حكم من أكل طعاماً يعلم أنه مغصوب
قال رحمه الله: [وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه].
شخص اغتصب طعاماً من شخص، ثم أخذ هذا الطعام المغصوب وأطعمه مسكيناً أو شخصاً آخر لا يعلم أنه اغتصبه، فلا يضمن المسكين، ولكن لو علم المسكين أنه اغتصبه ثم أكله؛ لزم الضمان الآكل، أما الغاصب فلا ضمان عليه، بمعنى: أن الآكل أو المسكين أكل مالاً علم أنه ليس للغاصب عليه يد، فمعنى ذلك: كأنه متعمد أن يأكل مال الأول، والغاصب ما أكل، فيضمن المسكين للغاصب، والغاصب يضمن لصاحب الحق، أما إذا كان لا يعلم فلا شيء عليه وإنما يضمن الغاصب، وعلى هذا تؤخذ مسألة الأطعمة، ومسألة الاستهلاك في الحقوق، وكلها مرتبة على هذا، ونفس الشيء في المنافع فيضمن له، ويكون الضمان على العالم إذا علم.
لو أن شخصاً جاء واغتصب عمارة، ثم قال لشخص: اسكن في هذه العمارة سنة، فجاء واستأجرها بعشرة آلاف لمدة سنة، وهو لا يعلم بأنها مغصوبة، فهنا لا يضمن المستأجر، ولو تبين أنها مغصوبة أثناء مدة الإجارة انفسخت الإجارة، فصحت فيما مضى وبطلت فيما بقي، إلا إذا شاء صاحب العمارة أن يستمر مع المستأجر فلا إشكال، وهكذا بالنسبة للمركوبات ونحوها، فيكون الضمان على المستهلك، لكن لو علم أن العمارة أو السيارة مغصوبة وانتفع بها لزمه دفع الأجرة ويكون الضمان على العالِم، وكما يكون في الأعيان يكون أيضاً في المنافع.
قال رحمه الله: [وعكسه بعكسه].
إذا أكل الطعام من لا يعلم أنه مغصوب لا يضمن، وإذا أكل الطعام من يعلم أنه مغصوب ضمن، فأصبحت المسألة في حال العلم وعدمه مختلفة الحكم، إن كان الآكل يعلم أنه مغصوب ضمن، والذي يضمن هو الذي أطعم وأعطى الغير ذلك الطعام.
متى تبرأ ذمة الغاصب
قال رحمه الله: [وإن أطعمه لمالكه أو رهنه، أو أودعه، أو آجره إياه، لم يبرأ إلا أن يعلم، ويبرأ بإعارته].
إذا اغتصب شخص من آخر حقاً أو عيناً فإنه تبقى ذمته مشغولة بهذا الحق وتبرأ الذمة بأحد أمرين: الأمر الأول: أن يرد عين الشيء الذي أخذه إلى صاحبه، فيأتيه ويقول له: هذه عمارتك أو هذه سيارتك التي أخذتها خذها، وضمن له نقصها، فحينئذ لا إشكال على التفصيل الذي ذكرناه.
الأمر الثاني: أن يسامحه صاحب الحق، فيقول له: قد أبرأتك وعفوت عنك، فحينئذ يبرأ.
ولكن هنا مسألة: لو أن صاحب الحق مات قبل أن يستسمحه الغاصب، كرجل اغتصب أرضاً من جاره ثم توفي الجار قبل أن يسامحه، فجاء إلى ورثته وسألهم أن يسامحوه فقالوا له: قد عفونا عن المال الذي أخذته من أبينا وسامحوه، فهل يبقى حق الميت؟
الجواب
اختار طائفة من العلماء أن الميت يكون خصماً لهذا الغاصب في المدة التي احتبس فيها حقه عنه إلى أن توفاه الله عز وجل، فلو أنه ظلمه في هذه الأرض عشر سنوات، فإنه يكون غاصباً عشر سنوات ويلقى الله بمظلمة أخيه ولو سامح الورثة، فهم سامحوا في حقهم وليس لهم حق في أن يسامحوا في حق غيرهم، وكل نفس لها حقها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله)، فجعل التحلل راجعاً إلى صاحب الحق الأصلي، لكن بالنسبة للغاصب لا شك أنه إذا سامحه الورثة، فالأمر أفضل وأحسن من كونه يتمادى في الغصب، لكن لا يسقط الاستحقاق الأصلي للمورث -وهو الوالد أو الميت- لأنه يبقى بمظلمته حتى يلقى الله عز وجل بتلك المظلمة، ولذلك يستحب بعض العلماء أن يتصدق عن هذا الميت بعدل حقه، أن يتصدق وينويها صدقه عن هذا الميت بعدل حقه، فإذا فعل ذلك، فإنه يرجى له الخير، وإن كان سيلقى الله عز وجل بمظلمة أخيه.
حكم انتفاع المغصوب منه بالمغصوب دون علمه
وقوله: [وإن أطعمه لمالكه أو رهنه].
يبقى
السؤال
لو أن هذه العين المغصوبة أطعمها لمالكها، فالذي أكل الطعام هو الشخص الذي يملك الطعام؟ شخص اغتصب صاعاً من الأرز، ثم دعا صاحب الصاع عنده إلى وليمة وأطعمه إياه مرة أو مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له: يا أخي! قد ظلمتني في الأرز، قال: الأرز قد أكلته.
فما الحكم؟
الجواب
أنه إذا كان لا يعلم، فلا يزال الصاع في ضمان الغاصب ولو أكله المغصوب منه، والسبب في هذا: أن يد الغاصب -وهي يد الضمان- لم تسقط؛ لأنه لم يعلم المغصوب منه أن هذا الذي يطعمه من ماله، وإنما دخل في ضيافة، ويظن أن هذا استحقاق، فهو يأكل بحق منفصل عن حقه الذي هو واجب على الغاصب، ولذلك كونه أكل فهذا لا يؤثر، ويبقى استحقاقه للعين المغصوبة، ويجب على الغاصب أن يضمن له المثل إذا أطعمه للمغصوب منه.
وقوله: (أو رهنه).
إذا رهنه لمالكه ولم يعلم المالك أن هذا المال الذي رهنه هو نفس ماله فإنه لا يبرأ؛ لأن الرهن ينتقل إلى عند المرتهن وبينا في أحكام الرهن، أنه يكون الانتقال بالقبض، ويصبح الرهن لازماً بالقبض وفصلنا في هذه المسألة، وبناء على ذلك: إذا أقبض المالك رهنه، فمثلاً: لو أن شخصاً اغتصب من شخص سيارة، ثم استدان منه عشرة آلاف ريال وجعل السيارة عنده رهناً، فإن هذا لا يوجب أن تزول يد الغصب وتبقى السيارة مضمونة عند الغاصب إذا لم يعلم المغصوب منه، أما إذا علم فهذا شيء آخر.
وقوله: (أو أودعه).
جعله وديعة عنده.
وقوله: (أو آجره إياه).
أخذ منه السيارة واستأجرها للركوب، فركبها وسافر بها.
وقوله: (لم يبرأ إلا أن يعلم).
لم يبرأ الغاصب إلا أن يعلم المالك أن هذه السيارة هي سيارته، ويعلم المالك أن هذا الطعام هو طعامه، فإذا علم المالك أن هذا الطعام الذي يأكله هو طعامه، فحينئذ يكون قد أخذ حقه، وإذا علم أن هذه السيارة هي سيارته، فحينئذ تبرأ ذمة الغاصب في ضمان إجارتها المدة التي كانت عند المالك، وتكون يده حينئذ على العين المغصوبة، فإذا ردها للغاصب يكون هو المفرط وعلى هذا تبقى يد الغاصب على العين المغصوبة.
وقوله: (ويبرأ بإعارته).
لأن الإعارة تستلزم الضمان، فتنتقل يد الغاصب، وتنتقل العين المعارة من ضمان الغاصب إلى ضمان المغصوب منه، وإذا انتقلت العين المغصوبة إلى ضمان المالك، حينئذ فاتت يد الغصب وأصبحت في ملك صاحبها، ولا يضمن الغاصب في هذه الحالة؛ لأنه لا يمكن أن نجمع بين يدين متضادتين في الغصب، فنقول: تكون العين المغصوبة المعارة في ضمان الغاصب، وفي ضمان المالك.
لا يمكن هذا؛ لأنها بالعارية تكون في ضمان المستعير، فالمغصوب منه -مالك السيارة- حينما يأخذها عارية سواء علم أو لم يعلم يكون ذلك موجباً انتقال الضمان إليه.
نصائح لطلاب العلم
أحب أن أنبه إلى أمر يقع في الدروس، وكثير من الناس حصل عنده لبس فإن البعض يخطئ بعض طلاب العلم، والحقيقة ليس هناك مجال للتخطئة، فالبعض يلاحظ على طلاب العلم أنهم عقب التسليم من الصلاة يقومون مباشرة إلى حلق العلم، وهذا ليس فيه أي غرابة، بل هذا يزكي طالب العلم ويرفع قدره ويشرفه، ويعظم الله عز وجل به أجره؛ لأن مسألة الحرص على القرب للاستماع ومن أجل أن يفهم ويعي أكثر ويتمكن من السؤال إذا أشكل عليه أمر، بعد الصلاة، فهذه كلها لا يقصد بها طالب العلم أنه يتقدم لأجل مصلحة دنيوية، إنما يتقدم من أجل (قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام) وقد ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله أن الصحابة رضوان الله عليهم كان أعظمهم خيراً وبركة في حديث رسول صلى الله عليه وسلم أقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم.
أما مسألة الاقتتال والازدحام فالنصوص في هذا واضحة: أولاً: القيام بعد الصلاة مباشرة، ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمجرد أن صلى صلاة الفجر قام فزعاً إلى بيته، فلما قام عقب الصلاة مباشرة لم يقل أذكار الصلاة ولم يعقب عليها من أجل مصلحة معينة موجودة في بيته، والحديث في الصحيح، وقال العلماء: ترك النبي صلى الله عليه وسلم الذكر المعتاد لوجود العذر.
فطالب العلم عندما يقوم من مقامه مباشرة من أجل العلم لا نثرب عليه، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق الحلاق في صلح الحديبية كاد الصحابة رضوان الله عليهم يقتتلون وهم يحلقون رءوسهم، فكيف إذا ازدحم طلاب العلم من أجل أن يسمعوا (قال الله وقال رسوله).
فيجعل ذلك منكراً وخطأ! من يستطيع أن يجعل إنساناً يشتري رحمة الله ويتخوض فيها، لكن لا يسيء إلى غيره؟ لا نقول: إنهم يزدحمون ويقتتلون، لا.
نقول: إن زحامهم من أجل العلم ومن أجل أن يعي ويسمع لا تثريب عليهم فيه.
وقد كنا مع مشايخنا -رحمة الله عليهم- ربما يسبقنا الشخص والشخصان فلا نسمع الفتوى ولا نسمع السؤال ولا الجواب.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يليه أولو الأحلام، وكان يحب أن يليه من يعقل عنه عليه الصلاة والسلام.
فهناك أشياء مخصوصة في مسألة الازدحام ومسألة التقدم حتى في صفوف الصلاة، بمعنى: الصف الأول معروف مكانه ومعروف من الذي فيه، فإذا تقدم الشخص والشخصان لضرورة الازدحام، فهذا لا تثريب عليه.
فطلاب العلم الذين تفرغوا للعلم فرض عليهم أن يتعلموه، وأن يكونوا على إيمان تام به، وقد تفوت المسألة الواحدة بسبب التأخر، ولا يزال الرجل يتأخر حتى يؤخره الله، حتى كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يكره من الشخص أن يجلس في طرف المسجد ويستند إلى الجدار والحلقة في مقدمة المسجد إلا إذا كان عنده عذر، والبعض يقول: لا أحب أن يكون بجانبي يشوش علي.
وهو يقصد بذلك الخير، ولكن الأفضل والأكمل أن تتخوض رحمة الله، ولذلك تجد طالب العلم في اليوم الأول في الصف السادس، واليوم الثاني في الصف الرابع ثم الخامس ثم الثالث حتى يصل إلى أقرب الناس.
يقول أنس رضي الله عنه وهو يفتخر بهذه المنزلة: (لقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ناقته يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك حجة وعمرة) فالذي يشكل عندي: كيف نجعل المعروف منكراً؟! فالحمد لله الذي ما أماتنا حتى رأينا بأم أعيننا من يحرص على هذا العلم، وهذا -والله- نعمة وفخر! الإمام مالك رحمة الله عليه سقطت عمامته أكثر من ثلاث مرات وهو على باب مشايخه، يزدحمون من أجل رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أحد يلومه، ويل للإنسان الذي يتتبع عورات طلاب العلم، فيأتي عامي جلف جاف لا يعرف من العلم شيئاً ويقول: ما هذا الإزعاج؟ لأنه لا يعرف ما الذي يخوض العباد من أجله في رحمة الله عز وجل، فنحن في زمان أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، فلا يلام طالب العلم في الحال ولا يمكن أن ينتقص، ولا يمكن أن يقال: إن هذا باطل؛ لأن هذه مسائل خاصة.
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا توضأ يقتتل الصحابة على وضوئه) ما معنى (يقتتل)؟ يقتتلون على وضوئه وهم يريدون فضلة وضوئه؛ لأن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لمكان المعجزة ولا يشاركه أحد.
لكن نحن نقول: إذا كان الصحابة يقتتلون على قطرات الماء من وضوئه عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن يبحث عن قطرات العلم التي يحيي بها ويثري بها الأمة؟! كيف بالذي يتخوض رحمة الله عز وجل وهو يبحث عن هذا العلم، وهو يريد أن يسمع كلمة تقربه إلى الله سبحانه وتعالى؟! لقد رأينا هذا من مجالس مشايخنا -ولا أجعله افتخاراً أو رياءً أو سمعة- والله لقد كنا نجلس في شدة الحر وكان يوافق رمضان، وكان الوالد -رحمة الله عليه- له أربعة دروس متواصلة بعد صلاة العصر، فكان عقب الفجر وعقب الظهر وعقب العصر، لكن أشدها الدرس الذي بعد العصر، آخر النهار، في شدة الصيف.
وتجد الدرس درس صحيح مسلم ثم يعقبه درس الترغيب والترهيب ثم يعقبه درس السيرة، وكل درس من هذه الدروس تكون من بعد العصر، وهذا في الصيف طويل قد يصل إلى أكثر من ساعتين، فكنا نزدحم وإن الشخص يكاد بعض الأحيان يجد رائحة النتن مع حر الصيف.
حتى إن الإنسان تجد أحياناً مثل الزبد على فمه من المشقة، فلا ينقص طالب العلم هذا، كنا نزدحم، وأقسم بالله إنه كان الرجل يضع رجله حتى في بعض الأحيان تتعب الركبة فما أستطيع أن أقف، فهذا لا ينقص طالب العلم شيئاً أبداً، ولا أحد يلوم أحداً، فكانت بينهم من المحبة والمودة ما يسامح فيه الأخ أخاه، ويتجاوز عنه ويحس أنه إذا نافس فإنه ينافس في جنة عرضها كعرض السماء والأرض، ينافس في رحمة الله عز وجل ويتمنى الأخ الخير لأخيه، والذي يهمني: ألا نجعل المعروف منكراً.
أما مسألة السنة الراتبة بعد صلاة المغرب، فهناك من العلماء من يرى أنه لا بأس بتأخيرها إلى بعد العشاء، وأن المغرب والعشاء كالصلاة الواحدة، ويرى أنها سنة بعدية ولو وقعت بعد العشاء فهي بحكم السنة البعدية، وهذا مذهب بعض العلماء وأنا لا أفتي بهذا، وأرى السنة هي الأصل، لكن لو أن طالب العلم تأول القرب للعلم، فالسنة ليست بواجبة العلم فرض عليه، وليس القضية وجود السماعات والميكروفونات، فوجود السماعات والميكروفونات لا يساوي بين الناس، وإلا لاستوى من بخارج المسجد ومن بداخله، والذي بداخل المسجد الأقرب أعظم أجراً من الأبعد؛ لأن الأقرب هو الذي يبكر، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم الناس أجراً في الجمعة من بكر إليها؛ لأنه بكر للعلم، وجعلت فضيلة الجمعة من أجل الخطبة، والخطبة لا تقوم إلا على العلم، وعلى الوحي؛ على قال الله وقال الرسول عليه الصلاة والسلام.
فالمقصود: كم من مرة أجد بعض الإخوان يكتبون الملاحظات وأسكت، ولكني وجدت الأمر يتجاوز الحد إلى درجة اتهام طالب العلم بأنه غير منضبط، وبعض طلاب العلم يظن أن هذا نقص في العلم وأهله، لا والله أبداً، بل هذا مما يرفع قدر طالب العلم ما اتقى الله عز وجل وفعل ذلك لوجه الله وابتغاء مرضاته لا رياءً ولا سمعة، ولم يضر بإخوانه.
وإن حصل من إخوانك لك ضرر فأحسن الظن بهم وليتسع صدرك لأخطاء إخوانك.
هذا الذي أحببت أن أنبه عليه بحيث لا يكون هناك فهم خاطيء، فمسألة حرص طلاب العلم على التذكير ومحبتهم للخير أمر طيب، ولنحمد الله ونشكره، فكم ترى أعيننا أناساً يقتتلون وهم يشترون الخبز والطعام، ويقفون الساعات الطويلة، وتجد الرجل يدخل مسجداً وينتقد طلاب العلم وهو يرى بأم عينيه من يزدحم على كسرة خبز ولا ينتقده ولا يلومه بل يذهب ويقف معه، نحن في زمان غربة، غربة الحق وأهله، فأقول: الله الله في أعراض طلاب العلم، وينبغي علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى، وما دام طالب العلم عنده تأويل وعنده حجة، فإنه لا يلام على ذلك، وأسأل الله العظيم أن يبارك لنا ولكم فيما تعلمناه وعلمناه، ونسأله السداد والرشاد.
الأسئلة
استفادة الشريك من أرض مشتركة دون علم شريكه
السؤال: شريك باع أرضاً زراعية دون علم شريكه، وكان قد استفاد من محصولها قبل بيعها، فماذا للشريك الثاني؟ هل له نصف المبلغ المباع فقط، أم له المطالبة بفوائد المحاصيل؟
الجواب
إذا اشترك الاثنان في عين فتكون هذه العين بينهما بقدر الشراكة، فإذا كانت مناصفة فإنه يستحق نصف القيمة، ويستحق أيضاً نصف المحاصيل التي نشأت وترتبت ربحاً ونتاجاً للعين المشترك فيها، فهو -بلا شك- يستحق بقدر حصته للشركة قلت أو كثرت.
وأما بالنسبة إذا باع دون إذن شريكه فهذا يختلف، ففي بعض الأحيان يوجد التفويض فيصح بيعه، وهناك أحوال تكون الشراكة فيها في الاستحقاقات، فيجب أن يرجع إلى شريكه ويستأذنه فيصح البيع في ماله، ولا يصح في مال شريكه، وبناء على ذلك يفصل في مسألة البيع وعدمه بين الشراكة التي يقصد بها المنافع وبين الشراكة التي تقتضي التفويض من كل وجه.
والله تعالى أعلم.
حكم زوال عيب المغصوب بعد رده وقبض الأرش
السؤال
إن رد المغصوب معيباً، ثم زال عيبه في يد مالكه، وكان قد أخذ الأرش، فهل يلزمه رد الأرش للغاصب؟
الجواب
لا يلزمه؛ لأن العبرة بحال الأداء لا بما يطرأ بعد ذلك.
والله تعالى أعلم.
الحث على غض البصر عن محارم الله
السؤال
إن نعمة النظر من أجل نعم الله، وإن الله يثيب من غض عينه عن محارم الله، فكيف يمكننا أن نفوز بهذا الأجر، وخصوصاً من ابتلي بالنظر إلى ما حرم الله؟
الجواب
لا يوفق الإنسان لحفظ جوارحه مع حدود الله عز وجل إلا إذا عصمه الله بعصمته، وحفظه الله سبحانه وتعالى فصانه عما يغضبه جل شأنه وتقدست أسماؤه، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يسأل الله الحفظ.
ومن أعظم ما يكون به الحفظ: أن يستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) فأول ما ينبغي على الإنسان أن يسأل الله العافية في سمعه وبصره وجوارحه.
ثانياً: أن ينظر إلى نعم الله الذي نور بصره، وأطفأ بصر غيره، ولو أطبقت أطباء الدنيا على أن يعيدوا هذه النعمة لمن فقدها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ ولذلك يحمد الله سبحانه وتعالى الذي أنعم عليه بهذه النعمة، وأن يعلم أنه مغبون فيها، وأن من شكر الله عز وجل أن يحفظ هذا البصر عن عورات وأعراض المسلمين، فإذا وفقه الله لهذا الشعور، وعرف قيمة نعمة الله واستحيا انكسر، وهذا من صلاح القلب؛ لأن القلب إذا صلح أثر على الجوارح، ولا يصلح القلب بشيء مثل: الإيمان بالله، والنظر في نعم الله عز وجل.
كذلك مما يعين على غض البصر وحفظه عن حدود الله عز وجل: الأخذ بالأسباب، ومنها: البعد عن الأماكن التي فيها الفتن، والأماكن التي يتعرض الإنسان فيها للنظر إلى ما حرم الله، فيحفظ نفسه عن حضورها وشهودها والنزول فيها، حتى يحفظ الله له دينه، فإنه ما من نظرة إلى حرام إلا ولها أثر في القلب كما أخبر صلى الله عليه وسلم أنها تنكت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصبح القلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه.
ولله عقوبات في النظر إلى محارمه؛ فإنه ربما ابتلى الإنسان بالعمى على صراط جهنم والعياذ بالله، فعلى الإنسان أن يحفظ بصره.
كذلك من العواقب الوخيمة للنظر إلى ما حرم الله: أن الله سبحانه وتعالى يفقد صاحبه نور البصيرة التي هي: الفراسة، فتصبح الأشياء عنده مستوية، والمؤمن عنده فراسة لا تخطئ غالباً؛ لأنه إذا حفظ جوارحه حفظه الله عز وجل وصانه وبارك له فيها.
كذلك أيضاً: عليه أن ينظر إلى حسن العاقبة، فإنه إذا غض بصره عن حرمات الله عز وجل؛ أعظم الله له مثوبته، فما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه، ومن الإيمان بالله: ترك الشيء لله إذا كان تركه يرضي الله، فهذا من صريح الإيمان وصدقه، وهو من اليقين بالله سبحانه وتعالى أنه يأجره، ومن تصديقه لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن أعظم ما تكون الطاعة إذا كانت الفتنة أشد، فالنظر في الخلوة والنظر في الجمال الفاتن، والنظر في العورة الفاتنة أبلغ وأعظم، والغض عنه أعظم ثواباً وأجل، وخاصة إذا كان في حال الغيب، فإن الذي يخشى ربه بالغيب له مغفرة من الله وأجر عظيم وثواب كبير، وهذه المغفرة والأجر لا يعلم أجرها إلا الله وحده، فربما أعظم الله من وليه المؤمن الشاب الذي يتيسر له أن ينظر للحرام وهو في صحته وعافيته، أو ربما يفتن في نظرته للمرأة، ومع ذلك يستحي من الله جل جلاله، ويؤثر الله سبحانه على ما سواه، ويؤثر ما عند الله من حسن العاقبة وحسن الثواب، فيغض بصره لله وفي الله؛ فيعوض إيماناً بالله، وحلاوة يجدها في قلبه من الإيمان بالله سبحانه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح (كل العيون باكية أو دامعة يوم القيامة، إلا ثلاثة أعين: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله).
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
حكم أخذ المغصوب منه عن الصاع من المغصوب صاعين
السؤال
إذا خلط مالاً ربوياً كالبر بما هو أردأ أو العكس، وتصالحا على الصاع بصاعين من المخلوط، فما الحكم؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا وقع الصلح، جرت عليه أحكام البيع، فيجب التماثل ويجب التقابض، ولا يصح أن يكون أحدهما أزيد من الآخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن ذلك كما في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت في حديث الأصناف، وفي الصحيحين من حديث عمر وأبي سعيد الخدري وغيره من الأحاديث التي دلت على وجوب التماثل في المطعومات، إذا كانت منها أصناف ربوية، فيجب التماثل ويجب التقابض، والله تعالى أعلم.
مسألة تضمين الغاصب عند تلف المغصوب بآفة سماوية
السؤال
أشكل عليَّ تضمين الغاصب إذا تلفت العين ولو بآفة سماوية، وعدم تضمينه عند نقص قيمة العين في السوق؟
الجواب
بالنسبة للتضمين، الأصل في يد الغاصب أنها يد معتدية وحينئذ هناك فرق بين التلف الذي يقع على اليد المعتدية متعلقاً بالعين، والتلف الذي يقع متعلقاً بالأحوال، فغلاء الأسعار ورخصها متعلق بالأحوال، والعين هي العين، موجودة كما هي، فالذي رده الغاصب هو عين المال، لكن إذا حصلت الآفة السماوية فإنه لا يرد عين المال؛ لأن التلف وقع على العين ووقع على الذات، وفرق بين النقص التابع للأحوال والنقص المتعلق بالأحوال؛ لأنه إذا نزلت الآفة السماوية على العين المغصوبة تضررت العين ونقصت، فنقول: إخراج المغصوب يوجب ضمانه، وحينئذ تلزم بالضمانة.
بناء على ذلك: يوجد فرق بين غلاء الأسعار ورخصها؛ لأنه أحوال، وبين الآفة السماوية لأنها ضرر بالذات، والحقيقة عندما تحكم الشريعة بكون يد الغاصب يد ضمان هذا أصل شرعي وصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) وإذا كانت العارية التي هي أخف من الغصب مضمونة، فكيف بإنسان يعتدي ويغصب؟ لكن على طالب العلم أن ينتبه أنه قد توجد بعض الأحوال الغريبة التي هي من الأحوال النادرة، لكنها لا تقدح في الأصل العام؛ لأنك لا تأتي وتلغي يد الغاصب المعتدية من أجل الآفة السماوية؛ لأنه ربما يخرجها فيتلفها غيره، من الذي أخرجها؟ ومن الذي يتحمل مسئولية الإخراج؟ فيد الغاصب يد معتدية وتتحمل مسئولية النقص المتعلق بالذات كما ذكرنا، دون النقص المتعلق بالأحوال مما هو من قدر الله عز وجل كالغلاء والرخص.
والله تعالى أعلم.
شرح زاد المستقنع -
باب الغصب [6]
من عدل الشريعة أنها تلزم الغاصب بمثل ما غصب ولا تلزمه بما فوق ذلك، فإن لم يجد المثل انتقل إلى قيمته، وفي الأصل أن تصرفاته في المغصوب باطلة، ولكن لا يعني هذا أنه لا يقبل قوله أبداً في أي شيء يتعلق بالمغصوب، ولكن هذا له تفصيل عند العلماء رحمهم الله.
حكم تلف أو تغيب المغصوب
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي غرم مثله إذاً، وإلا قيمته يوم تعذره].
شرع المصنف -رحمه الله- في هذه المسألة في بيان ضمان المغصوب إذا تلف أو تغيب وكان له مثلي، والمغصوب الذي له مثلي يكون من المكيلات ويكون من الموزونات، فلو أن شخصاً أخذ طعاماً كالأرز -مثلاً- أخذه غصباً من شخص وأتلف هذا الأرز فإنه يجب عليه أن يغرم له مثله، وهكذا لو اغتصب شيئاً فتغيب الشيء كما هو الحال في الدواب، فلو اغتصب ناقةً ففرت الناقة وغابت ولم يدر أين ذهبت، فإنه باغتصابه لهذه الناقة والدابة تكون يده يد ضمان، فيجب عليه أن يضمن مثلها.
ضمان المثلي بمثله
إذاً: مراد المصنف: أن الضمان للمثليات يكون بالمثل، والمثليات كالمكيلات والموزونات، وقد تكون المثليات من العدد كما هو موجود في زماننا كالسيارات ونحوها فيضمن مثلها، وللعلماء في هذه المسألة قولان: بعض العلماء يقول: أي شيء يغصب ويتلف يجب على غاصبه أن يدفع القيمة، ولا يرى أنه يدفع المثلي.
وذهب طائفة من العلماء إلى أنه إذا كان الشيء المغصوب له مثل فإنه يجب عليه أن يضمن المثل، وهذا هو الذي درج عليه المصنف وهو مذهب الحنابلة -رحمةُ الله عليهم- في المشهور.
فمن اغتصب شيئاً وهذا الشيء تلف وله مثلي، فإنه يجب عليه أن يرد لصاحبه المثل، ولا ننتقل إلى القيمة متى أمكن رد مثل الشيء الذي أتلفه، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أُتي بطعام من صفية رضي الله عنها وأرضاها، وكانت عنده أم المؤمنين عائشة وكانت صفية رضي الله عنها تحسن الطعام.
ومن الجبلة والفطرة أن الإنسان ربما يغار، وخاصةً إذا كان مع أهل الفضل، فنساء النبي صلى الله عليه وسلم تصيبهن الغيرة، وهذا قد يكون -في بعض الأحوال- من أصالة المرأة؛ لأنها إذا كملت محبتها لزوجها تفانت في هذه المحبة إلى درجة أنها تغار.
فلما أُتي بالطعام غارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فضربت القصعة فكسرتها وسقط الطعام، حتى ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يقول: (غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم) رضي الله عنها وأرضها، ومن الذي لا يغار على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فلما كُسر الإناء وذهب الطعام ندمت عائشة رضي الله عنها، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع سعي العبد إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ما صنعت، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضمان، وقال: (إناءٌ كإناء، وطعام كطعام) أي: اضمني إناءً مثل الإناء الذي كسرتيه، واضمني طعاماً مثل الطعام الذي أتلفتيه فدل هذا الحديث على أن الإتلاف والغصب يُبتدأ في ضمانه بالمثل، وأن من أتلف شيئاً نأمره أن ينظر إلى مثل ذلك الشيء إن وجد، وأننا لا ننتقل إلى القيمة متى أمكن وجود المثل، وهذا الأصل دلّت عليه سنة النبي صلى الله عليه وسلم ودلّ عليه صريح القرآن؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:126]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40]، فقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سمى ضمان الشيء ورد الشيء بمثله سيئة، وهذا ليس المراد منه أنها سيئة حقيقة؛ لأنه لو أساء إليك شخص فرددت إساءته بمثلها فلست بمسيء، فاستشكل العلماء -رحمهم الله- المثلية هنا، فقالوا: لأن الإنسان إذا أراد أن يرد سيئة ربما أخذته الحمية غالباً فزاد وجار، ولذلك قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:40]، والغالب أن الإنسان لا يحتمل نفسه ولا يستطيع أن يأخذ القصاص مثلاً بمثل؛ لأن الحمق والغيظ يدفعه إلى الزيادة، الشاهد في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ﴾ [النحل:126]، فوجه الدلالة من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعاقب بالمثل، ومن أتلف شيئاً فإنه يجب علينا أن نعاقبه على ذلك الإتلاف فنأمره بمثله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ﴾، فإذا كسر إناءً عاقبناه بالمثل وقلنا له: أحضر إناءً مثل الإناء الذي كسرته، ولو أخذ سيارة غصباً فأتلفها قلنا له: ائت بسيارة مثل تلك السيارة وأعطها لصاحبها، فتلك عقوبة بالمثل وامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى في كتابه.
وفي هذه الجملة دليل على أننا نضمن بالمثل، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء؛ لظاهر القرآن وظاهر السنة، وهو مذهب الجمهور -رحمةُ الله عليهم- خلافاً للشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد.
والسبب الذي جعل القائلين بأنه يضمن بالقيمة: أنهم استدلوا بحديث في الصحيحين في عتق الشرك: (أن من أعتق شركاً -يعني: نصيباً له في عبد- قوّم له قيمة عدل) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بضمان نصيب الآخر، بتقويم نصيب ذلك الآخر وإعطائه القيمة، ومثال ذلك: لو كان هناك عبد قيمته خمسة آلاف، وكان فيه شريكان، فأعتق أحد الشريكين نصيبه سرى العتاق، وحينئذٍ يضمن للشريك الآخر نصيبه بالقيمة على ظاهر الحديث.
الشاهد: أنه أمر بالضمان بالقيمة، ولم يأمر بالضمان بالمثل، يعني: أمر أن يضمن نصيب صاحبه بالقيمة، وهذا كالإتلاف؛ لأنه فوت نصيب صاحبه بالعتق؛ ولا يمكننا هنا أن نأتي بالمثل؛ لأن هناك شراكة فلا نستطيع أن نذهب ونأخذ عبداً ونأتي بشخص ونقول له: شارك هذا الشخص حتى تتحقق المثلية، فحينئذٍ نقول: هذا الحديث نجيب عليه من وجوه: الوجه الأول: أن نقول: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فالأصل في الضمانات المثلية إلا في مسألة عتق العبد فيضمن بالقيمة، فيصبح الحديث خاصاً في مسألة العتق، والضمان الأصل فيه عام، وهو: أنه يضمن بالمثل، هذا الوجه الأول، حيث تجعل الأصل عاماً وتجعل الحديث خاصاً، ولا تعارض بين عام وخاص.
ثانياً: أن تقول: إن الأصل الذي يقتضي الضمان بالمثلية هو فيما يمكن فيه المثلية وأن يأتي بمثل ما أتلف، والحديث الذي معنا متعلق بالعتق ولا يمكن فيه الضمان بالمثل فانتقل للقيمة، وهذا من أقوى الوجوه وهو الوجه الثاني الذي يجاب به عن هذا الحديث.
ضمان قيمة المغصوب عند تعذر وجود مثله
وقوله: [وإلا فقيمته يوم تعذره].
(وإلا) يعني: وإن لم يتمكن من وجود المثل لزمه أن يضمن حق أخيه المسلم بالقيمة، إذاً: القاعدة في الضمان: المثلية إن كان له مثل، فإذا لم يكن له مثل أو كان له مثل ولكن تعذر وجوده فحينئذٍ نقول له: اضمن قيمته، فالضمان يكون -أولاً- بالمثلية، فإن تعذرت المثلية انتقلنا إلى القيمة، والقيمة: أن نقوِّم هذا الشيء الذي أتلفه الغاصب، كشخص -مثلاً- أتلف سيارة غيره، سواءً كان متعمداً أو مخطئاً، فجئنا نطالبه بضمان ما جنته يداه من الإتلاف فقلنا له: ائت بسيارةٍ مثل هذه السيارة، فبحثنا ولم نجد، فحينئذٍ نقول: تقوّم هذه السيارة التي أتلفت ويطالب بدفع القيمة للمالك لها، فلو أتلف سيارةً وتعذر وجود مثلها أو لم يكن لها مثل فحينئذٍ نسأل أهل الخبرة: كم قيمة هذه السيارة؟ قالوا: قيمتها يوم تعذر وجود مثلها عشرة آلاف، نقول: يجب عليك الضمان بالقيمة لتعذر المثلي، فيرفع عشرة آلاف ريال لمالكها.
وقوله: [وما تلف أو تغيب من مغصوبٍ مثلي غرم مثله إذاً، وإلا فقيمته يوم تعذره].
فقوله: (غرم مثله إذاً): التنوين هنا تنوين عوض، وهو عوض عن حرف وعوض عن جملة (فقيمته إذاً) أي: فقيمته في الحين الذي تعذر؛ لأن التنوين هنا عوض عن جملة كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة:1 - 4] فالتقدير يوم تزلزل الأرض زلزالها وتخرج أثقالها ويقول الإنسان: ما لها ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:4]، فهنا التنوين تنوين عوض عن جملة، فقوله: (قيمته إذاً) أي: في الحين إذا تعذر، وهذه مسألة خلافية.
فائدة التنبيه على أن القيمة تكون حين التعذر: أنه ربما أتلف سيارةً في شهر محرم، وكانت قيمة السيارة في شهر محرم عشرة آلاف ريال، ثم بحثنا وكان للسيارة مثل، فجعلنا نبحث عن مثل هذه السيارة مدة أسبوع فنزلت قيمتها -مثلاً- إلى سبعة آلاف ريال، وتعذر وجودها، فالقيمة يوم التعذر سبعة آلاف والقيمة يوم التلف عشرة آلاف، ولربما تكون القيمة يوم الشراء عشرين ألفاً، فحينئذٍ العبرة بوقت التلف، وبعض الشراح يفهم من جملة (قيمته إذاً) أنه يجب حينئذٍ أن يضمن القيمة، وليس المراد يوم التعذر، فعلى هذا القول: يكون الضمان يوم التلف وليس يوم التعذر، (فقيمته إذاً) إشارة إلى الاستحقاق، أي: تلزمه القيمة بسبب عدم وجود المثل، والحقيقة كلا القولين له وجه وإن كان الثاني أظهر.
قال رحمه الله: [ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه].
كانوا في القديم يصنعون أشياء لا يمكن أن يصنع مثلها من كل وجه، مثلاً: الأواني في زماننا يمكن إيجاد المثلي؛ لكن في القديم لا يمكن؛ لأنه إذا صنع الحداد إناء ربما وسع فيه وربما ضيق، ولم يكن هناك -مثل زماننا الآن- صبُّ الآنية بطريقة نظامية تعرف فيها أطوالها وتعرف فيها مقاساتها بشكل دقيق يمكن أن يوجد فيه المثل، فكانوا في القديم يمثلون بالأواني؛ لأن الغالب عدم انضباطها، فما كان من المغصوبات لا مثلي له، فحينئذٍ يجب ضمانه بالقيمة.
لكن لو أن شخصاً أتلف مغصوباً لا مثلي له، وقلنا له: يجب عليك أن تدفع القيمة، فرضي صاحب المغصوب، وقال: أنا أرضى بالقيمة ما دام أنه ليس له مثل ثم قال: أنا اشتريته بعشرة آلاف، ونظرنا في الشيء المغصوب وجدنا أن صاحبه استخدمه سنتين كسيارة -مثلاً- فأصبحت قيمتها ثمانية آلاف، فهل العبرة بقيمتها يوم اشتراها، أم العبرة بقيمتها يوم أتلفها أم العبرة بقيمتها يوم اغتصبها؟ وفائدة ذلك: قد تكون قيمتها يوم الشراء غالية، وقيمتها يوم الاغتصاب دونها في الغلاء، وقيمتها يوم التلف أقل قيمة، فتكون القيمة بالشراء -مثلاً- عشرين ألفاً، فاغتصبها منه في شهر محرم وقيمتها عشرة آلاف، ثم بقيت مغصوبةً نصف سنة مثلاً، فأصبحت قيمتها خمسة آلاف عندما أتلفها، فهل يدفع عشرين ألفاً أو عشرة آلاف أو خمسة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، والأقوى في هذه المسألة قولان: القول الأول يقول: قيمتها يوم اغتصبها، والقول الثاني يقول: قيمتها يوم أتلفها، وهناك قول ثالث يقول: ننظر أغلى القيمتين؛ لأنه ربما كانت يوم التلف أغلى منها يوم الغصب وهذا قد يقع، ربما قد تكون قديمة فلما أتلفت أصحبت قيمتها أكثر أو ارتفع سوقها مثل: المجوهرات ونحوها، فاليوم الذي أتلفها فيه شاء الله أن قيمتها غالية، أو اغتصب بيتاً وهدمه، وقيمته يوم اغتصبه يعادل مائة ألف، ويوم أتلفه غلت قيمة المواد البنائية، فأصبحت قيمة بنائه خمسمائة ألف، فبعض العلماء يقول: نعتبر القيمة باليوم الذي اغتصب فيه الشيء، فإنه قد أصبح في ذمته ذلك الشيء، فنحن نوجب عليه ضمان القيمة بيوم الغصب.
ومنهم من قال: لا.
هو أخذ البيت الذي هو العقار، أو أخذ السيارة أو أخذ الدابة، ولكنه كان ملزماً بردها؛ لأنها موجودة، ولم يخاطب شرعاً بالضمان إلا بالتلف؛ لأن التلف هو الذي أوجب علينا أن نخاطبه بالضمان، وإلا لو كانت غير تالفة لردها، فأصبحت ذمته مشغولةً بالقيمة يوم التلف.
وهذا القول من أقوى الأقوال: أن ضمانها يكون بقيمتها يوم تلفت، وإن كان الاحتياط بالنظر إلى أغلى القيم لا شك أنه أقوى، خاصةً وأن فيه نوعاً من التعزير، وهذا مقصود شرعاً للغاصب فيغرم أعلى القيمتين، وهذا على خلاف الشرع من حيث الأصل ولكن براءة لذمته، وبالاعتداء والغصب صار الأمر مختلفاً.
الخلاصة: أننا نطالبه بالضمان بقيمة العين التالفة المغصوبة يوم تلفت ولا ينظر إلى قيمتها يوم اشتريت، ولا ينظر إلى قيمتها يوم اغتصبت، فيلزم بضمانها يوم تلفت؛ لأنه كان مغتصباً للعين مخاطباً بردها ولم يخاطب بالقيمة إلا لما أتلف، فأصبحت ذمته مشغولةً بالقيمة في يوم التلف وليس قبله؛ فلذلك نقول: يجب عليك دفع قيمتها يوم تلفت.
كيفية ضمان القيمة في حال تعذر المثلي
وقوله: [وإن تخمر عصير فالمثل، فإن انقلب خلاً دفعه ومعه نقص قيمته عصيراً].
فقوله: (وإن تخمر عصير فالمثل).
إن اغتصب عصيراً فبقي العصير عنده حتى صار خمراً، فحينئذٍ يتعذر ردّ المثل، وهذا يدل على دقة العلماء رحمهم الله، فهم أعطوك القاعدة وهي: أنه يجب عليك أن تحكم بضمان المغصوب بمثله، وإن تعذر المثل تنتقل إلى القيمة.
يرد
السؤال
هل هناك صور يمكن أن توجد فيها العين المغصوبة ولا يطالب بردها، ويجب عليه ضمان مثلها، قالوا: نعم، إن أخذ العصير واغتصبه عصيراً وتحول هذا العصير إلى خمر، كعصير تفاح؛ لأن العصير إذا مكث مدة يتخمر، فأخذ عصير تفاح أو عنب فبقي عنده مدة يوم أو يومين فتخمر، فحينئذٍ لا يمكن رده؛ لأنه يجب إتلافه كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أبا طلحة رضي الله عنه أن يهريق الخمر وأن يكسر الإناء -وهو وعاء الخمر- فدلّ هذا على أنه يجب إتلاف الخمر.
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المزادتين: (أن الرجل لما أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم المزادتين وحرم عليه بيعهما فتح المزادتين وسكبهما على الأرض)، وفي الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أنه لما نزل تحريم الخمر جرت بها سكك المدينة عندما أهريقت وأتلفت، فالأصل أن الخمر تتلف، فلو أنه اغتصب عصيراً ثم تحول هذا العصير إلى خمر نقول: يد الغاصب يد ضمان، فيجب عليه أن يتلف هذا الخمر، وأن يرد لصاحب العصير مثله، وذلك لأن العصير يكون مثلياً فيجب عليه الضمان بالمثل، وقد يتحول الخمر إلى خل بطريقتين: الطريقة الأولى: أن يتحول بنفسه، وجمهرة أهل العلم: أن الخل إذا تحول بنفسه صار حلالاً طاهراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح: (نعم الإدام الخل)، والخل لا يمكن أن يصير خلاً إلا بعد أن يكون خمراً، وهذا المراد به: إذا تخلل بنفسه، والدليل على أنه يحل إذا تخلل بنفسه حديث أبي طلحة رضي الله عنه حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خمر الأيتام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يريق الخمر، فلو كان يجوز تخليل الخمر لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها، فدل على أنه لا يجوز لمالك الخمر أن يخللها بنفسه، ولكن إن تخللت بنفسها فإنه يجوز وتكون طاهرةً حينئذٍ، فلو أنه اغتصب عصيراً فبقي العصير عنده مدةً من الزمان، فتحول فيها هذا العصير إلى خمر ثم صار خلاً، فإذا صار خلاً فالعين يمكن ردها إلى صاحبها، فنقول له: ردّ هذا الخل إلى صاحبه؛ لأن الخل فرعٌ عن العصير، والفرع تابعٌ لأصله، فالمال مال المغصوب منه، فيجب عليك رد الخل، ثم ننظر: هل اختلفت قيمة الخل والعصير، فلا تخلو من ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تتفق القيمتان، كأن تكون قيمة العصير مائة ريال، فعندما غصبه كمية من العصير تخمرت ثم تخللت، فصارت قيمته خلاً بمائة ريال، فحينئذٍ يرده خلاً ولا إشكال.
الحالة الثانية: أن تكون القيمة ناقصة بعد أن صار خلاً.
الحالة الثالثة: أن تكون القيمة أغلى إذا صار خلاً.
فإذا تخلل وصارت قيمته أقل، قلنا له: ردّ الخل وادفع الفرق، وقد بينا دليل هذه المسألة وأقوال العلماء فيها، وقررنا أن من اغتصب شيئاً وأمسك ذلك الشيء حتى نقصت قيمته فإنه يجب عليه الضمان، واستثنينا مسألة غلاء السوق ويكاد يكون إجماع أهل العلم عليها إلا قول أبي ثور إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي رحمه الله الذي قال: تضمن قيمة غلاء السوق.
أما إذا كان الأمر بالعكس فتكون قيمة الخل أغلى، كأن يغتصب عصيراً قيمته مائة فأصبحت قيمته خلاً مائتين، فحينئذٍ يرد الخل ولا ضمان عليه.
بطلان تصرفات الغاصب الحكمية
قال رحمه الله: [فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة].
(تصرفات الغاصب): هذا الموضع والمسائل التي ذكرها المصنف رحمه الله في بداية هذا الفصل تتعلق بالتصرفات في العقود من بيعٍ وهبةٍ ووقفٍ وغير ذلك، فبعد أن بيّن لنا تصرفات الغاصب الفعلية شرع في تصرفاته الحكمية ببيع المغصوب، و (الحكمية): أي: الحكم على الشيء من حيث الصحة والفساد، تصرفات الغاصب الحكمية المعنوية باطلةٌ، هذا أصل، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس لعرق ظالمٍ حق)، وقد حرم الله عز وجل أموال المسلمين، وجعل حُرمة المال كحرمة الدم، وإذا كان المال محرماً على الإنسان فتصرف فيه بدون ملكية وبدون إذنٍ وبدون ولايةٍ فتصرفه باطل؛ لأن المال ليس ملكاً له، فلو أن شخصاً جاء واغتصب سيارتك ثم باعها، فنحكم على البيع الثاني بالبطلان، ولو أخذ سيارتك ووهبها إلى شخص فإننا نحكم على هذه الهبة بأنها باطلة ويجب رد السيارة إلى مالكها.
فقوله: (باطلة): الباطل لا تترتب عليه الأحكام الشرعية بحيث لا يحكم بصحة البيع ولا بصحة الهبة، ولا يحكم بالآثار المترتبة عليه، فمثلاً: لو أنه اغتصب جاريةً ثم وطئها، فإن هذا الوطء يعتبر وطء زنا بالنسبة له، وبالنسبة للجارية: إذا أكرهت على جماعه وعلى استمتاعه كان حكمها حكم الإكراه على الزنا وسيأتي -إن شاء الله- في باب الحدود، فإذا وطئها وهو غاصب لها، فإنه لا يجوز لها أن تمكنه من نفسها، فهذا التصرف بالوطء نعتبره زنا، فإذا كان متزوجاً فإنه يرجم وحينئذٍ نعتبره متعدياً لحد الله عز وجل مرتكباً للزنا؛ لأنه يعلم أن هذه الجارية لا تحل له، وعلى هذا: فإذا وطئها يكون حكمه حكم الزنا ولا إشكال في ذلك.
لكن لو تصرف بالبيع أو تصرف بالهبة فيكون الضمان للعين ويجب عليه ردّ العين، وأما بالنسبة لما يترتب على الآثار المترتبة على هذا البيع وعلى الهبة؛ فإنه لا تترتب آثار شرعية، فكل ما بُني على هذا البيع فهو باطل.
فلو باع سيارةً لإنسان بعشرة آلاف، والسيارة مغصوبةٌ ثم قام الثاني ببيعها لشخص آخر ثم بيعت إلى ثالث أو رابعٍ فجميع البيوع باطلة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، والقاعدة: أن الفرع آخذ حكم أصله، فالبيع الثاني فرعٌ عن البيع الأول؛ لأن البائع في البيع الثاني باع بملكية يدعيها من البيع الأول وبناها عليه، فإذا أسقطت البيع الأول أسقطت ما بعده من البيوعات، ثم لو أن الأخير الذي اشترى وهب السيارة أو تصدق بها حكمنا ببطلان البيع والهبة والصدقة؛ لأن جميع ما بني على باطل يحكم ببطلانه ويجب رد هذه السيارة إلى صاحبها وضمانها.
اعتبار قول الغاصب في قيمة التالف وقدره وصفته
قال رحمه الله: [والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله].
إذا كان الغاصب يجب عليه أن يدفع القيمة، فيبقى
السؤال
إذا اختلف الغاصب والمالك، نحن علمنا: أنه إذا أتلف الغاصب شيئاً ألزمناه بالقيمة، وأن هذه القيمة تقدر بيوم التلف، وبينا أن سبب ذلك: أن ذمته تشغل بضمان القيمة يوم التلف، فإذا ثبت هذا: فما الحكم إذا اختلف الغاصب مع صاحب العين، فقال صاحب العين: قيمتها مائة ألف ريال، وقال الغاصب: بل قيمتها تسعون ألفاً، فهل نصدق المالك ونقول للغاصب: ادفع مائة ألف، أو نصدق الغاصب ونقول له: ادفع تسعين ألفاً؟
الجواب
أن القول قول الغاصب إلا إذا قامت البينة على صدق المغصوب منه والمالك، وهذا مبني على أنه: إذا اختلف الاثنان في القيمة، فقال الغاصب: قيمتها تسعون ألفاً، وقال المالك: بل مائة ألف، فتجزم بأن التسعين ألفاً هي القيمة أي اليقين: أن التسعين ألفاً هي القيمة؛ لأنه لما قال الغاصب تسعين، وقال المالك: مائة، اتفقوا على أنها بلغت تسعين واختلفوا في العشرة آلاف الزائدة التي ما بين المائة والتسعين فهل نصدق المالك أو الغاصب؟ فتقول: التسعين لا إشكال أنها ثابتة، فيبقى السؤال في العشرة آلاف التي يدعيها المالك على الغاصب، وكل من ادعى شيئاً، فالقول بخلافه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناسٌ دماء أقوام وأموالهم ولكن اليمين على من أنكر)، فبين عليه الصلاة والسلام: أن المدعي للزائد يطالب بالبينة، وعلى هذا نقول: يجب على مالك السيارة أن يثبت بشهادة الشهود أو شهادة أهل الخبرة أن السيارة يوم التلف تستحق مائة ألف وإلا أخذ التسعين، وإذا أنكر الغاصب فإنه يحلف اليمين، وهذا هو معنى قولهم: (فالقول قوله مع يمينه) وعلى هذا: إذا ذهب الاثنان إلى القاضي، فسيقول القاضي للغاصب: كم قيمتها؟ يقول: قيمتها تسعون.
ويقول للمالك: كم قيمتها؟ يقول: مائة.
فيسأل المالك صاحب العين المغصوبة: ألك بينة؟ قال: ما عندي بينة.
يقول له: ليس لك إلا يمينه.
فيحلف الغاصب ويقول: والله إن قيمتها يوم التلف تسعون ألفاً، فإذا حلف برئ، وإلا ردت اليمين كما هو معلوم في القضاء.
وقوله: (أو قدره).
القدر يرجع إلى العدد، فإذا ادعى الغاصب أن له ثلاث سيارات، ثم قال المالك: بل أربع سيارات، واختلف في قدر المغصوب، هل هو ثلاث سيارات أو أربع سيارات؟ فنقول: القول قول الغاصب؛ لأن الغاصب يقول: ثلاث سيارات، والمالك يقول: أربع سيارات، فكلهم متفقون على ثلاث، والشك في الرابعة، والقاعدة: أن الغارم مدعىً عليه، وهذا عند بعض العلماء: أن كل من عليه الغرم يعتبر مدعىً عليه، فيكون القول قوله، فالغاصب الآن غارم، فإذا قلنا: إنه يقول له: بل أربع سيارات.
فحينئذٍ القول قول الغاصب حتى يقيم المالك بينة وشهوداً على العدد الذي ادعاه فيكون القول قوله.
وقوله: (أو صفته قوله).
قال المالك للغاصب: إن السيارة التي أتلفتها من النوع الممتاز.
قال الغاصب: لا.
بل من النوع الرديء.
كأن يكون هناك نوع من أغلى الأنواع الذي هو أجود أنواعها وفيها -مثلاً- أربعة أنواع، فقال له: إن الذي اغتصبته النوع الممتاز، وطبعاً سيقول المالك هذا؛ لأن هذا أحظ له وأكثر قيمة، قال الغاصب: أبداً، بل كانت السيارة من النوع الرديء، قال له: اغتصبت سيارة مكيفة، قال: لا.
بل اغتصبت سيارة غير مكيفة، قال: اغتصبت إذاً سيارة أتوماتيكية، قال: لا.
بل سيارة عادية، فهذه الأوصاف الموجودة التي تختلف من زمان إلى زمان ينظر فيها إلى القدر المشترك بين الطرفين، ونقول: اليقين أنها سيارة من نوع عادي، وأن أوصافها عادية حتى يثبت أنها من الأوصاف الممتازة، أو قال: أتلفت ساعةً من النوع الممتاز، وهو نوع كذا وكذا.
قال: لا.
بل أتلفت ساعة من نوع كذا وكذا، وهو نوع أردأ أو أقل، فنقول حينئذٍ: القول قول الغاصب حتى يثبت المالك أنها من النوع الممتاز أو الجيد، وهكذا في بقية الأمثلة، فالقول قوله، القاعدة هي هي، والمسألة هي هي، فنقول: القول قول الغاصب؛ لأنه غارم، وهذا وجه عند بعض العلماء، والغارم مدعى عليه، ولأنهما اتفقا على الرديء، وليس عندنا يقين على الجيد؛ ولأن الأصل هو براءة ذمته حتى يدل الدليل على شغلها، فلما أثبت أن المغصوب على هذه الصفة التي ذكرها من الرداءة، وقد أثبت للمغصوب المستحق صفةً يكون على مثلها، وادعى المالك ما هو زائد، فسيكون حينئذٍ مطالباً بالبينة والدليل، وكل هذه وجوه نخرج عليها هذا القول الذي اختاره المصنف وجماعة من أهل العلم رحمهم الله.
اعتبار قول المغصوب منه في رد المغصوب وعيبه
قال رحمه الله: [وفي رده وعدم عيبه قول ربه].
هنا المسألة على العكس، إذا اختلفوا في القيمة والقدر والصفة فالقول قول الغاصب؛ لأنه سيتحمل المسئولية، لكن لو اختلف الغاصب والمالك في الرد، والمراد بالرد: رد المغصوب، كشخص اغتصب من شخصٍ سيارة، وذهب واشتكاه إلى القاضي، وقال: إن فلاناً اعتدى على سيارتي واغتصبها، وأطالب القاضي بمطالبته بإحضار سيارتي.
فجاء الغاصب وقال: نعم، اغتصبت منه السيارة ولكن رددتها له.
فحينئذٍ: الغاصب معترف بأنه اغتصب السيارة، فاعترف باليقين أنه اغتصب، ونشك هل رد أو لم يرد، والأصل أنه ما ردها؛ لأن نحن متأكدون ومستيقنون أنه حصل الغصب، وشككنا هل الغصب انتهى أم لا، فلا بد أن تكون هناك بينة ودليل على أن الغصب قد انتهى، فإما أن يقر المالك ويقول: ردّ عليّ حقي، أو يقيم المغتصب الشهود على أنه أحضر له سيارته التي ادعى أنها غصبت، ومثل هذا: الإقرار كأن يقول: ما ردّ السيارة، ثم يتذكر ويقول: نعم ردها، فهذا إقرار وتنقطع به الخصومة، مثال البينة والشهود: قال: اغتصب سيارتي في شهر محرم، ولم يردها إلى اليوم، فقال الغاصب: بل رددتها وعندي شاهدان يشهدان على أني رددتها يوم الخميس الماضي، والخصومة يوم السبت، فجاء الشاهدان وشهدا أن زيداً الغاصب جاء بالسيارة إلى عمرٍو المغصوب منه وسلمه السيارة وأعطاه مفاتيحها، وقد رأيا ذلك واطلعا عليه وشهدا عند القاضي، فنتحقق أن الغصب قد رد، ونقول للمغصوب منه: إنك قد أثبت غصباً، وثبت بالبينة انتقاله وارتفاعه ورد المغصوب إليك، فانقطع ما تدعيه ويكون القول قول الغاصب، وفي هذه الحالة: القول يكون قول المغصوب منه -وهو المالك- حتى يحدث الغاصب البينة.
إذاً: حال الرد خلاف الأصل، فنحن مستيقنون والأصل عندنا أنه مغتصب، فمعنى ذلك: أننا لا ننتقل من هذا اليقين إلا بيقين مثله ونقول له: أنت تعترف أنك غصبت، وليس هناك دليل يدل على نقيض هذا الذي اعترفت به -وهو الغصب- من ردك للعين، فيجب عليك الضمان، ولا يصدق الغاصب أنه ردّ العين.
وقوله: (وعدم عيبه).
إذا اتفق الغاصب والمالك على أن الغاصب قد اغتصب سيارة، فقال المالك: السيارة كانت نظيفة وليس فيها أي عيب.
فقال الغاصب: بل اغتصبت منه سيارة مصدومة، أو سيارة بها تلف في أجهزتها أو في أي شيءٍ منها.
إذاً: الخلاف هل فيها عيب أو ليس فيها عيب، فالكل متفق على وجود الغصب، فلا إشكال أن السيارة مغصوبة، ولكن الإشكال هل هي كاملة لا عيب فيها أو هي ناقصة؟ فالقول هنا قول المالك؛ لأن الأصل في العين ألا تكون معيبة، والأصل في الأشياء أن تكون كاملة حتى يدل الدليل على نقصها، فنقول للغاصب: أنت اعترفت أنك اغتصبت سيارة، فنحن نقول: الأصل أنها سيارة نظيفة، والأصل أنها سيارة لا عيب فيها حتى تثبت بالشهود أنها كانت معيبة، أو يقر ويعترف صاحبها.
وأيضاً لو اغتصب منه عمارة ولما جاء يردها إذا بالعمارة فيها شيء تالف مثل: الكهرباء أو في تسليك الماء أو في بنائها حدث فيه عطل أو انهدم بعض الدار، فقال الغاصب: أخذتها على هذه الصفة المعيبة الناقصة، وقال المالك: بل كانت عمارتي تامةً كاملة، فحينئذٍ نصدق المالك؛ لأن الأصل في العمارة: أنها كاملة ونظيفة وسالمة من العيب حتى يدل الدليل على أن فيها غيباً.
والفرق واضح بين الأمرين: هناك في القيمة والصفة وقدر المغصوب يكون الغاصب مدعى عليه، ولكن هنا لما أخذ عيناً فعندنا أصول في الأعيان، ومنها: أن العين من حيث الأصل تكون كاملة، فالبيوت تكون كاملة لا عيب فيها، وكذلك السيارات، فإذا أخذت سيارة أو دابة فالأصل أنها غير معيبة حتى يدل الدليل على نقصها وتعيبها فنقول له: أقم البينة على صدق ما ذكرت وأنها كانت معيبة وإلا ألزمت بدفع قيمتها كاملةً أو ضمان ذلك النقص.
حكم المغصوب عند عدم معرفة صاحبه
قال رحمه الله: [وإن جهل ربه تصدق به عنه مضمونا].
(وإن جهل) أي: الغاصب جهل صاحب العين المغصوبة، مثال ذلك: شخصٌ اغتصب سيارةً ثمّ لم يدر من هو صاحبها الذي اغتصبها منه، مثل: شخص جاء بالقوة ووجد رجلاً راكباً في سيارته فهدده بالسلاح وأخذ سيارته منه، ثم لا يعرف من هو حتى يرد سيارته إليه، هذا كمثال، وفي القديم يقع في الدواب ويقع في الدور والأراضي، وهذه المسألة رتبها المصنف -رحمه الله- بعد المسائل المتقدمة، والترتيب منطقي وصحيح؛ لأن أول ما تتحدث عنه رد العين المغصوبة كاملةً إذا كانت موجودة، وإذا كانت غير موجودة ولها مثل رد مثلها، وإذا كانت غير موجودة ولا مثل لها رد قيمتها، فبعد أن انتهى المصنف من ذكر هذا كله، يرد في القيمة مسألة: هل هي كاملة أو هي ناقصة؛ لأن القيمة تتأثر بالكمال والنقص، فأدخل مسألة الخلاف في تعين المغصوب ونقصه وقيمته.
إلى آخره، وبعدما فرغ من هذا: شرع -رحمه الله- في مسألة إذا جهل المالك، فكل المسائل المتقدمة إذا وجد المالك للمغصوب فحينئذٍ يتفاهم معه وكلٌ يأخذ حقه، لكن لو لم يعلم صاحب الشيء المغصوب، فما الحكم؟ هل هذه الأحكام المتقدمة تسقط؟ ضمان العين وضمان المثل وضمان القيمة؟ فإذا كان مالك السيارة لا يعرفه أو كان يعرفه ثم غاب عنه ولم يدر أين ذهب، ولا يعرف هل هو حيٌ أو ميت، فحينئذٍ يرد
السؤال
ماذا يفعل؟ و
الجواب
في هذه الحالة قال بعض العلماء: يضمن إذا وجد مالكها، ويكون كاللقطة، يستحقها ويأخذها له حتى يجد صاحبها، وقال بعض العلماء: بل يتصدق بها على نية صاحبها، والسبب في ذلك: أن الله سبحانه وتعالى يقتص للعباد بعضهم من بعض، ويكون القصاص في المظالم -إذا كانت حقوقاً مالية ونحو ذلك- يكون القصاص بالحسنات كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتدرون من المفلس؟ قالو: يا رسول الله! المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما المفلس الذي يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ من حسناته على قدر مظلمته)، لاحظ في قوله: (وأكل مال هذا، فيؤخذ من حسناته على قدر مظلمته)، المظلمة عامة: فشملت مظالم الغصوبات وغيرها، فيؤخذ من حسنات الغاصب على قدر مظلمته، فإذا تصدق بالمغصوب فإذا وافى الله يوم القيامة أخذت حسنات المغصوب وأعطيت لصاحبه فبرئت ذمته، فهذا المذهب هو أعدل المذاهب وأولاها -إن شاء الله- بالصواب، أن يتصدق به على نية صاحبه إبراءً لذمته.
أما لو أنه تصدق وبعد زمن ظهر صاحبه؛ فحينئذٍ تكون الصدقة مبينة على ظن الموت وجهالة الحال، يعني: من حيث تعذر وصول الحق إلى صاحبه، فلما ظن تعذر ذلك وبان خطأ الظن سقط ذلك ووجب عليه الضمان؛ لأن القاعدة تقول: (لا عبرة بالظن البين خطؤه) فهو ظن أنه لن يستطيع أن يجد صاحبه، فلما ظن ذلك وتبين خطأ هذا الظن وجد عليه ضمان العين المغصوبة وحينئذٍ تكون له الحسنات ولا تكون للمالك الحقيقي، كأن التصدق فقط لدفع المظلمة، فإذا أمكن أن يأخذ حقه في الدنيا فإنه لا يصار إلى مظلمة الآخرة.
إذا سرق مالاً لإنسان وتعذر عليه أن يعرف صاحب المال، فإنه يتصدق به على نية صاحبه، فمثلاً: شخص سرق -مثلاً- عشرة آلاف من بقالة ثم مات صاحب هذه (البقالة) التي سرق منها، وهو يعلم ورثته، فحينئذٍ لا يصح أن يتصدق؛ لأن المال انتقل إلى الورثة، وحينئذٍ يجب عليه أن يدفع إلى ورثة المسروق منه، فالغصب والسرقة يتصدق فيهما بالشيء مغصوب وبالشيءٍ مسروق إذا تعذر وجود صاحبه، فإذا وجده بعد ذلك أو وجد ورثته ضمن لهم على الأصل الذي قررناه في الضمان.
الأسئلة
الفرق بين الغصب والسرقة
السؤال
ما الفرق بين الغصب والسرقة؟
الجواب
هناك فروق بين الغصب والسرقة منها: أولاً: أن الغصب يكون بالقوة والقهر، والسرقة تكون بالخفية والخفاء، فالمغصوب يؤخذ بالقوة والغلبة، والمسروق يؤخذ بالخلسة، إلى درجة أن صاحبه لا يشعر أنه أخذ منه ذلك الشيء، فأثناء الأخذ إذا نظرت إلى الغصب ففيه علم، وإذا نظرت إلى السرقة ففيها جهل.
ثانياً: أن الغصب لا يجب فيه من حيث حكم الشرع عقوبة محددة مقدرة، والسرقة فيها العقوبة المحددة المقدرة إذا وجدت الشروط واستوفيت.
ثالثاً: أن وصف الشيء بكونه مسروقاً أو كونه مغصوباً يختلف؛ ففي الغصب يقع الوصف على كل قليل وكثيرٍ جليل وحقير وبإمكانك تقول: اغتصب مسواكاً وهو دون نصاب السرقة، لكن في السرقة لا يمكن أن نقول: سرق إلا إذا بلغ نصاب السرقة، فالسرقة لها حد، ولها قدر لا يمكن أن نصف الشخص بكونه سارقاً إلا إذا بلغ المسروق هذا الحد.
رابعاً: أن السرقة لا يوصف المال فيها بكونه مسروقاً إلا إذا أُخِذ من حرز، فإذا كان المال في صناديق مغلقة، نقول: حينئذٍ: سرق المال وكسر أو عالج مفاتيحها، لكن الغصب سواءً كان المال موضوعاً في حرز أو في غير حرز ما دام أنه أُخِذ بالقوة فإنه يوصف بكونه مغصوباً، وهناك فروق أخرى، لكن هذه من أهم الفروق بين الغصب وبين السرقة، وهناك طبعاً مسألة ضمان المسروق، فقد اتفق العلماء: على ضمان المغصوب، لكنهم اختلفوا في ضمان المال المسروق، فبعض العلماء يقول: إنها تقطع يد السارق ولا يضمن المال، وبعضهم يقول: تقطع يده ويجب أن يرد المال إلى صاحبه، والله تعالى أعلم.
استغلال الأوقات في طاعة الله
السؤال
الفراغ والشباب من نعم الله عز وجل التي يحاسب عليها يوم القيامة، فما توجيهكم تجاه هاتين النعمتين حتى يمكن استغلالها فيما يرضي الله عز وجل؟
الجواب
إن الله تعالى إذا أحب عبداً من عباده وأراده للخير والطاعة والبر بارك له في عمره وبارك له في ساعات ليله ونهاره، وهيأ له الخير في صبحه ومسائه، فلا تفتر له عزيمة، ولا يكلّ ولا يسأم من طاعة الله سبحانه وتعالى، فيجد ويجتهد، وكلما قضى طاعةً شمّر عن ساعد الجد لطاعةٍ غيرها، شاكراً لله، حامداً لنعمه، قائماً بحقوقه وفرائضه، مجتنباً لحدوده ومحارمه، يتلمس مرضاة الله في كل دقيقة وثانية وساعةٍ وبرهة، لا يعرف إضاعة الأوقات، ولا انتهاك المحرمات، ولا لهو الساعات، يستشعر أن كل دقيقة وثانية ربما قدمته إلى نار أو إلى جنة، فالبركة في الساعات والبركة في الأوقات رحمة من الله سبحانه وتعالى يرحم بها من يشاء.
وكم من ساعةٍ أقام العبد فيها طاعة الله فحجبته عن عقابه وغضبه! وكم من ساعة انتهك فيها العبد حدود الله فزلت قدمه وساءت خاتمته! نسأل الله السلامة والعافية! فعلى الإنسان أن يعرف نعمة الله سبحانه وتعالى عليه بالعمر، ومما يعين الإنسان على التفكر والتدبر واغتنام ساعات العمر: أن ينظر إلى من حرم هذه النعمة، فينظر إلى الذين سلفوا وأقبلوا على ما قدموا، فيتذكر أهل القبور وما هم فيه من الحسرات، يتمنى الواحد منهم الساعات واللحظات لو أنها قضيت في الطاعات والمضاة، وتصوّر الإنسان أنه في هذه الساعة رهين الأكفان والبلاء بين يدي الله جل وعلا محتبساً مرهوناً في قبره يتمنى أن يزاد في صحيفة عمله تسبيحة أو استغفار أو تحميد لله سبحانه وتعالى.
إن هذه العطلة وهذا الفراغ نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ولا بد لكل مسلمٍ أن يهيئ الأسباب لكي يبارك الله له في هذه العطلة، ومن أعظم الأسباب: أن يكثر من الدعاء، فلا يصبح ولا يمسي إلا وقد ذكر ربه واطرح بين يدي الله بدعوةٍ صادقة، فإنه لا معين على الخير إلا الله سبحانه وتعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! الأمر الثاني: الأخذ بالأسباب التي يبارك بها في العمر، فإن الله تعالى إذا أراد أن يبارك للعبد في عمره هيأ له أسباب الخير، وليس هناك سبب بعد توحيد الله والإيمان بالله عز وجل يبارك بسببه في عمر الإنسان مثل بر الوالدين، فإن برهما والقيام عليهما ورعاية مصالحهما يبسط الله للعبد بذلك في رزقه وينسئ له في أثره، ويزيد له الخير والبركة في عمره، فلن تجد باراً إلا وجدته موفقاً، ما طرق باباً من الخير إلا فتحه الله في وجهه، ولا سلك سبيلاً من البر إلا يسره الله عز وجل من حيث لا يحتسب، البر بر الوالدين، فتمضي هذه العطلة وقد فاز العبد الموفق السعيد برضا والديه، وإياك ثم إياك وتوهين الشيطان، فإن بر الوالدين قد يكون بالجلوس عندهما، وقد يكون بالقيام على مصالحهما، وقد يكون برعايتهما وعلاجهما ومساعدتهما في التداوي حتى يتم شفاؤهما بإذن الله من الأمراض، فأي مصلحة وأي خيرٍ وأي نعمة تسديها إلى الوالدين فإنها من برهما.
فاحرص كل الحرص على اغتنام العمر واغتنام هذه العطلة في رضا الوالدين فهذا من أفضل ما أنفقت فيه الأعمار وقضيت فيه ساعات الليل والنهار، فإن الله تعالى إذا علم من العبد حبه لوالديه وحرصه على برهما بلغه أعلى المراتب، فكل يوم تحرص على أنك تفوز بضاهما تحصل رضا أكثر من الرضا الذي كنت فيه من بر الوالدين، إن كانا في مدينة غير مدينتك سافرت إليهما، ولزمت أقدامهما وأدخلت السرور عليهما ومتعتهما بالنظر إليك والجلوس معك والأنس بك، وأدخلت السرور عليهما في قضاء الحوائج والمصالح والملاطفة، ذاكراً وصية الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:36].
كذلك مما يبارك بسببه في عمر الإنسان: صلة الرحم، فتمر عليك هذه العطلة فتأخذ أبناءك وبناتك وأهلك وزوجك إلى زيارة الأعمام والعمات والأخوال والخالات، فينظر الله سبحانه وتعالى إليك وقد غبرت قدميك خائفاً منه، راجياً رحمته، تلتمس عفوه في صلة الرحم، خرجت من بيتك مشفقاً، خائفاً وجلا من هذه الرحم التي يقطع الله من قطعها، راجياً لرحمةِ الله في هذه الرحم التي يصل الله من وصلها.
الناس اليوم من أحوج ما يكونون إلى الصلة الاجتماعية، وأكثر ما وقع من الدمار والتردي الذي يعيشه الناس في النفسيات والهموم والكربات كان من أعظم أسبابه: قطيعة الرحم.
كان الرجل قبل خمسين عاماً وفي أيام الشدة التي لا يعلمها إلا الله يسافر مئات الكيلو مترات من أجل أن يسلم على أخته أو يزور عمته أو خالته ملتمساً مرضاة الله، والله أعلم ما الذي يرجع به إلى أهله إذا رجع من هذه الصلة.
صلة الرحم من أعظم الأسباب التي يبارك بسببها في الأعمار والأوقات، ومن أعظم الأسباب التي تنشرح بها الصدور،: خديجة رضي الله عنها، لما دخل عليها رسول الله عليه وسلم ذعراً مرعوباً مرهوباً، قالت له: (كلا والله، لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم)، فالذي يصل الرحم لا يخزيه الله، ولن ترى عينك واصلاً للرحم وهو في خزي أبداً، بل إنه في رحمة وفي توفيق من الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (إني أنا الله خلقت الرحم واشتققت لها اسماً من اسمي، فأنا الرحمن وهي الرحم، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته).
الأخت حينما تدخل عليها خاصةً بعد موت الوالد والوالدة من أحوج ما تكون إلى زيارة أخ يصلها، ويمسح على رءوس أبنائها ويلاطفها ويشعرها أمام زوجها أن لها مكانة، فلا أحد يعلم مقدار هذه الأحاسيس والمشاعر ومقدار هذه الملاطفة وهذا الإحسان إلا الله وحده الذي وصىّ بصلة الرحم من فوق سبع سماوات، ورتب عليها الخير ورتب على عكسها وضدها ضد ذلك، فالحرص كل الحرص على صلة الرحم؛ لأن الإنسان أيام الدراسة وأيام العمل مشغول ولكن الآن لا يعذر، وإذا وصلت فينبغي أن تكون أكرم من وصلت وتسعى إلى درجات الكمال، فإن وجدت الأخت بحاجة قضيت حاجتها، وإن وجدتها في كربة وأنت قادر -بإذن الله- فرجت كربتها، وإن وجدتها في همٍ وغم ذكرتها الله جل جلاله الذي يبدد الهموم والغموم ويزيل الكربات، فلا يمر عليك أسبوع حتى ولو كنت في شغل ولك رحمٍ تصلها إلا بارك الله لك في عمرك: (من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، وأن يبسط له في رزقه، وأن يزاد له في عمره؛ فليصل رحمه)، وقالوا: إنها من الطاعات التي تعجل فيها المثوبة والعقوبة، فصلة الرحم عقوبتها عاجلة، وأيضاً نعمتها وخيرها وبرها وأثرها وبركتها عاجله، مع ما أعد الله من الآجل للعبد.
كذلك مما تنفق فيه الأعمار وتقضى فيه ساعات الليل والنهار وهو من أحب ما يرضي الله عز وجل: قيام الليل، فإن الإنسان إذا كان في أثناء عمله وشغله قد لا يستطيع أن يقيم الليل ويتعذر بالمشاغل، ولكن اجعل لك ساعات ولحظات تخلو فيها بربك إذا هدأت العيون وسكنت الجفون، قال أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه: (صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، وصوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور)، فمن أراد أن ينور الله ظلمة قبره، بل من أراد أن يسدد الله لسانه، وأن يقوّم بنانه وأن يصلح شأنه وحاله فليحرص على قيام الليل، فإن الله لما أوحى إلى نبيه بالرسالة -عجبت والله- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:1 - 2]، فأول ما أمر الله به بعد توحيده قيام الليل، قالوا: لأن هذا يعين على الرسالة، فإذا أعان على أفضل الأشياء وأعظمها وأجلها فمن باب أولى أن يعين على غير ذلك، وذكر الله وبيّن سبحانه أن قيام الليل فيه خير كثير حتى على كلام الإنسان: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:6]، قال بعض العلماء: لا يحافظ على قيام الليل أحدٌ إلا سُدد في لسانه وعصم من فتنة قوله وبيانه، فيحرص الإنسان على هذا الخير العظيم.
كذلك من الطاعات: صيام الإثنين والخميس، وصيام يوم وإفطار يوم وهو أفضل الصيام وأحبه إلى الله عز وجل، وكذلك صيام الأيام البيض، وكذلك أيضاً من الطاعات والقربات التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها: طلب العلم، فإن الله عز وجل أحبه وأحب أهله، فيحرص على زيارة العلماء وغشيان حِلق الذكْر، ويجلس في رياض الخير يخلو فيها بطاعة الله عز وجل ومرضاته، لعل الله أن يحمله علماً نافعاً، وأن يبارك فيما تعلمه وعلمه، ويحرص إذا جلس في مجالس العلم على أن يكون في مراتب الكمال خشوعاً وتخشعاً، وتذللاً وتضرعاً لله سبحانه وتعالى، وإخلاصاً وصدقاً وإنابة، فيكون أفضل من يجلس في مجلس العلم، فلا يخرج من بيته وفي قلبه غير الله، ولا يجلس في مجالس العلم وفي قلبه غير الله، ولا يذاكر العلم ولا يسمع العلم إلا وهو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى حتى يجعل الله له علماً نافعاً ويبارك له في هذا العلم، ويبارك له في السنة، ويبارك له في هذا النور والوحي الذي يأخذه.
كذلك أيضاً: يحرص على زيارة إخوانه من طلاب العلم ومذاكرتهم وحبهم في الله، ويغيب في سرية قلبه لهم الخير، فهذا كله من الأمور التي يحرص عليها طالب العلم فيبارك له في وقته ويبارك له في عمره.
والوصية الأخيرة التي هي جماع الخير كله: تقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله وفقه وسدده، وجعل له فرقاناً يفرق به بين الحق والباطل حتى ينتهي بذلك إلى جنة الله ورضوان الله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في أعمالنا، اللهم اجعل لنا خير أعمالنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
حكم الإفطار في صيام القضاء
السؤال
هل يجوز الإفطار في يوم صيام القضاء، وإن لم يكن، فماذا يترتب عليه؟
الجواب
للعلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة قولان مشهوران: من أهل العلم من قال: لا يجوز للمسلم أن يفطر في قضاء رمضان، وذلك لأنه فرضٌ عليه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، أي: فأفطر، فيجب عليه أن يصوم عدةً من أيام أخر، فهي فرعٌ عن أصل واجب، والقاعدة: (أن الفرع يأخذ حكم أصله) فلا يجوز له أن يفطر على هذا الوجه، وإذا أفطر متعمداً كان كمن تعمد الفطر في رمضان، فيفصل فيه بين وجود العذر وعدم وجود العذر، حتى قال بعض الفقهاء من المالكية: من أفطر في القضاء متعمداً كان كمن أفطر في رمضان متعمداً، فيلزمه القضاء والكفارة؛ ولذلك جعلوا هذا القضاء منزلاً منزلة الأداء، حتى قالوا: لو جامع في القضاء وجبت عليه الكفارة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، ولأن القاعدة تقول: (القضاء يحكي الأداء)، و (البدل يأخذ حكم مبدلِه) فيجب عليه الضمان من هذا الوجه.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز له أن يفطر، وهذا مذهب مرجوح ضعيف، والصحيح: أنه لا يجوز له في القضاء أن يفطر إلا من عذر؛ وذلك لقوة الأدلة التي ذكروها من الكتاب في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، أي: فأفطر فعليه عدةٌ من أيام أخر، أي: يلزمه أن يصومها، فإذا ثبت أنها منزلةٌ منزلة رمضان فحينئذٍ يكون حكمها حكم رمضان لعدم وجود دليل على الفطر فيها.
أما الدليل الثاني: فدليل المفهوم، فهنا دليل منطوق وهناك دليل مفهوم، ودليل المفهوم مستنبط من قوله عليه الصلاة والسلام: (المتطوّع أمير نفسه)، مفهوم الصفة في قوله: المتطوع، يدل على أن غير المتطوع ليس بأمير نفسه، فلما قال: (المتطوع أمير نفسه)، يعني: من حقك أنك إذا كنت في صيام تطوع أن تفطر إذا شئت ولو لم يوجد عذر، وهذا بظاهر المنطوق، ومفهومه أن غير المتطوع ليس بأمير نفسه؛ لأن المفهوم عكس المنطوق كما هو معلوم، وبناءً على ذلك: اجتمعت دلالة المنطوق والمفهوم على عدم جواز فطره في قضاء رمضان إلا إذا وجد العذر، والله تعالى أعلم.
حكم الجماع في صيام القضاء
السؤال
هل يأخذ في يوم القضاء حكم اليوم في رمضان من حيث كفارة الجماع؟
الجواب
هذه مسألة راجعة إلى السبر والتقسيم في مسلك أصولي معروف، فالحديث في المجامع أنه قال: (جاء رجل يضرب صدره، وينتف شعره يقول: يا رسول الله! هلكت وأهلكت؛ جامعت أهلي في نهار رمضان وأنا صائم)، هذه ثمانية أوصاف، وهذه طبعاً أوصاف الموجود، (جاء رجلٌ) ما له تأثير؛ لأن الرجل والمرأة في الحكم سواء، فيسقط هذا الوجه وتقول: غير مؤثر، (يضرب صدره وينتف شعره) يعني: متفجع، هل الذي يتفجع يناسب أن يعاقب أو يخفف عنه؟ إذاً: ليس هناك مناسبة بين العقوبة وبين قوله: (يضرب صدره وينتف شعره) فيسقط قوله: يضرب صدره وينتف شعره.
يقول: (هلكت وأهلكت) هذا تفجع بالقول، وهناك تفجع بالفعل، فكما سقط تفجع الفعل فإنه يسقط تفجع القول، وقوله: (جامعت) هذا الجماع، فإذا قلت: جامعت، وصفٌ مؤثر في وجوب الكفارة، فلو استمنى لن تجب عليه الكفارة؛ لأن الاستمناء ليس بجماع، ولو فاخذ المرأة فأنزل لم يجب عليه؛ لأنه قال: (جامعت) فلا بد من وجود الجماع، فيجب عليه الكفارة إذا حصل الجماع والمالكية والحنفية، قالوا: لا.
(جامعت) هذا من جهة الشهوة، وكونه أفطر بالجماع فقد أفطر بالشهوة، فكل مفطرٍ بالشهوة كما لو استمنى أو داعب المرأة فأنزل وأنزلت وجب عليهما أن يكفرا، فنظروا إلى المعنى وقالوا: إن العلة حرمة رمضان، فإذا انتهك الحرمة بالفطر في موضع أمر بالصيام فيه لزمته الكفارة، فكأن الشرع جعل الحرمة للشهر، فيقولون: (جامعت) لا ننظر إليها بلفظها، وإنما ننظر إليها بمعناها، أنه إذا جامع أفطر، وإذا أفطر انتهك حرمة الشهر، فكل من أفطر منتهكاً للحرمة حتى ولو أكل أو شرب عليه الكفارة، هذا وجه من يقول: إن من أكل متعمداً في نهار رمضان عليه الكفارة؛ لأنه يرى أن الوصف هنا ليس بذاته يعني: الجماع فقط، إنما الجماع في حكمه، طبعاً الجمهور يقولون: إذا جامع أهله، فالإجماع على أن الكفارة تجب عليه، لكن لو زنى -والعياذ بالله- فجامع غير أهله، فالظاهرية يقولون: ليس عليه كفارة؛ لأنه قال: جامعت أهلي، والجمهور يقولون: إذا كان من جامع الأهل عليه كفارة! فمن باب أولى: إذا زنى فهو أولى أن يكفر، ولذلك هنا تدرك أن الشريعة تريد المعنى فقال: (جامعت أهلي في نهار رمضان) فإذا قيل: في نهار رمضان، نقول: هذا حكم خاص برمضان لا ينتقل إلى غيره، فالقضاء لا يأخذ حكم الأداء، وإذا قلنا: إن نهار رمضان سببه فرضية الصوم فيه، والله يقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، يكون الجماع في عدة من أيام أخر كالجماع في نهار رمضان، ومن هنا يقوى قول من قال: من جامع في القضاء عليه الكفارة، والله تعالى أعلم.
الفرق بين ضمان القيمة وضمان أرش النقص
السؤال
أشكل عليّ ضمان القيمة يوم كذا ولم نقل مع ضمان أرش النقص؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد فضمان أرش النقص متعلق بمسألة ردّ عين المغصوب مع النقص، وضمان القيمة متعلق بمسألة تعذر ردّ العين، فهناك فرق بين المسألتين، ويضمن الغاصب أرش النقص إذا رد العين وقيمتها ناقصة بغير سعر السوق، أي: بسبب التغير أو بسبب جناية من الغاصب؛ لكن المسألة التي معنا هي: ضمان القيمة إذا أتلف المغصوب كلية، فهناك فرق بين المسألتين، والله تعالى أعلم.
شرح زاد المستقنع -
باب الغصب [7]
مما تعم به البلوى: إتلاف أموال الناس عمداً أو خطأ، وهذه المسألة ليست من مسائل الغصب، ولكنها تشترك مع الغصب في لزوم الضمان، ولهذا تحدث العلماء عنها وبينوا أحكامها مفرقين بين إتلاف المال المحترم وغير المحترم، ومفرقين بين العمد والخطأ في هذا كله.
أحكام إتلاف أموال الناس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن أتلف محترماً، أو فتح قفصاً، أو باباً، أو حل وكاء، أو قيداً، أو رباطاً، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئاً ونحوه؛ ضمنه] هذه الجملة ليست في الحقيقة تابعةً لباب الغصب، وإنما هي متعلقة بمسألة مهمة تعم بها البلوى، ولا يخلو زمانٌ ولا مكان من السؤال عنها، وهي: مسألة إتلاف مال الناس، ومسائل الإتلاف متعلقةٌ بالغصب؛ لأنها توجب الضمان، والغصب يوجب الضمان، ولذلك ذكر المصنف رحمه الله مسائل الإتلاف والتعدي على أموال الناس وممتلكاتهم، فالأصل الشرعي يقتضي أن المسلم لا يجوز له أن يفسد في الأرض، وإتلاف الأشياء المحترمة محرمٌ بإجماع العلماء ما لم يدل الدليل على جواز الإتلاف، سواءً كان الإتلاف كلياً أو كان الإتلاف جزئياً، وسواءً كان الإتلاف للأعيان والذوات ككسر زجاج أو قتل حيوان أو إهلاك نبات أو كان إتلافاً للجزء والبعض، والأصل في تحريم هذه الإتلافات قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:56]، فقد فسر هذه الآية الكريمة أئمة السلف ودواوين العلم بأن المراد بها إتلاف الزروع وقتل الحيوانات ونحو ذلك، ومنهم الإمام مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس رضي الله عنهما، هذا الإمام عرض القرآن على ابن عباس مرتين يستوقفه عند كل آية يسأله عن حلالها وحرامها وما تضمنته من أحكامها، وهذا الإمام الجليل الذي قال فيه بعض السلف: (ما أظن مجاهداً أراد بالعلم إلا وجه الله تعالى)، يقول مجاهد: إن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:56]: إتلاف الأشياء المحترمة من إهلاك الزرع وقتل الحيوان ونحو ذلك، وقد أكدت هذا المعنى آيات أخر كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:81]، ونفيه سبحانه لمحبة المفسدين: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:64]، كل هذا يدل على تحريم الإفساد وإتلاف الأشياء، والتسبب في ذهاب المنافع، وأنه لا يجوز للمسلم أن يقتل حيواناً ولا أن يتلف منافع ذلك الحيوان، ولا أن يفسد في الأرض بإهلاك الزروع والنباتات، ولا أن يفسد في الأرض بهدم العمران والبيوت، وهكذا ما يكون من تعطيل المنافع الموجودة كالمرافق العامة التي يرتفق فيها الناس.
وأشد ما يكون هذا الإفساد إذا كان في الأماكن التي لها حرمة مما يتعلق بالمساجد ودور العلم؛ لأنها أوقاف مسبلةٌ محبسة، ومما يعد لسقي الناس وشربهم أو ما يعد لركوبهم صدقةً عليهم، فلا يجوز للمسلم أن يتسبب في إتلافها، ولا أن يترك من يتولى أمره كأبنائه يفسدون فيها، فإنه متحملٌ للمسئولية كما سنبين أحكام ذلك كله، والناس يتساهلون في مثل هذا إلا من رحم الله، فيظنون أن الصبي إذا أتلف مثل هذا الشيء أو إذا تُرك الصبي يفعل ما شاء فأتلف هذه الأشياء أنه لا شيء عليهم، والواقع أنهم مسئولون أمام الله عز وجل عن تعاطي الأسباب، ومسئولون كذلك عن ضمان كل ما أتلفهُ أبناؤهم وصغارهم؛ لأن الله جعلهم قائمين عليهم، وأمرهم أن يقوهم من ناره وعذابه، فالإجماع منعقد على أنه لا يجوز للمسلم أن يتلف شيئاً مما فيه مصلحة ومنفعة إلا إذا أذن الشرع بذلك الإتلاف أو أمر به كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أركان الإتلاف
وقوله: (ومن أتلف محترماً) الإتلاف له ثلاثة أركان يقوم عليها، ومسائله عند أهل العلم مبنية على هذه الأركان الثلاثة، فعندنا متلف وشيءٌ يتلف أي: يقع عليه الإتلاف، والإتلاف نفسه، هذه ثلاثة أركان تقع بها جريمة الإتلاف إذا كانت عمداً، وحينئذٍ يرد السؤال عن أحكام هذه الأركان الثلاثة، وقد جمعها المصنف رحمه الله بقوله: (ومن أتلف محترماً) (من) هذا الشخص الذي يقوم بالإتلاف (أتلف) الفعل، (محترماً): المكان الذي وقع عليه الإتلاف، فالأحكام تتعلق بهذه الثلاثة الجوانب.
فقوله: (ومن): من صيغ العموم وتشمل الذكور والإناث، والصغار والكبار من حيث الأصل إلا إذا دلّ الدليل على استثناءٍ في الخطاب، لكن من حيث العموم هي عامة شاملة للذكر والأنثى والصغير والكبير حتى أن الصبيّ لو أتلف شيئاً محترماً ولو كان عمره سنة فدفع برجله شيئاً فكسره وذلك الشيء ملكٌ للغير يجب ضمانه.
الشيء المتلف: أي: شيء فيه مصلحة، لكن بشرط أن يكون محترماً شرعاً، فإذا كان الشيء له احترام وله أصل يدل على جوازه وإباحته، فإنه حينئذٍ يضمن إذا تلف كما سنبين إن شاء الله تعالى، ويشمل هذا إذا أتلف آدمياً من حيث الأصل، أو أتلف حيواناً أو بهيمةً فقتلها وأتلفها، أو أتلف نباتاً كزرعٍ أحرقه أو قلعه من الأرض فمات، أو أتلف الثمر قبل نضجه فقصه من النخلة، هذا بالنسبة للشيء المتلف سواءً كان حيواناً من الحيوانات آدمياً وغيره، أو من غير الحيوانات، كالزجاج والخشب، ونحو ذلك.
نبدأ بقوله: (ومن) قلنا: يشمل الصغير والكبير، فنبدأ بالكبير، فالكبير البالغ العاقل، إذا أتلف شيئاً على حالتين: إما أن يتلفه متعمداً قاصداً إتلافه، وإما أن يتلفه مُخطئاً.
مثال ذلك: لو أن رجلاً أخذ (منجلاً) وقلع نباتاً لجاره وقصد إتلاف النبات على صاحبه، فحينئذٍ هذا إتلاف موجب للضرر على سبيل العمد، فإذا وقع هذا النوع من الإتلاف من الكبير البالغ العاقل، سواءً وقع إتلافه على حي كحيوان أو غير الحيوانات، فيترتب عليه أمران: الأمر الأول: عقوبةٌ شرعية.
الأمر الثاني: الضمان من حيث الأصل.
فلو جاء وأتلف زرع جاره واشتكى جاره إلى القاضي، وقال القاضي: لمَ أتلفت زرع جارك؟ قال: أنا متعمد قاصد أريد أن أفسد ماله.
فالقاضي يعزره ويؤدبه -وسنبين أحكام التعزير في باب التعزير، لا نتكلم هنا على عقوبته إذا كان متعمداً فلها باب خاص، إما أن تكون عقوبة مقدرة كما في الجنايات على الأرواح والأنفس وهذه لها باب خاص وهو باب القصاص ومسائل الاعتداء على النفس والأطراف- وتفصل فيه مسائل الاعتداء على النفس والأطراف، وفي هذه الحالة: إذا كان الكبير البالغ قد جنى جنايةً عمداً نعاقبه بما يليق به، ويطالب بضمان المال الذي أتلفه على أخيه المسلم بشرط أن يكون هذا المال محترماً شرعاً.
حكم إتلاف مال الغير خطأ
الحالة الثانية: أن يقدم على إتلاف مال أخيه مخطئاً، كرجلٍ أخذ سيارة شخص فحصل حادث أتلف بسببه السيارة، فهو لم يقصد ولم يتعمد إتلافها، فنقول: يترتب شيء واحد، وتسقط العقوبة والتعزير؛ لأنه لا يقصد، ويجب ضمان حق أخيه المسلم.
إذاً: ضمان الحق يستوي فيه أن يكون متعمداً أو مخطئاً، فالشريعة توجب ضمان حق المسلم سواءً كان متعمداً أو مخطئاً، ثم الضمان يختلف: فتارةً تجعل الشريعة النفس بالنفس كالقاتل يقتل، وتارةً توجب الضمان بالأموال، إذا كانت أموالاً كما سيأتي -إن شاء الله- تفصيله، إذاً: يتبين من خلال هذا: أن الكبير البالغ العاقل: إما أن يتعمد أو يخطئ، فإذا تعمد ترتب أمران: أولهما: عقوبته بالتعزير بما يليق به وبجنايته، والثانية: ضمان الحق لصاحبه.
ومسألة إيجاب الضمان عليه إذا كان مخطئاً، هذه تحدث إشكالاً، فالله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]، ويقول تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:5].
فخذها قاعدة: أن الخطأ يجب فيه الضمان من باب الحكم الوضعي لا من باب الحكم التكليفي، وتوضيح ذلك: أن الأحكام الشرعية التي يخاطب بها المكلف كإيجاب الصلاة والزكاة والصوم، هذه يكلف بها الإنسان ويخاطب بها، وإذا أخطأ سقط عنه الإثم، لكن ضمان هذه الحقوق لا يسقط بالخطأ، ونبدأ بحق الله، مثلاً: لو أن شخصاً قلت له: قم فصل الظهر، قال: صليت، وظن أنه صلى وهو مخطئ لم يصل، ثم لما مضت ساعة تذكر أنه كان مخطئاً حينما قال لك: صليت، فيجب عليه أن يصلي.
إذاً: خطؤه أوجب سقوط الإثم عنه طيلة الفترة التي كان فيها مخطئاً، فلما تبين له أن ذمته مشغولة سقطت عنه المؤاخذة، وتوجه الخطاب عليه أنه لم يصل، فبناءً على هذا: إذا كان الشخص مخطئاً نسقط عنه الإثم، لكن نوجب عليه الضمان، ولذلك ترى نص القرآن حينما أمر الله عز وجل بالدية فيمن قتل أخاه المسلم مخطئاً: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92]، فالقتل إذا وقع بالخطأ وجب ضمانه بالدية، مع أنه مُخطئ، والله يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286]، ففهمنا أن المؤاخذة من جهة التكليف وهي: وجوب ترتب الإثم على الفعل.
إذاً: مسألة ضمان المتلفات يستوي فيها المخطئ والمتعمد، الكل يضمن، إذا ثبت هذا يرد
السؤال
لماذا تطالب الشريعة المخطئ بالضمان، قد يرد إشكال ويقول لك: هذا رجل أخطأ فصدم سيارةً أو قتل إنساناً بسيارته دهساً وهو لا يريد قتله، أو دهس بهيمةً أو كسر محلاً أو نحو ذلك لماذا توجب عليه الضمان مع أنه مخطئ؟ و
الجواب
أن هذا يدل على سمو منهج الشريعة الإسلامية وكمالها؛ لأن الأموال لا تتلف إلا بشيء من التفريط، لا يمكن أن يقع إتلاف إلا بشيء من التفريط، فالدهس والقتل لا يقع إلا بسبب تفريط السرعة وعدم ضبط الإنسان لقيادته مثلاً، والدابة لا تتلف الأشياء وهي في ملكك إلا بسبب التساهل بتركها ترعى في أموال الناس وتتلفها.
فلو فتح باب: أنه لا يجوز الضمان في الخطأ لضاعت حقوق الناس؛ ولذلك تجد الناس الآن إذا علم أنه لو حصل بينه وبين أخيه حادث أتلف به سيارته أنه يضمن، احتاط وأخذ بجميع الأسباب التي بإذن الله عز وجل تمنعه وتحول بينه وبين الوقوع في أذية أخيه المسلم.
إذاً فمنهج الشريعة من أكمل ما يكون وأتم ما يكون في ضمان حقوق الناس، وهذا يحفظ للناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم.
حكم إتلاف غير المكلف مال غيره
الحالة الثانية: أن يكون الجاني صغيراً، فإذا كان الجاني صغيراً فإنه يسقط عنه جانب التكليف فلا نقول: إنه آثم، إذا وقع منه شيء متعمداً؛ لأن الصغير إما أن يتعمد كالكبير أو يخطئ، وهنا قاعدة ذكرها العلماء تقول: (عمد الصبي والمجنون خطأ)، هذه قاعدة تجعلها معك في المسائل الشرعية، أن كل شيء تعمده الصغير الذي هو دون البلوغ أو المجنون الذي لا يعقل تجري عليه أحكام الخطأ، ولا تجري عليه أحكام العمد.
فلو أن صبياً -لا قدر الله- أخذ سلاحاً فقتل شخصاً دون أن يدفعه أحد ودون أن يكرهه أحد، فقتله متعمداً فإنه لا يقتص منه، بل ينزل منزلة الخطأ، وهذا بإجماع العلماء رحمةُ الله عليهم، وخاصةً إذا كان دون التمييز، وفيه خلاف ضعيف سنبينه -إن شاء الله- في باب الجنايات وهذا الخلاف إذا كان مميزاً عند بعض أصحاب الإمام أحمد رحمةُ الله عليه.
إذاً: عمد الصبي والمجنون خطأ، فالمجنون لو جاء متعمداً وأخذ حديدة فكسر زجاجاً أو كسر محلاً لشخص فأتلف ماله، لو فعل هذا الفعل عاقل لعاقبناه وأوجبنا عليه الضمان، لكن إذا فعله المجنون قلنا: عمده خطأ وينزل منزلة الخطأ، فيجب الضمان ولا تترتب عليه العقوبة.
أما الدليل على إسقاط المؤاخذة: ما ثبت في الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق)، إذاً: دلّت السنة على أنه لا يؤاخذ الصبي ولا المجنون وإذا سقطت عنه المؤاخذة فإنه لا يعاقب على ذلك ولا تترتب على فعله العقوبة، هذا إذا تعمد الصبي، أما إذا أخطأ فالحكم واحد.
إذاً: الصبي إذا أتلف شيئاً وجب ضمانه، فلو أنه أتلف مالاً للغير، وقال ولي الصبي: هذا صبي، نقول: إنه صبي ولكن يجب الضمان، فالصبي لا نؤاخذه ولا نعاقبه ولكن يجب الضمان عليه.
وإذا أوجبنا الضمان على الصبي، فالصبي والمجنون لهما حالتان: الحالة الأولى: أن يكون عند الصبي مال، مثل: اليتيم، يتوفى والده ويترك له إرثاً فيرث -مثلاً- مائة ألف، ثم أقدم هذا الصبي على شيءٍ -مثلاً- قيمته عشرة آلاف ريال فأتلفه، فحينئذٍ تأخذ من ماله وتضمن لصاحب الحق، هذا إذا ترك له أو عنده مال ورثه من قريب؛ فإننا نأخذ هذا المال ونسد به ما وجب ضمانه، لكن بشرط، فيشترط إذا ضمنا المتلف من مال الصبي: ألا يكون هناك إفضاء وسببية من الولي، فلو أن الولي أمر الصبي بشيء فيه إتلاف وأتلفه فإنه يجب الضمان على الولي لا على الصبي، وذلك؛ لأن الصبي كالآلة مسلوب الإرادة والاختيار؛ لأنه لا يعقل، وهكذا المجنون: إذا أمره وليه أن يتلف شيئاً أو أمره أن يفسد شيئاً فإنه يجب الضمان على الولي، ومن أمثلة هذه المسألة: لو أن صبياً أمره بالغٌ وقهره على أن يقتل شخصاً سقط القصاص عن الصبي ووجب القصاص على الآمر، وسيأتي -إن شاء الله- في مسألة القتل بالأمر والقتل بالإكراه، الشاهد هنا: أن الصبي يضمن في ماله بشرط: ألا يكون للولي سبب في التعدي.
وهكذا إذا كانت للولي سببية.
ومن أمثلتها: ما يقع في حقوق الله عز وجل، فالحاج والمعتمر مأمورٌ باجتناب ما أمر الله باجتنابه من محظورات الإحرام، فإذا كان الصبي دون التمييز وأحرم عليه وليه فحججه وليه أو أعمره، فإنه إذا وقع في الإخلال فإنه يكون في مال الولي لا في مال الصبي، وبناءً على ذلك: يفصل في هذه المسألة في الضمان في حق الله عز وجل وحق المخلوق، فالصبي في جميع الأموال قلنا: يضمن إذا كان له مال، وإذا لم يكن له مال ضمن عنه وليه، ولو أن والد الصبي جاء به فأدخله إلى مكان فقام الصبي فأتلف شيئاً فإن والده يضمن ذلك الشيء إذا لم يكن للصبي مال، هذا بالنسبة للمتلف إذا كان آدمياً.
أما إذا كان المتلف حيواناً فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون ملكاً لشخص، والحالة الثانية: أن يكون غير مملوك كالدواب المنفلتة والسائبة.
فإذا كانت الدواب ملكاً لشخص فتارةً يضمن صاحبها وتارةً لا يضمن، وأما إذا كانت مسيبة فهذه فيها تفصيل عند العلماء في مسائل تارةً يكون فيها الضمان على بيت مال المسلمين عند بعض أهل العلم، وبعضهم يرى أن السائبة لا ضمان عليها مطلقاً.
قال: (ومن أتلف) عرفنا من الذي يقوم بالإتلاف، (ومن أتلف): وأتلف الشيء: إذا أفسده وعطل منافعه وأذهبها، فإن كان الشيء من الحيوانات فقد يكون إتلافه كليةً بقتله وإزهاق روحه، وقد يكون الإتلاف جزئياً كما لو كسر يد البهيمة أو أتلف عضواً من أعضائها، ويكون الإتلاف لغير الحيوان مثل: الآلات والمصنوعات، فإذا أتلف بعضها وبقي بعضها: يكون إتلافاً جزئياً، وإذا أتلفها كلها يكون إتلافاً كلياً.
فالإتلاف يكون بالقتل، ويكون بالتحريق، ويكون بالكسر، فكل شيء فيه تعطيل للمنافع وإذهاب للعين ومصالحها فإنه إتلاف، وتارةً يكون كاملاً وتارةً يكون ناقصاً.
حكم إتلاف الأشياء المحترمة
فقوله: (ومن أتلف شيئاً محترماً)، (شيئاً): نكرة، والقاعدة: أن النكرة تفيد العموم، (شيئاً) أياً كان هذا الشيء، سواءً كان حياً أو كان غير حي جامداً أو مائعاً، لكن بشرط أن يكون محترماً.
قوله: (محترماً) قيد يخرج غير المحترم، وغير المحترم هو: الشيء الذي حرمه الشرع، ومن أمثلة ذلك: الميتة والكلب والخنزير، وكذلك السباع العادية، والفواسق، فهذه كلها غير محترمة، قال صلى الله عليه وسلم: (خمسٌ يقتلن في الحِل والحرم)، فلما ذكر الخمس الفواسق اللاتي يقتلن في الحِل والحرم ووصفهن بالفسق أسقط حرمتهن، وأجاز إتلافها وعد ذلك قربةً لله سبحانه وتعالى، وبناءً على ذلك: لا بد وأن يكون الشيء المتلف له حرمة.
وكما يكون من الحيوانات غير محترم يكون من غير الحيوانات، مثل: الخمر من الشراب، والصليب، وآلات اللهو، فكل هذه لا حرمة لها شرعاً ولو أتلفت فإنه لا يجب ضمانها، وآنية الذهب وآنية الفضة كذلك؛ لأن الله عز وجل حرم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، فقال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح- من حديث حذيفة رضي الله عنه: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحائفهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) فلو هشم شخص إناء ذهب أو إناء فضة وكسره، فإنه لا يجب عليه ضمانه، وإذا ثبت هذا فإن كل شيء محترم يجب ضمانه إذا طالب صاحبه بحقه.
فقوله: (ومن أتلف شيئاً محترماً) هذه الجملة صدر بها المصنف؛ لأنه سيذكر ما تفرع عليها من المسائل المبنية على قاعدة الإتلاف.
الإتلاف المباشر
قال رحمه الله: (ومن أتلف محترماً، أو فتح قفصاً، أو باباً).
الإتلاف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الإتلاف المباشر.
القسم الثاني: الإتلاف السببي أو
الإتلاف بالسببية
.
الإتلاف المباشر: أن يقوم الشخص بنفسه بفعل الإتلاف، كأن يحرق الدار بنفسه، أو يكسر الزجاج بيده فهذا إتلاف مباشر.
أما الإتلاف السببي: يكون من الشخص إذا فعل الشيء الذي يقع به الإهلاك؛ لكن يباشر الإهلاك غيره، كشخصٍ بنى جداراً فجاء شخص وجلس تحته، فجاء آخر ودفع الجدار عليه؛ فالذي قتله الجدار، والذي أحدث الجدار هو صاحب الأرض، لكن الذي دفع وباشر الإتلاف بنفسه شخص آخر.
ومن أمثلته: من حفر بئراً في مزرعته، أو حفر أرضاً لعمارته، فهذه الحفرة جاء شخص ودفع غيره فيها فقتله ومات، فالحفرة حفرها سبب في القتل، لكن الدفع فيها سبب مباشر للقتل، فهذا إتلاف مباشر، وهناك إتلاف بواسطة، فالإتلاف المباشر لا إشكال فيه، وعند العلماء عدة قواعد في مسألة الإتلاف بجميع صوره من القتل المباشر والقتل بالسببية، والجناية المباشرة والجناية السببية، والضرر المباشر والضرر بالسببية، فالإتلاف إذا كان مباشراً -أياً كان سواءً كان إتلافاً لحيوان أو غيره- يكون موجباً للضمان من حيث الأصل سواءً تعدى الشخص أو لم يتعدَّ.
فتصبح القاعدة: المباشرة تقتضي الضمان مطلقاً، أما السببية فلا تقتضي الضمان إلا بالتعدي والتفريط، وعلى هذا سيكون -إن شاء الله- تفصيل العلماء رحمهم الله للمسائل.
ابتدأ رحمه الله بقوله: (ومن أتلف شيئاً محترماً) تلاحظ أن العبارة المراد بها: المباشرة، بمعنى: أن الإتلاف للشيء وقع بمباشرة الإنسان وليس بواسطة، ومن أتلف شيئاً محترماً، سواءً أتلفه بيده أو برجله أو بسيارته، فكل هذا يعتبر إتلافاً مباشراً.
الإتلاف بالسببية
وقوله: (أو فتح قفصاً) هنا الإتلاف بالسببية، وفيه كلام طويل للعلماء رحمهم الله، فالقفص قد يكون فتحه رحمة، وقد يكون فتحه عذاباً وبلاءً، فمثلاً: إذا كان هناك عصفور أو طائر فتحه الشخص شفقةً عليه ورحمة به؛ لكن إذا كان بداخله أسد أو كان بداخله سبع مفترس، فهذا لا شك أنه سيفضي إلى هلاك كثير من الناس والحيوانات، فلذلك يختلف فتح القفص من جهة الشخص الفاتح، لكن في صورة الأمر وحقيقته تلاحظ مسألة مهمة وهي: هل فتح القفص يكون مباشرة أو سببية، فيه وجهان للعلماء؟ الوجه الأول: بعض العلماء يرى أن كل من فتح قفصاً على حيوان ضار وخرج الحيوان منه وأضر فهذا كالمباشرة؛ لأن الحيوان لا عقل عنده ولا إدراك، ومثل هذا الفعل لا شك أنه مفضٍ للخروج، والخروج مفضٍ للهلاك والإتلاف والإفساد، فيقولون: مثل الذي أمسك حيةً بيده وقتل بها شخصاً، فحينئذٍ صحيح أن الحية هي التي قتلت، لكن من الذي حركها وقربها؟ فهنا ولو أن في الصورة شيئاً من السببية لكنها للمباشرة ألصق وأقرب والحكم بها أقوى، وهذا القول لا يفصل فيه، بل نقول: من فتح قفصاً مطلقاً سواءً خرج الحيوان بعد الفتح مباشرة أو تأخر فعليه الضمان؛ لأن الحيوانات لا تناط بها الأحكام؛ ولذلك تسند الأحكام إلى ما يناط إليه، فهذا الشخص هو الذي فتح وأتلف وحصل بفعله وفتحه ما حصل من الضرر.
وبناءً على هذا القول: لا تفصيل، وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمه الله.
الوجه الثاني: هناك من أهل العلم من فصل، فقال: من فتح قفصاً نظرنا: إما أن يقع خروج الحيوان بعد الفتح مباشرة كما لو كان على الباب فبمجرد فتحه خرج، فحينئذٍ نعتبره في حكم المباشرة، ونرى أن فتحه مؤثر وموجب للضمان، أما لو أنه فتح وتأخر وما خرج الحيوان أو الطير إلا بعد فترة أو برهة، فالخروج وقع من الحيوان بفعله، وصحيح أن الفتح موجود؛ لكن الخروج أصبح مؤثراً وأصبح مباشرةً من الحيوان، فصار سببية ومباشرة، فلا يوجبون عليه الضمان إلا إذا حركه ودفعه إلى الخروج وحرشه عليه.
والفرق بين القولين: أن أصحاب القول الأول يضمنونه ويحملونه تبعة هذا الفتح وهذا التصرف سواءً خرج الحيوان مباشرة أو تأخر، فهو ضامنٌ متحملٌ المسئولية.
أما القول الثاني فلا يضمن إلا إذا تعدى، وهذا الذي ذكرناه في القاعدة: أن السببية لا ضمان فيها إلا بالتعدي، فقالوا: فتح القفص سببية، فإن حرك الحيوان وحرشه أو دفعه للخروج وجب الضمان، وأما إذا سكن ولم يخرج الحيوان فإنه لا ضمان عليه.
ويكون في حكم التحريش إذا كان الحيوان على الباب مباشرة، فبمجرد فتحه نهش وقتل ولدغ، فحينئذٍ يضمن، والحقيقة قول المصنف أقوى.
والنظائر والأشباه توجب أن فتح القفص وفتح الباب على الشيء المحبوس يوجب الضمان، والبهيمة لا شك أنها تندفع إلى الخروج وتريد الخروج، وهذا شيء موجود في البهائم لفطرتها؛ لأن البهيمة -وإن كانت لا تعقل- فإن فيها تمييزاً للأمور، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:50]، فقوله: (ثم هدى) أي: هداه لمصالحه، ودفع المضار عنه، فالبهيمة تدرك أن المصلحة في الخروج فتسعى لذلك وتطلبه، فمسألة أنه لا عقل لها ليس على كل حال يوجب إسقاط الضمان، فإذا فتح القفص وهو يعلم ما فيه وتساهل في ذلك فحصل الضرر؛ فإنه يتحمل المسئولية المترتبة على ذلك، وهكذا لو كان الذي بداخل الغرفة رجلاً شريراً معروفاً بالفساد والأذية والإضرار، فإذا جاء شخص وهو يعلم ففتح له وأخرجه فإنه يتحمل المسئولية، فيكون المباشر الشخص نفسه، ولكنه يكون حينئذٍ في حكم السببية فتخف المسألة عن المسألة السابقة من جهة أنها سببية إذا كان حياً يعقل، وتكون قريبةً من المباشرة آخذةً لحكمها إذا كانت في الحيوان ونحوه.
وقوله: (أو باباً).
أو فتح باباً كما ذكرنا، إذا كان داخل الغرفة شيء ضار كالسبع المفترس أو مجنون منه ضرر، قد يؤذي ويضر ويقتل وهو يعلم بذلك ثم فتح له الباب، فيكون قد مكنه بذلك من الإفساد، وتعدى بتعاطي السبب الموجب للضمان.
وقوله: (أو حل وكاء).
كانوا في القديم يحملون اللبن والعسل ونحوه من الأطعمة والأشربة في القرب، وتكون الأوعية مربوطة محكمة، فيأتي شخص ويفك هذا الرباط فتسقط القربة ويندفع ما فيها، فمن أهل العلم من فصل في حل الوكاء: فإن كان الشيء الذي عليه الوكاء لا يثبت ولا يستقر، بحيث إذا انحل الوكاء اندفع ما فيه، مثل: القرب إذا كانت على الأرض وحل الوكاء فإنه يندفع ما فيها من اللبن أو العسل فحينئذٍ يجب الضمان؛ لأنه لا إشكال أن حل الوكاء سيفضي إلى خروج ما في القربة؛ أما إذا كان الوعاء مستنداً إلى حائط وكان ثابتاً مستقراً ثم حل الوكاء فلا يجب الضمان إلا بالتعدي، كأن يدفعه فيسقط أو يتعاطى سبباً لسقوطه، فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك ثم سقط الوعاء من نفسه بعد برهة -وكان الغالب استقراره- فلا ضمان عليه.
وقوله: (أو رباطاً، أو قيداً، فذهب ما فيه).
(أو رباطاً) كالسبع إذا كان مربوطاً فحل رباطه، (أو قيداً): كالكلب -أكرمكم الله- إذا كان مقيداً فحل قيده فخرج وعضّ أو قتل أحداً، فهذه كلها تفضي إلى الضرر وفيها تعدٍ، فأصحاب هذا القول يرون أن الحل والفك والفتح للباب ونحو ذلك يعتبر تعدياً من الفاعل، والسببية يجب فيها الضمان بالتعدي، فإذا ذهب ما في القفص -وهو إما أن يكون له قيمة أو لا قيمة له- فإذا ذهب ما فيه مما له قيمة كالعصفور أو النغر أو نحو ذلك وجب ضمانه، لأنه في قول طائفة من العلماء: يجوز حبس العصافير والطيور التي لها أصوات طيبة ويستدلون بحديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)، قالوا: بشرط أن يطعمها وأن يحسن إليها وألا يعذبها.
فعلى هذا القول: يكون حبسه سائغاً شرعاً، فإذا فتح القفص وطار هذا الطائر نقول له: اضمنه أو رُدّه.
فإذا لم يستطع ردّه وجب عليه ضمانه.
وقوله: (فذهب ما فيه) يعني: مما فيه من الطير، أو ذهب ما فيه من الطعام، فقد يكون بداخل القربة لبن أو عسل، فسُكِب على الأرض حتى فسد، فحينئذٍ يجب عليه ضمانه.
وقوله: (أو أتلف شيئاً) (أو) للتنويع، فهذا الشيء إذا تسبب الإنسان أو باشر في إتلافه فإما أن يذهب فحينئذٍ يضمن إذا كانت له قيمة كالعصفور والحمام ونحوه، وإما أن يكون الشيء مضراً؛ ولذلك قال رحمه الله: (أو أتلف شيئاً) يعني: هذا الذي في داخل القفص كالأسد أو النمر لما فُتِح له خرج وقتل شخصاً أو خرج وكسر شيئاً، فحينئذٍ يجب عليه ضمان ذلك الشيء المتلف.
إذاً: هذا الشيء الذي يخرج إما أن يكون مما له قيمة فيكون الضرر على صاحبه بخروجه وفراره وشروده، فنقول له: ردّه أو اضمن، وإما أن يكون خروجه موجباً للفساد والضرر كالحية تلدغ فتقتل، وكذلك العقرب، فالحية ليس لها قيمة، لكن ننظر إلى الضرر المترتب عليها: فمن دقة المصنف رحمه الله أن قال: (فذهب ما فيه أو أتلف شيئاً)، فذهب ما فيه مما له قيمة، أما إذا كان الشيء الذي ذهب لا قيمة له، كأن يكون كلباً عقوراً -أكرمكم الله-، فلا نقول: يجب عليه ضمان ما في داخل الشيء المفتوح.
فإذاً: (ذهب ما فيه) إما أن يوجب الضمان لعين الشيء الذي ذهب إن كانت له قيمة، وإما أن يكون الضمان مترتباً على ضرر ناشئٍ عن الذهاب، ومن أمثلة ذلك ما ذكرنا من خروج البهيمة فتكسر شيئاً أو تعض شيئاً أو تقتل شيئاً فحينئذٍ يجب عليه الضمان على التفصيل الذي ذكرناه.
وقوله: (أو أتلف شيئاً ونحوه ضمنه).
(ونحوه) أي: الضرر، يكون بعض الأحيان بالإتلاف المباشر أو الإتلاف بالسببية، فيفصل في جميع ما يترتب عليه من الضرر.
الأسئلة
حكم حبس الصيد في مكة
السؤال
ما حكم حبس الصيد في مكة المكرمة، والحال أن الصيد في مكة محرم؟
الجواب
من حيث الأصل بعض العلماء يرى أن الوصف العارض بالحرمة يكون في الشخص، ويكون في الزمان، ويكون في المكان، فيكون في الأزمنة مثل: أزمنة الأشهر الحرم وتحريم القتال فيها، كما جاء بنص الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه الله عز وجل عن قتال المشركين فيها، وكذلك أيضاً: يكون بالمكان: كمكة والمدينة على أنها حرم، ويكون بالأشخاص: مثل المحرم، فبعض العلماء يجعلها بمرتبة واحدة فيقول: إذا طرأت هذه الحرمة زماناً ومكاناً وحالاً، أي: على الشخص وجب عليه أن ينظر إلى الحال ولا ينظر إلى ما سبق، بمعنى: إذا صاد خارج مكة وأدخلها بمكة نظر إلى حرمة المكان، وحينئذٍ لا يستصحبه، وتزول يده عن الصيد، ولا يبقى ممسكاً صيداً في مكة؛ لأنه صيد من حيث الأصل، ومن أهل العلم من قال: لا.
إذا صاده خارج الحرم ودخل به إلى الحرم فليس من صيد الحرم، وإذا لم يكن من صيد الحرم، حلّ له أن يعامله معاملة المستأنس المملوك، مثل: الدابة التي يملكها من الدواجن والطيور ونحوها إذا أراد يذبحها ويأكلها فلا شيء عليه.
والأولون يستدلون بدليل الحاج، فإن من أحرم للحج والعمرة، يجب عليه تخلية الصيد، فلو صاد قبل أن يحرم وأمسك صيداً ثم لبَّى لم يجز له أن يستصحبه، بل يجب عليه أن يفكه، يقولون: وتستوي الاستدامة سواءً كان المحرم مستديماً أو مبتدئاً، فيحرم الصيد بمكة ابتداءً استدامة، والواقع القول بأنه إذا صيد خارج الحرم ثم أدخل الحرم فإنه لا يأخذ حكم الصيد فيه قوة، ومذهب طائفة من العلماء رحمهم الله: أنه لا يأخذ حكم الحرم؛ لأنه لم يصد داخل الحرم، والله عز وجل خصص المكان بالتحريم، والتخصيص يقتضي أن يقيد الحكم بما خُصص به، وإلا ما فائدة التخصيص؟ وبناءً على ذلك: يقوى هذا القول.
وأما مسألة محظورات الإحرام فإن فيها استدامة، فمثلاً: من محظورات الإحرام: النكاح، فلو أن الرجل أحرم بالحج والعمرة وهو متزوج من قبل، فهل ينفسخ عقده؟ الجواب: لا.
فنقول: دل على أن نفس الإحرام فيه تفصيل، فما دل الشرع فيه على الاستدامة حكمنا بالاستدامة فيه، وما دل الشرع فيه على أن المحرم هو الابتداء قلنا بتحريم الابتداء، ولا شك أن الإنسان إذا تورع فهذا أفضل وأكمل وأبعد عن الشبهة، والله تعالى أعلم.
خطر الغرور وعلاجه
السؤال
من الأمور التي تطرأ على طالب العلم في أثناء الطلب داء الغرور فما هو العلاج لذلك؟
الجواب
إن العلم إذا أريد به وجه الله وابتغى به العبد ما عند الله عصمه الله من الزلل وسدده في القول والعمل، وحقق له كل ما يصبو إليه من مرجو وأمل، فالله هو المطلع على السرائر الذي لا يخفى عليه شيء مما غيبته الضمائر؛ فلذلك يجب على طالب العلم أن يحاسب نفسه دائماً بالإخلاص لله عز وجل وإرادة ما عند الله، وهذه المحاسبة إذا صحبها شيءٌ من الانكسار والاعتراف بعظيم نعمة الله جل جلاله الذي علم الإنسان ما لم يعلم وفتح عليه أبواب العلم، ويسر له سبيله ولولا الله ما فَهِم، ولولا الله ما علم، ولولا الله ما استطاع أن يصل إلى شيء من هذا العلم.
قال تعالى مخاطباً نبيه وأشرف خلقه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:113]، فالفضل فضل الله والنعمة والرحمة من الله وحده؛ ولذلك جعل لعباده السمع والبصر والفؤاد، وهي أسباب ووسائل يتوصل بها إلى العلم، فالواجب على الإنسان أن يحاسب نفسه دائماً في الإخلاص لله عز وجل مستصحباً أثناء محاسبته عظيم نعمة الله عليه وجميل وجليل منته لديه، فإذا عرف نعمة الله انكسر لله.
والقلب المخلص كالوعاء النقي بل هو أشرف وأزكى من تلك الأوعية، ولكن الله ضرب المثل، فالقلب المخلص مليء بنور الله عز وجل القلب المخلص امتلأ بالله وحده، وما من قلب يمتلئ بالله إلا وقد انشغل وانصرف عن كل شيء سواه، ففي الله وحده سلوةٌ للإنسان عن كل شيء سواه، فإذا عرف الله بأسمائه وصفاته، وأخلص لله بقوله وعمله وأدرك نعمة ربه، وصاحب الإخلاص بالمعرفة التامة بنعمة الله عليه ذلّ لله وحده، وأصبحت تلك القلوب المخلصة النقية التقية الخلية من الشرك بريئة، ومن الرياء ومحبة المدح والثناء والغرور بالنفس معصومةً بإذن الله عز وجل، وهذه كلها أسباب تحول بين الإنسان وبين الغرور، ولن تجد إنساناً يبتلى بالغرور إلا وجدت في إخلاصه نقصاً وفي عبوديته لله خللا، فلا يدخل الغرور إلا بالانصراف عن الله جل جلاله، ومن جعل الله والدار الآخرة نصب عينيه زكاه ربه، وزكى عمله وجعل هذا العلم مقرباً له سبحانه، فلا يتعلم كلمة إلا وقربته من الله جل وعلا، ولا يسمع جملة إلا وحببته إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن القلب ما فيه إلا الله، فإذا انصرفت القلوب إلى الله طهرها ربها وتولى أمرها مقلب القلوب والأبصار، وتولى أمرها من يحول بين المرء وقلبه، والله يقول عن الذين انصرفوا عنه ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5]، نسأل الله بأسمائه وصفاته ألا يزيغ قلوبنا! ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة! كل من يجد الغرور ففيه نقصٌ من الإخلاص وفي إخلاصه دخن، فعليه أن يبحث عن الأسباب والوسائل التي تزيد من إخلاصه لله جل جلاله ومن أعظمها وأجلها: الدعاء، وسؤال الله سبحانه وتعالى، وأن يستشعر أن هذا العلم أمانة ومسئولية وتبعات، إما أن يفضي بالعبد إلى الدرجات، أو يهوي به في الدركات، فإذا خاف من هذا العلم أشفق على نفسه حتى إنك لتراه من أخلص الناس وهو يشك في إخلاصه ويقول: لا.
ما أنا بمخلص، عملي ليس بمخلص وليس بخالص، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم، وقد قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: (أدركت سبعين كلهم يخاف النفاق على نفسه).
أُثر هذا عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يخافون النفاق على أنفسهم، فكانوا يحركون القلوب بالإخلاص لله جل جلاله، والمغرور إذا انصرف قلبه عن الله أصابه الغرور، ولقد عتب الله على أقوام اغتروا بأنفسهم وفرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون.
ليعلم كل طالب علم وليعلم كل متعلم أن الغرور يمحق البركة ويذهب الخير، ولربما صرف الإنسان من الرحمة إلى العذاب فيشقى من بعد السعادة ويهلك من بعد النجاة والعصمة، والله يقول: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل:94]، فمن دخله الغرور فإنه على مهلكة؛ لأن الله اختار القلب للنظر، فقال سبحانه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:70]، ليعلم الله في قلوبكم الإخلاص، فلا خير يراد إلا بالإخلاص لوجه الله جل جلاله، فالغرور يمحق البركة، والغرور يذهب الخير ويصرف العبد عن الله جل جلاله، ولا يزال العبد يغتر حتى يهلكه الله بغروره، وانظر إلى مكان الغرور وشؤمه وشره، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً ممن كان قبلنا يمشي إذ أعجبه برد عطفيه -يعني: نظر إلى ثوبه وهو جميل- فاختال في مشيته فأصابه الغرور فخسف الله به الأرض فهو يتزلزل فيها إلى يوم القيامة)، هذا في ثوب!! فكيف بمن يغتر بالعلم؟ من الغرور بالعلم: أن يتعاظم الإنسان على الناس وأن يحس أنه بعلمه قد أصبح حاكماً على الناس، فيحتقر من هو أعلم منه، وينتقص من هو مثله، ويترفع على من دونه.
ومن الغرور: أن ينصب نفسه حاكماً على أئمة العلم ودواوين السلف الصالح الذين لهم القدم الراسخة، فوالله لو كانوا أحياءً لخرست أفواه هؤلاء، ولو كانوا أحياء لعموا حتى يقادوا بعلم هؤلاء إلى الجادة والسبيل؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يحفظ حرمة السلف الصالح، ويحفظ حرمة العلماء وخاصةً أئمة الكتاب والسنة وهم على درجات، فالعلماء الذين شُهِد لهم أنهم أئمة السلف وأجمعت الأمة على جلالتهم ورفعة قدرهم وحبهم وعلو شأنهم وزكاهم الله بالقبول، فوضع الله لهم القبول في الأرض، لا يأتي الإنسان بعد عشرة قرون يشكك في عقائد هؤلاء، أو يشكك في تبيينهم ومنهجهم مغتراً بنفسه، وهو بالأمس كان ضالاً شقياً بعيداً عن رحمةِ الله فما إن وقف في طلبه للعلم حتى يقف مجرحاً ثالباً منتقصاً مزدرياً للعلماء، فإياك ثم إياك أن تقرأ كتاباً أو تجلس في مجلس علم فتقوم وأنت محتقر للسلف، والله ما نصحنا لعلماء الأمة والدين إذا كانت كتبنا تقود إلى ازدرائهم وانتقاصهم والحط من أقدارهم، وتجد الإنسان إذا كان الإنسان فقيهاً، يشعر من معه من معه أنه لا فقه إلا فقهه، وإذا كان محدثاً يشعر أنه لا حديث إلا منه أو لا تصحيح ولا تضعيف إلا منه، فلا يبالي بعدها بالعلماء، ويقول: لا تغتر بفلان ولا تعبأ بفلان، هذا لا ينبغي، فإن أول ما يأتي الغرور يبدأ باحتقار أئمة ودواوين العلم الذين شُهِد لهم بذلك، فينبغي عليك أن تتقي الله في سلف الأمة، وأن تتصور هذا العالم الإمام حافظاً للكتاب والسنة، فما كان أحد يتصدر للعلم إلا إذا كان على قدم راسخة، الإمام مالك ما جلس يحدث الناس حتى شهد له سبعون من أئمة الفتوى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أهلٌ للعلم، فما كان يتقدم كل زاعق وناعق، فاتق الله ولا تغتر بنفسك إذا كنت مع علماء السلف وأئمة السلف، فينبغي أن نغرس في قلوب طلابنا وقلوب من يتلقى العلم عنا حب السلف وإجلالهم، والترحم عليهم، وذكرهم بالجميل، والإشادة بفضلهم وعلو شأنهم، وهذا من النصيحة لعلماء الدين، ولأئمة المسلمين.
وكذلك النصحية للعلماء الأحياء بألا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوءٍ فهو على غير السبيل، فبعض طلاب العلم إذا جلس بمجلس عالم جعل ينتقد ويزدري غيره، وإن سمع علم شيخه أصم أذنه عن علم غيره، بل ينبغي على الإنسان أن يعلم أن هذا سنة، وأننا تحت رحمة الله منا المصيب ومنا المخطئ، وأننا لا نستطيع أن نزكي أنفسنا بأن نقول: نحن أصحاب الحق ونحن الذين على النجاة وعلى الصراط المستقيم، بل نبني على غالب ظنوننا ونجتهد بالدليل والحجة حتى نلقى الله سبحانه وتعالى، فإذا بذل الإنسان السبب فإن كان مصيباً فله أجران، وإن كان مخطئاً فله أجرٌ واحد، لكن لا يقتضي هذا ذم العلماء وسبهم وانتقاص غير شيخك، لا.
بل تكون كفيف اللسان عفيف القلب إلا إذا كان هناك أمر فيه اعتداء لحدود الله، فتقول: هذا الأمر خطأ، وفلان أخطأ في هذا الأمر، إذا كان يخالف فيه نصاً صريحاً من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالهوى، أو يأتي بعلم من عنده واجتهاد من عنده لا يُعرف له أصل عن أئمة السلف، فهذا شيءٌ آخر، ونحن نتكلم على مسائل شرعية يسع فيها الخلاف من الفرعيات وليس من الأصول، فعلى هذا ينبغي لطالب العلم ألا يغتر بشيخه، بل عليه أن يستعصم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني هذا نسيان فضل أهل الفضل، ولا يعني هذا أن يترك طالب العلم شيخه! لا، بل يتبع شيخه بالدليل، وإذا رأى شيخه يتحرى الكتاب والسنة أحبه لحب الكتاب والسنة، وغار على الحق الذي أجراه الله على يديه وأحب سماع هذا الحق ما دام أنه يرى أنوار التنزيل عليه، وعلى هذا يسير طالب العلم.
ولا يغتر أيضاً طالب العلم بانتقاص غيره، فلربما يكون شاباً اهتدى فرأى غيره من العوام فينتقصهم ويضحك منهم إذا أخطئوا، أو يستخف بهم إذا سألوا، لا ينبغي هذا، فإن الله قد يمقت العبد بذنب واحد، فيغضب عليه غضباً لا يرضى بعده أبداً: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه)، وقد يسخط الله على إنسان يغتر بعلمه فينتقص الناس، فإذا جلست بين عوام يريدون الفائدة فأظهر خشوعك ووقارك، لا من أجل أن يمدحك الناس ولا من أجل السمعة بل لله وابتغاء مرضاته، وقل: هذا العلم الذي شرفني وكرمني ينبغي أن أصونه وأن أحفظه كما أن الله جعله صوناً لي وحرزاً، فيكون الإنسان سهل الكلام مع الناس، سهل الكلام مع العامي إذا سأل أو إذا استشكل، فهذه من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يراعيها.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا السداد في القول والعمل، وأن يعصمنا من الشرور والزلل إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأل الله العظيم أن يجعل ما تعلمناه وعلمناه خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الضابط في معرفة المال المحترم
السؤال
أشكل عليّ الضابط في معرفة المال المحترم؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد المال: هو كل شيءٍ له قيمة، وسُمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وتهواه، ولذلك قال الشاعر: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال فالمال كل شيءٍ له قيمة، وبناءً على ذلك: إذا قال العلماء: المال، فلا يختص بالذهب ولا بالفضة، وقد دل على ذلك دليل السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف غير الذهب والفضة بالمال، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما من صاحب مالٍ لا يؤدي زكاته -ثم ذكر الإبل، فقال- إلا فتح لها بقاع قرقر يجدها أوفر ما تكون لا يفقد منها فصيلاً، تطؤه بأخفافها وتعضه بأنيابها) الحديث، فذكر الإبل والبقر والغنم، ووصفها بأنها مال، وفي حديث الثلاثة النفر: الأقرع والأعمى والأبرص، فإن الأعمى لما جاءه الملك فقال له: (ابن سبيلٍ منقطع، فقال له الأعمى: كنت فقيراً فأغناني الله، كنت كذا وكذا -وذكر نعمة الله عليه- ثم قال له: والله لا أردك اليوم من مالي شيئاً، دونك الوادي خذ منه ما شئت -وكان ماله الغنم- فقال الملك -وهذا موضع الشاهد- أمسك عليك مالك)، فسمى الغنم مالاً، فإذاً: قول العلماء: مالاً محترماً، المال: هو كل شيء له قيمة سواءً من النقدين أو غيرهما، والعُرف الدارج عند الناس أنهم لا يطلقون المال إلا على النقدين من الذهب والفضة، وهذا في الاصطلاح خاص، لكن المعروف: أن المال عام، وبناءً على ذلك يشمل الأشياء كلها، لكن قولهم: (محترم) المحترم: هو الذي له حرمة، وهو المأذون باتخاذه، فإذن الشرع باتخاذ المال يعطيه الحرمة؛ لأن الله جعل لك -إذا ملكت هذا المال- حق التصرف فيه، فيصبح المال له حرمة، قال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم وأعراضهم وحسابهم على الله)، فقال: (عصموا)، صار في عصمة وحرمة.
فإذاً: قولهم: (مال محترم) أي: مال مسلم، ويدخل في ذلك: مال الذمي، لكن لو أنه أتلف مال كافر حربي فإنه لا يجب عليه ضمانه؛ لأن مال الكافر الحربي ملك لنا: ولا يكون له حرمة؛ لأن الشرع أسقط عنه الحرمة بدليل الغنيمة، وعلى هذا لا بد أن يكون المال محترماً، فيكون محترماً من جهة الشخص كما ذكرنا في المسلم والكافر، ويكون محترماً من جهة الوصف، فيكون نفس المال مأذوناً به شرعاً مثل: الأطعمة والأكسية ونحوها، ويكون ضدها الأطعمة المحرمة، مثلاً: لو جاء شخص إلى طعام خنزير، فإذا كان لذميّ فإنه محترم؛ لأن شرط العهد الذي بيننا وبينهم: أن نقرهم على دينهم وهذا مباح لهم في دينهم، لكن نحن نتكلم على الأصل العام: أن الخنزير ما له حرمة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام)، فلو أخذ الصنم وكسره فليس عليه ضمان، وهكذا لو كان هناك شيء من الأطعمة الفاسدة المحرمة فأتلفت، فإنها إذا أتلفت ليس لها حرمة ومن هنا ساغ للمحتسب -كما ذكر العلماء في أحكام المحتسب-: أنه إذا دخل السوق ووجد طعاماً فاسداً أتلفه؛ لأن الطعام الفاسد ما له حرمة، وإذا بقي عند الشخص ربما باعه على مسلم فقتله وأضر به، فمثل هذا يوجب سقوط الضمان، فإذا وقع الإتلاف على مثل هذه الأموال سقط ضمانها، والله تعالى أعلم.
مناسبة إدخال أحكام الإتلافات في
باب الغصب
السؤال
ما وجه مناسبة هذه الأحكام في باب الغصب مع أن أحكامها متعلقةٌ بباب الضمان؟
الجواب
تختلف مناهج العلماء رحمهم الله، فبعضهم يذكرها في باب الضمان، لكن المشكلة أن الضمان إذا كان بمعنى: الكفالة المتقدم معنا في باب الكفالة -فمن العلماء من يجعل الضمان والكفالة بمعنى واحد- فحينئذٍ لا يسوغ أن تجعل أحكام الضمان للإتلافات تحت باب الضمان؛ لأنك إذا جعلت الضمان والكفالة بمعنى واحد، فهذه متعلقة بالديون، فالضمان: كأن يأتي شخص ويريد أن يستلف سيارة مثلاً، فتقول: أنا أضمنه أن يسدد، فهذه ما لها علاقة بالإتلافات، لكن إذا كان الضمان بمعنى: ضمان الحقوق والإتلافات فهذا باب مستقل، فحينئذٍ يسوغ أن تفرده بمادته، والسائد والذائع عند العلماء رحمهم الله أنه قل أن تجد من وضع باب الضمان بمعنى ضمان المتلفات، والمؤلفات المعاصرة تعبر بالضمان وتدخل مسائل الإتلافات، وهذا مصطلح صحيح وسائغ؛ لأن اسم الضمان يسوغ أن تندرج تحته هذه المسائل؛ لكن المصنف رحمه الله منهجه هو الصحيح؛ فإن الغصب اعتداءٌ على الأموال والإتلاف اعتداء على الأموال، والمناسبة بينهما لا إشكال في وضوحها وتمامها.
فإذا كانت عندك مادتان: مادة فيها نصوص ولها أصل، ولها باب مثل الغصب ولها نصوص خاصة وتفصيلات وتفريعات، ومادة ملحقة بهذا الباب مندرجة تحت أصله، فالأفضل أن تبدأ بالمادة الأولى وهي الغصب، ثم ترفقها بأحكام الضمان للمتلفات وأحكام الاعتداء، فالمصنف رحمه الله هنا سلك هذا المسلك، وإلا فبعض العلماء يجعل الضمان باباً مستقلاً، إلا أنه لم يجعل ضمان الاتلافات باباً مستقلاً؛ لأنا لو قلنا بهذا لوجب إدخال الديات والقصاص فيه؛ لأن هذه كلها ضمان للحقوق، وبناءً على ذلك: نجد كثيراً من العلماء لا يدخلون الإتلافات تحت باب الغصب، والشافعية عندهم هذا المنهج، والإمام الشافعي رحمه الله عليه من أئمة السلف ومع ذلك ذكر أحكام الإتلافات بعد الغصب، فجعل مسائل الإتلاف -كما في مختصر المزني في مسائله على الإمام الشافعي رحمه الله- بعد الغصب، والمصنف رحمه الله وأئمة الحنابلة رحمهم الله يذكرون هذه المسائل عقب الغصب وهذا وجيه، والمسألة كلها في الأولى والأحسن، والأمر واسع -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم.
شرح زاد المستقنع -
باب الغصب [8]
لم تضمن الشريعة الحق لصاحبه إذا أتلف ماله آدمي فقط، بل حتى لو أتلفت البيهمة شيئاً فإن الشريعة ألزمت صاحبها بضمان ما أتلفته حتى لا تضيع حقوق الناس، وهذا كله مُبَيَّن ومُفَصَّل في كتب العلماء رحمهم الله.
موجبات الضمان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان].
تقدم معنا أن مسائل الضمان تعتبر من أهم المسائل؛ نظراً لعموم البلوى بها، وكثرة السؤال عن أحكامها، وقد بينا أن العلماء رحمهم الله منهم من يذكر مسائل الإتلاف بعد مسائل الضمان، فلما كان الغصب يوجب الضمان ناسب أن تذكر مسائل الإتلاف؛ لأنها تشترك مع الغصب في كونها توجب الضمان.
وذكرنا أن الإتلاف يكون على صورة السببية وصورة المباشرة، وبينا إتلاف الشخص للأشياء بنفسه، كأن يحرق الشيء أو يتلف المنافع الموجودة فيه، سواء وقع الإتلاف لكل الشيء أو بعضه، وبينا أن الشريعة أوجبت على من اعتدى على أموال الناس أن يضمن ما جنت يداه، وأنه يطالب بدفع قيمة الأضرار المترتبة على اعتدائه.
وسيشرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان حصول الضرر بالسببية، وحصول الضرر بالسببية ذكر من أمثلته: فتح القفص كما ذكرنا، وفتح الباب، وحل الوكاء، هذا على القول بأن التضمين هنا من سببية مؤثرة في المباشرة، وقد بينا خلاف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة.
والآن عندنا مسألة ربط الدابة في الطريق الضيق، وقبل بيان هذه المسألة وما يتبعها من مسائل ينبغي أن يعلم أن هناك ثلاثة أمور لا بد من توفرها في الضمان، وهذه الثلاثة الأمور كالآتي: أولاً: وجود الاعتداء.
وثانياً: أن يترتب على الاعتداء ضرر.
وثالثاً: أن توجد سببية تربط بين الاعتداء وبين الضرر.
فعندنا اعتداء، وعندنا ضرر الذي هو أثر الاعتداء، وسببية رابطة بين الاعتداء وبين الضرر.
أما الاعتداء فيشمل ستة صور: الصورة الأولى: الإهمال.
الصورة الثانية: التقصير.
الصورة الثالثة: مجاوزة الحد.
الصورة الرابعة: عدم التحرز.
الصورة الخامسة: العمد.
الصورة السادسة: الخطأ.
هذه ست جهات يوصف فيها الشخص بكونه معتدياً.