كتاب الإقرار
كتاب الإقرار من كتب الفقه المهمة، خاصة لمن يمارسون القضاء، وتأتي أهمية هذا الباب من حيث اعتباره من أقوى حجج القضاء؛ لأنه شهادة على النفس، لكن هذه الشهادة لها شروط لابد أن يتصف بها المقر حتى يلزم بها، ولها قوادح تسقط بها إن وجدت.
الإقرار تعريفه ومشروعيته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الإقرار]:
تعريف الإقرار
الإقرار: مأخوذ من قَرَّ الشيء إذا ثبت، وفي الاصطلاح: الاعتراف بالحق، ويكون لفظاً وكتابة وإشارة مفهمة؛ فافترق الإقرار هنا عن الشهادة، والسبب في ذلك: أن الإشارة المفهمة شهادة من الإنسان على نفسه، ولكن الشهادة شهادة على الغير، ويسوغ في شهادة الإنسان على نفسه ما لا يسوغ في شهادته على غيره.
مشروعية الإقرار
أجمع العلماء على اعتبار الإقرار لبثبوت السنة باعتبار الإقرار، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم إقرار ماعز والمرأة على نفسيهما بالزنا، وهذا يدل على حجية الإقرار وثبوته واستيفاء الشروط، والإجماع المنعقد على أنه حجة شرعية.
قال بعض العلماء: أقوى حجج القضاء الإقرار؛ لأنه ليس هناك إنسان عاقل تتوافر فيه شروط الإقرار لقبول إقراره ويشهد على نفسه بالضرر إلا إذا كان صادقاً، ومن هنا فهو أقوى الحجج، ومن هنا أخذ الله الإقرار على أنبيائه وعباده وخلقه، وهذا يدل على عظم حجية الإقرار.
شروط من يصح منه الإقرار
قال رحمه الله: [يصح من مكلف] يصح الإقرار من كل مكلف بالغ عاقل، فلا يصح من مجنون، ولا سكران.
أما الدليل على سقوطه عن المجنون والسكران: فلأن كل منهما لا يعلم ما يقول، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:43]؛ فدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، فلربما أقرّ بأشياء لا حقيقة لها، سواء كان سكره على وجه يعذر به شرعاً، كمن أعطي المخدر لعملية جراحية وقبل الإفاقة أقرّ بأشياء، فإنه لا يُقبل إقراره، وذلك للشبهة، ولا يوثق بقوله.
أو كان سكره تعمداً فإنه لا يؤاخذ بإقراره على الصحيح من أقوال العلماء.
ودليلنا على سقوط إقرار السكران: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث بريدة بن حصيب رضي الله عنه وأرضاه: أن ماعز بن مالك نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: (إني أصبت حداً فطهرني، فقال صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ -يسأل جماعته وقرابته ممن كان قد أسلم- فقالوا: لا) ليس به جنون ونعرفه عاقلاً.
وهذا يدل على أن المجنون لا يقبل إقراره، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أشربت خمراً؟ -لأنه قال: إني أصبت حداً فطهرني- فقام رجل فاستنكهه) يعني: شم رائحة فمه، فلم يجد رائحة خمر.
وهذا يدل على أنه لا يقبل الإقرار من سكران.
ومن الأدلة أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط مقالة الردة عنه كما في الصحيحين في قصة حمزة رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يدل على أنه لا عبرة بإقرار المجنون والسكران.
أيضاً: لا يُقبل إقرار الصبي؛ لأنه لا يوثق بخبره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: -وذكر منهم- والصبي حتى يحتلم) فالصبي لا يوثق بقوله، فلا عقل عنده ولا حلم يمنعه ويردعه.
قال رحمه الله: [مختار].
أي: غير مكره، فالمكره لا يُقبل إقراره، وقد بينا أدلة سقوط مؤاخذة الإكراه في أكثر مسائل الأموال والحدود، فإذا أكره فإنه لا يؤاخذ على ما يقول؛ لأن الله أسقط أحكام الردة -وهي قول من أقوال المكره بالإكراه- فدل على أن قول المكره لا يُعتد به، ولذلك لا ينفذ طلاقه ولا عتقه ولا إقراره، وقد أسقط الله عز وجل قول المكره في الردة وهي أعظم شيء؛ لأن المكره قلبه مطمئن بالإيمان، وهذا له ضابط، أولاً: أن تستوفى شروط الإكراه وقد قدمناها في مباحث الإكراه على الطلاق.
ثانياً: أن يتقيد بما أُكره عليه، فإذا أُكره على أن يقر بسيارة، فأقر بسيارة ومزرعة، أُخذ بإقرار المزرعة، ولم يؤخذ بإقرار السيارة؛ لأنه يتقيد بحدود ما أُكره عليه، فما زاد فإنه يؤاخذ به في إقراره.
قال رحمه الله: [غير محجور عليه] فلا يصح إقرار السفيه بالمال؛ لأن أصل الحجر عليه هو منعه من التصرف في أمواله، وهذا نص قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]، فأسقط تصرفاتهم المالية؛ فإذا جئنا نصحح إقرار السفيه بالمال فإنه حينئذٍ ربما يقول لفلان عليّ عشرة آلاف، ويضيع ماله؛ لأنه سفيه، ومن هنا حُجر على السفهاء في إقراراتهم المالية أو ما يئول إلى المال، أما لو كان إقراره بحد أو قطع فيصح إقراره؛ لأن المراد هنا إسقاط إقراره في الأموال وما يئول للمال، وهو الذي حجر عليه فيه، ولو قيده فقال: (غير محجور عليه فيما أقر به) لكان أدق؛ فإن هذا الذي عليه العمل عند العلماء، أما إقرار المحجور عليه في غير ما حجر عليه؛ فإنه عاقل ومكلف ومستوفٍ للشروط فيؤاخذ بإقراره، فلو أقر أنه قتل عمداً وعدواناً فإنه يقتص منه، وإقراره صحيح ما دام أنه مستوفٍ للشروط.
قال رحمه الله: [ولا يصح من مكره، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه لذلك صح].
ذكرنا أنه يتقيد الإكراه بما طلب منه، فالشخص يزن مثلاً الدراهم والدنانير ثم يصرفها ويبيعها، فأُكره على أن يزن فوزن ثم باع، فالبيع صحيح؛ لأن الذي أكره عليه هو الوزن لا البيع، فبيعه لم يصادف محلاً للإسقاط، والأصل إعماله، فيعمل العقد ويبقى على صحته.
إذاً: شرط صحة تأثير الإكراه في الإقرار أن لا يتجاوز المحل الذي أُكره عليه أو القدر الذي طلب منه أن يقر به.
قوادح الإقرار
قال رحمه الله: [ومن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته إلا في إقراره بالمال لوارثه فلا يُقبل]
صورة قدح المرض في الإقرار
المرض نوعان: مرض مخوف، وغير مخوف.
فأما المرض غير المخوف فكالزكام، فلو قال شخص مزكوم: فلان له عليّ ألف، فإن إقراره صحيح.
وأما المرض المخوف، فقد تقدم تعريف ضابطه، فهذا المرض يؤثر في الإقرار إذا كان لوارث بمال، فحينئذٍ شرع المصنف رحمه الله في قوادح الإقرار في الصور الخاصة وهو: أن يكون في الأموال أو ما يئول إلى المال على الضابط الذي ذكرناه، أما لو أقر بغير ذلك كأنه يلزمه، في هذه الحالة إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فعلى ضربين: الضرب الأول: أن يكون مرضه مؤثراً في عقله، كما هو الحال في الجلطات إذا أصيب بجلطة قبل موته، وكانت الجلطة مؤثرة على دماغه، فأثرت في تركيزه وحفظه، فأقر وقال: فلان له عليّ ألف، فإنه ربما كان سدد الألف فنسي بسبب الجلطة فإذا قال الأطباء: إن هذا النوع من المرض أو الأدوية التي يعطاها تؤثر في ذاكرته وضبطه فإقراره ساقط؛ لأن التهمة موجودة.
الضرب الثاني: إذا كان مرضه لا يؤثر في أهليته بالإقرار وضبطه، فننظر حينئذٍ إما أن يقر في مرض الموت لوارث، وإما أن يقر لغير وارث -وهو الأجنبي- فإذا أقر لغير وارث أن في ذمته مائة ألف حكمنا بصحة الإقرار واعتباره؛ لأن الإنسان ربما كان ظالماً آكلاً لأموال الناس جاحداً لها، أو متساهلاً في رد حقوق الناس حتى إذا مرض مرض الموت أدركته رقة الآخرة، فانكسر وتاب، فيمكَّن من أن يخلص نفسه ويرد الحقوق إلى أهلها والمظالم إلى أصحابها.
أما إذا كان قد أقر لوارث ففيه معارضة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصية للوارث، وحينئذ تحصل الشبهة يقولون: هذه تهمة في الإقرار، ويُشترط في صحة الإقرار أن لا يكون متهماً، فهذا وجه إدخال المصنف رحمه الله لهذه المسألة في أول كتاب الإقرار في الشروط؛ لأن من شروط صحة الإقرار أن لا يكون متهماً، فإذا كان في مرض الموت وأقر لوارث اتهم، فإنه ربما أقر له محاباة له، أو لأنه ابن بار به.
يتخلص من شروط الوصية ويعطيه عن سبيل الإقرار، وهذا من باب التحفظ والصيانة، فحينئذٍ لا يقال ببطلان الإقرار؛ لأن الإقرار صحيح من حيث الأصل، لكن التهمة تمنع إعمال الإقرار إلا بإذن الورثة، فإذا رضي الورثة وأجازوه صحت الوصية، -وقد تقدم- وأما إذا قال الورثة: لا.
فحينئذٍ نقول: الإقرار موقوف على الورثة، ولا يحكم ببطلانه.
لكن هذا يسمونه الإقرار الموقوف ويحكم بصحته في الأصل ثم نقول لبقية الورثة: هل تجيزونه أو لا؟ فإن أجازوه صح ونفذ وإلا فلا.
صورة قدح الزوجية في الإقرار
قال رحمه الله: [وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر بالزوجية، لا بإقراره].
إذا أقر بأن للمرأة عنده صداق، فمعنى ذلك: أنه أقر أنها زوجة له؛ لأنه لا صداق إلا بنكاح، ولا نكاح يوجب الصداق إلا إذا كان نكاحاً صحيحاً شرعياً، وحينئذٍ تثبت الزوجية بإقراره، ويكون لها مهر المثل.
قال رحمه الله: [ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها] لو أن مريضاً مرض الموت ادعى أنه طلق امرأته طلاقاً بائناً في حال صحته، فحينئذٍ يتهم، وقد سبق بيان هذا في الطلاق، حتى إن بعض الصحابة يقول: من طلق زوجته في مرض الوفاة نورثها منه، حتى لو خرجت من عدتها، بل بعض السلف يورثها ولو تزوجت رجلاً آخر، قالوا: لأنه لما أخرها إلى مرض الوفاة وطلقها دل على أنه يريد حرمانها من الإرث، وهذا ما يسميه العلماء: المعاملة بنقيض القصد.
صورة قدح الإرث في الإقرار
قال رحمه الله: [وإن أقر لوارث؛ فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره؛ لأنه باطل] إن أقر لوارث فقال: فلان ابن عمي له عندي ألف ريال، ولم يكن حين أقر له عنده ولد، ثم شاء الله عز وجل بعد موته أن ولدت المرأة فأنجبت ذكراً، فابن العم عصبة يحجب بالابن؛ لأن مرتبة البنوة تحرم ابن العم، فعندما أقر له واعترف كان وارثاً وهذا يوجب بطلان الإقرار له إذا لم يجز الورثة -كما ذكرنا-، ثم كونه صار أجنبياً بعد ذلك لم يصادف محلاً، أي: أن بطلان الإقرار لا يعاد مرة ثانية، فيحكم بصحته بعد إلغائه؛ لأن الإبطال إلغاء، ولا يمكننا أن نعمل بعد الإلغاء، فإذا ألغي الإقرار وسقط لم يؤثر زوال المانع.
وفي الشريعة موانع إذا زالت رُجع إلى الأصل، مثلاً: الفاسق الذي لا تقبل شهادته، إذا صار عدلاً قُبلت شهادته، فالفسق مانع مؤقت، فما دام أنه موجود يمنع، لكن إذا زال رجع الحكم للأصل وقبلت الشهادة.
لكن هنا كونه أقر فسقط الإقرار في حال الابتداء لا يوجب أن نقول: الآن أصبح أجنبياً فنصحح الإقرار؛ لأن الإقرار بطل من أصله.
ومن أهل العلم طبعاً من فصل في هذه المسألة بتفصيل أدق؛ لأنه في حال الإقرار إذا أقر وقلنا: إن الإقرار موقوف على إجازة الورثة.
فهذا معناه أنه صحيح، وإذا كان صحيحاً في الأصل فإنه إذا زال الموجب للمنع رجع إلى الأصل من القبول بالإقرار.
قال رحمه الله: [وإن أقر لغير وارث أو أعطاه صح، وإن صار عند الموت وارثاً] وإن أقر لغير وارث صح الإقرار، وحينئذٍ إذا صح الإقرار ثبت الحق لصاحبه، مثلاً: أقر لابن العم وعنده ابن ذكر، فابن العم لا يرث مع وجود الفرع الذكر الوارث، ثم شاء الله عند الإرث أن توفي الابن قبل وفاة الأب؛ فرجع ابن العم وارثاً، وهو في الأصل غير وارث، قالوا: لأنه بمجرد إنشاء الإقرار ثبت الحق لصاحبه واعتد به، وزوال المانع بعد ثبوت الإقرار لا يؤثر.
وهذا صحيح.
قال رحمه الله: [وإن أقرت امرأة على نفسها بنكاح ولم يدعه اثنان قُبل].
أي: إن أقرت امرأة على نفسها بأنها زوجة لفلان، (ولم يدعه اثنان) أي: لم توجد خصومة أو منازع قبل إقرارها.
صور لما يثبت بالإقرار
قال رحمه الله: [وإن أقر وليها المجبر بالنكاح، أو الذي أذنت له صح].
وهو الولي الذي ينزل منزلتها، إما بالولاية كالأب الذي له حق ولاية الإجبار على ابنته البكر، فأجبرها وقال: أقر أن فلاناً هو زوج ابنتي، وأن فلانة ابنتي زوجة لفلان، فإنه يؤاخذ بهذا الإقرار ويعتد به، وهكذا من كان قائماً مقامها.
قال رحمه الله: [وإن أقر بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه] فيؤاخذ به ويرث منه إذا كان حياً، ويرثه إذا كان ميتاً؛ لأن هذا المحل قابل للإقرار بلا تهمة، فإن قال: فلان ابني وليس هناك من يدعيه، وهو صغير جاهل لا يعرف نسبه فنعم، أما إذا كان كبيراً فإنه لا يثبت إذا نفى ولم يصدق، لأن هذا من حقه.
فإذا أقر بنسب ابن صغير أو مجنون أو نحو ذلك، وليس هناك أحد ينازعه في هذا الإقرار قُبل منه هذا الإقرار، وإذا قُبل ثبت به ما يثبت بالنسب من الإرث والمحرمية وغير ذلك من الأحكام المترتبة على هذا الإقرار.
قال رحمه الله: [فإن كان ميتاً ورثه] إن كان هذا الصغير ميتاً ورثه الأب الذي ادعى نسبه، لأنه في هذه الحالة له حق الإرث، وهذا الآن قليل، خاصة مع وجود الوسائل من توثيق الولادة وغيره، ولكن إن حصل في لقيط أو نحو ذلك، فقال: هذا اللقيط ابني، ثبت إقراره، وينسب إليه، ويعامل معاملة الولد له إذا كان هذا اللقيط صغيراً أو مجنوناً، أما إذا كان كبيراً فالحكم واضح في مثل هذا.
قال رحمه الله: [وإذا ادعى على شخص بشيء فصدقه صح].
إذا ادعى شخص عليه بمال، فقال: لي عليك ألف ريال، فقال: نعم، فحينئذ يؤاخذ بإقراره؛ لأن السؤال معاد في الجواب، أي: نعم لك علي ألف، ولو قال: أنا قصدت نعم لشيء آخر، نقول: لا يُقبل؛ لأن نعم جاءت مركبة على السؤال، والسؤال هذا لو سأله القاضي: له عليك ألف، فقال: نعم؛ فإنه يؤاخذ ويعتبر إقراراً.
إذا ادعى عليه بأي شيء -من حيث الأصل- فقال: نعم، هذا حصل ووقع أو قال: نعم أنا ضربته أنا شتمته أنا كسرت بابه أنا كسرت سيارته.
فحينئذٍ يؤاخذ بإقراره متى كان مستوفياً للشروط، فإذا ادعى عليه بلا شيء، فلا شيء له.
قيل: خاصم رجل رجلاً عند قاضي، فقال: ما خصومتكما؟ قال: سله.
فقال: هل له عليك شيء؟ قال: لا.
ما له عندي شيء، قال: هذا (اللا شيء) أنا أريده منه، يعني الخصم يقول: ما دام أنه ما عنده شيء أنا أريد هذا الذي يدعي عليه، ومثل هؤلاء ممن بلغ عقله إلى هذا المستوى كيف تجيبه؟ تقول له: ما لك شيء، يقول: أريد هذا اللا شيء، قال: أنت ذو عقل، فأجبني إذا سألتك، أترى في يدي شيئاً؟ ثم فتحها، قال: ليس فيها شيء، قال: إذاً خذ من هذا ألا شيء، وقد وهبته لك في حق صاحبك، إذاً: لابد وأن يكون المدعى شيئاً، وهذا الشيء قد يكون في الحقوق المالية، وقد يكون في الحقوق الشخصية، فإذا ادعى عليه شيئاً فإنه يؤاخذ بإقراره.
ما يسقط به الإقرار
قال رحمه الله: [فصل: إذا وصل بإقراره ما يسقطه، مثل أن يقول له: عليّ ألف لا تلزمني، ونحوه؛ لزمه الألف] هذه مسألة الوصل، وهي تابعة لشروط الإقرار، وهي عدم رجوع المقر عن إقراره، وعدم إبطاله من حيث الأصل؛ لأن الرجوع يؤثر في مسائل معينة، ولا يؤثر في الحقوق المالية وحقوق الآدميين، لكنه لو رجع عن حق من حقوق الله عز وجل فإنه يؤثر، والأصل في ذلك قصة ماعز، وقد تقدمت معنا في باب الزنا.
فلو وصل بإقراره ما يبطله، فحينئذٍ يكون هذا الإبطال نوعاً من الرجوع، كأنه أقر بشيء ثم رجع عنه، فهذه المسألة يبحثها العلماء هنا، وهي في الحقيقة تابعة لمسائل الرجوع، فقال رحمه الله: [إذا وصل بإقراره ما يسقطه، مثل أن يقول: له عليّ ألف لا تلزمني ونحوه] فقوله: (له عليّ ألف) هذا يثبت به الحق، وقوله: (لا تلزمني) يسقط به الحق؛ فوصل بإقراره ما يسقطه.
وهذا نوع من الرجوع ونوع من الإبطال لا يعتد به ولا يُقبل، فنقول له: لما قلت: (لك عليّ ألف) ثبتت الألف لصاحبها، وقولك: (لا تلزمني) رجوع عن حق مالي، والرجوع في الإقرار عن الحقوق المالية وحقوق الآدميين لا يؤثر؛ لأنه قد ثبت بإقراره واعترافه في الحق، وحينئذٍ لا نعدل عن هذا إلا بيقين أو غالب ظن مثله، فإذا قال: ليس له عليّ شيء؛ فإنه يتهم بأنه يريد أن يسقط عن نفسه التبعات، فلا يُقبل منه قوله: لا تلزمني، فتثبت الألف.
قال رحمه الله: [وإن قال: كان له عليّ وقضيته.
فقوله بيمينه] هذا يسميه العلماء قبول الإقرار كلاً دون قبوله للتجزئة، وهذا مذهب بعض العلماء.
فإذا قال: له عليّ ألف وقضيته، قالوا: في هذه الحالة قد جمع في إقراره بين أصلين لا يمكن إسقاطهما؛ لأنهما جاءا في إقرار واحد، فلا يمكن أن نقول: نقبل إقراره ولا نقبل قضاؤه، ومن هنا قالوا: مع يمينه؛ لأنها يمين تهمة، ويقبل منه ذلك.
قال رحمه الله: [ما لم تكن بينة] ما لم تكن بينة تثبت أنه قد دينه أو أعطاه، بمعنى: أن عندنا أصلين: إقراره بالألف وقضاؤه لها، فأنت إذا فصلت في هذه القضية جاءك المقر وأقر بهما معاً، حينئذ تقول: إما أن أقبل الإقرار كلاً وإما أن نسقطه كلاً، فتقول: القول قوله بيمينه، فقبلت إقراره وأعطيته اليمين حتى يتخلص من الحق، وإما أن نقول: أن يثبت المدعي الأصل الأول، فيقول: له عليّ ألف، وقامت البينة على الألف، فحينئذ لا يقبل قوله: وقضيته، فتقبل جزء الإقرار بإثبات الألف أو يقيم بينة على السداد.
قال رحمه الله: [أو يعترف بسبب الحق] كأن يقول: من بيع من هبة ونحو ذلك فيسنده إلى السبب.
قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ مائة، ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفاً أو مؤجلة؛ لزمه مائة جيدة حالة].
هناك شيء يسمونه الإطلاق وشيء يسمونه التقييد، فالمطلق في عرف يتقيد بهذا العرف، فإذا قال: له عليّ مائة، فالعرف عندنا أنها الريال السعودي، فنقول له: ادفع مائة ريال، فلو أنه قال: له علي مائة.
وسكت، ثم ذكر عملة منحطة قيمتها لا تساوي الريال فإننا نلزمه بالأغلى؛ لأنه المنصرف عرفاً وهو الأصل، فكونه سكت سكوتاً يمكنه أن يصف ولم يصف ثبت به الأول، وكان بإمكانه أن يستدرك، لكنه لم يستدرك لنفسه، ويثبت كون المائة جيدة صحيحة غير مزيفة، وكون العملة أعلى، ولو كان هناك عملة في البلد وعلمت أن غيرها أعلى، فالمعروف أنه عند الإطلاق تنصرف إلى الجيدة الصحاح فلا يقبل قوله: مكسرة؛ لأن قوله مكسرة يقع هروباً مما أقر به، فكما أن قوله: لا تلزمني، يسقط كل المقر به، فهنا يسقط جزء المقر به، لكنه إسقاط بنوع من التلاعب والتحايل، ولو فتح هذا الباب سقطت حقوق الناس.
ومن أهل العلم من قال: إنه يقبل منه، حتى ولو مضى وقت، إذا سأل وبين.
وهذا مبني ومقيس على مسألة استثناء البعض من الكل.
قال رحمه الله: [وإن أقر بدين مؤجل فأنكر المقر له الأجل؛ فقول المقر مع يمينه] مثاله: أقر محمد لعبد الله بألف، قال: ولكنها دين مؤجل، فقال المقر له: لا.
بل إني أعطيته الألف وديعة آخذها منه حينما أريد، فحينئذٍ يلزمه الدفع فوراً؛ لأن الأصل في الحقوق أنها تدفع فوراً، وبناء على ذلك نقول: إقراره بالألف أو بالحق يوجب عليه دفعه لصاحبه، ما لم يثبت ما خالف الأصل وهو التأجيل.
وهذا راجع إلى الأصل وما خالف الأصل، فالمطلق يقيد به، فعندنا الذهب المغشوش والذهب الخالص، والصحاح والمزيفة والمكسرة، والصحاح والمكسرة والزيوف والخالصة والعملة الغالية، كلها تنصرف إلى المعروف عرفاً حتى يثبت خلافها؛ لأنها الأصل.
قال رحمه الله: [وإن أقر أنه وهب أو رهن وأقبض، أو أقر بقبض ثمن أو غيره، ثم أنكر القبض ولم يجحد الإقرار، وسأل إحلاف خصمه؛ فله ذلك] هذه المسألة قد تشكل على البعض وصورتها: أن كون شخصاً يقول: وهبت فلاناً وأقبضته، فحينما يعترف أنه وهب فلاناً وأقبضه معناه أنه يعترف أنه ملّكه؛ لأن الهبة تملك بالقبض -وقد بينا هذا في باب الهبة- إذاً ما الذي يجعل المقر له ينكر أنه قبض؟ ما الذي يجعل المقر يعدل عن الإقباض؟ هذا يتأتى في مسائل الخصومات إذا حصل ضرر من الشيء الموهوب، فمثلاً: أعطاه عمارة هبة ثم سقطت العمارة على أربعة أشخاص وقتلتهم، فالدية لأربعة أشخاص أعظم من قيمة العمارة، فحينئذ إذا أثبت أنه وهبه وأقبضه.
فهذا من مصلحة المقر، والمقر له من مصلحته أن يقول: وهب ولكن ما أقبضني، وحينئذ يرد الإشكال: هل قبض أو لم يقبض؟ وانتقال اليد موقوف على القبض؛ لأن الهبة بالإجماع تثبت بالقبض لقصة أبي بكر رضي الله عنه مع ابنته عائشة: (إني كنت قد نحلتك ثلاثمائة وسقاً جاداً من نخل نخلي بالغابة، فلو أنك احتجتيه وقبضتيه لكان ملكاً لك، أما إنك لم تفعلي ذلك فأنت اليوم وإخوتك فيه سواء) وهذا يدل على اشتراط القبول في الهبة، فحينئذ إذا ادعى أنه أقبضه، وقال الموهوب له: ما أقبضه، فإنه أول شيء يقر أنه وهبه، ثم يقر أنه أقبضه، فالمقر له يتهرب من قضية الإقباض، فإذا قال: ما أقبضني، يقول: أنا أسأل القاضي أن يحلفه أني ما أقبضته؛ كان له ذلك المراد، ولذلك بعض الشراح يقول: كيف يقر الخصم أنه أعطاه ثم نقول له: يحلف؟! ولا يتأتى إلا في مسائل فيها الخصومة والنزاع التي يخشى الإنسان فيها من بقاء الملكية واليد، خاصة إذا حدث الضرر من العين ونحو ذلك.
قال رحمه الله: [وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر].
كإقراره في الرقيق والعبيد، كأن يجني عبداً جناية، فمن المصلحة أن لا يكون العبد في ملكه، وحينئذ يرد النزاع في الإقباض وعدمه؛ لأن الملكية تنتقل بالقبض.
قال رحمه الله: [وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر أن ذلك كان لغيره لم يقبل قوله، ولم ينفسخ البيع ولا غيره ولزمته غرامته] الصورة الأولى: إذا قال له: بعتك هذا الكتاب، فأخذ الكتاب بعشرة، ثم بعد البيع ادعى البائع أن الكتاب ليس له، فحينئذ عقد البيع ثابت على وجه لا إشكال فيه، وهو عقد شرعي أمرنا الله بالوفاء به فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1] فإذا جاء البائع يدعي أنه ملك لغيره، ففي هذه الحالة الأصل أن هذا الكتاب انتقل إلى المشتري، فإقراره بعد البيع لم يصادف شيئاً يملكه، فقد تم عقد شرعي وهو البيع ثم جاء إقرار لم يصادف محلاً، فهو يقر بشيء لم يعد له عليه يد؛ لأن البيع قد تم وانتهى، فمن هنا سقط إقراره بعد ثبوت البيع، لكنه بهذا الإقرار قد أقر أنه تصرف في مال الغير، فاشتمل إقراره على أمرين: الأول: أنه أراد أن يسقط البيع، والقاعدة الشرعية تقول: الإعمال أولى من الإهمال، الأصل إعمال العقود لا إهمالها ولا إلغاؤها؛ فنبقي البيع سارياً في إعماله، فتثبت به الملكية، ثم جاء إقراره بهذا المال للغير أشبه بالشهادة، فهو ليس إقراراً يوجب ثبوته؛ لأنه لم يملكه، وشرط صحة الإقرار: أن يقر بشيء يملكه وبشيء له حق أن يقر فيه.
لكن الجانب الثاني: وهو كونه يقول: هذا الكتاب لزيد وليس لعمرو الذي اشترى مني، فحينئذ قد أثبت بنفسه جناية على مال زيد، يعني أنه باع مال زيد، وحينئذ نقول له: تغرم لزيد المال، ويصحح البيع إعمالاً له على الظاهر.
الصورة الثانية: يقول: أنا لم أكن مالكاً له، فإذا قال: لم أكن مالكاً له؛ فحينئذ جاء بشرط يؤثر في البيع، ويورد الشبهة في العقد، أما أن يقول: هذا الكتاب ليس لعمرو الذي اشتراه وإنما هو لزيد فهذا إقرار لم يصادف محلاً.
هذا هو وجه التفريق بين الإقرارين، حينما ينفي أنه ملكه فحينئذ لا إشكال؛ لأن من شرط صحة العقد أن يكون مالكاً له، وحينما يقول: هو لفلان وليس لفلان فقد جاء إقراره غير مصادف للمحل المعتبر، فيسقط في الثاني ويعتد به في الأول.
قال رحمه الله: [وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد، وأقام بينة قبلت] إذا قال: لم يكن ملكي وبعته وأنا لا أملكه؛ لأن الإنسان قد يسهو ويأخذ كتاب صاحبه يظنه كتابه فيبيعه، ثم لما باعه قال: هذا الكتاب ليس ملكاً لي، بل ملكاً لغيري، وأقام بينة على أن فلاناً جاء بكتابه ووضعه عنده وكلا الكتابين يشبه أحدهما الآخر فأخطأ وباع، فحينئذ يقبل قوله ويحكم بانفساخ البيع؛ لأنه باع ما لا يملكه، ومن شرط صحة البيع أن يكون لما يملكه.
قال رحمه الله: [إلا أن يكون قد أقر أنه ملكه أو أنه قبض ثمن ملكه لم يقبل] هذا يسمونه التناقض: أن يكون عنده إقرار سابق ثم يأتي بإقرار لاحق، يقصد به إلغاء الإقرار السابق وإبقاء الإقرار اللاحق، يقول: يا فلان! بكم هذا الكتاب؟ قال: بعشرة، قال: هو ملك لك؟ قال: نعم، هو ملك لي، وأقر بملكيته، ثم جاء وقال: ليس بملك لي، فحينئذ يريد إبطال البيع، فلا نقبل منه إقراره بأنه غير مالك.
إذاً شرط قبول إقراره بأنه غير مالك: أن لا تكون هناك تهمة في مناقضته لإقرار سابق، أما لو ثبت أنه أقر سابقاً فإنه يسقط الثاني ويبقى الحكم الأول.
الإقرار المجمل
قال رحمه الله: [فصل: إذا قال: له عليّ شيء، أو كذا، قيل له: فسره] هذا يسمونه الإقرار بالمجمل، والمجمل هو الذي يتردد بين معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، أو بين معنيين فأكثر بالسوية.
والمجملات تحتاج إلى بيان وتفسير، ولذلك من شرط قبول الإقرار: أن يكون بيناً، وبعض العلماء يقول بعدم قبول الإقرار المجمل نهائياً، ومنهم من يقول: نقبل الإقرار المجمل ولكن نطلب تفسيره ممن أقر به.
وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمه الله، وهو مذهب طائفة من أهل العلم.
فقوله: له عليّ شيء (شيء) هذه نكرة يحتمل أنه غالي ويحتمل أنه رخيص يحتمل أنه من العقارات ويحتمل أنه من المنقولات يحتمل أنه حق من الحقوق العامة مثل الشفعة يحتمل أنه حق في القذف أو عرض أو نحو ذلك، فيطالب ببيان وتفسير ما أجمل، فإذا أراد أن يفسر ينبغي أن يفسر بشيء له قيمة يصدق على أنه شيء، ولو قال: علي مال، ينبغي أن يكون الشيء الذي يقر به مالاً محترماً شرعاً، وعلى هذا لو قال: له عليّ مال، ثم قيل له: ما هذا المال؟ قال: ميتة، أو خمر، أو خنزير، نقول: هذا التفسير ساقط، ونلزمه بدفع أقل ما يصدق عليه أنه مال، وإذا لم يبين ولم يفسر الأصل يقتضي أنه يحبس حتى يبين ويفسر ما أجمله؛ لأن فيه حقاً للغير، وهو الخصم الذي أقر له.
قال رحمه الله: [فإن أبى حبس حتى يفسره] هذا مذهب من يرى الحبس في الحقوق المبهمة والمجملة، والحبس ينبغي أن لا يكون إلا بدليل واضح بين.
قال رحمه الله: [فإن فسره بحق شفعة، أو بأقل مال قبل] (فإن فسره بحق شفعة) قال: له عليّ حق أن أشفع له في عقار بينه وبين أقاربي، وفعلاً كان بينه وبينهم عقار فيقبل منه؛ لأنه يصدق عليه بأنه شيء، وله حق أيضاً.
(أو بأقل مال) قال: له عليّ مال، ثم قيل: كم المال؟ قال: ريال ونصف، الريال والنصف يصدق عليه أنه مال، فنقبل منه، لكن لو قال: له عليّ شيء، قال: فسر، قال: حبة شعير، هذه لا يمكن أن تقبل ولا يصدق عليها أنها مال عرفاً.
قال رحمه الله: [وإن فسره بميتة أو خمر أو كقشر جوزة لم يقبل] هذا مفهوم العبارة السابقة، قال: له عليّ مال، قال: ما هو المال؟ قال: ثعلب محنط -مثلما يحنطون الآن- هذا ليس بمال؛ لأنه لا يجوز بيع الثعالب المحنطة، نقول: هذا ميتة وليس بمال، إنما يقبل أن يكون مالاً محترماً شرعاً، وهكذا لو فسره بالخمر وبالخنزير كله لا يقبل؛ لأنه لما قال: له عليّ مال، ثم ذكر شيئاً لا قيمة له في الشرع ولا يعتد به شرعاً فكأنه تهرب من الإقرار، كما ذكرنا عند قوله: (له عليّ ألف لا تلزمني) وهو التهرب الصريح والتهرب الضمني.
قال رحمه الله: [ويقبل بكلب مباح نفعه، أو حد قذف] (ويقبل بكلب مباح نفعه) وهو كلب الحراسة وكلب الصيد المعلم، فإذا فسره فقال: له عليّ كلب معلم قُبل تفسيره.
والنفع المباح هو الصيد والماشية، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء الكلب للصيد وحراسة الغنم والدواب والبهائم، هذه ثلاثة أنواع من الكلاب: (من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان)، وهذا يدل على أنه له قيمة شرعاً ومنفعته مباحة.
ومذهب بعض العلماء أنه إذا أتلف كلب الصيد المعلم الذي خسر على تعليمه فعليه ضمانه، وهو مذهب ضعيف، لكن له وجه مما ذكرناه.
قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ ألف، رجع في تفسير جنسه إليه] (وإن قال: له عليّ ألف) هذه الألف ما ندري دولارات أو ريالات أو دنانير أو دراهم.
نقول له: فسر، هل هي ألف دولار أو دينار، فإذا فسره بالدولار قبل، وإذا فسره بالريال قبل؛ لأنه يحتمل، ولو فسر المحتمل بأي تفسير قبل منه؛ إذا كان اللفظ يحتمله.
قال رحمه الله: [فإن فسره بجنس واحد أو بأجناس قبل منه] قال: هذه الألف دولارات؛ فأخذ بالقيمة الغالية قبل منه، هذه الألف ريالات؛ فأخذ بالقيمة الدنيا قبل؛ له ألف؛ خمسمائة دولارات وخمسمائة ريالات -مشترك- قبل، قال بأي شيء؛ سواء أجناس أو جنس واحد.
قال رحمه الله: [وإذا قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة؛ لزمه ثمانية] لأن التسعة تسقط بالبينية، ويوافق في هذا بعض فقهاء المالكية الحنابلة رحمهم الله، فما بين درهم وعشرة يلزمه أن يدفع ثمانية؛ لأن هذا يقتضي البينية.
ومن أهل العلم من قال: يلزمه تسعة، لوجود المقاربة، فيدفع تسعة دراهم، والقول الأول يختاره المصنف رحمه الله لوجود البينية، لكن ما الذي يبين له البينية من ناحية ما بين التسعة وما بين الدرهم وبين العشرة؛ لأن التسعة مقاربة للعشرة وما قارب الشيء أخذ حكمه.
قال رحمه الله: [وإن قال: ما بين درهم إلى عشرة، أو من درهم إلى عشرة؛ لزمه تسعة].
هذا للمقاربة لا إلى الغاية، وحينئذ تكون الغاية إلى العشرة وما دونها غير منفية، فتكون تسعة، وما بين درهم وعشرة نفس الحكم، قالوا: لأن هذا يقتضي البينية وقد بيناها في اللفظ وفي المعنى.
قال رحمه الله: [وإن قال: له علي درهم أو دينار؛ لزمه أحدهما].
الدينار أغلى من الدرهم، مثل: له عليّ دولار وريال والدولار أغلى من الريال، نقول له: فسر.
وهذا مراد المصنف: أنه إذا تردد بين الغالي والرخيص طلب منه أن يبين؛ لأن هذا محتمل.
قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ تمر في جراب، أو سكين في قراب، أو فص في خاتم ونحوه؛ فهو مقر بالأول].
(له عليّ تمر في جراب) قالوا: مقر بالتمر وغير مقر بالجراب؛ لأنه قال: تمر في جراب، وما قال: تمر وجراب، وبعض الأحيان الشخص يقول: له عليّ كيس في الثلاجة، فليس معنى ذلك أن نأتي نأخذ الكيس والثلاجة؛ لأن بعضهم يقر بهذا ويقصد أن الذي عليه موضوع في جراب أو في ثلاجة، هذا وجهه، وحينئذ المقر به الأول، وليس المحل تبعاً لما أقر به، والتمر في الجراب.
(أو سكين في قراب) كذلك هو في هذه الحالة لا يقصد؛ لأن كثيراً من الناس يعبر بهذا التعبير ولا يقصد مجموع الأمرين؛ لأنه لو قصد هذا لعبر بالمشاركة، أو قال مثلاً: له عليّ جراب فيه تمر، فهذا واضح بأنه يقصد الجراب مع التمر، لكن إذا قال: تمر في جراب، أو سكين في قراب أو سيف في غمده ونحو ذلك فإنه يقصد به الأول دون الثاني، وهكذا لو قال: فص في خاتم.
فهو مقر (بالأول) بالتمر وبالسكين وبالفص، ولا يلزمه الجراب ولا القراب ولا الخاتم؛ لأنه لم يقر بالثاني.
قال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه وتعالى أعلم].
والله أعلم وأحكم سبحانه، سبحان من علم آدم وعلم الأنبياء والعلماء.
ونسأل الله بعزته وجلاله أن يجعله علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ونسأله بعزته وجلاله أن يجعله شافعاً نافعاً يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
خاتمة شرح زاد المستقنع -
وصايا لطلاب العلم
كل من وفقه الله وأكرمه بطلب العلم فقد تحمل مسئولية عظمى، ألا وهي حفظ هذا العلم عن كل ما يشوبه من سمعة ورياء وعجب، وعليه أن يشكر نعمة الله عليه، وأن يضبط علمه بالمتون، ويمتثل أخلاق طالب العلم المخلص لله عز وجل في طلبه وتبليغه، ويعمر وقته بهذا العلم الجليل وبذكر الله تعالى، وأن يعلم أن دعاء الله والاستعانة به خير معين على ما هو مقدم عليه من أيامه.
وصايا لطلاب العلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه أمور مهمة أحب أن أوصي بها طلبة العلم.
الشعور بالمسئولية أمام العلم
أحب أن أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل، وهذه الوصية كثير قائلها قليل من يعمل بها، وهي التي جمعت خير الدين والدنيا والآخرة، ومن وصى غيره بتقوى الله فقد جمع له الإسلام كله، فأوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل.
ثم هناك أمر ينبغي التنبيه عليه بالنسبة لطلاب العلم الذين حضروا هذه الدروس وأتموا قراءة هذا الكتاب: كل طالب علم وفقه الله عز وجل لقراءة كتاب كامل على شيخه فينبغي عليه أن ينتبه للضوابط الشرعية التي يلزم بالتقيد بها، وكل من ابتلي بهذا العلم فعليه أن يدرك حقيقة لا شك فيها ولا مرية: أن هذا العلم سلاح ذو حدين، فوالله الذي لا إله غيره ولا رب سواه أن هذا العلم إما أن يرفع صاحبه إلى خير وبر ورحمة في الدين والدنيا والآخرة لم تخطر له على بال، وإما أن يمحق له بركة دينه ودنياه وآخرته، فيصبح من أشقى العباد -نسأل الله السلامة والعافية- فليس بين العلم تردد، فإما إلى العلا وإما إلى الحضيض، ومن تعلم العلم لغير الله مكر الله به، ومن تعلم العلم ولم يعرف ماذا يراد بهذا العلم، وماذا يراد منه؛ فقد ذبح بغير السكين، وسيورد نفسه الموارد، فكل طالب علم عليه أن يستشعر المسئولية تجاه ما تعلمه.
ومن حيث الأصل نحن ملزمون بقراءة هذا المتن، وبشرح الكلمة ومعرفة معناها، وذكر المثال والحكم المستنبط منه، ثم ذكر الأمثلة والدليل على الحكم، هذا هو الأصل الذي ينبغي في قراءة الجملة الفقهية، أما الخلافات والردود والمناقشات، فهذه ليس ملزماً بها طالب العلم، ولسنا ملزمين بالخوض فيها، ولكن لوجود الحاجة وكثرة الاعتراضات والأقوال المخالفة مما قد يشكل على طلاب العلم احتجنا إلى هذا البيان، ولوجود نوعية من طلاب العلم تريد التوسع، إذاً الأصل أنك ملزم بالرجوع لهذا الكتاب.
تلخيص ما فهم من كل كتاب
وأوصي طلاب العلم الذين قرءوا هذا الكتاب أن يرجعوا إلى أوله، ويكتبوا معنى كل عبارة وحكمها ودليلها، وذكر أمثلة قديمة أو حديثة حتى تلم به، وهذا ما يسمى: اختصار الشرح، وأما الخلافات والردود والمناقشات والتوسعات فتترك جانباً؛ لأن طالب العلم لا ينبغي له أن يتناول هذه الخلافات إلا بعد التأهل وضبط العلم، وبعد وجود الحاجة، فتبدأ -رحمك الله- بمراجعته بهذه الطريقة، فالذين أتموا حضور الكتاب أوصيهم إذا تيسر للإنسان أن يراجع في خاصة نفسه؛ فهذا من أقوى وأفضل ما يكون لطالب العلم، أن يعتمد على الله ثم على نفسه بعيداً عن الرياء والانشغال بالناس، ويكيف نفسه ووقته قدر ما يستطيع.
ففي هذه الحالة إذا كنت تريد أن تضبط بالمراجعة فهناك محاذير منها: كثرة السآمة والملل، وتسلط عدو الله إبليس الرجيم بالوسوسة والتثبيط عن هذا العلم؛ فوالله إنك في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، والله إن هذه الجنة قد حفت بالمكاره التي لم تخطر لك على بال، وليأتينك عدو الله من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك في كل صغير وكبير ما لم يتداركك الله برحمته، فتلجأ إلى الله سبحانه وتعالى إن استطعت أن تختار أفضل الأوقات لهذا العلم؛ لأنه أشرف شيء، وتستشعر عندما تقوم بك الهمة أنك مسئول أمام الله سبحانه وتعالى، فكل من حضر شرحاً أو بين له حكم؛ فإن العالم أو من شرح أو من علم قد أعذر إلى الله، ونقل الأمانة منه إلى غيره، وحينئذ لما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أشهد الله عليهم، فكل من حضر وسمع المسألة بدليلها فقد برئت ذمة العالم وأعذر إلى ربه، والأمل في الله ثم فيكم، وكل طالب علم إذا استشعر أنه مسئول أمام هذه الأحكام شحذت همته، وقويت عزيمته، وأصبح يشعر أن كل مسألة أمانة في رقبته أمام أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما أن يخيب ظن مشايخه وعلمائه ومن تعب وجد في تعليمه فلا، نسأل الله أن لا يخيب ظننا ولا ظنهم.
ففي هذه الحالة إذا استشعر أنه مسئول أمام الله عز وجل راجع العلم، وستجد نوعاً من السآمة والملل والتثبيط، ولكن والله ما إن تصبر إلا ويفتح الله عليك من واسع رحماته، وكلما عظمت المشاغل والضيق والسآمة والملل كلما عظم فتح الله عليك، فيا هذا! انتبه لنفسك واحرص على وقتك، إذا كنت تريد أن تراجع لوحدك فالأمر يحتاج إلى عزم، ومن أفضل الأشياء التي تعين على الصبر على العلم وقوة النفس على العلم: قيام الليل، فتستعين بالله عز وجل عند قيام الليل أن يعينك على مراجعة هذا العلم، وعلى ضبطه وإتقانه في الدعاء والصلاة.
شكر الله على نعمة العلم
ومما يحتاجه طالب العلم: استشعار عظيم ما يدخره الله فيكمل الفضل إن أنت أتقنت تذكر أن الله سبحانه وتعالى اختارك واصطفاك، وقد كنا والله في طلب العلم لا نزال نحس بنعمة الله عز وجل علينا في قلوبنا، ونقول: سبحان الله! كيف أن الله اختارني أجلس بين يدي الوالد رحمة الله عليه وبين يدي كل من يبث لي درراً من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقول: يا رب! لك الحمد أن اخترتني، وما مرت علي حلقة عالم ولا سمعت عالماً يذكر حديثاً أو حكما ًمن كتاب الله أو سنة إلا قلت: الحمد لله أن شرفني الله أن أنقل هذا العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)، فإذا وفقك الله ويسر لك هذه الرحمة فاستشعر عظيم نعمة الله عز وجل عليك.
ومن استشعار المسئولية: ترتيب الوقت وتنظيمه، ومن العلم الذي سيعان صاحبه أن يكون في كل لحظة مستشعراً أنه مسئول عن هذا العلم، والله إن من طلاب العلم من كان ينشغل بحقوق أهله وإخوانه والناس وهو يفكر في مسائل علم وينقل ويفعل… حتى المصالح الدنيوية تكون عنده وهو يذاكر مسائل العلم في عقله؛ هذه هي الهمة العالية في الطلب، فكن ذلك رحمك الله، وهذا كله بتوفيق الله.
اختيار طالب علم لمراجعة الدروس
واجتهد ما تستطيع في اختيار طالب علم تذاكر معه في هذه الحالة، وأوصي بطلاب العلم الصادقين، وهنا وقفة: ينبغي على اللاحق أن يعترف بفضل السابق، ووالله لا بركة لطالب العلم إلا أن يحفظ حق إخوانه، فإذا تتلمذ على شيخ يعرف أن هناك من سبقه، وأن السابق له حق وحرمة، فيحترمه ويقدره، ويرجع إليه إذا مرت عليه مسألة ما قرأها، ويعرف أن فلاناً ربما قرأها وهو أعلم بها، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم ينصحون بالتابعين، فيقول له: اذهب إلى فلان، وعائشة رضي الله عنها تقول: (سل عبد الله بن عمر)؛ لأنه كان أعلم، وكانوا يسألون أمهات المؤمنين.
وهذا من النصيحة، والدين النصيحة.
وهنا ننبه: أن الأفضل أن يجتمع الإنسان بالأكثر، وهذا يختلف إذا ما كان عندك نوعية جدية ممتازة، ثلاثة أو أربعة أو خمسة، لكن في حدود الخمسة أحسن، إذا كانت منضبطة في نفس يوم الدرس، فبدلاً من أن تحضر الدرس يمكن أن تحدد الوقت الذي يناسب للمراجعة، ثم كل منكم يتقي الله في أخيه، إن وجده مجداً شحذ همته وثبته، وإن وجده متقاعساً قواه، وإذا وجد أنه لا يصلح لهذا تخلى عنه، لكن بعد أن يعذر منه، فإن هذا العلم لا ينبغي أن يؤتمن عليه الكسول ولا الخمول، بل ينبغي أن يختار له أفضل وأحسن الناس جداً واجتهاداً واستشعاراً بالمسئولية، فإذا رأيتم الخمول، والكسلان غداً سيتعلم العلم ثم يقعد في بيته ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:5].
فهذا العلم لا ينال إلا بالجد والاجتهاد، من يريد أن يسابق ويتغرب من يحمل هذا العلم وليس عنده أي مانع أن يسافر إلى أقصى الشرق والغرب من أجل أن يبلغ رسالة الله عز وجل، إما همة صادقة ورجل علم صادق وإلا فلا، وتبحث عن رفيق صادق في طلبه للعلم وجده واجتهاده، فالأفضل أن الاثنين والثلاثة يأتون لمن هو أقدم منهم، ويقرءون عليه ويراجعون معه من البداية؛ لأن من درس ثلاثة أو أربعة كتب استبان له بعض الشيء في المنهج، فحينئذ إذا جلس مع طالب علم متمكن فيمكن أن يسد الثغرات الموجودة عنده، ويكمل نقصه فيما فيه النقص.
وهنا أمر ينبغي أن ينتبه له الطالب الذي يأتي إلى من هو أقدم، فينبغي أن يترفق به، وإذا اعتذر له فلا يحمله على المحمل السيئ، فإن المشكلة الآن في طلاب العلم أنهم يريدون من يعلمهم كما يريدون، وتجد طالباً يأتي ويقول: يا شيخ! أنا أريد أن تعطيني درساً في كتاب كذا وكذا، وهو الذي يختار الدرس، وهو الذي يختار الوقت، ولو قدر له أن يختار كيف أشرح لفعل، وأيضاً يقول: لا تتسرع إذا أتيت إلى شخص وقال لك: لا أستطيع.
فيجب أن تحسن الظن به، ولا تحمله على أنه لا يريد أن يعلمك؛ بل تحسن به الظن، وتقول له: بارك الله فيك وأعانك الله، فإن تيسر له وقت احرص على هذا الوقت ولو كان قليلاً، فربما هذه الساعة التي تراها قليلة فيها خير كثير وفيها بركة.
ثم أوصي طالب العلم الجيد أن لا يرد أحداً قادراً عليه، ومن تعلم منا علماً فإننا نناشده الله أن لا يبخل به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يتقي الله عز وجل، فليس لنا من هذا العلم إلا بقاؤه في الناس، أما وقد تحملنا ما تحملناه رجاء أن يبقى علمنا في الناس، فينصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، خاصة في هذا الزمان، فكل يحتاج فيه إلى من يعلمه.
وصايا للمتميزين من طلبة العلم
ثم أوصي هؤلاء الطلبة المميزين، أولاً بتقوى الله عز وجل، وبأن يحمدوا الله سبحانه وتعالى أن اختارهم فحضروا الدروس كلها، والله إن الإنسان يقف بعد مرور سنوات فيقول: سبحان الله! الله قادر أن يبتلي عبده بالمرض أو بالنسيان، أو بالشواغل الله قادر على كل شيء، مَن الذي يسر وسهل لنا هذا؟ الفضل لله وحده لا شريك له.
وأوصي هؤلاء أن يستشعروا نعمة الله عليهم حتى يبارك لهم في النعمة التي أوتوها، فيحرص كل الحرص على التضحية والصبر والتحمل والتجمل، وتبليغ رسالة الله عز وجل ما أمكن، وأسأل الله أن يمدهم بعونه وتوفيقه وتيسيره، وأن يفتح لهم من أبواب فضله ما لم يخطر لهم على بال، وهذا رجاؤنا وأملنا في الله، ونرجو الله أن لا يخيب رجاءنا فيه.
ويحرص هؤلاء الطلاب الجيدون الممتازون على ما يلي: أولاً: أن يوطنوا أنفسهم بضبط العلم، وأسألهم بالله عز وجل أن لا يقولوا علينا إلا ما قلناه، وأن يفرقوا بين العبارة التي نقول ونقلهم عنا بالمعنى، فلا يأتي شخص ويقول: قال الشيخ كذا وكذا، وهو قد نقل بالمعنى، ولكن يقول: الذي أفهم من كلام الشيخ كذا، والذي أفهم من فتواه كذا، أما أن يحفظ نص كلام الشيخ ويقول: قال الشيخ كذا وكذا، فهذه أمانة ستسأل عنها أمام الله عز وجل.
ثانياً: أوصي بالتقيد بالعبارات، وهو من أفضل ما وجدناه بركة للعلم، أنك لا تجلس عند عالم ولا تقرأ كتاباً إلا وتحرص أن تنقل نفس العبارة والكلمة، ولذلك قال الله: ﴿اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف:4]، والإنسان يأتي بالأثر والشيء كما هو وكما حفظه وكما رآه، قال أبو شريح الوليد بن عمرو بن خزاعة رضي الله عنه: (أبصرته عيناي، وسمعته أذناي، ووعاه قلبي)، يقصد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وذلك من شدة التحري والضبط أبصرته عيناي إذ يتكلم، وسمعته أذناي إذ نطق صلوات الله وسلامه عليه، ووعاه قلبي لما قال، وهذه هي الرحمة، يقول صلى الله عليه وسلم: (نضَّر الله امرأً -وفي رواية: رحم الله امرأً- سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها) والعلم ربما نقل بالمعنى فيحدث أموراً كثيرة، وكذلك أيضاً التقيد بما سمع، وأن لا يحمل العبارات ما لا تتحمل.
ثالثاً: الدقة في ضبط المسائل ونقلها، فالمسائل تحتاج إلى نوع من التركيز والدقة، خاصة مسائل الفقه والأحكام، وخاصة إذا كان الذي يفهم من العوام، فينتبه الإنسان في العبارات التي يقولها، فمن الناس من يقرأ الفقه فيتحدث بكلام العامة، فإذا جاء يشرح كتاباً كأنه يتكلم كلاماً عاماً، فيأتي بعبارات هزيلة، ولربما يأتي بأمثلة من الأسواق، وهذا لا ينبغي، بل ينبغي عليك أن تصون نفسك، وأن تحفظ قولك، وإذا جلس معك طلاب العلم فتتقي الله عز وجل وتشرف العلم، وتتكلم كلام العلماء، ولا تتشدد ولا تبالغ في العبارات، فإذا كان الذي يقرأ عليك عامياً يكون تركيزه وضبطه وسطاً بين الإفراط والتفريط، فلا تبالغ في تنميق العبارات، إنما تأتي بعبارة علمية صحيحة، تعلم أن هناك شيئاً وهو شرح الكتاب، وأن هناك فتاوى، وعلم الكتاب له طريقة، وعلم الفتاوى له طريقة، وليس كل من حضر كتاباً يستطيع أن يقرأه، وليس كل من استطاع أن يشرح كتاباً يستطيع أن يفتي في المسائل، وليس كل من استطاع أن يعلم ويفتي يستطيع أن يقضي.
فهذه كلها تحتاج إلى أهلية وضبط وتمكن، لكن إذا كنت تريد أن تذاكر مع إخوانك وخاصتك فحينئذ تحرص على أن تتقيد بالعبارات ما أمكن، هذا الذي أفضل أن يكون عليه طالب العلم.
تحذير طالب العلم من العجب
ومما أحذر منه: العجب، فإذا فتح الله عز وجل عليك، وأصبح طلاب العلم يجلسون بين يديك، فخف على نفسك ولا تعجب، ولا تبالغ في الغرور، فإن الغرور هلاك للإنسان، والعبد قد يفتن في علمه، ثم إذا بلغ يمتحن حتى يبلغ مبلغ العلماء، ثم إذا بلغ مبلغ العلماء امتحن في التواضع لله عز وجل وعدم الغرور، فإياك أن تغتر، والله قد ذكر الذين تكبروا وسماهم فقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:83]، فطالب العلم والعالم الموفق السعيد هو الذي يزيده علمه تواضعاً، ولا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن فوقه، وعمن دونه، وعمن هو مثله، والحكمة ضالتك، وبغيتك، ومطلبك، ومقصدك، فابحث عن الحكمة، وإذا وجدتها تتواضع لها، ولا تغتر، فيجلس الإنسان ويقول: أنا من طلاب فلان، وقد حضرنا درس فلان، وقرأنا على فلان، وقال شيخنا، والبعض يحضر للشيخ درسين أو ثلاثة، ثم يقول: قال شيخنا! وهذا نوع من التدليس، وهذا لا يصح إلا إذا كان الإنسان قرأ عليه كتاباً كاملاً، فيقول: قال شيخنا في العبارة التي سمعتها، لكن أنك تأتي في باب لم تقرأه على الشيخ، ثم بعد ذلك تسمع أحداً يقول، ثم تقول: قال شيخنا، وتوهم من يسمعك أنك قرأت عليه، فهذا لا يجوز، وهو غش، فينبغي التقيد بالأمانة والإنصاف، حتى إن البعض يدّعي أنه من طلاب الشيخ فلان وعلان، وهو ما تتلمذ إلا على كتبه، وعلى هذا فيمكن أن يقول شخص: قال شيخنا شيخ الإسلام، وهذا تدليس للأمة، فلا ينبغي أن يقول شخص: قال شيخنا؛ لأن هذه العبارة إذا سمعها طلاب العلم، يتبادر إلى ذهنهم أنه قد قرأ على هذا الشيخ، فالناس لا تغني لك من الله شيئاً رحمك الله، مدح الناس وثناء الناس لا شيء، سواء تتلمذت على يد الشيخ فلان وعلان، فلن يقدم لك شيئاً أخّره الله عنك، ولن يؤخر عنك شيئاً قدمك الله إليك.
فعلى كل إنسان أن يوطن نفسه بتقوى الله عز وجل، والبعد عن الغرور والعجب، ومن حقك أن تقول: تتلمذت على الشيخ فلان، وقرأنا على الشيخ فلان؛ ليعرف الناس قدرك، وليعرف الناس قدر العلم الذي تعلمته، ومن حق طالب العلم أن يقول: أنا من طلاب الشيخ فلان، وقرأنا عليه كتاب كذا، وقرأنا عليه كتاب كذا، كما قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:55]، وقد نص العلماء على جواز هذا إذا قصد به الثقة بما يقول، والعمل بعلمه، وإنزاله منزلة تليق به، فهذا منصوص عليه عند العلماء، ولا حرج ولا بأس، لكن الحرج هو الغرور.
الاعتراف بنعمة الله
وهنا أقول كلمة: والله ثم والله! ليس هناك أبرك من طالب العلم، ولا أعظم خيراً ولا أحسن عاقبة من معاملته لله عز وجل، فعليه أن يعلم أن عزته في الله وحده، وأن علمه من الله وفهمه، فإن الله هو الذي علمه ما لم يكن يعلم، وأن فضل الله عليه عظيم، فيعترف بفضل الله سبحانه وتعالى، ولا يبحث عن القشور التي عند الناس.
من حقك أن تعترف بفضل غيرك عليك تبعاً لفضل الله، والمخلوق ليس له فضل كفضل الخالق، إنما فضله تبع، ولذلك تشكر الناس، لكن شكرهم تبع لشكر الله سبحانه وتعالى، فهو الذي علمك وفهمك، ولذلك فلا يغتر الواحد بمشايخه وبعلمائه؛ لأن هذا الغرور سيدعوه أن يرد أقوال العلماء وانتقاص الآخرين، والحط من فتاوى العلماء.
ولهذا أوصي طلابي أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وعليهم أن يستندوا إلى الحق؛ لأن الحق يستمد قوته من ذاته، ويبينوا للناس ما ترجح عند شيخهم، أو عند من قرءوا عليه، ولكن لا يحطموا أهل العلم، ولا ينتقصوا قدر العلماء، وما وجدنا أهل العلم يؤلفون الكتب أو يفتون أو يعلمون من أجل الحط من أقدار العلماء الآخرين، وإنما زادهم العلم اعترافاً لأهل العلم بفضلهم، واعترافاً لكل ذي حق بحقه.
وأوصي طلابي أن يتقوا الله عز وجل، وأن لا يتخذوا من تعلمهم وسيلة للعجب إلى درجة نسيان حقوق العلماء الآخرين، وإذا جاءك أحد بقول مخالف لقولك الذي قرأته، فاعلم أنك إذا اعتقدت حكماً شرعياً، وعندك فيه دليل من كتاب وسنة، ممن يوثق بعلمه في فهم هذا الحديث؛ فقد أعذرت إلى الله.
التقيد في مرحلة الطلب بما درس على المشايخ
وبعد هذا تتقيد بهذا العالم، وهذا ما يسميه العلماء بمرحلة الاتباع، فتتقيد به حتى تدرس أصول الفقه، وتعرف الذي خالفه، وما دليله، وهل الحجة مع شيخك؟ أو مع من خالفه؟ فقبل أن تصل إلى هذه المرحلة تلزمك مرحلة التتبع، ويلزمك هذا الأصل؛ لأنك تسير على أصول وضوابط، ولو أنك انتقلت إلى غيرك فقد نفّقت، فقد يكون هذا الشيخ أعمل دلالة أسقطتها أنت في العبادة والمعاملة، وحينئذ تعمل بدليل الاضطراب، وهذا ما يعنيه العلماء بالاتباع، وإذا أخذت قول شيخ بدليل تقول: هذا الذي تعلمته، وهذا الذي أعرفه، وهذا الذي تذكره قول لبعض العلماء، لكن هذا الذي درسناه، وهذا تعلمناه، وانتهى الإشكال، قولكم خطأ، وقولنا صواب، وكذا، وإقامة الدنيا.
ومما أوصي به طالب العلم، وهذا من نعم الله عز وجل عليك: ترك الجدال والمناقشة، كثير من طلاب العلم الآن-إلا من رحم الله- محقت منه البركة، وضاع عليه وقت كبير من وقته وعمره بسبب المناظرة، كل شخص يبحث مسألة يريد الأقوال فيها، والردود، والمناقشات؛ لأنه مولع، ويريد من يناقشه حتى يرد عليه، وهذه هي آفة العلم، فعليك-رحمك الله- أن تقرأ، والحكم بدليله، وتتقيد بهذا الحكم والدليل، حتى تصل إلى مرتبة أهل العلم الذين يجتهدون، فإذا سرت على هذا الطريق جمع لك من العلم ما لا يحصى، ولذلك كان الإمام شيخ الإسلام محمد بن إبراهيم رحمه الله برحمته الواسعة معروفاً عنه أنه لا يمكن أن يجادل أحداً، وهو على درجة من التثبت والرسوخ في العلم، وكان معروفاً عنه أنه إذا جلس في مجلسه، وسأله أحد سؤالاً، ثم فتحوا باب المناقشات، لماذا؟ وكيف؟ هذا ليس من باب الاستفادة، باب الاستفادة -هذا نقله إلي الوالد رحمه الله- بمجرد أن يأتي ويقول: لماذا؟ ويقوم هذا ويقول: لا، قال فلان، قال علان، يتركه، ويقوم من المجلس، ولا يمكن أن يجلس مجلساً فيه هذا اللجاج والمناظرة؛ لأن القلوب تفسد، ويحدث نوع من الغرور للمتكلم أو للسامع أو للمعترض عليه، وقد تحط من قدر العالم، ولذلك فالسلامة غنيمة، من عنده علم عمل بالدليل: ما علمت فقد كفاني وما جهلت فجنبوني مادام أني أخذت هذا العلم عمن يوثق بعلمه ودينه، فيجب أن أضبط هذا العلم، وأعكف عليه، وستضبط كتب العبادة والمعاملة بهذه الطريقة التي لا تشويش فيها، وليس عندك أحد يدخل عليك الشبه حتى تضبط، وبعد ما تضبط يفتح الله عز وجل عليك، وتتوسع في أصول الفقه، وضوابط العلماء في الاستدلال، ووجه الدلالة، ثم تنكشف لك الأدلة، ثم تبحث، وهذا من أفضل ما يكون.
طريقة الشرح لكتب الفقه
وهناك تنبهيات، منها: أننا في شرح الزاد ربما تركنا أبواباً ما أسهبنا فيها، وأسهبنا في أماكن أخرى، فمثلاً: في العبادات والمعاملات المالية في شرح بلوغ المرام إذا وجدت أني قلت قولاً ورجحته باختصار، ولم أسهب في المسألة، فتجدها في الشروح الأخرى مطولة، وهذا يعرفه الطلاب، والأفضل أنك تجمع الشروح كلها، وتحاول أن تعرف قسط هذه المسائل، فتضع عندك مثل الفهارس، تلخص به الشرح، ثم تجعل إحالات للتوسع في الأقوال والردود.
بالنسبة لهذه الرسالة فقد كان بالإمكان أن ننتهي منها في شهرين أو ثلاثة، ولكن قد لا يضبط إلا طالب العلم المتمكن، أما إذا طالت المدة فإنه يتضح المنهج لطالب العلم، ولذلك تجد طلاب العلم الذين يقرءون السنة والسنتين والثلاث يسيرون على منهج واضح، وطريقة واضحة، وترسخ عندهم الطريقة، وأما الاستعجال فلربما تأتي آفات لطالب العلم، وتبقى فيه كثير من الأدران، والتنبيهات، فيستعجل ويخرج دون نضوج، ثم يوجد من يستعجل من غير أولئك وله عذره، وجزاه الله خيراً عن أمة محمد، ولا نقلل من شأنه، لكن هذا الذي اخترته لأجل مصلحة العلم، وأسأل الله بعزته وجلاله أن يجعل العلم لنا فيما اخترناه، وهذا من ناحية إطالة المدة، المهم أن تعرف العبارة والحكم والمثال والدليل، هذه هي قراءة الفقه، فلا يقال: الأبواب الأخيرة ما شرحت؛ لأن هذا نوع من الفضل غير واجب لك، الأصل أننا نبين معنى العبارة ومثالها والدليل، هذا هو الأصل، وهذه طريقة قراءة الفقه.
فتعود إلى هذا الأصل، وتضبطه، وتحرر المسائل الناقصة من غيرها، أما الأبواب الأخيرة: الأطعمة، الذكاة، الصيد، الأيمان، النذور، كل هذه قد تكون فيها دورات مستقلة-إن شاء الله- نبين فيها ونفصل، سواء في المدينة، أو في جدة، أو في مكة، وطلاب العلم عليهم أن يكونوا على اتصال بالدروس العلمية، ويحاولوا أن يستدركوا بعض التفصيلات والتفريعات الموجودة فيها إذا احتاجوا إلى هذا التفصيل والتفريع.
أخلاق طالب العلم
كذلك هناك أمور ينبغي التنبيه عليها بالنسبة لطلاب العلم فيما بينهم، وهي: أخلاق الإسلام؛ أن يحرص طالب العلم على أن ينفع أخاه ما أمكنه، والتضحية والإيثار من خلق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أدب الله بذلك بنيه صلوات الله وسلامه عليه، فيحرص طالب العلم على أن يؤثر أخاه إلا فيما فيه الخير من استثنائه للعلم، ويحرص طلاب العلم مع بعضهم على المحبة، والصفاء، والنقاء، والمودة، وليعلم كل طالب منتسب إلى شيخه أن عليه حرمة أن يزين هذه النسبة، وألا يشينها، فيكون عفيفاً عن أهل العلم، وعن حدود الله عز وجل ومحارمه، وعن العلماء.
وأوصيه بتقوى الله في أهل العلم من السابقين والباقين -نفع الله بعلمهم- ممن قضوا ومضوا رحمة الله على الجميع، أوصي باحترامهم، وتوقيرهم، وحفظ حقوقهم، وأن لا يشين أحداً من طلابنا، وكل إنسان محسوب على نفسه، وعندما يقال: هو من طلاب فلان، فلا يؤذي شيخه بل لا يؤذي حتى طلابه ويشينهم.
وهذا أمر أحب أن أوصي به؛ لأن الزمان كثرت فيه الفتن، وإن شاء الله طلاب العلم هم أرفع من هذا كله، لكن كثرة الفتن والمحن توجب التنبيه على مثل هذه الأمور.
تعليم الناس العلم
وكذلك أيضاً مما أحب أن أوصي به: الحرص على اختيار الأوقات المناسبة في تعليم الناس، فطالب العلم الذي وفقه الله لضبط هذه المسائل، وقراءة هذا الكتاب، له أن يُقرئه ويدرسه في حدود ما علم، وهذه إجازة لمن اتقى الله عز وجل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظ حق التعليم, وقرأ في منهج العلماء رحمهم الله، أو جالس أهل العلم، واستفاد من سمتهم ودلهم، أن ينفع أبناء المسلمين ما أمكنه، وأن يبذل ما يستطيع، إذا استطاع أن يفتح درساً في مسجد حيه ولو بعد الصلاة يتحدث فيه عن أحكام الطهارة، وإذا جاءته أسئلة يقول: أنا لست أهلاً للفتوى، أما إذا ضبط الأسئلة والإجابة عنها، وعلم أن السؤال والجواب موجود؛ لأنه قرأ على أيدي العلماء.
فعلى كل حال: الحرص على فتح درس، أو الجلوس مع الإخوة في الطلعات والنزه فيقول: هلموا نتذاكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هلموا نتذاكر أحكام الزكاة، والبيع، فيعمر وقته بذكر الله، وطاعة الله.
عمارة الوقت بالذكر والورع من الدنيا
ومن الأمور التي أوصي بها كل من يريد أن يبارك الله عز وجل له في علمه: أن يستغرق وقته في طاعة الله؛ لأن العالم وطالب العلم إذا حفظ وقته في طاعة الله يبارك له، ويفتح عليه، ويقال: إنه ما حُرص على أمرين إلا نال الإنسان فتحاً في هذا العلم، فسيفتح الله عليه، ويبارك له في الفهم: الأمر الأول: استنفاد الوقت في ذكر الله وطاعته، فأولى الناس بالفهم والوعي عن الله ورسوله، وحسن التعليم للناس، والقبول؛ من رزقه الله عمارة وقته بذكر الله عز وجل، وهذه وصية علمائنا ومشايخنا، أن يحرص طالب العلم على عمارة وقته بذكر الله عز وجل.
الأمر الثاني: التورع، والتحفظ من الدنيا ما أمكنه، خاصة إذا قُصد بها المطامع، وأراد من تلك الدنيا أن يذلك، فالله أعزك، وأراد غيره أن يذلك، فارض بعزة الله، وكرامته لك، إن هذا العلم أمانة في رقبتك، ولذلك صن هذا العلم، فبمجرد أن تحس أن الشخص يريد أن يذلك بهذه العطية، أو بهذا المال، فابتعد، قال سفيان الثوري رحمه الله: (أوتيت فهم القرآن، ولما قبلت الصرة نزع مني)، فحينما يتورع الإنسان عن أموال الناس ومطامع الدنيا يرتفع قد تجد الإنسان من أهل الدنيا يأتي ويضعك في صدر مجلسه، أو في مكان أعلى مما أنت تستحقه، ويريد أن يستدرجك، فتربأ بنفسك، ولا ترضى لنفسك إلا بتقديم ربك، والله ليرفعنك الله ولو وضعك الناس، وليضعن الله من عصاه ولو رفعه الناس، لو أطبق من في الدنيا على أن يرفعوك على منزلتك شعرة وهم راضون ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
فعامل الله، واحذر من هذه الدنيا، والدنيا لا تختص بالمال، حتى ولو أتى ليشرفك، ويريد أن يضعك في مكان فيه نوع من المجاملة والمحاباة، وترى من هو أعلم منك وأفضل فتأخر، وقل: فلان أعلم مني؛ لأنك تعلم أن هذا يرضي ربك، وفلان أولى مني، وإذا سئلت عن علم، وهناك من هو أعلم منك، فقل: اذهبوا إلى فلان، فلان أكثر ملازمة للشيخ مني، فلان كذا، وهكذا، وإلا فلا.
فإذا حرصت على هذين الأمرين: عمارة الوقت، والتعفف عن الدنيا، فإن الله سيفتح عليك من فواتح رحمته، وما من عبد يترك شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه.
وعليك أن تحرص في تعليمك لطلابك على غرس أخلاق ومبادئ الإسلام، فالأدب قبل الطلب، والعمل الذي يرضي الله عز وجل يزين العلم فتحرص على أن يتأدب طلابك بآداب الإسلام، وهذا يحتم على طالب العلم أو على من يريد أن يعلم الناس أن يعلمهم السكينة والوقار، والأدب في مجلس العلم؛ لأن هناك ملائكة تغشى حلق الذكر، فتجمل، ولا تري الله من نفسك إلا كل خير من السمت، والوقار، وحسن الصمت، وإياك واللغو، وأخلاق الجاهلية، فهذه مما تشين الإنسان.
الاعتزاز بالعلم ورفعه
عليك أن تربو بهذا العلم، وكذلك أيضاً من عزتك بالعلم أن لا تنزله في المواضع التي يمتهن فيها، فتأتي إلى الناس وهم جالسون في لهو، وتريد أن تفتح درساً، أو تتكلم في شيء يكون فيه امتهان للعلم، أو يأتي أحدهم ويتهكم بك، يقول: حدثنا عن كذا، على سبيل التهكم؛ بل ارفع هذا العلم، فإن رفعته رفعك الله عز وجل، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه لـ عكرمة: (إياك أن تأتي الناس في مجالسهم تحدثهم)؛ لأن العلم إذا جاء بالقهر والقسر امتهن، ولذلك دعهم حتى يسألوا، ثم قال له من وصاياه أيضاً رضي الله عنه وأرضاه: (لا تفت الناس إلا فيما احتاجوا إليه، فإنك إن أفتيتهم فيما احتاجوا إليه طرحت عنك تبعة العلم)، فإن كثيراً من أسئلة الناس فيها فضول، فلا تجبهم إلا فيما يحتاجونه الناس يأتون يتكلمون في الفضول، والواحد منهم لا يعرف كيف يتوضأ، ولا يعرف ماذا يفعل لو سها في صلاته، فإذا جئت لمجلس وقالوا: حدثنا، بدل أن يحدثنا إنسان في بعض الأمور، يقولون: تحدث عن بعض الأمور التي مصلحتها قليلة، فتقول لهم: يا إخوة! أنتم الآن مسلمون، لو أن ميتاً مات، وأنتم في سفر، كيف ستغسلونه؟ وتبدأ تصف لهم غسل الميت، وأحكام السهو في الصلاة؛ فإن هذه أمور تحتاجها العامة، وهذا من النصيحة، وتختار لهم أفضل ما يختار، فتختار لهم أطيب الكلام، ولذلك قالوا: إن الحكيم والأديب هو الذي يكتب أحسن ما يقرأ، ويحفظ أحسن ما يكتب، ثم يملي بأحسن ما حفظ.
يصفي الشيء تلو الشيء، ثم لا يتكلم إلا بأحسن أحسن الشيء، فليس منفلت الزمام، يحدث ويتكلم بكل شيء.
ثم إن جماع الخير كله في تقوى الله عز وجل، وكل الأمر يعود إلى شيء واحد، وهو: المعاملة مع الله، مهما تكلم الإنسان أو سكت، فالقليل المبارك خير من الكثير المنزوع البركة، فعامل الله وأبشر بكل خير، فوالله ثم والله ما رأينا من ربنا بهذا العلم إلا كل خير، وجدناه سبحانه وتعالى عظيماً، حليماً، كريماً، براً، رحيماً، ما وجدنا أوفى من ربنا، ولا أكرم منه سبحانه وتعالى علَّمنا وكنا جاهلين، وهدانا وكنا تائهين حائرين، ورفعنا وكنا وضعاء، ولن نزل وضعاء فقراء حتى يرحمنا وهو رب العالمين، به استغنينا عمن سواه، واستكفينا عمن عداه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فعامل الله وأبشر بكل خير، واعلم أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع عبده، ولن يخذل من والاه، فكن لله يكن الله عز وجل لك، واعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب الصادقين والمخلصين فكن منهم، واعلم أن الله سبحانه وتعالى يحسن الجزاء لعبده، ويجزي المحسن، فإذا عاملت الله فلتكن معاملتك في قولك وفعلك على أحسن وأجمل وأتم وأكمل ما تكون المعاملة لله، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً لا يقبل الله النفاق، ولا الرياء، ولا التصنع، ولا التكلف، ولكن ما وقر في القلب من إرادة وجهه، وصدقه العمل المبني على شرعه، فمن كان كذلك بورك له في قوله وعمله، وبينك وبين هذا العلم الذي تتعلمه الأيام، فإنه صدقت مع الله ليصدقن الله معك حياً وميتاً، وليطيبنك بهذا العلم حياً وميتاً، قائماً وقاعداً، نائماً ومستيقظاً، ولتجدن البركة والخير من الله عز وجل ما لم يخطر لك على بال، فاستغن بالله، واعلم أنه ليس هناك أسعد منك وأنت تقرأ، وليس هناك أحد أسعد منك وأنت تفهم كلام الله، وتتفقه في دين الله، وليس هناك أحد أسعد منك وأنت تعلم الناس، ولذلك عاش أئمة السلف مرقعة ثيابهم، حافية أقدامهم، ولكنهم أغنى الناس بهذا العلم؛ لأنهم شعروا بغنى الله عز وجل الذي أغناهم به، فاعرف قدر هذا العلم.
دعاء
أسأل الله بعزته وعظمته وكماله، في هذه الساعة المباركة بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا: أن يتقبل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك أن تعفو عن أخطائنا، وما كان منا في كل ما علمناه وتعلمناه، اللهم اجبر كسرنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم اغفر ذنوبنا في ذلك كله، ما علمناه وما لم نعلمه، ومما تعنتناه ومما أخطأنا فيه، اللهم اغفر لنا جميع ذلك يا حي يا قيوم، اللهم ارحمنا بمغفرة ذلك كله يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل هذا العلم خالصاً لوجهك، موجباً لرضوانك، اللهم أعظم لنا فيه الجزاء، اللهم أعظم لنا فيه الجزاء، اللهم أعظم لنا فيه الجزاء في الدنيا والآخرة، بارك لنا فيما جزيتنا فيه، اللهم أعطنا فيه خير ما أعطيت من تعلمه وعلمه خالصاً لوجهك، وابتغاء مرضاتك، يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين! اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، نسألك في هذه الساعة المباركة أن تسبغ شآبيب رحماتك ومغفراتك على قبور علماء المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، اللهم ارفع درجاتهم بوجهك العظيم إلى الفردوس الأعلى في الجنة، اللهم اجزهم عنا خير ما جزيت عالماً عن علمه، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء وأعظمه وأوفاه، اللهم قدس أرواحهم في جنات النعيم، وتفضل عليهم بأفضل الخير والتكريم يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر لمشايخنا خاصة، اللهم نور على الأموات منهم قبورهم، اللهم نور عليهم قبورهم، وافسح لهم فيها، وارفع درجاتهم إلى أعلى عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، واجزهم عنا خير ما جزيت شيخاً عن طالبه، ومعلماً عن تعليمه، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين! اللهم اجزهم فيما اجتهدوا فيه لنا في تعليمنا، ودلالتنا إلى الخير بأحسن الجزاء يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين! اللهم عجزنا عن مكافأتهم، وأحلناه عليك يا كريم يا رحيم، أعظم جزاءهم، وثقل في موازين الحسنات ثوابهم، اللهم سر ناظريهم بعظيم الأجر فيما علمونا، اللهم لا تخيب ظنهم فينا، اللهم لا تخيب ظنهم فينا، اللهم لا تخيب ظنهم فينا.
اللهم بارك لأحيائهم في أعمارهم، وأحسن خاتمتهم، ويسر أمروهم، واشرح صدورهم، وفرج كروبهم، يا حي يا قيوم، يا حي يا قيوم! اللهم إنا نسألك العلم والعمل، اللهم إنا نسألك العلم والعمل، والإخلاص والقبول، اللهم إنا نسألك علماً يرضيك عنا، اللهم إنا نسألك علماً يرضيك عنا، اللهم اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا، واستر عيبنا، فأنت ربنا لا إله إلا أنت، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم ارحم ضعفنا في هذا العلم، وارحم تقصيرنا يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تبارك لنا فيما تعلمناه وعلمناه، وأن تعيننا على العمل والبلاغ يا أرحم الراحمين! اللهم أعنا على الإخلاص لوجهك، واتبغاء ما عندك، اللهم أعنا على الإخلاص في ذلك لوجهك، وابتغاء مرضاتك، وبارك لنا في هذه العلوم، واجعلها شافعة نافعة لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتاك بقلب سليم، اللهم اغفر لنا، ولمن أحبنا فيك، ولمن حضر مجالسنا، اللهم اغفر لنا، ولمن أحبنا فيك، ولمن حضر مجالسنا، وأعاننا على تبليغ رسالتنا، اللهم اغفر لنا أجمعين، وهب المسيئين منا للمحسنين، يا أرحم الراحمين! يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن تعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نسألك أن تبارك لنا فيما بقي لنا من أعمارنا، اللهم إنا نسألك أن تبارك لنا فيما بقي لنا من أعمارنا، اللهم بارك في أعمارنا، اللهم بارك لنا فيما بقي من أعمارنا، واجعلها فيما يرضيك عنا، يا أرحم الرحمين! يا أرحم الرحمين! اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، اللهم نور على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغلسهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وصفحاً ومغفرة ورضواناً، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس الكرب عن المكروبين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتاهم أجمعين، يا أرحم الراحمين! يا أرحم الرحمين! اللهم إنا نعوذ بك من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، وعضال الداء، وخيبة الرجاء، يا أرحم الرحمين! اللهم إنا نسألك النصر على الأعداء، اللهم إنا نسألك النصر على الأعداء، اللهم إنا نسألك النصر على الأعداء، لا إله إلا أنت، نسألك مرافقة الأنبياء، وعيشة السعداء، لا إله إلا أنت، يا أرحم الرحمين! ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.