شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 1-12
أهل الأثرالأرشيف العلمي

شرح زاد المستقنع -

باب قتال أهل البغي [2]

إن الناظر بنظرة فاحصة في أسباب الخروج على جماعة المسلمين وإمامهم يجد أن أعظم أسباب ذلك الخروج مرده إلى الهوى ومجانبة الكتاب والسنة، الأمر الذي يؤدي إلى احتقار المخالف، فيظهر ذلك أولاً بالشتم والنقد ثم بالخروج بالسلاح.
وقد ذكر الفقهاء الأحكام المتعلقة بذلك، واستنبطوها، وبينوا الأحوال المختلفة لهؤلاء الخارجين، وكيف يتعامل الإمام مع كل حالة.

الخروج عن جماعة المسلمين فتنة عظيمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف -رحمه الله تعالى-: [إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة].
فقد ذكر المصنف رحمه الله في هذه الجملة الضوابط التي يمكن أن يتوصل من خلالها إلى معرفة البغاة، وقد اختلفت تعاريف العلماء رحمهم الله، ولكن هذه الصفات التي ذكرها هي من أجمع الصفات في معرفة أهل البغي، وقد قسم

صفات الطائفة الباغية

العلماء رحمهم الله الطوائف في هذا الباب إلى طائفتين: طائفة عادلة، وطائفة باغية.
فأهل البغي ذكرهم المصنف أربعة صفات، هذه الصفات الأربع لا بد من توفرها للحكم بكونهم بغاة: الصفة الأولى: أن يخرجوا عن جماعة المسلمين وإمامهم، فيكون فيهم خروج على جماعة المسلمين وإمامهم.
الصفة الثانية: أن يكونوا جماعة.
الصفة الثالثة: أن تكون لهذه الجماعة شوكة ومنعة وقوة.
الصفة الرابعة: أن يكون لهم تأويل سائغ.
هذه الأربع الصفات لا بد من توفرها.
يقول رحمه الله: (إذا خرج قوم) الخروج على الأئمة وعلى جماعة المسلمين فتنة عظيمة، ولذلك اعتنى العلماء رحمهم الله بهذا الأمر حتى ذكروا في مسائل الاعتقاد، أن مذهب أهل السنة والجماعة أنه ينبغي لزوم جماعة المسلمين، وتلك هي وصية الله عز وجل في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ودرج عليها أئمة السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين، وجعل الله الخير للأمة في اتقاء الفتنة، والبعد عنها، ولزوم الجماعة ما أمكن.
ولذلك نجد في مباحث العقيدة هذا المبحث، ويعتني العلماء فيه بالتأصيل الشرعي للإمامة، ولزوم الجماعة، والسمع والطاعة، والضوابط المعتبرة في ذلك، وكلام الفقهاء في هذا الباب من الفقه إنما هو في باب الجنايات، بمعنى: في حكم من خرج، وليس في تأصيل وتقعيد هذا الأمر والكلام عليه، ولذلك يشير العلماء رحمهم الله فقط إلى أنه مذهب أهل السنة والجماعة من حيث الأصل.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أنه لو تغلب أحد على المسلمين بالشوكة والمنعة، وأصبح يحكم فيهم بالشرع فإنه تلزم طاعته، إذا انعقدت عليه جماعة المسلمين، ولا يشترط انعقاد الكافة عليه، بل المراد أن تنعقد كلمة أهل الحل والعقد والرأي، ولذلك جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر المسلمين كلهم في الستة الذين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ومن هنا قالوا: العبرة بأهل الحل والعقد، وأهل الصلاح كالعلماء والفضلاء، ومن يعرف برجاحة العقل وسداده، ونحو ذلك ممن لهم رأي، وحسن نظر، والناس تبع لأمثال هؤلاء.
فإذا انعقدت الكلمة من هؤلاء؛ فإنها تكون جماعة المسلمين، والمنبغي لزوم هذه الجماعة، وبين النبي صلى الله عيه وسلم أن على المسلم السمع والطاعة وإن تأمر عليه عبد حبشي؛ ولذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المثل، وقد كانت العرب فيهم العصبية والأنفة أن تقبل بمثل هذا الأمر، ولكنه أراد بذلك إرغام أنف المسلم لحكم الشرع.
والعجيب أنك لن تجد الأمة تسير على هذا الأصل إلا وجدت غياباً لكثير من الشرور، وإن وجدت شروراً في جماعة فإنك تجد أشر من ذلك أن يخرج الإنسان عن الجماعة، ومن هنا لم تأت هذه النصوص من فراغ، ومن تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة) يجد أمراً عجيباً، وعلى هذا كان مذهب أهل السنة والجماعة في لزوم هذا الأصل.

مظاهر الخروج عن جماعة المسلمين

يكون الخروج أول ما يكون بالرأي؛ ولذلك نجد نصوص الكتاب والسنة تأمر المسلم بعدم اتباع بالهوى، وعدم المبالغة في تخطئة الغيره، وعدم الدعوة للشذوذ، ومن تأمل أيضاً هدي السلف الصالح رحمهم الله وجد ذلك جلياً ظاهراً.
فيبدأ الخروج بالاحتقار، والكلام في الولاة والحكام، ثم في العلماء والفضلاء واتهامهم في الدين والرأي، حتى تنسل ثقة الناس من هؤلاء، وإذا نزعت الثقة من العلماء فإنه ينتظر الشر العظيم، والبلاء الوخيم، وهناك كلمات يقولها العلماء قد لا يلقي الإنسان لها بالاً، ولكنه إذا تأملها وعاش حقيقتها أدرك ما يعنيه العلماء وأهل العلم حينما يتقون الفتنة، ويحرصون على جمع الكلمة ما أمكن، وليس معنى ذلك أننا سنصل إلى حال يشابه ما كان في عصر الصحابة أو الخلفاء الراشدين، إنما الشريعة تمشي على الأغلب، وتراعي في المصالح الأغلب، ومن هنا تجد أن المصالح في اتباع هذه السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر من أن يجتهد الإنسان عليها، أو يحاول أن يخرج عنها باجتهاد أو برأي.
الخروج من حيث هو بالأصل لا يكون إلا بالرأي، وقد ضرب الله المثل للإنسان حتى في البهائم والحيوانات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:26] فالحكيم العاقل ينتبه للأمثال، والإنسان لو أراد أن ينظر إلى جماعة المسلمين ويشذ عن رأيهم فلينظر إلى بيته، حينما يرى أنه يقوم على مصالح أولاده ورعاية أسرته، ويسهر عليهم، وفي قرارة قلبه يتمنى أن يكون أفضل بيت، وأحسن بيت، ولكنه ببشريته وضعفه تنتابه الشهوات والملهيات، حتى لربما ضيع كثيراً من حقوق أولاده، وهو في دولة صغيرة وبيئة صغيرة، لا يستطيع أن يجد فيها عشر معشار ما يجده غيره ممن هو أعظم منه مسئولية، وأكثر منه أمانة.
ومن هنا: إذا أنصف الغير تمعن وتريث، ونظر إلى الأمور بأغلبها خيراً وأقلها شراً كما قرر هذا العلماء والأئمة رحمهم الله، فتجد الإنسان إذا أراد ابنه أن يشذ عنه، أو أن يتمرد عليه في بيته، أول ما يبدأ التمرد بالاحتقار، وأول ما يبدأ الابن إذا كان ابناً شاذاً عن بقية الأبناء أن يذكر مثالب أبيه، وأن يحاول أن يفسر كل خير ونصيحة، وكل ما يداوي به جراحه، وكل ما يحسن به إليه، يحملها على العكس والضد.
ومن هنا لا يزال الإنسان يتألم مما يرى ويسمع، وكل يوم هذا الابن يسل محبته ومودته وتقديره من آبائه ومن بقية الأسرة، حتى لربما أصبح البيت جحيماً لا يطاق.
فأول ما يبدأ الشر بالاحتقار، ولذلك تجد الأمور إذا قامت على حسن التقدير، وعدم الغلو في هذا التقدير، وعدم المبالغة في الإطراء والمدح، وأن يكون هناك نوع من التعقل، إلا في المواطن المحددة التي تجابه بضدها، فيقابل الإنسان بالضد من المدح والثناء، حتى يقطع دابر من هو ضده، أما في الشهادة فيشهد شهادة الحق، ويحاول قدر المستطاع أن يعذر وأن ينصف، وأن ينظر إلى غلبة الخير وغلبة المصالح، ووجود الشر في ضده.
فالخروج على الأئمة والجماعة يكون بالاحتقار، ويكون الاحتقار للعامة والخاصة، فيحتقر أئمة المسلمين، ثم بعد ذلك لربما استرسل به الشيطان -والعياذ بالله- إلى أن يحتقر العوام.
ومن نظر في أحوال الخارجين في القديم, وحتى في العصر الحديث، نجد أحدهم -في بعض البلدان الخارجية- ينتسب للإسلام ثم يكفر مجتمعه, ويرى أن هذا المجتمع كله كافر، وعندها لا يبالي أن يقتل الصغير أو الكبير أو المرأة أو الطفل، بل ويرى أن هذا حقاً، وأن هذا يطاع به الله عز وجل، ويتقى به الله عز وجل -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا كله كما أخبر الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:21] والشيطان له خطوات.
ومن هنا يبدأ بالاحتقار، ثم بالنقد؛ لأنه إذا بدأ الاحتقار في القلب تسلط اللسان، فبدأ بالنقد، ثم بعد النقد يبدأ يضخم هذه الأمور، ثم يصل إلى قاعدة أو أساس أن الأمر منكر، ثم هذا المنكر يوجد معه منكر آخر، ثم المنكر الثالث، حتى يصل إلى التكفير، ثم يتعدى بتكفيره إلى من رضي به ومن سكت عنه ومن مدح مدحة واحدة قد يلحق بهذا، والسبب في هذا كله الجهل بحكم الله عز وجل، وعدم الرضا بما أنزل الله، وقد يقال له: قد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء المسلم على السمع والطاعة، فيرد عليك قائلاً: أنت بهذه الأفكار وبهذه الرجعية تريدنا صماً بكماً.
فيتعالى على النص؛ لأن عقله لا يستطيع أن يتقبل مثل هذا؛ لأن عنده هوى متبعاً.
فيبدأ الخروج بالاحتقار والازدراء، وعدم المبالاة بجماعة المسلمين، وعدم المبالاة بعلمائهم، وعندها تزل القدم بعد ثبوتها، والله قد أعذر لهؤلاء، فنص الكتاب ونص السنة واضح، وجماعة المسملين أمامه وعلماؤهم أمامه، فمن احتقر هذا كله فلا يلومن إلا نفسه، وكل ما يأتي من تبعات، وكل ما ينجر إليه من ويلات وعواقب وخواتم، فلا يلومن في ذلك كله إلا نفسه، ولن يهلك على الله إلا هالك؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر المنكرات، ويذكر ما سيكون من الولاة من المساوئ والمثالب، ثم قال الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أغير الخلق على الحق، وأغير على هذه الأمة: (أفلا نناجزهم بالسيوف؟ قال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة) من يستطيع أن يجتهد مع هذا، هل يستطيع أحد أن يقدم على هذا أو يؤخر؟ فما على المسلم إلا التسليم.
لا يعني هذا التخاذل أو التواكل، بل يعني السمع والتسليم، وهل الإسلام إلا الاستسلام، فـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ويقول: (يا رسول الله! كيف نعطي الدنية في ديننا!) أي: بتلك الشروط القاسية على المسلمين، ثم هم محرمون يتحللون من إحرامهم، ويرجعون إلى ديارهم، ثم إذا أسلم أحد يرد إلى الكفار، وإذا ارتد مسلم فإنه لا يرد إلى المسلمين (أنعطي الدنية؟!).
إذا جئت تنظر إلى الظاهر وجدت الذلة والصغار في الظاهر، وأموراً لا يسلم بها العقل، لكن الشريعة تأتي لكي تحكم الإنسان بالسمع والطاعة، وتأمر بالاستسلام والتسليم الذي يأتي به الفرج والمخرج، ويظن البعض أنها أوهام وأحلام، ونحن نقول له: اتبع وسترى ما يسرك، وإن كان يظن الإنسان أنه سيجد خيراً في اجتهاده، فسيجد خيراً من ذلك الخير في اتباعه للكتاب والسنة، ولن يجد أعلم من الله بخلقه، ولا أحكم ولا أعدل من الله عز وجل في شرعه ونظامه! فلا يستدرك أحد على الله عز وجل، ولذلك تجد أعداء الإسلام يدخلون السموم على المسلمين في هذا، ويحاولون تشكيكهم، ويعتبرون أن هذا ذلة، ويعتبرون أن هذا نوع من الخور والغفلة والسذاجة، نعم؛ ذلة في مقام عزة، ومهانة في مقام كرامة، وعقل وإنصاف، وبعد نظر، ومن قرأ التاريخ يجد العبر، وكم من أشياء خرجت عن جماعة المسلمين تحت دعاوى، ثم لما تمكن أصحاب تلك الدعاوى رموا وراء ظهورهم ما كانوا يقولون.
هناك أمور لا يمكن للإنسان أن يدركها، فمادام أن هناك نصاً وشرعاً أمر أن يسلم به فليسلم به.
فالخروج لا يكون أول ما يكون إلا بالاحتقار، ولذلك يبلغ ببعض الناس في بعض الزمان أن يقول: لم يبق عالم أثق به.
وإذا قال هذه الكلمة؛ فليعلم أنه قد ضل ضلالاً مبيناً، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله) وقد زكى حملة هذا العلم، وانظر إلى نفسك حينما تريد أن تحفظ آية من كتاب الله لا تستطيع أن تحفظها، بعض السور قصيرة لا تستطيع أن تحفظها، لتدرك أن هذا الدين عطية من الله، وأنه مادام وأنه قد زكى هؤلاء العلماء فوالله إن العالم ليخاف، ولكنه يخاف على المسلمين لا على نفسه، وينصح للمسلمين لا لذاته، ولا يدخل في جعبته شيئاً، وإنما يعلم أنه إذا أصغت له الآذان، ووعت منه القلوب فإنه على شفير جهنم، وأنه إن أخذ بهم بالسلامة سلم له دينه، وإن أخذ بهم على منهج السلف الصالح ابتعد بهم عن هذه العواقب الوخيمة.
بين العلماء رحمهم الله أن الشذوذ لا يكون إلا بالاحتقار، ومن هنا تجد نصوص الشريعة كلها تذم شيئين، ولو نظرت في كثير من المصائب الموجودة اليوم وجدتها بسبب هذين الشيئين: الأول: في قرارة الإنسان وقلبه.
والثاني: في لسانه، في اللسان الذي يكب الناس في النار على وجوههم والعياذ بالله.
أما في القلب: فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) فما بالك إذا احتقر العلماء، واحتقار العلماء -في الخروج على الأئمة والخروج على الولاة والعلماء- لا يكون بأن يقول لك: أنا أحتقر فلاناً، ولكنه كما يكون بالمقال يكون بلسان الحال.
هناك نماذج، ونذكر في واقعنا ما يقوله البعض الآن عندما تقول له: الشيخ أو العالم فلان نصح بكذا، وإذا به يقول: والله ما يفقه الواقع! ولا بد من فقه الواقع! لكن ما هو فقه الواقع؟ فقه الواقع أن تعي ما تقول، والواقعة التي تتكلم فيها، وعندك فيها نص من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو تجتهد وعندك أمانة وورع وإخلاص، فقد فقهت في واقعك، أما فقه الواقع أن تكون بمثابة الشهادة والتزكية تُعطى لمن يوافق رأيي، وتنزع ممن لا يوافق رأيي، فبهذا نصير علماء للعلماء، ومعلمين للعلماء، وأعرف من العلماء بدين وشرع الله عز وجل! ولذلك ينبغي الحذر، فقد يكون هناك كلمة حق يراد بها باطل، وقد بينت النصوص أنه لا يهلك على الله إلا هالك، فعلى كل إنسان أن يحتاط من هذه اللمزات، وهذا الاحتقار؛ لأنه يؤدي بالإنسان إلى العواقب الوخيمة.

بداية خروج الخوارج على علي رضي الله عنه كان بالاحتقار

الخروج على الأئمة لا يكون إلا بالاحتقار، ومن نماذج ذلك في التاريخ: أن أول فتنة وقعت للخوارج حينما خرجوا على علي رضي الله عنه فاحتقروه، واحتقروا مكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتقروا مكانه من العلم والفقه، وقد أمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه بعثه إلى اليمن قاضياً ومعلماً، واستخلفه على المدينة صلوات الله وسلامه عليه وقال له:: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) فكان بهذه هي المنزلة العظيمة، وإذا بالخوارج يحتقرونه في ذلك، فخرجوا عليه رضي الله عنه وأرضاه، بالنقمة؛ نقموا عليه أنه قبل التحكيم، وقد بينا في المجلس الماضي كيف عتبوا عليه، وكيف أنه رضي الله عنه أقام عليهم الحجة.
فأصل الخروج لا يكون إلا بالاحتقار، ومن هنا أول ما قال ابن عباس رضي الله عنهما -وهذا موضع الشاهد- أنه قال لهم: ماذا تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه؟ ماذا تنقمون منه وهو أسبق للإسلام وأعرف بشرع الله عز وجل وبهدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهو يخاطب أناساً لو كان عندهم عقل وبصيرة، لرجعوا إلى أنفسهم، إذ كيف يحتقرون هذا الصحابي الجليل المبشر بالجنة والخليفة الراشد، ورموا بكل ذلك وراء ظهورهم، بل وصل الأمر إلى تكفيره رضي الله عنه وأرضاه.
ومن هنا أول ما يكون الخروج بالاحتقار، وما وجدنا أئمة السلف رحمهم الله يحرصون على شيء مثل احترام المسلم لأخيه المسلم، فضلاً عن العلماء وفضلاً عمن له حق وله فضل.

صفات البغاة المستحقين للقتال

يقول رحمه الله: (إذا خرج قوم) أي: تميزوا عن جماعة المسلمين بمكان يتجمعون فيه، أو يتحزبون فيه، كما حصل للخوارج حينما اجتمعوا بحروراء، وهذا شرط عند بعض العلماء رحمهم الله، ومنهم من أخذ بمطلق الخروج.
وقوله رحمه الله: (قوم) هذه العبارة تشير إلى أنه لا يكون الخروج من الأفراد، وأن خروج الأفراد لا يأخذ حكم خروج الجماعات، فلو أن شخصاً تبنى الخروج على جماعة المسلمين، ولم يكن له أتباع أو أفراد كالاثنين والثلاثة؛ فالصحيح: أنهم لا يأخذون حكم البغاة؛ وذلك لتعبير القرآن بالطائفة، والأصل في ذلك: عمل السلف الصالح رحمهم الله.
والشرط الثالث: أن يكون لهم شوكة ومنعة، أما إذا كانوا لا شوكة لهم ولا منعة، وانحصروا في مكان دون أذية للمسلمين، ودون تحريض للغير أن يخرج معهم بشق عصا الطاعة والشذوذ عن الجماعة؛ فإنهم لا يأخذون حكم الخوارج في قول جماهير السلف والخلف رحمهم الله، وإنما من حق الإمام أن يعاملهم بما يقطع شرهم وبلاءهم عن المسلمين: إما بعزلهم، وإما بمنع الناس من الاتصال بهم، أو نفيهم ونحو ذلك مما يرى فيه المصلحة.
والشرط الأول دليله إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال الخوارج بالخروج، وهذا يدل على أنهم لا يقاتلون، ولا يستباح منهم القتال إلا بخروجهم، ويتحقق الخروج بالاعتداء على حرمات المسلمين، ومن هنا استدل العلماء بأن علياً رضي الله عنه كما في الرواية الصحيحة عنه: ما قاتل الخوارج إلا لما قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت رحمه الله ورضي عن أبيه، فلما قتلوه آذنهم علي رضي الله عنه بالقتال، فقالوا: إنهم لا يقاتلون إلا بهذا الشرط.
وهناك من العلماء -وهو رأي صحيح وأميل إليه- من يقول: إنه لا يشترط أن يبدءوا بالقتال إذا غلب على الظن أنهم سيفعلونه؛ لأنه لو اشترط هذا الشرط فمعناه: أنهم لا يقاتلون إلا إذا فعلوا الضرر بالمسلمين، والواقع أنه إذا غلب على الظن أنهم أعدوا العدة يريدون التعرض أو الأذية بالمسلمين، فحينئذ يجوز قتالهم، وهذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله، وهو أنه لا يشترط وجود القتال منهم، وأنه إذا غلب على ظن الإمام أنهم سيخرجون، وأنه سيكون منهم الضرر؛ فمن حقه أن يبدأهم دفعاً للشر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بادر عدوه قبل أن يأتي إلى المدينة كما صح عنه في غزواته صلوات الله وسلامه عليه، وكان من شجاعته عليه الصلاة والسلام أنه لا يسمع بقوم يريدون غزوه إلا بادرهم.
وقوله رحمه الله: (بتأويل سائغ) هذا الشرط الرابع هو التأويل: أن تكون عندهم شبهة، وهذه الشبهة تكون في الرأي كما اشتبه الأمر على الخوارج، وتأولوا في قتال علي رضي الله عنه وأرضاه، فإذا تحققت هذه الأربعة الشروط فحينئذ يوصف هؤلاء بكونهم بغاة أو أهل بغي.

مشروعية مراسلة أهل البغي لإزالة الشبه ورفع المظالم عنهم ليرجعوا

قال المصنف رحمه الله: [وعليه أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه].
قوله: (وعليه) أي: يجب على الإمام أن يراسلهم، فيبعث إليهم أناساً من أهل العلم ومن أهل الصلاح، أو ممن يقبلون قوله ويناقشونه ويناظرونه، وقد يكون بعض العلماء أقدر على ردهم إلى الحق، والدليل على هذه المسألة فعل علي رضي الله عنه، فإنه بعث إلى الخوارج عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما فناظرهم، ورجع معه ألفان.
وانظر كيف أن الإسلام يحفظ الحقوق ويعالج الأمور بحكمة! فلا أكمل من شرع الله عز وجل، ولا أتم من هديه، فأرسل رضي الله عنه وأرضاه عبد الله بن عباس وناظرهم؛ لأنه قد يكون هناك أناس لبس عليهم، فكم من كلمات ظاهرها السلامة وباطنها الخطأ والخلل، ويغتر بعض المسلمين من الأخيار والصالحين بظاهرها من الخير؛ ولذلك لا يكشف عوارها، ولا يبين زيفها إلا من عنده علم وبصيرة، فحينئذ يوكل الأمر إلى العلماء أن يناقشوهم وأن يناظروهم ويقيموا عليهم الحجة، وقد نص عليه جماهير العلماء رحمهم الله: على أنه يجب على ولي الأمر أو الوالي أو الإمام أن يبعث إليهم من يقيم عليهم الحجة.
قوله: [فإن ذكروا مظلمة أزالها].
أي: فإن ذكر البغاة مظلمة، يعني أنهم خرجوا بسبب مظلمة؛ أزالها؛ وقد ذكر بعض العلماء أنه يجب على ولي الأمر أن ينصفهم إذا ذكروا مظلمة، ويكون معهم؛ لأنهم إذا كانوا مظلومين فالواجب عليه أن يزيل عنهم الظلم, وقد تكون في الناس عصبية، أو ضعف في الدين، فإذا حصل أقل الظلم بالغوا فخرجوا، وربما حصلت فتنة وشر، فمثل هؤلاء يبين لهم أن هذه المظلمة ستزال عنهم، ويرفع ما بهم من البلاء، ويكشف عنهم الظلم؛ لأن الله أمر بالعدل، وأوجب العدل على الحكام والولاة، ولا يجوز لهم أن يظلموا رعاياهم، ول أن يكونوا سبباً للخروج عليهم بهذه المظالم.
وقد يستطيل بعض العمال في عمالته، ويستغل عمله، فيظلم ويكره الناس في ولاتهم، فحينئذ يجب على الولاة أن ينصفوا المظلومين، وأن يردوا المظالم إلى أهلها، وألا يمنعهم من قبول الحق كونه أتى من هؤلاء، بل عليهم أن يقبلوا الحق، ويردوا المظالم إلى أهلها، وينصفوهم في ذلك؛ لأن الله أوجب عليهم ذلك، وما شرع الله عز وجل الإمامة إلا لهذا المقصد العظيم وهو: إقامة العدل، ومنع الظلم، وكف الظالم عن ظلمه، فإذا ذكر البغاة المظلمة فالواجب على الإمام أن ينصفهم فيها.
قوله: [وإن ادعوا شبهة كشفها].
بأن يخرجوا في مدينة، ويكون سبب خروجهم في هذه المدينة كون عامل المدينة ظالماً، وبعض الأحيان يكون في البوادي فيظلمهم السعاة والجباة، وأصحاب الضرائب؛ فعلى الولاة أن يزيلوا هذه المظالم كلها، وهذا واجب عليه لتزال هذه الشبهة.
قوله: [فإن فاءوا].
أي: رجعوا إلى جماعة المسلمين، كف عنهم، وقبل رجوعهم؛ ولذلك قبل علي رضي الله عنه الخوارج الذين تابوا ورجعوا وكانوا قرابة الألفين، ولم يعنف أحداً منهم ولم يلمه.
فإذا تبين الحق للمسلم ورجع إليه، فهذا يدل على خيره وفضله، والمسلم الحق هو الوقاف عند حدود الله، الذي إذا استبانت له المعالم، وتبين له أن الشرع يلزمه بجماعة المسلمين، وسمع من العلماء النصيحة والتوجيه وقبله بنفس مطمئنة ورجع، فهذا يدل على فضله، وأنه إنسان يريد الخير، فيُقبل منه ذلك ولا يحاسب ولا يقرع ولا يوبخ، بل يثبت على رجوعه ويعان على ذلك.

حكم مقاتلة الخوارج ابتداء بعد إقامة الحجة بمراسلتهم

قوله: (وإلا قاتلهم) أي: قاتلهم وجوباً، أي: يجب عليه قتالهم، وهذا قول جماهير السلف والخلف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:9] فأوجب الله القتال بالأمر، ولأن علياً رضي الله عنه قاتل الخوارج، وقد أجمع أئمة السلف رحمهم الله على مشروعية قتال من خرج على جماعة المسلمين، وأن على ولي الأمر أو الإمام إذا لم يرجعوا بعد أن تقام عليهم الحجة أن يقاتلهم، واختلف العلماء رحمهم الله في كيفية القتال على وجهين: فمن أهل العلم من يقول: يقاتلون تدريجياً، فيحاول بالأخف ثم بالأقوى منه، ثم بالأقوى منه، فإن رجعوا وإلا شد وطأته عليهم حتى يكسر شوكتهم، ويستأصل شأفتهم، ويقطع دابرهم عن المسلمين.
ومن أهل العلم من قال: يجوز أن يبتدئهم بالقوة والعنف.
المذهب الأول للشافعية والحنابلة: أعني أنه ينبغي التدرج، والمذهب الثاني: للحنفية والمالكية.
والحقيقة من حيث الأصول والأدلة: أن مذهب المالكية والحنفية أقوى دليلاً؛ لأنهم قالوا: إن الله أوجب القتال وقال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات:9] وهذا يستلزم القوة وأن يكون حكمه حكم القتال سواءً بسواء، فيُهجم عليهم ويقاتلون حتى بالمنجنيق، وبالرمي بالنار ما لم يكن فيهم نساء وأطفال، على تفصيل في هذه المسألة.
قالوا: لأن المراد من هذا قطع دابرهم، وفي هذا استئصال للشر، وأيضاً ردع للغير أن يسلك مسلكهم.
والمذهب الأول فيه احتياط، لكن من حيث الدليل فمذهب القائلين أنه يجوز له قتالهم مباشرة أقوى دليلاً، وقد قاتلهم علي رضي الله عنه، والقتال الذي فعله بهم رضي الله عنه كان كسائر القتال إلا في مسائل فيما يترتب على القتال، فإن أهل البغي ليس قتالهم كقتال الكفار كما هو معلوم، فلا يجهز على جريحهم إذا كان هناك جريح ينزف بل يداوى ويعالج.
وأيضاً ثبت عن علي رضي الله عنه في ابن ملجم لما طعنه أنه أمر أن يسقى وأن يضاف، ولم يأمر بقتله رضي الله عنه مباشرة، وأمر بالإحسان إليه، فإذا مُكن منهم فلا يعاملون معاملة غيرهم؛ ولذلك قال علي رضي الله عنه: (إخواننا بغوا علينا)، فالأصل في هذا أنهم يقاتلون دفعاً لشرهم، وما جاز للضرورة يقدر بقدرها، فقتالهم بقدر الضرورة وبقدر الحاجة ولا يزاد عليه، ولذلك قالوا: إنه لا تسترق نساؤهم، ولا يضرب عليهم الرق، ولا يجهز على جريحهم، ولهم أحكام خاصة تفصيلها في كتب الفروع، لكن من حيث أصل الحكم الشرعي: أنه يشرع له قتالهم وابتداؤهم بالقتال إذا غلب على ظنه وجود الشر منهم.
وبعض مشايخنا رحمة الله عليهم يختار التفصيل: وهو أنه يرد الأمر إلى نظر الإمام، فإذا رأى أن من المصلحة أن يبادرهم بالقتال بقوة بادرهم، وإن رأى أن المصلحة أن يبدأ بالتدرج معهم فلا بأس بذلك على حسب الظروف والأحوال، ويرى أن هذا أعدل القولين وأقربهما إلى الصواب.

قتال العصبية

قال المصنف رحمه الله: [وإن اقتتلت طائفتان بعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان].
بعد أن انتهى من أحكام البغاة شرع في مسألة قتال العصبية والحمية والثارات، كما يقع بين القبائل والجماعات، ويقع في العداوات والخصومات، وهذا لا يأخذ حكم قتال أهل البغي، ولذلك إذا وصفنا الفئة المقاتلة بأنهم بغاة، فهو أهون من أن يقال: إنه قتال عصبية؛ لأن أهل البغي يعاملون معاملة خاصة, ولهم أحكام خاصة، أما إذا كان قتال عصبية فالحكم مختلف، ففي قتال أهل البغي: لا يجب على أهل البغي ضمان ما أتلفوه، فلو وقع بينهم وبين جماعة المسلمين وإمامهم قتال فقتلوا وقُتل منهم لم يجب الضمان، لا على الفئة العادلة ولا على الفئة الباغية، وهذا في قول جماهير السلف والخلف.
وهناك رواية عند الشافعية وقول عند الحنابلة: أنهم يضمنون.
والصحيح: أن الفئة العادلة لا تضمن، والفئة الباغية لا تضمن، فلا يجب عليهما الضمان إذا كان هناك إتلاف أو قتل أثناء القتال، لكن في قتال العصبية وما يقع في الثارات والعداوات، فإنه يجب الضمان, ويعاقب الإمام الطائفتين، ويصلح بينهما بالعدل، لكن يؤاخذ الطائفة الباغية الظالمة أكثر، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن النداء بالشعارات والثارات أنه يورد الإنسان يوم القيامة النار.
وكان قد وقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من تلك العصبية بسبب ما أثار بينهم يهود من تذاكر قتلى يوم بعاث الت يوقعت بين الأوس والخزرج، حتى قال الأوسي: يا للأوس، وقال الخزرجي: يا للخزرج، وثارت بينهم الثائرة، حتى كادت أن تحصل مقتلة عظيمة بينهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:100] ولما تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآيات بكى الصحابة رضوان الله عليهم لما تبين لهم ما كانوا فيه من عظيم الخطأ والخلل.
فالعصبيات موردها وخيم وعاقبتها وخيمة، ومن قاتل تحت راية عمية حُشر في نار جهنم -والعياذ بالله- تحتها، وهي بعث النار، حتى لو كانت في الجهاد، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! الرجل يقاتل حمية -بمعنى أن الدافع له هو بلده ووطنه ومكانه وأهله وعشيرته- والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للمغنم؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فكل هذا خارج عن سبيل الله، وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يحذر من العصبيات والنعرات؛ فإنها تورد الإنسان الموارد، حتى إنه لربما استباح دماء المسلمين المحرمة.
وإذا اقتتلت طائفتان وكل منهما يتعصب لطائفة فإنها ليست آخذة حكم قتال أهل البغي، فإذا انتهى القتال؛ وجب على كل طائفة أن تضمن ما أفسدته، ووجب على كل طائفة أن تضمن ما أفسدته على الأخرى، وقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن هذا: (إذا التقى المسلمان بسيفيها؛ فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) وهذا كله يدل على خطر هذه النعرات والعصبيات.
فبين المصنف رحمه الله أن القتال على هذا الوجه لا يأخذ حكم قتال أهل البغي، فقال: [فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى].
(فهما ظالمتان): أي: لا يعتبر هذا من قتال أهل البغي، بل يجب على الإمام أن يوقفهما عند حدودهما، وتضمن كل طائفة ما أفسدته على الأخرى.
فلو حصل إتلاف للأموال وجب عليهما ضمان هذه الأموال التي أُتلفت، كما لو أحرقت منازل، أو مزارع، أو كسرت مصالح وأتلفت؛ فإنه يجب على المتلف أن يضمن، وما وقع من الدماء يجب ضمانه، فلو عرف القاتل بعينه فإنه يقتص منه؛ إعمالاً للنصوص الشرعية التي تقدمت معنا، وهكذا من أتلف المال إذا عرف بعينه وجب عليه الضمان، إذا أقر وجب عليه الضمان، وأما إذا كان لا يعرف فإنه يجب عليهم جميعاً أن يضمنوا ما أتلفوه.

الأسئلة

حكم المفاضلة بين العلماء

السؤال

هل يجوز لطلبة العلم أن يفاضلوا بين العلماء؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: هذا سؤال غريب عجيب! لكن إن شاء الله تؤجر على اختياره.
الحقيقة أن هذا أمر قد عمت به البلوى، فالمفاضلة بين العلماء وغير العلماء مسئولية، ومن قال: فلان أفضل من فلان؛ فقد زكاه، وتعتبر هذه شهادة، والله تعالى يقول: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:19] إذا كان الشخص يتكلم في المفاضلة: أولاً: عن علم.
ثانياً: عن حاجة.
ثالثاً: بإخلاص.
عن علم: بمعنى أن يعرف من هو العالم الذي فضله، بأن يكون قد درس عليه، قرأ عليه، ضبط العلم على يديه، ويعرف من هو العالم الآخر -المفضول- فيكون قد أدرك علم الرجلين.
ووجدت حاجة للتفضيل: لأنه من اللؤم ومن نسيان المعروف والخير: أن يأتي لعالم تتلمذ على يديه ثم يجد من هو أعلم منه ليقول: فلان أعلم من فلان دون وجود حاجة، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، يقول: فلان عالم وفلان عالم، ولعل فلاناً قد أعطاه الله علماً كثيراً، فلا تقل: فلان أفضل من فلان بدون حاجة، لكن إذا وجدت الحاجة فلا بأس، كأن يأتي رجل وقال: سأمكث في مكة أو المدينة سنة، وما عندي إلا هذه السنة، وأحتاج إلى أن أضبط العلم وأتقنه في علم الحديث، علم العقيدة، علم الفقه، فسألك قائلاً: دلني هل فلان أفضل أو فلان؟ هل أدرس على فلان أو فلان؟ فهنا وجدت حاجة.
وأن يكون بإخلاص، أي: مراده النصيحة للأمة، وليس مراده التحقير والانتقاص، فإذا وجدت هذه الثلاثة الضوابط فلا بأس.
أيضاً: إذا فضلت أحداً على أحد فينبغي ألا يتضمن الأسلوب التحقير للمفضول؛ لأن من النصيحة لأئمة المسلمين ومنهم علماؤهم: ألا يُنتقص قدرهم، فإذا قيل: إن فلاناً أعلم من فلان على طريقة فيها تهكم بالمفضول؛ فهذا ظلم له واستباحة لعرضه، وليحذر من غيبة العلماء ومن الغيبة عموماً.
ولا يلام أحد خاصة إذا كان بين طلاب العلم أن يكثر من تحذير الناس أو طلبة العلم من الوقيعة في أهل العلم، وخاصة في هذا الزمان، ولو أن كل مجلس يُستفتح ويُختم بقرع القلوب بقوارع التنزيل في الحذر من الوقوع في أولياء الله من أهل العلم من الأموات والأحياء والتفضيل بينهم، وانتقاصهم على سبيل الانتقاص والاحتقار، لكان حسناً، ولم يلم من قال ذلك.
وعلى كل حال إذا وجدت هذه الثلاثة الضوابط؛ فأرجو ألا يكون في ذلك بأس، أما أن يجلس شخصان أحدهما قرأ على شيخ، والآخر قرأ على شيخ لكي يفاضلان بين شيخيهما، فلا، أو يتناظر اثنان في مسألة فيقول أحدهما: رجحه الشيخ فلان، فيقول الآخر: رجحه الشيخ فلان، فيقول: فلان أعلم من فلان، فهذه أمور عواقبها وخيمة، وبالأخص إذا كانت في المجالس العامة، أو بين عامة الناس؛ لأن ضررها عظيم.
فينبغي على طلاب العلم ألا يفعلوا ذلك.
والله تعالى أعلم.

حكم تأخر الإمام عن المجيء إلى المسجد إلى وقت الإقامة

السؤال

هل السنة لإمام المسجد أن يأتي بعد الأذان مباشرة أو ينتظر في بيته إلى وقت الإقامة؟

الجواب

إذا كان بيته قريباً من المسجد مثل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل وقت الصلاة، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، يتأول السنة وحينئذ فلا بأس، وإذا كان بعيداً من المسجد، ولا يأمن زحمة الطريق، ولا يأمن التأخر عن الجماعة وإضرارهم فبكر فلا بأس بذلك ليحتاط للمسلمين.
وهنا مسألة ننبه عليها: وهي أن الأئمة والمؤذنين عليهم مسئولية عظيمة، ولذلك تحد الناس في كثير من المساجد تتألم من حال الإمام في عدم دخوله إلى الصلاة إلا متأخراً، ومتعجلاً في مبادرته بالخروج، والمنبغي تحري السنة.
فكون الإمام مثلاً يأتي قبل الأذان، ويتفقد أحوال مسجده، ويحس بالأمانة والمسئولية، ويجلس في المسجد ليقرأ القرآن، ويصلي، ويحيي في الناس الخير فذلك حسن.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل وقت الصلاة، لكنه كان يجلس في المسجد، وكان يعلم الناس في المسجد، ويحرص على الجلوس في المسجد، وكثير من الأحاديث رويت عنه في مجالسه في المسجد صلوات الله وسلامه عليه، وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وكنت رجلاً أصحب النبي صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، أشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا) فالأفضل للإمام أن يكون على حال وسمت يعطي الهيبة والمكانة للإمامة، وبالأخص المؤذنين أيضاً؛ لأن بعض المؤذنين يأتي متأخراً عن الأذان، وبعد أن ينتهي من الأذان يخرج من المسجد، وبعضهم يخرج ويجلس يتحدث مثلاً في مكان قريب من المسجد، وإن تيسر دخل بيته، وإن تيسر شرب القهوة في بيته حتى يأتي الوقت! ماذا نقول للناس؟! والله إنه شيء يؤذي جداً إذا لم يشعر المسلمون بعظم هذه الشعيرة العظيمة وهي الصلاة.
وهل هانت الأمة وذلت إلا لما هانت شعائرها، وحينما كان يصلي بالناس الأئمة والعلماء والفضلاء كانت الأمة في أوج عظمتها وعزها وكرامتها، وأما اليوم فيبلغ ببعض المساجد أن يحضر وقت الأذان -وقد رأيت ذلك مراراً وتكراراً- ويدخل الذي يكنس في الشارع لكي يؤذن الأذان؛ لأن المؤذن وصاه جزاه الله خيراً حتى لا يضيع الوقت، ولا تسأل عن اللحن، ولا تسأل عن الكلمات المحرفة، وقد يكون أذاناً باطلاً من اللحن الذي يحيل المعنى، وكل هذا ولا أحد يبالي! ونحن نريد عزة وكرامة للأمة، فإذا كان أعز شيء في دينها بعد العقيدة الصلاة، والأمة بهذا الحال إلى درجة أن الإنسان مؤذناً أو إماماً لا يبالي بمسئوليته وأمانته، فلما أصبحت هذه الشعائر ليس لها مكانة في القلوب ضاعت.
إذا كان بيت الإمام قريباً من المسجد فينبغي أن يدخل وقت الصلاة، والأفضل أن يكون له مجالس بين الفترة والفترة لأهل الحي ينصحهم ويوجههم ويسمع ما عندهم من أحوال، يجلس معهم ويؤانسهم ويباسطهم تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان بيته بعيداً فيأتي مبكراً ليحتاط للصلاة، انظر إلى إمام يؤذن الأذان وهو في المسجد! انظر إليه قارئاً لكتاب الله، وانظر إليه متأثراً بالقرآن الذي يقرؤه، أو قائماً يصلي ويذكر! وتخيل وأنت من صغرك في مسجد ترى إمام مسجدك بهذه الصفة: تالياً لكتاب الله، مبكراً للصلوات، محسناً ومتقناً فيها، محافظاً على كمالها وعلى أفضل الأحوال فيها، وقد لا يؤذن الأذان إلا وهو في المسجد، كيف يكون حالك؟ كيف يكون نظرك لهذه الإمامة وهذا الإمام؟ سيكون الحال أنه إذا أمرك أطعته، وإذا جاء على المنبر يقول: اتقوا الله سمعت له، وإذا نصحك رضيت نصيحته, وإذا أردت أن تستشيره في أمر تباركت بعد فضل الله عز وجل به، فكونه مستقيماً على خير؛ يجعل الله الخير على لسانه، فمثل هذا الإمام المبارك هو الذي يكون إماماً بحق، أما إذا كان بعيداً عن المسجد وقال: أنا أريد أن آتي على وقت الإقامة، فلا بأس، ما دام أنه يحفظ للناس وقت صلاتهم، المهم ألا يضيع على الناس وقت صلاتهم، هذا هو المطلوب.
والله تعالى أعلم.

حكم كراهية الذي أنعم الله عليه بالنعم

السؤال

كثيراً ما أجد في نفسي -إذا تذكرت نعمة معينة في أحد- كراهية وضيقاً وهماً، ثم أبادر إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، لأني لا أود أن يصاب في الحقيقة بأذى، لكن ما وجدته في نفسي هل هو حسد أعاقب عليه؟ وما هو العلاج؟

الجواب

هذا على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون حديث نفسٍ ليس له استقرار في القلب، فلا تلبث أن تراجع دينك وشرعك وتستغفر وتذكر الله، فهذا لا يضرك إن شاء الله، واستمر على هذه الطريقة: أن تبارك وأن تستغفر الله عز وجل وترجع إليه.
الصورة الثانية: أن يستقر ذلك في قرارة قلبك، وديدن نفسك، فهذا مرض، ولا شك أنه من الحسد وضعف الإيمان، أن الإنسان إذا رأى نعمة على أخيه المسلم؛ حصل له هذا البلاء العظيم.
والذي أوصيك به أولاً: الدعاء: أن تدعو الله عز وجل أن يرزقك قلباً سليماً.
وثانياً: أن تبحث عن الأسباب التي لأجلها ابتلاك الله عز وجل بهذا البلاء، فقد تكون ظلمت أحداً، أو آذيته، أو هضمته حقه؛ فابتلاك الله بفتن في قلبك، وهذه تسمى فتنة الحسد، وفتن القلوب كثيراً ما تأتي بسبب الذنوب؛ فقد يكون للإنسان ذنب فيسلط الله عز وجل عليه هذه الفتنة بسببه، فإن تاب تاب الله عليه، ورفع عنه أسباب البلاء؛ لأن الله جعل البلاء في الفتن دائماً بسبب ما يكسبه الإنسان من الظلم والأذية والتعدي لحدود الله، فأوصيك بالتوبة والاستغفار وكثرة الدعاء، وليس هناك حل إلا أن تسأل ربك أن يرفع عنك هذا البلاء، فليس له من دون الله كاشفة، فعول على ربك، وأكثر من الدعاء ولا تيأس ولو استمر معك هذا البلاء سنوات، ولعل الله بدعائك أن يجعل لك فرجاً ومخرجاً بعد توفيقه ورحمته بعباده.
والله تعالى أعلم.

حكم المسبوق بركعة من الرباعية وقد زاد الإمام ركعة خامسة سهوا

ً

السؤال

كنت مسبوقاً بركعة في الصلاة الرباعية، وكان قد سها الإمام وزاد في صلاته خامسة فماذا علي؟ هل أسلم معه؟ أم آتي بالركعة التي كنت مسبوقاً بها؟

الجواب

إذا سها الإمام وأنت في نفس المتابعة وتيقنت سهوه وأنه سيسجد بعد السلام فعليك أن تنتظر، ولا تقوم مباشرة، حتى يسلم فلا تسلم، وابق على ما أنت عليه؛ لأنك معذور بالسلام، فإذا سجد تابعته، فهو مأمور بالسلام للأصل الشرعي، وأنت غير مأمور به؛ لأنك مأمور بإتمام صلاتك، ولكنك مأمور بمتابعته، فقد سها ووقع السهو في حال متابعته، وحينئذ تنتظر إلى سلامه ثم تسجد.
هذا الوجه الأول عند العلماء رحمهم الله.
الوجه الثاني يقول: إنه يجوز لك أن تقوم، ثم إذا انتهيت من صلاتك سجدت قضاءً لهذه السجدة؛ لأنه لا يمكنك متابعة الإمام على هذا الوجه؛ لأنها سجدة بعدية، وصلاتك ليس فيها سجدتي السهو قبل الإتمام.
وكلا الوجهين صحيح.
والوجه الأول أقوى من حيث النص، والمتابعة أن تنتظر حتى يسلم، ثم بعد ذلك تسجد سجود السهو ثم تتم لنفسك.
والله تعالى أعلم.

حكم قراءة الآيات الأخر من سورة آل عمران عقيب النوم

السؤال

هل يستحب استفتاح اليوم بعد النوم بآخر الآيات من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:190] كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب

نعم؛ هذا من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بت عند خالتي ميمونة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فبت في عرض الوسادة، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله عليها، فلما كان هويٌ من الليل، قام فمسح النوم من عينيه، ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
[آل عمران:190] ثم قال: ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن) فيقرأها الإنسان ويتعظ بها.
والله تعالى أعلم.

تعطل أجر الوقف بتعطل منفعته

السؤال

ما حكم توقف الوقف كتعطل برادة الماء، أو من أوقف كتاباً ضاع أو تمزق؟ هل أجر هذا الشخص مستمر أم منقطع؟

الجواب

من حيث الأصل: الثواب على العمل، ومن حفر بئراً، أو أجرى نهراً، أو أوقف كتاباً، فمادام الخير موجوداً والناس منتفعة؛ فله أجره على قدر انتفاع الناس، ثم إذا تعطلت مصالح هذا الوقف؛ فالواجب على ناظر الوقف أن ينصح للميت، وأن يبذل الأسباب لإعادته حتى ولو ببيعه ونقله إلى مكان آخر، وهذا عن طريق القاضي، حيث ينظر إلى الأصلح ويأمر بذلك.
أما من حيث الثواب: فالثواب على حصول النفع عاماً كان أو خاصاً، فإذا أجرى نهراً وانقطع النهر؛ فالأجر موقوف على جريان النهر، فإذا انقطع النهر انقطع الأجر والثواب، فالأجر موقوف على وجود المنفعة للمسلمين ومصالحهم.
والله تعالى أعلم.

حكم ترك الهرولة في الطواف لمن كان معه نسوة

السؤال

من كان معه نسوة وكان في أثناء الطواف، هل يهرول في الأشواط الثلاثة؟ أم يسير مع النسوة سيراً طبيعياً؟

الجواب

النسوة لا يهرولن، قال عبد الله بن عمر، ويروى عن عمر: (ليس على النساء رمل لا في الطواف بالبيت، ولا في السعي بين الصفا والمروة) لأنها إذا رملت تكشفت، ومن هنا فالرمل خاص بالرجال دون النساء، وهذا مما خالف سبب شرعيته تطبيقه، فإن الأصل أن الهرولة بين الصفا والمروة للنساء؛ لأن هاجر -وهي أم إسماعيل- هرولت بين الصفا والمروة، وهذا مما ذكره العلماء في اختلاف السبب عن التشريع، ومن هنا قالوا: إنه لا يشترط المطابقة في المسائل.
فالحاصل أن النساء لا يهرولن، ومن كان مع نسوة فينبغي أن يتعاطى الأسباب في بعدهن عن الفتنة بأن يطفن في حاشية المطاف، وأن يطفن في وقت بعيد عن الفتنة ما أمكن، ويحرص قدر الإمكان على إبعادهن عن الزحام، ومن الأخطاء الموجودة أن البعض يدخل نساءه إلى داخل المطاف خاصة في الزحام، ثم يدفع ويؤذي الناس، وهذا لا يجوز، بل المنبغي أن يجعل النساء في أطراف المطاف، أو يختار وقتاً مناسباً لطوافهن.
أما لو كان معه نسوة ويخشى عليهن الضياع، فهذا يرخص له أن يهرول، وهو وجه ثان عند العلماء عندما يشتد الزحام فيهرول بقدر ما يستطيع، وهي ما يسمونها بهرولة الواقف على القول الثاني بأن الرمل هو هز المناكب وتقارب الخطى، على هذا الوجه يحتاط به، وإن شاء الله لا بأس عليه ولا حرج.
والله تعالى أعلم.

نصيحة للقائمين على المراكز الصيفية

السؤال

ابتدأت الإجازة؛ فما توجيهكم للقائمين على المراكز الصيفية؟

الجواب

لا شك أن الإخوة الذين يقومون على هذه المراكز من الإخوة الحريصين على الخير، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله، وعليهم مسئولية عظيمة في توجيه أبناء المسلمين, وحفظ أوقاتهم واستغلالها فيما يفيد، وعلى كل معلم وموجه أن يحرص على الأمور التي لا بد من توفرها لكي يكون توجيهه وتعليمه على السنن، فأساس الخير كله في الإخلاص لله عز وجل.
فعلى هؤلاء الموجهين القائمين على هذه المراكز الصيفية أولاًَ وقبل كل شيء أن يخلصوا لله سبحانه وتعالى، ومن أخلص لله بارك الله قوله، وبارك عمله، وأيده وأعانه ووفقه، ووضع له القبول وألهمه الرشد، وكل ذلك خير له في دينه ودنياه وآخرته.
الأمر الثاني: الحرص على أبناء المسلمين وعلى أوقاتهم، بمعنى النصيحة؛ فإن أبناء المسلمين أمانة في أعناقهم، فينبغي تحبيب الخير إلى قلوبهم، والحرص على وضع البرامج المفيدة والأنشطة النافعة التي يستغل فيها الوقت في طاعة ومحبة ومرضاة الله، فيخرج النشأ ويخرج الابن من هذه الإجازة حافظاً لشيء من كتاب الله، أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويُحرص على تذكيرهم بالحكم والفوائد وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وربط خلف هذه الأمة بسلفها، فقديم الإسلام جديد وجديده قديم، ولن يستقيم أمر هذه الأمة، ولن يصلح إلا بما صلح عليه أولها، وهي الأمة المرحومة باتباع نبيها صلوات الله وسلامه عليه، والأمة المهتدية باقتفاء أثره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فيحرص هؤلاء الأساتذة الفضلاء على ذلك، وليعلموا علم اليقين أنه ليس لهم من هذا الذي يعملونه ويقضونه من الأوقات إلا ما أرادوا به وجه الله وأصابوا به الحق والصواب.
الوصية الثالثة: الصبر؛ فإن توجيه الناس يحتاج إلى صبر، والصبر في جوانب: الجانب الأول: الصبر على إسداء الخير للغير، فإن هذا يحتم على هؤلاء القائمين أن يبذلوا أوقاتهم وأن يضحوا بكثير من مصالحهم ابتغاء النجاح في توجيه أبناء المسلمين وتعليمهم، ولا شك أن الله مطلع على ذلك كله، فهم إذا استشعروا مراقبة الله لهم، وأبدى كل واحد منهم من نفسه أن يري الله خيراً، وأن يكون بأحسن الأحوال وأفضلها، وطمع من ربه أن يكون على أحسن ما يكون عليه الموجه؛ فهذا لا يكون إلا بتوفيق الله ثم بالصبر، الصبر على هذا التعليم واحتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، واستشعار المثوبة منه جل وعلا.
الجانب الثاني: الصبر أثناء التعليم، فإن توجيه أبناء المسلمين والتعليم عموماً يحتاج إلى صبر، لأنه يأتي الجاهل بجهله، والسفيه بسفهه، والطائش بطيشه، والضال بضلالته، فينبغي أن تكون هناك نفس طيبة زاكية كريمة سامية عالية، ترجو رحمة الله عز وجل وتمتص هذه الأخطاء والشرور، ولن تستطيع أن تكون بهذه المثابة ولا بهذه المنزلة إلا إذا تذكرت رسول الهدى صلى الله عليه وسلم في صبره وتحمله لكثير من المشاق والمتاعب، فهذا يقوي هذه النفوس الأبية الصالحة على الخير.
الجانب الثالث: الصبر على الأذى؛ فإنه ربما يأتي من يشكك ومن يهول ومن يخذل ومن يتهم، وعلى كل موجه ومرب أن يعلم أن الكمال لله عز وجل، وأن الرسل وأتباع الرسل، وكل من قام بهذا الدين لا بد أن يمتحن ويبتلى فيه، ومن كان أصدق في إيمانه، وأصدق في إخلاصه، وأبلغ في الصواب فامتحانه أشد؛ ولذلك ربما يربي أحد أبنائه في هذه المراكز ثم يفاجأ به بعد فترة وإذا به قد انقلب عليه، وهذه نوعيات شاذة، لكن إذا لم يكن عنده صبر فقد يضيع أجره بكثرة غيبته وكلامه وحنقه عليه، ولكن بصبره وتحمله وتذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، وكيف مرت عليهم الشدائد، وأن هذه الأمة أمة مبتلاة ولكنها مرحومة بإذن الله عز وجل، فالعاقبة للمربي بإذن الله إذا صبر ولم يبال، ولم يعرف العجز ولا الخور ولا التواني، بل عزيمته صادقة، ونفسه قوية؛ لأنه يعلم أنه على صواب وحق، ومتى ما علمت أنك على الحق؛ فلا تبالِ بمن اتبع ولا بمن رجع، فعليك أن تستبين الصواب وأن تعمل به، وتصبر على ما يأتيك من التهم ومن التخذيل والتشكيك ونحو ذلك.
ولا مانع من الأخذ ببعض المباحات التي دلت النصوص على جوازها، ولكن ينبغي استغلال الوقت في الأهم في طاعة الله ومرضاته.
والنقطة الأخيرة: نوصي الإخوان من طلبة العلم أن يشدوا من أزر هؤلاء، وأن يشيدوا بفضائلهم وأن ينصفوهم وأن يعلموهم إذا كان عندهم خطأ أو خلل، وأن يبينوا لهم الصواب، وينبغي معونتهم على ما هم فيه من توجيه أبناء المسلمين.
إن الفتن قد عظمت، والمحن قد جلّت وأحاطت بأبناء المسلمين من كل حدب وصوب، وإذا رأيت أحداً يتلقف أو يأخذ ابناً من أبناء المسلمين للحظات في طاعة الله، فاعلم أنه قد أحسن ولم يسئ، كأن يجعله على طريق خير أو حلقة ذكر؛ لأن أبناء المسلمين اليوم إذا لم يأخذهم الأخيار أخذهم الأشرار، ولربما ترى الابن في عز شبابه وزهرة أيامه فيتلقفه ذو شر إلى مجلس مخدرات يدمر به حياته، وذلك بمجلس واحد، ولربما تزل قدمه في الفواحش والمنكرات والمحرمات بجلسة واحدة.
فعلى كل إنسان عاقل وكل إنسان يخاف الله ويتقيه أن ينظر إلى واقع أبناء المسلمين ويتألم ويشفق عليهم مما يرى من المغريات والملهيات، ومما يرى من الكلاليب التي تتخطفهم إلى المصائب والشهوات، فإذا وجد من يدعوهم إلى الخير، أو وجد المراكز الصيفية تحرص على قضاء أوقاتهم في الخير؛ كمل نقصها، وسدد خطاها، وصوب خطأها، وحرص على أن يعين إخوانه على هذه الرسالة، ومثل هؤلاء الأساتذة الفضلاء لا شك أنهم على ثغر عظيم، ونحن والله نقدر ما يكون منهم لأبناء المسلمين.
نسأل الله بعزته وجلاله أن يمدهم بعونه وتوفيقه، وأن ييسر لهم الأمر، وأن يشرح لهم الصدر، وأن يجزيهم عن أبناء المسلمين بأحسن الجزاء، وأن يكثر من أمثالهم على الصواب والحق والهدى، وأن يلهمنا وإياهم الرشد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تعالى أعلم.

حكم قراءة القرآن من المصحف في قيام الليل

السؤال

إذا كان الإنسان ليس حافظاً للقرآن؛ فهل يجوز له أن يقوم الليل وهو يقرأ من المصحف مباشرة؟

الجواب

لا بأس بذلك ولا حرج، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله أنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يقوم بها الليل بالمصحف، وجماهير العلماء على جواز ذلك وعلى مشروعية أن يحمل المصحف ويقرأ منه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شرح زاد المستقنع -

باب حكم المرتد [1]

الإسلام دين رحمة للعالمين، من دخل فيه فقد فاز، ومن خرج منه فهو مفسد في الأرض يستحق العقوبة، وللردة أحكام بينها أهل العلم، وقسموا خلالها الردة إلى ما تقبل التوبة منه في الشرع وما لا تقبل.

أدلة تحريم الردة من الكتاب والسنة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد ذكر الإمام المصنف رحمه الله هذا الباب، وترجم له بقوله: (باب حكم المرتد) وهذا الباب يتعلق بعقوبة جناية من الجنايات، وهي راجعة إلى أصل الدين، وهي أعظم جناية وأعظم حدٍ ينتهكه العبد فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى، ومناسبة هذا الباب لما قبله واضحة ظاهرة، فإنه بعد أن بين حكم الخروج عن جماعة المسلمين شرع في بيان حكم الخروج عن الإسلام والدين.
وهنا يعتني الفقهاء رحمهم الله ببيان عقوبة المرتد، ومتى يحكم بردة الإنسان وما يسميه أهل العلم بالموجبات وبنواقض الإسلام، ثم ما الذي يترتب على ذلك من عقوبة، ثم يبحثون في توبة المرتد.
فهذه ثلاثة عناصر يبحثها العلماء والأئمة رحمهم الله في باب الردة، ويعتنون بالجانب الفقهي العملي، وإن كان تفصيل المسائل ومباحثها يعتني به أئمة الإسلام رحمهم الله في كتب الاعتقاد.
وقوله رحمه الله: (باب حكم المرتد) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالردة، فهي عقوبة شرعية يستباح بها دم الإنسان وماله، ولذلك تزول عنه عصمة الإسلام، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث -وذكر منها- التارك لدينه المفارق للجماعة) فهذا هو المرتد.
والأصل أن الردة محرمة بإجماع العلماء رحمهم الله، وهي الذنب الأعظم، والخلل الذي ليس بعده خلل، ولذلك قال العلماء: ليس بعد الكفر ذنب، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:217] فحرم الله الردة، وأخبر أن صاحبها قد حبط عمله في الدنيا والآخرة، وأنه قد خسر خسارة لا ربح وراءها أبداً، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:15] فهذا الخسران الذي ليس بعده خسارة.
وكذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بين حكم المرتد، وأنه مباح الدم كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فبين حرمة الردة، وأنها موجبة لزوال العصمة عن الإنسان.
وأجمع العلماء رحمهم الله على حرمة الردة عن الدين، والنصوص في الكتاب والسنة في هذا المعنى كثيرة، ولكن أردنا أن نشير إلى هذا الأصل، حيث قال العلماء إنه قد اتفقت عليه نصوص الكتاب والسنة والإجماع.
ومدار بحث المصنف رحمه الله في ثلاثة جوانب: الجانب الأول: في حقيقة الردة وبم تكون؟ وهذا ما يسمى بموجبات الردة، وأسباب الردة، ويعبر العلماء عنه بقولهم: نواقض الإسلام.
والجانب الثاني: عقوبة المرتد، وهذا هو الذي يركز عليه الفقهاء رحمهم الله، وأما في مسائل الاعتقاد فيركز العلماء المعنيون بها على بيان أسباب الردة على سبيل التفصيل والبيان الواضح، وقد اعتنى أئمة الإسلام رحمهم الله قديماً وحديثاً بهذا الباب العظيم، ومن أنفس من كتب في ذلك من العلماء المتقدمين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى، حيث بين نواقض الإسلام، ونواقض العقيدة، وكذلك أيضاً اعتنى به أئمة الإسلام رحمهم الله في كتب الاعتقاد ومباحثها، حتى جاء شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله برحمته الواسعة، وكان في عصره قد تفشى في الناس الكفر والشرك؛ حتى أصبح البعض ينسب الأمور المحرمة إلى الدين والشرع، وهو منها براء، فأصبح الناس يتخذون القبور والمشاهد والأولياء يطوفون بها، ويصرفون حقوق الله عز وجل إلى أصحابها، ومن دخل تلك الأماكن فنظر أو سمع أو شاهد أحوال أهلها بكى على الإسلام بكاءً من صميم قلبه، وأحس بغربة الإسلام الحقيقية، حتى إنه ليسمع الرجل ويسمع المرأة تضفي على صاحب القبر من التقديس والمهابة والإجلال والصفات ما لا يجوز صرفه إلا لله وحده لا شريك له.
كما يصرف لتلك القبور ولأصحابها من السجود والطواف والذبح والنذر ما تشيب منه الرءوس، ومن هنا سلط الله على المسلمين الذلة، وأصبحوا بحالٍ -كما يشاهد الإنسان- يرثى له بسبب انهدام أصل الدين، ووجود هذه النواقض التي تضاد شرع الله عز وجل، وما أنزل الله كتبه ولا أرسل رسله إلا لكي يكون الناس عباداً لله لا عباداً لخلقه، وتكلم رحمه الله في كتبه عن نواقض الإسلام، وجاء العلماء من بعد ذلك فشرحوا وفصلوا ذلك وبينوه، وسيبين المصنف رحمه الله جملة من هذه النواقض، وهل للمرتد من توبة على اختلاف أنواع الردة؟ كل هذا ما سيفسره وسيبينه رحمه الله في هذا الموضع.
فاعتنى في الباب الأول بالجزئيتين الأوليين: بيان حقيقة الردة وعقوبة المرتد، وذكر في الجزئية الثانية: ماذا ينبغي أن يفعل بالمرتد من تمام العقوبة، وهل للمرتد من توبة، أو ليست له توبة.

تعريف الردة لغة واصطلاحا

ً قال رحمه الله تعالى: [وهو الذي يكفر بعد إسلامه] قوله: (وهو) الضمير عائد إلى المرتد، والردة مأخوذة من الرجوع في لسان العرب، ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أن الردة في اللغة هي الرجوع، فمصادر اللغة كلها متفقة على أن مادة الردة راجعة إلى مادة الرجوع عن الشيء.
وأما في الاصطلاح: فاختلفت عبارات العلماء رحمهم الله في حقيقة الردة والمرتد: فبعض العلماء يقول: الردة هي الرجوع عن الإيمان كما يعبر فقهاء الحنفية رحمهم الله.
وبعضهم يقول: كفر المسلم، كما عبر به طائفة من العلماء ومنهم فقهاء المالكية.
وبعضهم يقول: قطع الإسلام، كما يعبر فقهاء الشافعية.
وبعضهم يجمع بينها كما اختاره الإمام ابن قدامة رحمه الله فقال: المرتد هو الراجع عن الإسلام إلى الكفر، فجمع بين الاثنين، والمعنى واحد.
ومن هنا نجد التعاريف الاصطلاحية تختلف ألفاظها وتتفق معانيها، فكلهم اتفقوا على وصف الردة بكونها رجوعاً عن الإسلام، وهذا هو ظاهر القرآن: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة:217] فظاهره أنه يرجع بعد إسلامه إلى الكفر، نعوذ بالله العظيم من ذلك، ونعوذ بوجه الله العظيم أن يسلب الإسلام منا بعد أن وضعه في قلوبنا، ونسأله أن يزيدنا ولا ينقصنا منه.
فتعريف المرتد بأنه: هو الراجع عن الإسلام، أو الراجع عن الإيمان، أو الرجوع عن الإيمان، أو كفر المسلم؛ المعنى كله واحد، وهذا الرجوع له أسباب ودلائل وأمارات وعلامات، منها ما يرجع إلى الاعتقاد، ومنها ما يرجع إلى الأقوال، ومنها ما يرجع إلى الأعمال، وتكون هذه الاعتقادات والكلمات والأعمال موجبة للحكم بكفر صاحبها.

صور ومظاهر الردة

المظهر الأول: الشرك بالله

قال رحمه الله: [فمن أشرك بالله].
الفاء للتفريع، والشرك أصله مأخوذ من قولهم: شرك الشيء بالشيء إذا جمعه وخلطه به، فالشِرك والشُرك والشَرك مثلثة هي الخلطة، والأصل أن تكون فيما فيه الاختصاص، فيجمع بين من اختص بالشيء وبين غيره، فحينئذٍ يكون قد شرّك أو شرك به غيره.
والمشرك من جعل لله نداً، سواء كان ذلك في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، فالذي يعتقد أن هناك خالقاً مع الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فهو يقول: الله خالق، ولكن أيضاً الطبيعة تخلق مع الله.
فهذا جعل مع الله نداً، وهذا شرك في الربوبية، وهكذا إذا اعتقد أن هناك من يرزق، وأن هناك من يصور المخلوقات ويوجدها، ويقدر الأشياء، فإن هذا كله شركٌ في الربوبية.
وإذا أشرك مع الله غيره في ربوبيته أشرك مع الله غيره في ألوهيته، فاستغاث بغير الله، واستجار بغير الله، واعتقد أن هناك من يصرف الكون مع الله، وأنه ينبغي الرجوع إليه والاستغاثة به، والتقرب إليه -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- كما يفعل البعض ممن يعتقد أن للجن نفوذاً وتصرفاً في الكون، ولذلك يستغيثون بهم ويستجيرون بهم ويذبحون لهم، نسأل الله السلامة والعافية.
والله تعالى يقول عن خلقه الضعيف -الجن- الذين يعظمونهم ويذبحون لهم: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا﴾ [الجن:5] أي: أيقنا، وهنا استعمال الظن بمعنى اليقين والحكاية هنا عن عظماء الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن:12] فلا يستطيع أحد أن يخرج عن قهر الله سبحانه وتعالى؟! فالجن خلق الله ولا يجوز اعتقاد أن هؤلاء الجن يدبرون ويتصرفون.
ويستوي في شرك الألوهية دعاء الجن أو دعاء رجل صالح أو طالح في قبره، أو دعاء وثن أو الاستغاثة به مع الله، نسأل الله السلامة والعافية.
النوع الثالث: أن يكون شركاً في الأسماء والصفات، فيجعل صفات الله عز وجل لغيره، فيصرفها لغير الله عز وجل أو يثبتها لمخلوق مع الله عز وجل، كمن يعتقد في بعض الناس أنه يعلم الغيب ويعلم ما سيكون، كما وقع في أئمة طوائف الضلال حين عظموا أئمتهم، واعتقدوا أنهم يعلمون ما يكون ويحدث في الكون، والله عز وجل أخبر في كتابه ونص على أنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:65] فعلم الغيب هذا مما استأثر الله به، وهو سبحانه موصوف بأنه عالم الغيب والشهادة، جل جلاله وتقدست أسماؤه، فإذا اعتقد أن الشيخ أو أن الولي الفلاني يعلم ما يكون وما يحدث؛ فإنه قد صرف ما لله لغير الله.
قوله: (فمن أشرك) أي: بناقض من نواقض الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:72] وهي الموجبة الكبرى التي توجب لصاحبها الخلود في النار، وحلول غضب الله عز وجل عليه أبد الآبدين.
ويستوي في ذلك أن يجعل لله نداً من الصالحين أو غيرهم؛ كقوم نوح الذين جعلوا أنداداً مع الله عز وجل، من ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فقد كانوا قوماً صالحين، فجاء الشيطان قومهم وقال لهم لما ماتوا: إنهم كانوا قوماً صالحين، فلو أنكم صورتم صورهم وفعلتم لهم تماثيل تذكركم عبادتهم وصلاحهم واستقامتهم، فتجتهدون إذا رأيتموهم، ففعلوا ذلك، فاجتهد الجيل الأول في العبادة، فلما انقرضوا خلف من بعدهم خلوف، فقال لهم الشيطان: إنه لم يصور آباؤكم هؤلاء إلا ليعبدوهم، فعبدوهم، فوقع الشرك -والعياذ بالله- مع أنهم قومٌ صالحون.
وقد قال الله تعالى عمن يشرك الصالحين مع الله عز وجل من الأنبياء وغيرهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:57] أي: هؤلاء الذين تدعونهم كعيسى حين تعبده النصارى مع الله عز وجل، وتعتقد أنه ثالث ثلاثة، وأنه ابن الله وأنه هو الله، وهو أصلاً يدعو ربه، ويستغيث بالله عز وجل، ويسأل الله سبحانه وتعالى، فعتب الله عليهم أن صرفوا حقه لهؤلاء الصالحين.
فالشاهد أنه إذا صرف العبد حق الله عز وجل لغيره فقد أشرك، سواء كان الغير وثناً لصالح أو لطالح، كل ذلك يوجب الحكم بردته وخروجه عن الإسلام.

المظهر الثاني: جحد الربوبية والوحدانية لله تعالى

قال المصنف رحمه الله: [أو جحد ربوبيته أو وحدانيته] فلو قال: إن الله ليس برب.
وهذا ما يعتقده الدهريون وأهل الطبيعة الذين يقولون: لا يوجد رب لهذا الوجود! والحياة أوجدت نفسها، والطبيعة هي التي أجرت الأنهار والرياح، وهي التي أخرجت الثمار، وهي التي والتي فكل شيء للطبيعة، حتى إنك تجد من بعض المسلمين من يقول: من خيرات الطبيعة! أي طبيعة يزعمون؟ أفٍ لهم ولما يدعون.
وصدق الله حيث قال: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:67] يخلقه ربه ويطعمه ويسقيه، ثم يزعم أنه لا رب ولا خالق لهذا الوجود، فهؤلاء لا يريدون أن ينسبوا المخلوقات لخالقها سبحانه، والله يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:3]؟

الجواب

لا، فلا خالق إلا هو سبحانه، وهم يقولون: الطبيعة.
بل انظر كيف ينزل ذلك الكفور إلى مستوى الحضيض، حيث يكرمه ربه فيهين نفسه، ويرفعه ربه فيضع نفسه، فالله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:70] ويأتيك بالحق على أجمل وأجل وأكمل ما يكون من إتيان، فيبين لك أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد لله ملائكته، فكرمه وشرفه وفضله فيقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:70] ثم يأتي الشقي التعيس المنكوس ويقول: إن الإنسان أصله قرد! أي حضيض وصل إليه؟ ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:67]، ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:72] هذه الجاهلية وهذا الهبوط من الكفران.
ثم بين الله سبحانه وتعالى في نصوص الكتاب أنه خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وأنه قسم أرزاقهم فلم ينس منهم أحداً، وأنه تولى أمورهم فرداً فرداً، جل جلاله وتقسدت أسماؤه، فإذا بهم يشرِّكون بين المخلوق والخالق، وإذا بهم يصرفون أبناء المسلمين عن هذه الفطرة إلى الكفر بأساليب شتى، وألاعيب مكذوبة وأغاليط لا تنطلي إلا على السذج، وأهواء وترهات لا تعقل، حتى إن الأرزاق التي وضعها الله عز وجل وسخرها لعباده ولإمائه ولخلقه في هذا الكون كان الأصل أن تصرفهم إلى الاعتقاد بالله، لا للاعتقاد بغير الله، وإليكم مثال بسيط على ما سبق: يقولون وهم يتحدثون عن تاريخ البترول: إنه منذ ألف مليون سنة كان هناك حيوان يقال له: الديناصور -معروف طبعاً أن الديناصور انقرض- ثم توالت عليه أطباق الأرض فمات، وبفعل الحرارة ثم بفعل الضغط.
إلخ فانظر ما عندهم من قياسات، وبالإمكان أن يعطوك عدد الأطباق التي نزل إليها هذا الديناصور حتى أصبح بترولاً.
إن الإنسان إذا جاء يكذب يأتي بشيء يستساغ كما يقولون، فالديناصور من ذكائه ما وجد مكاناً يموت فيه إلا في الخليج، أو في عرض البحر، هم يقولون كل شيء إلا أن يقال: إن الله خالق كل شيء، ويجوز عندهم كل شيء إلا أن يصرف حق الله لله وحده لا شريك له، هذا حتى يعلم الإنسان مدى تمرد الكافر على ربه والعياذ بالله! وانظر إلى التشريف والتكريم الذي يكرم الله عز وجل به بني آدم، وانظر كيف ينصرف المخلوق عن خالقه، يعمل مع الشياطين ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:71] فهو في الحيرة والضلال والحضيض؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:18] فكل من كفر بالله، وجحد ربوبية الله عز وجل، أو جحد حقاً من حقوق الله عز وجل ليذيقنه الله الذلة والصغار، حياً وميتاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يأذن أن يصرف حقه عنه جل جلاله.
فهم يقولون: لا يوجد خالق! -والعياذ بالله- وكل شيء يلقن إلى أبناء المسلمين على أن الأشياء كلها طبيعة، وأنه ليس هناك إله، ومن هنا جاءت العناية في دعوة هؤلاء، والعناية بنصوص الكتاب والسنة، ومن أعظمها نصوص الآيات الجميلة الجليلة البديعة -وكل آيات الله جميلة جليلة بديعة- التي أخذت بمجامع القلوب في القرآن، فلفتت نظر الإنسان إلى السماء فوقه، وإلى الأرض تحته، وإلى الأشجار والثمار والأنهار والرياح المرسلة التي تسبح بحمد ربها، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، تسبح بحمد ربها وتقدس له جل جلاله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء:44].
فمن جحد ربوبيته يقول: ليس هناك خالق، ولا رازق، وينفي عن الله عز وجل أنه يخلق الخلق، أو يرزقهم، فإذا جحد بالربوبية كفر بالله عز وجل، وحكم بردته.

المظهر الثالث: سب الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم

قال المصنف رحمه الله: [أو سب الله أو رسوله] السب: الانتقاص والاستخفاف، وقد تكلم العلماء في ضابط السب، وأشار إليه القاضي عياض رحمه الله في الشفا عند حكم سب النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء، وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول؛ لكن من أجمع ما ذكروه أن السب هو الانتقاص والاستخفاف، فمن انتقص إنساناً، أو استخف به؛ فقد سبه، وهذا هو ضابط السب، الذي به يحكم أن الكلام يعتبر سباً أو لا يعتبر.
وسب الله عز وجل جريمة وجرأة عظيمة على حدود الله عز وجل، وما أحلم الله سبحانه وتعالى، وعزة ربي لو أذن الله للأرض أن تفتك بهذا الكافر الفاجر الظالم الذي يسب ربه ما أبقت منه شيئاً، لخسفت به ولتزلزل فيها، ولو أذن سبحانه للسماء لأرسلت عليه قاصفة، فأخذت عمره، وأخرست لسانه، ولكن الله حليم، ولذلك على المؤمن إذا سبه أو آذاه أو انتقصه الناس، أن يتعزى بصفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين، الذين نالهم من ذلك الشيء الكثير.
فموسى عليه السلام اشتكى إلى ربه حين تكلم الناس فيه، فقال الله: يا موسى! إني أنا ربهم، أطعمهم وأرزقهم، ثم يدعون أن لي صاحبة وأن لي ولداً.
فهذا عزاء لكل مسلم، أن يتعزى إذا جاءه البلاء، ومن حلم الله ورحمته أن يوفق للتوبة من فعل هذا الأمر.
والسب لله موجب للكفر والردة، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله.
قوله: [أو رسوله] من سب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يحكم بكفره، وحكى الإجماع غير واحد من الأئمة والمحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وقبله القاضي عياض، وغيرهم رحمة الله عليهم، فأجمعوا على أن من سب الرسول صلى الله عليه وسلم كافر ومرتد، وانتقاص النبي صلى الله عليه وسلم وسبه ولعنه -بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه- موجب للكفر؛ لأن هذا مضاد تماماً لأمر الله سبحانه وتعالى.
قالوا: لأنه يتعلق بالدين، وسبه وانتقاصه عليه الصلاة والسلام انتقاص للدين، ولذلك فالعلماء رحمهم الله يدققون في هذه المسائل، وتجد أن الكلام في الأنبياء وفي رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم محرم، وحرمتهم مبنية على حرمة الشرع؛ لأنهم رسل الله، وصفوة الله من خلقه.
ومن هنا ننزل الكلام في العلماء والأئمة أنه طعن في الدين، كما يفعل بعض الفساق إذا قيل لهم: إن العلماء يفتون بكذا وكذا؛ فإنه يسبهم أو يشتمهم -والعياذ بالله- وهذا أمر خطير جداً؛ لأن هؤلاء العلماء تكلموا بالشرع، ونطقوا ونصحوا به، فالكلام فيهم يعتبر كلاماً في الشرع وانتقاصاً فيه، ومن هنا قال العلماء: لو أن الخصم -وسيأتينيا إن شاء الله- سب القاضي في مجلس القضاء فإنه يؤدب ولو سامحه القاضي؛ لأن هناك حقاً للشرع، فإذا القاضي تسامح بحقه فقد بقي حق الله عز وجل في حرمة مجلس القضاء، ولأن انتقاص القضاة انتقاص للدين وحكمه، وكذلك انتقاص العلماء كما قال صاحب التحفة: ومن جفا القاضي فالتأديبُ أو لا وذا لشاهدٍ مطلوب إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم سباً مباشراً باللعن -والعياذ بالله- أو انتقصه، كأن يصف النبي صلى الله عليه وسلم وصفاً ينتقصه به، كأن يقول: إنه بدوي يرعى الغنم، وقصد به التحقير له صلوات الله وسلامه عليه، ونحو ذلك من العبارات؛ فإنه يحكم بكفره، وقد ألف في هذه المسألة وفصل فيها العلماء رحمهم الله، ويعتبر كتاب شيخ الإسلام رحمه الله (الصارم المسلول على شاتم الرسول) صلى الله عليه وسلم من أنفس هذه الكتب، حيث فصل فيها.
ومما يحكى أن شيخ الإسلام رحمه الله كان في مجلس، فسب نصرانيٌ النبي صلى الله عليه وسلم فجرد سيفه وقتله، وبعض العلماء رحمهم الله بينوا هذه المسألة وممن بينها من المتقدمين القاضي عياض في الشفا، وغيره من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية، وحكى غير واحد الإجماع على ردة من سب النبي صلى الله عليه وسلم.
[فقد كفر] جاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق، وقوله: (كفر) أي: يحكم بكفره.

المظهر الرابع: جحد ما علم من الدين بالضرورة

يكون الكفر بالاعتقاد كما ذكرنا في الشرك، ويكون بالأقوال: كسب الله عز وجل وسب النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر هنا مسألة إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وتحليل الحرام، أي اعتقاد حل الحرام المجمع عليه، أو عكسه من اعتقاد حرمة الحلال المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، أو الذي قامت الحجة بتحليله أو تحريمه.
يقول رحمه الله: [ومن جحد تحريم الزنا] والزنا من الأمور المعلومة الظاهر تحريمها، وقد اتفقت الشرائع السماوية على تحريم الزنا، وليست هناك شريعة تجيز الزنا، ولذلك لو قال: إن الزنا حلال، ولا شيء فيه، وبعضهم يقال له: إن هذا الرجل زنا بالمرأة، يقول: لا بأس، هذه حرية، وليفعل ما يشاء، والمرأة حرة تفعل ما تشاء، فإن شاءت أن تزني فلها ذلك، وكذلك الرجل فهذا تحليل لما حرم الله، وإذا اعتقد حل ما حرم الله فهو يكذب الله، فإن الله يقول: هذا حرام، وهو يقول: هذا حلال! وحينئذٍ يكون قد ضاد الله في شرعه وحكمه، وتحليل الحرام كتحريم الحلال، وإن كان الشهوات تختلف في تحليل المحرم بخلاف تحريم الحلال، فإن هذا جانب إفراط والثاني جانب تفريط، فالأول يُفْرِط والثاني يفّرط.
قوله: [أو شيئاً من المحرمات الظاهرة] أي: إذا كان الشيء محرماً وظاهر التحريم، ولا يكون ظاهر التحريم ولا واضح الحرمة إلا بالنصوص من الكتاب والسنة، وعند اعتقاده للضد يكون -كما ذكرنا- قد ضاد الله في شرعه، وحينئذٍ يكون موجب التكفير تكذيبه لله عز وجل، وتكذيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأنت ترى الرجل حينما تقول له: إن الله حرم الزنا، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:32] وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم، وعاقب من فعله، فيقول: ليس فيه شيء.
فما معنى هذا؟ معناه أنه يكذب الله ويكذب رسوله، لأنه يقول: ليس فيه شيء! والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:32] وهو يقول: لا، ليس فيه شيء، وهذه حرية، وهذا انطلاق، أو يأتي بالعكس، فيقول: هذا حكم متحجر، هذا تخلف، لكن بشرط أن يكون معلوماً عنده، أي: لا يكون حاله يوجب العذر لوجود شبهة فيه.
مثلاً: لو أن شخصاً أسلم وكان حديث الإسلام، وبيئته فيها الإباحية -والعياذ بالله- أو بيئة فيها جهل، ويقعون في المحرمات، فيشربون الخمور ويفعلون الزنا، فأسلم ثم شرب الخمر أو فعل الزنا، فقيل له: إن الزنا حرام، قال: لا، الزنا ليس فيه شيء، نقول: إن هذا معذور لجهله، فتقام عليه الحجة، ويعلَّم.
قوله: [المجمع عليها] أي: كالخمر والربا، ونحو ذلك من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها، فإذا قال: ليس فيها شيء، وكذب الله رسوله في حكمه وضادهما في الشرع؛ فإنه يحكم بردته والعياذ بالله.
قوله: (بجهل) أي: إذا كان يجهل الحكم، فهذه من المسائل التي نص العلماء فيها على العذر بالجهل، وذلك أن يكون الشخص حديث عهد بإسلام وقد وقع هذا، ونعرف بعض الحوادث حيث أسلم الشخص وكان حديث العهد بإسلام، ثم قيل له بعض المحرمات الظاهرة، فقال: ليس فيها شيء، ثم قيل له: لا، إن الله عز وجل يقول، ورسوله عليه الصلاة والسلام يقول، والشرع يحرم هذا الشيء؛ فقال: سمعت وأطعت، فمثل هذا كان معذوراً في جهله، وحينما نطق بحكم الحل، فإنه معذور في هذا، ولا يحكم بكفره بذلك.
قوله: (عُرِّف ذلك) أي: أقيمت عليه الحجة، وبُين له نص الكتاب والسنة والأدلة التي تدل على التحريم، أو التحليل إذا حرم حلالاً، كما يفعله الغلاة من الزهاد والمتنطعين والغالين في العبادة، فمن غلا في تحريم شيء ثم قيل له: هذا الشيء أحله الله، وكان حديث عهد بإسلام ولا يعلم هذا التحليل وأقيمت عليه الحجة؛ فإنه حينئذٍ إذا أقيمت عليه الحجة ورجع، لا يحكم بردته وكفره؛ سواء حلل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله.
قوله: [وإن كان مثله لا يجهله كفر] أي: حكم بكفره في الظاهر، كشخص يعيش بين المسلمين، وولد بينهم، ويعرف أحكام الإسلام وشرائعه، وفجأة جاء وقال: إن الزنا حلال! أو إن الخمر حلال، أو إن الربا حلال، فمثل هذا لا يجهل هذه الأمور، وليس بجاهل فيعلم، فإذا توفرت الدواعي وقامت الأمارات، وكان الظاهر على حاله وبيئته أنه يعلم أخذ بهذا الظاهر، وحكم بكفره ظاهراً، كما يقولون: حكم القضاء، وحكم الديانة.
لكن لو أنه بين لنا شبهة واضحة يعذر بها عذرناه، لكن في الظاهر نحكم بكونه كافراً، فلو خرج رجل من بين المسلمين في بيئة إسلامية معلومة فيها شرائع الإسلام وقال: الزنا ليس فيه شيء! هل نقول: إن مثل هذا يعذر بالجهل، أو يؤخر حتى نقيم عليه الحجة؟ هذه أمور ظاهرة وواضحة، فمثل هذا يحكم بكفره في الظاهر.
وأما إذا كان هناك ما يحتمل؛ فإنه ينتظر حتى تقام عليه الحجة، وإذا ثبت جهله، فإنه يعذر بالجهل.

حكم الاستهزاء بالصالحين وشعائر الدين

ذكرنا أن السب معناه: الانتقاص والاستهزاء، وهنا نحب أن ننبه على مسألة مهمة جداً وهي: مسألة الاستهزاء بشرائع الإسلام أو بالأخيار والصالحين، أو بالعلماء، وهذا لا شك أنه تفشى كثيراً خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة، وكل من عنده ديانة واستقامة فإنه يتقرح قلبه ويتألم أشد الألم حينما يرى ويسمع من الجرأة على حدود الله عز وجل ومحارمه والاستهزاء بالدين، أو الاستهزاء بشعائر الدين، ومسألة الاستهزاء من الأمور التي يجب على طلاب العلم وعلى العلماء أن يبينوا ويكشفوا للأمة حكمها وحكم هؤلاء الذين ينتقصون الإسلام وأهله.
فبعض أهل الهوى -نسأل الله بعزته وجلاله أن يهديهم ويصلحهم وإلا أن يقطع دابرهم عن الإسلام والمسلمين؛ وأن يخرس ألسنتهم- تجده إذا كتب لا يجد شيئاً يكتب فيه إلا الأخيار والصالحين، فيلمزهم في سلوكهم، وينتقصهم في ديانتهم واستقامتهم، وكأنه لا هم له في صحيفته أو مقاله أو كتابته أو توجيهه إلا هؤلاء الأخيار الصالحين، فتارة يقول: إنه دخل مسجداً فرأى شخصاً على صفة كذا وكذا، ويأتي بصفات أناس على خير واستقامة ثم يقول: وقال لي، وقلت له، والله أعلم بصدقه من كذبه، ولكنه سيقف بين يدي الله عز وجل، وسيعلم إذا كان ظالماً أي منقلب ينقلب إليه.
إن هذه الكتابات المشبوهة التي تشكك الناس في ثوابتها، وتطعن في دينها، وتريد سلخ شباب الأمة من الدين ومحبته، ومن محبة الخير والصلاح، كل هذه الأقلام المشبوهة ينبغي أن تكف وأن تتقي الله عز وجل قبل أن يعاجلها الله عز وجل بعقوبته، ووالله ما من أحد يتهكم بهذا الدين، ويستخف به، إلا أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وليعلم كل أحد أن الكلمة كلمة الله، وأن الدين دين الله، وأنه سيبقى ما بقي الملوان وتعاقب الزمان، بعز عزيز وذل ذليل، وإن ظن هؤلاء أنهم يطفئون نور الله عز وجل فقد ظنوا كذباً، والشيطان قد مكر بهم بهذه الظنون، وسيوردهم الموارد كما أورد من قبلهم، إذا لم يتوبوا إلى الله ويرجعوا.
إن هذه الأفعال وهذه الكتابات من أسباب الإرهاب؛ لأنها تحرض الشباب وتحرض من ينتسب إلى الإسلام على أن يخرج عن طوره، حتى يشك في مجتمعه حينما يجد شخصاً يتبجح في ذات الله عز وجل، ويكتب كتاباً أو ينشر مقالاً يطعن في الله عز وجل وفي أسمائه وصفاته، أو يعرض مسرحية، أو نحو ذلك يستخف فيها بالدين، أو يطعن بها في الدين، ولا يجد له سلعة إلا الدين، رغم كثرة الأمور التي تحتاج إلى الإصلاح والبناء، وإقامة المعوج فيها وتسديد الناس ودلالتهم على ما فيه الخير، وشباب الأمة أحوج ما يكونون إلى أيدٍ أمينة وإلى أقلام نظيفة تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد.
الدين هو صلاح كل شيء، وأساس كل خير، ومنبع كل فضيلة، من لم يعرف هذا عن الدين فقد ظلمه وجهله، فعليهم أن يدركوا إدراكاً تاماً أن هذا كله سيكون وبالاً عليهم، وعليهم أن يعلموا أن هذا الدين كبيت الله عز وجل، وأن للبيت رباً يحميه، ودين الله عز وجل ماضٍ.
واعلموا أن الأمة عامة وشباب الأمة خاصة أحوج ما يكونون إلى إصلاحهم في مجتمعاتهم، وإصلاحهم في سلوكهم، في أخلاقهم، في توجهاتهم، في أفكارهم، لبناء أنفسهم ولبناء مجتمعاتهم وأوطانهم وشعوبهم، ولكن للأسف أن هذه الجهود والطاقات توجه كلها ضد الدين.
وليعلم هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى له سننٌ لا تتبدل، وله سنن لا تتحول، وكم من شقي عنيد خرج عن المنهج السوي؛ فلعنه الله لعنة دخلت معه في قبره كل شيء إلا اللعب بالدين والاستهزاء به! وإن كان هناك شيء في هذا الأمر فليس هناك أعظم من حرمة الإسلام، ومن حرمة الدين، التي من أجلها أقام الله سماواته وأرضه، وأوجد هذا الكون كله شواهد على هذه الكلمة الصادقة، فكل هؤلاء إذا عبثوا بهذا الدين عليهم أن يعلموا أن الله سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وعلى الآباء والأمهات، وعلى الأسر والمجتمعات، وعلى الناس أفراداً وجماعات، أن ينتبهوا من غرس أسلوب التهكم والسخرية ولو من بدايته، فكل ما يتصل بالدين يقفل باب السخرية به ما أمكن، ويقفل باب الاستهزاء؛ لأن الشيطان يستدرج، وعلى كل إنسان أن يحذر، حتى أن بعض الصالحين يشتكي من بعض إخوانه أنه يقول له كلمات قد تكون مشابهة لكلمات بعض أصحاب تلك المقالات المشبوهة، فعلينا أن نربي أولادنا وأن نربي أنفسنا على تعظيم شعائر الله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، فالدين أشعر الله بتعظيمه، فينبغي الحذر من مثل هذا.
وأذكر على سبيل المثال أن الشيخ الأمين رحمه الله كان يخرج من باب وكان يضع حذاءه عند رجل عند الباب، ويعطيه ما تيسر، وذات يوم كان الشيخ خارجاً من درسه، وكان مشغولاً بالإفتاء؛ يسأله سائل ويفتيه وهو في طريقه، فلما وقف بالباب وضع الرجل حذاءه، فانتعل الشيخ رحمه الله، فقال الرجل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:12] يريد مالاً، فغضب الشيخ غضباً شديداً وكهره وطرده، ولم يأذن له أن يأخذ حذاءه بعد ذلك اليوم، كل هذا حتى لا يستدرج الشيطان الإنسان من حيث لا يشعر.
ومن هنا ينبغي تعظيم شعائر الله من الآيات والأحاديث والنصوص وكل ما يتصل بالدين، وينبغي تربية الأبناء والبنات والأفراد والجماعات على تعظيم هذا الأمر، وعلى الخطباء وطلاب العلم دائماً أن يغرسوا هذا الأمر، خاصة في هذا الزمان الذي كثر فيه الاستخفاف بحرمات الدين.
الخلاصة أن الاستهزاء ذكره العلماء، وبينوا أنه من موجبات الردة، قال بعض العلماء: إن الاستهزاء بالدين والاستهزاء بشعائر الدين وبالصالحين من أسباب سوء الخاتمة -والعياذ بالله- فالغالب أن صاحبها إذا استمرأ هذا وأصبح لا يجد له فاكهة، ولا يجد له لذة، ولا يجد له سوقاً إلا في السخرية والاستهزاء بما ذكرنا؛ فإن هذا يقود -والعياذ بالله- إلى سوء الخاتمة.
ومن قال الكلمة التي تغضب الله عز وجل وتوجب لعنته؛ لعنه الله، فإذا استدرج - نسأل الله السلامة والعافية - لعنه الله لعنة دخلت معه في قبره، وختم له بخاتمة الأشقياء، ولذلك ينبغي الحذر من هذا ما أمكن، ومعلوم لديكم قصة الذين كانوا يستهزئون بالصحابة رضوان الله عليهم حينما قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:65 - 66]. وقال بعض العلماء: هناك من طوائف الضلال من يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويستهزئ بهم، يقول: وبالاستقراء قل أن نجد منهم تائباً، وقل أن نجد منهم من يصلح حاله، وجدنا عبدة الأوثان يرجعون، ولكن هؤلاء تجدهم يتشبثون بسب ولعن الصحابة رضوان الله عليهم، ولكن قل أن تجد منهم تائباً، وهذا يدل دلالة واضحة على الحذر من الاستخفاف والاستهزاء بأولياء الله عز وجل، وبالأخص أهل العلم.
وهذا مما أحببنا التنبيه عليه؛ لأنه كثر، خاصة في بعض مواقع الإنترنت ونحوه -نسأل الله السلامة والعافية- ولعل الله أن ييسر بعض الكلمات إن شاء الله في المستقبل نبين فيها ما ينبغي على طلاب العلم وعلى الأخيار من الحذر من هذه الآفات، فقد أصبحت أراضي المسلمين، وأصبح الإسلام وكرامته ومكانته وهيبته سوقاً لأمثال هؤلاء، فنسأل الله بعزته وجلاله أن يهديهم وأن يصلح من شأنهم، وأن يتوب علينا وعليهم، وإن لم يكونوا مهتدين أن يأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، وأن يقطع دابرهم عن الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير.

شرح زاد المستقنع -

باب حكم المرتد [2]

الحكم على الشخص بالردة بحيث يستحق عقوبتها لابد أن تتوفر فيه شروط موجبة للعقوبة، ثم إن الردة تختلف باختلاف موجبها، فهناك من أنواع الردة ما قد يحكم بعض العلماء بعدم قبول التوبة منها، كسب النبي صلى الله عليه وسلم.

اشتراط الاختيار والتكليف في المرتد

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار] بعد أن بين لنا المصنف رحمه الله أدلة تحريم الردة شرع في الجزيئة الأخيرة وهي ما يترتب على الردة، فقال رحمه الله: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار).
قوله: (وهو مكلف) أي: والحال أنه مكلف، والتكليف يكون بالبلوغ والعقل، فلو قال كلمة الكفر وهو صبي لم يؤاخذ، واختلف في الصبي المميز، أما إذا كان مجنوناً فلا إشكال، والنصوص تدل على سقوط المؤاخذة عن الصبي والمجنون كما في حديث علي وعائشة رضي الله عن الجميع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) فهذا يدل على أن كلاً من المجنون والصبي غير مكلف، وأنه لو حصل منه ما يوجب الردة لم يحكم بردته وكفره.
وقوله: (مختار): الاختيار ضد الإكراه، وعلى هذا يشترط أن يقول كلمة الكفر أو يقول ما يوجب الردة دون وجود إكراه، فلو أكره على أن يقول كلمة الكفر -والعياذ بالله- أو يفعل ما فيه الكفر، فإنه إذا توفرت فيه شروط الإكراه حكمنا بعذره؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:106] فنص سبحانه وتعالى على العذر بالإكراه، وقد نزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه وعن أبيه وأمه، فإنه لما أكره على كلمة الكفر قالها.
وذكرنا في طلاق المكره شروط الإكراه وهي: أن يهدد الإنسان بما فيه ضرر، وأن يكون هذا الضرر أعظم مما يطلب منه، من ناحية أن يحصل به العذر للشخص في نفسه، ويدخل في ذلك أهله وعرضه، وأن يغلب على ظنه أن المهدد يفعل ما هدد به، وألا يمكنه الفرار ولا الاستغاثة، وأن يكون التهديد حالاً لا مؤجلاً ولا مؤخراً، وألا يكون الإكراه على الباطن، بمعنى أن يقول كلمة الكفر في الظاهر، ولكنه يعتقد الإيمان في الباطن لقوله تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:106]. وهذه الشروط إذا توفرت حكم بكون الإنسان مكرهاً، فإذا كان مكرهاً سقطت مؤاخذته، فلو وضع عليه السلاح وقيل له: إذا لم تقل كلمة الكفر قتلتك، فحينئذٍ إن غلب على ظنه أنه يفعل ذلك، فيجوز له أن يأخذ بالرخصة.
واختلف العلماء على قولين: هل الأفضل أن يصبر ويحتسب نفسه عند الله عز وجل، أم الأفضل أن يأخذ برخصة الله عز وجل؟ من أهل العلم من قال: الأفضل أن يصبر، كما صبر الإمام أحمد رحمه الله برحمته الواسعة، فخلد الله ذكره في العالمين، لموقفه المشهود له في فتنة خلق القرآن، ونسي غيره، ومع أن غيره صبر، ولكن ما صبر عليه رحمه الله وعاناه كان عظيماً، فلم يأخذ بالرخصة، وجعل الله عز وجل له فيها مبوأ صدق في الدنيا، ونسأل الله أن يبوئه مبوأ صدق في الآخرة وأن يقدس روحه وأن ينور ضريحه وأن يجزيه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء.
ومن أهل العلم من يفصل بين من هو قدوة، أو ليس بقدوة، أو غلب على ظنه أن يكون لها أثر في دعوته، فهذا الأفضل أن يصبر، وهذا القول هو الأولى بالصواب إن شاء الله، فإنه لو نظر إلى الأحوال وما يترتب من حسن البلاء وحسن العاقبة؛ فإن بعض البلاء يزيد في إيمان الناس وثباتهم على الحق.

لا تشترط الذكورة في المرتد

قوله: [رجل أو امرأة] يستوي في الردة الرجل والمرأة، فإذا وقعت الردة من الرجل أو المرأة؛ فإن كلاً منهما يعاقب بعقوبة المرتد، فمذهب جمهور العلماء رحمهم الله، أن الردة من المرأة توجب عقوبتها، وأن المرأة إذا ارتدت يقام عليها حد الردة كما يقام على الرجل.
وخالف في هذا المسألة بعض السلف كـ ابن عباس رضي الله عنهما وبعض الصحابة، وهو مذهب الحنفية وطائفة رحمة الله على الجميع، قالوا: إن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، وسيأتي أن النص عام في قوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه) فإنه من صيغ العموم التي تدل على شمول الحكم للرجال والنساء على حد سواء.

أقوال العلماء في حكم استتابة المرتد

قوله: (دعي إليه ثلاثة أيام).
أي: دعي إلى الإسلام والرجوع مدة ثلاثة أيام، وهذا ما يسمى بالاستتابة، وهي أن يطلب منه الرجوع عن هذا الأمر الموجب للكفر ثلاثة أيام، فيعرض عليه أن يتوب إلى الله ويرجع.
وهذه الاستتابة يتفق جميع العلماء على استحبابها، وقد وقعت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان يرغبها فيها كما في قصة معاذ رضي الله عنه، ودرج على ذلك العلماء والأئمة.
ولكن

السؤال

هل يجب أن يستتاب، أم أنه يجوز لولي الأمر أن يقتله فوراً؟ فلو رفع إلى القاضي وشهد الشهود أنه مرتد وبقي على ردته ولم يرجع؛ فهل يجوز للقاضي أن يقتله ابتداءً بعد ثبوت ردته؟ أو قال كلمة الكفر أمام القاضي، فأمر القاضي بقتله فوراً؛ هل يجوز له ذلك أم يجب عليه أن ينتظر ثلاثة أيام؟ جمهور العلماء رحمهم الله على وجوب الاستتابة، وأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام، وذهب الشافعية في قول والحنابلة في رواية، وصححها غير واحد من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه وهو قول طاوس بن كيسان رحمة الله على الجميع، أن هذا على الاستحباب وليس على الحتم والإيجاب.
واستدل الذين قالوا بالوجوب بقصة عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه جاءه رجل من اليمن، فقال له: هل من مغربة خبر؟ قال: نعم، رجل ارتد عن دينه إلى دين السوء -كان يهودياً ثم أسلم، ثم رجع إلى اليهودية- فقال: ما فعلتم به؟ قال: قربناه فقتلناه، فقال: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً؛ لعله أن يتوب، لعله أن يرجع إلى ربه، اللهم إني لم أشهد ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني.
رواه مالك في الموطأ.
فيقولون: هذا الأثر يدل على وجوب الاستتابة؛ لأن عمر رضي الله عنه أنكر عليهم ذلك.
واستدل الذين قالوا بعدم وجوب الاستتابة بالأدلة الصحيحة الصريحة في السنة بوجوب قتل المرتد دون ذكرٍ للاستتابة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ولم يأمر باستتابته، وهذا يدل على أنه يحكم بردته، وتزول عنه عصمة الإسلام بمجرد كفره، ولو كانت الاستتابة واجبة لبينها النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وأكد هذا قصة معاذ رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري، وفيها: (أن معاذاً رضي الله عنه دخل على أبي موسى، فوجد رجلاً مكبلاً بالحديد أو موثقاً، فقال: ما شأن الرجل؟ قالوا: إنه كان على اليهودية ثم أسلم ثم رجع إلى دينه، فقال معاذ رضي الله عنه عندها: لا أجلس حتى تقتلوه، قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم -قالها ثلاثاً- فقتل).
قالوا: والصحابي إذا قال: قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، دل على أنه في حكم المرفوع؛ لأنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلأنه لم يسأل: هل استتبتموه أم لا، دل على عدم وجوب الاستتابة، والرواية الأصلية ليس فيها ذكر الاستتابة.
لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الرجل كان قد أمهل شهراً، وقيل: عشرين يوماً، والروايات مختلفة في هذا، لكن قول معاذ رضي الله عنه: (لا أجلس حتى يقتل قضاء رسول صلى الله عليه وسلم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بدل دينه فاقتلوه)، فاحتج بالنص على ظاهره دون ذكر استتابة، وهذا يدل على أنه لا تجب الاستتابة، وإنما يجوز فعلها؛ لأنها سنة عند الخليفة الراشد، ولكن هذا ليس على سبيل الحتم والإيجاب.
ومن الأدلة لهم أيضاً: حديث ابن عباس في الصحيح المتقدم الذي استدل فيه معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) حيث نص النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب قتل المرتد دون ذكرٍ للاستتابة، فلو كانت الاستتابة واجبة لقال: من بدل دينه فاقتلوه بعد ثلاث، أو اقتلوه بعد أن تستتيبوه، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا، فدل هذا على عدم وجوب الاستتابة، وأولى القولين بالصواب إن شاء الله تعالى أن الاستتابة مستحبة وليست بواجبة.
قوله: [وضيق عليه] أي: يسجن ثم يضيق عليه حتى يرجع ويتوب إلى الله عز وجل.
قوله: [فإن لم يسلم قتل بالسيف] كلهم متفقون على أنه إذا عرض عليه الإسلام بعد الثلاث ولم يقبل أنه يقتل.

توبة من سب الله أو رسوله

قال المصنف رحمه الله: [ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله].
هذا أحد القولين عند العلماء، وجمهور العلماء رحمهم الله على قبول توبته، وأنه إذا تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه، وهذا هو الصحيح على ظاهر النصوص التي دلت على قبول توبة الكافر: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:38] وقد كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم ويسبون الله عز وجل، ويسبون الدين، وإذا قبلت توبة من سب الله عز وجل، فمن باب أولى أن تقبل توبة من سب ما دونه.
ولكن الذين قالوا: إنه لا تقبل توبة من سب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: إنه فيها حقاً لآدمي، وحقاً لله عز وجل، وحق الآدمي لا نعلم هل يسامحه النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ وهذه الشبهة ضعيفة؛ لأننا أعطيناه الحرمة لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وقد دلت النصوص في الأصل على أنه إذا تاب توبة نصوحاً أنه يتوب الله عليه، وعلى هذا فالصحيح مذهب الجمهور أنه إذا تاب توبة نصوحاً أنه تقبل توبته.

حكم من تكررت ردته

قال المصنف رحمه الله: [ولا من تكررت ردته].
هذا هو الذي يعرف بالزنديق، يسلم ثم يقول كلمة الكفر، فيرتد ثم يرجع مرة ثانية، ويسلم ثم يرتد، فهذه فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله، والصحيح أنها تقبل توبته.
لكن لو أن القاضي أو ولي الأمر اطلع على أنه يتلاعب وقتله فله وجه، وقد يكون ذلك أنكى فيه وأقطع لدابر أهل الفساد؛ لأنه ربما يردع غيره.
وهذا ما يعتبر بفقه الخلاف، فنأخذ بالقول المرجوح في أحوال خاصة إذا وجد استشراء الناس وتساهلهم بحدود الله عز وجل فأراد الإمام أن يزجرهم، فله أن يأخذ بالقول الأوثق والذي فيه النصيحة، وله أن يجتهد في ذلك طلباً للمصالح ودرءاً للمفاسد، وليس هناك مفسدة أعظم من الاستخفاف بالدين والشرع، فالزنديق هو الذي يكفر ويقول كلمة الكفر ثم يرجع ثم يكفر ثم يرجع، والذين يقولون: لا تقبل توبة الزنديق يقولون: قد شهد على نفسه بالكذب، وشهد على نفسه أنه يتلاعب بتوبته.
ومن هنا أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قصته مع بعض المرتدين أنه قبل توبتهم، ثم رأى رجلاً وقال: إنك كنت قد فعلت هذا عام أول ثم أمر بقتله، أي أنه تكررت ردته وتوبته مرتين، فلم يقبل منه ذلك وقتله واستحل دمه.
وأياً ما كان فالنصوص الصريحة في أن من تاب تاب الله عليه، وأن علينا أن نأخذ بظواهر الناس، وأن نكل سرائرهم إلى الله، واستباحة دم من أظهر الإسلام أمر صعب جداً، ولذلك ينبغي الاحتياط في هذا والبقاء على الأصل، إلا أن لولي الأمر أن يجتهد في مسائل خاصة.
قوله: [بل يقتل بكل حال] أي: لا تقبل منه التوبة ويقتل بكل حال، فتنفعه التوبة فيما بينه وبين الله، فلو قُتل يُقتل على الظاهر؛ لأنه ثبت كذبه، ثم لو أنه كان في المرة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة صادقاً وقتل؛ فإن العلماء متفقون أن ذلك ينفعه بينه وبين الله، ولكن الإشكال أنه إذا كانت توبته على الظاهر هل لنا أن نقبل هذا الظاهر أو لا؟ لأنه قد ثبت بالظاهر أنه تلاعب، وأنه كذب، وقصة وحشي تدل على قبول التوبة.

توبة المرتد

قال المصنف رحمه الله: [وتوبة المرتد وكل كافر إسلامه، بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه؛ فتوبته مع شهادتين إقراراً بالمجحود به] فرق رحمه الله في التوبة إذا ارتد المرتد بالأمور التي تقدمت من الشرك وجحود الربوبية ونحو ذلك، وبين التوبة من الذنب بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، فأما مطلق التوبة فإنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه إذا شهد شهادة الإسلام والتوحيد رجعت له عصمة الإسلام، ويعتبر هذا توبة ورجوعاً منه إلى الله عز وجل، ومن تاب تاب الله عليه.
وأما إذا كان قد أنكر حرمة الزنا أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وقال: الصلاة ليست مفروضة، وليس في الإسلام صلاة، أو ليس في الإسلام زكاة، كما قال أهل الردة ونحو ذلك، فقلنا: إذا كان جاهلاً يعلَّم، وإذا كان عنده شبهة تزال، وأما إذا كان عالماً وأنكر هذا الشيء؛ فإن توبته أن يتشهد ثم يرجع عما كان يعتقده من عدم فرضية الصلاة وعدم فرضية الزكاة؛ لأن ما شرع بسببه يزول بزواله، ويبطل بزواله، فنحن حكمنا بردته بإنكاره للمعلوم من الدين بالضرورة، فلا نحكم بإسلامه إلا إذا أقر بهذا الذي أنكره، فلو أنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يرجع عن جحوده؛ فإنه ما زال على كفره، ولا يحكم بتوبته من ردته.
قوله: [أو قوله أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام] هذا بالنسبة للتوبة العامة، والأصل الشهادة.

الأسئلة

حكم السكران إذا ارتد حال سكره

السؤال

هل السكران يحكم بردته إذا فعل أو قال ما يوجب الردة أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن السكران لا يحكم بردته إذا قال أو فعل أثناء سكره وزوال عقله ما يوجب الردة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43] فبين سبحانه وتعالى أن السكران لا يعلم ما يقول، ومن لا يعلم ما يقول فلا يؤاخذ بقوله.
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن علياً رضي الله عنه كان قد أعد مهر فاطمة رضي الله عنها وجاء بشارفين وأناخهما بباب حمزة، ثم انطلق يهيئ بعض الأغراض للمهر، فشرب حمزة رضي الله عنه الخمر قبل أن تحرم، فلما شرب الخمر غنته جاريتان، فانتشى ثم قام إلى البعيرين، وجبَّ سنامهما، فجاء علي رضي الله عنه، قال: فرأيته، فهالني ما رأيت، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتكى له ما فعل حمزة، فأتاه فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة وسأله ووبخه على ما فعل، فرفع حمزة رأسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: وهل أنتم إلا عبيد لآبائي؟ فلما قال هذه الكلمة -كما في الرواية- رجع النبي صلى الله عليه وسلم القهقرى، أي: علم أنه سكران، وأنه لا يدري ما يقول، فرجع القهقرى وانصرف، ولم يأمره رضي الله عنه أن يجدد إسلامه، ولذلك قالوا: إن هذا يدل على أن السكران لا يؤاخذ بقوله، وهذا هو أصح قولي العلماء رحمهم الله، أعني أن السكران لا يعتد بقوله لا في ردة ولا في طلاق ولا غير ذلك؛ لأن النص دل على أنه لا يعلم ما يقول، وثانياً: عذر حمزة حال سكره.
وهذا كما يقول العلماء في قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: (وهل أنتم إلا عبيد لآبائي؟) يقولون: إن هذا ردة؛ لأنه استخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء، وشراح الحديث نصوا على أن هذا اللفظ لو قاله الصاحي كان ردة، ومن هنا يجعلونه عنواناً في عذر السكران إذا قال ما يوجب الردة، وأن من تلفظ بكلمة الكفر حال السكر يعتبر معذوراً، وهذا أصح قولي العلماء، والله تعالى أعلم.

إذا أسلم المرتد بعد موت مورثه وقبل قسمة تركته

السؤال

إذا ارتد شخصٌ حكمنا أنه لا يرث من مورثه المسلم، فهل إذا أسلم بعد موت مورثه وقبل أن تقسم التركة؛ هل يكون له الحق أو لا، أثابكم الله؟

الجواب

هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فبعض العلماء يقول: إنه لا يرث ما دام أن الميت توفي وهو على الكفر والردة، فحينئذٍ انقطع حقه ولا حق له في التركة، وهذا هو مذهب الجمهور رحمهم الله، وقال به جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إن المرتد لا يرث حتى ولو أسلم قبل قسمة التركة.
أما إذا أسلم قبل موت مورثه فإنه يرثه بلا خلاف، لكن الإشكال إذا أسلم بعد الموت وقبل قسمة التركة، فتبين أن له ثلاث حالات: أولاً: أن يسلم قبل الموت، فهذا يرث إجماعاً؛ لأنه مسلم.
ثانياً: أن يسلم بعد الموت وبعد قسمة التركة فلا يرث إجماعاً؛ لأنه انتهت العلاقة، وانتهى السبب الموجب.
ثالثاً: إذا أسلم بعد الموت وقبل قسمة التركة، ففيه خلاف: فمن أهل العلم من يقول: العبرة بالموت، لأن الإرث يثبت بموته، وهذا هو الصحيح، والأدلة دالة على ذلك؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في كتابه، وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم نص على الإرث بمجرد الموت، وعلى هذا تكون العبرة بحاله عند موت الشخص، فإذا كان مسلماً حال موت المورث فهو يرث وإلا فلا.
وأما الذين قالوا: إنه قبل القسمة يرث لو أسلم بعد الموت، فاستدلوا بقضاء بعض الصحابة رضوان الله عليهم، وقالوا: بحديث قسم الجاهلية وقسم الإسلام، وأنه إذا أسلم فقد أدرك القسمة، والعبرة بالقسمة، ومن هنا قالوا: إنه إذا أسلم قبل قسمة التركة فإنه يرث، والصحيح أنه لا يرث ما دام أنه توفي مورثه وهو على الكفر، وهذا هو أصح قولي العلماء رحمهم الله.
وصورة المسألة لو أن رجلاً له ولد ارتد، ثم توفي هذا الرجل يوم الإثنين ولم تقسم تركته، فرجع الولد وتاب عن ردته يوم الثلاثاء وقسمت التركة يوم الأربعاء، فحينئذٍ يرد الخلاف، لكن لو قسمت الثلاثاء ورجع الولد عن ردته الأربعاء لم يرث بالإجماع، فهذه المسألة مشهورة عند العلماء رحمهم الله، وهي من مسائل الإرث.

حكم زوجة المرتد

السؤال

إذا تزوج الرجل امرأة مسلمة وهو مسلم ثم ارتد، فما حكم النكاح بينهما؟ وهل يجوز له أن يطأها في العدة إذا فسخ النكاح بينهما أثابكم الله؟

الجواب

يجب عليه فراقها، فيفرق بين المرتد والمسلمة، ولا يجوز للمسلمة أن تمكن زوجها المرتد من نفسها، ويفسخ العقد بينهما قولاً واحداً بين العلماء رحمهم الله.
وهناك تفصيل في مسألة العدة، فإذا كانت في عدتها وحصل وطأ فإنه في هذه الحالة يكون وطأً لأجنبية، والأصل أنه لا يجوز لها أن تمكن نفسها منه، ومن المؤسف أن تسمع المرأة زوجها يسب الدين ويسب الرب وتعاشره، وتكون معاشرة على الزنا إذا ارتد والعياذ بالله، وينبغي عليه أن يجدد إسلامه ويتوب، ثم يجدد عقده، وهذا أمر ينبغي أن ينتبه له وأن ينبه عليه الناس، حتى يعرفوا ما معنى الردة.
هم يعرفون أن الردة أمر عظيم وليس بالأمر السهل، ولكن المرأة تسمع زوجها كلما غضب ينتهك حدود الله عز وجل ويكفر بالإسلام، ثم بعد ذلك كأن شيئاً لم يكن، فهذا أمر في غاية الخطورة، ولذلك -نسأل السلامة والعافية- تعيش معه في الحرام، ولا يجوز له أن يطأها بعد ردته، إلا بعد تجديد العقد ورجوعه عليها على الصفة المعتبرة شرعاً، والله تعالى أعلم.

أسباب محق بركة العلم

السؤال

ما أسباب محق بركة العلم أثابكم الله؟

الجواب

روح العلم بركته، وإذا أراد الله عز وجل بعبده خيراً بارك له في علمه، وتظهر بركة العلم إذا استجمع الإنسان أسباب البركة، وأول سبب وأول علامة على أن الإنسان أنه سيبارك له في علمه أن يجد توفيق الله له بالإخلاص، فإذا وجد أنه يذهب إلى حلق العلماء مخلصاً لوجه الله عز وجل ولا يريد شيئاً سوى ذلك، وأنه يريد به وجه الله والدار الآخرة، فهو موفق، ومن كان كذلك كان سعيه مشكوراً، والله عز وجل شكر سعيه فيضع له البركة في علمه.
وكم من أناسٍ تعلموا القليل بإخلاص فرزقهم الله السداد والخلاص وفتح عليهم وبارك في أقوالهم، وبارك في علومهم، ونفع بهم الإسلام وأهله! الأمر الثاني: من الدلائل التي تدل على بركة العلم أن يحرص الإنسان على أخذ هذا العلم عن أهله، فكل علم ورث من العلماء العاملين فهو مبارك؛ لأن السلسلة متصلة، وكما بورك للعلماء السالفين ليباركن الله للعلماء اللاحقين ما داموا على نهجهم، وساروا على طريقهم.
ومما يبارك الله به للعالم في علمه تقواه لله عز وجل؛ لأن التقوى سبب البركة، ومعنى ذلك: أن يكون علمه مشهوداً بالطاعات وبالأعمال الصالحة، فكل من تعلم العلم فوجد أن العلم يهذبه في أخلاقه، ويقومه في سلوكه، وأنه بهذا العلم يجد سريرة نقية تقية سوية ترضي الله عز وجل، ويجد سيرة محمودة عند الله وعند عباده، يحرص فيها على الفضائل واكتساب الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة الفاضلة والتواضع، وحب الخير للمسلمين، وصفاء القلب، ونقاء السريرة، والبعد عن الحسد والبغضاء، وانتقاص الناس، واحتقارهم، والابتعاد عن الغيبة والنميمة، والسب والشتم؛ فإن الله لا يبارك له في جميع أمره ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:96].
فطالب العلم هو الذي طلب العلم وعمل به، وظهر العلم في قوله وعمله، ففتح الله له أبواب البركات من السماء والأرض، فوجدت البركة في قوله وعمله ونفعه للمسلمين، واقرأ سيرة السلف الصالح كيف كانوا مباركين، فتجدهم إذا علموا نفع الله بعلمهم.
الناس لهم آذان صاغية وقلوب واعية، وتجد من دلائل البركة أنه إذا جلس يعلم أبناء المسلمين شغلهم بما ينفع، وشغلهم بما يفيد، وشغلهم بما يعود عليهم بالخير؛ ولذلك تجد العلماء والأئمة الماضين يكررون في كتبهم أموراً واضحة، لكنها عظيمة البركة والخير، حتى أصبحت دعائم الإسلام وشرائع الإسلام من البديهيات عند المسلمين، ولكن تجد المتأخرين، وتجد بعض طلبة العلم محقت البركة من علمهم؛ لأنه إنما يدخل يريد شيئاً معيناً، وكانوا يقولون: من أسباب البركة في العلم أن الإنسان يحرص على تعلم صغار العلم وضبطه قبل كباره، والآن انظر إلى بعض طلبة العلم حينما ندخل في باب من أبواب العبادة، فيمسك الأمور الواضحة ويكررها ثم يكررها، ويستمع ويصغي ولا يناقش حتى يضبط الأصل، وبمجرد أن ينتهي من حلقته ومجلسه يقوم وعنده علم وعنده فائدة.
لكن بمجرد أن يأتي فينظر إلى حلق العلم ويستمع إلى العلماء، فإذا وجد مسائل خلافية ومناقشات وردود، أحب وقال: هذا العلم، وإذا وجد غرائب المسائل حضر، وقال: هذا والله العلم، هذا والله الدرس، في الغرائب والردود والمناقشات، ثم من مسألة إلى مسألة ومن مناقشة إلى مناقشة، وإذا جلست معه بعد الشهر والشهرين تجده قد ضاع وتاه، ولا يمسك من ذلك إلا القليل.
فعلى الإنسان أن يتعلم الأصول، هذه الأصول التي بدأ طالب العلم يحتقر نفسه أن يتعلمها، هي عزك هي كرامتك، إن لم تعتز بدينك وتبدأ بالألف قبل الباء، وبالباء قبل التاء، وتتهجى هذا العلم وتأخذه حرفاً حرفاً، وتضبطه مسألة مسألة حتى البديهيات، وتتواضع مع هذا العلم؛ فلن تفلح في العلم، ولا تعظم نفسك وتقول: كيف أجلس وأكرر مسائل واضحة! وانظر إلى دواوين السلف الذين كرروا الأمور البديهية، وهل العلم إلا تكرار المعلوم؛ لأن هذا التكرار له أثر على النفسية وعلى التطبيق، كم مرة تكرر الفاتحة في اليوم في صلاتك وتتقرب إلى ربك، وكم تسجد وكم تركع وأنت تكرر الصلاة، كل هذا لكي تصبح عقيدتك راسخة لا تقبل التحويل، ولذلك ما عرف في أهل دين ثبات مثلما عرف للمسلمين، وقل أن يرجع أحد من أهل الإسلام عنه إلى دين آخر بفضل الله عز وجل ثم بفضل الأمور العديدة، ومنها: تكرار هذه الأمور وضبطها.
وانظر إلى طلاب العلم الذين أخذوا صغار المسائل، وكلما جلس في مجلس يلخص المسائل الصغيرة ويضبطها ويقرأها المرة تلو المرة، ويحرص على تكرارها، فيجد البركة والخير، فلا ينتهي بعد شهر أو شهرين إلا وقد حفظ ثلاثة أو أربعة أبواب؛ لأن عنده أموراً هي الأساس ثم بعد ذلك يبني عليها، أما الولع بالخلافات والردود، وأن يجلس طالب العلم في المجلس ويقرأ على الشيخ الكتاب فيقول له الشيخ: هذا كذا، فيقول: لماذا كذا؟ ولماذا لا يجعلونه كذا؟ ولماذا يقولون كذا؟ ولماذا يفعلون كذا؟ حتى يصبح معلماً للعلماء، فبدلاً من أن يأتي متعلماً إذا به قد صار معلماً! قال أحد الحكماء لطالب عنده أكثر من مناقشته: يا بني ما علمت أن مجلسك هنا.
أي: كان المفروض أنك تجلس مكاني، لا أن أجلس أنا هذا المكان، بسبب كثرة الاعتراضات.
فكثير من العلم نزعت بركته بسبب كثرة الاعتراضات، وقد كان في الماضي إذا أفتى العالم وجد الآذان صاغية، والقلوب واعية، والناس مستجيبة، وإذا بالبركة والخير والنفع يحل للناس، ولكن اليوم ما إن يفتي واحد فتوى إلا وخرجت مئات الفتاوى، ثم وجدت هذا يعلق على هذا، وهذا يرد على هذا، وعندها محقت بركة العلم ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:33] فالذي يريد العلم الصافي عليه أن يحرص على أخذ صغار العلم قبل كباره، وهو علم الربانيين، وعليه ألا يتعاظم نفسه أمام العلم، فهذا مما يزيد بركة العلم.
وجماع الخير كله أن يسأل العبد ربه، وأن يقول: ربي إني أسألك علماً نافعاً؛ ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يرزقه علماً نافعاً، فإذا كان العلم نافعاً من الله عز وجل، فهو المبارك.
نسأل الله بعزته وجلاله أن يعيذنا من علم لا ينفع، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل علمنا حجة لنا لا حجة علينا ألهمنا الصواب، وأحسن لنا الخاتمة والمآب، وارفع بالعلم درجاتنا، وكفر به خطيئاتنا، وآمن به روعاتنا، وأصلح به أمورنا، يا حي يا قيوم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
باب قتال أهل البغي [2]الخروج عن جماعة المسلمين فتنة عظيمةصفات الطائفة الباغيةمظاهر الخروج عن جماعة المسلمينبداية خروج الخوارج على علي رضي الله عنه كان بالاحتقارصفات البغاة المستحقين للقتالمشروعية مراسلة أهل البغي لإزالة الشبه ورفع المظالم عنهم ليرجعواحكم مقاتلة الخوارج ابتداء بعد إقامة الحجة بمراسلتهمقتال العصبيةالأسئلةحكم المفاضلة بين العلماءالسؤالالجوابحكم تأخر الإمام عن المجيء إلى المسجد إلى وقت الإقامةالسؤالالجوابحكم كراهية الذي أنعم الله عليه بالنعمالسؤالالجوابحكم المسبوق بركعة من الرباعية وقد زاد الإمام ركعة خامسة سهواالسؤالالجوابحكم قراءة الآيات الأخر من سورة آل عمران عقيب النومالسؤالالجوابتعطل أجر الوقف بتعطل منفعتهالسؤالالجوابحكم ترك الهرولة في الطواف لمن كان معه نسوةالسؤالالجوابنصيحة للقائمين على المراكز الصيفيةالسؤالالجوابحكم قراءة القرآن من المصحف في قيام الليلالسؤالالجوابباب حكم المرتد [1]أدلة تحريم الردة من الكتاب والسنةتعريف الردة لغة واصطلاحاصور ومظاهر الردةالمظهر الأول: الشرك باللهالمظهر الثاني: جحد الربوبية والوحدانية لله تعالىالجوابالمظهر الثالث: سب الله أو الرسول صلى الله عليه وسلمالمظهر الرابع: جحد ما علم من الدين بالضرورةحكم الاستهزاء بالصالحين وشعائر الدينباب حكم المرتد [2]اشتراط الاختيار والتكليف في المرتدلا تشترط الذكورة في المرتدأقوال العلماء في حكم استتابة المرتدالسؤالتوبة من سب الله أو رسولهحكم من تكررت ردتهتوبة المرتدالأسئلةحكم السكران إذا ارتد حال سكرهالسؤالالجوابإذا أسلم المرتد بعد موت مورثه وقبل قسمة تركتهالسؤالالجوابحكم زوجة المرتدالسؤالالجوابأسباب محق بركة العلمالسؤالالجواب
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل