شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 4-1
أهل الأثرالأرشيف العلمي

تسمية المهر في العقد ومقداره

[وتسميته في العقد] ويسمى المهر في العقد فيقول مثلاً: زوجتك موليتي فلانة بعشرة آلاف فيسمى ويذكر؛ لأن هذا أولى وأحرى في قطع النزاع وقطع الخصومة، وكذلك يرجع إليه عند الاختلاف، ولربما مات الزوج وماتت الزوجة ومات الولي والشهود، والزوج والزوجة والولي ممن يعلم بقدر المهر، فيضيع حق المرأة، فالتسمية تدفع كثيراً من المشاكل التي تقع في المستقبل، ولذلك قال العلماء: شرع الله الكتابة للديون والحقوق؛ لأجل أن لا يظلم الناس بعضهم بعضاً، ولأجل أن تصل الحقوق إلى أصحابها.
[من أربعمائة درهم إلى خمسمائة] لأن هذا الحد -من أربعمائة درهم إلى خمسمائة- هو الحد الذي جاء في رواية السير في صداق أم حبيبة بنت أبي سفيان حينما أصدقها النجاشي لزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر مطلق، أي: الأمر في هذا واسع لا يقيد بقيد معين ولا يحدد بحد، ويختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والضابط فيه أن يكون فيه يسر لا عسر، واليسر والعسر يختلفان، فمثلاً: قبل أربعين سنة ربما لو تزوج بريالين أو ثلاثة ريالات لكانت شيئاً كثيراً، والآن لو تزوج بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف لكان شيئاً يسيراً، فهذا أمر يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
والذهب والفضة هما من الأثمان التي جعلها الله سبحانه وتعالى قيماً تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فيصعب وضع حد معين، ولذلك ليس لليسر في المهر حد لا في الكثرة ولا في القلة وإنما يرجع فيه إلى العرف.

ما يصح مهراً وما لا يصح

قال رحمه الله: [وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل] قوله: (وكل ما صح ثمناً) أي: في البيع مثل الذهب والفضة، فلو قال لها: أصدقتكِ ألف ريال من فضة أو قال: أصدقتكِ مائة جنيه من ذهب، أو أي شيء يمكن أن يكون ثمناً وقيمة للأشياء، حتى ولو كان من المثمونات مثل أن يقول: صداقي لكِ هذه السيارة، صداقي لكِ مزرعتي هذه، ولو حتى ثوبه إذا كان عنده غيره مما يستره، فيقول: هذا الثوب صداق لكِ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال ذاك الرجل: (ليس معي إلا إزاري) لم يعتب عليه الإزار، وإنما عتب عليه أنه لا يجد غيره وأنه عرضة للانكشاف.
فالمقصود: أنه يجوز أن يكون الصداق كل ما يجوز ثمناً، ومعنى هذا أن ما لا يجوز أن يكون ثمناً وعوضاً في البيع لا يجوز أن يكون عوضاً في النكاح ولا مهراً، فلا يجوز أن يجعل مهرها كلباً ولا خنزيراً ولا خمراً ولا شيئاً مما يحرم بيعه.
قوله رحمه الله: (أو أجرة) كما في قصة موسى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:27] فجعل الإجارة لقاء النكاح مهراً وعوضاً، قالوا: وفي هذه الحالة تكون أُجرة الإجارة قائمة مقام المهر نفسه، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
[وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم] هذا على القول بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهذا -كما ذكرنا- أنه مذهب الحنابلة والحنفية رحمة الله عليهم، وسنفصل هذه المسألة إن شاء الله في كتاب الإجارة من شرح الزاد.
أما من حيث تعليم القرآن فعلى القول بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن يجوز أن يكون صداقاً، والدليل على ذلك حديث الواهبة نفسها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة كذا وكذا، قال: أنكحتك هذه بما معك من القرآن) قالوا: فدل هذا على جواز جعل تعليم القرآن صداقاً كما يقول المالكية والشافعية رحمة الله عليهم والظاهرية وطائفة من أهل الحديث، من أنه يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقاً للمرأة، وإذا جعل تعليم القرآن صداقاً، فلابد أن يحدد السور التي تكون مهراً، ويحدد كذلك الطريقة التي يمكن أن ينضبط بها التعليم؛ لأن الإجارة على الشيء تستلزم أن تكون إجارة شرعية ولا تكون بمجهول، فلابد أن يحدد ويبين الشيء الذي يعلم وقدره ومدة التعليم حتى تخرج الإجارة عن الإجارة بالمجهول المحرمة، وقال الحنابلة معتذرين عن هذا الحديث: بأن قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً للعموم، فرأوا أن حديث الواهبة خاص ولا يصلح دليلاً للعموم.
[بل فقه] فإذا علمها الفقه حدد الأبواب، فإذا علمها مثلاً جزءاً من كتاب الطهارة حدده، فإذا قال: أعلمها شيئاً من كتاب الطهارة، لم يصح حتى يبين قدره، فيقول مثلاً: أعلمها باب الوضوء، أعلمها باب الحيض، أعلمها باب الغسل، أعلمها باب الوضوء ومسح الخفين، أعلمها باب التيمم، فيحدد الأبواب التي سيعلمها، فلابد أن تكون الإجارة على شيء معلوم لا على شيء مجهول.
[وأدب] كان الناس يتعلمون الأدب، وفي الأدب عدة فوائد: أولاً: الأدب الإسلامي أدب رفيع ويشتمل على مغازٍ ومقاصد عظيمة، فهو يشتمل على جملة من الشعر والنثر الذي تكون فيه مكارم الأخلاق ويتحدث عن محاسن العادات وكرائم الخلال وحميد الخصال، كل ذلك يعتبر من الأدب، فكانوا يحفظونهم الأشعار التي فيها الشجاعة وفيها الكرم وفيها الحمية والغيرة وفيها النخوة وفيها المعاني السامية، هذا هو الأدب، وما سمي أدباً إلا لاشتماله على تأديب النفوس، وليس كل شيء يقال له: أدب، وإنما الأدب ما حمل النفوس على مكارم الأخلاق، أما المجون الساقط والدعوة إلى العنف والفساد، فهذا شر ورذيلة وليس هو بالأدب.
فالغاية من الأدب أن يحمل على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وله باب مستقل عند المتقدمين والعلماء الأوائل، وفيه كتب مشهورة تعتني بذكر القصص، وهناك كتب في الأدب مثل: عيون الأخبار لـ ابن قتيبة، فهذا الكتاب النفيس فيه جملة من الأدب، يتحدث مثلاً: عن الأدب مع الخاصة، إذا جالست العظماء والكبراء فكيف تجالسهم؟ وكيف تحادثهم؟ وكيف تخاطبهم؟ وما هي صفاتهم؟ وكيف تأمن شرهم وتطلب خيرهم؟ وكيف تعاملهم في حالة غضبهم وفي حالة رضاهم؟ كذلك أيضاً أدب الإخوان، فهناك كتاب خاص يسمى: كتاب الإخوان، في الأدب، كيف تعاشر الناس؟ من هو الصديق الذي تختاره؟ وما هي صفاته التي ينبغي أن تتوفر فيه؟ وكيف تعامله إذا أساء؟ وكيف تعامله إذا أحسن؟.
كل هذا يأتيك عن طريق القصص، فيكون إيحاءً غير مباشر، فهو: يأتيك بقصص، وعندما تقرأ القصة تلو القصة تتأثر، مثلما أن القرآن ذكر الحكم والفضائل في القصص: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:120]، فالقصص تثبت في النفوس المعاني، فإن كانت ساقطة أسقطت النفوس وإن كانت كاملة رفيعة حملت النفوس على مكارم الأخلاق، وسمت بها من حضيض الرذيلة إلى عُلا الفضيلة، وجعلت الإنسان يحدث نفسه أن يكون مثل فلان أو يكون له مثل ما لفلان، فالنفوس الطيبة حين تقرأ الشيء وتحبه تتأثر به، وتحب أن يكون لها مثل ما له، فهذا هو الأدب.
فالأدب جملة من المنثورات والأشعار تدور حول مغازٍ، وفيها ما هو كتاب يتعلق بالعشرة حتى العشرة الخاصة عشرة النساء، فتقرأ في الأدب صفات المرأة محاسنها ومساوئها، وكيف كانوا يتعاملون مع المرأة السيئة؟ وكيف كانوا يتعاملون مع المرأة الطيبة؟ تجد فيها كل شيء مما يتصل بك مع الناس، وأيضاً فيها كتاب خاص لمعاملة الناس في حال الغضب وفي حال الإساءة، حال الإساءة باللسان، وحال الإساءة بالسنان، فهذا هو الأدب.
الأدب الإسلامي كان يشتمل على جملة من الكتب والأبواب، فهناك مثلاً كتاب السؤدد، فيقول الرجل عند عقد النكاح: أعلمها -مثلاً- كتاب السؤدد، وهذا الكتاب يدور حول المعاني التي تسموا بالإنسان إلى السؤدد والشرف، ويمكن أن يعلمها كتاباً معيناً من كتب الأدب، حتى لو يرويها الشعر كأن يرويها المعلقات، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بتعليم الشعر الجاهلي حتى يُعْلَم الكتاب، وكان يمدح قصيدة زهير بن أبي سلمى ولما سُئل عن أشعر العرب وأحكم العرب قال: الذي يقول: ومن ومن، يعني: معلقة زهير بن أبي سلمى؛ لأنها اشتملت على الحكم.
ومن محاسن العلماء الأولين من الأدباء أنهم لما أرادوا نفع المتأخرين صنفوا هذه الكتب، فاختاروا أحسن ما يقال، ولذلك ليس الأدب كما ذكرنا لكل ما هب ودب، ولما سُئل بعض الحكماء العقلاء العلماء: من هو الأديب؟ قال رحمه الله كلمة بديعة جميلة قال: (الأديب هو الذي يقرأ أحسن ما يوجد)، فلا يقرأ كل شيء بل يقرأ أحسن ما يوجد (ويكتب أحسن ما يقرأ)، فلا يكتب كل ما هب ودب وإنما يختار، ويسمونها المختارات، ولذلك تجد مختارات فلان يعني: اختار عيون الشعر وعيون الحكم، فيقرأ أحسن ما يجد ويكتب أحسن ما يقرأ (ويحفظ أحسن ما يكتب)، فالذي يحفظه ويدخله إلى ذاكرته هو أفضل وأحسن ما يكتب من الحكم والمنثورات أو الأشعار التي ينبغي أن يعتنى بمثلها، ثم قال رحمه الله: (ويحدث بأحسن ما يحفظ)، أي أنه عندما يحدث الناس يحدثهم بأحسن محفوظاته؛ فهذا هو الأديب الرفيع المستوى الذي هو في أعلى مكان، وهذا هو الأدب الحقيقي، أما الأدب الأجوف الذي هو دعوى بدون حقيقة؛ فلا يمكن أن يكون الأدب أدباً إلا إذا كان رفيع المستوى، بأن يقرأ أحسن ما يوجد؛ لأن فكره ووقته وانشغال هذه الطاقة الفكرية لا يكون إلا لشيء يستحق أن ينشغل به، ثانياً: أن يكتب من هذا الذي قرأه أحسنه، كأنه في جنة وبستان فينتقي أطايبها، فإذا انتقى أطايب ما يقرأ كتبه، وإذا كتبه نظر فيه فأحسن الاختيار لحفظه، فحفظ أحسن ما كتب، ثم إذا جالس الناس وحدثهم انتقى لهم أحسن ما يحفظ، فهناك كلام يقال في الخاصة، وهناك كلام يقال في العامة.
فعلم الأدب علم مستقل، وإذا قيل: يعلمها الأدب، فليس المراد المحرم، فينتبه لهذا، وهذا الذي دعانا أن نتطرق لهذه القضية؛ لأنها حاصلة معنا، فلو أنه قصد من تعليمها الأدب: المجون والحرام؛ فهذا عقد على حرام مثل: أشعار الغزل التي فيها حرمة، أما أشعار الغزل التي لا تقصد للإغراء بالفاحشة، وإنما تقصد لمعانٍ أخر مما جرت به عادة أهل الجاهلية، فهذا شيء أقره النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال كعب: بانت سعاد، الأبيات المشهورة، فالمقصود من هذا: علوم الأدب التي لا تضر بالدين ولا تسيء إلى الدين، ولا تحمل على مساوئ الأخلاق.
وكتب الأدب كثيرة، وفيها كتب نفيسة؛ مثل عيون الأخبار لـ ابن قتيبة، وهناك أيضاً كتاب الحصري أدب الكاتب، وكتب الأدب منها ما هو متقدم ومنها ما يكون متأخراً، فمما يعتني بالنقل عن المتقدمين مثل: كتاب عيون الأخبار، وهناك كتاب مثل: العقد الفريد، لكن فيه تشيع، وفيه نقول جيدة، وفيه كلام نفيس لكن صاحبه فيه تشيع.
وأما الأدب بالنسبة لعصور بني العباس فما بعدهم فهو الذي يسمونه: الأدب الرفيع، الذي يحكي قصص الخاصة وما ينبغي أن يكون عليه الإنسان في معاملة الناس الخاصين، فهذا من أنفس ما كتب فيه: مشوار المحاضرة للتنوخي، وأما كتب الأدب الموسعة فنهاية الأرب وصبح الأعشى للقلقشندي ونحوها من الكتب المطولة، فهذه يمكن لطلاب العلم أن يستفيدوا منها ويأخذوا منها ما صفا ويدعوا ما كدر، وإلا فهي كثيرة سواء للمتقدمين أو للمتأخرين، لكن يمكن أن يستفيد طالب العلم منها مثل: أن يقرأ المعلقات وما كتب من أشعار في دواوين خاصة، مثل: ديوان الحماسة لـ أبي تمام، ومختارات الحماسة، والفروسية، والشجاعة التي تعتني بذكر الأشعار في الشجاعة والكرم والتضحية والجود والسخاء ونحوها من المعاني الطيبة، وهناك كتب نفيسة كثيرة في الأدب، وأياً ما كان فهو علم يقصد منه تهذيب النفوس وتعويدها على

استحقاق المرأة لمهر مثلها إذا بطل ما سماه لها مهرا

ً [وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح ولها مهر مثلها] قوله: (وإن أصدقها طلاق ضرتها) هذا لا يجوز؛ لأنه محرم، فإذا قال لها: أتزوجك على أن أطلق فلانة، فقالت: إذا طلقت فلانة فهو مهري، فهذا لا شك أنه ضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار).
قوله: (لم يصح ولها مهر مثلها) أي: لم يصح المسمى لأن يكون مهراً، ويبقي زوجته ثم يعطيها مهر مثلها إن دخل بها.
[ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل] قوله: (ومتى بطل المسمى) يعني: كان باطلاً لا يقره الشرع والنكاح صحيح (وجب مهر المثل) لأن مهر المثل لا وكس ولا شطط، ولذلك قضى به ابن مسعود رضي الله عنه في قصته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة المفوضة التي توفي عنها زوجها قال: (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط وعليها العدة -يعني عليها الحداد- فقال رجل: والله لقد قضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا، فقال: الحمد لله)، فحمد الله أن وافق قضاؤه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حكم التردد في قيمة الصداق

قال رحمه الله تعالى: [فصل: وإن أصدقها ألفاً إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً وجب مهر المثل] إذا قال: إن كان أبوها حياً فلها ألف وإن كان ميتاً فلها ألفان أو العكس فهذا صداق مجهول؛ لأنه يغرر بها، فقد تطمع به؛ لأنها تظن أن لها الألفين على أن أباها ميت فيتبين أنه حي، ففي هذه الحالة لا يصح؛ لأنه غرر، وقد ذكرنا هذا في البيوع: التغرير بالقيمة المترددة، وذكرنا أنه من الغرر المنهي عنه شرعاً.
[وعلى إن كانت لي زوجة بألفين أو لم تكن بألفٍ يصح بالمسمى] إن كان لي زوجة فألفان؛ لأن الضرر أعظم، وإن كان لا زوجة لي فألف؛ لأن الضرر أخف، فخففوا في هذا فقالوا: إن هذا ليس بالمتردد وإنما هو لخوف الضرر، فالضرر مصحوب بالحقيقة؛ فإن كان له زوجة دفعت ضررها بالألف الثانية، وإن كان ليس له زوجة ففي هذه الحالة تبقى على الأصل الذي هو الألف، وليس في هذا تردد يوجب الغرر والإضرار، بخلاف ما إذا قال لها: إذا كان حياً أو ميتاً، فهذا ليس بمرتبط بمصلحة أو درء مفسدة، ففرق بين المسألتين من هذا الوجه.

تأجيل الصداق

[وإذا أُجل الصداق كله أو بعضه صح] يؤجلانه ولا يدخل بها حتى يعجل لها بعضاً من الصداق.
[فإن عين أجلاً وإلا فمحله الفرقة] إن عين أجلاً، قال لها: أصدقكِ عشرة آلاف إلى نهاية هذه السنة، أعطيكِ إياها نهاية السنة، فهذا مؤجل، فإذا قال لها: صداقكِ عشرة آلاف فأجله إلى الفرقة، ويلزم بدفعه عند الفرقة، ويبقى ذلك موسعاً فيه إلى أن يفارقها.
[وإن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل] (وإن أصدقها مالاً مغصوباً) لأنه لا يملكه (أو خنزيراً) لأنه محرم أو خمراً فإنه محرم (وجب مهر المثل) يبطل المسمى ولها مهر المثل؛ لأن الخنزير والخمر كلها ليست من جنس ما يباح أن يكون صداقاً.

حكم العيب في الصداق

[وإن وجدت المباح معيباً خُيرت بين أرشه وقيمته] هذه مسألة جديدة، فبعد أن ذكر أحكام الصداق السابقة، شرع في مسألة العيب في الصداق، وتقدم العيب الكلي: المغصوب، والخمر، والخنزير، أن المسمى يلغى ويكون لها مهر المثل، لكن لو كان العيب في البعض، كأن يكون قسم منه معيب وقسم منه صالح، مثلاً قال لها: مزرعتي لكِ، ثم بان أن المزرعة فيها عيب ينقص قيمتها وهي كانت تظنها أنها كاملة، أو قال: سيارتي هذه صداق لكِ، قالت: قبلت، وتم النكاح ثم تبين أن في السيارة عيباً، فنقول لها: أنتِ بالخيار بين أمرين: أن يبقى ويدفع لها أرش العيب.
قوله: (خيرت بين الأرش ومهر المثل) يعني: إن شاءت أخذت الأرش وإن شاءت أخذت مهر المثل.

حكم الحباء للأب

[وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية] وإن تزوجها على أن لها ألفاً وألفاً لأبيها صحت، وحينئذٍ تكون الألف للأب؛ لأن البنت بضعة منه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم) فهذا يسمى حباءً إذا كان هناك حباء للأب.
[فلو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما] (رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما) إذا طلقها يصير له نصف المهر، فهل يأخذ الألف الذي هو نصف الألفين وتكون خمسمائة للمرأة وخمسمائة لأبيها، فيأخذ نصف المهر ونصف الحباء أم أن الذي يتنصف المهر وحده؟

الجواب

الذي يتنصف المهر وحده، ولذلك لا يملك إلا المهر، والحباء كان محض هبة وتبرع للأب، والأب يملك عن ابنته، فمن حقه أن يأخذ حباءً في زواج ابنته وجرى على ذلك عمل السلف رحمهم الله، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على وجه الإضرار، لكن لو حصل خلع فإنه لا يطالب برد الحباء.
ومن أكبر الخطأ أن النساء إذا خالعن بلغ ببعضهم أن يلزمهن برد قيمة الزواج، وهذا ليس في دين الله عز وجل وليس من دين الله في شيء كما سيأتي إن شاء الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ما قال لها: ردي عليه كلفة الزواج، ولا قال لها: قولي لأبيكِ يرد الحباء، ولا سأله هل حبوت أباها شيئاً؟ فهذا كله نص صريح واضح جداً على أن المرأة إذا خالعت ترد نفس المهر، وفي الطلاق قبل الدخول لا ترد إلا نصف المهر.
وحينئذٍ يشطر المهر فقط، أما أن يأتي الرجل وينكح المرأة ويدفع في وليمة النكاح قرابة خمسين ألفاً، ثم يقال: هذا ضرر، وما دام أنها ما تريده فإنها ترد عليه الخمسين ألفاً فهذا خطأ كبير؛ لأنه من المعروف والمعهود والمشاهد أنه يفعل الوليمة بخمسين ألفاً فيأتيه من الناس في بعض الأحيان مائة ألف بسبب هذه الوليمة، فيأخذ من الناس مائته ويأخذ من الزوجة الخمسين ويرهق كاهلها، وتمنع مما أباح الله لها من الخلع، فهذا كله مما يخالف شرع الله عز وجل، ولا نحفظ هذا لا في نص الكتاب ولا في نص السنة، إنما ترد له نفس المال في هذه المسألة ولا تطالب برد الحباء الذي يكون للأب، ومن باب أولى كلفة الزواج.
[ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها] لأنه ليس هناك وجه للغير أن يأخذ، فالأولياء الباقون ليس من حقهم هذا فكله لها، وفي الرد يكون حكمه حكم المهر.

حكم تزويج البنت بأقل من مهر المثل

[ومن زوج ابنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها صح] لأن الأب قد يفعل هذا لمصالح، فقد يخشى على ابنته، وقد يخشى أنها لا يأتيها أحد، وقد يريد أن يستعجل في زواجها لمقاصد، وقد يعوضها بالزوج الكريم، فالأب فيه من الشفقة ما يمنع أن يؤذي ابنته، فلا يفعل مثل هذا الإضرار إلا وله مقصد ومصلحة أعظم، ولذلك يقبل من الأب ما لا يقبل من غيره، فقد زوج أبو بكر رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها قبل بلوغها، وهذا يدل على قوة سلطة الأب أكثر من غيره من الأولياء.
[وإن زوجها به ولي غيره بإذنها صح وإن لم تأذن فمهر المثل] إذا زوج غير الأب المرأة بأقل من مهر المثل رجع الأمر إلى المرأة، إن رضيت وأذنت أو أقرت فلا إشكال، أما إن قالت: لا، فإن هذا الولي يصير قد تعدى وقصر في ولايته فلا يصح ذلك؛ لأن هذا يعتبر من الظلم أن يكون مهر مثلها عشرين ألفاً، وفيأتي ويمهرها خمسة آلاف ريال، وهذا مما وقع فيه بعض الصالحين بحسن نية، فيكون أبوه متوفى فيأتي إلى صديق له فيزوجه أخته ويقول: ادفع ألفاً أو ألفين أو ثلاثة آلاف، فلا يجوز ذلك إلا برضا الأخت، فإذا رضيت الأخت وتنازلت عن حقوقها صح، ولا شك أنها مأجورة وهو مأجور، ويفعل هذا من فيه صلاح من باب الخير، لكن ينبغي رد الحقوق إلى أهلها.
فالمهر حق من حقوق المرأة لا يجوز لأحد أن يتدخل في هذا المهر، إلا الأب فله سلطة وولاية، أما غيره فلا، والمرأة هي التي لها الحق في المهر، تقدره بما تراه بشرط أن لا يكون ذلك على طريقة فيها نوع من الأذية للأولياء، كأن تماطل في زواجها وتتخذ من المهر ذريعة للمماطلة، فإذا زوجها وليها بمهر مثلها فحينئذٍ زواجها صحيح ومعتبر.

تزويج الأب لابنه بأكثر من مهر المثل

[وإن زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج] الأب عنده من العاطفة والشفقة ما لا يتهم معه، فإذا زوج ابنه بمهر المثل أو أكثر صح ذلك، كأن تكون الزوجة مثلها تأخذ ثلاثين ألفاً فزوجه بأربعين، فلما بلغ الابن قال: لا أرضى بذلك، فنقول: صح العقد وتضمن المهر؛ لأن ولاية الأب تلزمه في هذه الحالة، ويكون الحكم على حسب العقد الذي أبرمه، فلا يأتي بعد بلوغه ويقول: لا؛ لأن فائدة ولاية الأب عليه في حالة صباه أنه يبت بما فيه مصلحته، فلما اجتهد في مصلحته وبت ذلك ألزم الابن بعد بلوغه بالدفع.
[وإن كان معسراً لم يضمنه الأب] مثلاً إذا زوجه بأربعين ألفاً فالابن يضمن، فإذا كان الابن معسراً هل نرجع على الأب ونقول: أنت السبب فتدفع؟

الجواب

لا، ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280] ولا يرجع إلى الأب، وإنما يبقى في ذمة الابن الصغير حتى يفتح الله عليه وهو خير الفاتحين.

تملك المرأة للصداق وأحكامه

شرع المصنف رحمه الله في هذا الفصل في بيان جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بصداق المرأة، وكما تقدم معنا أن العلماء رحمهم الله يعتنون عادةً ببيان الأصول، ثم يذكرون المسائل المتفرعة في الفصول، وهذا الفصل ينبني على ما تقدم.
فنحن ذكرنا أن الشرع جعل للمرأة حق الصداق، وإذا أثبتنا أن الصداق حق من حقوق المرأة فإنه يرد

السؤال

متى يدخل في ملكية المرأة؟ ومتى يُحكم بأن الصداق انتقل من يد الزوج إلى يد الزوجة؟ وهذه مسألة مهمة، فهناك صداق يُعجل، وهناك صداق يُؤجل، وهناك صداق يُعجل بعضه ويُؤجل بعضه.
فلا بد من بيان هذه المسائل والأحكام، وكثير من هذه المسائل تتفرع على مسائل البيوع، خاصةً في مسألة الضمان وانتقال الملكية، ولربما تصرفت المرأة في الصداق قبل قبضه، كأن تبيعه أو تتصدق به أو تهبه قبل أن تأخذه من الزوج، فيرد السؤال عن هذه المسائل وعن أحكامها، فلا بد من بيانها وتفصيلها.

أحوال الصداق من جهة قبض المرأة له

الصداق له حالتان: الحالة الأولى: أن يعطيه الزوج للزوجة، فإذا أخذته الزوجة وقبضته فحينئذٍ نحكم بكونه انتقل إلى يد الزوجة وملكيتها.
مثال ذلك: لو قال لولي المرأة: أدفع لك هذه المزرعة صداقاً لابنتك، قال: قبلت، فأعطاه المزرعة ومكَّنه منها، فقبضها، فللمرأة غنم المزرعة وعليها غرمها.
فلو أخذت هذه المزرعة وقبضتها وتم الاستلام، فأصبحت غالية، أو أتت آفة سماوية فأحرقتها وأتلفتها، فالربح لها والخسارة عليها.
فإذا أعطيت المرأة مهرَها وقبضته فلا إشكال.
لكن الإشكال إذا سُمِّي الصداق ولم يُقْبَض، كأن يقول الولي: زوجتُكَ ابنتي بسيارتك هذه، أو زوجتك ابنتي بعمارتك الفلانية، أو بأرضك الفلانية، أو قال: زوجني ابنتك بهذه المائة ألف، ولم يعطه إياها، لكن قال: بهذه المائة ألف، فإذا سمى صداقاً للمرأة ولم تقبضه فعلى حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الصداق معيناً.
والحالة الثانية: أن يكون مستقراً في الذمة وموصوفاً في الذمة.
ونحن سبق وأن ذكرنا في كتاب البيوع تفصيلات العلماء في ضابط العين والذمة، وبيَّنَّا بيع العين وبيع الذمة.
فإذا قال لوليها: صداقها هذه المزرعة، أو صداقها هذا البيت، أو صداقها هذه العمارة، أو صداقها هذه السيارة، فقد تعين الصداق، وأصبح صداقها هذا الشيء المعين.
فحينئذٍ عندنا التعيين وعندنا القبض، ففي العقد ثبت أن هذه العمارة أو أن هذه السيارة أو أن هذه العين لفلانة، فقال وليها: رضيت وقبلت، فقد تعين الصداق، ويرد السؤال حينئذٍ: هل المعين يكون في ملك الزوجة، أو يكون في ملك الزوج، أو يتوقف الأمر على القبض؟ هذا خلاف بين العلماء رحمهم الله؛ لكن التعيين يؤثر في الملكية في الصداق، فإذا قال: صداقها هذه السيارة، فحينئذٍ تكون السيارة في ملكية المرأة.

وقت دخول الصداق في ملكية المرأة

فقال رحمه الله: [وتملك المرأة صداقها بالعقد ولها نماء المعين قبل القبض وضده بضده].
(ولها نماء المعين): ومعنى هذا: أنها تملك بالعقد.
إذاً: عندنا جملتان: الجملة الأولى: قضية (تَمْلِكُ المرأةُ صداقَها بالعقد).
الدليل على ذلك: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق، فإنه حينما توفي عنها زوجها قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بمهر المثل وهو لم يدخل بها بعد، فدل على أنه بمجرد العقد تصبح المرأة مالكةً للمهر، والأصل الشرعي يقتضي صحة هذا.
وكما ورد الدليل الخاص في بيان انتقال الملكية إلى المرأة في حديث بروع، وصححه غير واحد من العلماء والأئمة رحمة الله عليهم، كذلك فإنه قد شهدت الأصول بصحة ذلك؛ لأن الشريعة أمرت بالوفاء بالعقود، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1].
والعقد إيجاب وقبول، فإذا بذل الولي المرأة وبذل الزوج الصداقَ وتم الاتفاق بينهما فقد التزم كل منهما للآخر بما التزم به، فتُصبح المرأة مالكةً لصداقها بالعقد، ويُصبح الرجل مالكاً للانتفاع بالمرأة تدخل في عصمته بمجرد العقد، وسبق أن بيَّنَّا أن عقد النكاح فيه مكارمة وفيه معاوضة.
المكارمة: بيناها.
والمعاوضة: ذكرناها في أكثر من مرة، خاصةً حينما شرحنا عقود البيوع؛ فالمعاوضة في النكاح أن الرجل يستمتع بالمرأة، فيملك منافع البضع، والمرأة تملك المهر.
والله جعل المهر عوضاً عن الاستمتاع فقال: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24] فإذا أثبتنا أن عقد النكاح يقوم على هذه المعاوضة، ووقع الإيجاب والقبول بين الزوج وبين ولي المرأة على هذه المعاوضة، وكان مستوفياً للشروط، فيجب على الرجل أن يفي بالتزامه ويجب على الولي أن يفي بالتزامه، والتزام الرجل أن يعطيها هذا الصداق.
فإذاً: تملك المرأة صداقها بالعقد، وهذا نص عليه جمهور العلماء رحمهم الله، ويتفرع على هذا المسائل التي سيذكرها المصنف.
فالمرأة تملك الصداق؛ بمعنى أن لها حق المطالبة بالصداق من حيث الأصل ما لم يكن مؤجلاً، على اختلاف صور الصداق واتفاق المتعاقدين على الصداق، فمنه معجل، ومؤجل قبل الدخول، ومؤجل بعد الدخول.
الشاهد أنها من حيث الأصل تملك، بمعنى: أن الصداق ثابت لها، فإن رضيت بتأخيره لم تملك مطالبته مقدماً، وإن لم ترضَ بتأخيره وبتت فلا يدخل بها حتى يعطيها مهرها.
وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة صداقها بعد موت زوجها، وألزم بإعطائها صداقها من زوجها المتوفى ولم يدخل بها، فلو كان الصداق موقوفاً على قضية الاستمتاع لسقط في حال موت زوج بروع بنت واشق رضي الله عنها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب على ورثة زوج بروع أن يدفعوا لـ بروع حقها من الصداق، فدل على أنه مبني على العقد، وليس بمتوقف على الدخول إذا تم الإيجاب والقبول عليه.
والباء في قول المصنف (وتملك المرأة صداقها بالعقد): سببية، أي: تملك المرأة صداقها بسبب العقد، فإذا تم العقد فإن هذا العقد يثبت لها ملكية الصداق.

حكم نماء المهر المعين غير المقبوض

قال رحمه الله: (ولها نماء المعين قبل القبض) نحن ذكرنا أنه إذا اتفق الطرفان على الصداق فأعطى الزوج صداق المرأة لوليها وقبضته، فلا إشكال، لكن الإشكال إذا لم يعطها الصداق، فحينئذٍ عندنا حالتان: الحالة الأولى: أن يكون الصداق معيناً، والمعين أن يقول: هذه السيارة، أو هذه العمارة، أو هذه الشقة، هذا معين، حتى لو قال: هذه العشرة آلاف، فإنها معينة، فإذا عين سيارة أو عين أرضاً أو عين عمارة أو عين داراً، واتفقا على ذلك، فإن هذا المعين ملك للمرأة.
فإذا ثبت أن المرأة تملك الصداق بالعقد، فحينئذٍ يكون الغُرم على المرأة والغنم للمرأة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الضامن يملك الربح وكذلك يضمن الخسارة، فقال صلى الله عليه وسلم: (الخراج بالضمان) فدل على أن من يضمن الخسارة يأخذ الربح.
فالمرأة إذا أثبتنا لها النماء والربح، فعليها الخسارة، فإذا قلت: إن المعين يصير إلى ملكية المرأة بالعقد، تقول: لها غنمه وعليها غرمه، بحيث إنه لو أصدقها عمارة، فسقطت وانهدمت، فإن خسارتها على المرأة، ولو أن العمارة زادت وربحت، فزيادتها للمرأة، لأنها دخلت في ملكيتها بسبب التعيين؛ لأن العقد إذا وقع على معين لا ينصرف إلى غيره ما دام هذا المعين موجوداً.
والشرع ألزم المتعاقدين إذا تعاقدا على شيء أن يفي كل منهما بالتزامه، فلما التزم لها أن يعطيها هذه العمارة وجب عليه أن يعطيها هذه العمارة وثبتت لها، فإذا غلت كان نماء، وإذا رخصت كان غرماً، ففي كلتا الحالتين تأخذ الغنيمة وتتحمل الغرم.

حكم تلف المهر المعين

قال رحمه الله: [وإن تلف فمن ضمانها إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه] وإن تلفت العين المعينة فإن الضمان على المرأة؛ مثلاً: لو قال لها: هذه المائة شاة صداق لك، أو هذه المائة ناقة صداق لك، فقال وليها: قبلت، فحينئذٍ هذه المائة صداق معين، فإن نمت وتكاثرت فالفرع تابع لأصله، وإن تلفت من غير تعدٍ فإنها تتحمل التلف، كما لو مات بعضها أو جاءت آفة سماوية، فأهلكت نصف المائة، فإنها تأخذ الخمسين ولا تستحق الرجوع.
فالمهر المعين يكون في ضمان الزوجة ولا يكون في ضمان الزوج، وعلى هذا فإنها تأخذ الربح وعليها الخسارة، فتتحمل كلا الأمرين؛ لأن الشريعة شريعة عدل، فلا يعقل أن الإنسان يأخذ الربح ولا يضمن الخسارة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عائشة رضي الله عنها في السنن: (الخراج بالضمان)، وهذا الحديث -كما ذكر الأئمة- أجمع العلماء على معناه، وقد حكى الإمام أحمد رحمة الله عليه أنهم مجمعون ومتفقون على أن الخراج لمن يضمن الخسارة.
قوله: (إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه).
(قبضه) يعني: قبض الصداق المعين.
(فيضمنه) أي: عليه ضمانه.
إذا أثبتنا أن هذه المائة شاة أو مائة ناقة تصبح ملكاً للزوجة وتصبح في ضمان الزوجة، بحيث إنها لو نمت يكون النماء لها، ولو تلفت يكون التلف عليها، فلو أنها سألت الزوج أن يعطيها هذه الغنم فامتنع، فإنه حينئذٍ يكون قد غصبها حقها، ما لم يكن بينهم اتفاق بالتأجيل، لكن إذا استحقت المطالبة وطالبت بمعين، فمنعها وظلمها، فإنه يكون كالغاصب للمال، والغاصب يضمن، والمغصوب يكون نماؤه للمالك وخسارته على الغاصب، وفي هذه الحالة لطالب العلم أن لا ينظر لمسألة المهر، بل ينظر إلى القاعدة في الضمانات، وهكذا أي مسألة تأتي ولها أصل ينبغي أن ينتبه لأصل المسألة، فالمسألة عندنا في مهر المرأة: إن كان الزوج مكنها من الأخذ وقالت: اتركه عندك، كأن يكون مثلاً: مائة رأس من الغنم، فلا تستطيع أن تأخذها وتقوم عليها، فقالت الزوجة: دعها عندك حتى أطالبك بها، فرضي بذلك، فإذا بقيت عند الزوج فإنها تبقى على ضمان الزوجة، إن حصل خير فلها وإن حصل شر فعليها، وهي التي تضمن في الوجهين، فتأخذ الربح وعليها الخسارة.
لكن لو منعها الزوج فطالبته الزوجة وقالت له: أعطني مهري، فقال لها: لا أعطيك الآن، وماطلها وتأخر في إعطائها، مع أن المهر مهرها والواجب شرعاً أن يعطيها، فإذا قال: لا أعطيكِ، انتقلت يده إلى يد الضمان، وتصبح المسألة مفرعة على قاعدة الضمان، حيث خرجت المسألة إلى مسألة الغصب، فإذا قال: لا أعطيكِ، فإنه غاصب، والغاصب القاعدة فيه: أنه يضمن الخسارة وتلف المغصوب، ويكون الربح والنماء للمالك الحقيقي، وحينئذٍ لو سئلت عن المستثنى من قاعدة: الغنم بالغرم أو (الخراج بالضمان) كما ورد في الحديث تقول: مما يستثنى من ذلك: مسألة الغاصب، فإنه يضمن المغصوب ويكون الربح للمالك الحقيقي.

حكم تصرف المرأة في المهر المعين

قال رحمه الله: [ولها التصرف فيه وعليها زكاته].
(ولها) أي: من حقها أن تتصرف في مهرها المعين قبل قبضه، كأن تتصدق به، قالت: هذه المائة رأس أجعلها صدقة، أو هذه المائة ناقة أنحرها للفقراء والمساكين، فهذا تصرف بالصدقة، أو قالت: هذه المائة ناقة وهبتها لأخي فلان، أو وهبتها لابن عمي فلان، أو أعطيها فلاناً، فأعطته هبة أو صدقة، أو باعت المائة شاة إلى زيد من الناس، فإننا نصحح البيع.
وفي هذه الحالة قال رحمه الله: (ولها التصرف فيه) يعني: من حقها أن تتصرف في هذا المعين قبل قبضه.
(وعليها زكاته) وهذا من الغرم، فالمال مالها، والزكاة -كما تقدم معنا في كتاب الزكاة- متعلقة بالمالك الحقيقي، فهي مالكة لمالها، فعليها زكاته.

حكم النماء المنفصل في الصداق إذا طلق قبل الدخول

قال رحمه الله: [وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكماً دون نمائه المنفصل].
هذا محل إجماع: أن الصَدَاق يتشطر إذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] فأثبت الله سبحانه وتعالى للزوج نصف المهر وللزوجة نصف المهر، وهذا ما يسميه العلماء بالتشطير.
أما إذا دخل بها فإن المهر يكون لها كاملاً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24] وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها).
فإذاً المهر له حالتان: - أن يتشطر ويكون للمرأة نصف المهر، إن وقع الطلاق قبل الدخول.

  • أن يكون لها المهر كاملاً، إن وقع الطلاق بعد الدخول.
    فإذا ثبت أن المرأة لها نصف المهر إن وقع الطلاق قبل الدخول، فحينئذٍ هذا المهر المعين لو كان له نماء فإن نصف المهر بنمائه يكون ملكاً لها مادام أنه قد فرضه وسماه، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] فنص سبحانه وتعالى على نصف المفروض، والمفروض تملك المرأة أصله ونماءه المتصل.
    والنماء المتصل مثل السِّمَن، والزيادة بالصفات، والزيادة بالأجزاء، وسبق وأن ذكرنا في كتاب البيوع تفصيلات النماء المتصل والمنفصل في خيار العيب وفصلنا في ذلك.
    قوله: (أو الخلوة) إذا خلا الرجل بالمرأة الخلوة التي يمكن فيها الزوج من وطء الزوجة ولم يطأ، فإنه يثبت لها المهر كاملاً بتلك الخلوة، كما لو قال: أريد زوجتي، فجاء وليها ومكنه من الدخول بها، فدخل واختلى بها لكنه لم يصبها، فإنها لما مكنته من نفسها كان التقصير منه.
    وحينئذٍ يكون حقها كاملاً، كالأجير: إذا استأجرت شخصاً ومكنك من نفسه أن يعمل عندك يوماً كاملاً ولم تطالبه بعمل، فإنه عند نهاية اليوم يستحق أجرته كاملة؛ لأن التفريط منك أنت، وأنت الذي تتحمل مسئولية عدم مطالبته بالعمل.
    فالرجل هو الذي يتحمل مسئولية عدم الدخول بها، فهناك دخول حقيقي ودخول حكمي: الدخول الحقيقي: أن يدخل ويطأ ويصيبها ويستمتع بها.
    والدخول الحكمي: أن يُمكن من الدخول، ولا يكون هناك أي عائق من جهة المرأة يمنعه من إصابتها ولا يصيبها.
    لكن لو أن وليها مكنه من الدخول واختلى بها، فأراد أن يصيبها، فدفعته ومنعته فإنها لا تستحق المهر كاملاً؛ لأنه في هذه الحالة وإن دخل في الظاهر لكنه لم يدخل في الحقيقة؛ لأنها لم تمكنه من نفسها.
    فإذاً الدخول الحكمي شرطه أن لا يكون هناك مانع من المرأة يمنع من إصابته لها.
    (فله نصفه حكماً) أي: قهراً، وهذا من جهة انتفاء الخيار، كالحضانة ونحوها يحكم بها ولا خيار، وكذلك الوصايا من الميت تكون للموصى له حكماً ولا يملك الخيار في إسقاطها.
    (فله نصفه حكماً) لأن الله سبحانه وتعالى نص على ذلك: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] فيثبت هذا النصف له، والله عز وجل حكم بذلك من فوق سبع سماوات.
    وله بعد ذلك أن يتنازل عن هذا النصف، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] فقوله سبحانه: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] يعتبره علماء التفسير وعلماء الأصول من المشترك، وهو المتردد بين معنيين، لأن الاسم الموصول وصلته في قوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237] هو من الاشتراك بالأسماء الموصولة، وهو متردد بين شخصين إما أن يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وإما أن يكون الزوج، فالولي بيده عقدة النكاح؛ لأنه هو الذي يوجب عن موليته وينشئ العقد عن موليته، والزوج أيضاً بيده عقدة النكاح؛ لأنه يملك تطليق المرأة ويملك أيضاً العقد على المرأة، فاختلف العلماء في ذلك، وإن كان الأقوى من جهة المقابلة: أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، فيعفو الزوج عن النصف ويسامحها ويترك لها المهر كاملاً، وذلك أقرب إلى التقوى وأعظم أجراً له.

حكم النماء المتصل بالصداق في حالة تشطير الصداق

قال رحمه الله: [وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه].
إذا أثبتنا أن النماء المتصل يكون تبعاً للمرأة لأنها ملكت الأصل، فحينئذٍ يكون له نصف قيمة المهر دون النظر إلى نمائه المتصل.
فلو أنه جعل صداقها -مثلاً- من الغنم مائة رأس، ونما هذا الغنم، فهذا النماء في المعين -وهو المائة شاة- ملك للمرأة؛ لأنه نماء حدث في ملكيتها، فهي التي قامت عليها وأعلفتها، فهذا النماء في ملكيتها.
في هذه الحالة إذا ثبتت الزيادة في ملكيتها فإن الزوج لا يملك إلا نصف المهر الذي أعطى، وليس نصف المهر الموجود حالياً الذي قيمته غالية؛ لأن المهر الموجود حالياً في ملكية المرأة، ونماؤه وزيادته حدثت في ملكية المرأة.
فمن العدل أن يرد له نصف ماله الحقيقي، فينظر إلى أصل المهر حينما أعطاها إياه وأوجبه لها دون نظر إلى وجود الزيادة، فلو كانت الرأس حينما أصدقها هذا المهر قيمتها خمسمائة ريال وبالزيادة صارت القيمة سبعمائة، فإننا نعطيه نصف المهر من قيمة الخمسمائة وليس من قيمة السبعمائة بالزيادة.
وهذه مسألة ذكرنا أن العلماء يذكرون فيها الأصل وما تفرع منه، فأنت إذا أثبت أن النماء المتصل في المعين يكون تابعاً للمرأة فينبني على ذلك أنه إذا جاء يطالب بحقه فإنك ترده إلى الأصل، ولا ترده إلى عين فيها نماء.

اختلاف الزوجين في الصداق

قال رحمه الله: [وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله وفي قبضه فقولها].
غالباً إذا اختلف الزوج والزوجة فبطبيعة الحال أن الزوجة تدعي الأكثر والزوج يدعي الأقل، فلا يختلفون غالباً إلا على هذا.
فالمرأة تقول: أصدقتني خمسين ألفاً، والزوج يقول: بل أصدقتكِ أربعين ألفاً، فدائماً المرأة تطالب بالأكثر والرجل يطالب بالأقل؛ لأنه لو كان الأمر بالعكس فإنه سيعطيها وينتهي الإشكال, فإذا كانت المرأة تقول: أصدقتني خمسين، وهو يقول: لا، بل أصدقتك أربعين، فمن المدعي؟ ومن المدعى عليه؟

بيان المدعي والمدعى عليه في اختلاف الزوجين في قدر الصداق

سبق وأن ذكرنا أن المدعي من يوافق قوله الأصل أو العرف، فبعض العلماء يقول: القول قول الزوج -كما ذكر المصنف- لأن المرأة تطالبه بزيادة، فهي تدعي عليه؛ لأنه إذا قال الزوج: أصدقتكِ أربعين، والمرأة قالت: بل أصدقتني خمسين، فنحن متأكدون وعلى يقين أن المهر أربعون، واختلفنا في العشرة الآلاف الزائدة، فنحن نقول: الأصل واليقين أنها ليست على الزوج؛ لأن الأربعين متأكدون منها، وأما الزائد فتدعيه المرأة، فأصبحت المرأة مدعية والزوج مدعىً عليه، وقلنا بأن المدعى عليه القول قوله، والمدعي يطالب بالبينة، فيقال للمرأة: أنتِ تستحقين أربعين، فأثبتي الزيادة؛ لأنا على يقين من الأربعين، والعشرة الزائدة نشك فيها.
فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يُدَّعى فالمرأة تقول: قد كان المهر خمسين، والزوج يقول: ما كان ولم يكن، فهو مدعًى عليه، فالقول قول الزوج، وهذا وجهه.

اختلاف ورثة الزوجين في قدر الصداق

(أو ورثتهما) أي: يختلف ورثة الزوجين، وفي الحقيقة أن الشريعة وضعت للناس البينات والمعالم، وأمرتهم في الحقوق أن يكتبوا وأن يستشهدوا وأن يحتاطوا، وأن لا يضيعوا حقوقهم بالمجاملات.
فإذا كان عقد نكاح فلا ينبغي أن تترك الحقوق سائبة، بل ينبغي أن يستوثق بالشهادة ويستوثق بالكتابة وتحفظ حقوق الناس، فغالباً ما تقع المشاكل بين أولياء المرأة والرجل، أو ورثة المرأة وورثة الرجل، والسبب: التساهل بكتابة الحقوق، لأنه لو كان هناك كتابة وكان هناك استيثاق فلن يقع اختلاف؛ لأنهم إذا اختلفوا رجعوا إلى المكتوب ورجعوا إلى البينات التي عندهم فقطعت النزاع الذي بينهم.
فصورة المسألة: لو أن الزوجين وقع بينهما النكاح ثم توفي الزوج وتوفيت الزوجة، أو توفيت الزوجة والزوج والولي، فإلى من نرجع؟ والقول قول من؟ فأولياء المرأة يطالبون أولياء الرجل بخمسين ألفاً، وأولياء الرجل يدعون أن المهر أربعون، فالقول قول من؟ نفس الحكم في الخلاف بين الزوجين، فإذا قلت: القول قول الزوج، فالقول قول أوليائه وورثته، فالفرع قائم مقام أصله، فإذا كان الزوجان حيين فالقول قول الزوج، وإذا كانا ميتين فالقول قول ورثة الزوج، ويصبح ورثة الزوجة مدعين لما هو أكثر، فلا يقبل منهم الأكثر إلا ببينات.

اختلاف الزوجين في تعيين الصداق

(أو عينه) أي: تعيين الصداق، فإنها إذا قالت: أصدقتني هذه السيارة، فقال: بل أصدقتكِ هذه السيارة، فالغالب أنه لا ينقلها إلا إلى ما هو أقل، وهي تدعي ما هو أكثر، فتكون نفس القضية السابقة، فالقول قوله.

اختلاف الزوجين فيما يستقر به الصداق

(أو فيما يستقر به) أي: هل يكون معجلاً أو مؤجلاً، ودائماً إذا طولب الزوج بما هو زائد أو بما هو خلاف الأصل فالقول قوله؛ لأنه مدعىً عليه.
بعض العلماء يقول في هذه المسألة: إذا اختلف الزوج والزوجة في قدر الصداق فإنه ينظر إلى الأشبه، أي أنه: يحتكم إلى العرف فيقول: إن وجدنا العرف يشهد بقول الزوجة فالقول قولها، وإن وجدنا العرف يشهد بقول الزوج فالقول قوله.
مثال ذلك: قالت: صداقي ثلاثون ألفاً، قال: بل صداقكِ عشرون ألفاً، وهي بكر، والعرف أن مثلها من الأبكار يزوجن بثلاثين، فالقول قولها؛ لأن العرف قد شهد بصدقه، فحينئذٍ يكون القول قولها.
لكن ضعف هذا القول ورجح قول المصنف ومن وافقه؛ لأنه ربما تراضى الزوجان على ما هو أقل.

اختلاف الزوجين في قبض الصداق وعدمه

(وفي قبضه) قال: أعطيتك المهر وقبضته، فقالت: ما أعطيتني، ولم أستلم المهر ولم آخذه، فاليقين أنها لم تأخذ، وقد تقدم في البيوع أنه حينما يقول البائع للمشتري: سلمتك البضاعة، يقول المشتري: ما استلمتها، فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه، والأصل عندنا أن المشتري ما استلم حتى يثبت استلامه باليقين؛ لأن البائع إذا اعترف بأنه باع وأنه قبض الثمن فقد اعترف بأنه أصبح مديناً، فلا بد أن يثبت أنه أبرأ ذمته من دينه.
فإذا قالت الزوجة: لم تعطني مهري، فقال: بل أعطيتك، فالقول قول الزوجة حتى يثبت أن الزوج قد أعطاها؛ لأن القاعدة: أن اليقين لا يزال بالشك، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
فالأصل أن الزوج مدين لزوجته بالمهر حتى يثبت أنه أبرأ ذمته من هذا الدين وأعطاها.

شرح زاد المستقنع -

باب الصداق [2]

جعل الشرع للمرأة أن تفوض أمرها في الصداق لوليها أو لغيره، ويثبت لها مهر مثلها إذا دخل بها زوجها أو مات عنها قبل الدخول، وذلك إذا لم يسم المهر، ولها أن تمتنع من زوجها حتى تقبض مهرها الحال.

التفويض في النكاح

قال رحمه الله تعالى: [فصل: يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة].
التفويض من مسائل الصداق والمهر، واعتنى به العلماء والأئمة رحمهم الله، وهو ينقسم إلى تفويض المهر، وتفويض البضع.
وتفويض المهر: أن تفوض المرأة إلى وليها أن يزوجها بأي مهر، أو أن يزوجها بدون مهر، أو تفوض للزوج أو يفوض وليها للزوج المهر فيقول له: المهر ما شئت، والمهر ما تريد، أو ما تدفع، فهذا تفويض، كذلك أيضاً أن يفوض لأجنبي، كأن تفوض المرأة لأجنبي فتقول: مهري ما يقوله فلان، لعمها أو خالها أو قريب لها، فتفوض إلى أجنبي.
فهذه كلها من مسائل التفويض في المهر، و

التفويض في البضع

سيأتي إن شاء الله، وسيذكره المصنف رحمه الله، وكلا النوعين من التفويض يُعنى به الأئمة رحمهم الله.
أما مناسبته للصداق فظاهرة؛ لأن المرأة تترك الصداق وتقديره إلى طرف أجنبي، أو إلى الطرف المقابل لوليها وهو الزوج، أو إلى وليها.

التفويض في البضع

(يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة) فإنه بدون أن يأخذ رضاها وبدون أن يستأذنها يزوجها، وقد تقدم هذا معنا في مسائل الاستئذان، فإن الأب ذكرنا أن فيه من العاطفة والحنان والرحمة ما لا يشك معه، أو ما يغلب معه على الظن أنه يطلب الأصلح في الأمور لابنته، وأنه ليس هناك أب يسعى في جلب الضرر على ابنته، أو يتسبب في الإضرار بابنته، هذا هو الأصل؛ فالغالب أن الأب فيه من الحنان والرحمة ما يمنعه من أذية ابنته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنما فاطمة بضعة مني) والإنسان لا يضر نفسه، فالأب يزوج ابنته المجبرة، وإذا زوجها كان الأمر كله بيده، من جهة الإيجاب عنها بدون التفات إلى رضاها وإذنها، وكذلك أيضاً في المهر، وبطبيعة الحال أنها إذا كانت مجبرة، فالغالب أنها لا تتكلم حتى في المهر.
وعلى هذا فيكون تفويضاً من كل وجه، فيزوج الأب ابنته المجبرة، فيقع العقد في هذه الحالة على هذه الصورة، ويكون وليها الذي أجبرها تولى أمرها كلية؛ من جهة تزويجها ومن جهة تحديد الصداق الذي يكون لها، أو يجعلها بدون مهر، فيفوض الأمر للزوج، كأن يزوج ابنته الصغيرة ويقول للزوج: المهر ما تعطي، وبطبيعة الحال ما استشارها ولا رجع إليها، ففي هذا تفويض من كل وجه ففوض إلى الزوج وزوجها.

التفويض في المهر

قال رحمه الله: [أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر].
لأن المهر ملك لها، والله عز وجل نص على أنه حق من حقوقها، فإذا طابت نفسها وقالت: أنا راضية أن تزوجني بلا مهر، فمن حيث الأصل يصح العقد دون تسمية المهر.
المصنف هنا يفرع المسائل على ما تقدم، وكل المسائل في وجود المهر، ولو وقع العقد بدون مهر فإنه يصح، ثم ستأتي الأحكام المترتبة على هذا المهر من نكاح صححناه.
والدليل على أن النكاح يصح بدون تسمية المهر ما ثبت في حديث بروع بنت واشق رضي الله عنها، فإن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه سُئل عن امرأة نكحت بدون أن يسمى لها الصداق ثم توفي عنها زوجها، فقال رضي الله عنه: (أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، للمرأة صداق مثلها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة ولها الميراث).
فحكم بثلاثة أحكام: (مهر المِثل لا وكس ولا شطط) يعني: تأخذ مهر مثلها من النساء كما سيأتي، دون زيادة ودون نقص (لا وكس ولا شطط) العدل الذي أمر الله به.
(وعليها العدة) التي هي الحداد، أي: عليها أن تحد، فاعتبرها زوجة.
(ولها الميراث) أي ترثه مع أنه لم يدخل بها؛ لأن العقد يوجب أن تكون من نسائه.
فلما فرغ من قضائه قال له معقل بن سنان الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه: (والله لقد قضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا).
فأصبح قضاؤه رضي الله عنه موافقاً لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سنة، وعلى هذا جرى العمل.
الشاهد من الحديث: أنه إذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة التي لم يفرض لها صداق أن لها مهر المثل بوفاة زوجها فقد أثبت النكاح وصححه، مع خلو العقد عن ذكر المهر، فما سمي المهر ولا حدد، فدل على أن تحديد المهر وتسمية المهر في العقد ليس بشرط في صحته، وهذا موضع الشاهد.
ولذلك جعل الله تعالى هذا الحكم من كونها يكون لها مهر المثل، وهذا عدل، فالعقد من حيث الأصل صحح؛ إذ لا يمكن أن نحكم بمهر المثل إلا في نكاح صحيح، فلو كان النكاح فاسداً لما أثبت لها مهر المثل.
وأيضاً فقد اشترط الله عز وجل في ثبوت التشطير في الطلاق قبل الدخول أن يكون هناك فريضة مسماة، ومفهوم النص أنه لو طلقها من دون أن يسمي لها فإن النكاح موجود، ولذلك أثبت لها المتعة فقال: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:236] فإذا وقع الطلاق قبل المس وقبل التسمية فإنه يكون لها المتعة، والعلماء يقولون: نفي الجناح من الصيغ التي تدل على الإباحة، قال: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:236]، فدل هذا على أنه اعتبرها من نسائه، واعتبر الطلاق طلاقاً صحيحاً، والواقع أنه لم يسمِّ لها مهرها، فدل هذا على صحة النكاح بدون تسمية المهر.
في بعض الأحيان يقولون في العقد: بما اتفق عليه، وهذا غالباً يكون في مسمى متفق عليه بين الطرفين، لكن بعض الناس -أصلحهم الله- يقول: بما اتفق عليه، فيوهم الكاتب أن هناك شيئاً متفقاً عليه، والواقع أنهم لم يتفقوا، وهذا خطأ؛ لأنهم إذا اختصموا إلى القضاء غداً فسيُظن أن هناك شيئاً متفقاً عليه، وأن العقد وقع بعد الاتفاق على شيء، فالمنبغي أن لا يقال: بما اتفق عليه، إلا وقد حددوا واتفقوا على شيء، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له وأن يوضع في الحسبان، أنه لا يقال: بما اتفق عليه، إلا إذا كان هناك اتفاق، أما إذا لم يكن هناك اتفاق، فينبغي أن يصرح بأنها مفوضة، وأنه لم يُسَمَّ لها مهر معين.
قال رحمه الله: [وتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي].
(بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما) قال العلماء: صورة ذلك أن تقول مخاطبة وليها: قبلت نكاحه على أن لي من المهر ما شِئتُ؛ أي: أطالب بالمهر الذي أشاؤه، أو تفوض له وتقول: رضيت نكاحه على أن المهر ما شاء، أي: على أن المهر الذي يأتي به، مثلما يقول: الذي تأتي به، أو الذي تقوله، أو الذي تستطيعه.
هذا كله تفويض للزوج أو للولي، تقول المرأة: رضيت نكاح فلان والمهر ما شِئتَ، تخاطب أباها أو تخاطب أخاها على أنه يتولى المهر بما يراه.
قال رحمه الله: [ولها مهر المثل بالعقد].
ثلاثة أمور: - عندنا عقد.

  • وعندنا دخول يعتبر بمثابة الإمضاء والإتمام للعقد.
  • وعندنا طلاق أو فسخ أو فرقة قبل الدخول.
    هذه ثلاثة أمور ينبغي أن يتنبه لها طالب العلم في مسائل المهور، فالعقد يثبت للمرأة المهر.
    وفائدة كونك تقول: لها مهر المثل بالعقد: أنه ممكن أن يتم العقد -والمرأة مفوضة- في زمان، ثم يحصل الدخول في زمان آخر ويحكم لها بمهر المثل، فقد يكون قد عقد عليها العام الماضي ومهر مثلها خمسمائة، وفي هذه السنة يصبح مهر مثلها ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فلا بد أن يحدد، فإذا قيل: مهر المثل، يحدد، هل هو بالعقد أو بالدخول؟ فقال رحمه الله: (ولها مهر المثل بالعقد) المثل: الشبيه، يقال: هذا مثل هذا إذا شابهه، وبعض العلماء يقول: هناك فرق بين المثل والشبيه من جهة الصفات.
    قال بعض العلماء: ضابط مهر المثل أن يُنْظَر إلى قرابة المرأة وقيل: أن ينظر إلى من هو من أترابها، أي: من لداتها، وأترابها هن النساء اللاتي في سنها بنفس الأوصاف؛ لكن كما يقول العلماء وصرح به غير واحد من الأئمة كالإمام النووي وغيره: أن الركن الأعظم في مهر المثل: النسب، فيُنْظَر إلى نسبها، ففي بعض الأحيان يكون مهر المثل للبكر التي من بيت علم أو من بيت شرف وسؤدد يكون مثلاً: أربعين ألفاً، ويمكن أن يكون مهر المثل لمن هي دونها في النسب: عشرين، وللوسطى: ثلاثين، فإذاً: يُنْظَر إلى مثلها في النسب، ومثلها في الصفات كذلك، فيقال: نسيبةٌ جميلةٌ بكرٌ، بعض العلماء يقول: يُبْتَدأ بقراباتها، فيُنْظَر إلى من تزوجت، فعندما تزوجت أختُها أو تزوجت بنتُ عمتها أو بنتُ عمها أو بنتُ خالها، أي: في نفس نسبها وقراباتها كم كان المهر؟ وجدنا أن قريباتها الجميلة منهن زُوِّجت بأربعين، والوسطى بثلاثين، وقليلة الجمال بعشرين أو بخمسة عشر، فيُنْظَر إلى جمالها، وهذا كله عن طريق النساء.
    وعندما يذكر العلماء هذه الضوابط فإنه يُقْصَد منها العدل، ولذلك قال ابن مسعود: (لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط) ولا تستطيع أن تصل إلى الذي لا وكس فيه ولا شطط في مهر المثل إلا بالسؤال والرجوع إلى أهل الخبرة.
    وكان هذا معروفاً في عصور المسلمين الأولى، وجود النساء من ذوات الخبرة، ودائماً القضاة في كل بيئة يرجعون إلى أهل الخبرة ويختارون -على حسب الأمور- من النساء ومن الرجال مِن أهل الخبرة مَن يوثق في دينه وأمانته وبصيرته وعلمه ويُثنى عليه، فإذا حدثت قضايا مثل هذه يُرْجَع إليهم.
    ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربما سأل ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها عن النساء، ولما نزلت به نازلة غياب الناس عن أزواجهم سأل أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها: كم تصبر المرأة؟ فالرجوع يكون إلى أهل الخبرة وإلى من له علم ومعرفة في مثل هذا.
    فيُحكم في مثل هذا بالرجوع إلى أهل الخبرة في السن وفي الأوصاف وفي اللِّدَات والأتراب من أمثالها، ويُنْظَر إلى زمان العقد؛ لأنها استحقت المهر في زمان العقد.
    قال رحمه الله: [ويفرضه الحاكم بقدره] فالقاضي يحكم بمهر المثل بقدره، أي: على قدر ما يتفق عليه أهل الخبرة.

الحكم فيما لو مات أحد الزوجين قبل الدخول وتسمية المهر

قال رحمه الله: [ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر ولها مهر نسائها] (ومن مات منهما قبل الإصابة) أي: قبل أن يدخل بها ويصيبها توفي، فإننا ننظر إلى مهر المثل كما ذكرنا في حديث معقل بن سنان الأشجعي في قصته مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فحديث بروع بنت واشق حديث ثابت ويدل دلالةً واضحة على أنه: يحتكم إلى مهر المثل.
هذا الحكم الأول.
وثانياً: أنه يكون عليها الحداد والعدة.
وثالثاً: أنه يكون لها الميراث؛ لأنها من نسائه.
(قبل الإصابة والفرض) أي: وقبل أن يفرض لها، فالحكم مثلما ذكرنا في الحديث، لكن لو فرض لها فريضة، مثلاً: لو أن زوجاً فرض لامرأته عشرة آلاف صداقاً، وتم النكاح، أي: تم العقد، ثم توفي هذا الزوج، فنقول: يجب على ورثته أن يخرجوا من ميراثه عشرة آلاف فقط؛ لأنها المسمى، فهذه المسائل هي إذا لم يُسَمَّ الصداق، وقد ذكرنا أن التفويض لا تسمية فيه.
[ورثه الآخر ولها مهر نسائها].
(ورثه الآخر) لأن العقد من أسباب الميراث الثلاثة، وهي: النكاح والولاء والنسب.
أسباب ميراث الورى ثلاثة كل يفيد ربه الوراثة وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب هذه ثلاثة أسباب، فالنكاح من أسباب الميراث، وهذا بإجماع العلماء، فكل امرأة عقد عليها رجل، ثم توفي قبل أن يدخل بها، فإنها من نسائه وترثه، ولو توفيت هي ورثها، فهو يرثها وترثه.

حكم المطلقة قبل الدخول إذا لم يسم المهر

قال رحمه الله: [وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره] أي: وإن طلقها المفوض، وهم يقولون: مفوِّضة ومفوَّضة، يقولون: امرأة مفوِّضة إذا فوضت لوليها أو للزوج أو لأجنبي، ومفوَّضة أي: فُوِّض أمرها إلى الغير.
إذا طلقت هذه المفوَّضة قبل الدخول، ففي هذه الحالة ليس عندنا فريضة وليس هناك مهر مسمى، فالشريعة جاءت بأنه إذا وقع فراق وطلاق قبل الدخول وليس هناك مسمىً فإن للمرأة المتعة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:236]. وفي الآية الثانية قال في المطلقة عموماً: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:241] وذكروا عن شريح أبي أمية القاضي الكندي رحمه الله -وكان ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء الراشدين، فنعم المولي ونعم المولى، ولي لـ عمر وعثمان وعلي رضي الله عنه وكان إماماً في القضاء- أن رجلاً طلق امرأة فأمره أن يمتعها فأبى، فتلا عليه الآية الأولى، فامتنع، ثم تلا عليه الآية الثانية، فامتنع، الآية الأولى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:236] والآية الثانية: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:241] فأصر الرجل وقال: ما دامت متعة وليست بواجب فلا أريد أن أمتعها، من غضبه من زوجته -نسأل الله السلامة والعافية- صم وعمي عن أمر الله عز وجل وندبه، فشاء الله عز وجل أن تمر الأيام فاحتاج قوم إلى شهادة هذا الرجل، فجاءوا به إلى شريح فقال: والله لا أقبل شهادته، إنك أبيت أن تكون من المحسنين، وأبيت أن تكون من المتقين، فاصرف وجهك عني، فطرده ولم يقبل شهادته؛ لأن المؤمن لا يرد هذه الأوامر الشرعية ولا يستخف بها، والله يقول: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237]، ولذلك لا ينبغي إذا وقع الطلاق والفراق أن ينسى كل من الزوجين الآخر، بل ينبغي أن يكون هناك نوع من الحفظ للعهد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان).
فلو سُئلت عن المطلقة قبل الدخول، تقول: لها حالتان: إن كانت قد سمي لها المهر فنصف ما سمي.
وإن لم يُسَمَّ المهر فلها المتعة حقٌ واجبٌ على المحسنين، والدليل قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:236] أي بما جرى عليه العرف، أو بالمعروف، والمعنى: أنه يمتعها مصاحباً للمعروف، بدون منة، فلا يعطيها المتعة يمتن بها، أو يؤذيها أو يصيبها بنوع من الإضرار، إنما يكون هذا بالمعروف على سبيل المكارمة على الوجه الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:236]. فهذه الآية تدل دلالة واضحة على إثبات المتعة، والمتعة تكون بالمعروف، أي: على حسب حال الزوج، فإن كان الزوج غنياً نظر في مثله، فمثلاً: لو جرى العرف أن مثله يمتع بهدية بثلاثة آلاف أو أربعة آلاف، فيشتري لها ذهباً بثلاثة آلاف ويبعثه إليها.
والسبب في أن الله جعل على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره: أنه إذا كان من بيئة غنية فالله يريد أن يربط بين الزوج والزوجة بحفظ العهد، فحينما يعطيها شيئاً يليق بغناه ويسره تكون فعلاً هدية، ويكون لها معنى الهدية، لكن حينما يكون غنياً ثرياً بسط الله عليه من رزقه ويأتيها بشيء تافه يصبح بدل أن يتضمن معنى المكارمة يصبح متضمناً لمعنى الإهانة، فيخرج عن مقصود الشرع.
فإذاً لابد أن ينظر إلى حال الزوج، وأن يتقي الله عز وجل فيما أمره الله به وندبه إليه.
قال رحمه الله: [ويستقر مهر المثل بالدخول].
إذا دخل الزوج على زوجته وهي مفوضة فيستقر مهر المثل بالدخول، ويثبت في هذه الحالة، ويكون حقاً كاملاً لها.
قال رحمه الله: [وإن طلقها بعده فلا متعة].
أي: طلقها بعد الدخول فلها المهر كاملاً، وليست من الممتعات، يريد أن يقول: إنه يثبت لها المهر.
وقوله: (فلا متعة) ليس المراد أنه ما لها شيء، إنما مراده أنها لا تصبح من ذوات المتعة، وإنما تصبح من ذوات الصداق، أي: اللاتي لهن المهر والصداق كاملاً.

حكم المهر في العقد الفاسد

قال رحمه الله: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر].
رحمة الله عليهم، مثلما ذكرنا دائماً يحرصون على ترتيب الأفكار، ذكر أولاً: حكم الصداق وصفات الصداق.
ثم: متى تملك المرأة صداقها؟ ثم بعد ذلك: إذا تغير الصداق بالزيادة والنقص، ثم بعد ذلك: إذا نكحت المرأة بدون صداق، ثم تدرج معنا في مسائل المفوضات إذا نكحها بدون صداق فطلقها قبل الدخول، وإذا نكحها بدون صداق فمات عنها، وإذا نكحها بدون صداق فطلقها بعد الدخول.
فهذه كلها أفكار مرتبة، وبعد أن انتهى من هذا كله شرع رحمه الله في فرع جديد.

الحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد قبل الدخول

قال رحمه الله: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر].
العلماء رحمة الله عليهم، مثلما ذكرنا دائماً يحرصون على ترتيب الأفكار، ذكر أولاً: حكم الصداق وصفات الصداق.
ثم: متى تملك المرأة صداقها؟ ثم بعد ذلك: إذا تغير الصداق بالزيادة والنقص، ثم بعد ذلك: إذا نكحت المرأة بدون صداق، ثم تدرج معنا في مسائل المفوضات إذا نكحها بدون صداق فطلقها قبل الدخول، وإذا نكحها بدون صداق فمات عنها، وإذا نكحها بدون صداق فطلقها بعد الدخول.
فهذه كلها أفكار مرتبة، وبعد أن انتهى من هذا كله شرع رحمه الله في فرع جديد، فقال: (وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول) شرع في مسألة تتعلق بالنكاح الفاسد، إذ أن ما سبق كله في النكاح الصحيح الشرعي، لكن لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح الشغار، أو لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح التحليل، أو لو أن رجلاً تزوج امرأة بنكاح المتعة والعياذ بالله، فهذه الأنكحة كلها باطلة وحكم الشرع بفسادها، وما بني على باطل فهو باطل، والفرع تابع لأصله، ففروع الأنكحة وما يترتب على الأنكحة إنما يترتب على أنكحة صحيحة ينهدم بانهدامها، أي: إذا حكم بفساد النكاح فإنه يحكم بفساد آثار النكاح.
وعلى هذا: ففي نكاح المتعة مثلاً، إن تزوج رجل امرأة وحدد مدة الزواج فقال لها: أتزوجك شهراً أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فاتفقا على هذا النوع من النكاح، وجعل المهر خمسة آلاف، وكان رجلاً جاهلاً ثم تبيّن له أن هذا حرام، أو كانوا في بيئة ليس بها علماء ثم ارتفعوا للعلماء وسألوا فقالوا لهم: إن هذا حرام، فحينئذٍ سيفرق بينهما ويلغى النكاح ولم يدخل بها بعد، فيفرق بينهما ولا يترتب أي أثر على هذا، ويصبح وجود هذا النكاح الفاسد وعدمه على حد سواء، فالله تدارك باللطف أنه لم يقع دخول.
فأي نكاح فاسد قبل الدخول لا يلتفت إليه إذا فسخ وألغي؛ لأنه لاغ من أصله وليس له أثر، فهذا هو الذي يقصده المصنف: أن الأنكحة الفاسدة لا يترتب عليها صداق إذا وقعت الفرقة قبل الدخول.

الحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد بعد الدخول

قال المصنف: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر وبعد أحدهما يجب المسمى].
(وبعد أحدهما) لو أن رجلاً نكح امرأة بمهر ثم تبين فساد هذا النكاح، كأن ينكحها بدون ولي، وفرض لها مهراً خمسة آلاف ودخل عليها، فلها المهر بما استحل من فرجها، قال صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) فحكم ببطلان النكاح، وأثبت لها المهر بالدخول (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها).
ثم ننظر، فإن وقع الاتفاق على مهر معين فقد رضيت لنفسها أن يصيبها، وتنازلت عن حقها بهذا المسمى، فيكون لها المسمى، فيفرض لها المسمى الذي اتفق عليه.

حكم المهر لمن وطئت بشبهة أو إكراه

قال رحمه الله: [ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة أو زناً كرهاً].
(ويجب مهر المثل لمن وطئت) الموطوءة بالزنا كرهاً أو الموطوءة بالشبهة الأصل أن وطأها لا يجوز، ولكن وجود العذر من الإكراه على الزنا أوجب لها مهر البكر كاملاً إن كانت بكراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها)، فهي مغلوبة على أمرها، وحينئذٍ يكون لها مهر مثلها؛ لأنه فوت عليها هذا الحق، ويدرأ عنها الحد لوجود الإكراه على الصحيح من أقوال العلماء، وسيأتينا -إن شاء الله- في باب الجنايات أنه يدرأ عنها الحد ولا يقام عليها إذا أكرهت؛ لأن الله أسقط بالإكراه الردة، فمن باب أولى الزنا الذي هو دون الردة، ويكون لها مهر المثل يفرضه عليه الحاكم.
وكذلك نكاح الشبهة، شبهة عقد، أو شبهة اعتقاد، أو شبهة ملك، هذه ثلاثة أنواع من الشبهة تؤثر في النكاح، شبهة عقد بأن يعقد على امرأة يظن أنها تحل له بهذا العقد، مثلما يقع في عقد نكاح الشغار، مثلاً: لو أن رجلاً زوج ابنته لآخر على أن يزوجه الآخر ابنته بنكاح الشغار، ولم يعلما حكم الشغار، وحصل الوطء، هذا وطئ ابنة هذا وهذا وطئ ابنة هذا، فحينئذٍ يصبح هذا وطء شبهة، أي: عنده شبهة، وهي شبهة العقد، حيث يظن أن هذا العقد عقد نكاح صحيح، وتكون كذلك شبهة العقد فيما لو أن رجلاً عقد على امرأة وهو لا يعلم أنها متزوجة ويظن أنها خلو، وعقد بها عقداً شرعياً، ودخل بها، ثم تبين أنها خدعته وأن أولياءها خدعوه.
وكذلك يدخل في شبهة العقد ما إذا غاب رجل غيبة، وانقطع عن زوجته، فحكم الحاكم بانتقالها عن زوجها فطلقها، فتزوجت بزوج ثانٍ، فإن هذا العقد يبيحها له ويحلها له، فلو رجع الغائب، فمن يقول: إنها على عقد الأول، يرى أن وطء الثاني وطء شبهة عقد؛ لأنها في الأصل تابعة للأول، وعلى هذا يكون من شبهة العقد.
شبهة الملك، مثل: شبهة أنها مملوكة له، مثلما يقع في ملك اليمين، كما لو اشترى أمة ووطئها بملك اليمين، ثم تبين أنها حرة وبيعت مغصوبة، فإنه كان يطؤها على أنها ملك يمين له، ثم تبين أن هذه الشبهة غير صحيحة.
فمثل هذه المسائل يكون فيها المهر للمرأة، فيجب عليه المهر على التفصيل الذي ذكرناه، ويرجع على من غشه ويطالبه بالضمان، وحينئذٍ يضمن الذي غشه، والحاكم (القاضي) يعزر هذا الذي اقتات وظلم المرأة ببيعها وهي حرة.
فالشاهد أنها إذا وطئت بشبهة أو بزناً لكن بشرط الإكراه فلها المهر، فلو كان الزنا -والعياذ بالله- برضا من المرأة لم يكن لها حق، فلا مهر لبغي، ولذلك (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم وحلوان الكاهن ومهر البغي) فالبغي لا مهر لها؛ لأنها رضيت -والعياذ بالله- بإسقاط حقها، وأتت ما حرم الله عز وجل بطيبة نفس منها، فيضيع حقها وليس لها المهر بسبب ذلك.
قال رحمه الله: [ولا يجب معه أرش بكارة].
(ولا يجب معه) أي: مع مهر المثل (أرش البكارة) وبعض العلماء يسمونه: العقر، ويحكم بالعقر في بعض المسائل في الشبهات، ولكن اختار المصنف هنا ما ذكرناه من أن لها مهر المثل.

ضوابط تسليم المرأة نفسها في الصداق المعجل والمؤجل

امتناع المرأة من التسليم حتى تقبض صداقها المعجل

قال رحمه الله: [وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال] إذا اتفقا على كون الصداق معجلاً وحالاً فإن من حقها أن تقول: أنا لا أمكنك من نفسي ولا تدخل عليّ حتى تدفع لي مهري، هذا من حقها؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:24] فأثبت المهر لها.
فإن اتفق معها على أنه يعقد عليها بصداق معجل يدفعه قبل الدخول، فإن من حقها أن تمتنع من تمكينه من الدخول؛ لأنه يستند في التمكين من الدخول إلى العقد، والعقد معلق على شرط، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج).

حكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلا

ً قال رحمه الله: [فإن كان مؤجلاً أو حل قبل التسليم أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعها].
قال رحمه الله: (فإن كان مؤجلاً) إن كان الصداق مؤجلاً، بأن يكونا قد اتفقا على أنه يعطيها الصداق بعد خمس سنوات وأنه يدخل بها متى شاء، فجاءها وقال: أريد أن أدخل بك، فقالت: لا تدخل حتى تعجل لي الصداق، فإنه يفرض عليها الحاكم أن تمكنه من الدخول بها؛ لأنها رضيت بتأخير الصداق، فليس من حقها أن تمنع نفسها منه إن رضيت بتأجيله؛ لأنها أسقطت حقها في التعجيل.

حكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلاً وقد حل وقت أدائه

قوله رحمه الله: (أو حل قبل التسليم).
أي أنها اتفقت معه على أن الصداق مؤجل، فحل أجله قبل التسليم، فمن حقه أن يدخل بها قبل أن يعطيها.
توضيح ذلك: مثلاً لو أنها اتفقت معه على دفعه لها بعد سنتين أو ثلاث سنوات، فقد رضيت بتأجيله، فحينئذٍ لا يتوقف الدخول على دفع المهر، فلو حل هذا الصداق وجاء أجله والزوج ماطل وتأخر فمن حقه أن يدخل بالزوجة، ثم هي تقيم دعوى على مطالبته بحقوقها، فإن كان غنياً أعطاها حقها، لكن لا تمنعه من حق وطئها كزوج، وهذا من انفصال الجهة، إذ هو له حق الوطء والاستمتاع، وهي لها حق المطالبة بالمهر، ثم المهر يتعجل ويتأجل على ما يتفقان عليه، فإن هي رضيت به مؤجلاً لم يكن من حقها أن تمنع الدخول بتأجيله؛ لأنها رضيت به مؤجلاً، والعكس كذلك.
فالشاهد: أنها إذا أوجبته عليه معجلاً كان من حقها أن تمنعه من الدخول حتى يعطيها حقها، فكلا الطرفين له حقه، فإن قالت المرأة: رضيت بمهري مؤجلاً بعد خمس سنوات أو ست سوات فقد رضيت بتأجيله، فحق الزوج أن يدخل عليها حتى قبل أن يعطيها؛ لأنها رضيت بالتأجيل، فيدخل بها، وإذا امتنعت فإنه يوجب عليها الحاكم الطاعة لزوجها.
هذه فائدة الخلاف: أنها إذا امتنعت يفرض عليها الحاكم وعلى أوليائها أن يسلموها لزوجها؛ لأنه من حق الزوج أن يستمتع بزوجته، فإذا ماطلت وامتنعت فرض عليها ذلك بحكم العقد، ولو أن الزوج وافق أن يعطيها صداقها قبل الدخول فقال لها: ما عندي الآن وأريدكِ كزوجة لا تمنعيني من نفسكِ، فقالت: لا تدخل عليّ حتى تدفع المهر، واختصموا، فالقاضي يقضي على أنه لا يدخل بها حتى يعطيها مهرها.
فإذاً: عندنا حق للزوج في الدخول، وحق للزوجة من جهة المهر، فإن اتفقا على التأجيل جاز الدخول قبل حصول الأجل، وإن اتفقا على التعجيل فمن حقها أن تمتنع حتى يعطيها حقها، وإذا تنازلت عن حقها فالأمر إليها.

حكم إعسار الزوج بالمهر الحال

[فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول ولا يفسخه إلا حاكم].
(فإن أعسر) أي: الزوج، مثلاً: رجل عقد على امرأة بعشرة آلاف ريال، ثم أصبح فقيراً معسراً والمهر حال عليه، فالمرأة لما رأته معسراً قبل الدخول رفعت أمرها إلى القاضي، وقالت: أريد أن تفسخ نكاحي من فلان ما دام معسراً، فأنا لا أريد أن أعرض نفسي لضرر الفقر، وأخشى على نفسي إن كنت عند رجل فقير أن أتعرض للحرام، أو أتعرض لأذية أقاربي.
إلخ المهم أنها لم ترضَ هذا الزوج بإعساره، فحينئذٍ من حقها ذلك ويفسخ النكاح؛ لأن النكاح مبني على المقابلة والمعاوضة، فإذا ماطل الزوج في حقها واشتكت إلى القاضي، فللقاضي أن يفسخ النكاح، وحينئذٍ يفرق بينهما.
(ولو بعد الدخول) كذلك بعد أن يدخل بها إن أعسر بمهرها فلها ذلك، لأن النكاح مبني على المعاوضة، وحينئذٍ من حقها أن تفسخ النكاح، وهذا يسمى خيار الإعسار، ويكون تارة إعساراً من جهة الزوج في نفقته على زوجته، ويكون تارة من جهة الزوج في مهر زوجته، هاتان صورتان ذكرهما العلماء رحمهم الله في الإعسار.

الرجوع في قضايا الفسخ بالإعسار إلى الحاكم

[ولا يفسخه إلا حاكم].
ولا يفسخ هذا النوع من الأنكحة إلا حاكم، وهو القاضي الذي له حق النظر في هذه الخصومات، فلا يأتي طالب علم فيفتي في هذه المسائل، لأن مسائل الخلاف بين الناس تحتاج إلى القضاة، والقاضي ينصف الخصمين بأصول الشريعة، والضوابط الشرعية في القضاء أنصفت كلا الخصمين.
فالمفتي في هذه المسائل لا يتدخل، وطالب العلم لا يفتي في هذه المسائل، إنما يحيلهم على القاضي؛ لأنها مسائل يحصل فيها الخلاف، فالإعسار يحتاج إلى إثبات، والإثبات يحتاج إلى نظر ورجوع إلى أهل الخبرة، فليس كل من هب ودب يفتي في هذه المسائل أو يتكلم، فيها وإنما ترد إلى القضاة.
ومن هنا في هذه الأزمنة جرت العادة في مسائل الطلاق أن لا يفتي فيها كل أحد، من كثرة مشاكل الناس والكذب.
فالمسائل التي فيها خلاف ويحدث فيها تلاعب ترد إلى القضاة وترد إلى ولاة الأمر؛ لأن الناس بغير ذلك يصبحون في فوضى.
ففي زماننا مثلاً يأتيك الرجل -وهذا قد حدث وسمعناه ورأيناه- ويقول لك: قلت كذا وكذا، فتأتي المرأة تقول: لا، بل قال: كذا وكذا، ويأتي الرجل ويقول لك: قلت كذا وكذا، ويترك كلمة أو لفظه أو حالة للمرأة، والمرأة أيضاً تقول شيئاً غير الذي يقوله الرجل، فعندما تربط هذه المسائل بالقضاء وتربط بكبار العلماء يعرف الناس خطر الطلاق، ويعرف الناس خطورة هذا الباب، فما كل واحد يطلق، فإنه حينما يتعنى ويتعب، ويظل يتصل بأشخاص معينين وبعلماء معينين، ويجد نوعاً من التعب والعنت، فيهاب هذا الباب، ويصبح من مصالح الناس وعامة الناس أن يربطوا بكبار العلماء أو يربطوا بالقضاة، حتى يشعروا بخطر الطلاق، ولا يتلاعب بالطلاق.
وهذا يقع، خاصة عند فساد الأزمنة، تجد الرجل -نسأل الله السلامة والعافية- في بعض الأحيان لا يخاف الله ولا يتقيه، فربما يأتي ويقول لك: قلت: أنتِ طالق، وهو قد يكون قال لها: أنتِ طالق بالثلاث، وقد يقول: قلت لها: أنتِ طالق طالق طالق، فيسمع أنه إذا قال: أنتِ طالق طالق طالق، تحتمل المرة، فيصرف في الألفاظ ويحرف في الألفاظ على ضوء ما يسمع من الفتاوى، ويأتي إلى شيخ جليل معروف موثوق به، أو يقول لأولياء المرأة: نذهب إلى فلان نقبل فتواه، فيأتيه بالعبارة التي سمع أنها لا تؤثر، وهذا من أبلغ ما يكون في انتهاك حدود الله -نسأل الله السلامة والعافية- فإنه لو غير لفظة أو كلمة يريد أن يحتال بها على الله وعلى دين الله فلن ينفعه؛ لأن فتوى المفتي وقضاء القاضي لا يحل الحرام، ويصبح هو وامرأته على الزنا -والعياذ بالله- لو كانت حراماً عليه.
فالأمر في هذا جد خطير، ولذلك العلماء قالوا: الفسخ عند الحاكم [ولا يفسخه إلا حاكم] أي: في مسائل الخلاف، وفي عصورنا الآن جرت العادة أن ترد مسائل الطلاق لكبار العلماء؛ لوجود الخلاف بين الناس ووجود التلاعب بين الناس.
واقتضت الحكمة أن مثل هذه المسائل لا يفتح فيها الباب لكل من هب ودب أن يفتي، حتى لا يصبح الناس فوضى، هذا يقول: حلال، وهذا يقول: حرام، وهذا يقول بالتفصيل، فيضيع الناس، ولا يدرون أين يذهبون.
فالفتاوى في مثل هذه المسائل، والبت والحكم في هذه المسائل يرجع فيه إلى من له حق النظر فيها، حتى يكون أبلغ في إقامة الناس على السنن.

شرح زاد المستقنع -

باب وليمة العرس

من مظاهر الائتلاف بين المسلمين اجتماعهم في وليمة العرس، وهذه الوليمة مشروعة من غير إسراف، ومن حقوق المسلم إجابة دعوته لهذه الوليمة إلا إذا كانت مشتملة على منكر، وهي من إعلان النكاح المأمور به، وهذه الأحكام وغيرها تجدها في هذه المادة.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
تسمية المهر في العقد ومقدارهما يصح مهراً وما لا يصحاستحقاق المرأة لمهر مثلها إذا بطل ما سماه لها مهراحكم التردد في قيمة الصداقتأجيل الصداقحكم العيب في الصداقحكم الحباء للأبالجوابحكم تزويج البنت بأقل من مهر المثلتزويج الأب لابنه بأكثر من مهر المثلالجوابتملك المرأة للصداق وأحكامهالسؤالأحوال الصداق من جهة قبض المرأة لهوقت دخول الصداق في ملكية المرأةحكم نماء المهر المعين غير المقبوضحكم تلف المهر المعينحكم تصرف المرأة في المهر المعينحكم النماء المنفصل في الصداق إذا طلق قبل الدخولحكم النماء المتصل بالصداق في حالة تشطير الصداقاختلاف الزوجين في الصداقبيان المدعي والمدعى عليه في اختلاف الزوجين في قدر الصداقاختلاف ورثة الزوجين في قدر الصداقاختلاف الزوجين في تعيين الصداقاختلاف الزوجين فيما يستقر به الصداقاختلاف الزوجين في قبض الصداق وعدمهباب الصداق [2]التفويض في النكاحالتفويض في البضعالتفويض في البضعالتفويض في المهرالحكم فيما لو مات أحد الزوجين قبل الدخول وتسمية المهرحكم المطلقة قبل الدخول إذا لم يسم المهرحكم المهر في العقد الفاسدالحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد قبل الدخولالحكم فيما لو حصل التفريق في نكاح فاسد بعد الدخولحكم المهر لمن وطئت بشبهة أو إكراهضوابط تسليم المرأة نفسها في الصداق المعجل والمؤجلامتناع المرأة من التسليم حتى تقبض صداقها المعجلحكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلاحكم امتناع المرأة إذا كان الصداق مؤجلاً وقد حل وقت أدائهحكم إعسار الزوج بالمهر الحالالرجوع في قضايا الفسخ بالإعسار إلى الحاكمباب وليمة العرس
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل