حكم من فقد الماء أثناء ركوب الطائرة
السؤال
من أدركته الصلاة على الطائرة، ولم يجد ما يتوضأ به من الماء، ولا ما يتيمم به، فكيف يؤدي صلاته؟
الجواب
هذا فيه تفصيل: إذا كان السفر يستغرق وقت الصلاة، بحيث لا يمكن أن ينزل إلى الأرض، ويجد الماء قبل خروج الوقت فإن حكمه حكم فاقد الطهورين، وفاقد الطهورين يصلي على حاله، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فقد النبي صلى الله عليه وسلم العقد لعائشة رضي الله عنها بذات الجيش، وطلبه الصحابة رضوان الله عليه، فذهبت طائفة من الصحابة، وأبعدت، فأدركتهم الصلاة، ولم يفرض التيمم بعد، فصلوا على غير وضوء وعلى غير تيمم، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحح صلاتهم؛ لأن التيمم ما شرع بعد، فنزلت آية التيمم بسبب هذه الحادثة، ومن هنا: أخذ العلماء أن فاقد الطهورين يصلي ولا يقضي، والشرط في هذا: أن يستغرق وقت الرحلة وقت الصلاة، فمثلاً: يسافر وقت الفجر ويدركه وقت الفجر في الطائرة، ولا ينزل إلى الأرض إلا بعد طلوع الشمس، أما لو أنه نزل قبل طلوع الشمس بوقت يمكنه أن يدرك الصلاة في المطار ويتوضأ، فيجب عليه أن يؤخر الصلاة حتى يدرك الماء ويتطهر كما أمره الله عز وجل ويصلي.
وجمع الصلاتين له نفس الحكم، فلو أنه سافر وقت الظهر، وسينزل إلى الأرض في وقت العصر، فحينئذٍ يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فإذا نزل توضأ وصلى الظهر والعصر جمع تأخير، وهكذا المغرب والعشاء، لكن لو أن السفر في ساعات تستغرق وقت المغرب مع العشاء، ولا يصل إلا في وقت الفجر، فحكمه حكم الصورة الأولى التي تقدمت، فيشترط أن يستغرق وقت الفريضة كاملة، سواءً كانت مجموعة إلى غيرها، فينظر إلى وقت الثانية، أو كانت غير مجموعة فينظر إلى وقتها نفسها، والله تعالى أعلم.
حكم التسول في المساجد
السؤال
كثيراً ما نرى أناساً يقومون بعد انتهاء الصلاة فيقطعون على المصلين تسبيحهم، ويقومون بشرح ظروفهم المادية ويتسولون داخل المسجد، فهل هذا جائز؟ وهل يجوز منعهم؟ وما هو واجب إمام المسجد تجاه ذلك علماً أن كثيراً منهم يصطنعون الإعاقة؟
الجواب
بالنسبة للذي يكذب ويصطنع فلا إشكال أنه آذى المصلين في بيت الله عز وجل وكذب، وأخذ أموال الناس بالباطل، ومن سأل الناس تكثراً لم تزل المسألة فيه حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم.
والسؤال لا خير فيه ما لم يضطر إليه الإنسان لدين أو نحو ذلك؛ فإنه يسأل، أما هذا الشكل الموجود بمجرد انتهاء الناس من الصلاة يقوم ويصيح ويلغط، فالحقيقة لو مُنع هؤلاء برفق وقيل لهم: اذهبوا إلى باب المسجد، وانتظروا حتى يتصدق الناس عليكم، فالمساجد ما بنيت من أجل عرض حال المرضى وحالات المديونين، ولقد كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يربط على بطنه الحجر، ولربما صرع في المسجد، كما كان حال أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، ومع ذلك ما جعلوا المساجد لهذا.
الإشكال هو في الصياح، أما السؤال داخل المسجد لو مر على الناس وسألهم فأعطوه فجائز، لحديث علي رضي الله عنه المشهور، فيخفف فيه، ما لم يصل إلى حد الأذية.
لكن الذي نشاهده بعد السلام مباشرة والصياح واللغط فهو أمر فيه إزعاج، والأشبه أن هؤلاء يُمنعون برفق حتى لا يقع في نهي السائل، وإن كان بعض العلماء يرى أن قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:10] أن المراد به: سائل العلم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:6 - 8]، فقال: ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا)) ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:9]، ولما قال: ((وَوَجَدَكَ ضَالًّا)) قال: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ولما قال: ((وَوَجَدَكَ عَائِلًا)) قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:11]، وهذه مقابلة، والمقابلة معتبرة في نصوص الكتاب والسنة، وإذا قلنا بالمقابلة فإن السائل المقصود به سائل العلم، ولذلك لا ينهر سائل العلم، ودلت على أنه لا يجوز أذية سائل العلم؛ لأن أمره عظيم، ولذلك عاتب الله نبيه من فوق سبع سماوات بسبب الإعراض عن السائل الذي هو عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه.
فالشاهد: أن هؤلاء يشوشون على الناس ويؤذونهم، فذكر بعض الأحوال وبعض القصص، والكشف حتى عن مواضع لا يليق كشفها أمام الناس، فهذا أمر لا شك أنه مؤذٍ جداً، وإذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، فقد توسع الناس بشكل فظيع جداً، وأعجب من هذا الكذب! ذات مرة قام رجل في مسجد وشكى، ويعلم الله حينما تسمع شكواه يرق قلبك، وكان هذا بعد صلاة المغرب، ففوجئت لما جلس للسؤال، جاءني رجل -هو ليس من المدينة وإنما جاء من مدينة أخرى- جاءني رجل من جماعته، وقال: هذا الرجل يملك ثلاث عمائر بهذه الطريقة التي يكذب بها على الناس، قلت له: أناشد الله أن تصدق فيما تقول، لا تتهم الناس، قال: والله! إني لأعرفه وأعرف أولاده، اسمه فلان بن فلان الفلاني، ويسكن في المكان الفلاني من المدينة الفلانية، وولده الكبير اسمه فلان، اذهب إليه، وقل له: أنت فلان؟ وانظر! وقفت أنا، وليس من شأني هذا، ولكني تألمت جداً أن يكذب على الناس، ويأخذ أموال الناس، وذكر أشياء ليست صحيحة، فقلت: فلان! فالتفت، قال: نعم، قلت: أنت أبو فلان، قال: نعم، قلت: أنت فلان بن فلان، قال: نعم، قلت: تعال أريدك، فسألته قلت: عندك في بلد كذا وكذا عمائر، وأنت رجل غني، فتغير وجهه ولم ينكر، قلت له: الآن تترك هذا المال في مكانه، وتصرفنا معه بما ينبغي، لكن الشاهد: ثلاث عمائر يملكها، ويكذب على الناس، ويأكل أموالهم بالباطل، هذا أمر جد خطير! فلا شك أن هناك من يكذب، وهناك من يتصنع، فنسأل الله السلامة والعافية، فمثل هؤلاء لا يجوز معاونتهم على الباطل، ولا يجوز معاونتهم على الكذب على المسلمين، وأياً ما كان أوصي إخواني ألا يتعجلوا في أذية هؤلاء؛ لأن هناك فعلاً من عنده ظروف قاهرة، وهناك من ألجأته الحاجة، ولذلك يترفق الإنسان حتى لا يؤذي الصادق؛ لأن هناك أناساً هم صادقون، والسبب أن الناس تغيروا، وقل أن تجد من تسأله، حتى اضطر بعضهم إلى أن يقف أمام الناس ويسألهم، فنسأل الله العظيم للجميع التوفيق والهداية، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
شرح زاد المستقنع -
باب القطع في السرقة [3]
يشترط في قطع يد السارق أن يكون السارق قد أخرج المال من حرز، ويرجع في معرفة حرز الأموال إلى العرف؛ لأن العادة محكمة، وقد بين أهل العلم أدلة ذلك كما تراه في هذه المادة.
شروط فعل السرقة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وأن يخرجه من الحرز] أي: يشترط في وجوب قطع يد السارق: أن يكون الشيء المسروق قد أخرجه من الحرز، وهذا الشرط يتعلق بركن الفعل والأخذ، فقد تقدم معنا أن السرقة تقوم على: سارق، وشيء مسروق، وفعل للسرقة، فهذه ثلاثة أركان ذكرها العلماء رحمهم الله في تحقق ماهية السرقة، فلو وجد السارق، ولم يوجد المسروق، ولم يوجد الفعل؛ لم تقع السرقة؛، ولو وجد السارق، ووجد الشيء المسروق، ولم يوجد الفعل لم تقع السرقة، إذاً لا بد من الثلاثة الأشياء.
فأما السارق فقد تقدمت الشروط التي ينبغي توافرها فيه حتى نحكم بقطع يده.
وأما الشيء المسروق فقد تقدم أنه يشترط أن يكون قد بلغ النصاب، وأن يكون مالاً محترماً، إلى غير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.
شرع المصنف رحمه الله بهذا الشرط في فعل السرقة، وفعل السرقة يقوم على أمرين: الأمر الأول: ما يسميه العلماء: الأخذ.
والأمر الثاني: أن يكون الأخذ من الحرز.
إذاً: لا بد من وجود الأخذ، والإخراج إذا كان الشيء محرزاً في مكان، وأن يكون هذا الأخذ من الحرز، وعلى هذا فإنه يتحقق بهذين الوصفين شرط فعل السرقة المعتبر.
إذاً: لا بد من الأخذ، قالوا: فلو أنه جمع المتاع؛ فإنه لا يوصف بكونه آخذاً إلا إذا انتقل به، ولو أنه كما ذكرنا بلع المسروق، فإنه عند طائفة من العلماء لا يعتبر آخذاً له إلا إذا خرج، فإذاً: لا بد من وجود الفعل وهو الأخذ، وهذا الأخذ يشترط أن يكون من الحرز، فلو أنه أخذ من غير حرز فلا قطع، ومن هنا نص المصنف رحمه الله على اشتراط الحرز.
إخراج المال المسروق من حرزه
وأصل الحرز في لغة العرب: الحصن، وهذا حرز للمال، أي: شيء يحفظ به، والحرز ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الحرز بالمكان.
القسم الثاني: الحرز بالحافظ والمراقب.
فأما حرز المكان فهو أن يكون المكان ممتنعاً، ولا يحق لأحد أن يدخل فيه إلا بالإذن، فكل مكان انطبقت عليه هذه الصفة فهو حرز، فمثلاً: البيوت تعتبر حرزاً؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيت أحد إلا بإذنه، ولأنها تحفظ ما بداخلها، وإذا قلت: إن البيت حرز، فإنه لو دخل وأخذ شيئاً من البيت، مثل: أن يأخذ طاولة أو أواني ثم يخرج بها فهو سارق؛ لأننا نعتبر البيت حرزاً.
ومن هنا حرز المكان أن يكون حافظاً لما فيه، ولا يمكن لأحد أن يدخل فيه إلا بالإذن، ويشمل هذا البيوت والشقق أو -كما يقول المتقدمون- الدور، ويشمل أيضاً في زماننا الصناديق والخزائن والأحواش المحصنة والأسوار المغلقة التي لا يستطيع أحد أن يدخلها إلا باحتيال، وكل شيء محصن محفوظ من الأبنية فإنه حرز، وعلى هذا فإن أي بناء منع الغير من الدخول فيه أو لا يتمكن الغير من الدخول فيه إلا بإذن فإنه حرز.
ثم هناك أحراز يمكن نقلها مثل: الصناديق، فإنها تعتبر حرز مكان، والخزائن تعتبر حرز مكان، هذا القسم الأول من الحرز.
القسم الثاني من الحرز: الحرز بالحافظ، وهو أن يكون المال له عين تراقبه، كالإبل معها الراعي، والغنم والبقر معها الراعي الذي يحفظها بإذن الله عز وجل، فحرز الحافظ يكون للشيء الذي لا يشترط في الدخول فيه إذن، مثلاً: المسجد، فلو أن شخصاً سرق من المسجد شيئاً يساوي النصاب لم نقطع يده إلا إذا كان محرزاً بحارس أو أمين أو مراقب، أو سرقه من تحت الشخص، ولذلك صفوان رضي الله عنه قطعت يد سارقه؛ لأن صفوان وضع الرداء تحته، وسرق السارق رداء صفوان من تحت رأسه، ولو أنه نام والرداء تحته ثم انقلب عنه فلم يصبح تحته وجاء السارق وأخذه لم تقطع يد السارق؛ لأن المسجد ليس بحرز مكان، إذ يدخل فيه الإنسان من دون إذن، فالأماكن العامة والحدائق والمنتزهات لا تعتبر حرزاً إلا إذا كان عليها رقيب أو حارس وتمت السرقة باستغفال هذا الرقيب والحارس وأخذت خفية، فحينئذٍ يحكم بكونها سرقة، وفرق العلماء رحمهم الله بين هذين بتفريق الشرع، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن سرق الثمر من النخل لا قطع فيه، فلو أن شخصاً أخذ من فوق النخلة عرجوناً؛ فإنه لا تقطع يده، وإنما عليه ضمان هذا العرجون بمثليه ثم يعاقب، وبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم، وقال: (من أكل منه دون أن يحمل معه شيئاً فلا قطع عليه، ومن أخذ -أي: الثمر- بعد أن يؤويه الجرين ما يعدل ثمن المجن؛ قطع) فاعتبر عليه الصلاة والسلام البستان من حيث الأصل ليس حرزاً؛ لأن الغالب أنه يمكن دخوله والأخذ منه، وجعل عليه الصلاة والسلام لمن مر ببستان فأكل منه دون أن يحمل معه شيئاً؛ أنه لا شيء عليه.
إذاً: الأصل عندنا أن الحرز يكون على هذين الوجهين: الوجه الأول: إما أن يكون الحرز بالمكان، وهو الذي يكون معداً لحفظ الأشياء.
الوجه الثاني: أن يكون معداً لحفظ الأشياء مثل: الصناديق والأحوشة والأسورة المغلقة على ما فيها، ولا يستطيع أحد أن يدخل فيها إلا بإذن، فإذا تحقق هذان الوصفان؛ فإنها أمكنة تعتبر حرزاً لما فيها، فمثلاً: جاء إلى دكان -الدكان يعتبر حرزاً- ثم كسر باب هذا الدكان، وأخذ ما بداخله أو احتال على قفل الدكان فكسره ثم فتح الباب ودخل، أو جاء إلى زجاج المحل فكسره أو احتال فقصه ودخل؛ فإنه قد دخل إلى مال في حرزه.
وهكذا لو أنه جاء إلى بقالة وهي مغلقة وموصدة أبوابها فكسر أقفالها أو احتال على الدخول عليها من الأبواب التي تكون في الظهر وتكون بعيدة عن أعين الناس؛ فدخل منها بكسر الأغلاق، أو كسر تلك الأبواب أو الاحتيال على النوافذ برفعها والدخول فيها؛ فقد دخل إلى الحرز.
إذاً: هذه الأمكنة المبنية المعدة للحفظ تعتبر حرزاً، وكذلك الأمكنة التي لا يدخل إليها إلا بإذن، تعتبر حرز مكان.
يبقى
السؤال
لو كان المكان حرزاً لا يدخل فيه إلا بإذن لكن فتح بابه، فهل حكمه أثناء غلق الباب كحكمه إذا فتح بابه، والعكس؟ مثلاً: نقول: إن الشقة حرز، وإذا كان بابها مغلقاً واحتال على الباب ودخل وسرق منها فهو سارق، لكن لو أنه جاء ووجد باب الشقة مفتوحاً، فانسل خفية ودخل، فهل هو سارق؟ وجهان للعلماء رحمهم الله: الوجه الأول: منهم من اعتبر دخوله واحتياله بالدخول دون أن يشعر به أهل المحل سرقة من الحرز، ويستوي عند هؤلاء أن يكون الباب مفتوحاً أو يكون الباب مغلقاً في الأمكنة المعدة للحرز.
الوجه الثاني: من أهل العلم رحمهم الله من قال: إذا كان الباب مفتوحاً؛ فالمنبغي على أهل البيت أن يراقبوا، وأن يجعلوا أحداً يراقب، ومن هنا إذا دخل لا قطع، والمذهب الذي يقول بوجوب القطع يقول: إن هذه الأماكن في الأصل -حتى ولو كانت أبوابها مفتوحة- لا يستطيع أحد أن يدخلها إلا بإذن، والعرف جارٍ بكونها حرزاً، ولا يدخل إليها إلا بإذن.
النوع الثاني من الحرز: الحرز بالحافظ والمراد به الحارس، ومن يوضع لمراقبة الأموال، فالأشياء التي تحفظ بالرقيب إذا عدمنا المكان، أو كان الشيء في غير موضع حرز؛ فإنه يحفظ بالرقيب، فمثلاً: الإبل البقر الغنم تحفظ بالرقيب.
فالأسواق المفتوحة تحفظ بالحراس، فلو وقعت السرقة في حال عدم وجود حارس؛ فإنها ليست بسرقة؛ لأنها ليست بحرز، فليس هناك من يحفظها، والأصل في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر الحرز، وهذا أصل يدل على وجود الحفظ للمال، ونفهم من كونه عليه الصلاة والسلام يأمر بالقطع إذا وضع الثمر في الجرين، ولا يأمر بالقطع إذا أخذ من غير جرين أن هناك فرقاً بين المسألتين، وأن الأمر راجع إلى حفظ المال، وأنه متى ما كان المال سائباً أو كانت الأموال من جنس ما يكون في البراري والفيافي ونحو ذلك فحرزها بحارسها، والرقيب عليها، فإذا وجد الحارس وسرقت أثناء وجود حارس؛ فإنها سرقة.
وأما إذا أخذت دون أن يوجد حافظ أو حارس؛ فإنها ليست بسرقة.
وقوله: (وأن يخرجه) الضمير عائد إلى المال، (من الحرز) أي: من المكان الذي هو حرز لذلك المال، فكل مال ننظر فيه إلى حرز مثله، فالذهب والفضة -اللذان هما الأثمان- لهما حرز يناسبهما، فالذهب والفضة حرزها وهي نقود ليس كحرزها وهي حلي، فالحلي تحفظ في صناديق غير صناديق النقود، وتحفظ في الدكاكين في أماكن ليست كأماكن النقود، فمثلاً: محلات الذهب قد يضطر صاحب المحل أو الدكان أن يضعها في الزجاج، وهذا إذا جئت تضعها أمام الناس في زجاج فإنه يسهل كسره والأخذ منه، لكن نفس الدكان حرز وحفظ لها، فالذهب والفضة لهما طريقة يحفظان بها، والإبل والبقر لها طريقة تحفظ بها، والأغذية لها طريقة تحفظ بها، والأكسية كلها ينظر فيها إلى حرز مثلها.
قال رحمه الله: [فإن سرقه من غير حرز فلا قطع].
الفاء للتفريع (فإن سرقه) سرق المال، (من غير حرز) فلا قطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا قطع في ثمر ولا كثر)، ومن المعلوم أن الثمر فوق رءوس النخل , وقد يدخل السارق إلى البستان -والبستان يعتبر مثل السياج- فلما أسقط عليه الصلاة والسلام القطع في الثمر الذي هو على رءوس النخل، وفي الكثر الذي هو طلع الفحل، دل على أنه لا بد من وجود الحرز، بدليل أنه قال: (بعد أن يؤويه الجرين وقد بلغ ثمن المجن قطع) فاشترط عليه الصلاة والسلام الحرز، فدل على أنه إذا لم يكن حرز فلا قطع.
الضابط في معرفة حرز المال
قال رحمه الله: [وحرز المال ما العادة حفظه فيه]: أي: ما جرت العادة بحفظه في ذلك المكان، وهذه المسألة مبنية على قاعدة شرعية، تقول: (العادة محكمة)، وهذه القاعدة دلت عليها نصوص الكتاب ونصوص السنة، وأجمع العلماء رحمهم الله على حجيتها، فإن الله تعالى رد عباده إلى العرف، والعرف هو العادة، فإذا جرت العادة بشيء بين المسلمين حكمنا بهذه العادة، ويشترط دليل الكتاب، فمن أمثلة أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:228]، فرد الأمر إلى العرف، وقال تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229]، فأمر بمعاشرة النساء بما جرى به العرف.
كذلك أيضاً السنة قال صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فردها إلى العرف.
والإجماع انعقد على اعتبار القاعدة التي تقول: (العادة محكمة)، فالعلماء مجمعون على العمل بها؛ لأن الشرع أطلق في أشياء وردها إلى العرف، فمثلاً: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبضه، بماذا يتحقق القبض؟ يختلف في الطعام في المكيلات، والموزونات، والمعدودات، والمذروعات؛ فإذا ألحقناها بالطعام فهذا القبض يرجع فيه إلى العرف.
أيضاً: قال صلى الله عليه وسلم: (من أحيا أرضاً ميتة فهي لها)، بماذا يتحقق إحياء الموات؟ نرجع إلى كل عرف بحسبه، وكل زمان بحسبه، في القديم قد يكون غرس شجرة واحدة يعتبر إحياءً، وفي القديم قد يكون وضع الحجر بعضه فوق بعض دون بناء إحياء، ولكن في زماننا: في المدن الإحياء له طريقة، وفي القرى له طريقة، وهذا يدل على أن الشريعة تعتبر العرف.
ويشترط في هذا العرف: أولاً: ألا يكون مصادماً للشرع، فليس هناك عادة نحتكم إليها إذا صادمت الشرع، وذكر العلماء لهذا أمثلة: فلو جرت العادة بمحرم كشرب المحرمات، لا نقول: إن العادة محكمة، فيجوز شرب المحرمات، وكذلك: لو جرت العادة بحلق اللحية لا نقول: يجوز حلق اللحية؛ لأن العادة جرت بها، فيشترط ألا تصادم العادة الشرع، ومن هنا قالوا: وليس بالمفيد جري العيد بخلف أمر المبدئ المعيد فإذا كانت العادة تخالف الشرع رددناها وعملنا بالشرع؛ لأن الله يحكم ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى.
ثانيا: ً أن تكون هذه العادة منضبطة، وكذلك تكون في الغالب أو الأكثر على خلاف عند العلماء فيما هو غالب أو أكثر.
الشاهد: أننا نرجع في العادة إلى قول أهل الخبرة، فإذا كان المال المسروق من البهائم سألنا أهل البهائم، كيف تحفظون بهائمكم؟ فالحفظ في القرى ليس كالحفظ في المدن، فإذا قالوا: نحن عندنا في بيئتنا أننا نضعها في الأحواش، وأن من يريد حفظ غنمه يضعها في هذه الأحواش، فوجدنا السرقة تمت من هذا المكان الذي يعتبر في العادة حرزاً لمثل هذا المال؛ فحينئذٍ يقطع السارق.
كذلك أيضاً: لو جرت السرقة في السوق، فسرق طعاماً من سوق الأطعمة، فنسأل أهل هذا السوق: ما هي عادتكم في حفظ هذا المال؟ فإذا قالوا: عادتنا أنه إذا جاء المزارع بهذا الطعام نفعل به كذا، ونحفظه في كذا، فحينئذٍ نعتبر الحرز الذي جرت به العادة، فيقول رحمه الله: (ما العادة بحفظه) أي: ما جرت العادة بحفظه، فالحرز نحتكم فيه إلى العرف والعادة، ومن هنا قالوا: يختلف باختلاف الزمان، والمكان واختلاف الجور والعدل في الأزمنة، فإذا كان الزمان زمان عدل فإن أقل حفظ حرز.
وإذا كان الزمان زمان فساد وجور وظلم، يحتاج الناس إلى حرز أمين، ولذلك بين العلماء والأئمة رحمهم الله اختلافه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
اختلاف الحرز باختلاف المال
قال رحمه الله: [ويختلف باختلاف الأموال].
أي: الشيء المحفوظ، فمثلاً: شخص يريد أن يحفظ ذهباً أو فضة ليس كالذي يريد أن يحفظ الخشب، فتاجر الخشب جرت العادة أنه يضع خشبه في داخل أحوشة مغلقة، وتاجر الحديد يضع الحديد في أحوشة مغلقة تكون حرزاً لها، فجرت العادة بهذا، لكن تاجر الذهب له طريقة أخرى، فهو له دكاكين معينة، ثم أيضاً هذه الدكاكين فيها مواضع مخصوصة يضع فيها الذهب أو طريقة معينة يضع الذهب فيها عند العرض للناس، ويضع فيها الذهب عن انتهاء عمله أو خروجه من عمله، فإذاً: نرجع إلى كل عرف بحسبه، فقال رحمه الله: (ويختلف باختلاف الأموال) يختلف بسبب اختلاف نوعية الأموال، فعندنا الذهب مال، والفضة مال، والطعام مال، والبهائم مال، والمعادن مال، وكل شيء له قيمة يعتبر مالاً.
قال رحمه الله: [والبلدان].
بعض البلدان يكون الحرز فيها يحتاج إلى قوة، والإمكانات متوفرة وآلات الحرز موجودة، فحينئذ نطالبه بحرز يتناسب مع بيئته، لكن لو كان في بيئة ضعيفة لا يتيسر فيها الإمكانات لحفظ الأموال، حافظها على قدر استطاعته، ونعتبره حرزاً؛ لأن عرفه يتناسب مع هذا الحرز، فكل بلد وما جرت عادتهم بحفظ المال به.
قال رحمه الله: [وعدل السلطان].
أي: إذا كان السلطان عادلاً فإن الحرز يكون خفيفاً، وذلك أن الناس إذا أخذوا بالعدل استقامت أمورهم، ويحصل عند الناس خوف من الله عز وجل، ويأمن الناس بعضهم بعضاً؛ لأنه يحس أن له مثل الذي عليه، وحينئذ يأمن الناس، ولا يلتفت بعضهم إلى مال الآخر من أجل أذيته والإضرار به، والعكس، فإنه إذا حصل الجور، وكان الزمان زمان جور تنافسوا -والعياذ بالله- في الجور، فإذا أخذ الناس بسلطان العدل الذي قامت عليه بالسماوات والأرض واستقامت عليه أمور الدنيا ولا تستقيم إلا به؛ فإن أمورهم تستتب، ولربما وضع الرجل قماشاً على باب محله وبداخله من المجوهرات والخيرات ما الله به عليم! ولكن الله عز وجل يصرف النفوس عن الفساد، ويصرفها عن الأذية والضرر، ولذلك أزمنة الفتنة تنساق النفوس -والعياذ بالله- فيها إلى الفساد والأذية والإضرار والبطش والسوء حتى إن الناس كأنهم قد سلبوا -والعياذ بالله- عقولهم، وكأن الله إذا أراد بقوم فتنة سلبهم عقولهم؛ فعاثوا وعاثت بهم الشياطين والعياذ بالله، وعندها يكون بطن الأرض خير من ظاهرها، وهذا في أزمنة الجور والظلم، ولذلك تجد أهل الجور يتنافسون في الفساد.
أما إذا غلب العدل تنافس الناس في الخير، فهم تبع لهذا المؤثر بعد الله سبحانه وتعالى، فكونهم مأخوذين بالعدل أو مأخوذين بالجور له أثر، ففي أزمنة الجور يكون الحفظ أشد، والحرز أقوى، وأما في أزمنة العدل فإن الأمر يكون أخف، ولذلك جاءت كنوز كسرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة، فوضعها رضي الله عنه وأرضاه في المسجد، حتى أن المسجد أضاء في ظلمة الليل من كثرة ما فيه من المجوهرات والنفائس، فلما رآها بكى رضي الله عنه وقال: (إن أناساً أدوا هذا لأمناء)، ووضعوا عليها القماش، وكان الناس في زمان عمر رضي الله عنه -وهو زمان الخلافة الراشدة- راضين مطمئنين مأخوذين بالعدل؛ ولذلك كان عمر رضي الله عنه يضعها في المسجد، فما احتاج أن يضعها في أغلاق، وكان الرجل يسافر بهذا المال حين يبعثه قائد المسلمين بالفتح، فيرسل القافلة وهي مليئة بالأموال والمجوهرات، ويستطيع الرجل منهم -وحاشاه- أن يسرق أو يخبئ أو يغل منها ما شاء، ولكن أبى الله عز وجل إلا أن يكونوا أمناء؛ لأنهم تربوا في مدرسة النبوة على يد رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، الذي عرف منذ صغره بالأمانة، بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
زمان العدل يخف فيه الجور والتعدي على أموال الناس، ومن هنا ينظر في كل زمان بحسبه، وفي كل مكان بحسبه، وفي كل مال بحسبه.
ومن مسائل الاختلاف أن يختلف الحكم باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، فهذه منها مسألة الحرز في الأموال.
قال رحمه الله: [وجوره].
إذا كان عدلاً أو كان جائراً.
قال رحمه الله: [وقوته وضعفه].
إذا كان قوياً فإن الناس تهاب وتخاف، حتى بلغ ببعض الولاة -من قوته- أن الناس كانوا إذا رءوا المال المسروق في زمانه هربوا عنه، فإذا أخذ الناس بالقوة والحزم في البطش والسرقة والتعدي على أموال الناس، فإن الناس يأخذهم من الخوف والرعب الشيء العظيم، حتى إن الرجل لو رأى مالاً مسروقاً فر عنه، ولربما غير الطريق الذي يسير فيه، وجاء عن بعضهم أنه مر على كيس من الطعام ثم ذهب إلى الوالي -وكان معروفاً بالحزم- فقال له: إني وجدت كيساً من الطعام فيه كذا، قال: ما أدراك بما فيه! حللته فككته؟ قال: لا، ولكني تحسسته بأصبعي، قال: اقطعوا أصبعه! وهذا نوع من الإسراف في الحزم، لكن إذا أخذ الناس بالقوة احتاطوا لأنفسهم، فأزمنة الجور يعظم فيها الفساد، وهكذا أخذ السلطان للناس بالقوة يكفهم عن أخذ الأموال، وحينئذ يعتبر أيسر شيء حفظ للأموال، حتى إن الرجل لربما وضع أبسط الأشياء على ماله لكي يحفظه ويعتبر في العرف قد حفظه وصانه، ويعلم الناس أنه محفوظ، والعكس بالعكس، إذا أصبحت أزمنة فساد؛ فإنه لا يغني فيها الأغلاق، ولربما لا يغني فيها البناء، إلا إذا كان على صفة مخصوصة، مثلاً في بعض المدن تكثر السرقة حتى يصبح الشخص لو وضع المال داخل بناء لا يكفي، ما لم يضع عليه أجهزة تراقبه، أو يستخدم الأشياء الحديثة من أجل حفظ أي اعتداء أو الانتباه لأي داخل ومع ذلك تحدث السرقة! فإذاً: لا بد من النظر لكل عرف ولكل بيئة بحسبها.
من أمثلة حروز الأموال
قال رحمه الله: [فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة].
فقوله: (وحرز الأموال).
أي: الأثمان من الذهب والفضة لا بد أن تكون في الأغلاق، أي: داخل الصناديق المغلقة، ووراء البناء، فلو أنه وضع الذهب في صندوق وأبرزه للناس، فإنه ليس بحرز، لكن لو يدخله في بيته، أو دكانه فإنه يكون داخل الحرز، وهو الصندوق، ولذلك جرى العرف عندنا الآن أن الشخص لو دخل على بائع وعنده أموال فإنه يجد صندوقاً مخصوصاً للأموال، ويجد خزنة للدكان والبقالة وللمتجر، فهذه الأموال محفوظة وراء الدور الذي هو البناء، وداخل الأغلاق؛ فلو أنه وضع المال داخل الدكان بدون غلق، ففي هذه الحالة لا يعتبر حرزاً إذا جاء السارق وسرق، ولو أنه أخرج الأموال من الصندوق أو من الخزنة ووضعها على الطاولة؛ ثم جاء السارق وسرقها فإنه لا يعتبر آخذاً من حرز.
إذاًَ: لا بد من أمرين: أن يكون في الأغلاق التي هي الصناديق المغلقة، وأن تكون وراء الجدران، أي: في الدور أو في الدكاكين.
وقوله:) والجواهر) كذلك؛ لأن الأموال تدعو النفوس إلى حفظها، وجبلت النفوس على حفظها، والجواهر لربما كانت أغلى من الذهب والفضة، ومن هنا من كان عنده ألماس لا يضعها في بيته، إنما يبحث عن مكان أمين يضع فيه الألماس، ولو وضعها في بيته لا يضعها في درج مكتبه، ولا يضعها مثلاً في كيس في غرفته، إنما يضعها في خزنة تحفظ هذا المال النفيس، أو يضعها في صندوق قوي محكم يغلقه على هذا المال، فكل مال بحسبه، والجواهر تحتاج إلى صيانة أكثر من الذهب والفضة في بعض الأحوال، والذهب والفضة في بعض الأحيان يحتاج إلى صيانة أكثر، ومن هنا نبه المصنف على اختلاف الأموال واختلاف الأحوال.
وقوله: (والقماش) مثلاً: تاجر عنده أقمشة؛ فإنه يضعها داخل الدكان ويغلق عليها دكانه، فلا بد أن تكون في حرز ومغلق عليها.
وقوله: (في الدور) هذا الحرز الأول.
وقوله: (والدكاكين) دكاكين القماش حرز للقماش الذي فيها.
وقوله: (والعمران) القماش داخل المدينة ليس كالقماش خارج المدينة، فإذا كان داخل المدينة يكون داخل الدكان، وداخل البناء، وإذا كان خارج المدينة فلا بد أن يبحث عن حرز يحفظه به، فلو أنه كانت عنده (بسطة)، وليس عنده دكان، وجاء شخص وسرقها، فإنه لا تقطع يده إلا إذا كان هناك رقيب، ونحن هنا نتكلم عن الحرز بالمكان، ولا نتكلم عن الحرز بالنظر، فلو كان القماش تحت عين الرقيب، وجاء وسرق من تحت عين الرقيب؛ فإنه في هذه الحالة يعتبر سارقاً.
وقوله: (وراء الأبواب) إذا كانت في بناء تكون وراء الأبواب ووراء النوافذ المغلقة.
وقوله: (والأغلاق الوثيقة) هي الخزنة، فمثلاً: النقود في المحل توضع داخل خزنة، فلو أن سارقاً سرقها من غير الخزنة دون حافظ ولا رقيب لها، لم تقطع يده؛ لأن هذا إهمال وتسيب، والإهمال والتسيب ليس فيه حرز على وجه.
قال رحمه الله: [وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما وراء الشرائج إذا كان في السوق حارس].
انتقل هنا إلى النوع الثاني وهو قضية الحرز بالحافظ، والحافظ هو الحارس الذي يراقب المال، فمثلاً: أكيسة فيها أطعمة، مثلاً: أسواق الفواكه أسواق الخضار أسواق التمر ونحو ذلك، فهذه حرزها إذا كانت تحت مراقبة الحارس؛ فإذا وجد حارس يراقبها وجاء السارق وسرق؛ فإنه في هذه الحالة قد أخذ من حرز، وأما إذا كانت هذه الأشياء موضوعة أو بائعها انصرف وتركها أو انشغل عنها وتركها؛ فليست في حرز، وحينئذ لا يثبت القطع.
قال رحمه الله: [وحرز الحطب والخشب الحظائر].
جمع حظيرة، وأصلها تكون للحيوانات والبهائم، وجرت العادة أن الذي يبيع الحطب والفحم في القديم يضعها في الحظائر، فيأتون -مثلاً- بجريد النخل، ويكونون منه سياجاً على محل البيع، فتكون هذا السياج بمثابة السور في البناء، وجرت العادة أن مثل هذا يحفظ الحطب والفحم ونحو ذلك، وعبر به المصنف كنوع من الأنواع التي تحفظ بها الأموال، بطريقة غير الطريقة الأولى؛ لأن الطريقة الأولى بالبناء، وهذا لا بناء فيه، فعبر رحمه الله بهذا تنبيهاً على نوع من أنواع الحرز، وهذه الأشياء ضعيفة بالنسبة للبناء، أي: إذا جئت تنظر إلى الحرز بالحظائر فهو أخف من الحرز الذي بالبناء، مع أنها تكون محكمة، وتكون قوية في بعض الأحيان، ولا يستطيع أحد أن يدخل منها، لكن قد يكون الولوج عن طريق الحظائر أخف من الولوج عن طريق البناء، ومع هذا تعتبر الحظائر حرزاً، فإذا جرت العادة أنها تحفظ في مثل هذه الحظائر فهي حرز، فلو سرق كيساً من الفحم وهذا الكيس تعادل قيمته النصاب، وكان من داخل حرز مثله؛ قطع، وإلا فلا.
قال رحمه الله: [وحرز المواشي الصير].
الصيرة تحفظ المواشي بإذن الله عز وجل، وهذا إذا كانت في معاطنها كالإبل والبقر والغنم فإنها توضع في الصيران وتحفظ، لكن إذا كانت سائمة وراعية؛ فإنها تكون بالراعي إذا كان معها راعيها وحافظها فإنه حرز لها، وهذا حرز الحافظ.
قال رحمه الله: [وحرزها في المرعى بالراعي].
لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق في الإبل -كما في حديث السنن- بين حبيسة الجبل وبين ما أخذ منها من معطن، فما أخذ من المعاطن أخذ من الحرز إذا كانت محفوظة، وما أخذ من البراري دون أن يكون عليها رقيب فلم تؤخذ من حرز، فلا قطع.
وعند العلماء تفصيل في المطولات بالنسبة للإبل والغنم والبقر، فكل هذه البهائم إذا رعت فلها طرق مختلفة، فتارة تسرق أثناء سيرها إلى المرعى، وتارة تسرق أثناء قيامها بالرعي، فالحافظ الذي معها إذا كانت عينه على مجموعها؛ فإنه حرز، سواء أخذ من أطرافها أو أخذ من وسطها إذا كانت مجتمعة في وادٍ وهو قائم عليها يراقبها.
لكن إذا كانت سائرة إلى المرعى فبعض العلماء يرى القاطرة حرزاً إذا كان قد أخذ بالفحل؛ لأن الفحل تسير وراءه الإبل، أو حصلت السرقة من آخرها فهي سرقة، يعني: يعتبر بالخط الواحد للبهائم ولو كانت عشرة أو عشرين، هب أنها تسير وهي تبع لقائدها، وقائدها عينه عليها، لكنه تتناوب عينه على الأول والثاني والثالث، وأثناء تناوب عينه على أولها سرق السارق من آخرها، فيكون قد سرق من حرز؛ لأنه في هذه الحالة تحت النظر، وإذا قلنا: تحت النظر فلا يشترط أن يكون النظر محدداً للكل، إنما الكل بمثابة المال الواحد، ففي هذه الحالة تقطع يده، ويفرقون في المطولات بين كونها مسروقة من قاطرة الإبل أو قطيع الغنم أو قطيع البقر، في أثناء مشيه أو في أثناء رعيه.
قال رحمه الله: [ونظره إليها غالباً].
هذا هو حرز النظر، فيكون مراقباً لهذا المال، ولا يكون أحد حارساً ولا حافظاً إلا بالمراقبة غالباً، أي: يعني في غالب الحال، لكن لربما ينصرف نظره لشيء يسير فينظر إليه، ثم فجأة ينظر أمامه حتى ينظر الطريق الذي تسير إليه، وينظر إلى الشمس، ونحو هذا، لكن الغالب أن نظره عليها.
وعلى هذا: إذا وجدت مع الحارس على الصفة المعتبرة من كونه حافظاً ومراقباً عليها؛ فإنه إن وقعت السرقة قطع السارق، ونعتبر وجود الحارس حرزاً لهذا المال.
الأسئلة
حرز السيارات
السؤال
كيف يكون حرز السيارات؟
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فنحن وضعنا الضابط، العلماء رحمهم الله في باب السرقة تكلموا كلاماً طويلاً جداً في مسألة الحرز، والسبب في هذا أنهم يتكلمون في زمانهم، والحرز يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وبالنسبة للسيارات فيكون على حسب العرف.
السيارة من حيث الأصل: إذا كانت -مثلاً- موضوعة في (كراجها) في البيت، ومغلق عليها، فجاء شخص وكسر الغلق، ثم سرقها فهو سارق، وفي هذه الحالة يكون قد أخذها من الحرز، وانطبقت عليه شروط السرقة؛ فتقطع يده.
أما إذا كانت السيارة معروضة للبيع في المعرض، فننظر إلى البناء الموجود، فإذا كانت داخل حوش المعرض فجاء وتسور الحوش، أو احتال ودخل الحوش، ثم سرقها فهو سارق؛ لأن العبرة بالأخذ من الحرز، أما إذا كان المعرض مفتوحاً، والناس تدخل وتخرج فحينئذ يعتبر الحافظ والمراقب.
إذاً: ينظر في الأحوال بحسب اختلافها.
لكن هنا مسألة: يشترط أن تكون السيارة في الحرز، لكن إذا سرق شيئاً من السيارة فهناك فرق بين أن يسرق السيارة وبين أن يسرق من السيارة، فلو أنه كسر زجاج السيارة وأخذ المسجل منها فهو سارق؛ لأن مسجل السيارة يحفظ فيها، وقد جرت العادة أنه محفوظ بغلق باب السيارة، وقفل الزجاج، فإذا اعتدى على هذا الزجاج وكسره أو عبث في مفتاح السيارة حتى فتحها ثم دخل وأخذ المسجل؛ فإنه قد أخذه من حرزه، فالمسجل مربوط ومتصل بالسيارة، وحرزه هذا الرباط، مثل: حرز الأغلاق؛ لأنه موثق ومضبوط وموضوع في السيارة، فلو سرق مركبة السيارة وكانت تساوي نصاباً قطع، لكن لو أن صاحبها تركها مفتوحة فجاء هذا وفتحها فحينئذ نعتبره إهمالاً من صاحب السيارة، ولا يتحقق في ذلك معنى الحرز، والله تعالى أعلم.
حكم نقض الوتر بصلاة بعده
السؤال
أشكل عليّ من أراد أن يصلي في الليل هل يسلم مع الإمام في التراويح حتى يكسب قيام ليله أم يشفع الوتر بركعة حتى يصلي في آخر الليل، وتكون صلاته آخر الليل وتراً؟
الجواب
الذي يظهر -والعلم عند الله- أن أقوى الأقوال في هذه المسألة أنه يسلم مع الإمام، ويصيب فضيلة من قام مع الإمام حتى ينصرف، ثم ينتظر إلى آخر الليل ويأتي بركعة ينقض بها الوتر، ولذلك أصل في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل الوتر ناقضاً للوتر، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا وتران في ليلة)، فقوله: (لا وتران في ليلة) يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يقتصر على الوترين، وهذا يدل على أن الوتر الثاني ينقض الوتر الأول.
ومن هنا: يجوز له أن يوتر وترين للحاجة ثم يوتر الوتر الأخير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه تأخير الوتر إلى السحر، وفعل ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ فإنه كان إذا صلى الوتر أول الليل قام آخر الليل فصلى ركعة نقض بها الوتر الأول ثم صلى ما شاء ثم أوتر، وهذا هو الأشبه لما فيه من موافقة السنة.
أما كونه بعد سلام الإمام يقوم ويأتي بركعة فهذا فيه إشكالات: أولاً: لأنه يدخل مع الإمام بنية المخالفة في العدد، وفرق بين المخالفة في النية فرضاً ونفلاً وبين المخالفة في صورة الصلاة، والمخالفة في صورة الصلاة مؤثرة؛ ولذلك جماهير العلماء والأئمة من السلف رحمهم الله -حتى على مذهب الأئمة الأربعة- لم يصححوا صلاة المغرب وراء العشاء لاختلاف صورة الصلاتين، وحينئذٍ سيدخل بثنائية وراء فردية فيضطر إلى الجلوس بالتشهد ولا يعرف في الشرع الجلوس بين ركعتين في ثنائية، إنما يكون الجلوس في آخر الثنائية أو يكون في آخر الوترية إذا كانت واحدة.
ثانياً: سيستبيح الدعاء بعد الركعة الأولى وهو يعلم أنه سيصلي ركعتين، فإذا قال قائل: إن هذا كان لمكان المتابعة، فنقول له: إذاً: يتابع الإمام على الحقيقة، فيسلم مع الإمام، والقول بأنه بعد سلام الإمام يأتي بركعة، يقول به بعض العلماء، والصحيح أنه يسلم مع الإمام تحقيقاً للمتابعة وإعمالاً للأصل وخروجاً من المخالفة؛ لأنه يفعل أموراً لا تعرف في سنن الصلاة الشرعية من الجلوس بين الركعتين، وإحداث الدعاء في الركعة الأولى، وإنما عرف في الشرع القنوت في الثنائية بعد الثانية وليس بعد الأولى إذا كانت ثنائية، أو القنوت بعد الأولى كما في الوتر، الأول كما في الفجر، والثاني كما في الوتر، وحينئذ يخرج عن سنن الصلاة، فلو قال قائل: هذا للمتابعة، نقول: نعم، هذا في الفريضة حينما يلزم، ولكن هنا ليس بملزم، وبإمكانه أن يحقق الموافقة في الشرع بالتسليم مع الإمام، وخاصة وأنه يحوز على فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، والله تعالى أعلم.
صلاة التراويح في البيت
السؤال
هل إذا قمت في ليالي رمضان منفرداً في بيتي يكتب لي قيام ليلة، وإذا كان ذلك فكيف أجمع هذا مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)؟
الجواب
لا يكتب للإنسان أنه قام ليلة إلا إذا استتم القيام كاملاً لليلة، هذا بالنسبة إذا كنت تريد أن تحيي الليل، مثل: العشر الأواخر إذا أحييتها بالصلاة، لكن فضيلة الصلاة مع الأئمة جاء لها استثناء، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكثر المأمومين وراء أئمتهم فقال: (من قام مع إمامه حتى ينصرف) وهذا الحديث المقصود به أن يبقى المأمومون وراء أئمتهم، فلا يأتِ إنسان ويقول: لدينا إمام أول وإمام ثانٍ، فإذا انصرف الأول انصرفنا معه.
هل يعرف في زمان النبي صلى الله عليه وسلم إمامان؟ إذاً: الأصل أن ننظر ماذا قصد الشرع؟ هل قصد الصورة أم قصد المعنى؟ بل قصد المعنى وهو: أن نقوم مع الأئمة ولا ننصرف عنهم، ويقولون: استنباط المعنى من النص الذي يعود بإلغاء معنى النص باطل، فمقصود الشرع أن تقوم مع الإمام حتى ينصرف، فخرج مخرج الغالب، ففي زمان النبي صلى الله عليه وسلم الغالب فيه أن يؤم إمام واحد، وعلى هذا لو جاء يستنبط من هذا النص: أن ينصرف مع الإمام حتى في أول الصلاة فإنه سيلغي معنى النص؛ لأن معنى النص المراد به التكثير، لماذا قيل: (من قام مع إمامه)؟ هل جاء لصورة أم جاء لمعنى؟ بل جاء لمعنى وهو: الحرص على متابعة الأئمة والحرص على الصلاة معهم.
فقوله: (من قام مع إمامه) المراد به: أن يقوم مع إمامه إلى أن ينصرف، فإذا ثبت هذا؛ فإن هذا المعنى موجود في الجماعة، وليس موجوداً في الفرد؛ لأن الفرد ليس له إمام، وليس هناك إمام يريد أن يتابعه فيكثر سواده؛ لأن الصلاة صلاة نافلة، ولذلك ورد الترغيب فيها بهذا المعنى، فإذا أراد قيام الليلة وكان يريد أن يحصل الفضيلة فليصلِّ مع الجماعة.
لكن السؤال هل الأفضل أن يصلي مع الجماعة أول الليل أم الأفضل أن يصلي في بيته وحده ويحيي آخر الليل؟ الأشبه أن صلاته في بيته -إذا كان حافظاً للقرآن خاشعاً مخلصاً ويتأثر ويضبط القرآن، ويعطي للقرآن حقوقه- أفضل؛ ولذلك عمر رضي الله عنه ترك الجماعة، وكان يمر عليهم ويقول: (نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل)، وهو الذي أمرهم أن يجتمعوا، لكن ينقسم الناس إلى قادر وغير قادر، فعامة الناس في غالب أحوالهم لا يقدرون أن يقوموا السحر وآخر الليل، ومن هنا جعل التراويح لهم في أول الليل ولكن قال: (والتي ينامون عنها أفضل)، فهم في حال حسن، وهناك ما هو أحسن وأكمل، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا بقوله: (صلوا في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، فالأفضل والأكمل أن يصلي في بيته بالصفات التي ذكرناها: أن يكون قادراً على إحياء آخر الليل بالقرآن، قادراً على القيام في آخر الليل، لأن ذلك يكون أخشع لقلبه، وأكثر تأثراً، وقد يصلي مع جماعة وإمامه يسرع في القراءة، ولا يستطيع أن يتدبر القرآن كما ينبغي، ولكن إذا خلى بربه وخلى في بيته وقرأ القرآن بورك له في قراءة القرآن في بيته، وبورك له في نفسه، وبورك له حتى في البيت الذي يقرأ فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، فإن الله جاعل له من صلاته في بيته خيراً)، هذا بالنسبة لمن يقدر.
أما إذا كان ضعيفاً أو كان لا يستطيع أن يقوم آخر الليل، فيحرص على أن يقوم مع الجماعة، وهذا هو الأشبه.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف) له أن ينوي في قرارة قلبه أن يحصل على الفضيلة لوحده حتى يكتب له الأجر بالنية، والله تعالى أعلم.
مدة القصر في السفر
السؤال
ما هي المدة التي يقصر فيها المسافر؟ ومتى يعتبر المسافر مقيماً؟
الجواب
المدة التي يقصر فيها المسافر أن يكون ناوياً للجلوس أقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، فإذا نوى أن يجلس أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج لزمه الإتمام من أول وصوله إلى المدينة، فلو سافر من مكة إلى الرياض وفي نيته أن يجلس السبت والأحد والإثنين والثلاثاء، ثم يسافر الأربعاء وكان سفره يوم الجمعة فمكث السبت والأحد والإثنين والثلاثاء، لزمه الإتمام عند وصوله إلى الرياض، وحكمه حكم المقيم بالوصول.
وأما إذا قدم إلى الرياض وهو لا يدري كم سيجلس، ولا يدري كم المدة، فإنه يقصر مدة جلوسه ولو طال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك كان ينتظر العين، فأرسل عيونه، وكانت تبوك ماء من مياه العرب، لم تكن مدينة كحالها اليوم، ولا قرية وإنما كانت ماء من مياه العرب، ونزل عليه الصلاة والسلام فأرسل عيونه ولا يشك أحد -وهذا يعرفه أهل السير- أنه لا يدري هل سيبقى يوماً أو يومين أو ثلاثة؛ لأنه أرسل عيونه لينظروا جيش بني الأصفر -وهم الروم- هل عندهم نية لغزو النبي صلى الله عليه وسلم أو لا، وهذا أمر يستغرق وقتاً طويلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدري متى يرجعون، قد يكون أرسل عينه ثم يأتيه العين اليوم الثاني ويقول: هم على ماء كذا، أو هم قد خرجوا على موضع كذا، ومن المعلوم أن بين تبوك والشام مفاوز، ولذلك لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً كم سيمكث.
وجمهور العلماء والأئمة كلهم يحتجون بهذا الحديث على أنه إذا لم يعلم مدة مقامه أنه يقصر، وأن حديث تبوك ليس من التحديد في الشيء؛ لأن البعض يظن أنه دليل على أنه يقصر الصلاة لو نوى سبعة عشر يوماً، وهذا ليس بصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم المدة التي سيمكثها في تبوك؛ لأنه أرسل عينه، والعين قد يأتيه بالخبر اليوم أو بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة، فهذه الحالة الأولى للمسافر.
الحالة الثانية: أن يكون ناوياً لأقل من أربعة أيام؛ فإنه يقصر ولا بأس ولا حرج أن يصلي الرباعية ثنائية ولو في منزله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في ذلك كما في الصحيح في قصة مسجد الخيف، وهذا بالنسبة للمدة التي تقصر فيها الصلاة: أن تكون أقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج أو لا يعلم المدة التي سيمكثها؛ ولذلك مكث أنس بن مالك رضي الله عنه في فتح تستر أكثر من ثلاثة أشهر وهو يقصر الصلاة؛ لأن الثلج حبسهم.
والأصل عند جمهور العلماء رحمهم الله أن المدة محددة، والدليل على تحديد الأربعة الأيام: حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمهاجرين أن يبقوا في مكة ثلاثة أيام)، فدلت هذه السنة على أن المسافر ينتقل من كونه مسافراً إلى كونه مقيماً في اليوم الرابع؛ لأنه رخص لهم ثلاثة أيام، وهم قد تركوا مكة لله، والمهاجر لا يجوز له أن يرجع إلى بلده فيقيم بها، فلما أجاز لهم ثلاثة أيام ومنعهم من اليوم الرابع دل على أنهم في اليوم الرابع يكونون في حكم المقيم.
وعلى هذا؛ فإنه يحدد بهذا القدر من الأيام غير يوم الدخول والخروج، فلو سافر يوم الجمعة ووصل يوم الجمعة ويسافر يوم الأربعاء، فحينئذٍ تتحقق المدة، لكن لو كان يصل يوم السبت، ويسافر الأربعاء؛ فإنها ثلاثة أيام، فيقصر، فالعبرة بإلغاء يوم الدخول ويوم الخروج حتى تتمحض هذه المدة على ظاهر السنة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
شرح زاد المستقنع -
باب القطع في السرقة [4]
من الشروط في إقامة الحد على السارق: أن تنتفي الشبهة في المال المسروق، وهناك أصناف من الناس لا تقطع أيديهم وإن أخذوا مال غيرهم، وثبتت السرقة بشهادة عدلين، أو بإقرار السارق نفسه.
ما يمنع من قطع يد السارق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وأن تنتفي الشبهة].
يشترط لوجوب حد القطع أن تنتفي الشبهة في السارق، وقد تقدم معنا تعريف الشبهة في حد الزنا، وبينّا أن السنة وآثار الصحابة رضوان الله عليهم وردت بإسقاط الحد عند وجود الشبهة، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده، وهو منهج الأئمة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أوسع الناس في باب الشبهة، وكان يسقط الحد عند وجود الريبة والشبهة، ولذلك استقر مذهبه على ذلك، وثبتت عنه الآثار الصحيحة لإعمال الشبهة في إسقاط حد السرقة، كما في قصة غلام الحضرمي، وهي من القصص التي اعتبرها العلماء دليلاً على إثبات أن الشبهة موجبة لسقوط حد السرقة.
فيقول: (وأن تنتفي الشبهة) النفي ضد الإثبات، وإذا قلت: تنتفي الشبهة، بمعنى: ألا توجد شبهة، وهذا شرط راجع إلى الملكية.
ومن هنا نجد من العلماء -رحمهم الله- من عبر في شروط السرقة بالملك التام القوي، أي: يكون المسروق منه قد ملك المال ملكاً تاماً قوياً بحيث لا تحصل منازعة بينه وبين السارق، فإذا وجدت الشبهة فإن هذا يؤثر في الملكية التامة كما في الشريك مع شريكه، وكما في الابن مع أبيه، والأب مع ابنه، ونحو ذلك من صور الشبهة، وهذه الشبهة اعتبرها أئمة الإسلام رحمهم الله -ومنهم الأئمة الأربعة- أنها موجبة لسقوط الحد، لكنها تختلف في صور، فتارة تكون الشبهة شبهة البعضية، وتارة تكون الشبهة شبهة الملك، ومن هنا فرق العلماء رحمهم الله فأعملوا صوراً من الشبهة، وأسقطوا صوراً أخرى، وقالوا: إن الشبهة لا تعتبر موجبة لسقوط الحد، والأصل الشرعي يقتضي أنه إذا توافرت شروط السرقة فإننا نقطع يد السارق، وعلى هذا لا نسقط الحد إلا إذا وجدت شبهة قوية.
السارق من مال أبيه والعكس
قال رحمه الله: [فلا يقطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا].
يعني: لو سرق الابن من مال أبيه فإنه لا تقطع يد الابن، ولو سرق الابن من مال جده وإن علا لم تقطع يده، والعكس: لو سرق الأب من مال ابنه، أو سرقت الأم من مال بنتها، أو سرقت الأم من مال حفيدتها، أو الأب من مال حفيده، فإنه لا يثبت القطع، وهذه الشبهة هي شبهة البعضية، والمراد بالبعضية: أن السارق يكون بعضاً من المسروق منه، أو يكون المسروق منه بعضاً من السارق، ومعنى ذلك: أن الولد قطعة من والده، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما فاطمة بضعة مني)، وهذا في صحيح البخاري، فقال: (بضعة مني)، فكأنها قطعة منه عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت منه عليه الصلاة والسلام صارت هي وهو كالشيء الواحد، فإذا سرق الولد من والده كأنه أخذ من ماله.
وجاءت السنة تؤكد هذا فيما رواه ابن ماجة وغيره -وصححه غير واحد من العلماء- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، فجعل الوالد له يد على مال ولده، وإذا كانت له يدٌ على مال ولده فإنه حينئذٍ لا يقطع؛ لأنه لم يسرق، فكأنه أخذ من ماله؛ ولهذا جماهير الأئمة -حتى حُكي الإجماع في هذه المسألة- على أنه لا يقطع والد من مال ولده، ولا مولود من مال والده.
هذا الحكم عند العلماء والأئمة رحمهم الله عام وشامل للأصل مع فرعه وللفرع مع أصله، وعلى هذا نحكم بسقوط الحد إذا سرق الابن من مال أبيه وجده وإن علا، وإذا سرق من مال أبيه الذي تمحض بالذكور كجده من جهة أبيه أو جده من جهة أمه كأبي أمه، فلو سرق من مال جده لأمه لم يثبت الحد، وكذلك أيضاً لو ثبت أن السرقة من الوالد لولده فإنه يستوي في ذلك الأب مع الأم، فيستوي الذكور والإناث من الولد والوالد.
قال رحمه الله: [ولا من مال ولده وإن سفل].
هذا هو العكس، فهو أثبت أن الوالد لا يقطع بولده، وأيضاً الولد لا يقطع من مال ولده، والأصل في هذا السنة كما بينا، وهذه يسميها العلماء شبهة البعضية، ويستوي الذكر والأنثى في الآباء والأمهات، ويستوي الذكر والأنثى في الأولاد، ويستوي القريب والبعيد، فالأب المباشر والأب بواسطة، والابن المباشر والابن بواسطة وهو الذي يسمى بالحفيد.
قال رحمه الله: [والأب والأم في هذا سواء، ويُقطع الأخ].
ويقطع الأخ إذا سرق من مال أخيه؛ لأنه لا شبهة بين الأخ وأخيه، ولذلك تصح الزكاة على الأخ، ويجوز أن يدفع زكاته لأخيه؛ لأنه ليست هناك شبهة بعضية، ومن هنا قسّم العلماء القرابة في السرقة أو شبهة السرقة إلى قسمين: القسم الأول: قرابة مؤثرة، مثل: قرابة البعضية في الوالد والولد.
القسم الثاني: قرابة غير مؤثرة، وهي قرابة الأخ مع أخيه، مثل سرقة الأخت من مال أخيها، والأخ من مال أخته.
قال رحمه الله: [وكل قريب بسرقة من مال قريبه].
وكل قريب يُقطع إذا سرق من مال قريبه، والدليل على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:38]، فأمرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن نقطع يد كل سارق سواءً كان قريباً أو غريباً، فلما جاءت السنة تستثني الوالد مع ولده والولد مع والده، أبقينا الحكم على العموم، واستثنينا ما استثنته السنة.
السارق من مال زوجته والعكس
قال رحمه الله: [ولا يُقطع أحد من الزوجين بسرقته من مال الآخر].
إذا سرق الزوج من زوجته، أو سرقت الزوجة من مال زوجها، فهذا يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون الأخذ من حرز.
الصورة الثانية: أن يكون من غير حرز.
فلو أن زوجة أخذت مالها ووضعته في صندوق وقفلت عليه، فجاء الزوج خفية وكسر الصندوق وأخذ المال الموجود فيه، فهذه سرقة؛ لأنها أخذ من الحرز، وتنطبق عليها شروط السرقة.
الصورة الثانية: أن يكون الأخذ من غير حرز كما لو أن الزوج دخل بيته، ووضع المال على الطاولة فجاءت الزوجة وأخذت منه خمسمائة ريال خلسة دون علم منه على صورة السرقة، ولكنه من غير حرز، والعكس لو أن الزوج فعل ذلك بزوجته.
في الصورة الأولى إذا كان من حرز اختلف العلماء رحمهم الله: بعض العلماء يرى أن الزوج يُقطع إذا سرق من مال زوجته، والزوجة تقطع إذا سرقت من مال زوجها، وبعض العلماء يرى أن الزوجة لا تقطع والزوج يقطع، وبعضهم يرى أنه لا يُقطع واحد منهما بسرقته من مال الآخر.
فالذين قالوا بأنه لا تُقطع يد الزوجين إذا سرق أحدهما من مال الآخر احتجوا بما ثبت عن عمر رضي الله عنه في قصة عبد الله بن عمرو الحضرمي كان له غلام، ثم إن هذا الغلام سرق من مال زوجته -غلام أي: عبد مملوك- فجاء بهذا العبد المملوك إلى عمر رضي الله عنه وقال له: يا أمير المؤمنين! إن هذا سرق فاقطع يده.
قال: ماذا سرق؟ قال: سرق مرآة زوجتي وهي بستين درهماً، وهذا يعادل النصاب وزيادة، فقال عمر رضي الله عنه: (خادمكم أخذ متاعكم، لا قطع عليه)، وفي بعض الروايات: (مالك سرق مالك) أي: العبد من مالك وسرق مالك، قالوا: إن هذا يدل على أن الزوج لا يقطع إذا أخذ من مال زوجته؛ لأن العبد مع سيده كالشيء الواحد، وإذا كان العبد مع سيده كالشيء الواحد ولم تقطع يد عبده فمن باب أولى ألا تقطع يد السيد نفسه، وهذا دليلهم على إسقاط الحد عن الزوج.
وقالوا: هذا قضاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهذا القضاء سنة، ولم ينكر عليه، وهذا أمر تدعو الضرورة إلى انتشاره؛ لأنه كان في خلافة عمر رضي الله عنه، ومع هذا لم ينكره أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقالوا: إن المرأة لا تقطع إذا سرقت من زوجها لوجود الشبهة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سلط يدها على مال زوجها، وذلك عند وجود الحق لحديث هند في الصحيح أنها قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح مسيك أفآخذ من ماله؟ قال: خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فهذا يدل على أن المرأة فيها شبهة في تسلطها على مال زوجها.
فقالوا: إن كلاً منهما -أي: الزوج والزوجة- يتبسط في مال الآخر ويرتفق به، والغالب أنه لا يفعل هذا على سبيل الاعتداء وعلى سبيل السرقة، وإنما يفعل هذا غالباً لوجود نوع من الانبساط، وقالوا: هذا القضاء يدل على أنه لا قطع على أحد الزوجين إذا سرق مال الآخر.
والذين قالوا: لا تقطع الزوجة ويقطع الزوج، احتجوا بحديث هند، قالوا: إنها هي التي تتوسع في مال زوجها، وليس الزوج الذي يتوسع في مالها، فبقي الزوج على الأصل.
والحقيقة أن ظاهر قضاء عمر بن الخطاب -خاصة وأننا أمرنا بالعمل بسنة الخلفاء الراشدين- يقوى به الاستثناء.
وأما بالنسبة لمسألة الأخذ من غير حرز فلا إشكال في سقوط الحد فيه، وبه يقول جمهور العلماء رحمهم الله، فالمصنف رحمه الله أخذ بهذا القول الذي عمل به الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله أصل من السنة، وخاصة في حديث هند رضي الله عنها وأرضاها.
قال رحمه الله: [ولو كان محرزاً عنه].
قوله: (عنه): أي: عن السارق سواءً كان الزوج أو الزوجة، ولو كان المال في حرز وقوله: [لو]: إشارة إلى خلاف مذهبي؛ لأن من العلماء من فرق بين كون المال المسروق من غير حرز، وبين كونه مسروقاً من حرز، ففرق بين المسألتين.
السارق من مال سيده والعكس
قال رحمه الله: [وإذا سرق عبد من مال سيده].
العبد إذا سرق من مال سيده له صورتان: - الصورة الأولى: أن يحوجه السيد ويلجئه إلى السرقة، فمثلاً: يمنع عنه طعامه ويمنع عنه شرابه، فيعتدي العبد على مال السيد ويسرق منه، فهذا سبب يعتبره العلماء موجباً لسقوط الحد، وأُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله: أن غلماناً -أي: عبيداً- كانوا لـ حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة ونحروها ثم أكلوها، فرفعهم حاطب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأراد منه أن يقطع أيديهم بالسرقة، ثم سأل عمر رضي الله عنه فوجد أن حاطباً رضي الله عنه كان مقصراً معهم في الإطعام، فقال: (أراك قد أحوجتهم بالسرقة) وأسقط القطع عنهم.
ومن هنا منع القطع في زمان المجاعة؛ لأنه إذا حصل الجوع والضيق بالناس، واضطر السارق للسرقة أو أن امرأة -مثلاً- ترملت وما عندها أحد يعول عليها ثم التجأت للسرقة وهي مضطرة إلى ذلك، فهذه الأحوال تستثنى، وهكذا مسألة العبد مع سيده: إذا كان السيد ظالماً للعبد لا ينفق عليه ولا يطعمه، وحبسه ومنعه حقه، فسرق العبد من مال سيده، فلا إشكال في سقوط الحد عنه.
- الصورة الثانية: أن يكون أخذه على غير وجه ضرورة، فالأصل في هذه المسألة يدل على أن العبد من مال السيد، ولذلك جاء في أثر ابن مسعود رضي الله عنه لما رفع إليه سرقة العبد من مال سيده قال: (مالكم سرق بعضه بعضاً)، فالمملوك إذا سرق من مال سيده يحكم بكونه من المال ويسقط الحد، وهذا فيه قضاء الصحابة رضوان الله عليهم، وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقضاء عبد الله بن مسعود، ولا يعرف لهم مخالف، ولهذا اعتد بسقوط الحد إذا سرق العبد من مال سيده، خاصة وأن العبد له حق في هذا المال.
وأما سرقة السيد من مال عبده، فمن المعلوم أن السيد يملك العبد وما ملك، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع) فهذا يدل على أن العبد ليس له يد على ماله، وأن للسيد ماله، ومن هنا سقط الحد لوجود الشبهة.
وهذه الصور التي ذكرها رحمه الله تسمى صور الشبهة في الملك، فالأولى -وهي صورة الوالدين- شبهة البعضية، والعبد في مال سيده شبهة الملك، وسيذكر لها صوراً أيضاً في صورة السيد مع عبده، والعبد مع سيده شبهة الملك، والشريك مع شريكه، والفقير من بيت مال المسلمين، فكل هذه من صور شبهة الملك.
قال رحمه الله: [أو سيد من مال مكاتبه]: هذا على القول بأن المكاتب عبد حتى يؤدي أنجم الكتابة، وهذا هو الأصل أنه إذا عجز عن أنجم الكتابة رجع عليه الرق.
السارق المسلم الحر من بيت مال المسلمين أو من غنيمة لم تخمس
قال رحمه الله: [أو مسلم حر من بيت المال].
أو سرق مسلم حر من بيت مال المسلمين، هذه المسألة ضابطها: أن يكون هناك شبهة للسارق في المال الذي سرق منه، بمعنى أن له حقاً فيه، ولكنه حق مبهم غير معين، فالمسلم له حق في بيت مال المسلمين كما قال عمر رضي الله عنه وغيره: (إنه ما من أحد إلا وله حق في بيت مال المسلمين)، وهذا أصل، لكن هذا الحق ليس معناه التسلط على أموال بيت المال وسرقتها أو أخذها، وهذا لا يمنع تعزيره، ولا يمنع عقوبته، لكن الحدود تدرأ بالشبهات، فإذا سرق من بيت مال المسلمين سقط عنه الحد؛ لأن له حقاً في بيت مال المسلمين.
وقوله: (أو مسلم) اشترط أن يكون مسلماً؛ لأن الكافر ليس له حق في بيت مال المسلمين، وقوله: (حر) لأن العبد مملوك لسيده.
قال رحمه الله: [أو من غنيمة لم تخمس].
أو سرق من غنيمة لم تخمس، تقدم معنا أحكام الغنائم وتخميسها، وما هو المراد بذلك، فإذا غنمت الغنيمة فقبل قسمتها يختلط حق الغزاة مع حق بيت مال المسلمين، فالغنيمة يكون فيها حق للغزاة الذين هم الأصل في حصول الغنيمة، وبيت مال المسلمين له حق، ولذلك ذكرنا كيفية تقسيم الغنيمة، وبينّا الأدلة الشرعية في ثبوت حق لبيت مال المسلمين في خمس الغنيمة.
فالخمس يخرج من الغنيمة، والأربعة الأخماس تقسم بين الغانمين: للفارس سهمان، وللراجل سهم، على الأصل الذي بيناه، فإذا كانت الغنيمة لم تخمس، فإنه في هذه الحالة إذا سرق غير الغزاة منها فله حق باستحقاق بيت مال المسلمين إذا كان مسلماً حراً.
لكن لو أنها خمست، وأخرج منها خمس بيت المال، فهذه الأربعة الأخماس إذا سرق السارق منها نظرنا فيه: فإن كان من الغزاة، فهذا غلول -نسأل الله السلامة والعافية-، وفيه الوعيد الشديد، ولكن له شبهة؛ لأنه من الغزاة، وله حظ في الأربعة الأخماس، وأما إذا كان من غير الغزاة فتقطع يده؛ لأنها إذا خمست وفصل حق الغزاة عن حق بيت المال وسرق من حق الغزاة؛ فقد سرق من غير ملكه، وحينئذٍ يثبت الحد، ولا شبهة له؛ لأنه ليس من الغزاة، وليس له حق في هذا المال، فيعتبر أشبه بالسرقة من سائر الأموال.
لكن لو أنه كان من الغزاة وسرق من الأربعة الأخماس فلا تقطع يده لمكان الشبهة.
فلو كان من الغزاة وسرق من الخمس فإن له أصلاً بكونه في بيت مال المسلمين، وله الأصل العام في كون له حق كسائر حقوق المسلمين عموماً في بيت المال.
السارق الفقير من غلة وقف على الفقراء
قال رحمه الله: [أو فقير من غلة موقوفة على الفقراء].
سرق فقير من غلة وقف على الفقراء، لو أن غلة وقف تصرف على الأيتام والأرامل والفقراء.
فالفقراء -مثلاً- لهم الثلث من الغلة بحكم شرط الواقف، فجاء فقير وسرق منه، فإذا سرق من غلة الفقراء لم تقطع يده؛ لأنه سرق من مال له فيه شبهة؛ لأن له حقاً في هذا المال كالحق العام، وإذا سرق شخص من مال موقوف على طلاب العلم قُطعت يده؛ لأنه سرق من مال لا حق له فيه.
هذه الصور كلها مندرجة تحت شبهة الملك.
السارق من مال له في شركة
قال رحمه الله: [أو شخص من مال فيه شركة له].
أو سرق شخص من مال فيه شِركة -وشَركة وشُركة-، إذا سرق أحد الشريكين أو الشركاء من مال الشركة، فإنه في هذه الحالة توجد شبهة الملك؛ لأنه ما من جزء من هذا المال إلا وله فيه سهم ونصيب بحسب حصته من الشركة العامة، وحينئذٍ لا تقطع يده، ولكن لو ميزت حصص الشركاء، فمثلاً ربحوا مليوناً، وقسم هذا المليون بينهم أرباعاً كل واحد له ربع، وميز نصيب كل واحد، وقبضه وحازه، ثم تسلط أحدهم على نصيب شريكه قطع.
إذاً: الشرط أن يكون المال لم يقسم، وأن يكون المال على صورة الشركة، وسواءً وقعت السرقة في أصل المال أو وقعت في الربح؛ لأنه يملك في أصل المال ويملك في ربحه.
قال رحمه الله: [أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه].
صورة المسألة: أن يكون ولده شريكاً، فسرق الأب من شركة ولده، فمثلاً: ابنه شريك لثلاثة أجانب ليسوا بقرابة، فجاء الأب وسرق من شركة ابنه، فإن الأب مع ابنه كالشيء الواحد، فكما أننا فلا نقطع يد الابن لا نقطع يد الأب، والعكس، فلو كان الأب هو الشريك وجاء الابن وسرق من مالٍ لأبيه فيه شركة؛ لم تقطع يده؛ لأننا أثبتنا في السنة أن الابن مع أبيه والبنت مع أبيها وأمها والابن مع أبيه وأمه كالشيء الواحد.
قال رحمه الله: [لم يقطع].
أي: لم يقطع في جميع هذه الصور لوجود الشبهة.
ما تثبت به السرقة
شهادة عدلين
قال رحمه الله: [ولا يقطع إلا بشهادة عدلين].
هذا الشرط معتبر لثبوت حد السرقة، فالسرقة جريمة من الجرائم لا يثبت فيها القطع إلا ببينة ودليل، والدليل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شهادة الإنسان على نفسه، وهو حجة الإقرار، فيقر ويعترف أنه سرق، ولذلك جاء السارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقر واعترف، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم يده.
القسم الثاني: أن يشهد الشهود على أنه سرق، فإذا ثبتت هذه الشهادة بالصفة المعتبرة في القضاء الإسلامي حكمنا بقطع اليد.
إذاً: هناك دليلان: الأول: البينة، وهي: الشهود.
الثاني: الإقرار، وهو: شهادة الإنسان على نفسه بالجرم.
ويشترط في الشهود أن يكونوا عدولاً ذكوراً بالغين عاقلين، سالمين من التهمة، ولا تقبل شهادة الصبيان، ولا تقبل شهادة المجانين، ولا تقبل شهادة خفيف الضبط وكثير النسيان وكثير الوهم؛ لأن الله يقول: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282]، ومثل هذا لا ترضى شهادته.
ولا تقبل الشهادة من ذي خصومة، فلو أن عدواً شهد على عدوه أنه سرق لا نقطع يده، فمثلاً: وقعت خصومة بين أشخاص، ثم فوجئنا بهؤلاء الأشخاص الذين هم طرف في الخصومة والعداوة جاءوا شهوداً على أعدائهم أو على شخص من أعدائهم أنه سرق؛ فلا تقطع يده لأنهم متهمون في هذه الشهادة.
ومن هنا ثبت الحديث عند الحاكم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين)، والظنين: هو المتهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:24] في قراءة: ظنين أي: بمتهم، فإذا كان الذي شهد على خصمه عدماً لم نقبل شهادته.
كذلك يشترط في الشهود: أن يبينوا شهادتهم على وجه تنتفي به الريبة، فيبينوا المال المسروق، ويبينوا أن السرقة وقعت من حرز، ويبينوا الشخص المسروق، ويقولون: هذا.
ويشيرون إليه في مجلس القضاء أو يذكرونه باسمه ويرفعون نسبه على وجه يتميز به عن غيره، واشترط بعض العلماء أن يبينوا أنهم رءوه يسرق من مال فلان، فيحددونه ويبينونه.
كذلك أيضاً يشترط في الشهود: توافق شهادتهم، فلا يكون هناك اختلاف في الشهادة، فلو شهد شخص أنه سرق بالليل، والآخر شهد أنه سرق بالنهار؛ لم تقطع يده حتى تكمل شهادة الليل أو شهادة النهار؛ لأن سرقة الليل غير سرقة النهار.
أو شهد أحدهما أنه سرق ذهباً والآخر شهد أنه سرق فضة؛ لم تقطع يده؛ لأن سرقة الذهب غير سرقة الفضة، ما لم يكن المسروق ذهباً وفضة، أو شهد أحدهم أنه سرق إبلاً والثاني قال: سرق غنماً، هذه شهادة وهذه شهادة، هذه سرقة وهذه سرقة، فلابد من اتحاد مضمون الشهادتين وألا تتناقض الشهادتان، حتى يكون بينهما اتفاق على وجه تستطيع أن تعتبرهما بينة واحدة.
ولذلك قالوا: لو قال أحدهما: سرق ثوباً من نوع كذا.
وقال الآخر: بل سرقه من نوع كذا.
أي: نوع غير النوع الأول، لم تقبل شهادتهما، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه قال: ربما يخطئ الشاهد في هذا ويغتفر.
ويشترط في الشهود: العدد، فتقبل شهادة الاثنين، وأقل من الاثنين لا تقبل في السرقة، فإذا شهد واحد وحلف المدعي للحق أن فلاناً سرق منه؛ ثبت المال ولم يثبت القطع، بمعنى: لو قال الشاهد: فلان سرق من فلان عشرة آلاف ريال، وليس هناك شاهد آخر، فالقاضي يقول للمدعي: احلف يميناً، فإذا حلف اليمين ثبت المال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الشاهد مع اليمين في الأموال، فنوجب على الشخص المشهود عليه أن يضمن العشرة آلاف، لكن لا نقطع يده؛ لأنه لم تكمل بينة القطع.
كذلك يشترط في الشهود: الذكورة، فلا تقبل شهادة النساء، فالشريعة لم تقبل شهادة النساء في الجنايات لما في النساء من ضعف في خلقتهن، ولذلك المرأة لو وقفت أمام جريمة لا تتحمل، ولذلك تجدها تصرخ وتغمض عينيها وتنفعل، وهذا الانفعال يخرجها عن التركيز، والإنسان لا يستطيع أن يغير في خلقة الله عز وجل، ولا أن يحمل المخلوق الضعيف مالا يتحمل، فهذه خلقة الله عز وجل، ومن هنا فشهادتهن قاصرة في الحدود كالسرقة والقتل وفي الجنايات على الأطراف والأعضاء، وهذه الأمور تحتاج إلى قوة من الشاهد حتى يستطيع أن يستبين، ويحتاج إلى نفس صابرة أثناء الجناية، فتستطيع أن تصبر حتى تستوعب الجريمة كاملة، وتستطيع أن تدلي بشهادة بينة واضحة، ومن هنا اشترط فيهم الذكورة والعدد والعدالة، فلا تقبل شهادة الفساق؛ لأن الله عز وجل قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:6]، فأمرنا بالتبين من خبر الفاسق؛ فدل على أن الفاسق لا يقبل مباشرة، وهذا يدل على سقوط شهادة الفاسق، والعدل هو: الذي يجتنب الكبائر، ويتقي في أغلب أحواله الصغائر، قال الناظم: العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر وذو أنوثة وعدل والحجا وذو قرابة خلاف الشهداء هذه كلها من شروط الشهادة، فيجب توافر هذه الصفات حتى نحكم باعتبار الشهادة على السرقة، ولذلك لا تقبل شهادة الشهود مجملة، فلو قال الشاهد: هذا سرق مالاً.
لا نقبل شهادته ما لم يبين، ولا تقبل متناقضة، بل لابد فيها من الاتفاق بين الشاهدين، وإذا اختلف المضمون في بعض الصفات -مثل: اللون- فقال أحدها: سرق ثوباً أبيض، وقال الآخر: سرق ثوباً أصفر؛ فبعض العلماء يتسامح فيه إذا تقاربت الألوان.
إقرار السارق بالسرقة
قال رحمه الله: [أو بإقرار].
الإقرار حجة، والإجماع منعقد على أنه ليس هناك حجة أقوى من الإقرار؛ لأن الإقرار شهادة الإنسان على نفسه، وليس هناك عاقل يشهد على نفسه بالضرر، بل إنه لا يشهد على نفسه إلا وهو صادق في شهادته، ولذلك يعتبر الإقرار عند بعض العلماء -كما يعبرون- سيد الأدلة؛ لأنه ليس هناك حجة مثل الإقرار، ولذلك اختاره الله عز وجل في أعظم الأمور، وهو الشهادة على وحدانيته، وأخذ العبادة بشهادة الإقرار، فقال سبحانه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران:81]، فالشاهد من هذا: أن الإقرار هو أقوى الحجج، ولكن لابد وأن يكون المقر عاقلاً؛ فلا يقبل إقرار المجنون ولا السكران على التفصيل في مسألة السكر، وسبقت معنا هذه المسألة، وسنبينها -إن شاء الله- في باب الإقرار، والأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح من حديث بريدة بن الحصين رضي الله عنه وأرضاه- لما أقر عنده ماعز بن مالك بالزنا قال عليه الصلاة والسلام: (أبك جنون؟ فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه ليس بمجنون، فقال بعد ذلك عليه الصلاة والسلام: أشربت خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه) يعني: شم رائحة فمه، فالصحابي أقر واعترف بالجريمة، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (أبك جنون؟) وهذا يدل على أن المجنون لا يقبل إقراره، ثم قال له: (أشربت خمراً؟) وهذا يدل على أن السكران لا يقبل إقراره، فإذا أقر فلابد وأن تتوافر فيه الأهلية للإقرار، ولذلك لا بد من البلوغ والعقل وسلامته من الآفات، وألا يكون متهماً في إقراره، والجمهور على أنه لو أقر بالسرقة لا يقبل إقراره مجملاً، ولذلك يزاد شرط التفصيل في الإقرار، فلابد أن يبيّن المال الذي سرقه، وقدره، حتى نستطيع أن نعرف: هل بلغ النصاب أو لم يبلغ؟ وكذا نوعه حتى نستطيع أن نعرف: هل هذا يوجب القطع أو لا يوجبه؟ فلابد من توافر هذه الشروط حتى يعتد بإقراره، وسيأتي -إن شاء الله- تفصيل شروط الإقرار العامة.
اختلاف العلماء في تكرار الإقرار
قال رحمه الله: [مرتين].
اختلف العلماء في السارق إذا أقر: هل يشترط تكراره؟ وقبل هذا؛ اعلم أن الإقرار لا يعتبر حجة إذا كان بإكراه، فلو أكره شخص على الإقرار فإقراره ساقط؛ لأنه لا إقرار مع الإكراه، قال عبد الله بن مسعود ويروى عن غيره من الصحابة: (إن الرجل ليس بأمين على نفسه ولا على ماله أن يقول ما لم يقل إذا ضرب أو أوذي)، فقال: ليس بأمين، والإقرار حجة إذا كان الشخص أميناً.
وبالنسبة للإقرار هل يشترط فيه التكرار؟ ذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن الإقرار لا يكون حجة في السرقة إلا إذا كرره مرتين، فقال: إنه سرق.
ويعود مرة ثانية يقول: إنه سرق.
ويبيّن ما الذي سرقه ويحدده، لاحتمال أن يظن أن الشيء الذي سرقه يوجب القطع، والواقع أنه لا يوجب القطع؛ لأن الناس تختلف ظنونهم، فلربما سرق مالاً تافهاً وظن أن هذا يوجب القطع، ولربما أخذ مالاً من غير الحرز فظن أنه سارقاً وهو ليس بسارق، فلابد أن يقر، وأن يكون إقراره مرتين بما يثبت به الحد، فإذا كرر الإقرار مرتين ثبت عليه الحد، وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، واحتجوا بحديث الحاكم والدارقطني والبيهقي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بسارق فقيل: يا رسول الله! إن هذا سرق.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أخالك سرقت.
فقال: بلى يا رسول الله! فأمر به فقطعت يده)، لما قال له: (ما أخالك سرقت) كأنه يلقنه أن يمتنع من الإقرار.
وهذا يسمى عند العلماء -وتكلم عليه الأئمة-: تلقين الخصم، فإذا اتهم بالجريمة يلقن في السرقة ما يدرأ عنه الحد، وفعله بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الخلفاء الراشدين كـ علي رضي الله عنه وغيره وعمر أيضاً رضي الله عن الجميع، فقالوا: إن هذا يدل على تكرار الإقرار؛ لأنه لما أقر المرة الأولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أخالك سرقت) فرد الإقرار الأول، فرجع الرجل وقال (بلى) يعني: قد سرق، والسؤال معاد في الجواب، فلما قال له: (ما أخالك سرقت) يعني: ما أظنك سرقت، كأنه يلقنه أن يدفع عن نفسه التهمة فقال: (بلى)، فرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثبت عليه الصلاة والسلام عليه الحد.
والجمهور يرون أنه لا يشترط تكرار الإقرار، وأن المرة الواحدة تكفي في ثبوت الحد عليه، واحتجوا بحديث صفوان رضي الله عنه وأرضاه، فإن السارق لما سرق رداءه أقر، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره ولم يأمره بتكرار الإقرار، فدل على أن الإقرار مرة واحدة يوجب ثبوت الحد، والصحيح إن شاء الله أنه لا يشترط التكرار، ويجاب عن حديث التكرار بأنه في التلقين وليس في الإقرار؛ لأنهم قالوا: يا رسول الله! هذا سرق.
ولم يقر الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة: (ما أخالك سرقت)، فليس هناك ما يدل على أنه صرح بالسرقة.
فالحديث من هذا الوجه يجاب عنه متناً، والسند فيه ضعف، وفيه مجاهيل، والمتن ليس فيه تكرار؛ لأنهم قالوا: (يا رسول الله! إن هذا سرق فقال عليه الصلاة والسلام: ما أخالك سرقت)، فهي دعوى وردها النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يقر الرجل، وكان ينتظر منه الجواب فقال: بلى.
فصار هذا تلقيناً للخصم، وليس بتكرار للإقرار، وعلى هذا لا يقوى دليل من قال بالتكرار، والصحيح الذي يترجح -والعلم عند الله- أن المرة الواحدة كافية وإن صح الحديث فإنه يحمل على التلقين.
قال رحمه الله: [ولا ينزع عن إقرار حتى يُقطع].
يشترط في الإقرار أن يبقى عليه حتى يقطع، وهناك شيء يسميه العلماء إثبات الجريمة، ثم بعدها الحكم، ثم بعدها التنفيذ، ثلاث مراحل: - الإثبات، والحكم، والتنفيذ.
وعبء الإثبات يبقى على المدعي، فلابد في السرقة من وجود مدعٍ وهو صاحب المال، وإذا ثبتت السرقة بإقرار الشخص أو بالبينة فحينئذٍ يحكم القاضي بثبوت الجريمة، والقاضي سلطته سلطة تشريعية يثبت بها الجريمة، فيبقى التنفيذ، فإذا جاء التنفيذ الذي هو القطع والعمل بما أمر الله عز وجل به، فالأصل يقتضي المبادرة، فنص الأئمة رحمهم الله على أنه لا يجوز التأخير، وأنه يجب المبادرة بقطعه إحياءً لحق الله عز وجل، وإتماماً لأمره سبحانه وتعالى، والأمر يقتضي الفور؛ لأن الله أمرنا إذا ثبتت السرقة أن نقطع، والأمر يقتضي الفور في هذا.
فإذا ثبت هذا؛ فإنه إذا ادعيت عليه السرقة فأقر ثبتت، فوجب على القاضي أن يحكم، فإذا حكم القاضي، فيشترط أن يبقى الرجل على هذا الإقرار إلى التنفيذ، فلو أنه قبل القطع ولو بلحظة رجع عن إقراره، فقال البعيد: كذبت، فأخبر عن نفسه أنه كذب في إقراره، أو قال: ما سرقت.
أو كنت أمزح أو نحو ذلك، وقف الحد ومنع من تنفيذه.
إذاً: يشترط في إتمام العمل بهذه البينة أو بهذه الحجة أن يبقى على إقراره حتى ينفذ، هذا قول الجمهور رحمهم الله.
وهناك من قال: إن الرجوع لا يؤثر، وأنه لو رجع لم يسقط الحد؛ لأنه تعلق به حق الآدميين، والصحيح: أنه يسقط حد القطع، ولا يسقط الحق المالي، وخذها قاعدة في الإقرارات: إن الرجوع إن كان لحق الله أثر، وإن كان لحق المخلوق لم يؤثر.
فلو أن شخصاً أقر أن عليه لفلان عشرة آلاف ريال، ثم قال: لا ليس له عشرة آلاف ريال، لم يقبل رجوعه؛ لأنه حق لمخلوق، وبإقراره ثبت في ذمته العشرة آلاف ريال التي أقر بها، لكن لو أنه قال: إنه زنى، ثم قبل التنفيذ رجع؛ عند ذلك يسقط الحد عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة ماعز: (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه)؛ لأنه لما فر عندما أدركته الحجارة كما في الصحيح.
وقد تقدم معنا أن من أقر بالزنا وأراد أن يرجع عن إقراره فإن الشرع يرغبه في ذلك، وأنه إذا رجع يحكم باعتبار رجوعه، لكن الحق هنا لله عز وجل.
أما في السرقة فقد اجتمع الحقان: حق الله وحق المخلوق، فحق المخلوق أنه يقول: سرق مالي؛ لأن من سرق يجب أمران إذا ثبتت سرقته: نطالب القاضي بإقامة الحد والحكم عليه بالقطع، ونطالب السارق برد وضمان المال المسروق، فهو إذا أقر أنه سرق مالاً فقد أقر أن في ذمته للشخص مالاً، وحينئذٍ نلزمه برد هذا المال الذي أقر به، فإذا رجع عن إقراره فقد رجع عن حق ثابت للمخلوق فلا ينفع الرجوع منه، فيجب عليه ضمان المال المسروق الذي أقر أنه سرقه، ولكن لا ينفذ الحد؛ لأن رجوعه شبهة.
اشتراط أن يطالب المسروق منه بماله
قال رحمه الله: [وأن يطالب المسروق منه بماله].
يشترط أن يطالب المسروق منه بماله؛ لأن السرقة فيها حق للمخلوق، ولذلك ما سأل النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدعوى من صاحب الحق، وفي رداء صفوان أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الحد بدعوى صفوان، وعلى هذا العمل أنه يشترط أن يطالب المسروق منه بماله، فإذا طالب المسروق منه بماله، وثبت أن السارق سرق أو ادعى أنه سرقه وأقر المدعى عليه فقد ثبتت الجناية، ولكن لو أنه طالب ثم رجع عن المطالبة قبل إتمام القضية فإنه يسقط الحد، فإذا رجع قبل الإثبات، وأما إذا ثبت وأقر الرجل فرجع الشخص عن المطالبة ثبت الحد ولو رجع.
ولذلك صفوان رضي الله عنه وأرضاه لما سرق السارق رداءه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، وصفوان رضي الله عنه ما كان يظن أن يد الرجل ستقطع، فقال: (يا رسول الله! هو له.
-أي الرداء- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به)، فهذا يدل على أنه لو أسقط دعواه بعد الحكم أو قبل التنفيذ لم ينفع، وقبل الإثبات وقبل الحكم ينفع.
قطع يد السارق من مفصل الكف
قال رحمه الله: [وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت].
(وجب) بمعنى: ثبت، فإذا وجب القطع وثبت فإننا نحكم بحد الله عز وجل وينفذ هذا الحد ولا يؤخر كما ذكرنا.
وقوله: (قطعت يده اليمنى)، الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38]، وفي قراءة ابن مسعود ((أيمانهما))، ودرج الصحابة رضوان الله عليهم وأئمة السلف والجماهير على قطع اليد اليمين؛ لأنها في الغالب التي يتعاطى بها السرقة، وهي التي فيها القوة، وهي التي فيها الأذية والضرر، فقطعها أبلغ، فتقطع يده اليمنى.
وقد بين رحمه الله أنها تقطع من مفصل الكف مع الساعد، فمن طرف تشد اليد كما ذكر العلماء والأئمة رحمهم الله حتى إذا قطعت، وذلك أبلغ في انفصالها وبيانها، فتقطع من مفصل الكف مع الساعد، وهناك قول ضعيف وشاذ: إنها تقطع من المنكب.
والصحيح: أنها تقطع من مفصل الكف، وعليه درج أئمة الصحابة رضوان الله عليهم في أقضيتهم، فإنهم قطعوا من مفصل الكف، وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قدم اليمين وأن القطع يكون لليمين، وظاهر هذا أنها تقطع اليد سواءً كانت صحيحة كاملة أو كانت معيبة أو ناقصة، فلو أنه في يمينه مقطوع الأصابع أو بعضها قطعت يده ولو كانت معيبة على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله، ومن أهل العلم من فرق بين أن تكون أكثر الأصابع مقطوعة أو أقلها، ومن أهل العلم من قال: إنها تقطع من عند الأصابع، وهذا كله ضعيف.
والصحيح أنه إذا كانت اليد موجودة قطعت.
واختلف في اليد المشلولة هل تقطع أو لا تقطع؟ فمن أهل العلم من منع من القطع، وعلل ذلك بأنه ربما نزف وحصل الضرر وقد يموت؛ لأن اليد المشلولة لا يتحكم في دمها، ومن أهل العلم من توسط كما اختاره الإمام النووي وغيره أنه يرجع إلى قول أهل الخبرة، فإذا كان الأطباء يستطيعون حسمها فإنها تقطع.
والأصل: أنها تقطع بالألم، فلا يكون القطع بالتخدير، فلا تخدر يده، والمقصود إيلامه حتى يشعر بجريمته وجنايته.
والحسم المراد به: وضعها في الزيت أو الدهن المغلي؛ لأن اليد إذا قُطعت نزف الدم، وإذا نزف الدم هلك الإنسان، فلابد أن الدم يمنع ويحبس، وجاء في الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي والدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه الأمر بحسم اليد إذا قطعت، منعاً من النزيف، والحديث فيه كلام، ولكن العمل عليه عند جمهور العلماء؛ لأنه يعضده مراسيل وموقوفات على الصحابة رضوان الله عليهم، لكن في زماننا -والحمد لله- يوجد طرق لإيقاف الدم وإيقاف النزيف.
وهنا مسألة معاصرة، وهي: أنه بإمكان الأطباء أن يعيدوا اليد بعد قطعها، فبعد تطور الطب وسهولة الجراحات الدقيقة بإمكانهم أن يعيدوا اليد بعد قطعها، والعجيب أن بعض المتأخرين أفتى بجواز ذلك! وهذا من أغرب ما يكون، فيقول: وضع التخدير إذا قطعت، ثم إذا قطعت ترد! إذاً: ماذا جرى؟ تقطع يد السارق اليوم وغداً تعود إليه! فأين العبرة؟ وأين الاتعاظ؟ والحدود شرعها الله زواجر وجوابر.
(جوابر): للنقص الذي في المكلف حينما عصى الله عز وجل فيجبر الله كسره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فأقمنا عليه حد الله فهو كفارة له)، فأثبت أن الحدود كفارات، فهي جوابر لنقص العبد.
(وزواجر): لأن من رأى هذه اليد المقطوعة اتعظ واعتبر وارتدع ولم تسول له نفسه ذلك، فإذا قطعت يده ورجعت لم تعد زاجرة ولا جابرة، فهو في نفسه لم يتألم، فلم يحصل له الألم الذي يعظه ويذكره؛ وأيضاً غيرة لم يره بهذه الحالة التي تزجره وتمنعه عن الوقوع في السرقة، ثم إنها إذا خدرت ولم يشعر بشيء لم يتعظ الناس، ولم يجدوا نوعاً من العبرة التي تردعهم عن حدود الله عز وجل ومحارمه، فالأصل يقتضي أن يقام حد الله عز وجل على الصفة الواردة.
قال رحمه الله: [ومن سرق شيئاً من غير حرز ثمراً كان أو كثراً أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع].
هذه مسألة التعزير بالمال، من سرق ما هو أقل من النصاب، أو من غير حرز، يعني: أخذ، وهو قال هنا: (سرق) تجوزاً؛ لأن السرقة لا تثبت إلا إذا كانت من حرز، فقوله: (من سرق) بمعنى: من أخذ، فمن أخذ مالاً دون النصاب، أو أخذ مالاً يبلغ النصاب ولكنه من غير حرز، بمعنى: أنه ما توافرت فيه شروط السرقة، فعند ذلك يعزر، وهذا ثبتت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تضعف عليه القيمة، ويغرم قيمة الذي سرقه مرتين، ويعزر بما يليق به ويمنعه من العودة للجريمة، قال صلى الله عليه وسلم: (أضعفت عليه الغرامة وعليه العقوبة) , فأمر بأمرين في تعزيره: الأمر الأول: مضاعفة قيمة المال المسروق.
الأمر الثاني: عقوبة السارق بالتعزير، فيعاقب بما يناسبه، إما بسجنه أو جلده أو توبيخه، على الأصل الذي ذكرناه في باب التعزير، فمن الناس من يعاقب بالقول ويكفيه، ومنهم من يعاقب بالضرب الذي يردعه، ومنهم من يعاقب بالسجن الذي يردعه، فكل على حسب حاله.
الأسئلة
حكم الخادم أو الخادمة إذا سرقا
السؤال
إذا سرق خادم أو سرقت خادمة من أصحابها، فهل حكمه كحكم العبد أو الأمة؟ أثابكم الله.
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالخادم والخادمة ليسا بمملوكين، ولذلك لا ينطبق عليهما ما ذكره العلماء في المملوك، وهذا يسمى عند العلماء بسرقة الأجير من مال مستأجره، فإذا تحققت شروط السرقة فتقطع يد الخادم، وتقطع يد الخادمة، على الأصل الشرعي؛ لأنهما داخلان في عموم النص الآمر بقطع يد السارق، والله تعالى أعلم.
حكم من سرق للمرة الثانية
السؤال
إذا سرق السارق مرة أخرى بعد قطع يده فما الحكم؟
الجواب
اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، والوارد في قضاء الصحابة أن تقطع رجله اليسرى، فتقطع يده اليمنى أولاً في السرقة الأولى، ثم تقطع رجله اليسرى؛ لأنه حد شرعي، ولذلك في الحرابة أمر الله عز وجل بقطع اليد والرجل من خلاف؛ لأنه إذا قطعت اليدان تعطلت المصالح، وهذا من حكمة الشريعة، وإذا قطعت يد ورجل بقيت له مصالح؛ ولأنه يحتاج أن يرتفق ويمشي.
وكان علي رضي الله عنه يقول: (كيف يغتسل؟ كيف يتوضأ؟ كيف يقضي حاجته؟ كيف يصلي؟) فلما كرر السارق السرقة احتار في أمره رضي الله عنه وأرضاه.
ومن أهل العلم من قال: تقطع يده الثانية، والأقوى أنها تقطع رجله، وهو قضاء الصحابة رضوان الله عليهم، فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن تعذر قطع اليمين وقطعت اليسار في الأولى قطعت رجله اليمنى في الثانية، والله تعالى أعلم.
دفن اليد أو الرجل المقطوعة
السؤال
يقول السائل: اليد التي قطعت في حد من حدود الله ماذا يفعل بها؟ هل تغسل وتكفن أم تدفن مباشرة؟
الجواب
الجزء لا يأخذ حكم الكل، وهناك مسائل يأخذ الجزء فيها حكم الكل، مثل أن يقول لزوجته: يدك طالق، رجلك طالق، يدك مني عليّ كظهر أمي، ونحو ذلك، فهذا الجزء يأخذ حكم الكل.
وهناك مسائل الجزء لا يأخذ فيها حكم الكل، ومنها هذه المسألة، فإنه إذا قطعت يده أو صار عليها حادث فبترت فإنها تدفن.
واستدل العلماء على مشروعية الدفن بدليلين: الدليل الأول: دفن الأظافر، وهذا فيه إشكال؛ لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن الأظافر هو خوف السحر، وفيه حديث حسنه بعض العلماء رحمهم الله، فالأظافر ربما -والعياذ بالله- تستعمل لأذية الإنسان بالسحر، ولذلك شرع دفنها بعد القص.
الدليل الثاني وهو القوي على أنها تدفن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:21] فقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:21] يدل على قبر الإنسان بعد موته، والتعبير للكل والمراد به أيضاً الجزء، فلو قطعت يده أو رجله، أو أصاب يده مثلاً تآكل فقطعت يده فإنها تدفن، والله تعالى أعلم.
الفدية بالإطعام لمن لم يستطع صوم رمضان
السؤال
والدي رجل كبير ومريض ولا يستطيع الصيام، فهل لي أن أطعم عنه في أول شهر رمضان، وهل أدفعها في مشروع تفطير الصائم أم لابد من الإطعام؟
الجواب
إذا كان الشخص مريضاً أو كبيراً في السن فهو بالخيار بين أمرين: - إما أن يخرج عن كل يوم بيومه.
- أو يخرج في آخر رمضان.
أما الإخراج عن كل يوم بيومه فينتظر إلى أن تغيب الشمس في قول بعض العلماء، وبعض العلماء يقول: من بداية اليوم؛ فبمجرد فطره في الصباح يطعم؛ لأنه حينئذٍ ثبت وجوب الحق عليه، وأما من بداية الشهر فإنه لم يثبت عليه استحقاق؛ لأنه ربما مات، وربما لم يكتمل الشهر، ولذلك لا يجب عليه الإطعام إلا بعد ثبوت الحق، وإذا أطعم قبل تمام المدة أو أطعم في بداية رمضان لم يجزه إلا عن اليوم الذي أطعم فيه، وذلك كما لو أخرج الزكاة قبل بلوغ النصاب، فزكى ولم يملك النصاب، فسبب الوجوب غير موجود، وعلى هذا لابد أن يكون في اليوم نفسه إذا أراد أن يطعم، أو ينتظر إلى نهاية الشهر ويجمع الأيام كلها، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه في آخر الشهر يجمع ثلاثين مسكيناً ويطعمهم.
وعلى هذا؛ فإنه إن شاء أطعم عن كل يوم بيومه، وهذا هو الأفضل والأحسن والأكمل، فإن هذا يمكنه من الفقراء، ويعينه على الإطعام على الوجه المعتبر.
ثم إنه إذا أطعم المسكين في يومه، يدعوه هذا إلى أن يتحرى في المحتاج، بخلاف ما إذا جمع المساكين الثلاثين، فإنه ربما يتساهل في بعضهم، فالأولى أنه يطعم في كل يوم بحسبه.
حكم العمرة في رمضان لأهل مكة
السؤال
ما حكم العمرة في رمضان لأهل مكة؟
الجواب
العمرة في رمضان لأهل مكة وغيرهم سواء، والأصل في ذلك عموم النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ترغيباً في العمرة، وما ورد عن السلف من التشديد في العمرة إنما هو في العمر المطلقة؛ لأن المقصود من العمرة: الطواف بالبيت، وأهل مكة بمكة، فكان عطاء وغيره من السلف الصالح رحمهم الله يستحبون لأهل مكة بدل أن يخرجوا للتنعيم ويكثروا من العمر أن يطوفوا بالبيت؛ لأن المقصود من العمرة: زيارة البيت، فهم في البيت ومن أهل البيت، ومن هنا ضيق عليهم في إنشاء العمر.
أما العمر المقصودة الوارد بها النص التي لم يرد فيها استثناء؛ فهي باقية على الأصل، والترغيب فيها وارد، ومن اعتمر في شهر رمضان من أهل مكة وغيرهم كانت عمرة كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لامرأة: (ما منعك أن تحجي معي؟ -حينما قفل عليه الصلاة والسلام من حجة الوداع_ قالت: يا رسول الله! ليس لنا إلا ناضح وقد أخذه أبو فلان، فقال صلى الله عليه وسلم -مطيباً لخاطرها وللأمة جمعاء- إذا كان رمضان فاعتمري، فعمرة في رمضان كحجة معي)، فلم يقل: إلا أهل مكة، بل قال: عمرة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولذلك لو قيل بالتخصيص لخصص النساء دون الرجال، ولو قيل بالتخصيص لخصص المعذور دون غير المعذور، ولو قيل بالتخصيص لخصصت المرأة فقط لوحدها، لكن القاعدة: العبرة بعموم اللفظ (عمرة في رمضان كحجة معي)، وما قال لها: اعتمري في رمضان القادم فإن لكي بها حجة عوضاً -مثلاً- عن الحجة، إنما خاطب بخطاب العموم، وهذا العموم ليس فيه تخصيص ولا استثناء، فيبقى على الأصل وهو الأظهر، وهذا مذهب جمهور العلماء: أن العمرة مشروعة لأهل مكة وغيرهم على حد سواء، والله تعالى أعلم.
حكم السعي إلى الصلاة
السؤال
أيهما يقدم المسلم حين القدوم إلى الصلاة إذا أراد أن يدرك تكبيرة الإحرام أو الركعة، هل يسرع إسراعاً لا يخل بمقصود الصلاة من الخشوع -كأن يكون سريع المشي عادة- أم أنه يمشي بسكينة ويفوته خير بسكينته؟
الجواب
الأصل يقتضي عدم الإسراع عند سماع الإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، إلا أن بعض السلف رحمهم الله خففوا في الإسراع اليسير واحتجوا بحديث قباء (لما خرج عليه الصلاة والسلام إلى قباء ثم سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع في مشيه)، وهذا الإسراع ربما يكون هو مقصود السائل؛ لأنه يوجد إسراع بسعي، ويوجد إسراع جد في السير، وكان صلى الله عليه وسلم من هديه الخلقي أنه إذا مشى مشى مشية الرجل ولم يمش مشية المتماوت.
ولذلك قال الراوي: (كأنه يتحدر من صبب)، أي: كأنه نازل من جبل أو نازل من مكان عالٍ، من قوته ورجولته بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فالاشتداد بالمشي الذي لا يذهب السكينة ولا يذهب الوقار معفو عنه، وورد عن طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورخص فيه الأئمة.
ولكن الإسراع الذي هو الهرولة والجري فهذا منهي عنه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لـ أبي بكرة: (زادك الله حرصاً ولا تعد) أي: لا تعد إلى هذا الإسراع؛ لأنه سمع منه جلبة، وعلى هذا إذا كان الإسراع من الضرب الذي يوءذن به فلا بأس، وإن كان على خلافه فإنه ممنوع منه، والله تعالى أعلم.
تقديم بر الوالدين
السؤال
أبي رجل كبير في السن فهل الأفضل الاعتكاف أم بر الوالدين، مع العلم أن هناك أخوة لي يبرونه؟
الجواب
الله المستعان! ليس هناك شيء -يعدل بعد توحيد الله عز وجل وإقامة فرائض الله- بر الوالدين، ليس هناك أجمل ولا أكمل ولا أفضل من ساعة تلزم فيها رجل الأم أو رجل الأب تقضي حوائجهما وتنفس كرباتهما بعد توحيد الله عز وجل، وتفرحهما وتحسن إليهما، استجابة لأمر الله عز وجل الذي لم يقله المرة ولا المرتين، وإنما كرره وقرنه بأعظم الحقوق ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:36]، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:23].
من هذا الذي يستطيع أن يعدل اعتكافه ببر الوالدين؟ برك لأبيك وأمك أعظم، وإدخالك السرور على الوالدين أفضل وأجل، ولو كان ذلك لقضاء حوائجهم الدنيوية، ولو قال لك أبوك: اجلس في الدكان، فتجلس في الدكان وتبره، ويشهد الله بقرارة قلبك أنه لولا الله ثم بر الوالدين للزمت المساجد، وتحفظ دينك وتحافظ على القيام على الوالدين والإحسان إليهما، حتى إن الله تعالى يقول له: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:23]، وعبر بالمصدر ثم اختار أعظم كلمة في العبادة وهي الإحسان، فأحب شيء لله عز وجل أن تعبد الله كأنك تراه، وهذه العبادة وصفها الله بصفة الإحسان (قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه)، وقال الله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:2]، ما خلق الله الخلق إلا ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فاختار الله هذه الكلمة العظيمة التي اختارها لنفسه في عبادته، واختارها أيضاً للوالدين فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:23].
تأمل كيف يأمر ربك سبحانه وتعالى ببرك لوالديك وجلوسك معهما وقضاء حوائجها، فلا يمكن أن يعدل بركوع وسجود في اعتكاف؛ لأن بر الوالدين حق واجب، والاعتكاف نافلة؛ ولأن بر الوالدين مفضل بعد الصلاة المفروضة، يقول عبد الله بن مسعود: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: الصلاة على وقتها.
قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) قال عبد الله رضي الله عنه: (حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني).
احرص بارك الله فيك! على البر بوالديك، وخاصة في هذه المواسم الطيبة المباركة؛ مواسم النفحات والرحمات والخيرات، فيبحث الإنسان عن أقرب السبل وأقصرها مما يفضي به إلى جنة الله ورضوانه، ألا وإن من تلك السبل المحببة إلى الله: بر الوالدين.
واعلم أنها ساعة سعيدة حينما تفوز برضا الوالدين، وأي ساعة تلك الساعة إذا خرجت ووراءك أب صالح يرفع كفه إلى الله لك بصالح الدعوات! وأي ساعة تلك الساعة حينما تخرج ووراء ظهرك أم جبرت كسرها وأدخلت السرور عليها، وبددت حزنها، وعالجت سقمها ومرضها وداءها، وبردت كبدها وحرها وضمأها، وقمت على حوائجها، فخرجت من عندها وهي راضية عنك، فرضي الله عنك برضاها! أي ساعة تلك الساعة حينما تحس أن والديك راضيان عنك! ولو لم يكن في بر الوالدين شرفاً وفضلاً إلا أن الله قرنه بتوحيده، وأمر به أنبياءه وصفوته من خلقه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لكفى بذلك فضلاً وشرفا، ولكن من هو الموفق؟! ومن هو السعيد؟! يا هذا! لو تعلم ما لك في برك لأبيك خاصة حينما رق عظمه وشاب شعره وخارت قواه، لو علمت ما لك في برك لأمك الحنون التي حملتك وأرضعتك وكابدت من أجلك وعانت ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، لو علمت ماذا تساوي الدقيقة من الأجور والحسنات ورفعة الدرجات، وماذا تساوي من حسن الخاتمة عند الممات، لما تركت طاعتها لحظة.
فما رأينا باراً بوالديه إلا فتحت أبواب الخير في وجهه، ولا رأينا باراً بوالديه إلا سعيداً قرير العين، ولا رأينا باراً بوالديه ضاقت عليه الدنيا إلا نفس الله عنه ضيقها، ولا تكالبت عليه الأحزان والأشجان إلا بدد الله عز وجل همها وغمها، ما رأينا البر يعود إلا بالخير والفضل والبركة والإحسان.
كل إنسان رزقه الله أباً وأماً فليحس أن هناك أمانة، وأن الله ائتمنه عليهما عند المشيب والكبر، فماذا يغني لك الأحباب والأصحاب والسهر معهم والأنس بهم ووالداك بحاجة إليك؟ أي محروم هذا المحروم الذي يخلف أمه وراء ظهره مريضة سقيمة محتاجة إليه تئن وتحن، ثم يذهب ويحتال حتى يأخذ منها الرضا الملفق المزور، ويعلم الله من قرارة قلبه أنه خان والديه، وأنه قد غشهما، لكي يذهب ويدعي أنه يركع ويسجد وأنه يتقرب إلى الله عز وجل؟! من هذا المحروم الذي يترك والديه وراء ظهره، وهما أحوج ما يكونان إلى علاج أو دواء أو مال أو أي حاجة من الحوائج وهو قادر عليها؟! فاتق الله في والديك، والزمهما واحرص كل الحرص على إدخال السرور عليهما، فهما طريق الجنة، وفي الحديث: قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد وتركت أبواي يبكيان.
قال: أتريد الجنة؟ قال: نعم.
قال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)، ما المراد بأن يضحكهما؟ هل بكلمة أو كلمتين؟ (أضحكهما) يعني: كن في حالة وهيئة وشأن وفي جميع أمورك تضحك بها الوالدين، حتى إن العبد الصالح قد تتكالب عليه هموم الدنيا وغمومها ويؤذى في عمله ووظيفته، ويأتي من عمله ووظيفته مكروباً محزوناً فيدخل على والديه ويكتم حزنه فيضحك معهما، والله يعلم كم في قرارة قلبه من الأشجان والأحزان، وكم من مكروب منكوب إذا دخل على والديه ضحك كأنه في جنة وفي سعادة، وهذا والله! لن يخرج إلا قرير العين برحمة ربه.
فليبحث الإنسان عن رضا الوالدين، وليبحث عن كلمة تبدد أحزانهما، وليبحث عن سرور يدخله على الوالدين حتى ولو كان بالحكاية والرواية، فإن المحسن بمجرد أن يجلس عند أمه يبحث عن كلمة أو قصة أو حكاية تدخل السرور عليها التماساً لمرضاة الله ((وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [الإسراء:22].
وقف العبد الصالح على والدين عند مشيبهما وكبرهما وكتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم نصب عينيه لا يفتر ولا يتعب ولا ينصب، يجتهد ويجد في رضا الوالدين، هذه هي السعادة، وهذا هو طريقك إلى الجنة.
فعليك أن تبدأ بحق الله أولاً من الفرائض التي فرضها عليك، كإقام الصلوات وإيتاء الزكاة والصوم والحج، ثم بعد ذلك تثني ببرك لوالديك، فالتمس رضاهما، وجد واجتهد وشمر عن ساعد الجد في ذلك.
وبعض الأحيان الشيطان يدخل على الإنسان مدخلاً غريباً، يكون الوالد تاجراً، فيقول لولده: ابني! أريدك أن تجلس في الدكان.
صحيح أن هناك فتناً، ولكن الفتن من تعرض لها فتن، ولكن الإنسان إذا اتقى الله ربط الله على قلبه، فيأتيه الشيطان ويقوله له: الناس في عبادة، يركعون ويسجدون وأنت جالس تبيع وتشتري! أو تأتيه والدته وتقول له: أريد أن أذهب إلى المستشفى.
أو تريد أن تدخل السرور على أولادها، أو تريد أن تشتري شيئاً من السوق، فتجد الواحد يدقق ويبحث عن مآخذ، فيقول في نفسه: لا السوق فيه فتن، فيه كذا وكذا، نقول: نعم في السوق فتن، ولكن ابحث عن طريقة تستطيع أن تبر بها والديك، ولا تضيق الأمور، وتجده إذا أراد حاجة لنفسه ذهب إلى السوق في أعز أوقات الفتن، ولم يبالِ! والنفوس مجبولة على أن الشيء الذي للغير تنتقد فيه وتضيق فيه، والشيطان حريص على حرمان الإنسان من الخير.
اجعل بر والديك نصب عينيك، واتق الله عز وجل في الطريق التي تبر بها والديك، وسيسهل الله عز وجل لك ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:5 - 7].
فإذا كنت في نيتك وقرارة قلبك حريصاً على برك لوالديك، فتح الله لك أبواب الرحمة، وأدخل السرور على الوالدين بك، إن من عباد الله الأخيار الصلحاء من فاز في رمضان وغير رمضان ببره لوالديه، فلا يعلم أحد مقدار ما فاز به من الدرجات والباقيات الصالحات إلا الله وحده.
فبر الوالدين هو الطريق إلى الجنة والرحمة والبركة والتوفيق، وهو الطريق إلى كل خير ورشد.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.
وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن أمشي في حاجة مكروب أو منكوب أو مسلم -يعني: في قضاء حاجة- أحب إلي أن أعتكف في هذا المسجد)، ويروى عن بعض التابعين، ويروى عن بعض السلف رحمهم الله.
وهذا من باب تقديم النفع المتعدي على النفع القاصر، ونقول أولاً: بر الوالدين فرض والاعتكاف سنة، وثانياً: إنك إذا بريت الوالدين ونويت الاعتكاف كتب لك الأجران، وثالثاً: إن بر الوالدين نفعه متعدٍ، والصلاة والعبادة نفعها قاصر، والنفع المتعدي مقدم على النفع القاصر، والأمر الرابع: أن الأصل يقتضي في باب المفاضلات أن ينظر إلى حصول الضرر فـ (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، فبعض الإخوان إذا غاب عن والديه تشوشا، وهنا ننصح الأساتذة الفضلاء الذين يحرصون -جزاهم الله خيراً- على أخذ بعض الشباب الصغار إلى المساجد، وبالأخص الحرمين، أن ينتبهوا لهذا، وأنا من وجهة نظري أن بعض الصغار دخولهم الحرمين يضيق على من هو أكبر وأولى بالاعتكاف، وإذا نظر إلى شدة الزحام ودخول هؤلاء الصغار الذي بعضهم قد يعبث، وبعضهم قد لا يشعر بمعنى الاعتكاف، ولا يتأثر به التأثر المحمود، فلو اقتصروا على من يتأثر وعلى من ينتفع لكان أفضل؛ لأن الناس كثرت الآن وليس كما كان في السابق، وتعليم الشباب وتعويدهم على الخير يكون في أزمنة أخرى غير رمضان، ونحن لا نشك أن هذا من باب الخير ومن باب التعاون، لكن الذي نلحظه ونجده، وقد اشتكى لنا كثير من الناس، أنهم قد يأتون بعدد كبير من صغار السن ويدخلونهم إلى الاعتكاف، وهذا يؤثر ويضر في مزاحمة من هو أكثر خشوعاً وأولى بالعبادة ممن هو قاصر.
وخروج هؤلاء
شرح زاد المستقنع -
باب حد قطاع الطريق [1]
من حدود الله عز وجل في كتابه الكريم حد الحرابة على من تعرض معصوم محترم بسفك دمه أو أخذ ماله أو الاعتداء على عرضه، وهذا الحد قد وضعته الشريعة ردع الشذاذ المحاربين وعصابات السلب والقرصنة، وقد بين الشارع الحكيم الأمور التي تتحقق بها الحرابة، ونحو ذلك.
مشروعية حد الحرابة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب حد قطّاع الطريق] هذا الباب يشتمل على حد من حدود الله عز وجل، التي ثبتت بدليل الكتاب والسنة، وإجماع العلماء رحمهم الله.
ومناسبة هذا الباب للباب الذي قبله أن حد السرقة اعتداء على الأموال، وحد الحرابة وقطع الطريق فيه اعتداء على الأموال والدماء والأنفس والأعراض، واعتداء على أمن الناس، وذلك بتخويف السبل، فإما أن تكون المناسبة لخاص مع خاص، بأن ننظر إلى أن حد السرقة اعتداء على الأموال، وقطع الطريق الغالب فيه طلب المال، فناسب أن يذكر الحد الأكبر بعد الحد الأصغر؛ لأن الحرابة أكبر من السرقة.
وإما أن يقال: إن حد الحرابة أشمل، فيصبح حد الحرابة عاماً بعد خاص، والخاص هو السرقة وهي اعتداء على الأموال، وقبلها جريمة الزنا والقذف وغيرها من الاعتداءات، فبعد أن بيّن الحدود الخاصة بالأموال بالسرقة، والجناية على العقل كحد شارب الخمر، والجناية على الأعراض من القذف وحد الزنا، شرع في بيان الحد الذي يجمع أكثر من حد وعقوبة، وهو: حد قطع الطريق أو ما يسمى: حد الحرابة.
وكلتا المناسبتين صحيحة، ولا شك أن من دقة المصنف رحمه الله أن يذكر حد الحرابة بعد الحدود الخاصة، ومن دقته أن يراعي المناسبة بين حد السرقة في الجناية على الأموال وحد قطع الطريق.
وقد اختلفت عبارات العلماء رحمهم الله في هذا الباب، فمنهم من يقول: باب حد قطع الطريق أو قطاع الطريق، ومنهم من يقول: باب الحرابة.
مناسبة باب الحرابة لما قبله
تعريف حد الحرابة
والحرابة: مأخوذة من الحرب، وهي ضد السلم، ومن عبر بالحرابة راعى نص الكتاب وتأدب مع الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:33] فوصفهم بكونهم محاربين؛ ولأن هذه الجريمة لا يمكن أن تكون إلا وفيها صفة المحاربة لجماعة المسلمين وأفرادهم والخروج عليهم بما فيه خوف وضرر وأذية، وليس المراد به خروج البغاة.
وأيضاً لا تكون جريمة إلا إذا اشتملت على صورة مخصوصة، وهذا ما سنذكره إن شاء الله من الشروط المعتبرة لكي نحكم بأنها جريمة حرابة.
فالذين عبروا بالحرابة راعوا لفظ القرآن، والذين عبروا بقطع الطريق راعوا أيضاً وصف نبي الله لوط عليه السلام لقومه، قال: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:29] فكلا التعبيرين صحيح، ولكن التعبير بالحرابة فيه نوع من العموم، وذلك إذا قلنا: إن الحرابة لا تختص بالصحراء فقط، بل تقع الحرابة داخل المدن في الجرائم والعصابات المنظمة، أو حتى الاعتداء الفردي المسلح الذي يكون جهاراً وتخويفاً للناس علانية.
والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله: أن الحرابة لا تختص بالصحراء، ولا تختص بالبحر كما في قرصنة البحار، ولكن يمكن أن تكون داخل المدن، وهذا يترتب عليه مسائل؛ لأن عقوبة الحرابة عقوبة قوية، حتى ولو سامح أهل الحقوق فإنها لا تسقط، وينفذ الإمام والسلطان الحكم وينزل العقوبة ولو سامح أهل الحقوق، وحينئذٍ فأي شيء تعطيه حق الحرابة فهو أمر عظيم، وليس من السهولة بمكان الحكم على أي جريمة أو جماعة أو أفراد بأنهم محاربون لله ورسوله.
ومن هنا وضع العلماء الضوابط، فالتعبير بالحرابة فيه شمولية وعموم أكثر من التعبير بقطع الطريق؛ لأن التعبير بقطع الطريق يشعر بأن الحد متعلق بالاعتداء في الصحراء دون المصر ودون المدن، وهذا مذهب بعض العلماء رحمهم الله على تفصيل عندهم في ضابط المدن؟ ومتى تكون الجناية داخل المدن؟ منهم من يفصل في هذا ومنهم من يطلق.
والشاهد عندنا: أن من عبر بالحرابة يمتاز بأمرين: الميزة الأولى: مراعاة لفظ القرآن.
والميزة الثانية: أنه أشمل وأعم، إذ لا يشعر باختصاص العقوبة والحد بالجناية في الصحراء دون البنيان.
تعريف مصطلح قطاع الطريق
قوله: (حد) تقدم معنا تعريف الحد لغة واصطلاحاً، وأن هذا المصطلح يطلق على العقوبات المقدرة شرعاً.
ومن هنا لما كانت الحرابة مقدرة من الله عز وجل وجعل فيها القتل عقوبة، ومع القتل الصلب للمقتول الجاني، وجعل فيها قطع اليد والرجل من خلاف، وجعل فيها النفي من الأرض، وكلها عقوبات حددها الشرع وعينها وقصدها، ومن هنا وصفت بكونها حداً.
وقوله: (قطاع) جمع قاطع، وأصل القطع ضد الوصل، قالوا: إن الناس يسافرون ويخرجون في السفر قاصدين المدن، وقاصدين أماكن مخصوصة، فإذا حصلت الحرابة قطع المحارب عليهم سفرهم وطريقهم، فوصفت بكونها قطعاً للطريق وقطعاً للسبيل.
وقوله: (الطرق) جمع طريق، وسمي بذلك؛ لأن الناس يطرقونه بالنعال، أو يسمع فيه طرق النعال من الإنسان إذا سلكه، والطريق والسبيل معناهما واحد، وقيل: السبيل للمعنويات، والطريق للمحسوسات، وإن كان قد جاء في القرآن: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت:29] وهذا يدل على أنه يطلق على المحسوسات كما يطلق على المعنويات.
قال تعالى في إطلاق السبيل على المعنويات: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان:3] أي: ألهمناه سبيل الخير والشر، وهذا من إطلاق السبيل إطلاقاً معنوياً.
وقوله رحمه الله: [باب حد قطّاع الطريق] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بحد قطع الطريق، وما جعله الله من العقوبة لهذه الجريمة.