شرح زاد المستقنع للشنقيطيصفحات 19-14

الأسئلة

جواز إدخال الإجارة على الرهن ومباينته لعقد البيعتين في بيعة

السؤال

أشكل عليَّ انتقال يد الراهن من الأمانة إلى الضمان، وذلك إذا استأجر الرهن، فهنا ابتدأ بعقد الرهن وانتهى إلى الإجارة، فوسع هنا في هذه المسألة، وحرم في البيوع عن بيعتين في بيعة، وتردد العقد بين البيع والإجارة، فهل من حكمة في التوسيع هنا، والتضييق هناك؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فأما بالنسبة لمسألة الرهن وانتقاله إلى الإجارة فليس هو على سبيل التشريك، فينبغي أن يُفرّق بين هذا وبين عقد البيعتين في بيعة، وعقد الإجارة الذي ينتهي بالتمليك عقدان في عقد.
أما الرهن مع الإجارة فعقدان منفصلان: الرهن عقد منفصل له شروطه وله ضوابطه، والإجارة عقد مستقل له شروطه وله ضوابطه، فإذا تعاقدا على رهن وأبقيا يد الرهن على ما هي عليه فرهن، وإن رفعا الرهن باختيارهما ورضاهما فهذا جائز، فمثلاً: لو أنني أخذت رهناً منك، ثم جئتني وقلت: يا فلان! أنا محتاج للرهن وأريد أن أنتفع به، فهلا سامحتني وأقلتني، فقلت لك: قد سامحتك، وأخذتَ الرهن، فإنه يجوز بالإجماع.
فانتقلت يد الرهن من الرهن إلى عقد آخر، دون أن يجتمعا.
لكن العقد في بيعتين في بيعة هنا اجتمع العقدان في عقد واحد، كأن يقول لك: أبيعك هذه الدار بعشرة آلاف حاضرة، أو بعشرين إلى نهاية السنة، وتفترقا قبل التحديد، أما لو حددتما فليس هناك إشكال، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما -كما روي عنه في مصنف ابن أبي شيبة وغيره-: أما إذا بت فلا إشكال.
فجمهور السلف رحمهم الله على أنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، وأخذ بإحدى البيعتين، فإنه خرج عن بيعتين في بيعة، وليس هناك خلاف إلا قول سماك ورواية عن طاووس رحمهما الله؛ وذلك لأن العقدين لا يدخلان في عقد واحد إلا إذا افترقا، فإن افترقا، وقد أعطاه البيعتين ولم يحدد، فقد أدخل العقدين في عقد، أما هنا -في عقد الرهن والإجارة- فإنه لم يدخل العقدين في عقد؛ لأن عقد الرهن على حدة، ثم اتفقا على انتقاله من الرهن إلى الإجارة، كما لو اتفقا على أن يعود على صاحبه.
إذاً: ليس هناك أي إشكال، فهذا شيء وهذا شيء، ولا يعتبر هذا من تداخل العقود.
وهكذا لو قال لك: استأجِر العمارة عشرين شهراً بعشرة آلاف كل شهر، ثم بعد سنة تملكها، فهو ليس بعقد إجارة، وليس بعقد بيعٍ محض، وإنما أدخل البيعتين في بيعة، أو أدخل العقدين في عقد، على القول بأن الإجارة بيع، ولا شك أنها نوع من البيع الذي هو بيع المنافع، فأدخل البيعتين في بيعة من جهة بيع منفعة، وبيع عين، أدخلهما في عقد واحد، وقد استأجرتَ العمارة وفي نيتك أن تملكها، والتزم لك أن يملكَك في نهاية العام، فأدخلتما عقدين في عقد واحد، فالغرر في هذا واضح.
وهكذا لو قال له: أبيعك بعشرة حاضرة وبعشرين إلى أجل، وافترقا قبل التحديد، فقد أدخلا الصفقتين في صفقة واحدة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في تتمة حديث البيعتين في بيعة: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؛ وذلك لأنه إذا قال له: بعني بمائة حاضرة وبمائتين إلى أجل، وفارقك قبل أن يحدد، فإما أن يعطيك الوكس وأنت ترجو المائتين إلى أجل، فيقول لك: أريد أن أشتريها بمائة حاضرة، فضيّع عليك المائتين إلى أجل، وأنت تحب أن تكون إلى أجل، وهذا هو أوكسهما، أو أخذها وهو يريد أن يدفعها مائة، ثم قال: هلا خففت عليَّ فجعلتها إلى أجل، فوقع في الربا، فعاوض عن المائة التي في نيته أن يشتري بها إلى المائتين في أجل، فتحقق فيه ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، أما لو بتَّ، واشترى بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، كما هو موجود في بيع التقسيط، فليس هذا ببيعتين في بيعة؛ لأنه ليس له أوكسهما ولا الربا؛ ولأن العقد تم على سعرٍ معيّن، فالسلعة قيمتها حاضرة بمائة، وقيمتها إلى أجل بمائتين، ستشتريها بمائة حاضرة أو بمائتين إلى أجل، فهذا ليس من بيعتين في بيعة في شيء.
ولو قلنا: إن كونه يعرض عليه القيمتين في الصفقة يدل على أنه بيعتين في بيعة، لدخلت جميع البيوعات في المساومات؛ لأنه في المساومة يقول له: بعني بعشرين، فيقول: لا، بل بثلاثين، كما لو قال له: بعني بعشرة حاضرة أو بعشرين إلى أجل، فالمعنى في هذا واضح.
وعلى هذا لا يُعتبر إدخال الإجارة على الرهن كالبيعتين في بيعة، ولا يعتبر هذا موجباً للإشكال؛ لأن الرهن مستقل وعقدٌ قصد به الاستيثاق على وجه شرعي معتبر، وتم وبت على الصفة المشروعة، ثم اتفق الطرفان على إلغائه وإنشاء عقد الإجارة، وليس هذا من التداخل في شيء، وعليه فإنه يزول الإشكال، والله تعالى أعلم.

حكم تلف الرهن عند المرتهن

السؤال

إذا رهن عندي رجلٌ بعيراً، ثم مات هذا الرهن عندي قبل السداد، ثم طالبني به، فما الحكم أثابكم الله؟

الجواب

إذا مات البعير، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يموت بدون تفريط منك، فليس من حقه أن يطالبك، ويدك يد أمانة.
الحالة الثانية: أن يموت بتفريطٍ منك، فإنك تضمن، وعلى هذا يفصّل في مسألة ضمان الرهن.
مثاله: قال لك شخص: أعطني مائة ريال ديناً، فقلت له: أعطني رهناً، فأعطاك ساعة أو مسجلاً أو كتاباً، فتلفت الساعة، أو تلف الكتاب، أو تلف المسجل، فإنه لا يضمن إلا إذا فرّط، فإن كان تلف هذه الأعيان بسبب تفريط منه فإنه يضمن، وأما إذا لم يفرِّط في ذلك فإنه لا ضمان عليه، وحينئذٍ تكون يده يد أمانة على التفصيل الذي سبق بيانه، والله تعالى أعلم.

حكم استصلاح الدور المؤجرة من قبل المستأجر

السؤال

من كان مستأجراً لدار، وأراد أن يصلح فيها ما خرب، فهل لا بد أن يستأذن من المالك عموماً، أم يصلح مرافقها ويحتسب ما أنفقه من قيمة الإيجار؟

الجواب

إذا استأجرت داراً فليس من حقك أن تتصرف في عين الدار، فتغير فيها أو تُحدث فيها إلا إذا استأذنت مالكها، أما ما يكون من جنس المنافع ومن حقك عرفاً أن تفعله، فإنك تفعله، فإذا كان هذا الذي تفعله فيه ضرر أو فيه زيادة أو نقصاً أو تغيير لصفة العين المؤجرة، فلابد أن تستأذن.
فلو استأجرت داراً مكونة من أربع غرف، وكان بالإمكان أن تفتح كل غرفتين على بعضها، فلابد أن تستأذن، ولا تنقل الجدار الحائل إلا بإذن، وكذلك أيضاً لو أردت أن تحدث أشياء، كوضع المسامير في الجدار أو نحوها، فلابد أن تستأذن، فإن لم يأذن لك وفعلت ذلك من عندك، فإنه يجب عليك شرعاً إذا فرّغت الدار أن تسلمها بالصفة التي استلمتها عليها.
وهذه مسألة من أعظم المسائل التي يعظم فيها الضرر، وأحبِّذ للخطباء وأئمة المساجد أن يذكِّروا الناس بالله عز وجل، فإن حقوق العيون المؤجرة -في هذا الزمن- ضائعة بين الناس إلا من رحمهم الله، فالمستأجر إذا انتهى وخرج من البيت، أو خرج من الدكان أو العين المؤجرة، فإنه يخرج منها بحالة قد تحتاج إلى استصلاح يقارب نصف قيمة الأجرة، ومما لا يخفى أنه قد تكون هذه العين أو هذه العمارة ملكاً لأيتام، وقد تكون ملكاً لأرامل وقفاً عليهم، ولذلك يعتبر هذا المال الذي أفسده المستأجر في ذمته ورقبته يوم القيامة، فلو أفسد العين المؤجرة، وأحدث وغيّر وتصرّف فيها، فإنه يجب عليه أن يعيدها على الصفة التي استلمها بها، حتى ذكر العلماء الكنيف الذي هو محل قضاء الحاجة، فقد كان في القديم ينزح وينظف، فقالوا: إذا استلمه نظيفاً، فلابد أن يخرج وهو نظيف، بمعنى أنه لا يبقيه بفضلته، وذلك كله من باب التشديد في الحقوق.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الناس في عرصات يوم القيامة تطيش عقولهم من الذنوب والمظالم؛ لأنه يؤتى بالمظالم مثل الخردلة وأدنى من ذلك: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]، والله عز وجل قد أمر العباد برد الحقوق إلى أهلها، فهذا حق، فإذا استأجرت العين كاملة فتردها كاملة، وإذا استأجرتها سليمة فتردها سليمة، أما لو أضر بأرضيتها، أو بسقفها، أو بجدارها، أو بأي شيء فيها، فإنه يضمن ذلك ويرده كاملاً إلى صاحبه.
فينبغي تنبيه الناس في هذا الأمر؛ لأنها من الحقوق التي تضيع بين الناس، ويُنبَّهون على الأمور التي ينبغي أن يراعيها المسلم مع أخيه المسلم في مثل هذه العقود؛ من ضمان الحقوق، وعدم الظلم، وعدم الأذية، وعدم الإضرار، فليتق الله المسلم في حقوق إخوانه، خاصة الأوقاف المؤجرة؛ لأنها تكون ملكاً لأناس مستحقين؛ كالضعفة والعجزة، وتصرف غلّتها عليهم، فإذا أُفسِدت هذه الأوقاف وضُيِّعت، فحينئذٍ تضيع حقوق من تصرف لهم.
والناظر هو المسئول أمام الله عز وجل؛ لأن تساهل الناظر وسكوته يمكِّن المفسد من إفساده، فإذا جاء الناظر ليستلم العين المؤجرة، فعليه أن يطالب المستأجر أن يسلمها كما استلمها، أما أن يتركه يفسد فيها ويغيّر فيها ويعبث على مرأى منه ومسمع، فإذا سلمها سلمها ناقصة، ثم صرف من غلة الوقف لاستصلاحها؛ فهذا ظلم لأصحاب الحقوق، وينبغي التنبه لمثل هذه الحقوق والتنبيه عليها؛ لما فيها من الأذية والإضرار الذي نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، نسأل الله العظيم أن يجنبنا الزلل، وأن يعصمنا في القول والعمل، والله تعالى أعلم.

جواز انتفاع المرتهن بصوف البهيمة إن أذن له الراهن

السؤال

هل يدخل في الانتفاع صوف الشاة، فله أن يجزّه ويبيعه أثابكم الله؟

الجواب

ظاهر النص الانتفاع بالحليب والركوب، هذا الذي ورد به النص، سواءً أذن أو لم يأذن، ويبقى فيه الحكم على التفصيل الذي ذكرناه، أما صوف البهيمة وشعرها، فليس من حقه أن ينتفع به بدون إذن إذا أنفق عليها؛ بل يبقى على الأصل من وجوب الاستئذان على التفصيل الذي ذكرناه، والله تعالى أعلم.

حكم القراءة في الكتب المرهونة بإذن وعدمه

السؤال

إذا كان الرهن كتباً للعلم، فهل القراءة فيها من باب الانتفاع، ويدخل في مسألة القرض الذي جر نفعاً أثابكم الله؟

الجواب

مسألة قراءة الكتب، بعض العلماء يرى أن العلم لا يُملك، فكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس ملكاً لأحد، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان:57]، فقالوا -بناءً على هذا الأصل-: يجوز أن تقرأ في كتاب الغير ولو لم تستأذنه.
ومن ذلك: القصة المشهورة بين سحنون وهو عبد السلام الفقيه المالكي المشهور، وبين أسد بن الفرات، وأسد بن الفرات من الفقهاء الأجلاء الذين ارتحلوا إلى ابن القاسم في مصر، وكان أسد بن الفرات يريد أن يلقى الإمام مالكاً بنفسه ويسأله، فتوفي الإمام مالك وهو في مصر، فسأل عن أعلم أصحابه، فقيل: ابن القاسم، فجاء إلى ابن القاسم، وقال: إني سائلك، فما كان عندك من قول مالك فأخبرني عنه، وما لا قول لـ مالك فيه فأخبرني عن الأشبه بقوله، -ويسمَّى: التخريج على القواعد والأصول-، فأفتاه وبيّن ما يُسمى: بالمدونة، ثم رجع إلى المغرب، فجاء سحنون، وهو عبد السلام، ويقال: سُحنون وسَحنون، قال الناظم: وسين سَحنون بفتح قد ترام وقد تضم واسمه: عبد السلام الشاهد: أن سحنون جاء إليه وقال له: أعطني مدوّنتك أنقل ما فيها، فقال له: لا أعطيك، فقال: إنه لا يجوز لك أن تخفي هذا العلم عني، فقال له: كتابي، ولي الحق أن أعطيه من أشاء وأمنعه ممن أشاء، فقال: لكن العلم ليس ملكاً لك، فاختصما إلى القاضي، فقال أسد بن الفرات: الكتاب كتابي، والمداد مدادي، والقلم قلمي، يعني: أنا الذي كتبت، وهذا الشيء المكتوب ملكٌ لي، فأنا لا أدعي ملك العلم، ولكني أدعي ملكية الكتاب، والكتاب يُملك، الذي هو الصفحات والأوراق والجلد، والمداد ملكٌ لي، والقلم الذي خط ملك لي، وهذا هو الذي يفرِّعون عليه الآن حقوق الطبع.
فقال سحنون: إن العلم لا يُملك، فقال القاضي: إن الكتاب كتابه -ولكن هذا لحكمة من الله، وقل أن يبخل إنسان بالعلم إلا محق الله بركته-، فلما قضى القاضي لـ أسد بن الفرات، ارتحل سحنون إلى ابن القاسم في مصر، فأخبره القصة، فدوّن له مدوّنة أخرى، ورجع عن مسائل في مدوّنة أسد، وسأل الله أن ينزع البركة من مدوّنة أسد، فتلِفت وضاعت وما بقيت إلا مدوّنة سحنون إلى يومنا هذا.
إذاً: العلم ما يبخل به أحد إلا محقت بركته، نسأل الله السلامة والعافية.
فالشاهد: أن مسألة ملكية الكتاب بذاته، إذا قلنا: إن العلم لا يملك؛ كان من حقه أن يقرأ، ويقرأ باستحقاق شرعي خارج عن العين المرهونة، وإن قلنا: إن الكتاب يُملك، فحينئذٍ تكون العين مملوكة، وليس من حقه أن يفتحها ويقرأ إلا بإذن من المالك.
وفي الحقيقة: النفس تميل أكثر إلى أن العلم لا يُملك، وهذا هو الذي تقرِّره النصوص وتدل عليه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شرح زاد المستقنع -

باب الضمان

لقد جاء الإسلام بحفظ الكليات الخمس: الدين والمال والنفس والعرض والعقل، ومما يحفظ به المال ما ذكره الفقهاء في كتب الفقه من الرهن والحوالة والضمان، فهذه كلها عقود يستفاد منها الرفق واستيفاء الحقوق، والضمان هو أحد هذه العقود، والذي يكون بإضافة ذمة إلى ذمة في دين أو عين، ولكي يثق الإنسان من رجوع حقوقه؛ فإنه لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف؛ لأنه لو ضمن غير جائز التصرف لضاع المال.
والضمان له أحكام ومسائل عدة بينها أهل العلم.

مشروعية عقود الاستيثاق

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد: قال رحمه الله: [باب الضمان] هنا ثلاثة أبواب مهمة، الباب الأول: الرهن، الباب الثاني: الضمان، الباب الثالث: الحوالة، وإذا تأملت الأبواب الثلاثة حيث جاءت وراء بعضها، ذكر المصنف الرهن، والرهن متصل بالقروض، فالمناسبة واضحة، وبعد أن فرغ من أحكام الرهن دخل في الضمان، وباب الضمان من أهم الأبواب، وتعم به البلوى، والناس دائماً يسألون عن أحكامه، وهو موجود إلى زماننا اليوم، وهو ما يسمى: بالكفالة: كفالة مال، وكفالة وجه، وكفالة حضور، كل هذه مما تعم بها البلوى حتى في زماننا.
فباب الرهن، وباب الضمان، وباب الحوالة، ثلاثة أبواب توصف في الفقه الإسلامي بأنها عقود استيثاق، يعني: يتوثق بها في الحقوق.
ففي الرهن يستوثق صاحب الحق -المال الذي دفعه، أو العين التي باعها- من حقه بالرهن، وفي الضمان يستوثق صاحب الحق أيضاً بالرجل الكافل، أو الضمين أو الضامن، أو الحميل أو الزعيم، أو الغارم، كلها بمعنىً، يستوثق من حقه، فيقول لك مثلاً: أنا أعطيك مائة ألف، ولكن أعطني كفيلاً، مثلما قال لك: أعطني رهناً، فهنا يقول: أعطني كفيلاً، فهناك استيثاق بالعين، وهنا استيثاق بالأشخاص والذمم، كذلك أيضاً الحوالة فيها نوع استيثاق؛ لأنه إذا عجز عن السداد، فإنه يحيلك على شخص له دين عليه، وقد يكون ليس له دين عليه، فيحيلك لكي تستوثق من حقك وتصل إليه، فهذه ثلاثة أبواب مرتّبة على ترتيب المصنف رحمه الله.
فالضمان والكفالة والزعامة والحمالة، كلها بمعنىً، والضمين والحميل والكفيل والزعيم كله بمعنىً، وإن كان في بعض الأحوال يقع تفصيل، فالضمين الغالب أن يكون ضميناً في الأموال، والكفالة تكون في الأموال وتكون في الوجه وفي الأبدان، فتتكفل بإحضار الشخص، وقد تكون في قصاصٍ أو نحو ذلك، هذا بالنسبة للكفيل، وأما بالنسبة للزعيم، فهو الذي يتحمل الأموال الباهضة، فلا يقال: زعيم إلا إذا كان في شيء باهضاً، مثل شيوخ القبائل، وشيوخ العشائر إذا أصلحوا بين الناس في الخصومات، يقول: أنا زعيم، يعني: أنا أضمن ما وقع من الخطأ من طرف على آخر، هذا بالنسبة للزعيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72]، يعني: أنا به ضمين، وأنا به كفيل، وأنا أتحمّله، هذا بالنسبة للكفالة.
أما فيما يتعلق بالحمالة، فالحميل في لغة العرب في القديم -ولا زال إلى عهد قريب- هو الذي يتحمل الديات، فالحمالة تكون في الديات، وهناك ألفاظ مثل: الصبير، والقبيل، فالصبير والقبيل يشمل هذا كله، يكون صبيراً في الأموال، يكون صبيراً في الأنفس، فيقول: أنا صبير، يعني: الصبير أصله من الشاة المصبورة المحبوسة، كأنها مصبّرة، فكأنه حبس نفسه ورهن نفسه لقاء هذا الحق.
والقبيل يكون نداً ويتحمل، وكان هذا موجوداً ولا يزال إلى زماننا هذا -وإن كان بصورة أقل في زماننا- فحينما كان الخير منتشراً بين الناس كانوا يتحملون، ولا يكون للحمالات ولا للضمانات إلا أهلها الذين عُرِفوا بالكرم وبقوة النفس، وهذا فضل من الله يعطيه من يشاء، ويعتبر مثل هذا من السؤدد.
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يعدم والإقدام قتال فالسيادة والزعامة في الناس لا تكون إلا ببذل الثمن والتضحية، فكان في الناس من يتحمل ويتكفّل، وتجد فيه شهامة وقوة نفس، وجلَداً من أجل أن يتحمل هذه الحقوق، ولا شك أنها مخاطرة، ولذلك يقولون: أولها ملامة: أي: الناس تلومك، وأوسطها ندامة: أي: إذا انتصفت المدة يبدأ الإنسان يندم، عندما يتكفّل على أحد، وآخرها غرامة: أي: أنه بتحمله وضمانه وكفالته سيغرم، ولذلك لا يقوى على هذا إلا من أعانه الله.
وهذه الأعمال من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وهي من الشيم المحمودة التي يرفع الله عز وجل أصحابها ويعلي شأنهم في الدنيا والآخرة، ولذلك كم مِن أناس ماتوا وما ماتت مكارمهم، وهم أحياء في مجالس الناس، مع أنهم قد قبروا وماتوا ربما من قرون، ولكن أبقى الله لهم جميل الذكر والثناء الحسن، وبقيت أخبارهم ومآثرهم في قلوب الناس وعلى ألسنتهم جزاءً وفاقاً، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
والعلماء رحمهم الله، ينصون على فضل الكفالات والضمان، لكن على تفصيل في الحقيقة، ففي بعض الأحيان تكون محمودة ومشكورة، ويكون صاحبها مأجوراً، خاصة إذا قصد بها وجه الله عز وجل، ففي بعض الأحيان يعطيك الله الدنيا ويبسط لك من الرزق فتنظر إلى من هو محتاج قد غرِم في دينٍ معقول ومقبول، كإنسانٍ مثلاً استدان من بقالة لطعام أولاده، ثم حضر وقت القضاء، فتحمل مثلاً خمسمائة ريال، وأنت قادر على السداد عنه، فتقول لصاحب البقالة: أنا ضمين لك بهذا المال، أو أنا كفيل، فإن فعلت ذلك فإن الله يأجرك، خاصة إذا كان على أيتام أو على أرامل أو على ضعفة أو نحو ذلك، فإن الأجر في ذلك عظيم، والدين الذي استدان به الغريم دينٌ شرعي، ومقبول من الناحية الشرعية ومن الناحية العرفية، وهذه الكفالة وهذه الحمالة من أحب القربات إلى الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في نفس الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، فمن كان في حوائج الناس في مثل هذه الأمور، وعلم أن فلاناً تحمل الحق فأدى ذلك فهو على خير عظيم، وثوابٍ من الله كريم، لكن إن كان هذا الدين على سفَهٍ وطيشٍ، أو كان على حرام، فإنه إذا تاب إلى الله وأناب إلى الله، وأردت أن تتحمل عنه لاستصلاحه واستقامته، وإرادة الخير له في آخرته، فإن الله يأجرك؛ لأنه إذا تاب وندم فقد عفا الله عما سلف، ومن تاب تاب الله عليه، وحينئذٍ إذا غرِم للناس ديوناً، وكان قد أنفقها في حرام ثم تاب ورجع، وأردت أن تتحمل عنه، فإن هذا فيه تفريج كربة يُقصد منها الخير والإحسان.
وتارةً لا يكون لك بها أجر، وصورتها أن تكون حميَّة وعصبية، وليست حمية دينية، وإنما من أجل أنه قريب لك، أو من أجل أنه أحرجك أو نحو ذلك، فإذا كان من أجل المحاباة والرياء والسمعة، فهذه لا أجر لك فيها ولا وزر، فإذا كان الإنسان يريد بها المفاخرة في الدنيا، أو نحو ذلك، فإن الله عز وجل يعطيه متاع الدنيا، وهذه ليست مما يدخل في التعبديات، ولذلك لا أجر له ولا وزر، ولذلك لا ينال فيها أجر الآخرة لعدم قصد الآخرة، بل ينال فيها عاجل الدنيا؛ لأنه أراد الدنيا.
أما لو كان إنفاقه على وجه أُحرِج به، فمثلاً لو أن قريباً لإنسان جاءه في دين، وأحرجه بأُناس، أو جاء المديون وأدخل عليك بعض القرابة، وأُحرِجت، فأعطيت وأنت مكره، فأنت مأجور وإن كنت مكرهاً، لكن أجرك وأنت راضٍ ليس كأجرك وأنت مكره، لكن تنوي الآخرة، ومن هنا تقاد إلى الجنة بالسلاسل، يعني: بالكره الذي تعرضت له.
وعلى هذا فإن الإنسان إذا أُحرج وهو يحب هذا الخير، لكنه في بعض الأحيان تميل النفوس إلى حب الأموال، فإذا أُحرِج من قبل قريب أو نحو ذلك فدفع فإنه في هذه الحالة يكون أجره أقل ممن يدفع بطيبة نفس، لكن إذا دفع في حال الإحراج من أجل تطييب خواطر من أحرجه، فإنه لا أجر له، فيُفرَّق بين كونه ينفق لله عز وجل، حتى قال الحسن البصري رحمه الله، لما سئل عن الرجل يخرج في جنازة رجل لا يحبه، وإنما خرج من أجل أهل حيه، ومن أجل أن يطيب خواطرهم لما أحرجوه، قال: له أجران، أجر الخروج، وأجر تطييب خواطر جيرانه، فأنت إذا أحرجك قريب، فما فعلت هذا إلا من أجله، وما فعلت هذا إلا من أجل صلة الرحم، ففي مثل هذه الصورة يحصل الخلط والغلط عند بعض الأخيار؛ لأنهم يظنون أن هذا من الرياء، والواقع إن كان السبب الحامل في الأصل المودة والقرابة، فهذه محاباة ولا أجر فيها، لكن كونك أنت تحب هذا العمل الصالح وتفعله وأنت ترجو الثواب من الله، ولكنك أُحرجت ودُفِعت إليه فعجّلت هذا الخير لوجود الإحراج، فإنك تؤجر من الوجهين، أجر العمل نفسه، وأجر تطييب خاطر ابن عمك الذي جاءك في وجهه، أو جاءك في شفاعته، فأحببت أن تكرمه وتصل الرحم، فإنك تؤجر على ذلك، وتكون كفالتك من هذا الوجه أجراً لك في الآخرة.

حقيقة الضمان والأحكام المترتبة عليه

وقوله رحمه الله: (باب الضمان)، الضمان يقوم على إضافة ذمّة إلى ذمة في دين أو عين، وهذا في المطالبة، والمراد بذلك أنه إذا تحمّل رجلٌ ديناً وقال صاحب الدين: ائتني بمن يكفلك، وأتيت وقلت: أنا كفيلٌ له، أو أنا ضمينٌ له، فمعناه أنك تضيف ذمَتك إلى ذمة المديون، وأنت تتحمل سداد الدين إذا لم يسدد المديون، ومن هنا أصبح باب الرهن وباب الضمان متقاربين من حيث المعنى، في كون كلٍ منهما تحفظ به الحقوق ويستوثق به في الديون، فكأن الكفيل يطمئن صاحب الدين، ويتحمل مع المديون وتنشغل ذمته مع ذمة المديون، ولذلك نجد العلماء يقولون: الكفالة ضم ذمةٍ إلى ذمة، فأنت تضيف ذمّتك إلى ذمة المديون، وتعطي صاحب الدين ثقة أنه إذا امتنع المديون من السداد؛ إما لعجزٍ أو لمماطلة أنك تقوم بالسداد عنه، هذا إذا كان الضمان في الدين.
وقد يكون الضمان في العين، فمثلاً: لو أن رجلاً قال لرجل: أعطني سيارتك، أريدها لمصلحةٍ معيّنة، أو أريد أن أذهب بها إلى موضع كذا، أو أريدها عارية إلى غد، أو بعد غد فقال صاحب السيارة: أعطني كفيلاً، فتقول: أنا أكفله بأن يرد لك السيارة، وأتحمل ذلك، هنا ضمنته في عين، فالكفالة تكون في ضمان الدين، وتكون في ضمان العين، وقد تتكفل بإحضار الشخص، كأن يقول صاحب الدين للشخص المديون: أعطني كفيلاً يكفل حضورك إذا حضر الأجل، فتقول: أنا أتكفّل بحضور فلان حال المطالبة، أو يوم المطالبة، وقد يكون الضمان بالحضور في الحقوق كالقصاص ونحو ذلك، كما كان يفعله وجهاء الناس، كأمراء القبائل، ومشايخ القبائل إذا وقع على أحد ضمان بحق، فيقول: أنا أتكفل بحضوره، فهذه كفالة.
فيقع الضمان في الأموال وغير الأموال، وتقع الكفالة في الأموال وغير الأموال، إلا أن فقهاء الحنابلة رحمهم الله جعلوا الضمان في الأموال خاصة، ولذلك لا يتكلم المصنف هنا إلا حول مسألة الضمان في الأموال، وتركوا باب الكفالة وجعلوها في ضمان الوجه، حينما تقول: في وجهي، أنا آتي به، أو أنا أتحمل إحضاره، ونحو ذلك، وجعلوها في باب الجنايات.
يقول رحمه الله [باب الضمان].
أي: في باب الضمان سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام، التي تتعلق في ضم الذمم بعضها إلى بعض، عند المطالبة بالديون، بناءً على هذا إذا تكفّل رجلٌ أو ضمِن الكفيل المكفول، فمعناه أنه إذا حضر الأجل فمن حقك أن تطالب المديون، ومن حقك أن تطالب الكفيل، فأصبحت هناك ذمتان، ذمة المديون، وذمة من كفله، فأنت بالخيار، إن شئت أن تطالب المديون، فحينئذٍ تطالبه ولك الحق؛ لأنه أصيل، وإن شئت أن تطالب الكفيل، أو الضمين، فأنت بالخيار بين الأمرين، أو طالبتهما معاً.

عدم صحة الضمان إلا من جائز التصرف

قال رحمه الله: [لا يصح إلا من جائز التصرف] لا يصح الضمان إلا من جائز التصرف، ففي الضمانة هناك كفيل وهناك مكفول، والمكفول: وهو الشخص الذي ضممت ذمتك إلى ذمته، وهناك مكفولٌ به: وهو الشيء الذي تكفّلت به وهو سداد الدين، أو إحضار المديون، فهناك كفالة غرم، وهناك كفالة حضور، فإذا جيء وقيل لك: هذا مديون هل تكفله؟ تقول: نعم، يقولون لك: تكفله كفالة غرم، أو كفالة حضور، تقول: أكفله كفالة غرم، بمعنى: أنه إذا لم يسدد أسدد عنه، فهذا نوع من الكفالة، أو تقول: أكفل حضوره، فهذه كفالة حضور، أو تقول: أكفل التعريف به، يعني علي أن أعرِّفك من هذا الشخص الذي أعطيته الدين، أعرِّفك به وباسمه وبأهله، وكذلك موضعه إلى آخره، فإذا قلت ذلك، فمعناه: أنه لابد وأن تتوفر الأهلية في الشخص الضامن والشخص الكفيل، فلا يصح الضمان إلا من جائز التصرف.

معنى قول العلماء: جواز التصرف وصحة التصرف

ترد كلمتان عند العلماء وهما: جواز التصرف وصحة التصرف، فما معنى جواز التصرف وصحة التصرف؟ كثيراً ما ترد هذه الكلمة خاصة في باب المعاملات.
التصرف: بذل الشيء وإعطاء الشيء، وتصرّفك في الشيء يكون إما ببذل عين الشيء، أو يبذل منافعه.
أما بذل عين الشيء فهو على حالتين: إما أن تبذله بعوض، كأن تقول: أعطيك هذه السيارة بعشرة آلاف فهذا بيع.
وإما أن تبذلها بدون عوض على قصد مرضاة الله عز وجل فهذه صدقة، كأن تقول: هذا الطعام لك، فتكون قد بذلته بدون عوض.
وإما على سبيل المحبة، فهذه هدية.
أما بذل منفعة العين، فلا تخلو من حالتين: إما أن تبذلها بعوض، كأن تقول: أجرّتك داري، فهذه إجارة، أو تبذل المنفعة بدون عوض، كأن تقول: خذ سيارتي واقض بها غرضك، فهذه عارية.
فهذه كلها تصرفات: بعضها تصرفات في الأعيان، وبعضها تصرفات في المنافع، فإذا قال العلماء: لا يصح إلا من جائز التصرف، أي: لا تصح الكفالة إلا من شخص تجوز تصرّفاته المالية، فالناس على قسمين: منهم من أجاز الله تصرفاته المالية، فيبيع ويشتري ويتصدق، ولا أحد يعترض عليه، وهذا هو البالغ العاقل الرشيد غير المحجور عليه.
فالبالغ: يخرج الصبي، فالصبي لو جاء وأعطاك ألف ريال هبة منه لا تصح؛ لأنه محجورٌ عليه، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:5]، وقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:6]، فأمرنا بالحجر على الأيتام، واليتيم: هو الذي لم يبلغ، فدل على أنه لو تصرف اليتيم كأن تصدق بماله، أو وهبه وأعطاه للغير لم تصح هبته ولا صدقته ولا تبرعه.
العاقل: فيخرج بذلك المجنون، فلو جاء مجنون نقول: إن المجنون لا تصح تصرفاته كما لو باع أو اشترى.
الرشيد: فيخرج بذلك السفيه المحجور عليه، فإن السفيه المحجور عليه في حكم المجنون واليتيم؛ لأنه محجور عليه لحق نفسه، والمحجور عليه يشمل المفلس، على خلافٍ في المفلس هل يكفل أو لا يكفل.
توضيح هذه المسألة: فلو كنت قاضياً أو مفتياً وجاءك رجل وقال: فلانٌ يريد أن يكفل فلاناً، فعليك أن تسأل أهذا الكفيل بالغ؟ فإن قالوا: نعم، تقول: يصح، وإن قالوا: ليس ببالغ، بل هو صبي، تقول: الصبي لا يكفل؛ لأنه ليس له حق التصرف في ماله إلا بإذن وليه، وأنتم تعلمون أن الكفالة فيها شيء من التبرع، لأنك حينما تكفل رجلاً بعشرة آلاف ريال، فمعناه أنك ستدفع هذا المبلغ إذا عجز عن السداد، والصبيان والمحجور عليهم لا يصح تبرعهم، كما سيأتي إن شاء الله، فإذن لابد وأن يكون بالغاً، وأن يكون عاقلاً، فلو أن رجلاً مجنوناً سكران، أو خدره رجل، فجاء وكفل إنساناً، وثبت عند القاضي أنه كفل في حال جنونه أو سكره، أو حال كونه مخدراً، فكل ذلك لا يصح فيه الضمان؛ لأن من شرط صحة الضمان أن يكون الضمين وأن يكون الكفيل بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجورٍ عليه.
هذا بالنسبة للشخص الذي يكفل، فإذا توفرت الشروط فكان رجلاً بالغاً عاقلاً رشيداً غير محجور عليه، فمعناه أنه يدخل على الكفالة بأهلية، وهذه الأهلية تجعله ينظر بها إلى المصالح والمفاسد، فإن علم من نفسه أنه يقدر على تحمل هذه الكفالة أقدم عليها، وإن علم من نفسه أنه لا يستطيع تحمّلها أحجم عنها، فإذن لابد وأن تكون عنده الأهلية التي لا يدخل بها الضرر على نفسه وأهله؛ لأنه لو تحمّل حمالة وكفالة لا يطيقها لربما أضر بأولاده، فلو رأيت رجلاً قليل المال تحمّل كفالة بعشرة آلاف، وهو ليس عنده دخل، ولا يستطيع أن يسدد المبلغ كاملاً، فمعنى ذلك أنه إذا تحمل العشرة آلاف فسيغرم، وحينئذٍ يتعرّض أولاده وأهله للضرر، وهذا لا شك أن فيه مفاسد، والشريعة جاءت بدفع المفاسد وجلب المصالح.
وعلى هذا قالوا: يشترط في جواز الكفالة أن تكون من شخصٍ صحيح التصرف، أو جائز التصرف والمعنى واحد.

الخيار لصاحب الحق في مطالبة المديون أو الضامن ولو بعد الموت

قال رحمه الله: [ولرب الحق مطالبة من شاء منهما في الحياة والموت] قوله: (ولرب الحق) أي: لصاحب الدين أن يطالب من شاء منهما في الحياة وبعد الموت.
إذا جاء رجل إلى مؤسسة واشترى منها سيارةً أو أرضاً، وقيمة السيارة أو الأرض عشرة آلاف ريال، وجئت وكفلت هذا المديون، وقلت: أنا كفيل لفلان أنه إذا لم يُسدد أسدد عنه، وثبتت الكفالة من جائز التصرف، فإنه إذا حضر الأجل إلى نهاية السنة -لو فرضنا أن المؤسسة أعطت فرصة للسداد إلى نهاية السنة- فلما انتهت السنة تُخيّر المؤسسة ويُخيّر صاحب الدين بين أمرين، إن شاءت خاطبت المديون وطالبته بالسداد، وإن شاءت خاطبت الكفيل، فلو خاطبت الكفيل فقال الكفيل: اطلبوا من المديون فإن هذا ليس من حقه، بمعنى أنه ليس من حق الكفيل أن يقول: طالبوا فلاناً.
بل إن المؤسسة بالخيار إن شاءت طالبت هذا أو طالبت هذا، فإنّ تحمل الكفيل والتزامه للكفالة معناه أنه إذا حضر الأجل فعليه أن يسدد، بشرط أن لا يكون المديون قد سدد وأبرأ عن نفسه.
قوله: (في الحياة والموت) أي: من حقهم أن يطالبوا ورثة الكفيل إذا حل؛ لأنه دينٌ مستحق عليه، وحينئذٍ من حقهم أن يطالبوا المديون والكفيل سواءً كانا حيين أو ميتين؛ فالحقوق لا تتغير ولا تتبدل بالحياة والموت؛ لأن ذمته مرهونة ومشغولة بهذا الحق، فلو اتجهت المؤسسة إلى ورثة الميت وطالبتهم بالكفالة التي تحمّلها مورثهم، فإنه من حقها ذلك، كما أن من حقها أن تطالب المديون في حال حياته.

براءة ذمة الضامن ببراءة ذمة المضمون عنه لا العكس

قال رحمه الله: [فإن برئت ذمة المضمون عنه برئت ذمت الضامن لا عكسه] (فإن برئت ذمة المضمون عنه) هنا مسألة: الكفالة مبنية على السداد، وحينئذٍ نقول: عندنا أصل وعندنا فرع، فالعلماء رحمهم الله يجعلون المديون -الذي تحمل الدين- أصلاً، وجعلوا الكفيل والضمين -الذي تحمّل أن يسدد- فرعاً مبنياً على الأصل، وبناءً على ذلك قالوا: إذا برئت ذمة المديون الذي هو الأصيل، برئت ذمة الكفيل، وإذا برئت ذمة الكفيل لم يستلزم ذلك براءة ذمة الأصيل.
توضيح ذلك: البراءة هنا لها حالتان: الأولى: أن تكون بسبب السداد، فمثلاً لو أن شخصاً استدان عشرة آلاف ريال، فقلت: أنا أكفل هذا في العشرة آلاف التي عليه إلى نهاية السنة، قبل نهاية السنة قام المديون بالسداد، فمعناه أن ذمته قد برئت، فإن برئت حكم الشرع ببراءة ذمتك أنت، لأن ذمتك مضمومة إلى ذمته، فإن كان الدين باقياً وذمته مشغولة به، فأنت ملزمٌ به، وإن برئت ذمته بسداد الدين سقط الالتزام منك، بمعنى أنك لست بملزم، وحينئذٍ تبرأ ذمتك ببراءة ذمة الأصيل.
الحالة الثانية، أن تكون بسبب العفو، فمثلاً: لو أن صاحب الدين قال للمديون: عفوت عنك، والمال الذي لي عليك قد أبرأتك منه.
فإنه عندما عفا عنه برئت ذمة المديون، فإذا برئت ذمة المديون برئت ذمة الكفيل؛ لأن الفرع مبنيٌ على أصله، وإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، وعلى هذا نقول: ليس من حق صاحب الدين بعد ذلك أن يقول: أنا سامحت صاحب الدين وأطالب الكفيل؛ لأن الكفيل لا يُطالب إلا بعد ثبوت الدين واستقراره على الأصيل، فإن برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس.
قوله: (لا عكسه).
مثال ذلك: لو أن رجلاً جاء يستدين منك مالاً، أو يشتري منك أرضاً، فقلت له: أعطني كفيلاً فأحرجك، وجاءك بابن عمك، أو جاءك بقريبٍ لك، واضطررت أن تديّنه على أن قريبك هو الكفيل، وأنت لا تريد الإحراج مع قريبك، فلما تم الدين، قلت لقريبك: أنت في حل من كفالتك، إذا قلت هذا الكلام، فإن هذا لا يستلزم أن المديون تسقط وتبرأ ذمته، وبناءً على ذلك فلك أن تبقي الحق والمطالبة على المديون، ومن هنا قال: إذا برئت ذمة الأصيل برئت ذمة الكفيل لا العكس.
أي: إذا برئت ذمة الكفيل لا تبرأ ذمة الأصيل.
الخلاصة: أنه إذا برئت ذمة الفرع لا يستلزم هذا براءة ذمة الأصل، وإذا برئت ذمة الأصل استلزم ذلك براءة ذمة الفرع.

جواز الضمان مع عدم معرفة الضامن للمضمون عنه

أي: لا يشترط معرفة الكفيل للشخص الذي كفله، وبالإمكان أن يكفل شخصاً لا يعرفه ومثال ذلك: لو أنك دخلت على صاحب البقالة فوجدت رجلاً مسكيناً لا تعرفه، ولكن ترى من حاله وسمته ودله ما يدل على الفقر والحاجة، فوجدته يقول له: ادفع حقي، فقال: ما عندي شيء أدفعه، أنظرني إلى نهاية الأسبوع، فقلت له: يا فلان! أنظره، فقال لك: تكفله إلى نهاية الأسبوع وإذا لم يسدد تسدد.
قلت له: نعم، أنا أكفله إذا لم يسدد نهاية الأسبوع أسدد عنه.
فأنت في هذه الحالة تكفل شخصاً لا تعرفه، فهل يصح ذلك؟ وهل يشترط في الكفالة أن تعرف المكفول؟

الجواب

نعم يصح ذلك، ولا يشترط في الكفالة معرفتك للمكفول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُتِي برجلٍ ليصلي عليه فقال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم فقال أبو قتادة: يا رسول الله! هما عليَّ) يعني: أنا أتحمل هذين الدينارين أن أعطيهما لصاحب الدين، فانظر إلى أبي قتادة كفل من لا يعرفه، فقبل منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الكفالة، وحينئذٍ فرّع العلماء: أنه لا يشترط في الكفالة معرفتك للشخص الذي تكفل عنه، وأنه يجوز أن تكفل الشخص الذي لا تعرفه، وعلى هذا قالوا: إذا لم يسدد تُلزم بالسداد سواء كنت تعرفه أو لا تعرفه.

جواز الضمان مع عدم معرفة المضمون عنه للضامن

قال: [ولا له] أي: ولا يعتبر أيضاً معرفة المضمون لك، فهذا الشخص الذي تضمنه لا يشترط أن يكون يعرفك، فلا يشترط أن تعرفه، ولا يشترط أن يعرفك، فبينكما أخوة الإسلام، خاصة إذا قصدت من هذه الكفالة التيسير على المعسر، وتفريج عن كربة المكروب، فإن الله يأجرك، وهذا من أعظم ما يكون من الأجور في الكفالة، بشرط أن لا يدخل الإنسان على نفسه الخطر والضرر والغرر، أما إذا كان على سبيل الرفق بالناس والإحسان إلى الناس، فإن الله سبحانه وتعالى يلطف بصاحبه، ويكون من أعظم ما يكون في الكفالة؛ لأنك تكفل إنساناً دون قصد المحاباة، ولا يدخل عليك على سبيل الإحراج، فأنت لا تعرفه وهو لا يعرفك، ولكن تعلم أن هذا العمل الذي تفعله إنما هو من صالح الأعمال وأجلِّ القربات لذي العزة والجلال، فتقدم عليه رغبة فيما عند الله من الثواب، ورهبة مما عند الله من العقاب؛ لأنك تخشى أن الله يسألك عن هذا المكروب، لماذا لم تفرِّج كربته؟! وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب! كيف أُطعمك وأنت رب العالمين، فيقول الله تعالى: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه -يعني وأنت قادر على إطعامه- أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي).
فإذا وجد الإنسان إنساناً لا يعرفه، وهو يرى عليه أثر الضعف، وأثر الفاقة والفقر، وأقدم على ذلك فإنه يؤجر.
وهكذا لو جاء إلى صاحب بقالة، وقال له: أي شخص تراه محتاجاً أو ضعيفاً أو كبيراً في السن، أو من هذا الحي من جيراني لا داعي أن تذكر لي اسمه، أريد الأجر والثواب، إذا علمت أنه يستدين منك وفيه فاقة وحاجة، فديِّنه واجعل سداده علي، فأنا كفيلٌ له.
فأنت تكفل المجهول؛ لأنك قلت له: أي شخص، فهذه كفالة بالمجهول، فحينئذٍ لا يعرفك المدين؛ لأنك قلت له لا تخبر أحداً.
فتسدد عنه لله وفي الله، إذاً: كَفِلتَه وهو مجهول لا تعرفه ولا يعرفك، فلا يشترط معرفته لك، ولا معرفتك له، فيجوز لك أن تكفل من يجهلك ومن تجهله.

عدم صحة الضمان بدون رضا الضامن

قال رحمه الله: [بل رضا الضامن] أي: يشترط رضا الضامن، وعلى هذا لا تصح الكفالة بالإكراه، فلو أن شخصاً أُكره على كفالة شخص وثبت عند القاضي أنه مكره لا تصح الكفالة، بل يشترط الرضا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:29]، فحرّم الله عز وجل أكل المال بالباطل، واشترط الرضا في حل مال المسلم، فأنت إذا كفلت يُشترط أن تكون راضياً بهذه الكفالة، وعلى هذا فإنك إذا كفلت بالرضا أُلزِمت بما تحمّلته والتزمته للناس.

صحة ضمان المجهول إذا آل إلى العلم

قال رحمه الله: [ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم] المجهول: ضد المعلوم، وضمان المجهول أن تقول: هذا الدين الذي يأخذه فلان منك أنا أتحمله، أو تقول: دَيِّن فلاناً، أو أعطِ فلاناً، أو بِع من فلان، وأنا متحمِّلٌ به، فهو مجهولٌ يئول إلى العلم، وقالوا: إن الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72]، فإن حمل البعير مجهول؛ لأن حمل البعير كما هو معلوم مجهول النوع ومجهول الصفة، ولكنه يئول إلى العلم؛ لأنه يتقدر بالعرف، ومن هنا قالوا: يجوز أن يضمن المجهول الذي يئول إلى العلم.

جواز ضمان العارية

قال: [والعواري] والعواري: جمع عارية، فالضمان كما يقع في الدين، يقع في العواري، كما لو جاء شخص يريد أن يستعير سيارة، أو يريد أن يستعير أمتعة، كما يقع في بعض الأحيان، يكون عند الشخص مثلاً أمتعة تصلح لقضاء الأغراض والحوائج، مثل: الأواني للطبخ، أو المفارش للجلوس عليها، فجاء شخص عنده زواج أو عنده مناسبة، وهذا الشخص لا يعرفك ولا تعرفه، لكنه يعرف أن عندك هذه الأشياء، فقال لك: يا فلان! أعطني هذه المفارش، أو أعطني هذه الأواني، فتقول له: لا أعرفك، ولكن ائتني بشخص يتكفّل بضمان حقي، أو برد هذه العارية إذا أعطيتها لك، فحينئذٍ إذا جاء بشخص يعرفه، فقد ضمن العارية.
والعارية: هي بذل المنفعة بدون عوض، وتقع أيضاً في المنائح، كما في الإبل والبقر والغنم، كأن يكون عند الشخص الفحل من الإبل والبقر والغنم، فيحتاجه جاره، أو يحتاجه أحد فيقول: أعطني الفحل للضِّراب، فيقول: أعطني كفيلاً، أو أعطني حميلاً، أو أعطني ضامناً، فيضمن المنيحة.
وبهذا تُضمن العواري، وكل ذلك جائزٌ ومشروع؛ لأنه كما ضُمنت العين تضمن المنافع.

جواز ضمان المغصوب

قال: [والمغصوب] أي: يجوز ضمان المغصوب.
مثاله: لو أن شخصاً غصب سيارة، فخاصمه صاحب السيارة إلى القاضي، فحكم القاضي بأن على فلان أن يرد الغصب، فقال الغاصب: سأحضِرُ المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فقال صاحب الحق: لا أرضى حتى يعطيني كفيلاً، هذا رجل كذاب، أو رجل مماطل، أُريد كفيلاً، فجاء بكفيل يضمن أنه يحضر المغصوب بعد يوم أو بعد أسبوع، فهذا جائز في المغصوبات.

حقيقة المقبوض بسوم وصحة الضمان فيه

قال: [والمقبوض بسوم] أي: تصح الكفالة في المقبوض بسوم، وهذا يقع في المزادات، كما لو رسا المزاد على عشرة آلاف ريال في شيء من الألبسة، أو الأغذية أو نحوه، مثال ذلك: لو كان من لباس النساء، والرجل ليس معه أهله، فقال: أنا أقبض هذا اللباس، وأريه لأسرتي -لزوجته أو أخواته- فإن أعجبهم أخذته، وإن لم يعجبهم رددته، فهذا قبضه بسوم؛ لأن قيمته حُدِّدت بسوم، وعلى هذا إذا التزم بهذه القيمة، ورضيت أسرته بالملابس فعليه أن يدفع القيمة، وإذا كان الشخص لا تعرفه، فقلت له: أعطيك هذا الفستان أو هذا اللباس، أو هذا الشيء الذي أنت رضيت أن تعرضه على أهلك، ولكن بشرط أن تعطيني كفيلاً، فالمقبوض بسوم ثبتت قيمته والدين فيه ثابت متى ما رضي، وحينئذٍ يصح ضمانه، لكن إذا كان غير معلوم القيمة، ولم يثبت على قيمة فإنه لا يصح ضمانه، إذاً لابد من ضمانه بعد ثبوت قيمته حتى تصح الكفالة بالمعلوم؛ لأنه لو لم يقبض بسوم لم يتحدد ولم تتبين قيمته، بل يكون من ضمان المجهول الذي لا يئول إلى العلم؛ لأنه يحدث فيه نوع من الغرر، وعلى هذا قالوا: لا يُضمَن إلا إذا ثبتت قيمته وعُرِف استحقاقه، فيقول الكفيل لصاحب السلعة: أعطِه هذا الثوب يريه أهله، فإن أعجبهم ورضوا به، فأنا أتحمّل لك أن يعطيك عشرة آلاف قيمته، فإن لم يحضرها لك غداً، أو إن لم يحضرها لك بعد غد، فأنا كفيله أحضِرها عنه، وبناءً على ذلك كفلت، وكانت الكفالة في مقبوضٍ بسوم، وتكفّلتَ على أن تدفع المبلغ الذي ثبت استحقاقه، لكن لو كان غير معلوم القيمة، تكفَل ماذا؟ وكيف سيطالبك؟ وبناءً على ذلك قالوا: لابد أن يكون مقبوضاً بسوم حتى تُعلم قيمته، يعني: يتحدد قيمته.
فالمقصود من كلمة: مقبوض بسوم، أن تتحدد القيمة، فخرج المقبوض الذي لم تثبُت قيمته بعد بأن يكون متردداً؛ لأنه يحدث فتنة، فلربما قال له: نعم، هذا قيمته عشرة آلاف، فيقول الكفيل: لا، بل قيمته ثمانية آلاف، فيحدث مثلما يحدث في بيع الغرر، فإذا لم تثبت قيمته وثمنه على شيءٍ معيّن، فإنه لا يصح ضمانه، إنما يصح ضمان المقبوض بسوم وهو الذي حُدِّدت قيمته.

حقيقة عهدة المبيع وجواز الضمان فيه

قال: [وعهدة مبيع] مسألة العهدة في القديم من صورها أنهم كانوا يبيعون الدواب ويبيعون الأرقاء، ويحتاج هذا المبيع إلى تجربة، فلربما ظهر العيب فيه، فكانوا يعطون العهدة ثلاثة أيام، تأخذ هذا المبيع وتجرِّبه، فإن ظهر به أي عيبٍ رددته عليه ويضمنه، وهذا معروف في زماننا بما يسمّى: بالضمان، فالسيارة إذا اشتريتها تتعهد المؤسسة أنها تضمنها سنة، أنه لو ظهر فيها عيب، مثلاً في محرِّكها، بحيث يكون العيب راجعاً إلى ذات السلعة المبيعة، وناشئاً من ذات الرقبة المبيعة، وليس من تصرُّفِك أنت.
فمثلاً يعطيك سيارة، ويقول لك: أنا أضمن لك هذه السيارة سنة كاملة، أنك تقضي عليها مصالحك، وتقودها بالصفة المعتبرة، فإن حدث فيها أي عيبٍ في محرِّكها، أو في هيكلها، راجعاً إلى سوء الصنعة لا إلى سوء الاستخدام، فإنه على هذا الوجه يضمن، وحينئذٍ يصح الضمان، ويتحمّل المسئولية بحيث أنه إذا ظهر بها عيب على هذا الوجه، يستحق أن يُرد المبيع، ويضمن الشخص الذي تحمّل بالضمان.
هذا بالنسبة لمسألة الضمان في عهدة المبيع.
فرَّع العلماء في زماننا الحاضر على مسألة عهدة المبيع، عهدة السيارات سنة، لكن بعض أهل العلم من المتأخرين ينازع، ويقول: إنما تُعرف العهدة بالمدة التي لا غرر فيها، فلا غرر في المدة الطويلة والأجل الطويل، كالسنوات ونحوها، ولكن الحقيقة هذا النوع من الضمان الموجود في السيارات في العصر الحاضر له وجهٌ من الصحة، وأنه إذا التزم بأن السيارة يستخدمها سنةً، فإن ظهر فيها عيبٌ من الصنعة لا من الاستخدام ضَمِنه، فإن هذا له وجه، ويُعتبر من الضمان الشرعي.
الخلاصة أنه لو قال له: أنا أضمن أن هذه السيارة إن ظهر بها عيب تردها لي، هذا إذا كانت مؤسسة أو شركة تتحمل هذا الضمان، وليس عندنا إشكال، لكن في بعض الأحيان يبيعك فرد أو شخص فيقول لك: خذ هذه السيارة وأضمنها لك شهراً، على أنه إذا ظهر فيها عيب من سوء الصنعة تردها لي، لكن أنت لا تثق به، فتقول له: أعطني كفيلاً يضمن أنه إذا ظهر بها عيب أردها عليك.
فحينئذٍ يعطيك الكفيل وتصح الكفالة على هذا الوجه.

حكم الضمان في الأمانات

قال رحمه الله: [لا ضمان الأمانات] يقول رحمه الله: (لا ضمان الأمانات) الأمانات: جمع أمانة، وقد قدّمنا أن اليد تنقسم إلى قسمين: يد ضمان، ويد أمانة، ويد الضمان: أن تأخذ الشيء وتتحمل المسئولية عنه غنماً وغرماً، وإذا حدث بذلك الشيء ضرر فأنت المسئول عن هذا الضرر، فهذا مفهوم يد الضمان، وأما يد الأمانة: فهي أنك لا تضمن إلا إذا فرّطت، وبناءً على ذلك ذكرنا: أنه إذا أخذ شيئاً وكان من جنس ما يُضمن صح الضمان، وإن كان من جنس ما لا يضمن لا يصح الضمان، فالعارية لو أتينا بصورتها في مثال: هي أن يأتي ويقول لك: أعطني سيارتك أذهب بها إلى مكان كذا، أو أستخدمها يومين أو شهراً أو أسبوعاً، هذه عارية، والعارية فيها قولان: الأول: أن اليد فيها يد أمانة، الثاني: أن اليد يد ضمان، والمصنِّف رحمه الله رجّح أنها يد ضمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ل صفوان بن أمية رضي الله عنه لما قال له: (أغصباً يا محمد! قال: بل عارية مؤداة) هذا عندما أخذ منه أدرعه ومتاعه لغزوة حنين، وقال في خطبة حجة الوداع: (العارية مؤداة، والمنيحة مردودة، والزعيم غارم، والدين مقضي)، فلما قال: (العارية مؤداة)، يعني: مضمونة، فلو أخذ شيئاً عارية فعليه أن يضمنه، أما الودائع فقلنا: إن الوديعة أمانة، فلو أن شخصاً جاء وأعطى شخصاً ساعة، وقال: هذه الساعة ضعها وديعة وأمانة عندك، قال له: لا بأس قبلتُها أمانة عندي.
فلما رضي الشخص الآخر أن يضعها أمانة عنده، فإنه ليس من حق صاحب الساعة أن يقول له: أعطني كفيلاً؛ لأن الكفيل لا يقع في الأمانات؛ لأن يد هذا الرجل يد أمانة وليست بيد ضمان، إلا إذا كان من جنس الأمانات التي تئول إلى الضمان، فهذا استثناه بعض العلماء رحمهم الله حيث قالوا: إن الأمانات التي تئول إلى الضمان يصح فيها الضمان، وذلك في حال ما إذا صارت إلى الضمان أو إذا آلت إلى الضمان.

التعدي في الأمانات يوجب الضمان

قال: [بل التعدي فيها] قوله: (بل التعدي فيها) فما معنى التعدي فيها؟ يعني: من حقك أن تقول له: هذه الساعة ضعها أمانة عندك، قال: قبلت.
فقل له: لكن أحتاج إلى كفيل يكفلك بأنك إذا تعدَّيت فإنك تضمن، فالأصل أن يده يد أمانة، لكن تنتقل إلى الضمان متى؟ إذا تعدَّى فيها، ومثال آخر: إذا أعطيته مائة ألف ريال وديعةً عنده، أو أعطيته كيلو من ذهب وديعة عنده، فقال لك: أنا قبلت أن نضع هذا الذهب وديعةً عندي.
فتقول له: أعطني كفيلاً أنك إذا تعدَّيت وتصرّفت فيها فإنك تضمنها، حينئذٍ صارت ضماناً وذلك بعد خروجها من يد الأمانة إلى يد الضمان؛ لأنه إذا تعدى في الأمانة ضمِن، ومن هنا قالوا: لو أعطاه صندوقاً مقفولاً فإنه أمانة، لكن لو فتش الصندوق المقفول انتقل من الأمانة إلى الضمان، فحينئذٍ أنت من حقك أن تقول: هي أمانة، والأمانة لا تضمن، لكني أريد كفيلاً بحيث لو تعدّيت أو فرّطت فيها فهو يكفلك أو يكون ضميناً عنك، فحينئذٍ يصح ويجوز الضمان.

الأسئلة

جواز ضمان المجهول الذي يئول إلى العلم

السؤال

أشكل علي اشتراط تحديد القيمة في المقبوض بسوم مع جواز ضمان المجهول أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن سؤالك جيد واستشكالك في محله، لكن ينبغي أن تتنبه لمسألة ضمان المجهول، حيث قلنا: يُضمن المجهول إذا آل إلى العلم، ولم نقل: المجهول المطلق، فالمجهول الذي يئول إلى العلم هو الذي يُضمن، صحيح أننا لو قلنا: يُضمن المجهول مطلقاً لما صح ذلك، أما كوننا نقول: المجهول الذي يئول إلى العلم، فهو مجهول ابتداءً لكنه يئول إلى العلم انتهاءً ومآلاً، وعلى هذا فالجهالة فيه مغتفرة؛ لأنها ليست بمستديمة، وإنما يتقيد الحكم بوجود الجهالة المستديمة، أما الجهالة التي تزول فإن وجودها وعدمها على حد سواء؛ لأنها تئول إلى العلم، وعلى هذا لا يستقيم الإشكال إلا إذا كان المجهول لا يئول إلى العلم، وتبقى الجهالة مستصحبة إلى أن تثبُت الكفالة ويُحكم بها، أما إذا آل إلى العلم فإن الجهالة مرتفعة، والله تعالى أعلم.

حكم تصرف المرأة في مالها ومتى يحجر عليها

السؤال

هل المرأة تعتبر من المحجور عليهم، وهل لها التصرف في مالها دون استئذان زوجها أثابكم الله؟

الجواب

اختلف أهل العلم في حكم تصرف المرأة بمالها إذا كانت بالغة، فجمهور العلماء وجمهور السلف والخلف على أن من حق المرأة أن تتصرف في مالها، والنصوص دالة على هذا، ولكن خالف في هذه المسألة بعض السلف، كما روي عن شريح وهو قاضي أمير المؤمنين عمر، وكان قاضياً لثلاثة من الخلفاء، ل عمر وعثمان وعلي.
أبو أمية شريح الكندي رحمه الله برحمته الواسعة، من أجلاء القضاة وأهل العلم، وهو الذي قضى على علي بن أبي طالب، فآمن اليهودي لما رآه قضى على أمير المؤمنين، وكان ممن لا تأخذهم في الله لومة لائم.
هذا الفقيه يقول: عهِد إليّ عمر أن لا أُجيز لامرأة عطيّتها حتى تحول حولاً أو تلد ولداً، فأخذ منه بعض الفقهاء كما هو مذهب المالكية قالوا: المرأة يجوز لها أن تتصرف في حدود الثلث، والزائد عن الثلث ينظر فيه زوجها، إن كان مصلحة أجازه، وإن لم يكن ثم مصلحة لم يُجِزه، ولذلك يقول بعض فقهائهم في هذه المسألة: وزوجةٌ في غير ثلث تُعترض كذا مريض مات في ذاك المرض حينما بين أصناف المحجور عليهم.
فذكر المحجور عليهم في حدود الثلث، فقسموه إلى قسمين: المريض مرض الموت يُحجر عليه فيما زاد عن الثلث، إذا تصرّف فيه بالهبة، والمرأة فيما زاد عن الثلث إذا تصرّفت بالهبة، والسبب في هذا -وقد يستغرب البعض هذا القول، وقد يكون مدخلاً لبعض أمراض النفوس، والواقع أن من نظر في حال السلف يعرف مدخل هذا القول وسببه- أن المرأة في القديم كانت لازمة لبيتها، لا تعرف الخروج ولا تخالط الناس، حتى قالت أم عطية: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نُخرِج العواتق وذوات الخدور).
فالمرأة التي لم تتزوج كانت لا تعرف شيئاً، ماكثة في بيتها، بل منهن من لا تخرج من بيتها إلا إلى بيت زوجها، لا تعرف كيف تبيع، ولا تعرف كيف تشتري، ولا تأخذ ولا تعطي، إنما جاهلة بدنياها عالمة بدينها، إذا ربّت ربّت رجالاً على الصلاح والدين والاستقامة، حتى أُثِر عن بعضهن أنها خرجت ذات يومٍ لحاجة فبكت أنها رأت رجلاً؛ وذلك دليل لما كن عليه من العفة والصلاح والديانة، فكانت المرأة في بيتها ربة بيت تملأ العين، تقوم على حقوق بعلها، وبيتها على أتم الوجوه وأكملها، لا تعرف الرجال، ولا تخالطهم، ولا تخاطبهم، ولا تعرف لا بيعاً ولا شراءً، فمن هنا كانت المرأة غالباً لا تُحسن التصرُّف، ولذلك كانوا يجدون الحرج في اختبار اليتيمات، لقد كانوا يختبرونهن بالغزل وبيع ما يغزلن، فإذا باعت غزلها نُظِر كيف تتصرف في البيع، هل تبيع بمثل القيمة أو بأقل، ثم يُحكم برشدها؛ لأن الله يقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء:6]، فشمل الذكور والإناث.
الشاهد أن المرأة كانت على هذه الصفة من الجهل في التعامل، ولذلك تجد بعض من لا يعرف أحكام الشريعة يتمسك بهذا الحكم والقول، ولا يعرف مغزاه، ولا يعرف البيئة التي نشأ فيها هذا القول، فالنساء كنّ لا يعرفن هذه الأمور ولا يخالطن الرجال، ولا يتعاملن بالأخذ والعطاء إلا النزر القليل، وكانت المرأة إذا جاءها المال يُصبح عندها ويمسي وقد جعلته في آخرتها، تتصدق به، وتصل به الرحم، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه أتاها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية ستين ألف درهم وهي صائمة، فوزّعتها من ساعتها، ثم أرادت أن تفطر فلم تجد شيئاً تفطر به، فتقول لها إحدى إمائها: هلا أمسكتِ شيئاً مما جاءك فقالت رضي الله عنها: لقد نسيت هلا ذكرتني.
الله أكبر، الله أكبر، كنّ جاهلات بالدنيا، ولكنهن عالمات بالدين، وكانت المرأة عن أُمّة، رضي الله عنهن وأرضاهن، من الذي ثبّت قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الله عز وجل، إنها خديجة بنت خويلد، تلك المرأة العاقلة الحكيمة، فكانت المرأة عن أمة من الناس.
وسفيان الثوري رحمه الله برحمته الواسعة لما توفي والده وهو صغير نشأ يتيماً، فقالت له أمه: يا بني اطلب العلم.
فقال: إني أريد أن أسعى لطلب الرزق.
يعني أكفيك الرزق، قالت: لا، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي.
فكانت تغزل وتسهر وتكدح، كل هذا من أجل أن يتعلم ابنها العلم، فصار الإمام سفيان الثوري من أئمة السلف ومن دواوين العلم، فهو الحجة الثبت الذي كان آية في العلم والعمل والصلاح أن المعرفة، هذا الإمام العظيم حسناته في ميزان حسنات أمه الصالحة، فكانت المرأة عن أُمَّة.
فالمرأة إذا تصرفت في مالها بالرشد فإن المال مالها والحق حقها، وليس من حق الرجل والزوج أن يتدخل في راتب زوجته، وليس من حقه أن يحجر عليها، ولا يجوز له ذلك؛ لأن المال مالها ولا يجوز أن يضيق عليها ولا أن يظلمها، وبالمناسبة، أنبِّه على أن بعض الأزواج يجرؤ على مال زوجته، حتى إن بعض النساء تعمل في تدريسها وتعليمها، ويطالبها زوجها بمالها كاملاً، وهذا من أكل المال بالباطل، فلا يجوز ذلك إلا إذا كان كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:4]، أما ما لم تطِب به النفس، أو جاء عن إكراه، أو جاء عن إحراج، فإنه الحرام الذي حرّم الله ورسوله، ولا يجوز الاعتداء على أموالهن، والأذية والإضرار بهن، وينبغي على المرأة أيضاً أن تتقي الله في إنفاقها، وأن تكون رشيدة في تصرُّفها في المال، وبالمقابل فإنه من حق الزوج إذا نظر من زوجته أنها لا تحسن التصرف في المال أن يأخذ على يدها، مثلاً عندما يكون راتب المرأة خمسة آلاف ريال، ولا يأتي نصف الشهر إلا وهي تستلف وتقترض، وتتحمل الديون، ويجد أن هذه الخمسة الآلاف تصرف في المظاهر والملابس، وكل يوم لها ملبس، وكل يوم لها شيء تتجمل به، فهذا فيه سرَف ومن حقه أن يحجر عليها، أما إذا تصرفت تصرفاً رشيداً، فهذا مالها ولا يجوز أكله بالباطل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

شرح زاد المستقنع -

فصل في الكفالة

الكفالة لها تعلق بمسألة إحضار الغريم، وتسمى: كفالة الأبدان، وإحضار الغريم إما لتسليم ما عليه من حقوق، وإما لمثوله أمام مجلس القضاء.
وتكون الكفالة فيما يتعلق بالحدود والقصاص ممن لديه القدرة على إحضار من عليه الحق، كرؤساء العشائر وأشباههم، والكفالة مشروعة كالضمان؛ لما فيها من حفظ الحقوق للناس، وفي مشروعية الكفالة حكم عظيمة وفوائد جليلة، وبها تجلب المصالح وتدفع المفاسد.
وتصح الكفالة في العواري والمغصوبات كما تصح في الأبدان، ولها أحكام عدة تتوقف عليها صحتها كرضا الكفيل وغيرها من الأحكام.

الكفالة معناها ومشروعيتها وما يتعلق بها من أحكام

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن المصنف رحمه الله تعالى يقول: [فصلٌ: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة وببدن من عليه دين] شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان الأحكام المتعلقة بالكفالة، والعلماء رحمهم الله كما تقدم، منهم من جعل الضمان والكفالة والقبالة والزعامة والحمالة بمعنى واحدة، فيقولون: الكفيل والضمين والحميل والصبير والقبيل كلها بمعنى واحد.
وعلى هذا قالوا: لا فرق بين الكفالة والضمان، لكن فقهاء الحنابلة والشافعية رحمهم الله يفرِّقون بين الكفالة والضمان، فيجعلون الضمان للأموال.
ومن كان عليه دين أو لآخر عليه حق فإنه يمكنك أن تضمن عنه وذلك بأن تضيف ذمتك إلى ذمته.
وأما الكفالة، فإنهم في الغالب يجعلونها للحضور، أي: تكون متعلقة بالأبدان والأعيان، وإن كان في بعض الأحوال يُلزَم فيها بالضمان، ولكنهم في الأصل يجعلونها متعلقة بالعين وبالبدن.
والكفالة في لغة العرب تطلق بمعانٍ، يقال: كفل الشيء وتكفَّل بالشيء إذا قام به وضمّه إليه، قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران:37]، أي: ضمّها زكريا إليه فقام عليها، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص:12]، أي يقومون عليه برضاعه وما يتعلق من شأنه.
فالكفالة تطلق بهذا المعنى، كما أنها بالتحريك يقال: كَفَل، الكَفَل هو العَجُز من الإنسان، ويطلق الكِفْل بالكسر على الحظ والأجر والثواب، كما قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:28]، أي: حظاً وأجراً، قيل: مضاعفاً.
وأما بالنسبة للاصطلاح، فالكفالة: هي التزام رشيدٍ بإحضار من عليه الدين لربه، وكذلك بعض العلماء يضيف إليها: التزام رشيد ببدن من عليه الحق لربه بماله أو ببدنه.
ويتعلق بهذا الخلاف المشهور، هل الكفالة تكون فقط في الأموال، أو تشمل الأموال والأبدان، حيث يمكن أن يُضمن أو يتكفَّل بإحضاره للحدود والقصاص؟ كان هذا يقع في القديم، فإذا كان الشخص معتدياً على الغير بحق في عرضه أو في نفسه، فحينئذٍ يجب القصاص، أو يُطالب بحدٍ فيطلب من صاحب الحق أن يذهب إلى أهله أو إلى عشيرته، فيقال: ائتنا بمن يكفل حضورك، فهذا النوع اختلف فيه العلماء والأئمة من السلف رحمهم الله، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليه.
والمصنِّف رحمه الله ذكر أحكام الكفالة بعد الضمان، ويتعلق بها مسألة إحضار الغريم، فإذا كان هناك شخصان لأحدهما على الآخر دين، وقال المدين لصاحب الدين: أمهلني أُسبوعاً أُحضر لك حقك.
وغالباً ما تقع الكفالة فيما لو إذا حصل أو حضر وقت السداد، فيقول صاحب الدين: لا أمهلك فيقول له: آتيك بكفيل يتكفل بإحضاري إن غبت، خاصة إذا كان يريد أن يقاضيه، فإنه يحتاج إلى من يكفله للحضور.
فيقول: ائتني بمن يكفل حضورك، فحينئذٍ يقول الشخص: أنا متكفِّل ببدنه، أي: متكفِّل بإحضاره.
هذه صورة من صور الكفالة، والإحضار إما أن تحضره لصاحب الدين، ويكون عند صاحب الدين قوة يستطيع أن يتوصل بها إلى حقه إذا حضر المدين، وإما أن يطالبك بإحضاره إلى القضاء، فتقول له: أنا متكفِّل إذا لم يسددك الجمعة أن أُحضره يوم السبت إلى مجلس القضاء، فهذه كفالة حضور، فالكفالة كفالة ضمان بالحق، وكفالة حضور، وهذا النوع قال به جماهير السلف رحمهم الله والأئمة والخلف، فيقولون: يشرع أن يتكفل لك الشخص بإحضار من عليه الدين، قالوا: والحاجة داعية إلى ذلك، فإنه ربما احتاج المدين إلى مهلة وإلى وقت، ولا يثق صاحب الدين فيه، ووجود الكفالة فيه يسر على الناس ورحمة وتوسعة، ثم إن المدين قد لا يثق فيه صاحب الدين، وقد تكون الحقوق بين أشخاص ليست بينهم معرفة، فيعطيه كفيلاً أو يحضر له كفيلاً يعرفه، ففي هذا من التوسعة على الناس ما لا يخفى.
وقالوا: إن الكفالة لها أصل من السنة في حديث الرجل الذي استدان المال، فقال له صاحب الدين: ائتني بشهيد، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: ائتني بكفيل يكفلك، قال: كفى بالله كفيلاً، فدفع إليه المال -وهذا يظهر لنا صدق الإيمان! وقوة اليقين بالله عز وجل! وصلاح الناس! - فبعض الناس إذا تعامل بالدنيا رماها وراء ظهره، وجعل الآخرة نصب عينيه، فإن قال صدق، وإن وعد وفَّى، فلا يكذب ولا يغش، وإذا أعطى كلمة لا يمكن أن يتراجع فيها، فلما استشهد الله وكفى بالله شهيداً، وجعل الله كفيله، وكفى بالله كفيلاً ووكيلاً سبحانه وتعالى، فمضى ذاك الرجل إلى بلده، ثم لما حضر أو قرب وقت السداد والمطالبة التمس سفينة يركبها فلم يتيسر له ذلك، فلما أعياه الأمر أخذ جذعاً من النخل، ثم احتفره ووضع فيه المال، وكتب فيه اسم صاحبه، ثم وضعها بين ذلك اللوح، ثم ألقاه في البحر، وقال: اللهم! إني قد جعلتك شهيداً وكفيلاً.
ثم رمى به في البحر وسأل الله أن يوصله لصاحبه.
ثم إن صاحب الدين لما استبطأ الرجل خرج يلتمس حضوره، فكان ينتظر أن يأتيه فإذا به يجد ذلك اللوح، فقال: لو أخذته حتى يكون حطباً لأهلي، فلما جاء به إلى بيته وشطره إذا به يجد الكتاب والمال، فقرأ الكتاب وعد المال فإذا هو حقه كاملاً.
ولا شك أن من صدق مع الله صدق الله معه، فما ضر الناس إلا ضعف الإيمان بالله عز وجل، وإلا لو أن القلوب صلحت لله عز وجل، لرأت من تيسيره ومنِّه ووفائه وبره وكرمه سبحانه وتعالى ما لم يخطر لها على بال، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:111]، مَن: بمعنى لا، أي: ولا أوفى بعهده من الله.
فأخذ الرجل حقه، ثم لما حضرت السفينة على المدين، وهو يشك في كون المال وصل إلى صاحبه، بناءً على أن ذمته مشغولة، فجاء إلى صاحب الدين، وقال له: اعذرني فإني لم أجد مركباً، وجلس يعتذر إليه، فقال له: قد جاءني حقي، ثم ذكر له الخبر، وذكر له القصة.
فالشاهد في قوله: ائتني بكفيل.
فقال: كفى بالله كفيلاً.
فقوله: ائتني بكفيل، هذا أصل من السنة على مشروعية الكفالة، وأخذ به طائفة من العلماء، وترجم له الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وهو أصل عند أهل العلم، ولذلك قال جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم بمشروعية الكفالة، وإن كان هناك اختلاف في قول عن الإمام الشافعي رحمه الله في مسألة الكفالة أنها لا تصح، وصحح طائفة من أصحابه قوله بجوازها ومشروعيتها.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.
وعلى هذا فإن الكفالة مشروعة كالضمان؛ لأن المقصود من الكفالة ومن الضمان حفظ حقوق الناس، ووجود الكفلاء ووجود من يضمن يعتبر شيئاً من الاستيثاق، وعلى هذا تطمئن لحقك، فإنك قد تثق بزيد الكفيل أكثر من ثقتك بغيره، وفي مشروعية هذا النوع من المعاملات لا شك أن فيه حكماً عظيمة وفوائد جليلة كريمة، فبهذا النوع من المعاملات تتحصل المصالح وتدفع المفاسد.
والمصنف رحمه الله من دقّته ذكر المسائل التالية: المسألة الأولى ذكر فيها ضمان الديون الواجبة، ومثّلنا لذلك وبيّنا دليل مشروعيته والأصل فيه، ثم بعد أن فرغ من بيان الديون الواجبة والمستقرة شرَع في ضمان الديون التي تئول إلى الوجوب، كما ذكرنا في العارية والأمانات إذا تعدى فيها المتعدي، ثم كذلك أشرنا إلى النوع الثالث من الضمان، وهو ضمان الديون المضافة إلى المستقبل، كقولك: أعط فلاناً ما يحتاجه وأنا ضامنٌ لك.
كأن تقول: لصاحب بقالة: إذا أتاك صاحب عائلة، فأعطه ما يحتاج، وأنا أضمن لك نهاية الشهر إن لم يسددك أسددك، فهذا ضمان بما يئول في المستقبل إلى الدين.
فعندنا ثلاثة أنواع من الديون: الديون المستقرة الثابتة، كرجل له على آخر مائة ألف، فتقول: أنا أضمنه أن يسددها، في دين ثابت مستقر، والديون التي تئول إلى الوجوب، وذلك كما في العارية إذا تعدى عليها، وكذلك أيضاً في الأمانات إذا تعدى فيها.
كذلك النوع الثالث: وهو الضمان فيما يئول إلى الدين مستقبلاً، كما مثلنا بصاحب البقالة، فهذا ضمانٌ بدينٍ في المستقبل فليس بحال ولا ثابت.
وعلى هذا بعد أن فرغ من الثلاثة الأنواع شرع في النوع الرابع، وهو مضاف إلى ما قبله، وحقيقته أن تتكفل بضمان الشخص نفسه، أي: تتكفل بإحضار الشخص نفسه لأخذ الحق منه، فإن تكفّلت بإحضاره، فحينئذٍ تكون ملزماً شرعاً بإحضار هذا الخصم أو إحضار هذا المدين لصاحب الحق، على حسب ما وقع الاتفاق بينكما، ومن هنا تكون الكفالة أشبه بالعقد، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، فأنت إذا قلت: أنا كفيل بأن أحضِر لك فلاناً في نهاية الشهر إلى مجلس القضاء أو نحو ذلك، فقد ألزمت نفسك، وحينئذٍ يكون عقد الكفالة عقداً إلزامياً، فلا تملك الخروج من الكفالة إلا بصفة شرعية، أو بإذنٍ شرعي يبيح لك أن تخرج من هذا الالتزام.
والله تعالى أوجب علينا أن نفي بالعقود، فأنت إذا قلت: أنا كفيله أو أنا متكفِّل به، فأنت ملزم به، ثم تقوم الكفالة على كافل، وهو الشخص الذي يتحمّل، وهي اسم فاعل، فالكافل هو الذي يفعل الكفالة ويقوم بها، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) يعني الذي يقوم بكفالة اليتيم، فالكافل هو الشخص نفسه، والمكفول هو الذي عليه الدين وعليه الحق، أو الذي يجب حضوره إلى مجلس القضاء.
وقد يكون المكفول عيناً كما يكون شخصاً، كما تقول: أنا متكفل بإحضار فلان، فقد تتكفل بالعين، والكفالة بالعين مثلما يقع في العواري، كرجلٍ جاء إلى آخر وقال له: أعطني سيارتك أريد أن أذهب بها إلى مكان كذا، فيقول له: أعطيكها ولكن بشرط أن تحضرها لي غداً، فقال له: قبلت، يقول له: أعطني كفيلاً بإحضارك لها غداً، فيأتي الشخص بكفيل ويقول: أنا متكفلٌ بإحضار السيارة لك غداً، فهذه كفالة بعين، فهناك كفالة للشخص وكفالة للعين.
إذا قلت: أنا متكفلٌ بإحضاره، أو متكفلٌ ببدنه، أو متكفلٌ بذاته لا إشكال، لكن الإشكال إذا أضفت الكفالة إلى الجزء، فقلت: أنا كفيل برأسه، أو كفيل بيده، أو ك

حكم الكفالة في الحد والقصاص

كفالة البدن في الحقوق كالقصاص، وهذه كانت تقع في القديم، ويحتاج إليها كثيراً، كرجلٍ اعتدى على رجل، وحكم القاضي بالقصاص، فالتمس من الأولياء الذين لهم الحق أن يذهب إلى أهله، ويبرئ ذمته من الحقوق التي عليه، فقال لهم: أريد مهلة أسبوعاً قبل القصاص، أن أذهب إلى أهلي وأستوفي ما عليَّ من الحقوق، وأفعل وأفعل، فأولياء المقتول، أو صاحب الحق الذي له القصاص، قال: أعطني كفيلاً يقوم ويتكفل بإحضارك، فيقول شخص: أنا كفيله، وأنا متكفل بإحضاره.
وكثيراً ما كانت تقع هذه الكفالات من الوجهاء، كمشايخ العشائر ونحوهم ممن لهم قوة على الإحضار.
هذا النوع اختلف فيه العلماء على وجهين مشهورين: بعض العلماء يقولون: يصح هذا النوع من الكفالة، ومذهب الحنابلة على عدم صحته، فهم يرون أن الكفالة لا تقع إلا في البدن الذي عليه دين، دون الذي عليه حد أو قصاص، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا كان كفيلاً ببدن من عليه الدين فإنه يتحمل عنه كالضمان، لكن إذا كان في قصاص فإنه لا يمكننا أن نقتص من هذا الكفيل.
وقد أجاب عنهم من قال بجوازه، وهم طائفة من السلف منهم المالكية، قالوا: إنه لا يكفل إلا من كان قادراً على إحضاره، وفي بعض الأحيان يعجز غيره عن الإحضار، فالناس بحاجة إلى هذا النوع من الكفالة، كما يفعله وجهاء العشائر ونحوهم؛ وذلك لاستطاعتهم، فأنت تريد أن تمهل هذا الخصم، ولكن تريد ما تستوثق به، فإذا وُجِد من يتكفل بإحضاره فلا شك أنه تتحصل بذلك المصالح العظيمة، ثم إننا لا نقتص من الكافل، وإنما نقتص من المكفول، إلا أن فائدة هذا النوع من الكفالة المعونة على إحضاره، والمعونة على الرفق، فإذا رضي أولياء الحق في الحد والقصاص بذلك فلا وجه للمنع.
في هذه الحالة تكون الكفالة في بعض الأحيان بإحضار من عليه قصاص إلى مجلس القضاء.
كأن تقول: أنا كفيل بإحضاره إلى مجلس القضاء، أو إلى موضع القصاص في يوم كذا، ففي هذه الحالة تكون متكفلاً بالإحضار.
هذا بالنسبة لمسألة الكفالة في الحدود والقصاص.
نرجع إلى الكفالة التي اختارها المصنف، وهي الكفالة بالبدن في مالٍ مضمون كالدَّين ونحوه، إذا تكفّل بالبدن فإنه يقول: أنا كفيلٌ بحضور فلان، فإذا أحضره إلى مجلس القضاء برئت ذمته، فتكون متعلِّقة بالبدن.
قال: [لا حد ولا قصاص] قوله: (لا حد ولا قصاص) أي: لا تقع الكفالة في الحد، ولا تقع الكفالة في القصاص؛ لأنه إذا تعذّر في هذه الحالة إحضار المكفول، فإنه لا يمكننا أن نقتص من الكافل، وعلى هذا قالوا: إنه لا تقع الكفالة لا في الحدود ولا في القصاص، ولكن الفائدة عند من قال بمشروعيتها أنه يلزم بحضور المكفول، وفي هذه الحالة يضغط عليه القاضي، وعند المالكية وجه أنه إذا ثبت عند القاضي أنه قادرٌ على إحضاره ولم يحضره، أو تساهل في إحضاره عزَّره، ولربما اضطر إلى الضغط عليه حتى يحضره، وهذا النوع من الكفالة لا شك أن القول بمشروعيته وجوازه فيه قوة.
قوله: لا حد، الحد: هو العقوبة المقدَّرة شرعاً، ويشمل هذا الزنا والعياذ بالله! ففي الزنا عقوبة محددة.
والعقوبات في الشريعة تنقسم إلى: عقوبة محددة، وعقوبة غير محددة، فالعقوبات المحددة يصطلح العلماء على تسميتها بالحدود، وسميت بذلك والمناسبة فيها واضحة، وأما بالنسبة للعقوبات غير المحددة، فهذه هي التعزيرات، وهي ترجع إلى نظر القاضي، إذ ينظر فيها إلى حال الجريمة وحال المجرم، والزمان والمكان والمعتدى عليه.
القصاص أصله من قص الأثر إذا تتبعه، والقصاص يقع في الأنفس ويقع في الأطراف، ومذهب طائفة من العلماء كما ذكرنا: أنه تجوز الكفالة في الحد وتجوز الكفالة في القصاص.
فإذا ضمِن أو تكفّل بإحضاره من أجل أن يقام عليه الحد، أو من أجل أن يقام عليه القصاص فإنه كفيله، وحينئذٍ يحبس مكانه إذا عُلِم أو ثبت عند القاضي تفريطه، أو ثبت عند القاضي تمالؤه مع الخصم على الفرار ونحو ذلك.
وفائدتها أنها تعين على الوصول إلى الحقوق وتساعد على ذلك.

عدم صحة الكفالة دون رضا الكفيل لا المكفول

قال رحمه الله: [ويعتبر رضا الكفيل لا مكفولٍ به] قوله رحمه الله: (ويعتبر رضا الكفيل)؛ لأنه يتحمل المسئولية ويدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون راضياً بذلك، وعلى هذا فلا تصح الكفالة بالإكراه، فلو هدده وأكرهه على أن يكفله، فإن الكفالة لا تثبت إذا ثبت ذلك عند القاضي، كرجلٍ مثلاً له على رجل مائة ألف، فقال له: أعطني كفيلاً، أو إذا أحضرت فلاناً من الناس يكفلك فأنا أعطيك هذا الدين، فذهب إلى رجل وهدده، وقال له: إذا لم تكفلني فإنني سأقتلك، فكفله مكرهاً.
وإذا ادعى هذا الكفيل عند القاضي أنه أُكرِه على الكفالة، وثبت ذلك عند القاضي فإن الكفالة لا تصح، فالكفالة لا تقع إلا إذا كان الكفيل راضياً بالكفالة؛ لأنه يدخل على نفسه الضرر، فلابد وأن يكون على بينة من أمره.
قوله: (لا مكفول به) الشخص الذي يُكْفَلُ أيضاً لا يشترط رضاه، كالوالد يكفل ابنه، سواءً رضي الابن أو لم يرض، ففي بعض الأحيان لا يرضى الابن بكفالة أبيه؛ لأنه يخشى على أبيه الضرر فيمتنع، فرضاه وعدم رضاه غير معتبر، يقولون: إن الرضا غير معتبر في الكفالة بالنسبة للشخص المكفول، سواءً رضي أو لم يرض، إلا أن بعض العلماء استثنى الكفالة من الأب لابنه، فقالوا: إنه في هذه الحالة يدخل الضرر على والده، ومن حقه أن يمتنع؛ لأن الله يقول: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:83]، فلا يكون المكفول سبباً في أذية والده والإضرار به.

الحكم إذا مات المكفول أو تلفت العين بآفة سماوية

قال رحمه الله: [فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى] قوله: (فإن مات) إذا كنت كفيلاً بإحضار شخصٍ ومات الشخص، فهذا عجز حقيقي، ويستحيل أن تحضره، وحينئذٍ لست مطالباً بهذا الإحضار؛ لأنه يتعذر إحضاره، فتسقط الكفالة وتصبح في هذه الحالة غير مطالبٍ بضمان الدين، وهذا وجه عند بعض العلماء، واختاره المصنف، والمذهب على ذلك، وقال بعض العلماء: بل تتحمل الدين كما لو كان حياً، فموته لا يبرئ ذمّتك، وإنما تبقى الكفالة على السنن المعتبرة حتى يحضر الأجل، ويقام ورثته مقامه وحينئذٍ تتحمّل، ويكون رجوعك إلى ورثته.
فإذا حضر الأجل وضمِنت ودفعت الدين، يكون لك وجه المطالبة على ورثته.
قوله: (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) كأن تكون مثلاً السيارة التي ضمنت رجوعها تلفت بآفة سماوية، وليس بفعل آدمي، كأن يأتي سيل ويجتاحها، ويكون الذي أخذها واستعارها غير مفرط، أما لو فرّط كأن أوقفها في مكان السيل، فإنك تضمن؛ لأنك تضمن تعديه، فإذا أوقفها في أماكن هي عرضة فيه للتلف وللآفات فإنه يتحمّل، وحينئذٍ تكون متحملاً معه؛ لأن ذمتك انضافت إلى ذمته في الكفالة.
أما لو أنها تلفت بآفة سماوية، وبشيءٍ لا دخل للآدمي فيه، ولم يكن ثم تفريط، فإنك لا تضمن، وترتفع الكفالة بتعذر إحضار العين.

براءة الكفيل بتسليم المكفول عنه نفسه إلى القضاء

قال رحمه الله: [أو سلم نفسه برئ الكفيل] فمثلاً: لو قلت: إذا جاء أول محرم، فإني ألتزم بإحضار المذكور إلى مجلس القضاء، أو ألتزِم بتسليم المذكور إلى صاحب الدين.
فلما حضر الأجل جاء المكفول، وسلّم نفسه، فإنه إذا سلّم نفسه سقطت الكفالة، وعليه فلو سلّم نفسه وفر بعد استلامه لم تكن متحمّلاً لشيء؛ لأنه بتسليمه لنفسه تكون قد سقطت الكفالة، وبرئت أنت من هذه الكفالة؛ لأنه إن فرّ بعد تمكِّن صاحب الحق منه، أو فر بعد حضوره إلى مجلس القضاء، فالتفريط ليس منك، ولست بمتحمل مسئوليته، إنما يتحمل ذلك من فرّط فيه حتى فر.
وعلى هذا فإنه إذا سلم المكفول نفسه برئ الكافل.

حكم تسليم المكفول عنه نفسه قبل الأجل

لكن هنا مسألة ذكرها بعض العلماء: وهي فيما لو سلم نفسه، أو قمت بتسليمه قبل الأجل، لو قال: أنا ألتزم بإحضار محمد في أول محرم، فأحضره في شهر ذي القعدة، فبعض العلماء يقول: لا يبرأ الكفيل إلا إذا حل الأجل، وقال بعض العلماء فيه تفصيل: إن كان قد قدمه على الأجل على وجه فيه ضرر على صاحب الدين، فإنه لا وجه لهذا التقديم، وأما إذا لم يكن هناك ضرر على صاحب الدين وأحضره قبل الأجل، فإنه يتحمل المسئولية حينئذٍ، وهذا القول الثاني أوجه وأصح، ويختاره غير واحد من العلماء رحمهم الله.
لقد ذكرنا أن باب الضمان وباب الرهن يجتمعان في مسألة الاستيثاق، والحوالة أيضاً تعين على الوصول إلى الحق، ونظراً لتجانس هذه الأبواب، باب الرهن، وباب الكفالة، وباب الضمان، وباب الحوالة، ذكرها المصنف رحمه الله تباعاً.

نصيحة لطلاب العلم بتعلم المسائل المعاصرة

لكن هذه المسائل كثيراً منها ما يقع في القديم وبيّناها وتكلمنا عليها، سواءً مسائل الضمان أو الكفالة، لكن في عصرنا الحاضر، بعض المسائل الموجودة التي خُرِّجت على الكفالة القديمة، وكثيراً ما تقع هذه المسائل في الديونات، وتشتهر في المعاملات الموجودة في المصارف، من ذلك ما يسمى: بالضمان البنكي، وخطاب الضمان، والاعتماد المستندي، و (الكمبيالة)، ونحو ذلك من البطاقات التي تُصدَر للاستيثاق بالديون، ونظراً لوجود الحاجة، وتعلقها بالأبواب التي بحثناها، والمسائل التي تعرضنا لها، فإننا نحتاج لبيان هذه المعاملات المعاصرة؛ لأن هذا أمر متصل بالمسائل التي معنا، ولا يمكن لطالب العلم أن يدرس المسائل القديمة، فيقرأ مثلاً عن البر والشعير والقمح، ثم لما يأتي يعايش الناس، وإذا به يجدهم يتعاملون بأشياء وبمسميات غريبة، وقد يقف حائراً، حتى إنه لربما وقف حائراً في معاملة تتعلق به نفسه، فلا يدري ما حقيقة هذا التعامل الموجود، وما موقف الشريعة الإسلامية منه، ولذلك كان لزاماً على طالب العلم أن يدرس هذه المسائل، وأن يعرف حكم الله عز وجل فيها، حتى يكون على بيِّنة من أمرها فيما يتعلق بنفسه، وفيما يتعلق بالناس إذا سألوه ونحن إن شاء الله سنذكر في الدروس القادمة خطاب الضمان، ونبيِّن حقيقته، وتعريفه، وكذلك أيضاً الاعتماد المستندي، والبطاقات، نبين حقيقتها، ثم بعد ذلك نبيِّن هل هي مخرَّجة على الكفالة؟ وإذا تخرّجت على الكفالة، ما الذي يجوز من صورها؟ وما الذي لا يجوز؟ ونفصل إن شاء الله في تلك المسائل سائلين الله عز وجل أن يلهمنا وإياكم السداد والرشاد! وأن يجعل ما نتعلمه ونعلمه خالصاً لوجهه الكريم، موجباً لرضوانه العظيم.

ما يجب على أهل مكة تجاه حجاج بيت الله الحرام

أحب أن أنبه على أمر مهم جداً، وهو أنكم تعلمون أن هذه الأيام يعيش الناس فيها موسم الحج، ونظراً لما أكرمكم الله عز وجل به من جوار هذا البيت الذي شرّفه الله وكرّمه، وفضّله على سائر البقاع، وجعله مثابة للناس وأمناً، فالناس ينظرون إليكم نظرة إجلالٍ وإكبار، ومن جاور هذا البيت خليقٌ به أن يحفظ حرمته، وأن يحفظ كذلك لعماره وحجاجه حقوقهم، وأن يكون كأحسن ما يكون عليه المجاور لبيت الله الحرام، خاصة طلاب العلم، فإنهم قدوة للناس، والناس تهتدي بالأخيار، وتهتدي بالصالحين، وكم من سنن أُحْيِيَتْ، وكم من بدعٍ أُمِيْتَتْ حينما حرص الأخيار على بث الخير، والتخلق بآداب الأخيار في الأقوال والأفعال، فظهرت منهم الأقوال الحميدة، والخصال الكريمة، التي تدل على أن وراء هذه الأقوال وهذه الأفعال قلوباً تخاف الله جل جلاله، وترجو رحمته، وإن خير ما ينتظره منكم الحاج والمعتمر في بيت الله الحرام، القدوة الصالحة، وخير ما ينتظره منكم الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شك أن المسلم مطالب بأن يهتدي ويقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا كان بهذا الحال الذي يستوجب عليه الأمر أكثر.
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، والحرص على السنة، والاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اهتدى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الله يرحمه، ويهديه ويوفقه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158]، فمن اتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنه من المهتدين.
وهذا الفعل منا يستوجب أموراً: أولها وأعظمها وأكرمها عند الله: الإخلاص، فعلى الإنسان المسلم أن يعامل إخوانه وهو يريد ما عند الله عز وجل، فالحجاج والمعتمرون يحتاجون إلى المعاملة الحسنة، التي يبتغي صاحبها الأجر والمثوبة من الله، فالشخص الذي يتعامل معهم وهو يستشعر أنهم ضيوفٌ على الله، وأنهم أتوا طالبين لرحمة الله، راجين لعفوه ومنِّه وكرمه.
فخليقٌ بالمسلم أن يعامل الله سبحانه وتعالى حتى يعظم أجره في ذلك، ولا يزال الرجل بخير إذا أخلص العمل لله، وأراد ما عند الله سبحانه وتعالى، وكم من عملٍ قليل عظَّمْته النية، وبارك الله فيه بإخلاص صاحبه، والكلمة التي تخرج من القلب المخلص تقع في القلوب، وتؤتي ثمارها، ويعظم أجرها، ويرضى عنها ربها.
فالكلمة التي تخرج لله وفي الله هي التي تكون في ميزان العبد، ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:9 - 11]. الأمر الثاني: الحرص على الخلق الحسن: (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وسلموا من زلات جوارحه وأركانه، ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يراقب تصرفاته وأفعاله، والله إنهم ينظرون إليكم نظرة قد لا يشعر الإنسان بقدرها، ولكنه لو تتبع مشاعر الحجاج والعمار، لوجدهم يراقبونه في كل تصرفاته، فكم من أمور يراها الحجاج ويراها المعتمرون تثبت من الخير والطاعة والبر، حببت إلى قلوبهم حينما رأوها من جيران بيت الله الحرام، وهذا شيء نعرفه من كلام الناس، ومن كثرة ما تناقلوه، فهم إذا قدموا على الحرمين ورأوا الخير من أهل الحرمين أحبوا الخير واقتدوا بهم، واهتدوا بهم، والعكس بالعكس، والأخلاق هي شيمة المسلم، إذا أراد الله أن يثقل ميزان العبد رزقه الخلق الحسن، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من تقوى الله وحسن الخلق).
ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: (تقوى الله وحسن الخلق).
وثبت في الحديث الصحيح أنه قال: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، فالعبد إذا حسنت أخلاقه، وطابت شمائله، وكان أليفاً موطأ الكنف، فإن الله عز وجل يثقل موازين حسناته بذلك، ومن هنا قال صلى الله عليه وآله وسلم مبيّنا فضل هذه الخصلة الكريمة، والخلة الجليلة العظيمة: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)، هؤلاء إخوانكم في الله، وإخوانكم في الإسلام، وإذا لم يتراحم المسلمون فيما بينهم، ولم يحصل بينهم الألفة والمحبة والمودة والأخوة الإسلامية، والأخوة الإيمانية، فأين تظهر؟! وإذا لم يكن جيران بيت الله الحرام يفعلون ذلك فمن الذي يفعله؟! هم ينتظرون منكم أن تفتحوا لهم صدوركم وقلوبكم بالمحبة والمودة، لا تنظروا إلى الناس بألوانهم، ولا تنظروا إلى الناس بغناهم وثرائهم، ولا تنظروا إلى الناس بمناصبهم ولا بجنسياتهم، ولكن انظروا إلى أخوة الإسلام التي بينكم وبينهم، وتنظر إلى كبيرهم كوالدٍ لك، وتحبهم وتجلهم لله وفي الله، والابتسامة التي تبتسم بها في وجه أخيك المسلم صدقة، فكيف وهم في غربة وبعدٍ عن الأوطان، مع مشقة السفر وعنائه، فإذا جاء ولقي منك الابتسامة، وهو يراك شيئاً كبيراً، كيف تقع هذه الابتسامة في قلبه، الله أعلم كم من مهموم مغموم حينما يرى أخاه المسلم مبتسماً في وجهه، تتبدد عنه أحزانه وأشجانه، الابتسامة التي تراها يسيرة، ولكنها عند الله كبيرة، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق)، فإذا لقيهم المسلم يلقاهم بالابتسامة، ولا يبتسم من أجل الغنى واللون والحسن والنسب، لا، ولكن لله وفي الله، ومن أكمل الناس خلقاً الذي لا تفارق الابتسامة وجهه لأصغر الناس وأكبرهم، وطالب العلم الكامل هو الذي يبتسم للناس جميعاً بالإسلام، لا بأحوالهم، ولا بصفاتهم، ولا بمراتبهم، والله يعلم منه أنه يحب الكبير كما يحب الصغير، فإذا بلغ المسلم هذه المرتبة فهذه نعمة من الله، كذلك الكلمة الطيبة؛ فقد تجد منه ما يجرحك فتقابله بالكلمة الطيبة؛ لأنك تقدر مشاعره في غربته وتعبه ونصبه وعناء السفر، كذلك أيضاً ينتظرون منك الأخلاق الحميدة في تفريج الكربات وستر العورات، ولعل الله عز وجل أن يكف عن وجهك النار بصدقة تتصدق بها على ضيفه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أن امرأة دخلت على عائشة ومعها صبيتان، فاستطعمتها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة تمرة، ثم أخذت التمرة الثالثة تريد أكلها، فلما أدنتها إلى فمها استطعمتها إحدى البنتين، فأعطتها التمرة، فعجِبت عائشة من صنيعها! فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها أخبرته بخبرها، فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عائشة أتعجبين مما صنعت! إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك).
بتمرة واحدة حجبها الله بها عن النار، فكيف إذا جئت ووجدت أحدهم ضامئاً فسقيته الماء، فأطفأت حر ضمئه، فدعا لك دعوة تسعد بها في دينك ودنياك وآخرتك، كيف إذا رأيت من كان منهم كبير السن فتجده ضائعاً هائماً على وجهه، فتساعده كأنه والدك، وكأنه إنسان قريبٌ منك بأخوة الإسلام، فتضحي لأجله فيُكبِر هذا الشيء منك، فيدعو لك دعوة تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة، ولربما ترى منهم المديون، وترى منهم المعسر، فتفرج كربته، وتعينه على عبادته، فهذا خير كبير وباب عظيم فتحه الله لك، وما عليك إلا أن تحتسب الأجر عند الله عز وجل، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم السداد والرشاد.
كذلك أيضاً مما ينبغي الحرص عليه تعليم الحجاج، فإنهم يحتاجون إلى التعليم والتوجيه، خاصة من طلاب العلم، وأهم ما ينبغي الاعتناء به: الإيمان، والتوحيد، والإخلاص؛ لأنه أساس الدين، فلابد من تعليمهم حق الله عز وجل، وأنه لا يجوز صرف حق الله لغيره كالدعاء، والاستغاثة، والاستجارة، فما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يدعو غير الله! وما الفائدة من أن يأتي يحج وهو يستغيث بغير الله! وما الفائدة من أن يأتي ويحج وهو يذبح لغير الله! ويعتقد بغير الله، هذا أمرٌ عظيم ينبغي لطالب العلم أن ينتبه له، فالعقيدة هي أساس الدين الذي لا يمكن أن يقبل الله قول القائل، ولا عمل العامل إلا بتحقيقها، والقيام بحقوقها، وتذكيرهم بحق الله عز وجل.
كذلك أيضاً عليك أن تبين لهم صفة حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا رأيت الجاهل علّمته، وإذا رأيت المخطئ قوّمته وصوّبته، نسأل الله العظيم أن يرزقنا وإياكم الإخلاص، وأن يتقبل منا ومنكم صالح القول والعمل، والله تعالى أعلم.

الأسئلة

المبادرة بسداد الدين عن الميت وإن لم يحل أجلها

السؤال

إذا ضمن الأبناء دين أبيهم المتوفّى فهل تبرأ ذمته بمجرد ضمانهم، أم بعد سداد الدين، خصوصاً إذا كان الدين على شكل أقساطٍ شهرية تستمر لسنوات، أثابكم الله؟

الجواب

باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالدين أمره عظيم، وخطبه جسيم، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (نفس المؤمن مرهونة بدينة) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه أُتِي برجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله! -يعني: الدينارين اللذين كانا على الرجل- فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه، قال: فلما لقيني من الغد، قال: ما فعل الديناران؟ قلت: نعم، قال: الآن بردت جلدته)، فلو قال أولياء الميت: نحن نتكفّل بدين ميتنا، فإنه لا تزال نفسه مرهونة حتى يسدد الدين عنه، ولذلك يقول العلماء: من مات حلّت ديونه، حتى ولو كانت أقساطاً فإنها تحل، وتسدد مباشرة، ما دام أنه ترك سداداً يباع ذلك الشيء ويسدد حتى تبرأ ذمته، ويستريح في قبره، قال بعض العلماء: إنه يرهن، والرهين المحبوس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38]، أي: مرهونة ومحبوسة، فقوله عليه الصلاة والسلام: (نفس المؤمن مرهونة بدينه)، قالوا: معناه أنه لا ينعم، ويحبس عن النعيم حتى يسدد دينه، وهذا أمر عظيم جداً، فعلى المسلم أن يبادر بسداد الدين، خاصة إذا توفِّي الميت وترك أشياء يمكن سداد دينه منها، كأن تكون هناك سيولة من نقد، بل حتى ولو ترك مزارع أو بيوتاً فتباع، ويسدد دينه، وتبرأ ذمته؛ لأنه بحاجة إلى ذلك، خاصة إذا كان من الوالدين، فعلى الأولاد أن يبادروا بسداد دينهم، وكان بعض العلماء يقول: إن هذا من أعظم البر بعد وفاة الوالد والوالدة، وهو المبادرة بسداد الديون، وهذا أمرٌ عظيم، وينبغي أن يعتنى به، ونسأل الله العظيم أن يسلمنا، ويسلِّم منا، والله تعالى أعلم.

التشابه بين النذر والضمان من حيث القياس

السؤال

هل من الممكن القول بأن النذر في العبادات مشابهٌ للضمان في المعاملات بجامع كون كلٍ منهما التزاماً في الذمة، بيد أن النذر لا تراجع فيه، والضمان من الممكن أن يتراجع عنه أثابكم الله؟

الجواب

النذر لا شك أنه إلزام للمكلّف ما لم يلزمه، والضمان يلتزم فيه ما لا يلزمه في الأصل، وأما مسألة النذر فيلزمه الوفاء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لـ عمر: (أوف بنذرك)، فالوفاء بالنذر واجب، ما دام أنه قد استوفى الشروط المعتبرة لانعقاده وصحته.
وأما بالنسبة لمسألة الضمان، فالضمان لا يستطيع أن ينفك عنه، فالتشابه بينهما قوي من حيث القياس، لكن الإشكال ليس هنا، الإشكال في جهة نوعية الحق، فإن حقوق الله مبنية على المسامحة، وحقوق المخلوقين مبنية على المقاصة، فمن ناحية جنس الحقين هناك تفاوت، ولذلك قد يُعترض بأنه قياس مع الفارق في بعض الصور، إذا كان حق الآدمي آكد، والله تعالى أعلم.

عدم جواز ضمان العين المستأجرة بالمال

السؤال

هل من حق المؤجر أخذ ضمانٍ على العين المستأجرة، بحيث يتم الخصم من الضمان إذا أخل المستأجر بالعين المستأجرة أثابكم الله؟

الجواب

بالنسبة للعين المؤجرة يضمن الشخص، لكن لا يقول: أعطني مالاً أخصم منه، أو نحو ذلك، إنما يقول: أنا ضمين، أو يأتي بشخص يقول: أنا أكفل أن ترجع لك العمارة كما هي، أو أكفل لك أن فلاناً يرد لك الدكان أو البقالة كما أخذها، فحينئذٍ تكون الكفالة من الشخص، لكن أن يعطيه مالاً وسيولة فلا، وعلى هذا فإنه لا تصح الكفالة إلا على الصفة الشرعية التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.

لزوم عقد الإجارة بمجرد العقد

السؤال

هل عقد الإجارة يُلزم به الطرفان لمجرد العقد، أم بالشروع فيما وقعت عليه الإجارة أثابكم الله؟

الجواب

عقد الإجارة يعتبر لازماً في قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1]، وبناءً على ذلك لو قال لك شخص: أجِّرني هذه العمارة بمائة ألفٍ شهرين، قلت له: قبلت، وافترقتما عن المجلس، فإنه يلزمك أن تمكِّنه من العمارة، ويلزمه أن يدفع المائة ألف، هذا بالنسبة لمعنى قولنا: إنه لازم، فلو عقدتما العقد وخرج من عندك، ثم قال: لا أريد أن أستأجرها، يلزمه القاضي بالاستئجار، ولو خرجتما وافترقتما، فقلت: لا أريد أن أؤجرك؛ تُلزَم بإجارتها.
وهكذا لو استأجرت من شخص شقة بستة آلاف في السنة، وكتبتما العقد، أو قلت له: أجِّرني شقتك بستة آلاف هذه السنة، فقال: قبلت، وتم العقد، فلكما خيار المجلس ما دمتما في المجلس؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
والإجارة بيع منافع، فإن افترقتما فحينئذٍ تُلزم بدفع الستة آلاف أجرةً للشقة، ويلزمه أن يمكِّنك من الشقة لأجل أن تسكنها، فلو قال لك: لا أريد تأجيرها وقد رجعت عن كلامي، وكان رجوعه بعد الافتراق، فإنه يُلزم شرعاً بالعقد، هذا معنى قولنا: إن الإجارة عقد لازم، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله ومنهم الأئمة الأربعة، ومن خالف فقال: إنها عقدٌ غير لازم فخلافه شاذ كما أشار إلى ذلك بعض العلماء، والله تعالى أعلم.

جارٍ التحميل