.
وأما ما يتعلق بغيره فكامرأةٍ خافت على صبيها وهي مأمومة، فتنفرد وتُتِم لنفسها عند خوف الضرر عليه ثم تدركه؛ لأنها مصلحةٌ قد تصل إلى الضرورة، وأقلها الحاجة.
وبناءً على ذلك إذا احتاج الإنسان للقطع لمصلحته أو مصلحة غيره جاز، كما قال المصنف: [لعذرٍ]، فيستوي أن يكون العذر في الشخص أو في غيره، لكن إذا علمنا أنه يجوز للإنسان عند العذر أن ينفصل عن إمامه ولا يجوز له عند عدم العذر، فما الدليل على الجواز؟ و

الجواب

الدليل على الجواز ما ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم أن معاذاً رضي الله عنه استفتح الصلاة بقومه ثم قرأ بالبقرة، فتخلف أو انفرد رجلٌ عن الصف، فأتم لنفسه، ثم رجع إلى بيته، فأُخبِر معاذ بخبره، فقال: إنه منافق، فقال: لست بمنافق.
ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن معاذاً يصلي معك ثم يأتينا بآخرته، وإنا أصحاب حرثٍ وزرع، ثم ذكر القصة، فقال صلى الله عليه وسلم: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟) الحديث، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الرجل إتمامه لنفسه، وذلك لوجود العذر.
ومن ثمّ قالوا: إنه يجوز للإنسان عند وجود العذر أن ينفرد عن إمامه إذا خشي إطالته، وغلبة الظن كالتحقيق، فإذا كنت تعرف الإمام، أو يغلب على ظنك أنه يطيل وانفردت عنه كأنك متحققٌ أنه يطيل، والقاعدة أن الغالب كالمتحقق، وبناءً على ذلك لا حرج عليك لوجود العذر، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ورحمة الله بعباده، فإن الإنسان إذا كان معذوراً وأُلزِم أن يتم صلاته وراء الإمام استضر، ولربما حصل الضرر بغيره، كالمرأة يحصل الضرر لصبيها، وحينئذٍ يجوز للإنسان أن يقطع ولا حرج عليه.

حكم صلاة المأموم إذا بطلت صلاة الإمام

قال المصنف رحمه الله: [وتبطل صلاة مأمومٍ ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف].
هذا مذهب من يرى ارتباط صلاة المأموم بالإمام، حيث يرون أنه إذا أحدث الإمام، أو حصل منه ما يوجب بطلان صلاته فصلاة المأموم وراءه باطلة.
وقال بعض العلماء: يصح أن يستخلف الإمام إذا أحدث، والصلاة بالنسبة لمن وراءه صحيحة، ثم يذهب ويتوضأ.
مثال ذلك: لو أن إماماً صلى بالناس الظهر، ثم تذكر أثناء الصلاة أنه محدث، أو أن عليه نجاسة، أو صلى وطرأ عليه الحدَث، ففي هذه الأحوال يقوم الإمام بالاستخلاف، وهذا أصح أقوال العلماء، فيشرع للإمام أن يستخلف إذا طرأ عليه العذر في الصلاة فبطلت صلاته، ويصح للمأمومين أن يُتموا فرادى، فإن استخلف الإمام اعتبر البديل خليفته ونُزِّل منزلته، وإن لم يستخلف فحينئذٍ يتم كل إنسانٍ على حدة، فسواءٌ أبنوا صلاتهم على الاستخلاف، أم أتم كل واحدٍ منهم على حدة، فصلاتهم صحيحة، وهذا مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ لظاهر قصة عمر رضي الله عنه، فإنه لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف، وجعله مكانه إماماً يصلي بالناس، فدلَ هذا على مشروعية الاستخلاف، وأنه لا حرج فيه.
وبناءً على ذلك لا يُحكم ببطلان الصلاة، ويُعتبر قول المصنف رحمه الله: [فلا استخلاف] مرجوحاً، خاصةً وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد فعلوا ذلك، ولم يقع بينهم نكير، وهي سنة راشدة، ويكاد يكون إجماعاً من الصحابة؛ لأنها قصةٌ اشتهرت ولم يُنكرها أحد، فكان هذا أقوى في الدليل على الاستخلاف.
والذين يقولون: إنه لا يستخلف قالوا: لقصة معاوية رضي الله عنه، فإنه لما ضُرِب على عجيزته أتم الناس فرادى، ولو صحّ هذا فإنه لا يعارض ما أُثر عن عمر، ونقول: اختلف قضاء الصحابة، فيقدم قضاء عمر على فعل معاوية، فإن عمر رضي الله عنه ممن أمر بالاستنان به، فتكون رتبة الصحابي هنا أقوى من رتبته هناك.
والأمر الثاني: نعتذر لـ معاوية بانشغاله بالطعن عن الاستخلاف، وصحة الائتمام بالإمام أن يُوجَد الخليفة المستَخْلف من الإمام، وكون الإمام لم يستخلف فإنه يحمل على أنه من شدة الطعن ذُهِل عن أن يستخلف للناس، وبناءً على ذلك نقول: إن فعل عمر يعتبر مقدماً على فعل معاوية رضي الله عنه، أو نعتذر لـ معاوية، فيصبح لا تعارض بين فعل الصحابيين، فـ عمر استخلف لمكان القدرة على الاستخلاف؛ لأن نفسه كانت أقوى، وكان صبره أكثر، ومعاوية فاته الاستخلاف، أو لم يستطعه لمكان قوة الألم، وحينئذٍ نعتبر حادثة معاوية خارجة عن موضع النزاع؛ لأن النزاع على الاستخلاف، ومعاوية لم يستخلف، فيكون هذا في جانب وهذا في جانب، ويصح القول بالاستخلاف، ويقوى من هذا الوجه.

مسألة إذا جاء الإمام الراتب وقد ائتم بالناس غيره

قال المصنف رحمه الله: [وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح].
إمام الحي هو آكد من غيره، فلو أن إمام الحي استخلف إنساناً مكانه، وتقدم وصلى بالناس، فجاء إمام الحي، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: لو أن الناس قدموا رجلاً يصلي بهم لتأخر الإمام، ثم جاء الإمام متأخراً كان من حقه أن يُتِم بالناس، وذلك لقصة أبي بكر رضي الله عنه حينما قُدِّم عند اختصام بني عوفٍ وصُلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، كما في الحديث الصحيح، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بلال إلى أبي بكر وأمره أن يصلي، ثم أقام للناس، فتقدم أبو بكر وصلى، وفي أثناء الصلاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه منشغلاً في صلاته، فنبهه الصحابة إلى ذلك، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس المراد الالتفاف الكامل وإنما كان من خشوعه رضي الله عنه أنه مقبلٌ على صلاته، فالتفت لمكان إحساسه بتسبيح الناس، فإذا به برسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: رَمَق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، أي: الزم مكانك، فتأخر رضي الله عنه وأرضاه، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأتم بالناس.
وقال بعض العلماء: هذه المسألة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدل بآية الحجرات قالوا: هذا من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يرون أن إمام الحي إذا حضر كان من حقه أن يؤخِّر من كان بدلاً عنه.
وبعضهم يرى أن تقدُّم النبي صلى الله عليه وسلم هنا لمكان الاستحقاق في الإمامة، فتقدم أبو بكر لعذر، أو للحاجة وهي تخلف الإمام، وما شُرِع لحاجةٍ يبطل بزوالها، فالشريعة تحفظ الحقوق، فالإمام الراتب الذي رَضِي به الناس أحق، فلما تقدم لحاجة وزالت الحاجة وَجَب أن يُعاد الإمام الراتب، وأكدوا هذا بمرض الوفاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على أبي بكر رضي الله عنه، وائتم أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، والناس بـ أبي بكر، وبناءً على هذا قالوا: إن الإمام الراتب من حقه أن يأتي -ولو كان متأخراً- ويُتِم بالناس.
فإن صلى الأول ركعتين وكنا في الظهر، ثم جاء إمام الحي، وقلنا بجواز أن يدخل إماماً في الركعتين الأخريين وتأخر الخليفة، فإنهم قالوا: يبقى المأمومون يتشهدون قياساً على صلاة الخوف، فيُتِم الإمام لنفسه ركعتين، ثم يسلم بالناس؛ لأن لها نظيراً في صلاة الخوف.
والصحيح الذي يقوى أنه ينبغي صيانة صلاة الناس عن التشويش، خاصةً وأن هذا يُحدِث للناس إرباكاً، وكثيرٌ من الناس لا يفقهون، والدليل فيه شبهة، فإن للنبي صلى الله عليه وسلم من الخصوصيات ما ليس لغيره، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم، خاصةً وأن أبا بكر رضي الله عنه قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا يدل على أنه فَهِم أن التقدم المنهي عنه بين يدي الله ورسوله يشمل حتى الصلاة، فاستند إلى دليل، وهذا الدليل من الخاص وليس من العام، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط فيه.
ولذلك الأولى أن إمام الحي يأتي ويدخل مع الجماعة إذا كان مسبوقاً، لكن لو كان الإنسان يرى مشروعية هذا، ويرى أن السنة عامة فله ذلك، فإذا جاء متأخراً قالوا: إنه من حقه أن يفعل ذلك وقالوا: لأن القاعدة: (لا إيثار في القُرَب)، وكونه يصلي بالناس أعظم لأجره من أن يصير مأموماً، فإنه إذا صلى إماماً أفضل له، فقالوا: من حقه أن يتقدم، خاصةً إذا كان يرى ذلك، فالأفضل له إذا كان يرى جواز ذلك أن يتقدم وأن يتأخر الإمام الذي يصلي بالناس مكانه.

الأسئلة

التشريك في النية بين تحية المسجد وسنة الفجر

السؤال

إذا دخلت المسجد لصلاة الفجر فإني أصلي ركعتين بنية أنها السنة القبلية لصلاة الفجر ولا أصلي غيرها، فهل تسقط عني ركعتي تحية المسجد؟

الجواب

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة -على مذهب الجمهور- جوابها أن ركعتي رغيبة الفجر تحل محل تحية المسجد، وأنه لا حرج على المكلف إذا صلاها أن يجلس ولا يصلي بعد ذلك تحية المسجد، وهذا مبنيٌ على أن مقصود الشرع أن يصلي الإنسان ركعتين، وهو قوي خاصةً لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، فدل على أن المقصود أن يصلي قبل أن يجلس، وهذا قد صلى قبل أن يجلس، والله تعالى أعلم.

حكم من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعات متصلات ثم بدا له أن يفصلهن

السؤال

من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعاتٍ متصلات، ثم غير نيته وصلى ركعتين، ثم سلم وأوتر بواحدة، فما الحكم؟

الجواب

هذه المسألة تنبني على الشروع في النوافل، فبعض العلماء يقول: الشروع في النوافل يصيرها فرائض.
ففي هذه الحالة لما شرع ناوياً أن يصليها ثلاثاً قالوا: ينبغي عليه أن يتمها ثلاثاً ولا يقطعها بركعتين.
لكن من العلماء من قال: حتى ولو قيل باللزوم فإنه يتخرَّج هذا بالانتقال من نية الفرض إلى النافلة، قالوا: وإن كانت لازمةً عليه فإنه ينتقل إلى النافلة، خاصةً وأنه سيصلي ثلاثاً، وبناءً على ذلك لا حرج عليه إذا قطعها بالركعتين المنفصلة ثم صلى ركعة الوتر منفردة، والله تعالى أعلم.

حكم صلاة الفريضة بوضوء النافلة

السؤال

مَن توضأ للنفل كصلاة الضحى -مثلاً- ثم دخل وقت صلاة الظهر، فهل يجب عليه إعادة الوضوء قياساً على تحويل النية في الصلاة؟

الجواب

ظاهر السنة أن من نوى شيئاً كان له، ومن لم ينوه لم يكن له؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، فخرج العلماء على هذا أن من نوى وضوءه للنافلة لا يصح أن يصلي به الفرض؛ لأنه مُحدِث، وقد رفع حدثه لاستباحة النافلة لا لاستباحة الفرض، وهذا هو أقوى الأقوال، خاصةً على ظاهر حديث عمر الذي ذكرناه، فإنه إنما نوى النافلة ولم ينو الفرض.
ولذلك الأفضل للإنسان وإنما إذا أراد أن يتوضأ أن ينوي رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث يصح له أن يصلي مطلقاً، أما لو نوى بالخصوص فريضةً أو نافلةً فهذا مُشكِل، فحتى يخرج من الإشكال ينوي رفع الحدث؛ لأن نية الوضوء إما نية رفع الحدث، أو نية الأدنى، أو نية الأعلى، ولذلك جمعها بعض العلماء بقوله: ولينو رفع حدثٍ أو مفترض أو استباحةً لممنوع عرض فالأولى أن ينوي رفع الحدث حتى يخرج من الإشكال، ويكون على ظاهر الحال أنه متطهر، ويصح له أن يصلي النافلة والفريضة دون قيد.

حكم إمامة المتنفل بالمفترض

السؤال

ما الحكم إذا صلى الرجل نافلةً، وفي أثنائها ائتم به شخصٌ بنية الفرض؟

الجواب

إذا كان الإنسان في النفل وطرأ عليه من يريد أن يصلي معه الفرض قالوا: لا يصح.
على ما قرره المصنف رحمه الله بقوله: [وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح، كنية إمامته فرضاً] فإذا لم يصح وهو مفترض فمن باب أولى ألا يصح وهو متنفل.
والأقوى كما قلنا على ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما صحة ذلك وجوازه.
وأما ائتمام المفترض بالمتنفل فإن الصحيح جواز ائتمام المفترض بالمتنفل لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ، وهو أصح الوجهين عند العلماء، ففي هذا السؤال مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز ائتمام المفترض بالمتنفل؟ وهذه المسألة أصح الأقوال فيها الجواز للحديث الذي ذكرناه.
والمسألة الثانية: إذا قلنا بالجواز فهل يحق له أن تطرأ عليه نية الإمامة لهذا المفترض أثناء الصلاة؟ أصح الأقوال جواز ذلك لحديث ابن عباس، والله تعالى أعلم.

كيفية صلاة العراة إذا كانوا أكثر من صف

السؤال

لو اجتمع عراةٌ كثيرون في صفين أو أكثر كيف يصلون؟

الجواب

أما بالنسبة لصلاة العراة فإنهم يصلون ويكون إمامهم وسطهم، والصحيح أنهم يصلون قياماً، ولا يصلون وهم جالسون، ولذلك يكونون صفاً واحداً لمكان الاستتار، ولا حرج عليهم إذا ضاق بهم المكان أن يصلوا صفين، والله تعالى أعلم.

وقت صلاة الوتر عند جمع التقديم

السؤال

إذا جمع المسافر بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، فهل يصلي الوتر أم يصليه بعد دخول وقت العشاء؟

الجواب

هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: الوجه الأول: وقت الوتر يبتدئ بوقت العشاء، ومن أوتر قبل دخول وقت العشاء لم يصح وتره.
والوجه الثاني: وقت الوتر يصح بعد فعل العشاء لا مقيَّداً بوقت العشاء.
وأصح القولين أن وقت الوتر مقيدٌ بوقت العشاء؛ لظاهر السنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفج)، فإن الصلاة إذا أُطلقت يراد بها وقتها، ولذلك نقول: مما يدل على أن المراد وقت العشاء أنه لو استيقظ بعد وقت الفجر وقبل أن يصلي الفجر لم يوتر؛ لأن وقت الفجر ينقطع به الوتر، فدل على أن ابتداء الوتر كانتهائه، فيكون ابتداؤه مقيداً بوقت الصلاة لا بفعل الصلاة، كما أن انتهاءه مقيدٌ بوقت الصلاة لا بفعل الصلاة، وعلى هذا فالأقوى أنك إذا سافرت وجمعت بين المغرب والعشاء في وقت المغرب أنك تنتظر دخول وقت العشاء حتى توتر، والله تعالى أعلم.

طهارة وصلاة من ابتلي بسلس البول

السؤال

أنا شابٌ مصابٌ بسلس البول أكثر من سنتين وقد شق ذلك علي، فما الحكم؟

الجواب

نسأل الله العظيم أن يشفيك وأن يعافيك، وأن يمن بالشفاء على جميع مرضى المسلمين.
أولاً: أوصيك بالصبر واحتساب الأجر عند الله عز وجل، فإن البلاء -خاصةً- إذا كان في الدين يكون أعظم أجراً، وبلاؤك هذا في الدين؛ لأنه كما أنه مضرةٌ بالبدن، ويُتعِب الإنسان من حيث عنايته بانتباهه لبوله وأذى البول، كذلك أيضاً هو مضرةٌ في الدين؛ لأن الإنسان ينشغل وتعتني نفسه بهذا الخارج، ويُصبِح في هم وقلق، خاصةً إذا دخل عليه وقت الصلاة، وقد وجدت ذلك ورأيته فأبشر بخير، والله أعلم كم لك من الأجر في هاتين السنتين اللتين مضتا، فأبشر بخير، وأنعم عيناً بالله عز وجل، فإن الله سيرضيك إذا صبرت واحتسبت، والله يقول عن أيوب عليه السلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾

، فمن صبر فإن الله يُنعم عليه، فاصبر بارك الله فيك، واعلم أن الذي ابتلاك هو ربك، وليس لك إلا الرضا عن الله عز وجل، فأوصيك أولاً بالصبر واحتساب الأجر عند الله.
والأمر الثاني: أن تأخذ بالأسباب فإذا دخل وقت الصلاة، وكان السلس مسترسلاً فإنك تتوضأ لدخول وقت كل صلاة، فتتوضأ عند أذان الظهر ثم تصلي الظهر، وتضع إذا أمكنك قطنةً لخروج البول إذا كانت تحبس البول.
أما إذا كانت تضر بك وتجحِف بك وتحدث الضرر فحينئذٍ لا حرج عليك، بعد أن تتوضأ في أول الوقت ولو خرج الخارج؛ لأنه ليس بإمكانك إلا أن تصلي على هذا، والله لا يكلفك إلا ما بإمكانك، كما قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، فهذا الذي في وسعك.
أما لو كان السلس متقطعاً بحيث يمكن أن يسلم وقت الصلاة لك، بحيث تمكث -مثلاً- ربع ساعة لا يخرج شيء فصلِّ في ربع الساعة ولو أدى ذلك إلى فوات الصلاة مع الجماعة، فإن الصلاة مع الجماعة يجوز تركها تحصيلاً لشرط الطهارة المتصل بالصلاة، فإيجاب الجماعة منفصل، والطهارة إيجابٌ متصل، فيقدم الواجب المتصل على الواجب المنفصل.
أما إذا كان لا يسع الوقت فحينئذٍ تنزل وتصلي مع الجماعة، ولو خرج منك البول، والله تعالى أعلم.

حكم من نسي ركعة من الصلاة

السؤال

رجلٌ صلى صلاة العشاء ثلاث ركعات، وبعد السلام تذكر بأنه بقي عليه ركعة واحدة، فهل يصلي الركعة الناقصة أم يعيد الصلاة، مع العلم أنه تذكرها بعد تمام الذكر بعد الصلاة؟

الجواب

من سلم من صلاة ناقصةً، ولم يعلم بنقصها إلا بعد وقتٍ سواءٌ أكان بعد الأذكار أم بعد السنن فإنه يجوز له أن يستقبل القبلة ويُتم صلاته ما دام أنه في المسجد، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم بنا إحدى صلاتي العشي، فسلم من اثنتين، ثم قام إلى الجذع وشبّك بين أصابعه كالغضبان، فهاب الصحابة أن يكلموه، وفي الناس أبو بكر وعمر، فقال له رجلٌ يقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أقصُرَت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما قصرت ولا نسيت)، وفي رواية: (ما كان شيءٌ من ذلك! قال: بلى، قد كان شيءٌ من ذلك، فسأل الصحابة: أَصَدقَ ذو اليدين؟ قالوا: نعم فرجع إلى مصلاه وأتم ركعتين، قال: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين قبل أن يسلم).
فدل هذا الحديث على مسائل كثيرة: منها: أن من سلَّم من صلاته منتقصاً لها، وكان في المسجد فمن حقه أن يرجع ويُتِم الصلاة ولو كان قد استدبر القبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استدبر القبلة.
وبناءً عليه فما دمت قد صليت العشاء ثلاثاً فإن ذمتك مشغولةٌ بالركعة الرابعة، فيلزمك أن تستقبل القبلة وتتم الركعة الرابعة، ثم تسجد سجدتين قبل أن تسلم.
المسألة الثانية في هذا الحديث، وهي مما يحسن التنبيه عليها: جواز مخاطبة الإمام بخطئه إذا لم يفهم، وهذه المسألة يُغفلها كثير، فلو أن إماماً أخطأ في الصلاة، كأن قام إلى الركعة الثانية وكبَّر ووقف فقرأ فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:1] مثلاً، فإنه يظن أنه قرأ الفاتحة وهو لم يقرأها، فلو قلت له: سبحان الله.
سيرجع ويقول: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:1] يظن أنه أخطأ في الآية، فحينئذٍ لا يمكن أن ينتبه إلا أن تقول له: اقرأ الفاتحة فيجوز لك أن تقول له: اقرأ الفاتحة؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فكون بعض العلماء يقول: إن ذا اليدين كان يظن أن التشريع على الركعتين.
خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ما كان شيءٌ من ذلك)، وقال: (ما قصرت ولا نسيت)، فقال: بلى قد كان شيءٍ من ذلك.
فتكلَّم مع علمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حصل منه السهو، وبناءً على ذلك يصح للمأموم أن يخاطب الإمام بخطئه إذا تعذَّر فهم الإمام، خاصةً إذا كان خطؤه مما تختلج معه الصلاة، بحيث إذا قلت له: سبحان الله يزيد في الخطأ، وبناءً على ذلك تنبهه وتقول له مباشرة -مثلاً-: اركع اسجد اقرأ الفاتحة، وينبغي أن تقتصر على أقل الكلام فتقول له: الفاتحة.
بمعنى: اقرأ الفاتحة، وقس على هذا؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطئه، والله تعالى أعلم.

حكم دخول الحمام بسبيكة على شكل الكعبة

السؤال

يوجد عند بائع الذهب سبيكةٌ ذهبية على شكل الكعبة المشرفة تُلبس في العنق، فهل يجوز للمرأة دخول الحمام بها؟

الجواب

لا ينبغي في الحقيقة تصوير مثل هذه الصور للأماكن التي قَصَد الشرع تعظيمها، والناس إذا أَلِفوا النظر إلى الكعبة يكون دخولهم عليها لأول وهلة أمراً معتاداً، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا انتهى الناس من الحج صاح فيهم فيقول: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم، يا أهل مصر مصركم.
فلما سُئِل عن ذلك قال: أخشى أن تذهب هيبة الكعبة من قلوبهم؛ لأنهم إذا أَلِفوا الجلوس وألفوا النظر إليها اعتادوها فذهبت هيبتها، ومقصود الشرع تعظيم مثل هذه الأماكن، فهذا من فراسته رضي الله عنه، وكان محدَّثاً ملهماً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه في الصحيح.
وبناءً على ذلك لا ينبغي تصوير مثل هذه الصور التي هي محل إجلال وتعظيم من المؤمنين، فينبغي إجلالها وصيانتها، وبناءً على ذلك فالذي أراه أنها تُصاغ على غير صورة الكعبة، أما من ناحية الجواز فيجوز، لكن كون الإنسان يعلق مثل هذه الصور فلا أرى له وجهاً أن يفعل ذلك، وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب صفة الصلاة [1]

تنقسم صفة الصلاة إلى: صفة كمال، وصفة إجزاء، فالأولى هي أتم الصفتين، وهي المشتملة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكامل في صلاته، والثانية هي التي يجب على المسلم أن يأتي بها، فإن أخل بشيء منها نقص من صلاته بقدر ما أخل منها.
ويذكر العلماء في صفة الصلاة المشي إلى المساجد وآدابه وسننه.

من آداب المشي إلى الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صفة الصلاة].
بعد أن تكلم المصنف رحمه الله على الأمور التي ينبغي على المكلف أن يحصلها قبل الصلاة شرع رحمه الله في بيان صفة الصلاة.
وصفة الشيء: حليته وما يتميز به، فقوله رحمه الله: (باب صفة الصلاة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل يستدل بها على هدي الصلاة.
وصفة الصلاة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يسمى صفة الكمال، وهذه الصفة هي أتم الصفتين وأكملها، وذلك أنها تشتمل على هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكامل في صفة صلاته.
والقسم الثاني من صفة الصلاة: صفة الإجزاء، وهي الصفة التي ينبغي على المسلم أن يأتي بها كاملةً، فإن أخلّ بشيءٍ منها فإنه يعتبر مخلاً إما بركنٍ أو بواجب، فإن ترك الركن فإن صلاته تبطل ما لم يكن نسياناً وكان نسيانه مقارباً للصلاة في مسجده، فلو ترك ركناً وهو في المسجد، ثم ذكر قبل الخروج وأمكنه التدارك أتم صلاته، وصفة الإجزاء تشتمل على الأركان والواجبات، وقد يقتصر بعض العلماء فيها على الأركان وحدها.
ومن عادة العلماء رحمهم الله أنهم يعتنون بذكر وصف العبادة حتى يحكم على صلاة المكلف بكونها معتبرة أو غير معتبرة، وبعض العلماء يقدِّم على هذا الباب باباً، وهو باب آداب المشي إلى الصلاة، كما اعتنى به الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه العمدة، وهكذا غيره من العلماء، ومنهم من يقتصر على ذكر الصفة ولا يذكر آداب المشي، والأكمل الاعتناء بآداب المشي في الصلاة، وهي تنحصر في أمورٍ من أهمها ما يلي:

استحضار النية

أولاً: ينبغي للمكلف إذا أراد أن يذهب إلى المسجد للصلاة أن يستحضر النية، وهي قصد وجه الله عز وجل بخروجه إلى المسجد، وهذه النية معتبرة للحكم بكونه في قربة وعبادة، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الرجل تضعّف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأصبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يخرجه إلا الصلاة)؛ لأن الناس منهم من يذهب إلى المسجد للآخرة، ومنهم من يذهب للدنيا، ومنهم من يذهب جامعاً بين الدنيا والآخرة، فمن خرج وقصده الآخرة كأن يخرج وقصده العبادة والتقرب لله، وشغل الوقت في طاعة الله، وأداء ما افترض الله عليه فهو في قربة، ومثاب من خروجه إلى رجوعه إلى بيته، حتى ورد في الخبر أنه لو هلك فعلى الله أجره، بمعنى أنه لو أصابته مصيبة فمات في طريقه إلى المسجد، أو أصابته بلية فإن أجره على الله، ولذلك كانوا يعتبرون من حسن الخاتمة موت الإنسان في خروجه إلى الصلاة، أو خروجه إلى المسجد؛ لأنها طاعةٌ وقربة، فإذا خرج يستحضر النية.

ذكر الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم

ثانياً: أن يأخذ بآداب الخروج من الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (باسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة الله إلا بالله)، فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (فإذا قالها تنحى عنه الشيطان، وقال الملك: أمنت وكفيت ووقيت، فقال: ما لكم في رجلٍ كفي ووقي من حاجةٍ) أي أنه في رحمة الله وضمانه.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه خرج من بيته إلى صلاة الفجر، فدعا بثمان كلمات -كما في صحيح مسلم وغيره- وقال: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعطني نوراً)، فهذه ثمان كلمات من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الإنسان عند خروجه من بيته يريد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فليحرص على هذا الذكر، فما أكثر فلاحه، وما أنجحه حين يخرج وهو يسأل الله أن يجعل في قلبه نوراً، ومن جعل الله في قلبه نوراً فإنه في أمنٍ وعافيةٍ من الفتن، وقال: (اجعل في لساني نوراً)، فلا يقول إلا خيراً، ولا يتكلم إلا بخير، ويعصم في كلامه، وإذا عُصِم الإنسان في كلامه ومنطقه كان على سدادٍ ورشاد، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب:70 - 71] فيحرص على هذه الأدعية النبوية، وهذا من آداب الخروج.

المشي راجلاً دون أن يركب

ثالثاً: أن يمشي ولا يركب؛ لأن مشيه أعظم أجراً وثواباً له في الطاعة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى)، (وكان رجلٌ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تخطئه صلاة، وكان يمشي على رجله، فقالوا له: لو أنك أخذت دابة تقيك حر الرمضاء والهوام، فقال: ما أحب لو أن بيتي معلقٌ طنبه بطنب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أحتسب عند الله أن يكتب أجري في ذهابي ورجعتي، فأخبر صلى الله عليه وسلم بقوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك بين ذلك)، فإذا كان خروجك ماشياً بقصد أن يكتب الله لك أجر المشي، وكانت نيتك أن يجمع الله لك بين أجر الذهاب والرجعة كتب لك الأجران، فهذا من فضل السعي إلى المسجد.
وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، كثرة الخطا إلى المساجد)، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (إذا رفع العبد قدمه وهو ماضٍ إلى الصلاة لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة)، فهذا خيرٌ كثير.
وكان العلماء رحمهم الله يستحبون للإنسان إذا خرج إلى الصلاة أن لا يسرع، وأن يقارب الخطا حتى يكثر أجره بناءً على هذا الحديث، وأذكر من العلماء رحمهم الله من كان يمشي كأنه معقول الرجلين، يخفف من المشي حتى تكون خطاه أكثر وأجره عند الله أعظم؛ لظاهر هذا الحديث الثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

المشي إلى المسجد بالسكينة والوقار

رابعاً: والسنة لمن خرج إلى المسجد أن لا يشبك بين أصابعه، وأن لا يشتد سعيه.
أما عدم التشبيك بين الأصابع فلأنه في صلاة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تشبيك الأصابع في الصلاة؛ لأن اليهود إذا صلوا شبّكوا، فنهي المسلمون عن التشبيك حتى لا يتشبهوا باليهود، فإذا خرج إلى الصلاة يمتنع من تشبيك الأصابع، وقد جاء في حديث أبي داود تأكيد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أن لا يشتد في سعيه فمعناه: لا يجري ولا يهرول، ولا يسعى حثيثاً حتى ولو سمع الإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا أقيمت فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من أتى إلى الصلاة أن لا يسعى، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليأتها بسكينة ووقار)، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما خرج إلى الصلاة -أعني صلاة الاستسقاء- خرج متخشعاً متذللاً متبذلاً) صلوات الله وسلامه عليه.
فلا بد من العناية بهذه الآداب.
وقد يقال: هل الأفضل أن يركب الإنسان حتى يحصل الصف الأول في المسجد، أو الأفضل أن يمشي فيحصل فضل السعي إلى المسجد؟ فإن الإنسان لو مشى قد يكون بعيداً عن المسجد، بحيث لو مشى على قدميه ربما فاته الصف الأول، وإذا ركب سيارته أو دابته أدرك الصف الأول، فهل الأفضل مشيه إلى الصلاة تحصيلاً لهذه الفضائل، أو تبكيره بالركوب وفوات فضل المشي عليه بإدراك الصف الأول؟ في هذه المسألة وجهان للعلماء: أقواهما أنه يركب، فيكون فضل الصف الأول مقدّماً على فضل المشي، ووجه هذا الترجيح أن القاعدة: (إذا تعارضت الفضائل قدمت الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة)، فإن المشي إلى الصلاة فضيلة منفصلة عن الصلاة، والصف الأول فضيلة متصلة بالصلاة، ولذلك تقدم الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة، فالأفضل له أن يركب، ولكن كما قال بعض العلماء رحمة الله عليهم: يستحب له أن يجعل في نيته أنه لولا ضيق الوقت لمشى على قدميه، حتى يكتب له الفضلان.

ذكر الدعاء المأثور عند دخول المسجد

خامساً: إذا دخل المسجد قال الدعاء المأثور: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، والسنة أن يقدم يمناه ويؤخر يسراه، والسنة إذا دخل إلى المسجد أن يكفّ أذاه عن الناس بعدم تخطي الرقاب ورفع الصوت تشويشاً على المصلين، حتى ولو كان ذاكراً، إذا أمكنه ذلك، وذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في الجمعة، فجاء رجلٌ يتخطى الرقاب، فقال عليه الصلاة والسلام: اجلس فقد آذيت وآنيت)، ومعنى قوله: (فقد آذيت) أي بتخطيك لرقاب الناس، ومعنى (آنيت): أي تأخرت، فالذي يريد الصفوف الأول، والذي يريد الفضائل التي تكون في الصفوف الأول فليبكر، أما أن يأتي متأخراً ويتخطى رقاب الناس ويؤذيهم ويشوش عليهم فإن هذا لا يجوز له لما فيه من الضرر، والقاعدة في الشريعة: (إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم درأ المفسدة على جلب المصلحة)، وهذا من حيث الإطلاق، فكيف إذا كانت المصلحة عامة والمفسدة خاصة؟! لأن تخطي الرقاب يؤذي العامة، أي: عامة الناس، وكونه يدرك الصف الأول فضيلة خاصة، فلذلك تقدم درأ المفسدة هنا على جلب المصلحة، فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس، ولا أن يؤذيهم بالهيشات ورفع الصوت؛ لأن ذلك مما لا ينبغي في بيوت الله عز وجل؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى منبهاً عباده المؤمنين على حرمة المساجد، وما ينبغي أن تكون عليه من إجلال وإكبار: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:36]، ورفع الشيء: إجلاله وتعظيمه، وذلك يكون بالسكينة والوقار في بيوت الله عز وجل.
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلين اختصما في المسجد ورفعا أصواتهما، فلما جاء إليهما قال: ممن أنتما؟ قالا: من أهل الطائف.
قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، أي: لمكان حرمة المسجد وأذية الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا بد للإنسان أن يراعي هذه الآداب، ولذلك نبّه العلماء رحمهم الله على أنه كلما كان الإنسان متعاطياً للسنة حريصاً عليها كلما كان موفقاً للقبول في صلاته، وينبغي نصح الناس وتوجيههم إلى عدم الإخلال بهذه السنن، وبيان ما ينبغي من التزامه بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصةً فيما يتعلق بكفّ الأذى.

صلاة تحية المسجد

سادساً: فإذا دخل المصلي في وقتٍ لا صلاة فيه كأن يدخل بين الأذان والإقامة فإنه يفتتح الصلاة بتحية المسجد، فيحي المسجد بالصلاة، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين)، فدل هذا على لزومها، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يجلس في المسجد حتى يصليهما، ثم إذا صلاهما فإنه في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: (وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) أي: ما دام جالساً في مصلاه فريضةً كانت أم نافلة فإنه تصلي عليه الملائكة، فتدعو له بالمغفرة والرحمة، وهذا خيرٌ كثير، ولذلك ما دخل إنسان مسجداً وصلى مع الجماعة وخرج إلا خرج طيب النفس ومجبور الخاطر، ولو كانت عليه هموم الدنيا، فإنه إذا دخل وخاصةً إذا بكّر إلى المسجد وصلى فيه فإنه يجد هذا الخير الكثير من صلاة الملائكة عليه، ودعائها له، واستغفارها له.
فإذا حضرت الصلاة فحينئذٍ يبتدئ بمراعاة ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فإذا أقيمت الصلاة فإنه يمتنع من التنفل، ويمتنع من إحداث صلاة النافلة بعد إقامة الصلاة.

صفة القيام إلى الصلاة

سنية القيام عند (قدْ) من إقامتها

قال المصنف رحمه الله: [يُسن القيام عند (قدْ) من إقامتها].
إذا كان المكلف جالساً في المسجد وأقيمت الصلاة، فقد قال بعض السلف: يبتدئ قيامه عند قول المؤذن: (الله أكبر) من الإقامة.
وهذا القول مأثور عن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمة الله عليه، وكان يقول به بعض السلف، أي: أنه إذا قال المؤذن: (الله أكبر) للإقامة فإن الناس يقومون.
والمحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان الستار على بابه، فكان بلال رضي الله عنه إذا شعر بحركة الستار أقام الصلاة، فكان الناس إذا ابتدأ بلال للإقامة قاموا، فإذا رأوا الستر تحرك قاموا، وأخذوا مصافهم، وهيأوا أنفسهم للصلاة، فلا يصل عليه الصلاة والسلام إلى موضع محرابه أو مكان مصلاّه إلا والناس قد أخذوا مصافهم، فسواهم وأمرهم بالاستواء، ثم كبر وصلى بهم.
وثبت في الحديث الصحيح أن بلالاً رأى حركة الستر، فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج فأقام الصلاة، فانتظر الناس وهم قيام حتى طال عليهم القيام، ثم دخل عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم-: (إذا رأيتموني فقوموا)، رفقاً بالصحابة رضوان الله عليهم وبالمصلين، وأخذ العلماء من هذا دليلاً على أنه من السنة أن يقام عند رؤية الإمام، وللعلماء في هذا الحديث وجهان: منهم من يقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتموني فقوموا) لم يقصد به حالة مخصوصة، كأنه يقول: إذا رأيتم الإمام في المسجد فقوموا.
حتى يكون ذلك أبلغ في استواء الناس قبل دخول الإمام إلى المحراب أو موضع الإمامة.
وقال بعض العلماء: بل هذا خاص؛ لأنه وُجِدت المشقة بقيام الصحابة، فقال لهم: (إذا رأيتموني فقوموا).
والذي يظهر أن أقلّ ما فيها أنها سنةٌ تقريرية، فإن الصحابة كانوا يقومون عند دخوله، فالأفضل والأكمل عند رؤية الإمام أن يقوم الناس، وأن يأخذوا مصافّهم، ويحاولوا تهيئة أنفسهم، بحيث لا يبلغ موضع إمامته إلا والناس قد أخذت مصافّها، كما جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الإمام مالك رحمه الله فإنه لم يجد حداً معيناً لقيام الناس عند الإقامة، ورأى أن الأمر واسع، فخفف رحمه الله وقال: الناس فيهم الصغير وفيهم القوي وفيهم الجلد، أن الناس يختلفون في أحوالهم، فلم يحدّ في القيام للصلاة حداً معيناً، وهذا لا شك أنه من ناحية الإلزام صحيح، فلا نستطيع أن نلزم الناس بالقيام لا عند ابتداء الإقامة، ولا عند (قدْ)، ولكننا نقول: الأفضل والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يقام عند رؤية الأئمة، فإذا رؤي الإمام داخلاً إلى المسجد، أو رؤي عامداً إلى مصلاّه فإن الناس يقومون، وهذا هو السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ الصحابة على فعلهم، ولأنه يعين على تحقيق مقصود الشرع، فإن الناس إذا ابتدروا بالقيام وسووا صفوفهم، ثم أمرهم الإمام كان ذلك أبلغ في تسوية الصفوف، وخاصةً في هذا الزمان فإنه يعجل الإمام بالتكبير، والفاصل قد يكون قليلاً، وقد يكون الإنسان يرغب في إدراك تكبيرة الإحرام وفضلها، فقد يضطر إلى الاشتغال بتسوية الصفوف، لكن المبادرة للقيام عند رؤية الإمام أبلغ في استواء الصفوف واعتدال الناس، ولا نحفظ في ذلك أمراً يدل على اللزوم بالقيام عند (قد)، ولكن نقول: الأفضل والسنة القيام عند رؤية الأئمة، وأُثِرَ عن علي رضي الله عنه القيام عند قدَّ، ولا يصح هذا عنه ويُروى في حديث مرفوع ضعيف.
والصحيح أن الأمر واسع، ولكن السنة والأفضل أن يُقام عند رؤية الأئمة كما ذكرنا.
وقوله رحمه الله: [عند (قدْ) من إقامتها] الإقامة -كما هو معلوم فيها-: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فتقال مرتين، فحينئذٍ هل يكون القيام على قول المصنف عند (قدْ) الأولى أو الثانية؟ و

الجواب

يكون عند (قد) الأولى، وليس الثانية؛ لأنه أطلق، والمطلق ينصرف إلى أول مذكور، ولو أراد الثانية لقال: عند قوله (قد) الثانية من إقامتها، أو: بعد قوله (قدْ) من إقامتها.

تسوية الصفوف وإقامتها

قال رحمه الله تعالى: [وتسوية الصف].
يسنّ للناس أن يعتنوا بتسوية الصفوف، والمراد بهذه السنة أنها من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسوية الصفوف وإقامتها من إقامة الصلاة، وقول الجماهير على أنه يجب على الناس أن يسووا صفوفهم، وأن من لم يسو الصف فهو آثم، وذلك لدليلين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (استووا)، وقال: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وقال: (عباد الله لَتُسَوُّونَّ صفوفكم)، فجاء بصيغة التأكيد الدالة على اللزوم.
الدليل الثاني الذي يدل على وجوب تسوية الصفوف ولزومها: أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد على الإخلال بهذا، -فقد ثبت عنه في الصحيح-: (أنه كان يأمر الناس بتسوية الصفوف -قال الصحابي رضي الله عنه-: حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه خرج ذات يومٍ فرأى رجلاً بادياً صدره في الصف، فقال عليه الصلاة والسلام: عباد الله لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم -وفي رواية-: وقلوبكم)، فهذا وعيد، والقاعدة في الأصول أنه إذا ترتب على ترك الأمر وعيد كان هذا دليلاً على أنه من الواجبات، وأن الإخلال به من المنهيات، ولذلك يعتبر الإخلال بتسوية الصفوف من المحرمات، والأمر به واجب، فالناس مطالبون بإقامة الصفوف وتسويتها، وثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، فالذين يسوون صفوفهم ويعتنون بتسويتها هم مقيمون للصلاة، والله أثنى على المقيمين للصلاة وزكاهم في كتابه، فمن إقامة الصلاة تسوية الصفوف.
وثبوت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم تسوية الصفوف سببٌ لمخالفة القلوب، أو مخالفة الأوجه فيه خطر شديد، حتى قال بعض العلماء: المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم أو قلوبكم) أن يلبسهم شيعاً وأحزاباً والعياذ بالله، أي: يجعل الناس مفترقين لا يتفقون، فتحصل بينهم النزاعات والخلافات والشجارات بسبب عدم العناية بهذا الأمر وهو تسوية الصفوف، وهو أمرٌ عظيم، وكان عمر رضي الله عنه لا يكبر حتى يأتيه أناسٌ وكّلهم بالصفوف فيعلمونه أن الصفوف قد استوت -رضي الله عنه وأرضاه- حرصاً منه على هذه السنة، وعنايةً منه بها، فيسوّي الصفوف.
وإذا كان الذي وراء الإمام يعقل تسوية الصفوف كطلاب علم، فللعلماء وجهان: فبعضهم يقول: السنة أن تطلق، فدائماً تقول: استووا.
وظاهر الحديث: (حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه) يدل على أنه إذا كان الناس عندهم علم بتسوية الصفوف، وكان الذين معه من طلاب العلم، أو من العلماء، فلا حاجة أن تقول: استووا.
وهذا مذهب طائفة من العلماء.
وقال بعضهم: لا، بل إنها سنة مطلقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، وكان إذا قام أمر بالاستواء.
ولكلا الوجهين وجهه، خاصةً في هذا الزمان الذي كثر فيه العوام وكثر فيه الإخلال، حتى إن من يعلم ربما نسي وربما ذهل، ولربما قام الإنسان في الصف وهو من العلماء أو من طلاب العلم فغفل عن تسوية نفسه، والإنسان بشر، ولذلك الأمر والتنبيه بها فيه أجر للإمام، وفيه تنبيهٌ أيضاً للناس، فلا حرج في المداومة عليها والأمر بها.

تكبيرة الإحرام

قال رحمه الله تعالى: [ويقول: (الله أكبر)، رافعاً يديه].
أي: يقول المصلي إذا أراد الدخول في الصلاة (الله أكبر)، وهذا التكبير يسمّى عند العلماء رحمهم الله بتكبيرة الإحرام، وسبب تسميته بذلك ظاهر السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي داود والحاكم بسندٍ صحيح: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير)، فوصف التكبير بكونه موجباً للدخول في حرمات الصلاة، فسمّى العلماء هذا التكبير بتكبيرة الإحرام؛ لأن المصلّي إذا كبر دخل في حرمات الصلاة، وهذا التكبير للعلماء فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح لك أن تدخل الصلاة نافلةً أو فريضة إلا إذا قلت: (الله أكبر) وحدها، فلا يجزي غير هذا اللفظ، لا المشتق منه ولا من غيره، ولو اشتمل على تعظيم الله، فلو قال: الله العظيم، أو قال: الله الكبير، أو: الله الأكبر لم تنعقد تحريمته، وكذلك لو اختار لفظاً فيه تعظيم من غير المشتق، كقوله: الله القدوس، الله السلام، الله المهيمن، فإنه لا ينعقد تحريمه، وهذا مسلك الحنابلة والمالكية رحمة الله عليهم، وهكذا لو قدّم: (أكبر) على لفظ الجلالة، فقال: أكبر الله، فإنه لا يصح ولا ينعقد تحريمه، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وكبر معناها: قل: الله أكبر.
وهو المعهود في أذكار الشرع في الدخول إلى الصلاة، بدليل ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من تكبيره في الدخول إلى الصلاة، فهذا أمرٌ.
الأمر الثاني: أنه لم يثبت حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالعدول عن هذا اللفظ المخصوص، والصلاة عبادةٌ مخصوصة، وأذكارها مخصوصة، فلا يصح أن يجتهد المكلف بإدخال ألفاظٍ قريبة من اللفظ المشهور.
الأمر الثالث: أنه لفظ مخصوص في موضع مخصوص لم يشرع إحداث غيره أو قريبٍ منه كالتشهد، أي: كما أن التشهد لا يجزي إلا باللفظ الوارد، كذلك تكبيرة الإحرام لا تجزي إلا باللفظ الوارد.
فهذه الأوجه كلها تدل على لزوم التكبير.
وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز للمصلي أن يدخل بأي لفظٍ دال على تعظيم الله عز وجل وذكره، واستدل بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:14 - 15]، فقال رحمه الله: إن الله عز وجل قال: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ [الأعلى:15]، فمن ذكر اسم ربه عند بداية صلاته أجزأه ذلك وصحت صلاته، فلو قال: الله العظيم أجزأه وانعقد إحرامه وانعقدت تحريمته.
وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى موافقة الإمام أحمد ومالك، ولكن قال: يجوز إذا كان من لفظ (أكبر)، فقوله مثلاً: الله الأكبر تنعقد به التحريمة، فالمشتق كالكبير والأكبر قالوا: ينعقد به إحرامه، وأما بغير ما اشتق منه فلا ينعقد إحرامه.
والصحيح أنه لا بد من ذلك اللفظ المخصوص، وهو لفظ التكبير، والجواب عن دليلهم أنه مطلق مقيد.
كما أن الآية التي استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:14 - 15] الصحيح أن المراد بقوله تعالى: (قد أفلح من تزكى)، أي: زكاة الفطر ليلة العيد، (وذكر اسم ربه) أي: أكثر من التكبير ليلة العيد فصلّى صلاة العيد، والمراد بذلك أنه على فلاح بانتهائه من فريضة الله عز وجل وهي الصيام.
فالمقصود أن هذه الآية يجاب عنها من وجهين: إما أن يقال: إنها خارجة عن موضع النزاع، والمراد بها صلاة العيدين.
وإما أن يقال: إنها مطلقةٌ مقيدة، والقاعدة أن المطلق يُحمل على المقيد، ولا تعارض بين مطلقٍ ومقيد.
وقوله رحمه الله: [يقول: الله أكبر] أي: يقول بلسانه: الله أكبر.

رفع اليدين مضمومتي الأصابع وممدودة عند التكبير

قال رحمه الله تعالى: [رافعاً يديه مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه كالسجود].
[رافعاً يديه] هذه هي السنة في تكبيرة الإحرام، وأجمع العلماء على أن تكبيرة الإحرام برفع اليدين، وقد جاء عن أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاته أنه رفع يديه في تكبيرة الإحرام، ولذلك قالوا: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام متواتر، كما أشار إلى ذلك صاحب الطلعة رحمه الله بقوله: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمعٌ حظرا كذِبهم عُرفاً كمسح الخف رفع اليدين عادمٌ للخُلفِ وقد روى حديثه من كتبا أكثرُ من ستين ممن صَحِبا فرفع اليدين بالدخول في الصلاة في تكبيرة الإحرام متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه جمع، وقال بعض العلماء: فيه أكثر من خمسين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها في رفع اليدين، حتى إن العلماء لما اختلفوا في رفع اليدين في الصلاة اتفقوا على أنه في تكبيرة الإحرام يرفع يديه.
ثم هنا في رفع اليدين السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفعها حذو منكبيه، وقال به جمعٌ من العلماء رحمة الله عليهم، كما اختاره الشافعي وأحمد، وقال بعض العلماء: حذو الأذنين، والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم من سنته أنه كان يرفع حذو منكبيه، وأما ما ورد إلى حذو أذنيه فهذا يُحمل على وجهين: الوجه الأول: إما أن يحمل على أنه كان يفعل هذا تارة ويفعل هذا تارة ولا حرج، ويصير خلاف تنوع لا حرج فيه.
والقاعدة تقول: إن خلاف التضاد لا يحكم فيه بالخلاف، فتقول: هذا نوع من الرفع، وهذا نوع من الرفع، والأكمل حذو منكبيه، والجائز والسنة التي لا حرج فيها أن يرفع إلى حيال أُذنيه.
الوجه الثاني: وجه الجمع، قالوا: إنه رفع، فمن أراد الغاية التي بلغتها أصابعه فهما المنكبان، ومن أراد غاية ما وصل إليه في رفعه حتى يقابل أقلّ أصابعه بهما فهما الأذنان، فيكون هذا من باب الجمع، فيكون هذا عبر بالغاية وهذا عبر بالبداية، فبداية ما يكون من أصابعه حيال أذنيه، فكأنه اعتبر غاية اليد ولم يعتبر أولها، وهذا يكون من باب الجمع بين الروايتين.
وأما بالنسبة لقوله: (كالسجود) فللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يجعل اليدين كالرجل الذي يريد أن يمسك طرفا رأسه، فتكون بطون اليدين مقابلة لصفحتي الوجه.
والوجه الثاني: أن يجعل بطون اليدين أو الراحتين إلى جهة القبلة، ولذلك عبر بقوله: (كالسجود) أي: كحال الإنسان في سجوده؛ لأنه لما قال لك: (رافعاً) التبس الأمر: هل يرفع وقد جعل البطون إلى القبلة، أو يرفع وقد جعل البطون إلى وجهه؟ فلذلك قال: (كالسجود).
وأما بالنسبة للتفريج والضم للأصابع، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرج ولم يضم، فالسنة الاعتدال، واختار المصنف الضم، والسنة الاعتدال في هذا، ولا يتكلف في الأمر.
وهناك ثلاثة أوجه في الابتداء بالرفع أو التكبير: الأول: أن تبتدئ التكبير وتقول: الله أكبر ثم ترفع يديك، وتخفض بعد إنزالهما، أو: تقدم الرفع على التكبير فترفع يديك ثم تقول: الله أكبر بعد أن تتم الرفع وتنزلهما، أو: تجمع بين الرفع والتكبير، وذلك لكون الإنسان يرفع يديه فيبتدئ التكبير عند رفعه، ثم لا ينتهي إلا وقد انتهى من تكبيره، فهذه كلها أوجه، وقد جاءت بها الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي حديث ابن عمر: (أنه رفع ثم كبر).
وثم تقتضي الترتيب، قالوا: فيكون التكبير بعد الرفع.
والوجه الثاني الذي هو وجه الجمع بينهما أو وجه المتابعة جاء في حديث وائل وغيره في رواية السنن، والأول صحيح من حديث ابن عمر.
وأما كونه يكبر ثم يرفع فقد قال الحافظ ابن حجر: لا قائل به، أي: لا يعلم قائلاً يقول بالتكبير قبل الرفع.
قال العلماء: الأفضل للإمام أنه ينتبه لأحوال الناس، فإن من الناس من يسمع الصوت ولا يرى الشخص، ومنهم من يرى الشخص ولا يسمع الصوت، فالشخص الذي هو في أقصى الصف -خاصةً في المواضع التي لا يكون فيها مكبر الصوت موجوداً- يرى شخص الإمام ولا يسمع صوته، فإذا رفع الإمام يديه ظن المأموم أنه دخل في حرمة الصلاة وكبر، فربما سبق المأموم الإمام بالتكبير في هذه الحالة، كما لو كان في آخر الصفوف ويرى شخص الإمام، كما هو الحال في الأرض المنحدرة حيث يرى شخص الإمام، أو يكون الإمام مرتفعاً قليلاً فيراه يرفع يديه، فيرفع المأموم يديه ويقول: الله أكبر، فيسبق تكبيره تكبير الإمام، خاصةً إذا لم يسمع الصوت، وقالوا: أيضاً من الناس من يسمع الصوت ولا يرى الشخص ككفيف البصر، أو من هو بمنأىً لا يستطيع أن يرى الإمام، فإنه يعتبر الصوت ويسمع صوته، كما في الصف الرابع والخامس في الصحراء ونحوها، فربما خفي عليه صوت الإمام، ولذلك الأفضل والأولى للإمام حتى لا يعرض صلاة الناس للبطلان بتقدم التكبير على الرفع أن يجمع بينهما، حتى لا يكون سبقٌ، ما دام أن السنة قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما.

لزوم إسماع الإمام من خلفه من المؤتمين

قال رحمه الله تعالى: [ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين].
قوله: [ويسمع الإمام من خلفه] أي: تكبيرة الإحرام، وذلك لأن تكبيرة الإحرام تنعقد الصلاة بها، وقال العلماء: إنه لو سبق المأموم الإمام في تكبيرة الإحرام، أو سبقه بالسلام بطلت صلاته خاصة على مذهب من يرى اتصال صلاة المأموم والإمام، كما درج عليه الحنابلة ومن وافقهم أنه لو سبق تكبير المأموم على الإمام بطلت صلاته ولم تنعقد له، ولذلك يقولون: إنه ينبغي عليه أن يتحرى، فإذا كان المأموم مطالباً بإيقاع تكبيره بعد تكبير الإمام فإنه ينبغي على الإمام أن يرفع صوته حتى ينبه الناس.
وقد أجمعوا على أن المأموم لا يجوز له أن يسبق الإمام فيكبر قبل تكبير الإمام، واختلفوا: لو أن المأموم ساوى الإمام فكبّر مع تكبير الإمام، فهل هذا هو السنة، أم السنة أن ينتظر إلى أن يكبّر الإمام ويكبر بعده؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن السنة أن يكبّر المأموم عقب تكبير الإمام، وذلك لحديث أنس رضي الله عنه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا)؛ لأن قوله: (فإذا كبّر) أي: فرغ من التكبير، (فكبروا) أي: أوقعوا تكبيركم بعد تكبيره، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبقوني إني قد بدنت)، فدل على أن المأموم كما أنه في الفعل لا يوقعه إلا بعد الإمام، كذلك أيضاً في القول لا يوقعه إلا بعد الإمام، ولقوله في الرواية الثانية: (ولا تكبروا حتى يكبر).
فهذه الثلاثة الأحاديث اقتضت أن يقع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام، ولذلك قال أصحاب هذا القول وهم الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية-: تحرم مسابقة الإمام وتكره موافقته؛ لأنها حالة بين الحلال والحرام، فبين الحلال كونك توقع التكبير بعده، وبين الحرام كونك تسبقه، ولذلك عبروا بالكراهة، كما نبهنا غير مرة أن مسلك بعض الأصوليين أن المكروه مرتبة بين الحلّ والحرمة.
أما بالنسبة لفقهاء الحنفية فقالوا: السنة أن يوقع المأموم تكبيره مع تكبير الإمام، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا كبّر فكبروا) والفاء تقتضي العطف مع المقارنة، كما تقول: جاء محمد فعمر بمعنى أنهما كادا أن يكونا متصلين ببعضهما، قالوا: وهذا يدل على أن تكبير المأموم يكون مع تكبير الإمام، ولا شك أنه الحل المجازي؛ لأنهم قالوا: (إذا كبّر) بمعنى: شرع في التكبير، كما يقال: أنجد: إذا دخل نجداً، أي: بدايتها، وأتهم: إذا دخل تهامة وإن لم يكن قد بلغ آخرها، وهذا معروف في لغة العرب، قالوا: فقوله: (إذا كبّر) أي: ابتدأ التكبير، (فكبروا) أي: اصحبوه في تكبيره، فهذا وجه الحديث عندهم، ويلاحظ أن الكل يتمسك بالسنة.
والحقيقة الذي يترجح ويقوى من جهة النصوص والنظر أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وعلى هذه المسألة تفرّع قولهم في السلام، ولذلك تجد بعض من يميل إلى هذا القول يسلم مع تسليم الإمام، ولا شك أن هذا له وجهٌ من السنة بناءً على أنهم يرون أن العطف في هذه اللغة وفي هذا الوجه يقتضي المقارنة، وإن كنا قد قلنا: إن الصحيح أن يأتي بالتكبير والفعل بعده، لكن ما دام أن الإنسان يتأول وجهاً من السنة فلا إنكار، ولكن الصحيح والأقوى أن يوقع فعله بعد فعل الإمام.
والجهر بالتكبير على حالتين: الحالة الأولى: المبالغة في الجهر فهذه مكروهة، وهي أن يبالغ في رفع صوته إلى درجة أن يزعج من وراءه من المصلين، فإن الصلاة خشوع وخضوع وسكينة، وينبغي للأئمة دائماً أن يتعاطوا مراتب الكمال وأنسب الأحوال، حتى يكون ذلك أقرب لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأشبه بالعبادة التي يتلبسون بها، ولذلك لا يبالغ بالتكبير بصوتٍ فيه مبالغة في الرفع؛ لما فيه من الأذية والإجحاف بالنفس، والسنة في الشرع في الذكر أن الإنسان لا يبالغ فيه برفع الصوت، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:110]، وقال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:19]، فقالوا: تجتنب المبالغة في رفع الصوت، إلا ما ورد النص به كالتلبية، فترفع صوتك حتى تبالغ بها ولا حرج؛ لأن الصحابة كانوا إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم، وهذا لا شك أن ورود السنة به هو مقصود في العبادة، وقال عليه الصلاة والسلام: (الحج العج والثج) فهذا مخصوص، لكن بالنسبة للأذكار تبقى على الأصل من تحري السنة وعدم المبالغة في الرفع، فيرفع صوته على الحالة الثانية، وهي الرفع المعتبر الذي يسمع به من وراءه، وبناءً على ذلك فإذا حصل مقصود الشرع من الإعلام فإنه يقتصر عليه المكلف.
ومن هنا كان من الخطأ ما يفعله بعض المصلين حينما يأتي والناس في المسجد، ويريد أن يصلي تحية المسجد، فتجده يكبر تكبيرة الإحرام بلفظ مزعج وملفتٍ للأنظار، ولربما يشوش على غيره، ويجعل الناس يلتفتون إليه من غرابة ما وقع منه، والصلاة -كما قلنا- فيها سكينة وخشوع، فينبغي للمصلي أن يبتعد عن أذية الناس بها.
وقوله: [كقراءته في أولتي غير الظهرين].
المراد بالظهرين: الظهر والعصر، وهذا من باب التغليب، كالعمرين والقمرين، والمراد بهذا في قوله رحمه الله: [كقراءته] أن يجهر بالتكبير -أعني تكبيرة الإحرام- كما يجهر بقراءته في الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، وكذلك الفجر، فالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاتي الصبح والمغرب والعشاء، يجهر في الأوليين من العشاء وكذلك المغرب، وفي صلاة الفجر كلها، فالسنة أن يرفع صوته ويجهر.
وهنا ينبه على أمرٍ ينساه كثير من الناس، أو يغفلون عن حكمه، وهو أن الإنسان ربما تفوته صلاة الفجر، أو تفوته ركعةٌ وراء الإمام فيقوم للقضاء، فلا تسمع من يرفع صوته بالقراءة، وهذا كثير بين الناس إلا من رحم الله، فبسبب الجهل تجدهم يقومون ولا تسمع أصوات القراءة، وهذا ينبغي التنبيه عليه، فصلاة الفجر كلها جهر، ولذلك ليس من السنة الإسرار في الجهري، ولا من السنة الجهر الكلي في السري، أما كونك في السر ترفع صوتك بالآية والآيتين فلا حرج، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما ملازمة الجهر في السري كله فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر معاً.

أن يسمع المنفرد نفسه بالقراءة والتكبير

قال رحمه الله تعالى: [وغيرُه نفسه].
أي: يسمع غيرُ الإمام نفسَه القراءة، فإذا صليت لوحدك تسمع نفسك القراءة، أي: تجهر جهراً بحيث تَسمَعُ قراءتك، فهذا هو الحد، كأنه أراد أن يضع لك ضابطاً للجهر إذا كنت لوحدك أو منفرداً.

شرح زاد المستقنع -

باب صفة الصلاة [2]

إذا قام المصلي إلى الصلاة فإنه يبدأ بتكبير الإحرام، ولها صفة معلومة، ثم يضع يمينه على شماله، وصفة الضم معلومة مفصلة، ولها حالات مذكورة في موضعها، ثم ينظر إلى موضع سجوده، ويقرأ دعاء الاستفتاح، وله ألفاظ عدة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتم صلاته على هذا النحو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ما يفعله المصلي حال قيامه في الصلاة

وضع اليمين على الشمال ومحلهما حال القيام في الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته].
بعد أن يفرغ الإنسان من التكبير والرفع فالسنة له أن يجعل يمينه على شماله، وهذا ثبتت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وترجم له الأئمة والحفاظ في كتب الحديث.
وقال بعض أهل العلم: بلغت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع اليمين على الشمال في الصلاة مبلغ التواتر، أي أنها متواترة بوضع اليمين على الشمال، وهذه هي السنة، وخالف في هذا بعض المالكية رحمة الله عليهم فقالوا: إنه يطلق يديه ويرسلهما إلا في النافلة، وقالوا: في النافلة لا بأس أن يقبض أما في الفريضة فلا، وهذه المسألة تعرف بمسألة الإرسال، وفيها لبسٌ ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا له، حتى يحصل منهم التوجيه لمن يرسل يديه في صلاته اعتماداً على القول في مذهب المالكية.
ووجه ذلك أن الإمام مالكاً رحمه الله قال في موطئه: (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، فبوب رحمه الله لوضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكان عبد الرحمن بن القاسم العتقي من أصحاب مالك المصريين رحمة الله عليهم أجمعين، فسافر إلى مالك، وقرأ عليه الموطأ، وحمل عنه مذهبهم وعلمه، ثم رجع إلى مصر، وتوفي مالك، فقدم أسد بن الفرات من المغرب لأجل أن يسأل عبد الرحمن بن القاسم، وكانت نيته حينما سافر من المغرب أن يلقى الإمام مالكاً، وأن يتتلمذ عليه، فلما وصل إلى مصر توفي الإمام مالك، فلما أخبر بوفاته سأل: مَنْ مِنَ أصحابه أخذ علمه؟ فقالوا: عبد الرحمن بن القاسم، فلزم عبد الرحمن وقال له: إني سائلك عن مسائل، فما كان فيها من قول مالك فأفتني به بقوله، وما كان لا قول له فيه فأخبرني بالأشبه، أو اذكر أشبه الأقوال بقوله، وذلك لأن عبد الرحمن بلغ مبلغ الاجتهاد في قول مالك رحمه الله؛ لأنه أخذ عنه الفقه وتتلمذ عليه، فسأله عن مسائل، ثم ارتحل أسد إلى المغرب، فجاء رجل يقال له: سحنون واسمه عبد السلام فسأل أسد بن الفرات أن يعطيه المدونة من أجل أن يأخذها ويدون ما فيها من المسائل والعلم، فامتنع أسد من إعطائها له، فضن بها عليه، فقال له: هذا علم، ولا يجوز لك أن تحفظه، فاشتكاه إلى القاضي، فأمر القاضي بها لـ أسد؛ لأن أسداً قال: الكتابُ كتابي والقلم قلمي والمداد مدادي وسحنون يقول: إنه علم ولا يحل كتمه، فحكم القاضي أنها لـ أسد، وله أن يعطيها من شاء ويمنعها من شاء، فارتحل سحنون إلى عبد الرحمن بن القاسم وأخبره بالقصة، فغضب عبد الرحمن، وسأله سحنون عن المسائل، وهي الموجودة الآن في كتابه (المدونة)، وفيها مسائل لـ عبد السلام الذي يسمى سُحنون وكان مما سأل عبد الرحمن أنه سأله عن القبض، فقال عبد الرحمن بن القاسم: سألت مالكاً عن القبض فقال: لا أعرفه، ولا بأس به في النفل وأكرهه في الفرض.
فهذه العبارة قالوا: المراد بها وضع اليمين على الشمال وأنه لا بأس به في النفل ويُكره في الفرض.
والواقع أن هذه العبارة ليس لها علاقة بوضع اليمين على الشمال؛ لأن هناك شيئاً يسمى وضع اليمين على الشمال، وشيئاً يسمى القبض، وهو الزائد عن الوضع، فالإمام مالك رحمه الله روى الحديث في موطئه، ولا يمكن أن يقول قائل: إن مالكاً يقول: لا أعرفه.
فهو قد رواه في موطئه، وهذا لا يمكن أن يكون بحال، والمراد بهذا القبض الأخذ؛ لأن بعض السلف يقول: إنما السنة أن تضع اليمين على الشمال وأما القبض فهذا فيه نوع من الراحة، ولذلك عندما تنظر إلى العبارة الواردة المدونة فسياقها في الاعتماد، والاعتماد في النافلة جائز، ولكنه في الفريضة مكروهٌ وممنوع، وقد يعبر بالكراهة ويراد بها المنع، فلذلك قال: لا بأس به في النفل وأكرهه في الفرض.
فلو صليت في التهجد أو أطلت في قيام ليلك، فحينما تتهجد دون أن تقبض تتعب، فبمجرد ما تمضي عليك ربع ساعة وأنت واضع يدك اليمنى على الشمال تجد التعب والعناء، لكن حينما تقبض ترتاح، فأصبح فيه نوع اعتماد، فهذا من دقة مالك رحمه الله في تحري السنة، فليست العبارة لها علاقة بوضع اليمين على الشمال البتة؛ هل يمكن أن يقول في موطئه: (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، ثم يقول: لا أعرفه؟! وفي هذا الوضع أكثر من أربعين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه وضع وأمر بالوضع، حتى قال: (أُمرنا معاشر الأنبياء أن نأخذ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة).
فالسنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وأما بالنسبة للقبض فأخذوه من قوله: (أن نأخذ)، والأخذ فيه زيادة معنى، فإنك لا تأخذ الشيء إلا إذا استحكمت يدك به، فلما قال: (أن نأخذ بأيماننا على شمائلنا) دلّ على هذه الزيادة، والإمام مالك لم يرو هذا الحديث، واقتصر على الأحاديث التي فيها وضع اليمين على الشمال، فكان من فقهه تسويغ ذلك في النافلة دون الفريضة.
وإنما أحببنا التنبيه على هذا حتى لا ينسب إلى الإمام مالك رحمة الله عليه، ويكون طالب العلم على بينة إذا اعترض عليه معترض فقال: هذا قول الإمام مالك، فليقل له: إن الإمام مالكاً رحمه الله ذكر هذا في المدونة، وقال: باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وقد قال رحمه الله: (إذا وجدتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال: (كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر -وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم-) فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، ولو صح عنه فالحجة في السنة، ونقول: لو كان الإمام مالك لا يرى القبض لعدم ورود الحديث عنده، فإنه يعتذر له بعدم العلم به، ويبقى سنة لورود الخبر من طريق غيره، ولذلك فالسنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وهذا الوضع -كما قلنا- ثبتت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قبض كوع اليسرى تحت سرته

يقول المصنف رحمه الله بعد أن ذكر الوضع: [ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته].
هذا وجه في محلهما، وفيه أثر عن علي رضي الله عنه -وهو غير صحيح- في وضع اليدين تحت السرة، وهو مذهب الحنفية أيضاً.
والصحيح أن السنة وضعهما على الصدر، وثبتت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبالغ في رفعها في الصدر حتى يصل إلى الرقبة؛ لأن هذا ليس بالسنة، وإنما السنة أن تكونا على الصدر، وذلك على القصد دون تكلف، وإذا وضعها قال بعض العلماء: يقبض يمينه على شماله جهة قلبه؛ لأنه أشرف الأماكن ولا وجه لهذا التخصيص، والسنة مطلقة، فإن الإنسان يضع يمناه على يسراه على صدره كما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو السنة والذي يستحب للإنسان أن يتحراه، وإن وضع الكف على الكف فقد ثبت وضع يمينه على شماله على ظاهر الحديث، وإن وضعها على الرسغ -وهو المفصل الذي يكون بين الكف والساعد- فحينئذٍ لا حرج، وإن وضعها على الساعد فلا حرج، والناس يختلفون على حسب اختلاف الأماكن ضيقاً واتساعاً، وإن أراد الإنسان أن يفعل هذا مرةً ويفعل هذا مرةً ويفعل هذا مرةً فكل ذلك سائغ، وكلٌ على خير وسنة، ولا حرج على الإنسان في فعله.
لكن الأخذ بالمرفق يعتبر من المخالف للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه وضع أو ألقم كفه الأيمن مرفقه الأيسر، فهذا ليس من السنة في شيء، وهكذا لو عكس.
والسنة في وضع اليدين أن تكون اليمنى هي العليا واليسرى أسفل، وليس من السنة وضع اليسرى على اليمنى، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما رأى الرجل وضع يسراه على يمناه نزع، فجعل يمناه على يسراه)، وهذا تشريف وتكريم، ويدل على فضل اليمين على اليسار.
وقد أخذت منه فائدة، وهي خلاف العلماء رحمهم الله: هل الأفضل في الميت إذا كفن في ثلاثة أثواب أن يكون أحسنها جمالاً مما يلي الميت، أو الأفضل أن يكون من خارج لمنظر الناس؟ فالذين يقولون يكون من الخارج قالوا: الأفضل يكون الأعلى، ولذلك لما أريد تشريف اليمنى جعلت هي الأعلى، مع أن اليسرى وليت البدن، وكذلك الأفضل في الكفن أن تكون العليا هي الحسنة، إضافةً إلى أنه جمالٌ له أمام الناس، وأبلغ في زينته لكفنه، وأجمل له في حاله، فهذه من المسائل التي خرجت على ما ذكرنا؛ لأنه لما جعل عليه الصلاة والسلام اليمنى على اليسرى دل على أن الأعلى أشرف وأفضل وإن كان الأدنى والياً للبدن أو مباشراً.

نظر المصلي إلى مكان سجوده

قال رحمه الله تعالى: [وينظر مسجده].
السنة للإنسان إذا صلى أن يرمي ببصره إلى مكان سجوده، والمسجد: مكان السجود، على وزن (مَفْعِل)، والمراد به موضع سجوده، وذلك لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رمى ببصره إلى موضع سجوده)، وكان إذا تشهد رمى ببصره إلى إصبعه وهو يشير بها صلوات الله وسلامه عليه لا يجاوزها، فقال: السنة في القيام الرمي بالبصر إلى موضع السجود.
أما إذا ركع فقال بعضهم: يرمي ببصره إلى رؤوس قدميه؛ لأنه أبلغ في الذلة وقال بعضهم: إلى موضع السجود.
والأولى: الكف في هذا حتى يثبت الخبر، ويترك الناس على سعة ولا يحدد لهم شيءٌ معين؛ لأنه لا تحديد من الشرع.
فالسنة أنه إذا قام يرمي ببصره إلى موضع سجوده، لكن لو رمى ببصره إلى أمامه، إلا أن يكون في اضطرار كالخوف في صلاة الخوف، فلا بد أن يرمي ببصره أمامه، فالله عز وجل حينما قسّم طوائف المؤمنين في القتال في صلاة الخوف إنما شرع أن تكون الطائفة الثانية قائمة وراء الطائفة الأولى عندما تسجد من أجل مراقبة العدو، ففي هذه الحالة لا يكون من السنة الرمي بالبصر إلى السجود، وهذا من باب تقديم مصلحة فوات الأنفس على الخشوع المتعلق بالصلاة، فهذه من صورها ومن أمثلتها، وقد ثبت في حديث عباد بن بشر أنه لما صلى رمى ببصره إلى الشعب يحرسه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن اختلف العلماء: هل الأفضل أن يرمي المصلي إلى موضع سجوده أو ينظر أمامه؟ قال بعض العلماء: الأفضل أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، لما ذكرناه وقال بعضهم: الأفضل أن يرمي ببصره قِبَل وجهه، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:144] قالوا: فهذا يدل على أن وجهه يكون إلى جهة القبلة، وأنه لا يرمي ببصره أكثر.
وأكدوا هذا بما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو في الصحيح- أنه قال: (أميطي عنا قِرامَك، فإنه ما زالت تصاويره تُعرض عليَّ آنفاً حتى ألهتني عن صلاتي) قالوا: هذا يدل على أن القرام كان ستراً ولا يمكن أن يراه عليه الصلاة والسلام إلا إذا رفع بصره، فدل على أنه كان يرفع بصره.
والذي يظهر والله أعلم أن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع السجود، وأنه لا حرج أن يرفع بصره أحياناً؛ لأنه قد يدفع إنساناً ماراً أمامه، وقد يحتاج إلى شيءٍ من هذا القبيل، أما السنة فرمي البصر إلى موضع السجود.

ذكر دعاء الاستفتاح

قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك].
هذا دعاء الاستفتاح يقوله بعد أن يفرغ من التكبير، فيضع يمناه على يسراه ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ودعاء الاستفتاح مشروع، وهو قول الجماهير، خلافاً للإمام مالك رحمةُ الله عليه الذي لا يراه، والصحيح أنه سنة، وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بدعاء الاستفتاح أكثر من حديث.
منها حديث أبي هريرة في الصحيح، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في السنن، وكذلك أيضاً حديث قيام الليل في افتتاحه عليه الصلاة والسلام، وكذلك حديث علي رضي الله عنه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وكلها أحاديث صحيحة في دعاء الاستفتاح، فالسنة مشروعية دعاء الاستفتاح.
فبعد أن ذكر المصنف رحمه الله وضع اليمين على الشمال في الصلاة قال: (ثم يقول)، وذكر دعاء الاستفتاح، وقلنا: إنه مشروع على مذهب جمهور العلماء لثبوت الأحاديث الصحيحة به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال له أبو هريرة: (أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي) الحديث، فدل هذا على مشروعية دعاء الاستفتاح، والاستفتاح يأتي على ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يشتمل على التمجيد المحض.
الصورة الثانية: أن يشتمل على الدعاء المحض.
الصورة الثالثة: أن يجمع بين التمجيد والدعاء.
فاستفتاح النبي صلى الله عليه وسلم لصلاته الذي أقره وفعله عليه الصلاة والسلام أتى على هذه الثلاثة الأحوال، تارةً يعظم الله ويمجده ويسبحه ويقدسه، ومن ذلك ما ذكره المصنف من حديث عائشة رضي الله عنها في السنن: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، واستفتح به عمر رضي الله عنه، وجهر به ليعلم الناس، ومن الاستفتاح بالتعظيم ما أقره عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث الصحيح: (أن رجلاً دخل في الصلاة وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فلما سلّم عليه الصلاة والسلام، قال: من الذي قال كذا وكذا آنفاً؟ قال: أنا يا رسول الله.
قال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ اثنى عشر ملكاً يبتدرونها إلى السماء)، فتأمل هذه الألفاظ: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فكل كلمة يحملها ملك، وإذا نظرت إلى عددها وجدتها اثنتي عشرة كلمة، ولما قال رجل بعد التسمية: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها)، فإذا عددت حروفها وجدتها بضعاً وثلاثين، فهذا من المناسبات كما يقولون، وهو يدل على فضل ذكر الله عز وجل، وهذا من الألفاظ الواردة في الشريعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ الصحابي على هذا الذكر المخصوص، وقد ثبت في الحديث أنك إذا قلت: الحمد لله تملأ الميزان، وإذا قلت: سبحان الله والحمد لله ملأت ما بين السماء والأرض، فمن أنواع الذكر أن تستفتح بتمجيد الله عز وجل، أو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
أو تقول: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً)، أو يكون دعاءً محضاً كما في حديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، فهذا دعاء محض.
أو أن تجمع، وقد جمع عليه الصلاة والسلام بين الدعاء والثناء، وذلك في حديث علي الثابت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام فيه باستفتاحه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلكَ أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وأنا عبدك، ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، واعترفت بذنوبي، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير بيديك، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين التمجيد وبين الدعاء، وهو النوع الثالث من الاستفتاحات، وكلٌ على سنة.
قال العلماء: إن كان الوقت طويلاً كقيام الليل، وتريد أن تكسب فضل الذكر والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذه الدعاء الطويل، وكذلك صلاة الظهر تحتاج إلى الإطالة حتى تصيب السنة في إطالة الأوليين، فتقول الدعاء الطويل في الاستفتاح، وإن كان الوقت ضيقاً ولا يسع فلك أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك)، أو الدعاء المحض، أو (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً)، ونحوها مما يشتمل على التمجيد.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
حكم الشك في النية أثناء الصلاةالسؤالالجوابحكم قلب نية الفرض نفلاصور انتقال النيةالسؤالالجوابحكم استحضار الإمام نية الائتمام بالناسصيرورة المنفرد مؤتماً أو إماماًحكم المفارقة للمؤتم بلا عذرالجوابحكم صلاة المأموم إذا بطلت صلاة الإماممسألة إذا جاء الإمام الراتب وقد ائتم بالناس غيرهالأسئلةالتشريك في النية بين تحية المسجد وسنة الفجرالسؤالالجوابحكم من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعات متصلات ثم بدا له أن يفصلهنالسؤالالجوابحكم صلاة الفريضة بوضوء النافلةالسؤالالجوابحكم إمامة المتنفل بالمفترضالسؤالالجوابكيفية صلاة العراة إذا كانوا أكثر من صفالسؤالالجوابوقت صلاة الوتر عند جمع التقديمالسؤالالجوابطهارة وصلاة من ابتلي بسلس البولالسؤالالجوابحكم من نسي ركعة من الصلاةالسؤالالجوابحكم دخول الحمام بسبيكة على شكل الكعبةالسؤالالجوابباب صفة الصلاة [1]من آداب المشي إلى الصلاةاستحضار النيةذكر الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلمالمشي راجلاً دون أن يركبالمشي إلى المسجد بالسكينة والوقارذكر الدعاء المأثور عند دخول المسجدصلاة تحية المسجدصفة القيام إلى الصلاةسنية القيام عند (قدْ) من إقامتهاالجوابتسوية الصفوف وإقامتهاتكبيرة الإحرامرفع اليدين مضمومتي الأصابع وممدودة عند التكبيرلزوم إسماع الإمام من خلفه من المؤتمينأن يسمع المنفرد نفسه بالقراءة والتكبيرباب صفة الصلاة [2]ما يفعله المصلي حال قيامه في الصلاةوضع اليمين على الشمال ومحلهما حال القيام في الصلاةقبض كوع اليسرى تحت سرتهنظر المصلي إلى مكان سجودهذكر دعاء الاستفتاح
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل