شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 16-15
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حكم التنازلات التي يوقع عليها المرضى لإخلاء مسئولية الطبيب

السؤال

يطلب الأطباء من بعض المرضى التوقيع على أوراق تخلي مسئوليتهم عن أي خطأ منهم، أو حالة وفاة، أو أي أمر آخر، فهل يعتبر بذلك، وما الحكم أثابكم الله؟

الجواب

من حيث الأصل هناك شيء يسمى: التنازل؛ إذا الشخص قال: افعل لي هذا الأمر وأنا متنازل عن حقي، هذا من ناحية شرعية إذا كان عاقلاً عنده شعوره فلا إشكال، بشرط أن يكون الذي طلبه من الفعل مأذوناً به شرعاً، يعني: أن تكون هذه العملية ليست بخطرة، والغالب فيها السلامة، لكن لو الغالب فيها الهلاك وقال له: افعلها لي، قال له: يا أخي! الغالب أن تهلك، فقال: افعلها لي، فهذا لا شك أنه لا يجوز له أن يقدم على هذه العملية الجراحية إذا كان غالبها الهلاك، وقدر الأطباء وعرف بالاستقراء والتجربة أنها تهلك، وقد بينا هذا في شروط جواز الجراحات الطبية أنها لا تجوز؛ لأن هذا من الإقدام على التهلكة، وقد أذن الله بالجراحة إذا كانت نفعاً لا إن كانت ضراً، والظنون الفاسدة هي النسب الضعيفة المرجوحة، ولا تلتفت إليها الشريعة الإسلامية، ولذلك الحكم للغالب، والنادر لا حكم له، فكما حكمنا بجواز هذه الأعمال عند غالب السلامة نحكم بعدم جوازها عند غالب الهلاك، وحينئذ نقول: إذا أذن له بفعل عملية جراحية أو أمر لا محظور فيه والغالب فيه السلامة فإنه لا يضمن الطبيب، أيضاً بشرط أن يكون تطبيق الطبيب للعمل الجراحي أو لطبه أو الدواء الذي صرفه للمريض موافقاً للأصول المعتبرة عند الأطباء، فإن خرج الطبيب عن هذا تحمل المسئولية ولا يعتبر معفياً؛ لأن المريض إنما أذن له بالمعروف عرفاً ولم يأذن له بغير المعروف، وحينئذ يكون الإذن مقتضياً للإباحة إذا سرى على وفق المتبع عند الأطباء.
إذاً: المسألة تحتاج إلى تأصيل؛ وهو: أن المريض لا يجوز أن يقدم على عمل شيء بجسم الإنسان بإذن الإنسان، إذا علم أن هذا العمل مفسدة ولا يجوز شرعاً، ويكون الطبيب في هذه الحالة متحملاً للمسئولية، وهي مسئولية أخلاقية؛ لأن المسئولية الأخلاقية منها ما يرجع إلى إذن الشرع، ومنها ما يرجع إلى الأخلاق من خلف المواعيد والصدق ونحو ذلك، فالمسئولية الأخلاقية الراجعة إلى الشرع أنه لا يجوز له أن يقدم على هذا العمل إذا كان غالبه الهلاك، ويعلم أن المريض إنما يقتل نفسه أو يتلف عضوه أو نحو ذلك.
فهذا الإذن منه لا يسقط معاقبة الطبيب، ولو رفع الأمر إلى القاضي فالقاضي يعاقبه؛ لأنه خرج عن مهمته الأصلية، وكذلك اشترط أن يكون الطبيب من أهل العلم والمعرفة، فلو قال له مثلاً: اعمل لي عملية، وهي عملية جراحية صحيحة، والغالب فيها السلامة، ولكن هذا الطبيب لا يعمل هذه العملية، كأن يكون طبيب آذان وقال له: اعمل لي عملية في العيون، فهذا ليس من تخصصه وليس من مجاله، فحينئذ يكون من التطبب، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عند ابن ماجة: (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن) فالشاهد من هذا أن إسقاط المسئولية ليس على كل حال.
يبقى النظر في مسألة وهي: هل يجوز للأطباء أن يحرجوا الناس ويقولوا لهم: لا تدخلون إلا بعد أن توقعوا.
هذا الأمر يحتاج إلى نظر وبحث؛ لأنه ليس من حق الطبيب؛ لأن الطبيب مأمور شرعاً بإنقاذ هذه الأنفس، ولا يستغل حاجة المريض من أجل إسقاط التبعية عنه عند تقصيره، فالطبيب إذا قصر يؤاخذ بتقصيره حتى ولو وقع المريض؛ لأن المريض وقع على أن الطبيب يقوم بواجبه، والمشكلة أن البعض يظن أنه بهذا التوقيع أصبح الطبيب لا ضمان عليه والواقع أن عليه الضمان إذا خرج عن الأصول المتبعة عند الأطباء وخالف المجال الذي يعمل به أو نحو ذلك من الأمور التي كان ينبغي عليه أن يراعيها، فعلى كل حال: لا ينبغي إحراج الناس بإسقاط حقوقهم، وثانياً: لو أن قاضياً رفع إليه هذا الأمر وكان المريض محتاجاً إلى هذا العمل والطبيب أحرجه بهذا التوقيع؛ فمن حقه أن يعتبره نوع من الإكراه بحيث لم يوجد إلا هذا الطبيب فقال له: لا أفعلها لك إلا إذا وقعت على هذا، فهذا نوع من الإكراه بإسقاط الحق، وحينئذ تكون هناك شبهة في تنازل المريض، ومن الشبه التي تسقط التنازل: وجود الإكراه أو شبه الإكراه، لأنه جعله بدون محض اختياره، يعني: لم يعطه اختياراً وإنما حاجته إلى النجاة، وإلى التخلص من الألم فإنه لا يخفى على أحد من الناس ما يتعرض له المريض من الأذية والضرر عند وجود العاهات والأمراض عافانا الله وإياكم منها ورزقنا وإياكم السلامة، فهذا كله يعتبر من أنواع الإكراه، كأنه محرج ومضطر، وقيل له: نجاتك في هذا العمل، فأصبح مستعداً أن يقول للطبيب: لست مسئولاً، وأن يوقع له ما يشاء، لكن هذا كله يحتاج إلى نظر وإلى بحث، ومرد هذا كله إلى القضاء، والأصل الشرعي يقتضي أن التنازل معتبر إذا كان على السنن الشرعي، والله تعالى أعلم.

حكم تكرار الإمام للآيات في الصلاة

السؤال

هل يجوز للإمام أن يكرر بعض الآيات وذلك لتفكير المصلين أو التأثير فيهم أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: إذا كان الإمام يكرر الآية من شدة الحزن والتأثر والخشوع فهذا اغتفره بعض العلماء رحمهم الله.
ولكن إذا كان يكرر الآية وهو لم يتأثر ذلك التأثر، وكأنه يتهم الناس بالغفلة ويحاول أن يذكر غيره، وهو أبعد الناس عن التذكير، فهذا نبه بعض العلماء على أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن السنة أن يقرأ بدون تكرار.
أما إذا كان صادقاً في خشوعه، صادقاً في تأثره، وقد وصل القرآن إلى شغاف قلبه وسكن في فؤاده، وبلغت الآية مبلغها فأصبح يرددها يذوق حلاوتها ويؤثر في الناس بذلك الأثر فلا بأس، قيل: إن عثمان رضي الله عنه قام يتهجد من الليل واستفتح قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:1] فما زال يكررها وهو يبكي حتى انبلج عليه الفجر وأصبحت وتره، وهذه أحوال بعض الناس إذا صدقوا، ولا شك أن الخاشع الصادق في خشوعه ليس بغريب عليه ذلك.
وأما التكلف والتشدد في هذه الأشياء وكل ما قرأ يحاول أن يكرر آيتين أو ثلاثاً في أي سورة يقرؤها أو أي مقطع يقرؤه، فالذي أراه تحري السنة واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم للقراءة المسترسلة، وإعطاء القرآن حقه بمتابعة القراءة، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ في صلاة الصبح وسمع نشيجه من البكاء، وهذا من الغالب؛ لأن الخشوع غلبه، لذلك كان يبكي رضي الله عنه خاصة حينما بلغ قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:84 - 86] فما زال رضي الله عنه يكررها حتى أبكى الناس، وهذا خشوع الصادقين، خشوع المتأثرين الذين صدقوا مع الله عز وجل في سرائرهم وزكى الله سريرتهم وعلانيتهم، وللخاشعين الصادقين في الخشوع دلائل واضحة في قلوب الناس إن خطبوا أو أموا أو صلوا أو وعظوا؛ لأن الله لا يغش عباده، فما من عبد يسر سريرة يصدق فيها مع الله إلا صدق الله معه، ولذلك تجد الصادق إذا قرأ آية وتأثر بها والله يعلم أنه خاشع فيها تبلغ هذه الآية مبلغها، وكان أئمة السلف ومن بعدهم من الخلف من الصالحين يخفون الخشوع ويخافون الرياء، ويخافون اغترار الناس بهم، وكنا نذكر بعض مشائخنا من إذا خلا في قيامه في الليل تسمعه يبكي بكاء الطفل، وإذا جلس أمام الناس وورد شيء يؤثر عليه فيحاول أن يخفي شيئاً كثيراً من ذلك، وذات مرة سألت بعضهم، فقال: أخشى أن يتكلف بعض الحاضرين الخشوع فيهلك، والخشوع أمره عظيم، والله الذي يُقرأ القرآن بين يديه ويقف الإمام بين يديه أجل وأحق من عبد، وينبغي على الإنسان أن يصدق مع الله، وأن يخاف الله جل جلاله، وألا يكرر القرآن إلا وهو صادق التأثر، وتكون قراءته قد خرجت من قلبه فذلك أصدق وأبلغ.
ولا شك أن الناس بحاجة إلى من يذكرهم الله، وما شرعت الصلاة الجهرية إلا وفيها الخير العظيم والبركة العظيمة من سماع كتاب الله عز وجل، فالله أعلم كم من قلوب اهتدت، وكم من قلوب خشعت وعيون دمعت، وكم من نفوس استقامت على منهج ربها وطاعة خالقها حينما سمعت آيات ربها ممن صدق في تلاوتها، الله أعلم كم من أناس خشعوا وخضعوا وصدقوا، وأرادوا وجه الله عز وجل، وابتغوا ما عند الله في تحبيب عباد الله وتقريبهم لله سبحانه وتعالى، وتعريفهم لله جل جلاله، فتلوا الآيات حق تلاوتها، وتأثروا بها، ومن الأئمة من يقرأ المقطع الذي يريد أن يقرأه على الناس، فلا تسكن له عين من دمعة ولا يفتر له قلب من خشوع خالياً فيما بينه وبين الله، فيتلوها ويتأثر فيما بينه وبين الله عز وجل، ومن الخطباء والوعاظ والمحاضرين ومن الموجهين والمعلمين من إذا أراد أن يعظ أو يحاضر أو يخطب تدبر ماذا يقول، وعرض قلبه عليه وقالبه على ذلك، وتأثر به في نفسه فرآه ربه وعلمه ربه خاشعاً متخشعاً صادقاً في خشوعه وتذلّله لربه، فلما خرج إلى الناس وخرجت كلماته موعظة للناس أسكنها الله في القلوب وهز بها المشاعر وأصغى لها الأذان، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:26] ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60] أولئك الذين صدقوا وأولئك الذين خشعوا فلم ينافقوا ولم يراءوا، وهان عليهم الناس أمام عظمة رب الجنة والناس، وأن الواحد منهم ليصلي بالناس فيقرأ من كتاب الله جل جلاله ما تخشع له الجبال وتهتز له المشاعر والقلوب، فإذا به يخشع ويتخشع ويبكي ويدمع صادقاً لربه، ثم يتمنى بعد صلاته أن لو كان هذا بينه وبين الله لم يره أحد، فلا يفرح أن الناس اطلعت، ولا يفرح أن الناس خشعت، ولا يسأل: هل الناس تأثرت؟ على خلاف من دخله الدخن فتجده يخطب الخطبة ثم يبحث ما هو أثرها وما وقعها، ثم يدخل عليه هذا ويقول له: صار لها موقع وصار لها كذا، فلا يزال الشيطان يأخذ من قلبه الشعبة تلو الشعبة حتى ينصرف القلب كله عن الله، فعندها لا يبالي الله به في أي أودية الدنيا هلك.
وعلى كل تال لكتاب الله وكل واعظ وكل إمام وخطيب وكل موجه وكل مربٍ وكل معلم أن يجعل الله نصب عينيه، وأن يعلم أن ما عند الله أسمى وأعلى وأزكى ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:16 - 17] الله أكبر! لو أن النفوس أيقنت وتعقلت وفقهت، ولو علمت من تعامل ولمن تذل وتخضع؟ لو علمت أن اللحظة بل لربما طرفة عين من خشوع صادق لربما رضي الله عن عبده رضاً لا سخط بعده أبداً، ولو علمت أن هذا الرب الكريم لربما نظر إلى عبده في مقام ذل وانكسار، فجعله في كرامة لا مهانة بعدها أبداً، فكم من عين دمعت حرمها الله على النار! وكم من قلوب خشعت تكفل الله أن يسعدها فلا تشقى أبداً.
يعامل الإنسان ربه، ويعلم أن الإمامة في الدين، وأن التقدم والتصدر والتوجيه والموعظة ليس من أجل أن يجتمع حوله الناس أو ترمقه الأبصار، أو تخطفه الأنظار، ولا أن يتحدث به الناس، إنما المراد أن يذكر في الملأ الأعلى راضياً مرضياً عنه من الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً من عباده ... ) يكون الإنسان إماماً فيحبه الله في إمامته، ويكون خطيباً فيحبه في خطابته، ويكون طالب علم فيحبه في طلبه للعلم، ويكون عالماً فيحبه الله في علمه، ويكون مفتياً قاضياً في أي أمر من أمور الطاعات، حتى يكون رب أسرة رحيماً بأولاده رحيماً بزوجه واصلاً لرحمه، فتكون خصلة من الخصال الموجبة له للزلفى والوسيلة عند الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:35] فجعلها وسيلة إليه من الأعمال الصالحة، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً من عباده ... ) اللهم إنا نسألك بأسمائك وصفاتك أن تجعلنا ممن أحببت، اللهم اجعلنا ممن أحببته وناديت فيه جبريل (يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه) فإذا نادى الله عز وجل: يا جبريل! ارتجت السموات فقال (. يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه ... ) ينادي باسم الإنسان في السموات وهذا هو الشرف، وهذه هي الكرامة والعزة، وهذه هي الرفعة، وهذا هو المجد والسؤدد، وهذه هي الغاية التي وراءها جنات عدن التي فيها النعيم المقيم (إني أحب فلاناً فأحبه) لكن ليس بالتشهي ولا بالتمني، ولا بالهوى ولا بالمبالغة، ولا بالتصنع للناس ولا بالتزلف، ولا بالنفاق ولا بالرياء، بل بحقائق أمور صادقة؛ لأن الله سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً (إني أحب فلاناً فأحبه، فينادي جبريل: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) فإذا كان إماماً قبلت إمامته، ورضي الله عن إمام قبلت إمامته، فإن خشع قبل خشوعه، وإن خضع قبل خضوعه، وإن أمر وضع الله القبول لأمره ونهيه ووعظه، هكذا كان الصالحون، وهكذا يمضي بعدهم الأخيار والمتقون، هكذا وإلا فلا.
معاملة مع الله صادقة نظيفة زكية، يرى العبد ما يقدمه لربه قبل أن يكون في قوله وعمله، وقبل أن يتكلم، وقبل أن يعمل، يرى ما الذي يقدم لله جل جلاله، أيقدم له شيئاً مليئاً بالرياء والنفاق، ومحبة المدح والثناء؟ ماذا يفيدك الناس إن غضب عليك رب الجنة والناس؟ إن العبد في منزلة لو سخط عليه أهل السموات والأرض ما استطاعوا أن ينزلوه عنها شعرة إلا بإذن الله جل جلاله، وإن العبد في منزلة إذا رضي الله عنه لو أطبق الخلائق كلهم على أن ينزلوه منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وذلك الذي عناه الله بقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة:4].
فعلى الإمام إذا أراد أن يؤثر في الناس أن يعلم أن التأثير ليس بتكرار الآيات، وليس التأثير أن نشتغل بالتأثير في الناس قبل أن نؤثر في أنفسنا، وليس التأثير في الناس بتنميق العبارات وتجميل الكلمات وتحبير الخطب، إنما التأثير أسرار بين الأبرار والواحد القهار، جن عليه الليل وأضاء عليه النهار، أسرار في القلوب لا يعلمها إلا الله جل جلاله، هكذا عاش السلف الصالح؛ بالإخلاص والإحسان واليقين وإرادة وجه الله عز وجل ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:19] هذا الشرط، ولا إيمان إلا بإخلاص وتوحيد، ولا إيمان إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته ومعرفة من هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وإذا عرف العبد ربه استجمع جميع ما يملك مما بين يديه وخلفه، وفوقه وتحته كله لمرضات الله سبحانه وتعالى.
فنسأل الله العظيم رب

شرح زاد المستقنع -

باب ديات الأعضاء ومنافعها [3]

أنواع الشعر في الإنسان أربعة: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وشعر الأهداب، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في الشعور: هل هي موجبة للدية أو موجبة للضمان بالحكومة، كما جاء عن أهل العلم التفصيل في الدية إذا كان الجاني أو المجني عليه أعور العين.

دية الشعور

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وفي كل واحدة من الشعور الأربعة الدية].
شرع في بيان أحكام الاعتداء على شعر الإنسان، سواء وقع الاعتداء على شعر الرأس، أو وقع الاعتداء على شعر اللحية، أو على شعر الحاجبين، أو على شعر الأهداب؛ فهذه أربعة شعور في الإنسان يعتدى عليها فتزول ولا تعود، وتكون الجناية موجبة لذهاب الشعر، فلا ينبت شعر الرأس ولا شعر اللحية، ولا ينبت شعر الحاجبين ولا شعر الأهداب، واختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: إذا اعتدي على الشعر على هذا الوجه في المواضع الأربعة التي ذكرها، هل هي موجبةٌ للدية أو موجبةٌ للضمان بالحكومة؟ في ذلك خلافٌ بين العلماء رحمهم الله، فاختار الحنفية والحنابلة ومن وافقهم القول بوجوب الدية، وهو محفوظ عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قضى بذلك، وكذلك أيضاً دلّ عليه دليل النظر الصحيح، فإن في كل واحدٍ من هذه الشعور الأربعة جمالاً للإنسان وزينة، كما أن في ذهابه ضرراً عظيماً وتأذياً، ولذلك أوجب العلماء رحمهم الله في الأنف الدية، مع أن شاخص الأنف، وهما المنخران والمارن كما تقدم معنا ليس فيهما منفعة الشم، وإنما فيهما الجمال، وبذهابهما وجبت الدية، والأذن كذلك تجب فيها الدية مع أن السمع يكون بداخل الأذن وليس بالصوان الخارجي، وقد بينا وجه وجوب الدية في ذلك كله، وذكرنا المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقتضي الضمان، فهذا أصل شرعي يدل على أن الديات لا تنحصر في الأعضاء التي فيها المنافع، وإنما تشمل أيضاً الزينة، وقوى أصحاب هذا القول مذهبهم لهذا الوجه، وعليه فإنه لو أضر بشعر المجني عليه فسقط بسبب الجناية والاعتداء أو بسبب الخطأ فإنه يجب عليه دية كاملة في كل واحدٍ من هذه الشعور الأربعة.

دية شعر الرأس

قال رحمه الله: [شعر الرأس] نبدأ بشعر الرأس، من أكثر ما تقع هذه الجناية في الطبيب إذا أخطأ في العلاج، أو أعطى دواءً تساقط معه الشعر، وهو في هذه الحالة لا يخلو إما أن لا ينبت الشعر بالكلية، وقرر الأطباء أنه لا أمل في رجوعه، فحينئذ الدية كاملة على الوجه الذي ذكرناه من قول أهل العلم رحمهم الله وهو أشبه بالأصول وأقواه.
ثانياً: أن تكون الجناية موجبة لذهاب بعض الشعر دون البعض، فحينئذٍ إذا كانت مما يتشطر مثل الحاجب لكن الرأس لا يتشطر، فإذا أتلف شعر أحد الحاجبين فإن عليه نصف الدية، وكذلك إذا أتلف أحد الأهداب الأربعة وهي الرموش، الرمش الأسفل من العين اليمنى، والرمش الأعلى منها، وكلاهما من اليسرى، فلو أتلف واحداً من هذه الأربعة فعليه ربع الدية؛ لكن لو أنه جنى عليه جناية أذهبت نصف شعر رأسه، فهل يتشطر أو لا يتشطر؟ المعمول به عند طائفة من العلماء رحمهم الله أنه يتشطر، وتكون الدية بحصته، فإن أتلف نصف شعر رأسه قالوا: يتشطر، وهناك وجه أن فيه حكومة بتقدير الجناية؛ لأن الشعر في الأصل يتساقط من رأسه لكن هذا لا يخلو من نظر، كذلك أيضاً لو أنه جنى عليه جناية وسقط شعر رأسه أو أخطأ الطبيب في العلاج فأسقط شعر الرأس، لكن نبت شعر الرأس بعد ذلك فإنه لا دية، إلا أنه في هذه الصورة لو حصل ضرر في موضع الشعر مثل ما يقع والعياذ بالله في جناية الاعتداء العمد، مثل أن يصبّ على رأسه حارقاً أو أسيداً، وفي بعض الأحيان تكون الجناية مذهبة للشعر فلا إشكال، لكن لو أنها أذهبت الشعر ثم عاد الشعر، لكنها أحدثت ضرراً في الموضع، فالشعر ليس فيه شيء، لكن موضعه فيه تشوه أو فيه ضرر، فحينئذٍ يقدر حكومةً بمعنى أننا ننظر، وسيأتي إن شاء الله بيان ما هو الحكم وما هو الأصل فيها.
المقصود: أن الجناية على شعر الرأس إذا أتلف الشعر كاملاً ففيه الدية يتشطر لبعضه، ويبقى النظر إذا جنى عليه فنبت الشعر، وكان تشوه في الخِلقة، فإنه حينئذٍ يقدر ذلك التشوه بحصته ويعطاه على سبيل الحكومة.
قال: [وهي شعر الرأس].
وهي: بيانٌ للأربعة، وهي شعر الرأس، والرأس من التراوس وهو العلو، والمراد به الشعر الذي ينبت على رأس الإنسان ذكراً كان أو أنثى، يعني هذه الدية لا تختص بالإناث وهن أكثر تضرراً؛ لأن هذه الشعور الأربعة منها ما يختص بالذكور كاللحية ومنها ما يشمل الجنسين كبقية الشعور.
ففي هذه الحالة إذا جنى على شعر الرأس فإنه تجب عليه الدية، سواء كان المجني عليه ذكراً أو كان أنثى، وسواء كان الشعر طويلاً أو كان قصيراً، أو كان ملفوفاً مثلاً، الأصل يقتضي أن عليه الدية كاملة بإتلاف هذا الشعر، وحينئذٍ إذا كانت الجناية عمداً فلا إشكال، وهناك أصل قررناه في مسألة القصاص، بحيث أنه لو فعل به فعلاً يمكن أن يفعل به مثله، أو سقاه دواء يسقط الشعر وهذا الدواء من خاصيته أنه يسقط الشعر، فاعتدى عليه وسقاه هذا الدواء، وهذا الدواء يمكن أن يقتص بالفاعل بمثله، فإنه يسقى نفس الدواء حتى يتساقط شعره كما تساقط شعر المجني عليه.

دية شعر اللحية

قال رحمه الله: [واللحية].
اللحي: هو العظم الذي هو فك الإنسان، ومجمع اللحيين: هو الذقن، فاللحية تنبت على هذا العظم، ولذلك مبتدؤها من طرف عظم الصدغ، الذي هو ابتداء اللحي وتقيدت به، وكان ابن عباس رضي الله عنهما في الحج والعمرة إذا أراد أن يحلق رأسه أمر الحلاق أن يقف عند العظمة، وهذه العظمة تفصل بين الشعرين؛ الممسوح والمغسول، وتفصل بين المأذون بحلقه وغير المأذون بحلقه، فاللحية في الأصل ما نبت على اللحي -العظم- وللعلماء فيها وجهان: من أهل العلم من يقيدها بهذا الموضع، ولذلك يجيز أخذ ما نبت على الخد والوجنة ويقول: هذا ليس من اللحية، وإنما أُمِر باللحية وهي ما كان على اللحي، وقال أصحاب هذا القول: ما كان أسفل من اللحي، وهو مما يلي الرقبة يجوز أخذه وحلقه؛ لأنه ليس من اللحية، فتقيدت اللحية عندهم بما نبت على اللحي، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإرخاء اللحى كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيح وغيره، فيقولون: إن اللحية تتقيد بهذا الموضع، ومجمع اللحية وهو الذقن: العظم أسفل الفم، ويرون أن العنفقة والمسربة لا تدخل في اللحية، وقد أثر عن بعض الصحابة أخذهم من نفس المسربة، والذي يهمنا الآن هو الشعر الذي على اللحيين.
وهناك وجه ثان يقول: إن ما قارب الشيء أخذ حكمه، واللحية تشمل في الأصل ما نبت على اللحي، وما نبت على الوجنة آخذٌ حكم اللحية؛ لأن ما قارب الشيء فهو آخذ حكمه، وهذا لا شك أنه أحوط وأسلم لكن لا ينكر على من أخذ من شعر وجنته أو أخذ من جهة رقبته؛ لأن له وجهاً، وهناك من أهل العلم ومن أجلاء أهل العلم من يقول بهذا القول، خاصة وأن ظاهر اللغة فيه وجه لهذا.
الشاهد من هذا: أن تحديد اللحية على هذا الوجه يشمل ما نبت على أسفل اللحي دون ما يلي الرقبة، فلو سقاه دواءً أسقط لحيته فإنه في هذه الحالة يجب ضمان هذه اللحية بدية كاملة على الصحيح من قولي العلماء رحمهم الله، وهذا النوع من المضمونات يختص بالرجال دون الإناث، فالمرأة اللحية ليست لها زينة، وقد قررنا أن الأصل في الضمان لهذه الأشياء إنما هو وجود الزينة، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: سبحان من زين الرجال باللحى.
فهي زينة من الله سبحانه وتعالى، والأصل عدم جواز حلقها، فإذا اعتدى عليها بدواء أو اعتدى عليها عمداً فإنه لا قصاص في هذه الحالة؛ فهذا مانع شرعي؛ لأن المانع يكون مانعاً حسياً من جهة كونه يوجب الزيادة فينتفي القصاص، وكونه مانعاً شرعياً؛ لأنه مأمور بترك هذا الموضع، في هذه الحالة يجب عليه ضمان الدية كاملة، لكن لو أنه أسقط بعض شعر اللحية، ففيه الوجه الذي ذكرناه في التقسط؛ أنه يتقسط بقدر جنايته.

دية الحاجبين

قال رحمه الله: [والحاجبين].
والحاجبان: مثنى حاجب، وهو في الأصل: الشعر الذي ينبت على العظم فوق العين، سواء اتصل الحاجبان أو انفصلا؛ ولذلك جاء في النمص وهو: نتف شعر الوجه الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، وأكثر ما يقع في النساء، ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن النامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة، المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فلا يجوز الاعتداء على هذا الشعر، حتى ولو اتصل الحاجبان؛ لأن سر المنع وورود اللعن هو عدم الرضا بخلقة الله عز وجل، فإذا خلق الله الحاجب متصلاً وجاءت هي تفصله فقد غيرت الخلقة ولم ترض بقسمة الله، ولذلك ورد اللعن على هذا؛ لأن هناك أفعالاً قد تكون أخف، لكن لما اتصل أمر هذا الفعل بالعقيدة وهو عدم الرضا بخلقة الله عز وجل والاعتداء عليها؛ ولذلك جاء في آخر والحديث: (المغيرات خلق الله)، فرجع الأمر إلى الاعتقاد، فمن نمصت شعر حاجبها سواءً فيما كان بين الحاجبين لكي تفصل الحاجبين أو كان ترقيقاً للحاجب بعد أن كان عريضاً ونحو ذلك فيشملها.
الحاجبان إذا اعتدي عليهما، أو مثلاً وقع حادث فحصلت منه جروح وحصل منه ضرر على شعر الحاجبين حتى قُلِع الشعر ولم يعد ذلك الشعر وجبت الدية، وإن حصل الضرر على أحد الحاجبين، تقسطت الدية بقسط ذلك وهو النصف، وهذا يشمل الرجال والنساء؛ لأن الحاجبين زينة في الرجل وزينة في المرأة أيضاً.

دية شعر أهداب العينين

قال رحمه الله: [وأهداب العينين].
والمراد بها الشعور التي تنبت على الجسم الأعلى والأسفل من كل عين، فالعينان لكل واحدة منهما جفنان، فأصبحت الأهداب أربعة؛ وهو الذي يسمى: الرمش، فلو سقاه الطبيب دواء خطأ حتى تساقط شعر العين -الرمش- فإنه يجب عليه ضمان ذلك بالدية كاملاً: إن كانت الجناية في العينين فتكون كاملة، وإن كانت الجناية في عينٍ دون أخرى وجب عليه النصف، وإن كان في جزء العين وهو شعر الجفن الأعلى أو شعر الجفن الأسفل فبقسطه وهو ربع الدية؛ لأنها أربعة، فتتقسط الدية وتقسم على أربعة، فكل واحد من هذه الشعور الأربعة إذا جُني عليه فإن فيه ربع الدية، وهذا يخالف به شعر الرأس كما قدمنا، ويشمل الرجال والنساء على حد سواء.

سقوط دية الشعر إذا نبت

قال رحمه الله: [فإن عاد فنبت سقط موجبه].
ليس خاصاً بشعر الأهداب، فليس قوله: (فإن عاد) يعود إلى آخر الكلام، وإنما المراد: إن عاد الشعر في هذه المواضع التي ذكرناها سقطت الدية، وإن عاد الشعر في حاجبٍ سقطت نصف الدية، وإن عاد الشعر في أحد الرموش سقطت ربع الدية، فلو اعتدى على رمش منها فعاد الشعر أو قال الأطباء: سيعود.
ننتظر حتى تمضي المدة التي قرروها للعود، فإن عاد فإنه تسقط الدية، ولو أخذ الدية ثم عاد شعره وجب عليه ردها.

مقدار دية عين الأعور

قال رحمه الله: [وفي عين الأعور الدية كاملة].
قضى بهذا عمر وعثمان وعلي من الخلفاء الراشدين، وقضى به من الصحابة أيضاً عبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع: أن الأعور في عينه الدية كاملة؛ لأنه حينما فقد العين الأخرى قامت منافع العينين في عين واحدة، سواء كان ذلك العور خِلقةً أو جناية أو مرضاً، فقالوا: إن الاعتداء عليها يوجب الضمان بدية كاملة، وهناك قول ثان: أن فيها نصف الدية وهو من حيث الدليل إعمالاً للأصل، لكن قضاء هؤلاء الخلفاء الراشدين، لا شك أن له وجهاً ومعناه صحيح؛ لأنه انتقلت منافع العين الثانية إلى منافع العين الباقية، وتجده في عينه أكثر مصلحة من العين المعتادة، ومن هنا ورود هذا عن هؤلاء الصحابة الخلفاء المأمور باتباع سنتهم جعلوا كان قول الإمام أحمد رحمه الله وطائفة من أئمة السلف بهذا لوروده عن هؤلاء الخلفاء ولزوم اتباع سنتهم.

حكم الأعور إذا قلع عين الصحيح

قال رحمه الله: [وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص].
إذا جنى الأعور على صحيح العينين فقلع عينه اليمنى عمداً فعليه الدية كاملة؛ لأنه في الخطأ تجب نصف الدية ولا إشكال، لكن لو أنه اعتدى على مثل عينه، كأن تكون العين الباقية عنده هي اليمنى فقلع عين خصمه اليمنى عمداً وعدواناً، فالأصل يقتضي أن يقتص من عينه اليمنى، على مذهب طائفة من العلماء، قالوا: لأنه اعتدى، والله أمرنا بالقصاص، فيجب أن نقلع عينه كما قلع عين غيره؛ لأنه هو الذي تسبب بالضرر على نفسه وهو الذي رغب لنفسه بهذا، وذلك بالاعتداء عمداً وعدواناً على أخيه المسلم، وقد أُثر عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما قضيا في هذا، لكن قالوا: لو أن المجني عليه قال: لا أريد القصاص أريد الدية، يعني: أريد العوض، فللعلماء وجهان: من أهل العلم من قال: يبقى الأصل، وهو نصف الدية؛ لأنه قلع عيناً واحدة ولم يقلع عينيه، ولا يمكن أن نقول: إن عليه الدية كاملة وعينه الثانية باقية، لكن الذين أوجبوا الدية وهم الحنابلة وطائفة من أهل العلم، قالوا: لأنه فدى عينه، يعني: المفروض أن تُقلع عين الأعور، فإذا عدل إلى الدية فقد فدى عينه، فيجب أن يفدي بدية كاملة، ولذلك قالوا: الغنم بالغرم، كما أسقط الضمان عنه، وهذا من فقه الصحابة رضوان الله عليهم، وفيه إعمال للقاعدة التي ذكرناها: الغنم بالغرم، فهنا يغرم دية كاملة؛ لأنه نزلت عينه منزلة تلك العينين، بدليل أن عمر لم يقتص منه، فقالوا: لما سقط عنه القصاص كان واجباً عليه أن يضمن عينيه بالدية كاملة، فله الغنم بإسقاط القصاص عليه، هذه غنيمة ونعمة وخير له، وأيضاً عليه الغرم إن فدى هذه العين التي أنجته من القصاص أن يفديها بدية كاملة.
هذا من حيث الأثر ومن حيث النظر، وهذا مذهبهم وهو الأصل الذي اعتمدوه.
والذين قالوا: إنه لا يجب إلا نصف الدية، مذهبهم أقعد بالدليل وأعمل للأصل.
قال: [ولا قصاص].
كما ذكرنا

دية قطع يد الأقطع

قال رحمه الله: [وفي قطع يد الأقطع نصف الدية كعين].
قالوا: لأنهم بقوا على الأصل فلا إشكال؛ لأن تلك فيها أقضية عن الصحابة فاستثني، والفقه أن تجري المسائل على الأصول الواردة في الشرع: وهي أن اليد الواحدة فيها نصف الدية، وأن اليدين فيهما الدية كاملة، فإذا حصل العارض من كونه أعور، فلو نظرنا لوجدنا آثاراً عن الصحابة الذين أمرنا باتباع سنتهم فخرجنا عن الأصل المستثنى باتباع سنتهم، فاستثنى الإمام أحمد من هذا الوجه وأبقى ما عدا هذا على الأصل، فإذا اعترض معترض وقال: هذا أمر خرج عن الأصل لوجود قضاء عن الصحابة، وهؤلاء مأمورون باتباع سنتهم خاصة الخلفاء الراشدين، فلهم من المزية ما ليس لغيرهم، وبقي ما عدا ذلك على الأصل، ومن هنا فإن الشافعية وطائفة الذين يخالفون يلزمونهم بهذا، فيجعلون الأمر فيه اعتراض من هذا الوجه، لكنه لا يلزمهم هذا؛ لأن الاستثناء إنما هو لورود المستثني المقتضي لذلك، فلا يرد الاعتراض به.

الأسئلة

حكم المتعجل إذا خرج من منى قبل الغروب ثم عاد لحاجته

السؤال

المتعجل إذا خرج من منى قبل الغروب ثم عاد لحاجة، هل يلزمه البيات، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: الأصل الشرعي يقتضي حقيقة التعجل، وهذا هو ظاهر القرآن: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَليه﴾ [البقرة:203]، واختار بعض العلماء العمل بهذا الظاهر: وهو أنه لابد وأن يكون متعجلاً حقيقة، قالوا: ولو فتح هذا لتحايل الناس على الشرع، وأصبح الحكم صورة لا معنى، قالوا: بإمكان الشخص أن يخرج قبل الغروب بجسده، ثم إذا غربت الشمس رجع فأخذ متاعه ثم صدر وسافر، قالوا: وهذا خلاف الشرع؛ لأن الشرع نص على أنه متعجل، ومن رجع إلى منى ولم يزل له بها غرض لم يتعجل حقيقة، وهذا وجه من أخذ الأصل، ولا شك دائماً في المسائل أنها ينبغي أن تبقى على الأصل؛ لأنه في الأصل ملزم بالمبيت، والرخصة جاءت بشرط، وكثير من الناس يجهل هذه الرخصة حتى إن بعض السلف يقول: من تعجل -ليس كل متعجل- لابد وأن يكون متعجلاً بشرطه، قالوا: وما شرطه؟ قال: أن يكون متقياً لله عز جل، يعني: ليس كارهاً للمبيت، ولا نافراً من المبيت، ولا متضجراً من العبادة لكن إذا كان هذا المعنى أن الشخص يخرج ويأخذ أغراضه بعد المبيت أو مثلما يقول بعض منهم، بمجرد ركوبه للسيارة: إنه تعجل.
والنص القائل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾، لابد أن يطبق كما هو، بمعنى أنه تغرب عليه الشمس وليس في منى لا بمتاعه ولا بحوائجه، قد خرج حقيقة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾، وانظر إلى تعبير القرآن: (تعجّل) ومن كان على عجل فحاله يقتضي أن يكون مهيئاً لأموره مرتباً لها، فإذا كان على هذه الصفة الشرعية مع هذا يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:203]، فإذاً: لابد أن نلاحظ أن الفتوى في هذه المسائل ليست بمجرد الشكل، أي: مجرد أن الشخص يخرج ثم بعد ذلك يعود، حتى كان بعض مشايخنا رحمه الله عندما يسأل هذه المسألة يقول: أمر الناس عجيب، فمنهم من يأتيك ويقول: خرج من منى ثم عاد ثم خرج ولا يقول: عاد لمتاعه، ولا يقول: عاد لحاجته، وهذا من فقه أسئلة الفتوى: أنه ليس كل سؤال يقبله المفتي؛ فإن عاد سأله: لماذا عاد، وكيف عاد، وما الذي دعاه للعود؟ إن عاد إلى متاعه ليس بمتعجلاً حقيقة، فالمفتي يقول له: قد خرجت، والعبرة بالخروج، وأنت إذا خرجت فأنت في حلّ المبيت، فإذا رجعت بعد ذلك لا يضر، وقد يكون خرج بجسده ولم يخرج متعجلاً حقيقة، ومن هنا لابد من رعاية الأوصاف الشرعية.
الوصف الشرعي فيه أمران: أحدهما، فمن تعجل، ثانياً: أن يكون لمن اتقى، واللام للاختصاص، أي: هذا الحكم خاصٌ بمن اتقى، والشخص الذي تحرى فامتثل أمر الله سبحانه وتعالى وخرج آخذاً بسماحة الشرع، وآخذاً بيسره ورفقه، أو شخصٌ عنده مريض أو عنده ضعفة أو عنده أناس يحتاجون إليه، فهذا هو الأصل، وهذا هو الذي عليه العمل، فكونه يقول: (ثم عاد) على صورة مبهمة فلا يقتضي أن يجاب، بل لابد أن ينظر فيه ويفصل، والله تعالى أعلم.

حكم من تأخر في ذبح هدي التمتع إلى ما بعد أيام التشريق

السؤال

رجل تأخر في ذبح هدي التمتع إلى ما بعد أيام التشريق بيومين فما الذي عليه؟

الجواب

قال بعض العلماء: إن الهدي يتقيد كتقيد الأضحية، ولذلك يكون فواته بفوات زمانه، فيرون أن الهدي مقيد بالزمان، ومنهم من يعتد ببلوغه للبيت سواءً كان في أيام التشريق أو قبل خروجه من شهر ذي الحجة فإنه يجزيه، وهذا القول يختاره بعض مشايخنا رحمةُ الله عليه ويميل إليه؛ أنه لو ذبح قبل خروج شهر ذي الحجة فلا بأس بذلك.

سبب إلزام النبي صلى الله عليه وسلم كعباً بالفدية وهو مضطر

السؤال

أشكل عليّ لماذا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم كعباً بالفدية وهو مضطر، ولم يلزم المضطر إلى استخدام السراويل والخفين رغم الحاجة والضرورة في الكل.
أثابكم الله?

الجواب

هذه هي العبادة، وهذا هو الدين، وهذا هو التسليم، وهذا هو الشرع، أن يجمع بين المفترق وأن يفرق بين المجتمع، حينما يأتي الشرع ويأتي بأشياء تجدها نظائر فإذا أحكامها مختلفة، وتجد أشياء متضادة وأحكامها متفقة، هنا تأتي العبادة ويأتي التسليم والرضا.
أما بالنسبة للمسألة، فالله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:196]، هنا أوجب الله سبحانه وتعالى على الذي به ضرر كما أثر عن كعب بن عجرة رضي الله عنه كما في الصحيحين أنه حُمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما كنت أُرى أن يبلغ بك الجهد ما أرى)، يعني: ما كنت أظن القمل والضرر المترتب عليه أن يصل بك إلى هذه الحالة، من يتأمل حالنا اليوم يعلم ما نحن فيه من النعمة والرخاء، فقد كان الرجل يجلس عامه لا يحلق شعر رأسه، وكان الرجل إذا كان عنده شعر كبير لا يفتأ كلما جاء في ليلة ينام يتسلط عليه القمل ويتسلط عليه هوام الأرض، حتى إن الرجل يحمل شعر رأسه فيحمل هم إزالة هذا الشعف الذي فيه والقمل الذي بينه من شدة العناء والتعب، ينامون تحت الأشجار، بل ينامون في بيوتهم، لا يهدءون من البعوض والذباب، ولا من الحيات والعقارب، فمن يشكر نعمة الله التي نحن فيها اليوم، ومن يشكر منة الله عز وجل؟! كان الرجل يضع رأسه لكي ينام في الظهيرة فلا يستطيع أن ينام من أذية الذباب، وإذا انصرف عنه الذباب سلط الله عليه النمل، وإذا سلم من هوام الأرض وطائر السماء جاءه من الغبار والأتربة ما الله به عليم، من الذي يتفكر ويتدبر في نعمة الله عز وجل؟ الناس اليوم في نعمة ورغد من العيش لا يعلمه إلا الله عز وجل، فالرجل ينتقل من قاع الأرض إلى سبعين متراً إلى مائة متر في عنان السماء في ظرف دقيقة أو دقيقتين بالمصعد، وكانوا سابقاً لا يبلغون ذلك إلا بشق الأنفس، لا يصعد إلى الدور العشرين والثلاثين والأربعين والخمسين إلا وروحه في حلقه، واليوم يصعدون في دقائق، بل حتى في بعض الأحيان في ثوان، من الذي سخر هذا؟ هو الله، ولكن هل هناك شاكر، هل هناك ذاكر؟! السؤال يقول: لماذا أوجب النبي صلى الله عليه وسلم على كعب الفدية وهو مضطر، ولم يلزم المضطر إلى استخدام السراويل؟ الفرق بينهما واضح، ولو تأملت رحمك الله لوجدت أن هناك فرقاً شاسعاً؛ لأن حلق الرأس إزالة لجزء من البدن ولبس السراويل ليس فيه إزالة، هنا أتلف جزءاً من البدن بحلقه وهو الشعر، ولذلك الناسي لو نسي وحلق شعره يجب عليه الضمان ولو كان ناسيا، ولو نسي وغطى رأسه ثم أزال الغطاء لم يجب عليه شيء؛ لأنه ما حصل إتلاف، ولو نسي وقلم أظفاره لوجب عليه الضمان، ولو نسي وتطيب ثم أزال الطيب لم يجب عليه الضمان، والفرق واضح بين الاثنين، يعني الأول ليس فيه ضمان، والثاني فيه الضمان الأول فيه إزالة وإتلاف، والثاني لا إزالة فيه ولا إتلاف، فهذا عين الحكمة وعين التقدير، والله تعالى أعلم.

حكم المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة ولا تستطيع البقاء

السؤال

امرأة حاضت قبل طواف الإفاضة وهي لا تستطيع البقاء حتى الطهر، فهل يجوز لها الطواف وهي على هذه الحال؛ لأنه قد يترتب على تأخرها ضرر، أثابكم الله?

الجواب

الذي أعرف في دين الله وشرع الله: أن المرأة لا تطوف وهي حائض، وفي هذا أحاديث واضحة صحيحة صريحة مما اتفق عليها الشيخان، هذا رسول الأمة صلى الله عليه وسلم يقول: (عقرى حلقى! أحابستنا هي؟)، يقول العلماء في شرح الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المرأة: (أحابستنا) ما قال: أحابستني، قالوا: لأنه لو لم تطف طواف الإفاضة لتأخر النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها، وهذا يثبت أنه سيتأخر، وإذا تأخر تأخر المسلمون معه، فقال: (أحابستنا هي؟ ثم قال: ألم تكن طافت يوم النحر؟ قالوا: نعم.
قال: فلا إذاً)، معناه: أنه لو لم تكن طافت يوم النحر للزمنا أن نبقى حتى تطهر، فأيهما أهون أن تتأخر امرأة من أجل حجز في طائرة، أو مائة ألف من الصحابة يحبسون؟ هذا دين وشرع، وهذا ركن من أركان العبادة، فليس هناك طواف أجمع العلماء على ركنيته في الحج إلا طواف الإفاضة: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:29]، وما هذا إلا لعظم أمره وعظم شأنه.
لو أن هذه المرأة حصل عندها خطأ بسيط في اسمها وجوازها لتأخرت وقعدت ولو قعد معها مليون شخص، وهذا في حكم البشر فكيف بحكم رب الجنة والناس؟ هذا دين وشرع، فإذاً لابد أن تبقى حتى تطهر، ولا تدخل بيت الله؛ لأن الله منع منه الحائض، قال صلى الله عليه وسلم: (اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت).
ثانياً: عائشة رضي الله عنها وأرضاها جاءت بعمرة نسك قصدت به البيت، والله يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196]، وجاءها الحيض بسرف -كما في الرواية الصحيحة- قبل الحج، فهي لا تستطيع أن تؤدي عمرتها قبل الحج، فانقلب نسكها من نسك إلى نسك كله من أجل أن لا تدخل البيت؛ تعظيماً لهذا البيت.
فلو قالوا: تلبس حفاظة وتذهب تطوف، فنقول: أعطونا دليلاً من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم! لسنا نحن الذين نرخص ما دام أن الشرع شدد في هذا، وهذا ليس بتشديد، كل من أفتى بفتوى له دليل من أدلة كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ليس هو المشدد، ومن وصفه بالتشديد فقد جار وظلم؛ لأنه من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليأتين على الناس زمان تصبح الواجبات أشبه بالسنن، وليأتين على الناس زمان لا يعرفون واجباً ولا يعرفون سنة! فهذا من غربة الشرع والدين.
تجد أنك إذا جئت قلت لها: تتأخر، قالوا: هذا والله تشدد، وهذا والله التضييق على الناس، وهذا خلاف شرع الله، الدين يسر ورحمة، جاء بها من آلاف الكيلومترات من أجل أن تحج، هذا يسر: (عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة) نحن نيسر إذا يسر الله سبحانه وتعالى، أما ديننا وأركان شريعتنا وواجباتها وفرائضها فنبقيها كما أبقاها النص، لا نتقدم ولا نتأخر، سواء أرضي الناس أو كرهوا، المهم عندنا حكم الشرع، قال: (أحابستنا هي -ثم يدعو ويقول:- عقرى عقرها الله، وحلقى حلقها الله)، بمعنى: أن تأتيها مصيبة، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم هذا؛ لأنه إذا دعا، قال: (أيما مسلم دعوت عليه أو سببته فاجعلها له رحمة)، فهذا من مناقب أم المؤمنين أنها عادت عليها رحمة، لكن انظر كيف النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه الكلمة تعظيماً للأمر، مع أن العذر ليس بيدها.
فالمقصود نقول: تتأخر، فإذا كان لا يمكنها التأخر لها أن تسافر، ولكن لا يقربها زوجها وترجع وتؤدي فرض الله كما أوجب الله عليها، فتطوف بالبيت معظمة لشعائر الله عز وجل وهي طاهرة، أما أن نقول: تلبس حفاظة تتلجم من عنده دليل فليأتنا به، أما أن نوسع للناس أمراً ضيقه الله، أو نضيق على الناس أمراً وسعه الله فلا، الذي عندنا من النص أنه لا يجوز لها أن تطوف ببيت الله ولا أن تدخل بيت الله وهي حائض، هذا نص واضح، فينبغي أن نلتزم به.
فالذي ظهر لي: أنه يجب عليها أن تبقى حتى تطوف طواف الإفاضة، إما إن كان هناك عليها ضرر وتريد أن تسافر فلتسافر، وأجمع العلماء على أنه لو صدر الحاج قبل أن يطوف طواف الإفاضة أنه عليه الرجوع من أجل أن يطوف طواف الإفاضة ويلزمه ما يلزم من التحلل الأصغر، ولم يتم التحلل، فتمتنع من الموانع التي منها: الجماع، والمباشرة، وعقد النكاح، ومقدمات الوطء ودواعيه، واختلف في قتل الصيد: هل يبقى محظوراً على الطواف أو لا؟ على وجهين مشهورين للعلماء رحمهم الله، والله تعالى أعلم.

الواجب على الصبي إذا تمتع في النسك

السؤال

لو تمتع الصبي فهل يلزمه الدم أم لا؟ وإذا لم يستطع الدم فهل يصوم، أثابكم الله؟

الجواب

إذا تمتع الصبي لزمه الدم، والأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزله منزلة البالغ من حيث صحة الحج، وهذا مذهب جمهور العلماء من حيث الأصل، أن الصبي يعامل معاملة الكبير على تفصيل في كونه: هل أحرم هو أو أحرم وليه، فالشاهد من هذا: أنه إذا كان وليه هو الذي لبى عنه مثل أن يكون صغيراً لا يعرف التلبية فتكون حينئذٍ في مال الولي وليس في مال الصبي، ولكن إذا لبى الصبي نفسه وتمتع بعمرته إلى الحج فإن الضمان يكون في ماله، والله تعالى أعلم.

حكم من ترك المبيت بمنى أيام التشريق

السؤال

هل يكفي دم واحد لمن ترك المبيت بمنى أيام التشريق كلها، أثابكم الله؟ بالنسبة للمبيت في منى فيه وجهان: بعض العلماء يرى أن لكل ليلة نسكاً تاماً، وهذا هو الذي يظهر والأصول تقويه، ومنهم من يرى أن مبيت الليالي كلها نسكٌ واحد، وعليه دار الخلاف: هل عليه دم أو ثلاثة دماء؟ والصحيح: أن المبيت كل ليلة يعتبر نسكاً تاماً مستقلاً يجب ضمانه بحقه، والله تعالى أعلم.

مكان إحرام المكي لنسك القران

السؤال

لو أراد المكي نسك القران فمن أين يحرم للعمرة، أثابكم الله؟

الجواب

الصحيح أنه يصح القران من أهل مكة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:196]، فجعل التمتع عاماً شاملاً للمكي وغير المكي، والتمتع؛ تمتع القران والتمتع المعروف بالعمرة، فلما عبرت الآية على سبيل العموم فقال الله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة:196]، دل على أن أهل مكة يتمتعون تمتع القران وتمتع العمرة المعروف، وبناءً على ذلك: فإنه في هذه الحالة إذا أحرم أهل مكة بالعمرة مع الحج، فإن مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله، أنهم يخرجون إلى أدنى الحل تغليباً للأصل في العمرة؛ لأنه إذا وجد ما يوجب الخروج وما لا يوجبه وهما مجتمعان قُدّم الذي يوجب؛ لأنه شغلٌ للذمة يوجب الخروج عن الأصل، فيقدم، ومن هنا قالوا: إنه يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بمكان العمرة، ومنهم من يقول: إنه مغتفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحج والعمرة بمثابة النسك الواحد، فيكون مخففاً عليه في ذلك، والأول هو الأحوط، والله تعالى أعلم.

حكم من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة ومات قبل أن يطوف

السؤال

رجلٌ سافر إلى بلده وبقي عليه طواف الإفاضة ثم لم يتمكن من الرجوع حتى توفاه الله، فهل يحج عنه، أثابكم الله؟

الجواب

إذا توفي الشخص قبل أن يتم حجه فأصح قولي العلماء أنه لا يتم الحج عنه، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الرجل الذي وقصته دابته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة فوقف معه هذا الرجل، فجنحت دابته فأسقطته فاندقت عنقه، فمات رضي الله عنه وأرضاه، فقال صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب)، قالوا: ولم يأمر بإتمام الحج عنه، مع أنه حاج وقف بعرفة وبقيت عليه بقية الأركان، ومع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم قرابته بالحج عنه، وهذا وقت الحاجة ووقت البيان، قالوا: فلما سكت عليه الصلاة والسلام عن ذلك دلّ على الإجزاء، وهذا أصل؛ لأنه أدى ما عليه، وجاء إلى الحج وبذل ما يستطيع والله لا يكلفه فوق طاقته، وورثته ليسوا ملزمين؛ لأن ذمته لم تشغل، ولما تعذر عليه الإتمام تعذر بعارض من الله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ لا يلزم بالإتمام ولا يلزم ورثته أيضاً بالإتمام على أصح قولي العلماء، والله تعالى أعلم.

أسباب استجابة الدعاء

السؤال

ألححت في الدعاء يوم عرفة أن يرزقني الله علماً نافعاً وعملاً صالحاً، فما هي الأمور التي ينبغي أن أتعاطاها حتى أصيب هذا الفضل، أثابكم الله؟

الجواب

في هذا السؤال جوانب: الجانب الأول: من ألح على الله في الدعاء فحريٌ به ألا يقنط وألا ييئس، بل عليه أن يتخذ من كثرة الإلحاح ما يدعوه إلى الزيادة؛ لأن الله يحب من عبده الإلحاح وكثرة الدعاء، فهو الكريم الذي لا تنفد خزائنه، ويده سحاء الليل والنهار لا تغيضها نفقة سبحانه وتعالى، فالله يحب من عبده كثرة الإلحاح، ثم إن كثرة الإلحاح توحيدٌ لله عز وجل؛ لأنه إذا دعا المرة الأولى والمرة الثانية والمرة الثالثة، ثم ما زال يدعو، وما زال مؤمناً موقناً أن الله يسمع دعاءه، وأن الله أحكم وأعلم، وأن الله أعلم بحاله، فقد يكون من الحكمة من الله سبحانه وتعالى، فإنه يعلم أنه لو أعطاه العلم الآن فتن في دينه، فيؤخر عنه تلك العطية، فلذلك يرضى عن الله سبحانه وتعالى، وسعادة الدنيا وسرورها وبهجتها في الرضا عن الله سبحانه وتعالى، أي شيء تسأله الله عز وجل فيؤخره عنك، فارض عن ربك فهو أرحم بك من نفسك التي بين جنبيك، وأرحم بك من والديك، وأرحم بك من الناس جميعاً، فهو الحليم الرحيم، إذاً لا يقنط الإنسان ولا يسئ الظن بالله مهما ألح.
ثانياً: عليه أن ينظر إلى حاله بما يدعوه بحسن الظن بالله عز وجل، فمثلاً: المبتلى يبتلى بمرض أو يبتلى في دينه فيجد أنه لا زال على نفس المعصية أو لا زال على نفس البلاء في جسده، والله لو لم يدع لكان حاله أسوأ، ولكن الله عز وجل يلطف به بهذا الدعاء.
ثالثاً: أنه ما من عبدٍ يدعو الله عز وجل مخلصاً موقناً إلا أعطاه الله سؤله، أو صرف عنه من البلاء مثل ما دعاه، أو ادخرها له يوم القيامة.
فإذاً: قد يدعو الإنسان فيؤخر الله عز وجل عنه الإجابة، فلا يزال يكسب خيراً كثيراً، وما يدريك ما الذي سيعود على الإنسان الملح إن أكثر في سؤال الله عز وجل والله يؤخر عنه الإجابة، فكم من درجات تنتظره يوم القيامة لا يبلغها بكثرة صلاة ولا صيام، ادخرها الله له يوم القيامة، فإذاً يدعو الإنسان، قالوا: (نكثر يا رسول الله! قال: الله أكثر)، يعني أكثر كرماً وأكثر جوداً، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:186]، فأكثر من الإلحاح واستمر في دعاء الله عز وجل، لكن إذا سألت الله فكن في سؤالك على بصيرة، من سأل الله العلم فليسأله العمل، ومن سأله العلم والعمل فليسأله الإخلاص، ومن سأله العلم والعمل والإخلاص، فليسأله القبول، وإذا رزق الله العبد العلم والعمل والإخلاص والقبول؛ احتاج إلى الثبات وحسن الخاتمة، فيسأل الله أن يثبت ذلك في صدره، وأن يثبته على الحق حتى يلقاه سبحانه وتعالى راضياً عنه، ثم بعد ذلك يسأله من خير المسائل مما يعين على هذه المنزلة الشريفة الكريمة؛ وهي حسن الخلق، فيسأل الله هذه المسائل الجامعة للخير؛ علمٌ وعمل وإخلاصٌ وقبول، وثباتٌ على الحق، في بر وحسن خلق، ومن رزقه ذلك فبخٍ بخ، أي تجارة رابحة وأي منزلة رابحة فاز بها من الله جل جلاله، أن يسأل الله هذه المسائل العظيمة وأن يكون على بصيرة.
كيف يسأل الله عز وجل، ذكروا عن الإمام أبي بكر بن العربي الفقيه المشهور المالكي في مسألة: (زمزم لما شرب له) يقول: إني شربته فسألت الله العلم فرزقنيه، فندمت أني لم أسأله مع العلم العمل، فانظر إلى فقه الدعاء؛ وهو أنه كان ينبغي أن يسأل مع العلم العمل.
وعالمٌ بعلمه لم يعملن معذبٌ من قبل عباد الوثن وتسأل الله البركة؛ لأنه في بعض الأحيان قد يكون الإنسان من أعلم الناس في زمانه، لكنه ممحوق البركة من علمه، وقد ترى الرجل حافظاً للسورة والسورتين من كتاب الله عز وجل، وضع الله له فيهما البركة بما لم يخطر لك على بال، فهو يردد هذه السورة على لسانه، فينال ملايين الحسنات، ثم إذا جلس لا يرى شخصاً لا يحفظها إلا حفظه إياها، فكم له من الأجور والحسنات والخيرات والبركات، وكم له من قوله عليه الصلاة والسلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) >فالمقصود: أن الإنسان يبحث عن الأمور المهمة في الدعاء، نسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يجعل ما وهبنا من العلوم نافعاً شافعاً: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88 - 89]، والله تعالى أعلم.

حكم تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد النصف من شهر ذي الحجة

السؤال

من أخر طواف الإفاضة إلى ما بعد النصف من شهر ذي الحجة أو آخره؛ وذلك بسبب الزحام، فما الحكم أثابكم الله؟

الجواب

ما شاء الله تبارك الله! الزحام مستمر إلى آخر ذي الحجة! إذا كان الذي ليس عليه حج يزاحم، فمن باب أولى الذي عليه باقي حج أنه يذهب يزاحم.
على كل حال: ليس كل ما قاله الناس في أسئلتهم يكون صحيحاً، المطاف يخلو خاصة في الليل، ويخلو في أوقات مثل ساعات الظهيرة، والأصل يقتضي أن من أخر طواف الإفاضة إلى ما بعد أيام التشريق فيه وجهان: بعض العلماء يقول: العبرة بأيام التشريق، ومن أخر لغير عذر فعليه دم، وبعضهم يرى أن الدم لا يجب إلا بخروج ذي الحجة، وهذا هو الذي أميل إليه، أن الدم لا يجب على من أخر طواف الإفاضة إلا إذا خرج عليه شهر ذي الحجة، وهذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله.
وينسب للجمهور أنهم يرون أنه إذا خرج عن ذي الحجة، وهذا هو الذي عُني بقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:197]، قالوا: تمام الأشهر في ذكر الآية مراعاة للانتهاء، فنهاية الحج بنهاية طواف الإفاضة، وآخر أمده بغروب شمس آخر يوم من شهر ذي الحجة، والله تعالى أعلم.

أحكام صيام العاشر من محرم

السؤال

أيهما أفضل: صيام يوم قبل العاشر من محرم أم بعده مع صيام العاشر؟ وهل يكره إفراد العاشر بالصيام ولو وافق يوم الجمعة أو السبت، أثابكم الله؟

الجواب

أما بالنسبة للمسألة الأولى: الأفضل أن يصوم التاسع والعاشر، وهذا هو السنة، ومن أهل العلم من قال: الأفضل أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده، ولكن شهر محرم الأفضل صيامه والإكثار من صيامه، لما سُئِل عليه الصلاة والسلام: (ما أفضل الصيام بعد شهر رمضان؟ قال: شهر الله المحرم)، يعني كل شهر محرم مرغب فيه الإكثار من صيامه، لكن في هذا اليوم يوم عاشوراء سنة المخالفة أن يصوم التاسع والعاشر، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) والتاسع محمول على الحقيقة، والعاشر محمول على الحقيقة، وأما بأن العاشر المراد به: تاسوعاء فهذا فيه ما فيه، وتكلم العلماء على هذا، لكن الأصل أن الأفضل أن يصوم التاسع والعاشر.
فلو قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، ولم يقل: والعاشر، نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم سكت عن الأصل مستصحباً له؛ لأنه هو قالها: (نحن أولى بموسى منكم)، يعني في شكر نعمة الله بنجاة موسى صوم هذا اليوم، فإذاً: الشعيرة باقية؛ لأن سببها بخصوص اليوم، وهو شكر الله عز وجل على نجاة هذا النبي، حمداً لله عز وجل بنصرة أهل التوحيد على أهل الشرك، وأهل الإيمان على أهل الوثنية، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بموسى منكم)، لأنه على التوحيد والإخلاص، وأنتم غيرتم وبدلتم، فإذاً: الموجب للصوم باق لا يتغير، فلما كان ثابتاً سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معمول على القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، ثانياً: نقول: من منع من صيام يوم عاشوراء خالف الأصل؛ لأن الأصل إذا ثبت الصوم بدليل شرعي يدل على الفضيلة، لا ينقل عنه إلا بدليل مثله، والدليل المثبت صريح، والدليل النافي الذي يدعونه محتمل؛ لأنه لما قال: (لأصومن التاسع)، سكت عن العاشر، هل يصومه أو لا يصومه، وليس إثبات أحد النقيضين بأولى من الآخر كمسلك جدلي، فلا يستقيم لهم الاستدلال بقوله:: (لأصومن التاسع)، وهذا ما أحببنا أن ننبه عليه حول من يقول: إنه يصوم التاسع فقط، وهذا شذوذ، يعني: مذهب من أضعف المذاهب، ومخالف للأصل الذي ذكرناه، ويفوّت مقصود الشرع بتعظيم نعمة الله عز وجل بهذا، فصوم يوم التاسع والعاشر هو الأفضل في صوم عاشوراء على ما ذكرناه.
أما الجانب الآخر من السؤال والذي يقول: هل يكره إفراد العاشر بالصيام ولو وافق يوم الجمعة أو السبت؟ الجواب: إفراد العاشر بالصوم هو خلاف السنة، والسنة أن يخالف اليهود، فيصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، وأما بالنسبة لإفراد عاشوراء، إذا وافق السبت وصام السبت، فإن النهي عن صوم يوم السبت حديثه متكلم في إسناده، وإثبات هذا الحديث مبني على القول بتحسينه مع أن فيه ما فيه، إذا قيل بتحسين هذا الحديث، فإن الحديث الحسن لا يعارض الحديث الصحيح، ولذلك: وهو في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح ثانياً: الذي عليه العمل عند أهل العلم رحمهم الله: أن المنع من صوم يوم السبت المراد به من قصد يوم السبت تعظيماً للسبت، وهذا أصل في جميع ما ورد، مثل يوم عرفة لو وافق يوم سبت ونحو ذلك من الأيام المفردة، فإنه يشرع صيامها، ولا بأس في ذلك، ولا حرج أن يصومه؛ لأنه يصومه لسبب شرعي، ولذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم من تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ثم قال: (إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فهذه هي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما كان معتاداً لصيام ذلك اليوم والشريعة منعت من صوم يوم قبل رمضان حتى لا يزيد في العدد فيغلو في العبادة أذن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه فات المعنى الشرعي.
فالمعنى الشرعي في إفراد يوم السبت، هو تعظيمه؛ لأنه شعار اليهود، وقد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب، ومن هنا لا بأس ولا حرج إذا وافق يوماً، لأن الشرع ندب إلى صيامه، والله تعالى أعلم.

أمور تعين على استجابة الدعاء

السؤال

ألححت في الدعاء يوم عرفة أن يرزقني الله علماً نافعاً وعملاً صالحاً، فما هي الأمور التي ينبغي أن أتعاطاها حتى أصيب هذا الفضل، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد: فلا شك أن من توفيق الله عز وجل لك: أن ألهمك أن تدعو الله عز وجل بهذا الأمر، وإذا وقف الإنسان في يوم عرفة أو وقف في ساعات يرجى فيها إجابة الدعاء فاختار أفضل المسائل وأحبها وأكرمها وأعظمها ثواباً وخيراً للعبد في الدنيا والآخرة، فليعلم أن هذا من توفيق الله عز وجل له، فالدعاء إذا وفق العبد فيه نال خير الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني: في قولك (علماً نافعاً وعملاً صالحاً) أعظم الأسباب التي تعين على بلوغ العلم النافع: الإخلاص لوجه الله عز وجل، وهو أساس النفع في كل عمل صالح، فلا يمكن أن يكون العمل نافعاً إلا إذا أراد طالب العلم به وجه الله سبحانه وتعالى، فينطلق في طلبه للعلم، والجنة والنار بين عينيه، وكل يوم يجدد إخلاصه، بل كل ساعة بل كل لحظة إذا أمكنه ذلك، كلما جلس في مجلس علم ينظر ماذا في قلبه، وكان السلف إذا سُئلوا عن حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أثر عن سفيان رحمه الله يمتنع من الحديث ويتأخر قليلاً فيقولون: ما بك؟ يقول: حتى أنظر ما في قلبي، يعني: هل أريد أن أحدث لله أو أريد أن أحدث لغير الله عز وجل، وكان يقول قولته المشهورة: ما رأيت مثل نيتي، إنها تتقلب عليّ، يعني أشد ما جاهدت النية لإرادة وجه الله عز وجل، يمشي الإنسان إلى مجلس من مجالس العلم وهو يريد وجه الله، ولا يريد قضاء الأوقات، ولا إضاعة الوقت، ولا من أجل التفكه في المجلس أو التندر فيه، وإنما يريد وجه الله سبحانه وتعالى، يستشعر هذا الإخلاص حينما يشعر بالمسئولية، فوالله ثم والله ما جلست في مجلس علم ولا سمعت علماً ولا نظرت عيناك إلى علم إلا حوسبت بين يدي الله عليها.
ما من مجلس تجلسه فتسمع قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هذا حلالٌ أو هذا حرام؛ شيءٌ من دينك وشرعك إلا سُئِلت أمام الله عز وجل عن هذا العلم الذي بلغك، إن هذه الكلمات وهذه الأحكام وهذه المسائل حجج يلقيها العلماء من على أكتافهم ويلقونها على ورثة العلماء وهم طلاب العلم، وهذا يحتم عليك كطالب علم أن تعرف ماذا يراد بك، وماذا ينتظر منك، كم من عالم تمضي عليه عشرات السنين، وقل أن يجد طالب علم يملأ عينيه، كم من عالم يضحي ويتعب ويكدح، فقل أن يجد طالب علم جمع فأوعى، وهذا بسبب عدم الاستشعار، يصحب أناس أهل العلم وكأن الأمر نوع من التفكه والتندر، ويقفون لمسائلهم والأسئلة التي تنهال عليهم وتكرر الأسئلة عشرات المرات، ثم يفاجأ ذلك العالم والشيخ وإذا بنفس الطالب يأتي بنفس الأسئلة، وقد كان أهل العلم يضبطون العلم من أول مسألة، فإذا سمع المرة لم تعد عليه، يحفظ كلام الشيخ حتى إن طالب كان يحفظ الفتوى من العالم ثم يمكث العلم يجلس الأربع سنوات والخمس سنوات وإذا به يجدها عند العالم كما هي فيطمئن على أن قلبه لا يزال بخير حيث حفظ ووجد العلم كما هو لم يتغير.
أما أن يأتي هكذا تفكها وتندراً، والله ما اقترب أحد من أهل العلم إلا حوسب بين يدي الله عز وجل وسُئِل أمام الله عز وجل.
إذاً: استشعار المسئولية بعد الإخلاص، هذا الاستشعار يلهب القلب، ويلهب الضمير والإحساس، حتى إنك تجد طالب العلم إذا جلس مع العالم لا يفرط في ثانية أو دقيقة فضلاً عن ساعة، ولذلك تجد العلماء يجلسون مع الناس ويحضرون، فقل أن تجد سائلاً يسأل، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا سُئِل العالم أسئلة مكررة وأسئلة فيها خلاف بين العلماء لِيرى هل هذا العالم أخذ ذات اليمين أو أخذ ذات الشمال، أو يميل إلى قول فلان أو علاّن؟ ما لهذا كان العلم، ولن يكون العلم من أجل هذا، العلم رفعة لهذه الأمة ومجد لها، ولن يكون مجداً ورفعة لهذه الأمة إلا إذا كان حملته أصحاب مبادئ، وأصحاب أسس صحيحة، أهل الدنيا يتنافسون في علومهم ويكدحون ويتعبون، وكل واحد يستشعر ما الذي يتعلمه، ودين الله عز وجل قلّ أن تجد من يرعى حرمته، فالشكوى إلى الله سبحانه وتعالى، لا يعني هذا أنه لا يوجد طلاب العلم، إنما نتكلم على الصفة الغالبة، فإذاً: الاستشعار أمر مهم جداً بعد الإخلاص.
ثالثاً: يصحب هذا الاستشعار الثقة بالله عز وجل، والثقة بالله سبحانه وتعالى هي التي تفتح لطالب العلم آفاق العلم ورحابه الواسعة بمجرد أن يضع قدمه في أي منهج أو طريق أو سبيل يقوده إلى العلم، يضع قلبه في السماء وإن كان قالبه في الأرض؛ لأنه من أولياء الله سبحانه وتعالى وتولى الله سبحانه وتعالى، يريد أن يحمل شرعه ودينه ويكون أميناً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو في منزلة شريفة كريمة.
كيف تكون الثقة بالله عز وجل؟ يبدأ طالب العلم وكله أمل في أن الله سبحانه وتعالى ينفحه برحماته: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:79]، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة:31]، من الذي علم آدم؟ ومن الذي فهم داود وسليمان؟ الله سبحانه وتعالى، الثقة بالله عز وجل، الصدر المنشرح، القلب المطمئن، النفس القوية، قوية صادقة؛ لأنها توقن أن الله سبحانه وتعالى لا يخيب من سلك هذا السبيل، وتكفل الله بالجنة لأهله لما أعد لهم من النعيم، كيف تثق بالله؟ تثق بالله أنه سيعلمك، والله ثم والله لو تعلمون كيف كان أهل العلم ممن أدركنا وعرفنا، ومما رأينا من ألطاف الله في أنفسنا يحار عقل الإنسان، العالم حينما تنظر كيف يجمع هذا العلم، وكيف يفهم هذا العلم، وكيف يرتب مسائل العلم تثق ثقة تامة أنه لا حول له ولا قوة، وأن وراءه قوة إلهية، وحفظاً إلهياً فوق ما يخطر للإنسان على بال، والله إن الإنسان يكون متعباً منهكاً مريضاً لا يفتر أن يجلس في مجلس العلم، وكأن لسانه يقاد فيما يقول وفيما يتكلم؛ لأن هذا دين الله عز وجل، وإن لم يكن العلماء أولياء الله عز وجل فمن؟ فيا طالب العلم! إذا كنت تريد أن تسلك سبيل الله عز وجل فلابد أن يكون عندك ثقة أن الله يفهمك؛ ولذلك كل طالب علم يأتي الشيطان ويقول له: أنت لا تستطيع أن تحفظ، أنت إنسان كسول خمول، ابحث عن شيء آخر غير العلم، فيثبطه عن طاعة الله عز وجل ويجعل الأمر راجع إلى ملكته، وليس راجعاً إلى فتوح الله جل جلاله الفتاح العليم الرزاق الكريم سبحانه وتعالى، لكن حينما يقول: أنا الضعيف، أنا المسكين، أنا الجاهل، أنا المقصر، وربي هو الكريم، وهو الحليم الرحيم، وأملي في الله كبير، فتح الله له أبواب رحمته: (أنا عند حسن ظن عبدي بي)، إخلاص واستشعار وثقة بالله سبحانه وتعالى، كنا جاهلين فعلمنا الله، وكنا ضلالاً فهدانا الله، والله عز وجل يقول لنبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:7]، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى:52]، يقولها لخير الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:113]، يا طالب العلم! حينما تطلب العلم وصدرك منشرح أن الله يكرمك ويعلمك، وأن الله يرحمك، وأن الأمة في حاجة إلى من يعلمها ويفهمها، فتطرح بين يدي الله عز وجل، وكان بعض العلماء يصغي بخده، ويقول: يا معلم آدم! علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، فيكون فتوح من الله سبحانه وتعالى، ولعل العبد في ساعة من الساعات يحتقر نفسه فيسمو إلى درجات الكمال، فإذا كان هناك إخلاص واستشعار بالمسئولية وثقة أخذت بالأسباب؛ من ضبط العلم وإتقانه فلا تفوتك الكلمة فضلاً عن الجملة والعبارة، وتحسّ أنك ستسد ثغراً لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن هؤلاء العلماء لا يبقون ولا يدومون، وأن سنة الله ماضية ومضت في خيرهم وخير خلق الله عز وجل وأحب رسل الله إلى الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:30]، فإذا علم الإنسان أنهم سيزولون وأنهم سيذهبون ويرتحلون، وأن الأماكن التي استنارت بعلومهم ستخلو يوماً من الأيام، وتخبو فيها شموسهم وتطفأ فيها أنوارهم، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، ثم ما خلفوه من ثقات أهل العلم الذين صحبوهم، وينبغي ألا نكون مقصرين نائمين لا نستشعر أين نحن ولا نحس أين يجب أن نكون، بل على كل إنسان أن يستنهض الهمة في نفسه.
كذلك أيضاً من الأمور التي تعين على ضبط هذا العلم وإتقانه: كثرة التكرار والترداد، طالب العلم الصادق في طلبه قد نزع الله من قلبه الدنيا وملأ قلبه بالآخرة، وثق ثقة تامة أنه لا طالب علم ولا عالم إلا بمبدأ، العلم ليس بالمظاهر وليس بالألقاب، وليس بكثرة الكتب ولا بكثرة الزينة والتعالي، وإنما هو مبادئ قيمة، وما سما العلماء إلا بمبادئهم وبصدقهم مع الله وقولهم للحق، وصدعهم بالحق، وتبليغهم لرسالة الله عز وجل، وتفانيهم في نصح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحرصهم على تعليم الجاهل وتنبيه الغافل ودلالة الحائر وإرشاد التائه، كل هذه المبادئ كانت من أسس صحيحة وهو استشعار المسئولية والتفاني فيها بالجد والاجتهاد، وإذا أراد طالب العلم أن يطلب العلم فعليه أن يتعب وأن ينصب، وأن يعلم أنه على قدر تعبه اليوم يبوأ غداً من الله سبحانه وتعالى، فمن كانت له بداية مليئة بالمصاعب والمتاعب ستكون له النهاية التي يبوئه الله فيها مبوأ صدق، العلم لا يأتي بالتشهي ولا بالتمني، ولا بالدعاوى العريضة، وهنا أنبه على مسألة مهمة جداً ينبغي على كل طالب علم أن يستشعرها، فإذا صحب العلماء أو صحب عالماً فوجد العالم يعطيه ألقاباً أكثر مما يستحق أو وجد العالم يزكيه وكأنه أخرجه من النار وأدخله الجنة، وكأنه أصبح مزكى فليعلم أن هذا هلاك للعبد، ولذلك على الإنسان أن يصحب العلماء محتقراً لنفسه مقبلاً على آخرته مجداً مجتهداً في تحصيله وضبطه وإتقانه، لا يفتر ولا ينصب في حفظ هذه الأمانة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والله كم من عيون للعلماء بكت، وكم من قلوب انكس

شرح زاد المستقنع -

باب الشجاج وكسر العظام

إن من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الحدود، حتى لا يتساهل الإنسان بدم أخيه، فلم يهمل حتى الشجة، وجعل منها ما قدر ديتها ومنها ما جعل فيها حكومة، أي: يحكم القاضي فيها وبقدرها بحيث لا تزيد على المقدر شرعاً، والشجاج يختص بما يكون في الرأس والوجه، بينما الكسر يختص بما يكون في العظام.

بيان الديات المتعلقة بالشجاج المقدرة وغير المقدرة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الشجاج وكسر العظام] هذا الباب يختص بالديات المتعلقة بالشجاج فيما ورد التقدير فيه من الشرع، وكذلك أيضاً بيان حكم كسر العظام، وما يجب فيه من الحكومة والتقديرات الواردة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم أجمعين.
قوله: (الشجاج) جمع شجة، تقول العرب: شج المفازة إذا قطعها، وأصل الشج في لغة العرب: القطع، والشجاج لا يكون إلا في الرأس والوجه، ومن هنا تختص بالجناية على الرأس والوجه، وتشمل الشجة ما كان في مقدم الرأس عند الناصية، وما كان في وسط الرأس عند الهامة، وما كان في القذال وهو آخر الرأس، وكذلك أيضاً تشمل الشجة ما كان في أعراض الرأس، مثل أن تكون في العظم الذي يلي الأذن، سواءً من الأذن اليمنى أو اليسرى، فكل هذا تقع الجناية عليه وتسمى: بالشجة، فتارة تكون جرحاً للجلدة، وتارة تنفذ من الجلدة إلى اللحم، وتارة تنفذ من اللحم إلى العظم، وتارة تكسر العظم وتهشمه، وتارة تكسره وتهشمه وتنقله، وتارة تصل إلى خريطة الدماغ، كما إذا كانت الضربة في جهة الدماغ، هذا بالنسبة للشجاج في الرأس.
كذلك في الوجه، والوجه يشمل اللحيين، والخدين، والوجنتين، وكذلك أيضاً الجبهة، واستظهر طائفة من العلماء الأنف بطرفيه، فكل هذه المواضع الجناية عليها تكون على الترتيب الذي سنذكره إن شاء الله تعالى، وفيه المقدرات الواردة في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في سنة الخلفاء الراشدين المأمور باتباع سنتهم وهديهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
وأما العظام فجمع عظم، ومراده هنا كسر العظام، أي: الجناية على العظم بكسره، فتارة تكون الجناية بهشم العظم وتارة تستفحل فتهشم العظم وتكسره، ثم ينتقل العظم بحيث ينفصل بعضه عن بعض، والعظم تارة يكون في الصدر، وتارة يكون في الذراع، وتارة يكون في الفخذ، وتارة يكون في الساق، إلى غير ذلك من المواضع التي تكون فيها العظام.
قوله: (باب الشجاج وكسر العظام) أي: في هذا الموضوع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالجناية، والاعتداء بالشجاج وكسر العظام، ثم هذه الجناية تكون عمداً وتكون خطأً، ومن أمثلتها في العمد: هي أن تحصل الخصومة بين الرجل والرجل، فيأتي والعياذ بالله! فيضربه على رأسه فيشج رأسه شجة تدميه، يعني: تسيل الدم، أو شجة حارصة أو قاشرة تقشر الجلد ولا يسيل معها الدم، وتارة تكون شجة تكشف اللحم وتصيبه، وتارة تكشفه وتصيبه وتغوص فيه، وتارة تكون الشجة بالوصول إلى العظم دون قشرته حتى تحول القشرة دونه وهي السمحاق، كل هذا يقع بالعمد.
ويقع بالخطأ مثل حوادث السيارات، فلو أنه كان يقود سيارة فانقلبت به وبمن معه، فأصابت من معه شجة قشرت جلدة رأسه، أو أدمته، يعني: سال الدم منها، أو كسرت عظامه، فهذا من الخطأ، أو طبيب يعالج، فأخطأ في علاجه فترتب على الخطأ ضرر في العضو، وحصل منه جناية من هذه الجنايات، كذلك يعتبر من الخطأ أن يقوم رجل يحمل متاعاً ثم أسقط المتاع على غيره فشجه، وقس على هذا من الصور في الأخطاء التي تقع بين الناس، وكل هذا له أحكام خاصة في العمد اختلف العلماء في بعضها، يقولون: في بعضها القصاص، وبعضها لا يتأتى فيه القصاص؛ لأننا لا نستطيع أن نفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه بالمماثلة، فمثلاً لو كانت الهاشمة: تهشم العظام، وتكسر العظام، فلا نستطيع بحال أن نضرب الجاني إذا كان متعمداً ضربة مثل ضربته بحيث تكسر نفس العظام وتصل إلى ما وصلت إليه الضربة الأولى في الجناية، ومن هنا يسقط القصاص وينتقل إلى الأرش إلى الحكومة إلى الدية، على حسب نوع الجناية، فهذه الأشياء التي سيذكرها المصنف في الشجاج تشمل عشرة أنواع، منها: الخمس التي لا تقدير فيها.
ومنها: الخمس المقدرة، فهي عشرة أنواع من الجنايات في الشجاج وما يتبعها، وهي الجائفة التي تكمل العدد العاشر، وفي بقية البدن لا تكون هذه الأشياء الخمسة التي لا تقدير فيها، كما سنبينه إن شاء الله في موضعه.

حقيقة الشجة وما تختص به وعددها وحكمها

قال رحمه الله: [الشجة الجرح في الرأس والوجه خاصة] قوله: (الشجة الجرح في الرأس والوجه خاصة) وهذا عليه جماهير السلف والخلف والأئمة رحمهم الله، وأصله قضاء الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم خصوا الشجة بالوجه والرأس، وله أصل في اللغة، ومن هنا قالوا: إن الجناية بالشجاج تختص بالضربات في الرأس والضربات في الوجه، على ما سبق بيانه، يستوي في هذا أن تكون في مقدم الرأس أو في وسطه أو في آخره، أو في جوانبه، لكن اختلف في آخر الرأس، فآخر الرأس مما يلي الرقبة وهو العظم المتدلي هل يعتبر من الرأس أو يعتبر من الرقبة؟ فالرقبة لا يعتبر فيها شجاج سواء من جهة ما أقبل أو ما أدبر، فالجناية عليها لا تأخذ حكم الجناية على الرأس والوجه، وبالنسبة للوجه يشمل ما ظهر وحصلت به المواجهة، وما كان تحت الحنك، أو تحت اللحيين، أو تحت الذقن مما لا مواجهة فيه فإنه آخذٌ حكم الوجه، ما لم يصل إلى الرقبة، فإن وصل إلى الرقبة ففيه الحكومة على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
قال: [وهي عشر]: قوله: (وهي عشر) أي: الشجات أو الشجاج، أو الجنايات المتعلقة بالرأس والوجه عشرٌ، وهذا إجمالٌ قبل البيان والتفصيل، وبينا أن المراد به استحضار الذهن وتهيئته لما يذكر بعد.
هذه العشر منقسمة إلى قسمين: الخمس الأولى: التي فيها الحكومة وليس فيها مقدر ولا دية.
والخمس الثانية: التي فيها مقدر، الخمس الأولى إذا أراد طالب العلم أن يضبطها؛ ليعلم أنها مرتبة تلو بعضها، فالمصنف رحمه الله من دقته وحسن بيانه ذكرها مرتبة، فراعى ترتيب الوقوع على حسب الجنايات.
ومن العلماء من عكس فقدم الخمس المقدرة على الخمس التي لا تقدير فيها، وهذا من باب العناية بالأهم، وهو الذي فيه مقدرٌ شرعاً، لكن طريقة المصنف أنسب وأدق في البيان والتوضيح.

الحارصة حقيقتها وحكمها

قال رحمه الله: [الحارصة وهي التي تحرص الجلد، أي: تشقه قليلاً ولا تدميه].
الحارصة، وتسمى: القاشرة، وهذه فسرها أئمة اللغة ومن يُحتج بتفسيره، كـ الأصمعي رحمه الله وغيره، حيث قالوا: هي الجرح الذي يكون في الوجه أو الرأس، يقشر الجلد ولكنه لا يخرج معه الدم، فلو أنه ضربه على رأسه ضربة قشرت جلدة الرأس ولم يخرج الدم منها، فهذه تسمى: بالحارصة وبالقاشرة، فهي أصلها من الحصر وهو الشق، يقال: حصر الثوب إذا شقه.

حقيقة الدامية وحكمها

قال رحمه الله: [ثم البازلة الدامية الدامعة وهي التي يسيل منها الدم] قوله: (ثم البازلة الدامية الدامعة) ثلاثة أسماء لها، النوع الثاني: أن يضربه على رأسه أو وجهه ضربة تقشر الجلد، ثم يخرج الدم ويسيل، فهي دامعة؛ لأن الدم يخرج ويسيل مثل دمع العين، ودامية؛ لأنها أدمته فأسالت الدم منه، والبازلة؛ لأنها بزلت الدم فأخرجته، هذه المرتبة الثانية من الجناية، الأولى تقشر الجلد، والثانية تقشر الجلد وتدمي، بمعنى: تسيل الدم.
قوله: (وهي التي يسيل منها الدم) أي: أن الدم يسيل منها قليلاً.
يلاحظ هنا في الحارصة طالت أو قصرت، يعني مثلاً: لو أنه قشر جلدة رأسه بقدر أنملتين، أو قشر جلدة رأسه بقدر أنملة، فالحكم واحد، طولها وصغرها وكبرها هذا لا تأثير له، ما لم تتعد فتنزل، فتصبح في الرأس بازلة، وفي الوجه بازلة، أو حارصة في الرأس وحارصة في الوجه، أو تكون في موضعين من الرأس فتكون فيه ضربة في شقه الأيمن من الرأس، والثاني في الشق الثاني من الرأس، وكلاهما حارصة، فهما: حارصتان.
وهكذا إذا خرج الدم من اليمنى وخرج من اليسرى فهما: بازلتان، وداميتان، ودامعتان، فإن خرج الدم من واحدة ولم يخرج من الأخرى فحارصة وبازلة.

حقيقة الباضعة وحكمها

قال رحمه الله: [ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم] هذه الدرجة الثالثة، فبعد أن قشرت جلده وأدمته بضعت اللحم، وأصل البضع القطع، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما فاطمة بضعة مني) يعني: قطعة مني، وقوله عليه الصلاة والسلام حينما سئل -كما في حديث طلق بن علي رضي الله عنه- عن مس الذكر؟ قال: (إنما هو بضعة منك) فالبضع القطع، والمِبْضَعُ هي السكين التي يقطع بها، كسكين الجراح ونحوه، فالباضعة تقطع اللحم لكنها لا تغوص فيه، يعني: تأتي إلى مشارف اللحم فتقطع فيه.

حقيقة المتلاحمة وحكمها

قال رحمه الله: [ثم المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم] قوله: (ثم المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم) المتلاحمة درجتها فوق الباضعة، والشق فيها أمكن، ويأتي بالضربات الشديدة سواءً في الوجه أو في الرأس، وسواءً في الخطأ أو في العمد، فتبضع اللحم ثم تغوص فيه، كما لو ضربه بسكين أو بآلة حادة، وغاصت هذه السكين في لحمه دون أن تصل إلى العظم فهي متلاحمة.

حقيقة السمحاق وحكمها

قال رحمه الله: [ثم السمحاق وهي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة] فإن غاصت فلا تخلو من حالتين: إما أن تغوص ولا تكشف هذه القشرة وهي السمحاق، فلا تقارب العظم.
وإما أن تكون نسبة اللحم كثيفة نوعاً ما فغاصت في نصفها أو غاصت في ثلثيها فهي متلاحمة، ما لم تنته من اللحم وتصل على مشارف العظم، هنا قشرة رقيقة أشبه بالماء أو بالزجاج حينما تظهر ترى العظم من ورائها، هذه تسمى: السمحاق، وهي فوق العظم، هذه السمحاق إذا جاوز اللحم وصل إليها، فإذا وصل إلى السمحاق فإنها درجة رابعة، وحينئذٍ يقال لها: الملطاة، ويقال لها: السمحاق، وتسمى: بالملطاة كما في مذهب الشافعية رحمهم الله، وقالوا: إنها لغة أهل الحجاز، والسمحاق: هي القشرة التي على العظم.
قال: [فهذه الخمس لا مقدر فيها بل حكومة] أي: أن هذه الخمس الجنايات لا مقدر فيها في شرع الله عز وجل، وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم تقدير في بعضها عن زيد رضي الله عنه، لكن تكلم بعض العلماء في ثبوت ذلك عن زيد، ولكن للعلماء في هذه الخمس وجهان: الوجه الأول يقول: هذه الخمس فيها الحكومة، وليس فيها تقديرٌ شرعي، وحينئذٍ نقدر هذه الجناية في المجني عليه، فننزله منزلة العبد ونقدره قبل الجناية، ثم نقدره بعد الجناية، ثم نوجب على الجاني أن يدفع الفرق بينهما.
ثم هذا التقدير يتأثر بالشين، يعني: ربما يأتي يضربه ضربة فيها حارصة فتشين وجهه، يعني: إذا شفي واندمل الجرح وبرئ تبقى آثار تشين الوجه؛ لأنها في الوجه تظهر، بخلاف ما إذا كانت في الرأس فهي مستترة، وللعلماء في هذا الشين وجهان: بعض العلماء يقول: تقدر الجناية حكومة، ثم يقدر الشين استقلالاً، يعني ينظر إلى أثر هذا الشين ويدفع له حقه فيه.
الوجه الثاني: إن هذه الخمس لها نسبة من الموضحة، إذا كان في الموضحة فيعطى خمساً من الإبل، فهذه الخمس نقسط الجناية التي دون الموضحة على حسبها، فنجعل لكل جناية من الجنايات قدراً ينزل عن حصة الخمس من الخمس، يعني: عن البعير، حتى تصل إلى حد الموضحة، والوجه الأول الذي اختاره المصنف رحمه الله أقوى، وهو أن فيه الحكومة.

حقيقة الموضحة وحكمها

قال رحمه الله: [وفي الموضحة وهي ما توضح العظم وتبرزه خمسة أبعرة] الآن انتهينا من الجلد واللحم، وننتقل إلى الجناية على العظم، فإن وقعت الجناية، ووصلت إلى العظم ولم تصبه فإنها تكون الموضحة، أما لو وصلت إلى العظم فهشمته وكسرته كسراً يسيراً أو كثيراً متفاحشاً، منحصراً في الموضع، أو متفرقاً في نفس الموضع فإنه تكون الجناية بالهاشمة، والهاشمة بعد الموضحة، والموضحة فيها خمس من الإبل.

حقيقة الهاشمة وحكمها

قال رحمه الله: [ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشرة أبعرة]: الهاشمة: توضح العظم وتهشمه، والهشم الكسر للعظم، ويقال: هشم الشيء إذا فككه وكسره، ومنه هشم الثريد، ولذلك سمي جد النبي صلى الله عليه وسلم: بـ هاشم؛ لأنه هشم الثريد للناس بمكة من كرمه فكانت مفخرة له.
الشاهد أن الهاشمة هي التي تهشم العظم في الوجه والرأس، وفيها عشر من الإبل، وللعلماء في هذه العشر وجهان: الوجه الأول: أن خمساً من العشر لكونها أوضحت العظم، والخمس الثانية؛ لأنها هشمت العظم.
الوجه الثاني: أن الهاشمة فيها عشرٌ من الإبل ولا يفصل.
فائدة الخلاف بين الوجهين: أنه لو ضربه فهشم عظمه دون أن يجرحه، يعني هشم العظم داخل الجلد دون جرح، فعلى القول الأول لا يجب عليه إلا خمس من الإبل؛ لأنه لم يقع إلا الهشم، ولم تقع الموضحة، وعلى القول الثاني يجب عليه عشرٌ من الإبل، سواء كان هناك جرح وإيضاح للعظم، أو لم يكن هناك جرحٌ وإيضاح للعظم.
الموضحة: فيها خمس من الإبل قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأصل في ذلك كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمرو بن حزم، وقد تقدم معنا وبينا أنه الكتاب الذي أجمعت الأمة على تلقيه وعلى قبوله، وضربه العلماء مثالاً للحديث الذي أغنت شهرته عن طلب إسناده، وحسن أئمة الحديث كالإمام الترمذي وغيره إسناد هذا الحديث، والعمل عند العلماء على حديث عمرو بن حزم رضي الله عنه الذي هو كتاب النبي صلى الله عليه وسلم له في الديات ومقاديرها، هذا الكتاب جاء فيه: (وفي الموضحة خمسٌ من الإبل)، وسكت عليه الصلاة والسلام عن الهاشمة، فلم يرد عنه عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يبين حكم الهاشمة، ولكن جاء عن أصحابه رضي الله عنهم، وقضى زيد بن ثابت وهو الصحابي الفقيه رضي الله عنه وأرضاه ولم يعرف له مخالف: أن الهاشمة فيها عشرٌ من الإبل، وبناءً على ذلك جرى العمل عند أئمة الإسلام سلفاً وخلفاً على هذا القول، هناك من خالف من العلماء رحمهم الله وقال: إن فيها حكومة، وذلك بأن يقدر المجني قبل الجناية ويقدر بعد الجناية -وسيأتي إن شاء الله بيان الحكومة- وهو مذهب مالك رحمه الله وغيره، والصحيح ما ذكرناه.

حقيقة المنقلة وحكمها

قال رحمه الله: [ثم المنقلة وهي ما توضح العظم وتهشمه وتنقل عظامها وفيها خمسة عشر من الإبل] قوله: (ثم المنقلة) المنَقَّلَة والمُنْقِلة هي التي تنقل العظم من مكانه، فيلاحظ أن الضرب في الهاشمة أخف من الضربة في المنقلة، فالمنقلة ضربة قوية تهشم العظم فتفصله عن بعض حتى ينتقل، ويعرف ذلك الآن عن طريق الأشعة، وكانوا في القديم يعرفون ذلك بالسبر، ويلاحظون العظم ويلاحظون انتقاله، ويكون ذلك من أهل الخبرة كالأطباء.
(خمس عشرة من الإبل) وذلك كما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمرو بن حزم، فإذا ضربه في رأسه أو ضربه في وجهه فكسر عظمه وانتقل هذا العظم المكسور، فإنه حينئذٍ يلزمه خمس عشرة من الإبل؛ لأن الكسور تكون متفاوته، فإما أنه يهشم العظم ولا ينتقل، أو يهشم العظم هشماً قوياً يفصله عما جاوره، وحينئذٍ ينتقل، فإذا حصل هذا الهشم بهذه القوة ففيه خمس عشرة من الإبل، وهذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأولون الذين سبق بيان مذهبهم يقولون: المنقلة: خمسٌ من الإبل للموضحة، وخمس من الإبل للهاشمة؛ لأنها هشمت العظم، وخمس لكون العظم انتقل، هذه خمس عشرة من الإبل يجعلونها على هذا الوجه.

حقيقة المأمومة وحكمها

قال رحمه الله: [وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثلث الدية] قوله: (وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثلث الدية) أُمُّ الشيء أصله، وأم الدماغ خريطة الدماغ، فإذا ضربه -والعياذ بالله- على دماغه ضربة أوضحت عظم الدماغ، وكشفت خريطة الدماغ، فإنها في هذه الحالة يقال لها: مأمومة، وأم الدماغ، هذه جناية، فإذا لامست الدماغ ووصلت إلى الدماغ يقولون لها: دامغة، والمصنف قال: المأمومة والدامغة.
وفي الحقيقة من العلماء من يذكر المأمومة ولا يذكر الدامغة؛ لأنهم يقولون: في الغالب إذا وصل إلى الدماغ يقتله؛ لأنها في مقتل.
وغالباً ما تحدث أضراراً توجب الديات مثل أن تخرسه -والعياذ بالله- فلا يتكلم، أو يصبح أصمّ لا يسمع، خاصة إذا جاءت على مواضع الحواس، فالشاهد عندنا أنه إذا ضربه على دماغه ضربة كشفت خريطة الدماغ، فحينئذٍ يجب عليه ثلث الدية، وهذا قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه لـ عمرو بن حزم (أن المأمومة فيها ثلث الدية).
الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة يستوي فيها الذكر والأنثى، يعني: من حيث تقدير الجناية، أما من حيث ما يجب على الجاني فالأنثى على النصف من الذكر، تقدر على الأصل الذي قررناه: أن الأنثى يكون لها النصف، ومن أهل العلم من يرى: أن عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث، وهذا في حديث السنن: (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها).

حقيقة الجائفة وحكمها

قال رحمه الله: [وفي الجائفة ثلث الدية وهي التي تصل إلى باطن الجوف] الجائفة تكون في غير الرأس والوجه، تكون جائفة في البطن، وجائفة في الصدر، وتكون الجائفة في ثغرة النحر، وتكون جائفة فيما بين السبيلين، وهذه الجائفة فيها ثلث الدية، فلو طعنه بسكين ودخلت السكين إلى جوفه فأبانت أحشاءه فهي جائفة، وهكذا لو ضربه من ظهره فأظهر عظمه فهي جائفة، ولو ضربه على صدره فأبان جوف الصدر فهي جائفة، ولو ضربه بين السبيلين فنفذ إلى مجرى البول ففيه وجهان عند العلماء رحمهم الله: من أهل العلم من قال: إنها جائفة كالضرب في جهة العجان سواءً بالذكر أو الأنثى.
قوله: (وهي التي تصل إلى باطن الجوف) باطن الجوف من جهة البطن ومن جهة الصدر ومن جهة الظهر، وغالباً ما تكون بالآلات الحادة، وممكن أن تكون بغير آلة حادة.

حكم كسر الضلع وإحدى الترقوتين

قال رحمه الله: [وفي الضلع وكل واحدة من الترقوتين بعيرٌ] (وفي الضلع) لو كَسَرَ ضلعاً من المجني عليه ففيه بعير، وهذا في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وهي سنة راشدة عمرية لا مخالف له من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أُمرنا باتباع سنته- حين كتب إلى عامله رضي الله عنه وأرضاه: أن الضلع فيه جمل، فإذا كسر أحد أضلع شخص فإنه يجب عليه ضمان الكسر بجمل، لكن لو أنه كسر هذا العظم أو هذا الضلع ثم برئ مستقيماً فلا إشكال، وإن برئ مشوهاً معوجاً ففيه وجهان للعلماء: منهم من قال: يأخذ فقط المقدر ولا شيء زائد.
والصحيح أن فيه حكومة في الشين، والحكومة في هذا تتبع الشين، وتتبع الضرر، وتتبع الألم، فلو أنه كسر الضلع أو مثلاً الترقوة فحصل شيء مثلاً في الترقوة كأن ينعقد العظم، ويصبح موضع الإصابة مثل الكرة عند الالتحام، فهذا الشين يقدر بحكومة، ينظر إليها أهل الخبرة، وسيأتي معنا الحكومة، فنقدر كم تضرر وكم نسبة هذا الضرر فيعطى حقه في ذلك.
لو حصل أيضاً ألم، حيث برئ ورجع العظم على صفته، ولكن يوجد ألم في الموضع إذا قام وإذا قعد، وإذا تنفس فينظر في هذا الألم، وقدر تضرره ويقدر له حقه.

حكم كسر الذراع والعضد والفخذ

قال رحمه الله: [وفي كسر الذراع -وهو الساعد والجامع لعظمي الزند والعضد- والفخذ والساق إذا جبر ذلك مستقيماً بعيران] قوله: (وفي كسر الذراع) لو كسر عظم الذراع، وهو العظم الجامع ما بين الزند والعضد، والزندان: هما عند مفصل الكف مع الساعد، الزند الأعلى والأسفل، فهذان العظمان الناتئان هما زندا اليد، يلي الزندين الساعد إلى المرفق، والمرفق هو الذي يرتفق به الإنسان والذي أمر الله بغسله في الوضوء وهو حد غسل اليد في الوضوء، هذا كله يسمى: بالساعد، فكسره فيما ذكر رحمه الله فيه بعيران، أي: في الساعد وفي الزند، وإذا كان الزندان فمعنى ذلك: أن فيهما أربعةَ أبعرة، وهذا له أصل من كتاب عمر رضي الله عنه أيضاً، فإنه كتب إلى عامله بذلك، ومن هنا عمل به جمهور العلماء رحمهم الله على أن فيه بعيرين.
قوله: (والفخذ والساق إذا جبر ذلك مستقيماً بغيران) يدل على أن المصنف يرجح مذهب من يقول بالحكومة في الشين والألم والضرر بعد البرءُ، يعني: إذا حصلت الجناية وانكسر العظم ننتظر إلى أن يشفى ويبرأ، فإذا شفي والتحم العظم، ننظر في هذا العظم الذي التحم، هل التحم مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا ألم معه، ولا شين؟ فحينئذٍ لا إشكال، حكمنا بهذا المقدر، وأما إذا جبر معوجاً، أو جبر وفيه شين، أو فيه ألم قُدر هذا الزائد بحقه وحكومته.
ومن نص المصنف رحمه الله على قوله: (إذا جبر ذلك مستقيماً)، وعظم الفخذ والساق ذكر فيه البعيرين كله من باب الإلحاق؛ لأن عمر رضي الله عنه لم ينص على عظم الفخذ والساق، ولكن هو في حكم عظم الساعد والزندين، والمنافع فيه كالمنافع في المفصل؛ لأنه من جنس المفاصل التي يرتفق بها.

فصول الكتاب · 92 فصل · 86 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للشنقيطي · 86 صفحة
المقدمة
مقدمة كتاب الصلاة
مقدمة كتاب الجنائز [1]
مقدمة كتاب الجنائز [2]
مقدمة كتاب الزكاة
مقدمة كتاب المناسك [1]مقدمة عن الحج وبيان أهميتهمقدمة كتاب المناسك [2]
مقدمة كتاب المناسك [3]
كتاب الجهاد [1]كتاب الجهاد [2]
كتاب الجهاد [3]
كتاب البيع [1]كتاب البيع [2]كتاب البيع [3]كتاب البيع [4]كتاب البيع [5]كتاب البيع [6]كتاب البيع [7]كتاب البيع [8]
كتاب البيع [9]
كتاب الوقف [1]كتاب الوقف [2]كتاب الوقف [3]كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [5]
كتاب الوقف [4]
كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوقف [4]كتاب الوصايا [1]كتاب الوصايا [2]كتاب الوصايا [3]
كتاب الوصايا [4]
كتاب النكاح [1]كتاب النكاح [2]كتاب النكاح [3]كتاب النكاح [4]كتاب النكاح [5]كتاب النكاح [6]
مقدمة في المحرمات في النكاح
مقدمة كتاب الطلاق [1]مقدمة كتاب الطلاق [2]مقدمة كتاب الطلاق [3]مقدمة كتاب الطلاق [4]مقدمة كتاب الطلاق [5]
مقدمة كتاب الطلاق [6]
كتاب الإيلاء [1]كتاب الإيلاء [2]كتاب الظهار [1]كتاب الظهار [2]كتاب الظهار [3]كتاب الظهار [4]كتاب الظهار [5]كتاب الظهار [6]كتاب اللعان [1]كتاب اللعان [2]كتاب اللعان [3]كتاب اللعان [4]كتاب العدد [1]كتاب العدد [2]كتاب العدد [3]كتاب العدد [4]كتاب العدد [5]كتاب العدد [6]كتاب العدد [7]كتاب الرضاع [1]كتاب الرضاع [2]كتاب النفقات [1]كتاب النفقات [2]كتاب النفقات [3]
كتاب النفقات [4]
مقدمة كتاب الجنايات [1]مقدمة مهمة تتعلق بالجنايات والقصاصمقدمة كتاب الجنايات [2]مقدمة كتاب الجنايات [3]مقدمة كتاب الجنايات [4]مقدمة كتاب الجنايات [5]مقدمة كتاب الجنايات [6]
مقدمة كتاب الجنايات [7]
مقدمة كتاب الديات [2]
حكم التنازلات التي يوقع عليها المرضى لإخلاء مسئولية الطبيبالسؤالالجوابحكم تكرار الإمام للآيات في الصلاةالسؤالالجوابباب ديات الأعضاء ومنافعها [3]دية الشعوردية شعر الرأسدية شعر اللحيةدية الحاجبيندية شعر أهداب العينينسقوط دية الشعر إذا نبتمقدار دية عين الأعورحكم الأعور إذا قلع عين الصحيحدية قطع يد الأقطعالأسئلةحكم المتعجل إذا خرج من منى قبل الغروب ثم عاد لحاجتهالسؤالالجوابحكم من تأخر في ذبح هدي التمتع إلى ما بعد أيام التشريقالسؤالالجوابسبب إلزام النبي صلى الله عليه وسلم كعباً بالفدية وهو مضطرالسؤالالجوابحكم المرأة إذا حاضت قبل طواف الإفاضة ولا تستطيع البقاءالسؤالالجوابالواجب على الصبي إذا تمتع في النسكالسؤالالجوابحكم من ترك المبيت بمنى أيام التشريقالسؤالمكان إحرام المكي لنسك القرانالسؤالالجوابحكم من رجع إلى بلده ولم يطف طواف الإفاضة ومات قبل أن يطوفالسؤالالجوابأسباب استجابة الدعاءالسؤالالجوابحكم تأخير طواف الإفاضة إلى ما بعد النصف من شهر ذي الحجةالسؤالالجوابأحكام صيام العاشر من محرمالسؤالالجوابأمور تعين على استجابة الدعاءالسؤالالجوابباب الشجاج وكسر العظامبيان الديات المتعلقة بالشجاج المقدرة وغير المقدرةحقيقة الشجة وما تختص به وعددها وحكمهاالحارصة حقيقتها وحكمهاحقيقة الدامية وحكمهاحقيقة الباضعة وحكمهاحقيقة المتلاحمة وحكمهاحقيقة السمحاق وحكمهاحقيقة الموضحة وحكمهاحقيقة الهاشمة وحكمهاحقيقة المنقلة وحكمهاحقيقة المأمومة وحكمهاحقيقة الجائفة وحكمهاحكم كسر الضلع وإحدى الترقوتينحكم كسر الذراع والعضد والفخذ
مقدمة في القسامة وما يتعلق بها من أحكاممقدمة كتاب الحدود [1]
مقدمة كتاب الحدود [2]
مقدمة كتاب الأطعمةمقدمة كتاب الأيمان [1]مقدمة كتاب الأيمان [2]
مقدمة كتاب القضاء
كتاب القاضي إلى القاضيمقدمة كتاب الشهاداتمقدمة في بيان النصاب في الشهادات ومواضع شهادة الرجل والمرأةكتاب الإقرار
جارٍ التحميل